Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
الصغير فالاحتياط أن يعقد مرتين؛ مرة بمهر مسمى ومرة بغير تسمية لأمرين: أحدهما أنه لو كان في التسمية نقصان لا يصح النكاح الأول ويصح النكاح الثاني بمهر المثل.
والثاني: أن الزوج لو كان حلف بطلاق امرأته يتزوجها بلفظ أي، أو بلفظ كل امرأة يتزوجها فينعقد النكاح الثاني ويحل وطؤها، وإن كان الأب والجد زوجها فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله للمعنيين جميعاً، وعند أبي حنيفة ﵀: للمعنى الثاني في «فتاوى أبي الليث» ﵀.
وأما إذا لم يؤد الأب ذلك حتى مات الأب فهذه صلة لم تتم للابن، ثم المرأة بالخيار إن شاءت أخذت الصداق من الزوج وإن شاءت أخذت من تركة الأب، فإن أخذت من تركة الأب رجع سائر الورثة بذلك في نصيب الابن أو عليه إن كان قبض نصيبه عند أصحابنا الثلاثة ﵏ في شرح «الكافي» باب نكاح الصغير والصغيرة، وذكر الخصاف أن على قول أبي يوسف ﵀: سائر الورثة لا يرجعون بذلك في نصيب الابن ولا عليه إن كان قد قبض نصيبه. ووجه ذلك: أن هذا الضمان انعقد غير موجب للرجوع، ألا ترى أن الأب لو أدى ذلك في حياته وصحته لا يرجع بذلك في مال الابن فلا ينقلب موجباً للرجوع بعد ذلك، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا: إذا جعلت الأداء في حالة الصحة، وهذا كله إذا حصل الضمان في حالة الصحة.
أما إذا حصل الضمان في مرض الموت؛ فباطل لأنه قصد بهذا الضمان إيصال النفع، والمريض محجور عن ذلك فلا يصح. وكذلك كل دين ضمن عن وارثه أو لوارثه في مرض موته فهو باطل لما قلنا، وفي «البقالي» : إذا قال الأب: اشهدوا أني زوجت ابنتي فلانة بألف من مالي لم تلزمه إلا أن يؤدي وتكون صلة قال: كأنه عن أبي يوسف ﵀.
امرأة زوجت ابنتها وهي صغيرة وقبضت صداقها ثم أدركت فإن كانت الأم وصيتها فللبنت أن تطالب أمها بالصداق دون الزوج، وإن لم تكن وصيتها فلها أن تطالب زوجها، والزوج يرجع على الأم؛ لأنها قبضت وليس لها حق القبض، وكذا هذا الجواب في سائر الأولياء سوى الأب والجد.
ذكر ﵀ في الباب الأول من نكاح «واقعاته» : غير الأب والجد إذا زوج الصغير فالاحتياط أن يعقد مرتين؛ مرة بمهر مسمى ومرة بغير تسمية لأمرين: أحدهما أنه لو كان في التسمية نقصان لا يصح النكاح الأول ويصح النكاح الثاني بمهر المثل.
والثاني: أن الزوج لو كان حلف بطلاق امرأته يتزوجها بلفظ أي، أو بلفظ كل امرأة يتزوجها فينعقد النكاح الثاني ويحل وطؤها، وإن كان الأب والجد زوجها فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله للمعنيين جميعاً، وعند أبي حنيفة ﵀: للمعنى الثاني في «فتاوى أبي الليث» ﵀.
الفصل الحادي عشر في نكاح الأبكار
اعلم بأن السكوت من البكر البالغة جعل رضاً بالنكاح سواء استأمرها الولي قبل النكاح أو زوجها الولي قبل الاستئمار، فبلغها الخبر فسكتت. والأصل فيه قوله ﵇: «البكر تستأمر في نفسها فسكوتها رضاها» والحكمة في ذلك صيانة مصلحة النكاح عن الفوات في حق الأبكار وهذا لأن النكاح لا ينفد على البكر البالغة من غير رضاها، إنما يعرف من جهتها وهي تستحيي عن الرضا صريحاً لما فيه من إظهار الرغبة في الحال لو لم يكتف بسكوتها لجواز النكاح فإن مصالح النكاح (تتعطل) . وإنما جعل السكوت من البكر البالغة إذناً إذا كان المستأمر وليّاً، أو كان ولياً إلا أن هناك وليٌّ وآخر وهو أقرب إلى المرأة من هذا الولي المستأمر، فالسكوت لا يكون إذناً في حق الولي المستأمر إلا إذا كان الولي المستأمر رسول الولي.
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ أن المستأمر أو المخبر عن النكاح إذا لم يكن وليّاً ولم يكن رسول الولي فسكتت كان سكوتها رضا في ظاهر الرواية، وذكر الكرخي ﵀ أنه لا يكون رضاً.
وفي «البقالي» : وأكثر المتأخرون على أن الرسول كالولي وقيل عن أبي حنيفة ﵀ خلافه في «النوادر» وهو ظاهر قول الكرخي، وقيل في الرسول بعد النكاح إنه كالولي، و (في) «مجموع النوازل» : أن المخبر بالنكاح إذا كان أجنبياً فسكتت هل يكون رضاً؟ فيه اختلاف المشايخ؛ والمختار أنه رضا، وفي «فتاوى شمس الأئمة السرخسي» ﵀ وشمس الإسلام الأوزجندي ﵀ أنه لا يكون رضاً، وهذا إذا سمى الزوج عندها تسمية تقع لها المعرفة به فكان الزوج كفؤاً والمهر وأما إذا أبهم الزوج لم يكن السكوت رضاً، وكذلك إذا سمى الزوج وسمى المهر والزوج ليس بكفء والمهر ليس بوافر إن كان الزوج كفئاً والمهر ليس بوافر أو كان المهر وافراً إلا أن الزوج ليس بكفء فالسكوت لا يكون رضاً في حق جميع الأولياء إلا في حق الأب والجد عند أبي
стр. 1052
حنيفة رحمة الله عليه؛ لأنهما وليّان عنده، أجنبيان عندهما، والمسألة معروفة، وإن كان المخبر أجنبياً ليس بولي والرسول عنه فإن كان المخبر رجلين عدلين أو غير عدلين أو كان رجلاً واحداً عدلاً لا يثبت النكاح، حتى لو سكتت ولم ترد يلزمها النكاح.
وإن كان المخبر رجلاً واحداً غير عدل فإن صدقته (في) ذلك ثبت النكاح وإن كذبته لا يثبت وإن ظهر صدق الخبر عند أبي حنيفة، وعندهما يثبت النكاح إذا ظهر صدق الخبر، وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: البكر البالغة إذا استأمرها أبوها في التزويج فسكتت فزوجها أبوها ثم قالت: لا أرضى ينظر إن كان الأب وقت الاستئمار لم يذكر ممن يزوجها ولم يذكر أنه بكم يُزوجها لا ينعقد النكاح ولها أن ترد. وإن كان الأب ذكر الزوج والمهر جميعاً بعد النكاح فلا يصلح الرد. وإن كان ذكر الزوج ولم يذكر المهر فإن وهبها بعد النكاح بمهر المثل، وإن زوجها بمهر مسمى لا ينعقد لأنه إذا وهبها فتمام العقد الزوج والمرأة عالمة بالزوج (وثم بالرضا) بهذا العقد.
وإذا زوجها بمهر مسمى فتمام العقد بالزوج، فيذكر البدل وهي غير عالمة بالبدل فلا يتم الرضا بهذا العقد، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح كتاب النكاح: إن اشتراط تسمية المهر عند الاستئمار قول المتأخرين من المشايخ لأن رغبتها تختلف باختلاف الصداق في القلة والكثرة. والكبيرة على ما عليه إشارات محمد ﵀ في كتاب النكاح تسمية المهر عند الاستئمار ليس بشرط، إنما الشرط تسمية الزوج فعلى ما عليه إشارات محمد ينفذ نكاح الأب في هذا الوجه وإن كان بمهر مسمى. وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «شرحه» : أنه إذا لم يسم لها الزوج أو المهر فسكتت، ففيه اختلاف المشايخ المتأخرين، فمنهم من رآه رضاً ومنهم من أبى مطلقاً من غير فصل بينما إذا وهبها أو زوجها بمهر مسمى، هذا إذا أخبرها بالنكاح (قبل) العقد. وأما إذا أخبرها به بعد العقد فسكتت ففيما إذا لم يذكر المهر أو الزوج.
قال الفقيه أبو نصر ﵀: ينفذ هو فرّق بين الماضي (واللاحق) (١٩٨أ١) .
وقال الفقيه أبو الليث ﵀ لا ينفذ، قال الصدر الشهيد ﵀ وهو الصحيح وعليه الفتوى، وفيما إذا ذكر الزوج والمهر ينفذ وفيما إذا ذكر الزوج، ولم يذكر المهر فالمسألة على التفصيل الذي ذكرنا، وهو اختيار الصدر الكبير برهان الأئمة تغمده الله بالرحمة والرضوان، قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀ إن أصحابنا ﵏ جعلوا السكوت رضاً في مسائل معدودة:
أحدها: في البكر إذا استأمرها وليها في التزويج.
الثانية: إذا قبض الأب أو الجد مهر البكر البالغة فسكتت كان سكوتها رضاً حتى برىء الزوج.
ولو قبض المهر غير الأب والجد فسكتت أو قبض الأب أو الجد سائر..... فسكتت لا يكون سكوتها رضاً.
стр. 1053
الثالثة: إذا سكت الشفيع بعدما علم بالبيع ساعة بطلت شفعته كما لو سلم الشفعة.
الرابعة: إذا تواضعا في السر أن يظهر البيع تلجئه ثم قال أحدهما علانية، بمحضر من صاحبه قد بدا لي أن أجعله بيعاً صحيحاً فسكت صاحبه ولم يقل شيئاً.... كان البيع جائزاً.
الخامسة: عبدٌ أسره المشركون فوقع بعد ذلك في غنيمة المسلمين وساقه في قسم واحد من الغانمين فباعه الذي وقع في سهمه ومولاه الأول حاضر عند البيع فسكت لا سبيل له على أخذ العبد بعد ذلك.
السادسة: إذا قبض المشتري البيع والبائع يراه فسكت ولم يمنعه من القبض بطل حقه في الحبس، ذكره الطحاوي ﵀ في باب المأذون، وهو مخالف لما ذكر محمد ﵀ في باب الإكراه.
السابعة: مجهول النسب إذا بيع وهو ساكت كان ذلك إقراراً منه بالرق ذُكر في كتاب الإقرار، زاد الطحاوي ﵀ وقيل له بعد البيع قم مع مولاك فقام فذلك منه إقرار بالرّق.
الثامنة: إذا رأى المولى عبده يبيع ويشتري فسكت صار العبد مأذزوناً في التجارة.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «شرحه» في النكاح: وكذلك الولي إذا رأى الصبي المحجور يبيع ويشتري..... والتكثير فسكت جعل فكاً للحجر.
التاسعة: وهب لرجل جارية والجارية حاضرة فقبلها وقبضها في المجلس بمحضر من الواهب ولم يأذن له الواهب بالقبض، ولم ينهه عنه بل هو ساكت، فإنه يثبت له إذن بالقبض استحساناً ويثبت الملك للموهوب له.h
ولو قام الواهب عن المجلس قبل قبض الموهوب له لم يصح قبضه حتى يأمره بذلك.
العاشرة: إذا باع بيعاً فاسداً والمبيع حاضر عند العقد فقبضه المشتري بحضرة البائع ولم يمنعه من قبضه وسكت كان إذناً له بالقبض حتى يملكه المشتري، دفع الثمن أو لم يدفع.
الحادي عشر: إذا قال: والله (لا) أُسْكِنُ فلاناً في داري، أو قال: والله لا أتركه في داري وفلان في دار الحالف فسكت الحالف بعد اليمين ولم يقل: اخرج منها حنث. ولو قال اخرج منها فأبى (أن) يخرج فسكت عنه لا يحنث في يمينه.
الثاني عشر: إذا كان الخيار للمشتري فرأى عبده الذي اشتراه يبيع ويشتري فسكت فهو اختيار للبيع وإبطال لخياره، ولو كان الخيار للبائع لا يكون إبطالاً لخياره.
والثالث عشر: إذا سكت عن نفي الولد حتى مضى على ذلك زيادة على يومين لزمه الولد في قول أبي حنيفة ﵀، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله إذا هنىء بالولد فسكت لزمه الولد، وزاد شمس الأئمة الحلواني ﵀ على هذه المسائل، ما إذا قال لغيره: بع عبدي فلم يقبل ولم يرد بل سكت ثم قام وباع جُعل بائعاً بتوكيل، وجعل السكوت منه قبولاً، وكذلك رآه غيره شق زقه فسكت حتى سال
стр. 1054
ما فيه لم يضمن الشاق ما سال منه واحتج على صاحب الزق بسكوته.
وهنا مسألة أخرى من هذا الجنس: إنّ غير الأب والجد إذا زوج الصغيرة فبلغت وهي بكر فسكتت ساعةً بطل، وجعل سكوتها بمنزلة الرضا صريحاً، ولو ضحكت البكر عند الاستئمار أو بعدما بلغها الخبر فهو رضاً، هكذا ذكر القدوري وشيخ الإسلام رحمهما الله، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أنها إذا ضحكت كالمستهزئة لمّا سمعت لا يكون رضاً، وإن ابتسمت فهو رضاً، هو الصحيح من المذهب، ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀، ولو بكت ذكر هشام في «نوادره» : أنه يكون رضاً، وذكر المعلى عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يكون رضاً، وذكر القدوري ﵀ في «شرحه» : أن عند أبي يوسف ﵀ فيه روايتان: في رواية لا يكون رضاً وهو قول محمد ﵀، ومن المشايخ من قال: إن كان النكاح عن سكوت وإقرار فهو رضاً، وإن كان عن صياح ولطمِ وجهٍ فهو ردّ، ومنهم من قال: إن كان الدمع حارّاً فهو رد، وإن كان بارداً فهو رضاً.
وإذا زوج البكر وليان كل واحد منهم رجل وهما في الدرجة على السواء، فبلغها العقدان فأجازتهما بطلا، ولو سكتت ذكر القدوري في «شرحه» : أن عند محمد ﵀ في هذا روايتين: في رواية سكوتها بمنزلة رضاها بالعقدين فبطلا، وفي رواية: هو ليس برد ولا إجازة، والأمر موقوف.
وإذا زوج البالغة أبوها من رجل وأخوها بعد ذلك من رجل آخر وأجازت نكاح الأخ كان جائزاً، وبطل نكاح الأب؛ لأن النكاح لا ينعقد على البالغة بغير رضاها فتوقف النكاحان على إجازتها، فإذا أجازت نكاح الأخ وجد شرط النفاذ في هذا النكاح فينفذ، ومن ضرورته بطلان الآخر ويكون هذا نكاحاً بلا ولي؛ لأن الأخ مع الأب ليس بولي فيكون على الاختلاف على ما مرّ.
وفي «فتاوى الفضلي» : صغيرة زوجها عمها لأبيها ثم زوجها عمها لأبيها وأمها فبلغت فأجازت نكاح العم لأب قال: نكاح العم لأب باطل، ولا يبطل نكاح العم لأب وأم بردّها حتى يفرق القاضي بينهما؛ لأن نكاح العم لأب موقوف على إجازة العم لأب وأم (و) نكاح العم لأب وأم ثابت فقد نفذ، لكن لها حق فسخه، والفسخ لا يكون إلا عند القاضي ولم يوجد، والنافذ متى ورد على الموقوف أبطله.
البكر إذا بلغها الخبر فقالت: لا أرضى ثم قالت قد رضيت فلا نكاح بينهما؛ لأن النكاح قد بطل بردها، فالرضا صادَف عقداً مفسوخاً، وعن هذا استحسن المشايخ تجديد العقد عند الزفاف؛ لأن البكر في المرة الأولى تظهر الرد وغير ذلك لم.... منها لو لم يجدد العقد لكانت تزف إلى أجنبي.
في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد ﵀: إذا قال الرجل لابنته الكبيرة وهي
стр. 1055
بكر: فلان وفلان خطباك إليّ وأنا مزوجك، أو لم يقل: وأنا مزوجك فسكتت فله أن يزوجها أيهما شاء، وكذلك إذا قال لها: إن بني فلان يخطبونك وهم يحصون ويعرفون ولم يذكر قبيلة ولا فخذاً. وكذلك إذا قال: جيراني يخطبونك، وهم يحصون.
ولو قال: إن بني تميم يخطبونك وأصحاب فلان يخطبونك وهم لا يحصون لم يكن سكوتها عند هذا الذِّكر رضاً. قال الحاكم الشهيد أبو الفضل ﵀: وهكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ في المسلمين جميعاً.
المعلى عن أبي يوسف ﵀ في بكر كبيرة استأذنها وليُّها أن يزوجها فسكتت ولم يخبرها ممن يزوجها ثم زوجها من نفسه فذلك جائز.
ابن سماعه عن محمد ﵀ في رجل وكَّل رجلاً يزوّج ابنته الكبيرة فزوجها (١٩٨ب٣) ولم يبلغها حتى زوجها الأب من آخر بلغها فلها أن تجيز نكاح أيهما شاءت.
رجل خطب امرأة من أبيها وهي بكر فقال الأب مراكد خدا بسر راست برجه واكررواست، فزوج الابن أخته من رجل فبلغها فسكتت، ثم زوجها أبوها من آخر، فبلغها فسكتت يجوز نكاح الأب ولا يجوز نكاح الأخ، ولم يجعل سكوتها عن نكاح الأخ إجازة؛ لأن السكوت إنما جعل إجازة لنكاح الولي لا لنكاح غير الولي، والأخ مع الأب ليس بولي. هكذا ذكر المسألة في «فتاوى أهل سمرقند» وفيه نظر، ينبغي أن يجوز نكاح الأخ ولا يجوز نكاح الأب لأن الابن وكيل عن الأب في هذا العقد قائم مقام الأب فكأنّ الأب باشره بنفسه فيجعل سكوتها رضاً به.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا قالت البكر: لم أرض بالنكاح حين بلغني وادعى الزوج رضاها فالقول قولها عند علمائنا الثلاثة ﵏؛ لأنها تنكر تملك بضعها، وبمثله لو وقع الاختلاف في خيار البلوغ فقالت المرأة: اخترت نفسي ورددت النكاح لمّا بلغت وقال الزوج: لا بل سكت وسقط خيارك فالقول قول الزوج لأنه ينكر زوال ملكه عن بضعها، فإن أقام الزوج بينة على سكوتها حين بلغها الخبر فهي امرأته وإلا فلا نكاح بينهما ولا يمين عليها في قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما: عليها اليمين، وإذا نكت يقضى عليها بالنكول. وإن أقام الزوج بينة على سكوتها حين بلغها الخبر وأقامت هي بنية على الرد فبينتها أولى، قال «البقالي» : وقد روي أنه إذا كان بحضرتها قوم حين بلغها النكاح فلم يسمعوها تكلمت لم تُصدّق في دعوى الرد.
ولو كانت البكر قد دخل بها زوجها ثم قالت: لم أرض لم تصدق على ذلك وكان تمكينها إياه من الدخول بها رضاً منها إلا إذا دخل بها وهي مكرهة فحينئذ لا يثبت الرضا، فإن أقامت بنية على الرد في هذه الصورة ذكر في «فتاوى الفضلي» أنه تقبل بينتها، قيل: والصحيح أنه لا تقبل بينتها لأن التمكين منها في معنى الإقرار بالرضا. ولو أقرت بالرضا ثم ادعت الرد لا تصح دعواها ولا تقبل بينتها لمكان التناقض كذا هنا.
وذكر الخصاف في «أدب القاضي» في باب الشفعة: إذا زوج ابنته البكر البالغة ثم
стр. 1056
خاصمت مع الزوج فقال الزوج: بلغك الخبر وسكّت فقالت المرأة: بلغني الخبر ورددت فالقول قولها، ولو قالت بلغني الخبر يوم كذا ورددت أو قالت وقت كذا ورددت أو قالت: علمت يوم كذا ورددت، وقال الزوج: بل سكتّ فالقول قول الزوج.
وفي «المنتقى» : هشام سألت محمداً ﵀ عن بكر زوجها وليُّها فقالت بعد سنة: قد كان بلغني النكاح يوم زوجني فلم أسكت قلت: لا أرضى وادعى الزوج أنها كانت رضيت فالقول قول المرأة وإنه خالف ما ذكر الخصاف.
ومن جنس هذه المسائل: روى ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف: امرأة خاصمت زوجها فزعمت أن أخاها زوجها وهي صغيرة وبنى بها أي: دخل بها وهي صغيرة كارهة له فجاءت تخاصمه وتريد فراقه وقالت...... وقال الزوج بنيت بها وهي كبيرة وقد أدركت فالقول قول الزوج.
وعنه أيضاً برواية ابن سماعة في رجل زوج ابنتاً له كبيرة بغير أمرها فمات زوجها فجاءت (تريد) الميراث وقالت: قد كنت أجزت النكاح لم تصدق إلا ببينة. وإن قالت: زوجني بأمري فالقول قولها. وعنه أيضاً برواية خالد بن صبيح: رجل زوج ابنة له.... وهو وليها قال الزوج للمرأة بعدذلك: أنت قد علمت وما رضيت، وقالت المرأة لا بل أجزت ورضيت، لا تكون هذه المقالة من الزوج فرقة وهي امرأته فالقول قولها وكذلك إذا قال الزوج: لم تعلمي، وقالت المرأة لا بل علمت وأجزت فالقول قولها، ولو مات الزوج قبل هذه المقالة فقالت الورثة وهم كبار: قد علمت وما رضيت وقالت المرأة: لا بل رضيت فالقول قولها، وهذه الرواية بخلاف رواية ابن سماعة، وبخلاف رواية «فتاوى أبي الليث» ﵀ فالمذكور في «الفتاوى» في هذه الصورة: أن القول قول ورثة الزوج فلا مهر لها ولا ميراث.
وإن كانت الورثة قالوا للمرأة بعد موت الزوج: لم تعلمي...... حتى تقيم البينة على سكوتها بعد...... إن كانت بكراً أو على رضاها إن كانت ثيباً، هكذا رواه خالد.
وإن كانت المرأة لم تقل: بلغني النكاح وأجزت لكن قالت زوجني أخي بأمري.... الميراث والمهر وعليها العدة، ولو كانت هي الميتة وكان الطالب للميراث هو الزوج، والأخ المزوج هو الوارث فقال الأخ: لم تكن أمرتني ولم تعلم حتى ماتت وادعى الزوج رضاها بهذا الزوج أو أنها أمرته بذلك فعلى الزوج البينة على ذلك والله أعلم بالصواب.
стр. 1057
الفصل الثاني عشر في النكاح بالكتاب والرسالة وفي النكاح مع الغائب
قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا كتب إليها يخطبها فزوجت نفسها منه كان صحيحاً والأصل في ذلك أن الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر، وقد صح أن رسول الله ﵇ كتب إلى النجاشي يخطب أم حبيبة فزوجها النجاشي له...... منه إلا أن الكتاب من الغائب مع الخطاب مع الحاضر يفترقان من وجه، فإن الحاضر إذا خطبها فلم تجبه في مجلس الخطاب وإنما أجابته في ملجس آخر لا يصح النكاح، وإذا بلغها الكتاب وقرأت الكتاب ولم تزوج نفسها منه في ذلك المجلس وإنما زوجت نفسها في مجلس آخر بين يدي الشهود وقد سمع الشهود كلامها وما في الكتاب يجوز النكاح وإذا بلغها الكتاب فقالت زوجت نفسي من فلان، فكان ذلك بمحضر من الشهود لا ينعقد النكاح وإن بلغه الخبر، وأجاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأن سماع الشهود كلامَ المتعاقدين شرط انعقاد النكاح والشهود إن سمعوا كلامها لم يسمعوا كلام الزوج.
ولو قرأت الكتاب على الشهود أو قالت: إن فلاناً كتب إلي يخطبني فاشهدوا أني قد زوجت نفسي منه صح النكاح؛ لأن الشهود سمعوا كلامها بإيجاب العقد، وسمعوا كلام الخاطب بإسماعها إياهم إما بقراءة الكتاب أو العبارة عنه، وإن جاء الزوج بالكتاب مختوماً وقال: هذا كتابي إلى فلانة فاشهدوا عليه لا يصح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يقرأ عليهم الكتاب، أو يعلمهم ما في الكتاب خلافاً لأبي يوسف ﵀. ثمرة الخلاف تظهر فيما إذا جحد الزوج الكتاب فشهدوا أن هذا كتابه إلى فلانة ولم يشهدوا بما في الكتاب لا تقبل الشهادة عندهما ولا يقضي بالنكاح.
وإذا أرسل إليها رسولاً فالحر والعبد والصغير والكبير والعدل والفاسق في ذلك على السواء؛ لأن الرسالة تبلغ عبارة المرسل إلى المرسل إليه، ولكل واحد من هؤلاء عبارة مفهومة فيصح تبليغ الرسالة منهم.
وإذا بلغ الرسالة وقال: إن فلاناً يسألك أن تزوجي نفسك منه، فأشهدت أنها قد زوجت كان ذلك جائزاً إذا أقرّ الزوج بالرسالة أو قامت عليه البينة؛ لأن الرسول بلغها عبارة المرسل فكأنّ المرسل حضر بنفسه، وعبّر عن نفسه بين يدي الشهود، وإن كان الرسول قد خطبها وضمن لها (١٩٩ب) المهر وقال: أمراني بذلك فزوجت نفسها ثم حضر الزوج وصدّق الرسول في الرسالة، والأمر بالضمان صح النكاح وصح الضمان إذا كان الرسول من أهل الضمان، فإذا أدّى الضامن رجع بذلك على الزوج، وإن كذبه في الأمر بالضمان وصدّقه في الرسالة صح النكاح، وصح الضمان فيما بين المرأة والرسول،
стр. 1058
لا في حق المرسل، حتى كان للمرأة أن ترجع على الرسول بالصداق فلا يرجع الرسول على الزوج بما أدى من ذلك، وإن كذبه في الرسالة والأمر بالضمان ولا بينّة له على ذلك، فالنكاح باطل والمهر على الزوج، ولها أن تطالب الرسول بالمهر؛ لأن في زعمها أن النكاح صحيح وأن الضمان صحيح.
بعد هذا اختلفت الروايات، ذكر في نكاح «الأصل» وفي بعض روايات كتاب الوكالة أن المرأة تطالب الرسول بنصف الصداق، وذكر في بعض روايات كتاب الوكالة أن المرأة تطالب الرسول بجميع المهر، فقيل: في المسألة روايتان، وقيل: اختلف الجواب لاختلاف الموضوع وهو الصحيح، وقد ذكرناه في فصل الوكالة.
وإن قال الرسول: لم يأمرني فلان ولكني أزوجه وأضمن عليه المهر ففعل ثم أجاز الزوج النكاح جاز عليه ولزم الرسول الضمان، وإن أبى الزوج أن يجيز النكاح (لم) يكن على الرسول شيء من الضمان لأنه أصل السبب فلا يبقى الزوج النكاح فينتفي حكمه، وهو وجوب الصداق فبراءة الأصيل حقيقة توجب براءة الكفيل. وإذا عَقَدَ عَقْدَ النكاح واحد وهو وليّ من الجانبين بولاية أصلية نحو الملك أو القرابة أو بولاية عارضة نحو الوكالة صح العقد.
بيان الأول: إذا زوج ابنة أخيه الصغيرة من ابن أخيه الصغير وليس لهما أقرب، أو زوّج ابنة عمه وهي صغيرة من نفسه (وليس) لها أقرب منه، أو كانت بنت العم كبيرة قال لها: إني أريد أن أزوجك من نفسي فسكتت وهي بكر فذهب وتزوجها.
بيان الثاني: إذا وكلّه رجل أن يزوجه فلانة ووكّلته فلانة أن يزوجها من ذلك الرجل، أووكلّت امرأةٌ رجلاً أن يزوجها من نفسه فتزوجها، ولا يتوقف شطر العقد على ما وراء المجلس عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، خلافاً لأبي (يوسف) ﵀، حتى إن فضولياً لو قال: زوجت فلانة من فلان وهما غائبان ولم يقبل عنه أحد، أو قالت امرأة زوجت نفسي من فلان الغائب ولم يقبل عنه أحد وقال رجل: تزوجت فلانة وهي غائبة ولم يجب عنها أحدٌ، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يقف هذا على إجازة الغائب وعلى قول أبي يوسف ﵀ يقف، وكذلك إن كان فضولياً من أحد الجانبين، وكيلاً من الجانب الآخر، وفي توقف كلامه اختلاف.
ولو قال فضولي: زوجت فلانة من فلان، وقبل عن فلان فضولي آخر، وقال رجل: تزوجت فلانة فقال رجل فضولي: زوجتها منك أو قالت امرأة: زوجت نفسي من فلان، فقال فضولي قبلت عنه.
وفي هذه المسائل يتوقف العقد على الإجازة بالاتفاق، هذا هو الكلام في النكاح، واتفق علماؤنا ﵏ أن العقد في باب البيع لا يقف على ما وراء المجلس، حتى إن الرجل إذا قال لقوم: اشهدوا أني قد بعت عبدي فلاناً فبلغ ذلك فلاناً وقال: قد اشتريته لم يجز بالاتفاق، قال محمد ﵀: ولو كتب رجل إلى رجل: بعني عبدك بألف فقال: بعت كان جائزاً، قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا لا يكاد يصح لأن
стр. 1059
الحاضر لو قال لغيره: بعني عبدك بكذا فقال: بعت لا يتم البيع ما لم يقل قبلت فكذلك إذا كتب، فلا بُدّ من زيادة بعني وذلك بأن يكتب: قد اشتريت عبدك بكذا فبعه مني، فإذا قال الآخر بعت حينئذ يتم البيع بينهما كما لو كان حاضراً، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ وجه تصحيح ما ذكر محمد ﵀ أن قول الحاضر: بعني يكون استياماً عادة، ومن الغائب إذا كتب يكون أحد شطري العقد عادة، فإذا انضم إليه الشطر الثاني يتم البيع والله أعلم.
الفصل الثالث عشر في بيان أسباب التحريم
فنقول: أسباب التحريم كثيرة، من جملة ذلك النسب، ومسائله معروفة، ومن جملة ذلك المصاهرة.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا وطىء الرجل امرأة بنكاح أو ملك أو فجور حرمت عليه أمُّها وابنتها، وهو محرم لهما؛ لأنه لا يجوز له نكاحهما، وحرمت هي على آبائه وأبنائه، وكما ثبتت هذه الحرمة بالوطء تثبت بالمسّ والتقبيل والنظر إلى الفرج بشهوة سواء كان بنكاح أو ملك أو فجور عندنا إذا كان المحل مشتهاه، ولا تثبت هذه الحرمة بالنظر إلى سائر الأعضاء وإن كان عن شهوة وحد، والشهوة: أن تنتشر آلته إليه بالنظر إلى الفرج أو المس إذا لم يكن منتشراً قبل هذا، وإذا كان منتشراً فإن كان يزداد قوة و..... بالنظر والمسّ كان ذلك عن شهوة وما (لا) فلا، وهذا إذا كان شاباً قادراً على الجماع، وإن كان شيخاً أو عنيناً فحدُّ الشهوة أن يتحرك قلبه بالاشتهاء إن لم يكن متحركاً قبل ذلك، ويزداد الاشتهاء إن كان متحركاً فهذا هو حدّ الشهوة التي حكاها.... عن أصحابنا ﵏، وإليه مال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله.
وكثير من المشايخ لم يشترطوا الانتشار، وجعلوا حدّ الشهوة أن يميل قلبه إليها ويشتهي جماعها. وكان الفقيه محمد بن مقاتل الرازي ﵀ لا يعتبر تحرك القلب، وإنما يعتبر تحرك الآلة، وكان لا يفتي بثبوت الحرمة في الشيخ الكبير العنين والذي ماتت شهوته حتى لم يتحرك عضوه بالملامسة.
وروى ابن رستم عن محمد ﵀: أنه إذا لمسها بشهوة فلم ينتشر عضوه أو كان منتشراً فلم يزدد انتشاره حتى تركها ثم ازداد انتشاره بعد لم تثبت به الحرمة، وإنما تثبت الحرمة إذا انتشر بالمس وهو بعدُ لامسها، أو يزداد انتشاره وهو لامسها بعد.
جئنا إلى حدّ المشتهاة: حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل
стр. 1060
رحمه الله: أنها إذا كانت بنت تسع سنين أو أكثر فهي مشتهاة من غير تفصيل، وإذا كانت بنت خمس سنين أو دونه لم تكن مشتهاة. وإن كانت بنت سبع سنين أو بنت ست سنين أو بنت ثماني ينظر إن كانت عبدة ضخمة كانت مشتهاة وما لا فلا.
قال الفقيه أبو الليث ﵀ في «أيمان الفتاوى» : المشايخ سكتوا في الثمان والتسع والغالب أنها لا تشتهى ما لم تبلغ تسع سنين.
قال الصدر الشهيد ﵀ في شرح كتاب النفقات وعليه الفتوى، وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر هذا ﵀ أنه كان يقول: ينبغي للمفتي أن يفتي في السبع، والثمان أنها لا تحرم إلا إذا بالغ السائل أنها عبلة ضخمة وجسيمة فحينئذ يفتي بالحرمة.
وفي «البقالي» عن محمد ﵀، في بنت ثمان أو تسع إذا كانت ضخمة سمينة أنه تثبت به الحرمة، وإن لم تكن بهذه الصفة فإلى ثنتي عشرة
وعن أبي يوسف ﵀: إذا كانت الصبيّة بنت خمس ويشتهى مثلها فهي مشتهاة فلا توقيت فيه، ورواه عن أبي حنيفة ﵀، وإذا جامعها ولم يُفْضِها فهي ممن يجامع مثلها، وإذا أفضاها لم تثبت به الحرمه خلاف أبي يوسف ﵀ استحساناً. قال محمد ﵀ وربما أفضت التي يفضى مثلها، وأطلق أبو يوسف ﵀ في رواية ابن سماعة في بنت سبع وخمس أشهر وطئها فيما دون الفرج بشهوة ماتت ولا يُدرى هل كان يُشتهى مثلها في حسنها وجمالها، لم تحل له الأم.
وفي «الفتاوى» : سئل الفقيه أبو بكر عمن: قبّل امرأة ابنه وهي بنت خمس سنين أو ست سنين عن شهوة، قال: لا تحرم على ابنه؛ لأنها (١٩٩ب١) غير مشتهاة، وإن اشتهاها هذا فلا ينظر إلى ذلك. قيل له: فإن كبرت حتى خرجت عن حد الاشتهاء والمسألة بحالها؟ قال تخرج؛ لأن الكبيرة دخلت تحت الحرمة فلا تخرج وإن كبرت، ولا كذلك الصغيرة.
وسئل ابن سلمة عن امرأة أدخلت ذكر صبي في فرجها، والصبي ليس من أهل الجماع قال: تثبت به حرمة المصاهرة، وقال أصحابنا ﵏: وتثبت الحرمة بالتقبيل والمس والنظر إلى الفرج بشهوة في جميع النساء؛ الدميمة وغيرها في ذلك سواء، بخلاف العقد ثم المسّ إنما يوجب حرمة المصاهرة إذا لم يكن بينهما ثوب، أما إذا كان بينهما ثوب فإن كان صفيقاً لا يجد حرارة الممسوس لا تثبت حرمة المصاهرة، وإن انتشرت آلته إليه بذلك، وإن كان رقيقاً بحيث تصل حرارة الممسوس إلى يده تثبت حرمة المصاهرة.
وفي طلاق «المنتقى» : الحسن بن زياد عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا لمس الرجل شيئاً من جسد امرأة من فوق الثياب عن شهوة؛ فإن كان يجد مس جسدها حرمت عليه امرأته، وكذلك إذا مسّ رجلها فوق الخف أو ساق الخف أو أسفل الخف.
وفيه أيضاً: المعلى عن أبي يوسف ﵀: إذا قبّل الرجل المرأة وبينهما ثوب، إن كان يجد برد إليها أو برد الشفه فهو تقبيل ومس.
стр. 1061
m
ويعتبر في النظر: النظر إلى داخل الفرج، وكذلك إنما يكون إذا كانت متكئة، أما إذا كانت قاعدة مستوية أو قائمة لا تثبت حرمة المصاهرة، قال شيخ الإسلام ﵀: هو الصحيح. وقال أبو يوسف في رواية ابن سماعة: النظر إلى المدخل والركب سواء، وتحرم بذلك أمُّها إذا كان بشهوة، وروى إبراهيم عن محمد ﵀: أن النظر إلى موضع الجماع من الدبر في حرمة المصاهرة نظير النظر إلى الفرج، ثم رجع وقال: لا يحرمه إلا النظر إلى الفرج من الداخل.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀ أن النظر إلى دبر المرأة لا يوجب حرمة المصاهرة، وكذلك ذكر محمد ﵀ في «الزيادات» في باب: إتيان المرأة في غير الفرج، وإنما وقع الفرق بين النظر إلى موضع الجماع من الدبر وبين النظر إلى موضع الجماع من القبل؛ لأن النظر إلى القبل سبب يفضي إلى الوطء في القبل؛ الذي تحصل به الحرمة والتعصيب؛ إذ السبب يقوم مقام المسبب خصوصاً في باب الحرمات، وأما النظر إلى الدبر يفضي إلى الجماع في الدبر، وبه لا تحصل الحرمة والتعصيب، ولا تثبت به الحرمة.
والجماع في الدبر لا يثبت حرمة المصاهرة، ذكره محمد ﵀ في «الزيادات» في باب إتيان المرأة في غير الفرج، وبه أخذ بعض مشايخنا، وبعض مشايخنا قالوا: يوجب حرمة المصاهرة، وبه كان يفتي شمس الإسلام محمود الأوزجندي ﵀.
ووجهه: أن الجماع في الدبر لا يخلو عن اللمس بشهوة، ومجرد اللمس بشهوة تثبت حرمة المصاهرة عندنا، فهذه الزيادة إن كانت لا توجب زيادة حرمة لا توجب خلافها، وما ذكر محمد ﵀ أصح؛ لأن المس بشهوة إنما يوجب حرمة المصاهرة، لكونه سبباً مفضياً إلى الوطء في القبل، الذي تحصل به الحرمة، وبالإتيان في غير المأتى تبيّن أن ذلك المس لم يكن مفضياً إلى الوطء الذي تحصل به الحرمة، فلا تثبت به حرمة المصاهرة، وكذلك ألا ترى أن من مس امرأة بشهوة وأمنى لا تثبت حرمة المصاهرة؛ إذا نظر إلى فرج امرأة بشهوة وأمنى لا تثبت حرمة المصاهرة؛ لأن المس المجرد والنظر المجرد إنما يوجب حرمة المصاهرة، لكونه سبباً للوطء الذي هو سبب للحرمة، وباتصال الإنزال تبيّن أن ذلك المس لم يكن بهذه الصفة، فلا ثبتت به حرمة المصاهرة.
وكذلك إذا قبلها ثم قال: لم تكن عن شهوة، أو لمسها أو نظر إلى فرجها (وقال) : لم يكن عن شهوة فقد ذكر الصدر الشهيد رحمة الله: أن في القبلة يفتى ثبوت الحرمة ما لم يتبين أنه قبّل بغير شهوة، وفي المس والنظر إلى الفرج لا يفتى بالحرمة، إلا إذا تبين أنه فعل بشهوة؛ لأن الأصل في التقبيل الشهوة، بخلاف المس والنظر.
الدليل عليه: أن محمداً ﵀ في أي موضع ذكر التقبيل لم يقيده بشهوة، وفي أي موضع ذكر المس والنظر فيه قيدهما بالشهوة.
وفي بيوع «العيون» بخلاف هذا قال: إذا اشترى جارية على أنه بالخيار وقبلها أو نظر إلى فرجها ثم قال لم يكن شهوة وأراد ردّها، فالقول قوله، ولو كانت مباشرة، وقال لم يكن عن شهوة لم يصدق.
стр. 1062
ومن المشايخ من فصّل في التقبيل بينما إذا كان على الفم وبينما إذا كان على الجبهة والرأس فقال: إن كانت القبلة على الفم يفتى بالحرمة ولا يصدق إن كان بغير شهوة، وإذا كان على الرأس أو على الذقن أو على الخد لا يفتى بالحرمة، إلا إذا ثبت أنه فعل بشهوة. ويصدق إن لم يكن بشهوة وهكذا ذكر في «مجموع النوازل» .
وكان الشيخ الإمام ظهير الدين ﵀ يفتي بالحرمة في القبلة على الفم والذقن والخد والرأس وإن كان على المقنعة وكان يقول: لا يصدق في أنه لم يكن بشهوة، وظاهر ما أطلق في «بيوع العيون» يدل على أنه يصدق في القبلة سواء كانت على الفم أو على موضع آخر.
وفي «البقالي» : ويصدق إذا أنكر الشهوة، يعني في المس إلا أن يقوم منتشراً فيعانقها قال: له، وكذا قال في «المجرد» : وانتشاره دليل الشهوة وهذا إشارة إلى أن في المس لا يُفتى بالحرمة ما لم ينضم إليه دليل آخر يدل على الشهوة.
وإذا أخذ بدنها وقال كان ذلك عن غير شهوة ففيه كلام. وإذا ركبت على ظهره وعبر بها الماء ثم قال لم يكن عن شهوة صُدّق. ولو أخذت امرأة ذكر ختنها في الخصُومة وشدته وقالت: كان عن غير شهوة صدّقت، وفي «كراهة الحاوي» : أن مسّ شعر المرأة عن شهوة لا يوجب حرمة المصاهرة.
وفي «الأجناس» : إن مسّ شعر رأس المرأة عن شهوة يوجب حرمة المصاهرة والرجعة، وأنكر القاضي الإمام علي السغدي ﵀ ما ذكره في «الأجناس» قال: لأن الرأس تحت الشعر فيصير ماساً شعرها لا بدنها، فهو بمنزلة ما لو مسّ يدها من وراء الكم، وتقبل الشهادة على الإقرار باللمس بشهوة. وعلى الإقرار بالتقبيل بشهوة.
وهل تقبل الشهادة على نفس اللمس والتقبيل عن شهوة؟ اختلف فيه المشايخ قال بعضهم: لا تقبل وإليه مال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀، وهذا لأن الشهوة أمر باطن لا يوقف عليها عادة، وقال بعضهم تُقبل وإليه مال الشيخ الإمام الزاهد علي البزدوي ﵀، وهكذا ذكر محمد ﵀ في «نكاح الجامع» ؛ لأن الشهوة مما يوقف عليها في الجملة إما لتحرك العضو من الذي يتحرك عضوه أو آثار أخرى ممن لا يتحرك عضوه.
ابن سماعة في «نوادره» : عن أبي يوسف ﵀: رجل نظر إلى فرج ابنته (٢٠٠أ١) من غير شهوة فتمنى أن تكون جارية: فوقعت له الشهوة مع وقوع نظره قال: إن كانت الشهوة منه على ابنته حرمت عليه امرأته، وإن كانت الشهوة وقعت على ما تمنى لم تحرم؛ لأن النظر إلى فرج ابنته حينئذ لا يكون عن شهوة.
في «واقعات الناطفي» : إذا قصد أن يقيم امرأته إلى فراشه أو يجامعها وهي نائمة ومعها ابنتها المشتهاة، فوصلت يده إلى الابنة فقرصها بإصبعه وظنّ أنها امرأته؛ إن كانت يده إلى الابنة وهو تشتهي لها، حرمت عليه امرأته وإن كان يحسبها امرأته؛ لأنه مسها بشهوة، وإن كان لا شهوة له في وقت ملامستها لا تحرم؛ لأنه لم يوجد مسها بشهوة،
стр. 1063
وإن اختلفا فالقول قول الزوج؛ لأنه ينكر ثبوت الحرمة فالقول قول المنكر.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: زوج جدة المرأة محرم لها؛ إن كان قد دخل بالجدة سواء كانت الجدة من قبل أبيها أو من قبل أمها، وزوج بنت البنت محرم للجدة دخل الزوج بها أو لم يدخل؛ لأن البنت لا تحرم بنفس نكاح الأم، فكذا بنفس نكاح الجدة والأم تحرم بنفس نكاح البنت، فكذا بنفس نكاح بنت البنت.
في «العيون» : نظر إلى فرج امرأة من خلف ستر أو زجاجة وتبيّن من خلفها فرجها وكان النظر بشهوة؛ حرمت عليه أمها وابنتها، بخلاف ما لو نظر في المرآة، والفرق: أن المرئي في المرآة عكس الفرج لا عين الفرج، ولا كذلك المرئي من خلف الستر والزجاجة.
أقر بحرمة المصاهرة يؤاخذ به ويفرق بينهما. وكذلك إذا أضاف ذلك إلى ما قبل النكاح بأن قال لامرأته: كنت جامعت أمك قبل نكاحك يؤاخذ به ويفرق بينهما، ولكن لا يصدق في حق المهر حتى يجب المسمّى دون العقر، ولكن إذا كان قبل الدخول بها يجب نصف المسمَّى، وإن كان بعد الدخول بها يجب كمال المسمى، والإقرار على الإقرار ليس بشرط في القضاء، حتى لو أقر بجماع أم امرأته أو مسها، ثم رجع عن ذلك وقال كذبت؛ فالقاضي لا يصدقه، ولكن فيما بينه وبين الله تعالى إن كان كاذباً فيما أقرّ لا تحرم عليه امرأته، والدوام على المس ليس بشرط لثبوت الحرمة، حتى قيل إذا مدّ يده إلى امرأته بشهوة فوقعت على كف ابنتها فازدادت شهوته حرمت عليه امرأته، وإن نزع من ساعته.
في نكاح «المنتقى» في باب ما يبطل المهر بعقد أحد الزوجين: إذا قبل امرأة ابنه بشهوة، أو قبل الأب امرأة ابنه بشهوة وهي مكرهة، وأنكر الزوج أن يكون ذلك عن شهوة فالقول قول الزوج؛ لأنه ينكر بطلان ملكه، وإن صدقه الزوج أنه كان عن شهوة وقعت الفرقة ويجب المهر على الزوج، ويرجع الزوج بذلك على الذي فعل ذلك إن تعمد الفاعل الفساد؛ لأنه وجب الحد بالوطء، والمال مع الحد لا يجتمعان.
قال: ولو كان جامعها بشبهة وهي مكرهة وبين وجه الشبهة فقال: بأنّ زوّجها أبوها منه بغير أمرها فلا حدّ عليه، ورجع الأب عليه بنصف المهر في قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ﵀: عليه الحدّ ولها على الأب نصف المهر ولا يرجع به على الابن من قبل الحد الذي لزمه، قال أبو يوسف ﵀ فلا أحفظه عن أبي حنيفة ﵀. وينبغي في قياس قوله أن لا يرجع الأب عليه بذلك من قبل المهر الذي وجب عليه بالدخول بناءً على شبهة النكاح، فلا يجب مهر آخر في هذا الباب أيضاً.
وفيه أيضاً: رجل تزوج بأمةِ رجل ثم إن الأمة قبّلت ابن زوجها قبل الدخول بها، فادعى الزوج أنها قبلته بشهوة، وكذبه المولى فإنها تبين من زوجها، لإقرار الزوج أنها قبّلت بشهوة، ويلزمه نصف الصداق؛ لتكذيب المولى إيّاه أنها قبّلت بشهوة، ولا يقبل قول الأمة في ذلك ولو قالت قَبَّلْتُه بشهوة. قيل لرجل: ما فعلت بأمِّ امرأتك؟ قال:
стр. 1064
جامعتها، قال: تثبت حرمة المصاهرة، قيل: إن السائل والمسؤول هازلان، قال: لا يتفاوت ولا يصدق أنه كذب. في أيمان «مجموع النوازل» : والشهوة من أحد الجانبين في فصل المس تكفي لثبوت هذه الحرمة.
ومن جملة أسباب التحريم: الرضاع، فالرضاع في إيجاب الحرمة كالنسب والصهرية. والأصل فيه: قوله ﵇ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» والمعنى في ذلك: أن الماء أصل في التكوين، واللبن أصل في النشوء والزيادة، فجرى النشوء من أصل التكوين مجرى الوصف من الأصل مجرى الحق من الحقيقة، والحرمان يختلط في أنسابها، فالحق ألحق بالحقيقة والوصف بالأصل.
قال أصحابنا ﵏: وما يتعلق به التحريم في النسب يتعلق في الرضاع إلا في مسألتين: أحدهما: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز في الرضاع، وإنما كان كذلك؛ لأن أخت ابنه من النسب إن (كانت) منه فهي ابنته، وإن لم تكن منه فهي ربيبته، فإنما حرمت لهذا المعنى، وهذا المعنى لا يتأتى في الرضاع حتى إن في النسب لو لم يوجد أحد هذين المعينين فإن كانت جارية بين شريكين جاءت بولد فادعياه، حتى يثبت النسب منهما ولكل واحد منهما ابنة من امرأة أخرى جاز لكل واحد من الموليين أن يتزوج ابنة شريكه، وإن كل واحد من الموليين متزوجاً بأخت من النسب.
والمسألة الثانية: لا يجوز للزوج أن يتزوج بأم أخته من النسب ويجوز في الرضاع، وإنما كان كذلك؛ لأن في النسب إن كانا أخوين لأم؛ فأم الأخ أمه، وإن كانا أخوين لأب فأم الأخ امرأة أبيه، وهذا المعنى معدوم في الرضاع، وأما فيما عدا هاتين المسألتين حكم الرضاع وحكم النسب سواء.
والتحريم بالرضاع كما يثبت من جانب المرأة يثبت من جانب الرجل وهو الزوج الذي نزل لبنها بوطئه ويسميه الفقهاء: لبن الفحل.
وبيانه: أن المرأة إذا أرضعت بلبن حدث من حمل رجل فذلك الرجل أب الرضيع، لا يحل لذلك الرجل نكاحها وإن كانت أنثى. وكذلك إذا كان الرجل امرأتان وحملتا منه، فأرضعت كل واحدة منهما صغيراً فقد صارا أخوين لأب، فإن كانت إحداهما أنثى لا يحل النكاح بينهما، وإن كانتا ابنتين لا يحل الجمع بينهما؛ لأنهما أختان لأب.
وإن كانت للرجل امرأة واحدة فحملت منه، وأرضعت صبيين صارا أخوين لأب وأم، وأخوات الزوج عمات المرضع ولا يحل له مناكحتهن، ويجوز له مناكحة أولادهن، وأم الزوج جدة المرضع تحرم عليه ولا يحل لهذا المرضع أن يتزوج امرأة وطئها الزوج، ولا
стр. 1065
للزوج أن يتزوج امرأة وطئها المرضع. فهذا تفسير «لبن الفحل» والدليل على ثبوت هذه الحرمة من جانب الرجل قوله ﵇: «يحرم من الرضاع ما يحرم (٢٠٠ب١) من النسب» .
وقال ﵇: «إن الرضاعة تحرم ما تحرّم الولادة» وسألت عائشة ﵂ وقالت: يا رسول الله: إن أفلح بن أبي العقيس يدخل عليّ وأنا في ثياب فضلٍ تقيني فقال ﵇: «ليلج عليك أفلح فإنه عمك من الرضاعة، فقالت عائشة ﵂: إنما أرضعتني المرأة لا الرجل فقال ﵇: إنه عمك فليلج عليك» .
والعم من الرضاعة يكون لا الأمر لبن الفحل.
وفي النكاح للحسن بن زياد ﵀: في امرأة ولدت من زوج وأرضعت ولدها ثم تيبس لبنها ثم درّ لها اللبن بعد ذلك، فأرضعت صبيّاً إن لهذا الصبي أن يتزوج بابنة هذا الرجل من غير هذه المرأة، قال: وليس هذا بلبن الفحل، وكذلك إذا تزوج امرأة ولم تلد منه قط ثم نزل لها اللبن فإن هذا اللبن من هذه المرأة دون زوجها حتى لو أرضعت صبية لا تحرم على ولد هذا الزوج من غير هذه المرأة.
ولو زنى بامرأة فولدت منه فأرضعت بهذا اللبن صبيّة لا يجوز لهذا الزاني أن يتزوج بهذه الصبّية ولا لأبيه ولا لآبائه ولا لأبناء أولاده لوجود التعصيب بين هؤلاء، وبين الزاني، فلما لم يجز للزاني أن يتزوجها فكذا لا يجوز لهؤلاء.
والرضاع الموجب للتحريم ما كان في حالة الصغر دون الكبر قال ﵇: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» وقال ﵇: «لا رضاع بعد الفصال» ولأن الحرمة بالرضاع من حيث إنه سبب للنشوء والزيادة، وذلك في حالة الصغر؛ لأن الصغير لا يتربى بغيره بخلاف الكبير.
وقليل الرضاع وكثيره في إثبات التحريم سواء؛ لأن المنصوص عليه فعل الإرضاع دون العدد، قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) ولمدة الرضاع ثلاثة أوقات: أدنى وأوسط وأقصى.
فالأدنى: حول ونصف، والأوسط: حولان، والأقصى: حولان ونصف، حتى لو نقص عن الحولين لا يكون شططاً، ولو زاد على الحولين لا يكون تعدياً. والوسط هو حولان فلو كان الولد يستغني عنها دون الحولين ففطمه في حول ونصف يحل ولا تأثم بالإجماع، ولو لم يستغن عنها بحولين فلها أن ترضعه بعد ذلك ولا تأثم عند عامة
стр. 1066
العلماء، خلافاً لخلف بن أيوب ﵀.
وإنما الكلام في ثبوت الحرمة: بالرضاع وفي استحقاق الأجر، فأما الكلام في ثبوت الحرمة، قال أبو حنيفة ﵀: يثبت بحكم الرضاع في الصغير إلى ثلاثين شهراً، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إلى سنتين.
حجتهما: قوله تعالى: ﴿وَالْولِدتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣) وقال ﵇: «لا رضاع بعد الحولين» ولأبي حنيفة ﵀ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: ٣٣) اعتبر التراضي والتشاور.
في الفصال بعد الحولين ورفع الجناح عن الفصال بعد الحولين بالتراضي والتشاور فهذا دليل على أن ما بعد الحولين مدة الرضاع، ولأن الرضاع يتعلق باللبن في حق الصغير؛ لأنه سبب للنشوء والزيادة وهو الغذاء الأصلي في حقّه، والغذاء لا يتغير إلا بعد زمان فلا بدّ من اعتبار مُدّة بعد ذلك حتى يتغير به الغذاء، فقدّر أبو حنيفة ﵀ تلك المّدة بستة أشهر لأنها مدّة تغيّر الغذاء، فإن الولد يبقى في النظر ستة أشهر ويتغذى بغذاء الأم، ثم ينفصل ويصير أصلاً في الغذاء، فإنما قدّر المدّة بستة أشهر لهذا.
أما الكلام في استحقاق الأجر؛ قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: هو على هذا الخلاف، حتى إن المطلقة تستحق أجرة رضاع الولد على الأب إلى تمام حولين ونصف عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ﵏: تستحق إلى تمام حولين ولا تستحق فيما دون الحولين.
وكثير من المشايخ قالوا: إن مدة الرضاع في حق استحقاق الأجرة على الأب مقدرة بحولين عند الكل حتى لا تستحق المطلّقة أجرة الرضاع بعد الحولين بالإجماع، وتستحق في الحولين بالإجماع.
ولو فطم الرضيع في مدة الرضاع ثم سقي بعد ذلك في المدة فهو رضاع على قول من يرى الرضاع في تلك المدة؛ لوجود الإرضاع والظاهر من المذهب، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه قال: هذا إذا لم يتعود الصبي الطعام حتى لا يكتفي بالطعام بعد الفطام، وأما إذا صار بحيث يكتفي بالطعام لا تثبت الحرمة بعد ذلك؛ لأنه إذا صار بحيث يكتفي بالطعام فاللبن يفسده بعده ذلك ولا يغذيّه ولا يحصل به النشوء، وهو المعنى المعوّل عليه في إثبات الحرمة بعد الرضاع. وفي «البقالي» : إذا فطم في الحولين واستغنى بالطعام فأرضع بعد ذلك؛ فعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله روايتان.
والبكر إذا نزل لها اللبن تعلق به الحرمة ما تتعلق بلبن الثيب. قال في «الأجناس» :
стр. 1067
وفائدته لو تزوجت بزوج فطلقها قبل أن يدخل بها له أن يتزوج بهذه الصبية؛ ولو دخل بها، والمسألة بحالها لا يجوز له أن يتزوج بهذه الصبية لأنها ربيبته المدخولة. ولبن الحية والميتة سواء في التحريم؛ لاستوائهما في المعنى الموجب للحرمة وهو حصول التسوية.
وتثبت حرمة الرضاع بالسعوط والوجور لأنه مما يغذي الصبي، فالسعوط يصل إلى الدماغ فيتقوى به، والوجور يصل إلى الجوف فيحصل به النشوء.
والإقطار في الأذن لا يثبت الحرمة؛ لأن الظاهر أنه لا يصل إلى الدماغ لضيق ذلك الثقب. وكذلك الإقطار في الإحليل؛ لأن أكثر ما فيه أن يصل إلى المثانة فلا يتغذى به الصبي عادة، وكذلك الحقنة في ظاهر الرواية لا يوجب الحرمة.
وإذا وُضِعَ لبن المرأة في طعام فأكله صبي، فإن كانت النار قد مسته وأنضج الطعام حتى يتغير لا تثبت الحرمة، سواء كان اللبن غالباً أو مغلوباً. وإن كانت النار لم تمسه فإن كان الطعام هو الغالب لا تثبت به الحرمة، وإن كان اللبن هو الغالب فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: تثبت الحرمة اعتباراً للغالب. وعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا تثبت.
وشرط القدوري ﵀ على قول أبي حنيفة أن يكون الطعام مستبيناً معناه إذا كان بمنزلة الثريد، وهذا لأن الطعام إنما كان مستبيناً فهو الأصل، واللبن وإن كان غالباً فهو كالتَّبَعِ للطعام فيما هو المقصود، فإن اللبن يغلب الثريد، ويكون الأصل هو الثريد.
قيل إنما لا تثبت الحرمة على قول أبي حنيفة ﵀ إذا كان لا يتقاطر اللبن (٢٠١أ١) عند حمل اللقمة، وأما إذا كان يتقاطر تثبت به الحرمة وقيل لا تثبت به الحرمة، وقيل: لا تثبت الحرمة على قول أبي حنيفة ﵀ على حال، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀، أن على قول أبي حنيفة ﵀ إنما لا تثبت الحرمة إذا أكل لقمةً لقمةً. أما إذا حَسَا حسواً تثبت الحرمة، وقيل: إذا وصل اللبن منفرداً فلا خلاف، وإذا تناول الثريد فلا خلاف. وفي كتاب الرضاع للخصاف: إذا ثردت له خبزاً في لبنها حتى نشف الخبز ذلك اللبن، أو بلّت به سويقاً أو شيئاً ثم أطعمته إيّاه؛ إن كان طعم اللبن يوجد فهو رضاع؛ وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهما الله، هكذا ذكر صاحب «الأجناس» .
ولوخلط لبن المرأة بالماء أو بالدواء أو بلبن البهيمة فالعبرة للغالب. في «المنتقى» : فسّر الغلبة في رواية ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀ فقال: إذا جعل في لبن المرأة دواء فغيّر اللون ولم يتغيّر الطعم أو على العكس فأوجرته صبيّاً حرم، وإن غيّر اللون والطعم فلم يوجد طعم اللبن وذهب لونه لم يحرم، وفسّر الغلبة في رواية ابن الوليد عن محمد ﵀ فقال: إذا لم يتغير الدواء من أن يكون لبناً تثبت به الحرمة، وإن خُلط بلبن امرأة أخرى فكذلك عند أبي يوسف، وعند محمد رحمها الله: تثبت الحرمة بينهما وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀.
وإذا طلق الرجل امرأته ولها منه لبن فتزوجت بزوج آخر بعدما انقضت عدتها
стр. 1068
ووطئها الثاني؛ أجمعوا أنها إذا ولدت من الثاني، فاللبن من الثاني وينقطع عن الأول، وأجمعوا على أنها إذا لم تحبل من الثاني فاللبن من الأول. وأما إذا حبلت من الثاني ولكن لم تلد منه؛ قال أبو حنيفة ﵀: اللبن يكون من الأول حتى تلد من الثاني، وقال أبو يوسف ﵀: إن علم أن اللبن من الثاني بأمارة أو علامة فهو من الثاني، وإن علم أنه من الأول فهو من الأول، وإن لم يعلم أنه من الأول أو من الثاني فهو من الأول، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله: أن على قول أبي يوسف ﵀: اللبن من الثاني على كل حال.l
فروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف رحمهما الله: أن اللبن من الأول كما هو قول أبي حنيفة ﵀، وقال محمد ﵀: اللبن منهما.
نوع منه ولا فرق في التحريم بين الرضاع الطارىء والمقدم
بيانه: إذ تزوج رضيعة فأرضعتها أمه، حرمت عليه؛ لأنها صارت أختاً له؛ وهذا لأن المحرمية إنما تمنع النكاح لعلة المنافاة، فإن بين الحل والحرمة تنافٍ، والمنافي كما يؤثر إذا اقترن بالسبب يؤثر إذ جرى عليه.
وكذلك: إذا تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة معاً، أو واحدة بعد أخرى حرمتا عليه؛ لأنهما صارتا أختين من الرضاعة، ويجب لها نصف الصداق؛ لأن الفرقة ثبتت بفعل غيرهما، فإن الأخوة إنما ثبتت بينهما بواسطة الأمومة والأمومة، حصلت بفعل الكبيرة؛ والإضافة إلى فعلها أولى من الإضافة إلى فعل الصغيرة؛ لأن اختيارها معتبر، واختيار الصغيرة ساقط الاعتبار شرعاً، فيرجع الزوج على المرضعة بذلك إن تعمدت الفساد، ويعتبر القصد مع العلم بالحكم.
وإن أخطأت وأرادت الخير؛ بأن خافت على الرضيع الهلاك من الجوع فلا يرجع عليها، وهذا لأن المرضعة مسببة إلى الفرقة وليست بمباشرة، والمسبب إنما يضمن إذا كان متعدياً في تسببه، فإذا تعمدت الفساد فهي متعدية، وإذا أخطأت أو أرادت الخير فهي ليست بمتعدية، وتصدق المرضعة أنها لم تتعمد الفساد إذا لم يظهر خلافه.
في «البقالي» : وعن محمد ﵀: أنه يرجع عليها بكل حال؛ لأن من أصله أن المسبب كالمباشر. أصله: مسألة فتح باب القفص والإصطبل وأشباه ذلك.
في «العيون» : رجل تزوج رضيعتين فجاءت امرأتان ولهما منه لبن، فأرضعت كل واحدة منهما إحدى الصبيتين معاً، وتعمدتا الفساد، لا ضمان على كل واحدة منهما؛ لأن كل واحدة منهما غير مفسدة بصنعها وبنفسها خاصةً هكذا وضع المسألة في «العيون» .
وفي «المنتقى» : وضع المسألة فيما إذا جاءت امرأتان برجل أجنبي، لهما من ذلك الرجل الأجنبي لبنٌ، وأرضعت كل واحدةٍ منهما إحدى الصبيتين معاً وتعمدتا الفساد، وأجاب: أنه لا ضمان على واحدة منهما لأن كل واحدة منهما غير مفسدة بنفسهما وبصنعها خاصة، قال: هو بمنزلة مريض قال لامرأتين: إن دخلتما هذه الدار فأنتما
стр. 1069
طالقان، أو قال لهما: أنتما طالقان إن شئتما فشاءتا معاً، وما ذكر في «العيون» وقع سهواً؛ لأن الفساد في تلك الصغيرة بعلّة البنتية، فإن المرضعة تصير ابنةً للزوج، وبإرضاع كل واحدة من الكبيرتين صارت الصغيرة التي أرضعتها هذه الكبيرة ابنةً للزوج، من غير أن يتوقف ذلك على إرضاع الكبيرة الأخرى، فصارت كل واحدة من الكبيرتين مفسدة نكاح الصغيرة، التي أرضعتها بصنعتها خاصة.
أما موضوع «المنتقى» صحيح؛ لأن الفساد في تلك الصغيرة بعلّة الأجنبية، والأجنبية إنما يثبت بصنعتها فلم يصر لكل واحدة منهما مفسدة بصنعها خاصة.
وفي «المنتقى» : رجل تحته كبيرة ورضيعة، جاء رجل وأخذ من لبن الكبيرة وأوجر الصغيرة بانتا؛ لأنهما صارتا أمّاً وابنةً، وللصغيرة نصف المهر، وكذا الكبيرة إن لم يكن الزوج دخل بها، ويرجع الزوج بذلك على ذلك الرجل إن تعمّد الفساد.
وفي «العيون» : لو كانت عنده كبيرة مجنونة أو معتوهة وصغيرة، وأرضعت الكبيرة الصغيرة حتى بانتا، لا رجوع للزوج على الكبيرة؛ لأن فعل المجنونة والمعتوهة لا يوصف بالجناية.
وفي «المنتقى» : إذا كان تحت رجل صغيرتان جاءتا إلى امرأة نائمة وشربتا منها لبناً بانتا، ولكل واحدة نصف الصداق ولا يرجع الزوج على النائمة.
وفي «الأصل» : إذا تزوج الرجل صبية، ثم تزوج عمّتها وفرّق بينه وبين العمّة لا تحرم الصغيرة، فإن جاءت أم العمّة وأرضعت الصغيرة لا يفسد نكاح الصغيرة، وإن ثبتت الأختية بينها وبين العمة؛ لأن نكاح العمّة وقع باطلاً فلم يتحقق الجمع المحرم.
وفي «المنتقى» : إذا تزوج امرأة نكاحاً فاسداً ووطئها وفرّق بينهما، ثم تزوج صبية رضيعة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة فسد نكاح الصغيرة، يريد به: إذا كان الإرضاع في عدة الكبيرة بدليل أنه علّل وقال: من قبل أنها صارت أخت الكبيرة، والكبيرة في العدة، فعلى هذا إذا كان الإرضاع بعد انقضاء عدّة الكبيرة لا تحرم الصغيرة.
تزوج رجل ثلاث صبيات فجاءت امرأة وأرضعتهن معاً بأن حلبت لبنها في قارورة وألقمت إحدى ثدييها إحداها والأخرى الأخرى وأوجرت الثالثة معاً بِنَّ جميعاً؛ لأنهن صِرْنَ أخوات معاً، وإن أرضعتهن واحدة بعد أخرى بانت (٢٠١ب١) الأوليتان والثالثة امرأته؛ لأنه لما أرضعت الثانية ثبتت الأختية بين الثانية وبين الأولى، فتقع الفرقة بينه وبينهما، فإذا أرضعت الثالثة صارت الثالثة أختاً لهما إلا أنه لم يبق الجمع فلا يفسد نكاح الثالثة لهذا.
ولو أرضعت الأولى ثم أرضعت الثنتين معاً حرمن عليه؛ لأن رضاع الأولى لم يتعلق به تحريم، فإذا أرضعت الثنتين صرن أخوات وقد تحقق الجمع فيهن فيحرمن، ولو كنّ أربع صبيات فأرضعتهن واحدة بعد أخرى حرمن عليه.
وطريقه: أن بإرضاع الثانية حرمت الأولى والثانية، وبإرضاع الرابعة حرمت الرابعة والثالثة، وكذلك لو أرضعت واحدة ثم أرضعت الثلاث معاً حرمن عليه جملة، وكذلك
стр. 1070
ولو أرضعت الثلاث منهن معاً ثم أرضعت الرابعة لا تحرم الرابعة.
ولو تزوج صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة بانتا، ولا مهر للكبيرة إن كان قبل الدخول بها، وللصغيرة نصف المهر، وله أن يتزوج بالصغيرة إن لم يكن دخل بالكبيرة، ولا يتزوج الكبيرة؛ لأن الصغيرة ربيبته من الرضاع ولم يدخل بها، والكبيرة أم امرأته.
ولو تزوج كبيرة وصغيرتين، وأرضعتهما الكبيرة واحدة بعد أخرى؛ فإن لم يكن دخل بالكبيرة حرمت الكبيرة والصغيرة الأولى؛ لأنه حين أرضعتها فقد صارتا أماً وابنة، فوقعت الفرقة بينهما، فحين أرضعت الثانية فليس في نكاح فبقي نكاحهما؛ لأن السابق مجرد العقد على الأم، ولا تحل له هذه الكبيرة أبداً، وتحل له الصبية إذا فارق التي عنده، وإن كان ذلك بعدما دخل بالكبيرة حرمن عليه جميعاً؛ لأنهما صارتا ابنتيها من الرضاعة، ولا تحل له واحدة منهن أبداً؛ لوجود الدخول بالأم، وصحة العقد ما لا يثبت.
ولو تزوج كبيرة وثلاثاً صفاراً فأرضعتهن واحدة بعد أخرى حرمن عليه، دخل بالكبيرة أو لم يدخل، أما حرمة الكبيرة والصغيرة الأولى؛ لأنهما صارتا أماً وبنتاً، وأما حرمة الصغيرة الثانية والثالثة إن لم يدخل بالكبيرة، فلثبوت الأختية بينهما، وإن دخل بالكبيرة؛ لأن كل واحدة منهما ربيبته وقد دخل بالأم.
ولو تزوج كبيرتين وصغيرتين، ولم يدخل بالكبيرتين بعد، حتى عمدت الكبيرتان إلى إحدى الصغيرتين وهي زينب، فأرضعتاها إحداهما بعد الأخرى، ثم أرضعتا الصغيرة الثانية وهي عمرة إحداهما بعد الأخرى، بانت الكبيرتان، والصغيرة الأولى وهي زينب، والصغيرة الثانية وهي عمرة امرأته؛ لأن إحدى الكبيرتين حين أرضعت زينب بانتا؛ لأنهما صارتا ابنةً وأماً، فحين أرضعت الكبيرة الأخرى زينب صارت أم امرأته فحرمت أيضاً، فإن أرضعتا عمرة صارت عمرة ربيبته ولم يدخل بأمها فلا يحرم.
ولو أنّ إحدى الكبيرتين أرضعت الصغيرتين واحدة بعد أخرى، ثم أرضعت الكبيرة الأخرى الصغيرتين واحدة بعد أخرى، فإن كانت الكبيرة الثانية بدأت بالتي بدأت بها الكبيرة الأولى وهي زينب بانت، الكبيرتان والصغيرة الأولى وهي زينب، والصغيرة الأخرى وهي عمرة امرأته، ولو بدأت الكبيرة الثانية بالصغيرة الأخرى حَرُمْنَ عليه جُملة.
ولو كانت تحته صغيرة وكبيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة بانتا؛ لأنهما صارتا أختين. وكذلك لو أرضعتهما أخت الكبيرة؛ لأن الصغيرة صارت بنت أخت الكبيرة، والجمع بين المرأة وابنة أختها لا يجوز، ولو أرضعتها عمة الكبيرة أو خالتها لم تبن واحدة منهما؛ لأن الجمع بين المرأة وابنة عمها أو ابنة عمتها أو ابنة خالها جائز.
وإذا كانت تحت الرجل كبيرة وصغيرة فطلّق الكبيرة، ثم إن أخت الكبيرة أرضعت الصغيرة والكبيرة في العدة بعد؛ بانت الصغيرة؛ لأن حرمة الجمع في حالة العدة كحرمتها حال قيام النكاح.
стр. 1071
ولو زوج رجل ابنه الصغير امرأة لها لبن فارتدت وبانت من الصبي، ثم أسلمت فتزوجها رجل فحبلت منه، وأرضعت بلبنها ذلك الصبي الذي كان زوجها، حرمت عليه زوجها الثاني؛ لأن الصبي صار ابناً لزوجها، فكانت هذه امرأة الابن فحرمت عليه.
ولو زوج رجل أم ولده مملوكاً له وهو صغير فأرضعته بلبن السيد حرمت على زوجها وعلى مولاها؛ لأن المملوك صار ابناً لمولاه، فحرمت على المولى لأنها امرأة ابنه وحرمت على الزوج لأنها موطوءة ابنه.
ولو تزوج صغيرة وطلقها، ثم تزوج كبيرة فأرضعت هذه الكبيرة تلك الصغيرة بلبنها أو لبن غيرها حرمت عليه؛ لأنها أم امرأته.
نوع منه ولا تقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين أو شهادة رجل وامرأتين عدول
هكذا روي عن علي وابن عباس ﵄. والمعنى: أن ثبوت الحرمة لا تقبل الفصل عن زوال الملك في باب النكاح، وإبطال الملك عن المحل لا يثبت إلا بشهادة شاهدين، وهذا بخلاف ما إذا اشترى لحماً فأخبره مسلم أنه ذبحه مجوسي، فإنه لا يحل تناوله؛ لأن حرمة التناول تقبل الفصل عن زوال الملك، فكان هذا من باب الدين، فقبل قول الواحد فيه، وإن كان المخبر واحداً ووقع في قلبه أنه صادق فالأولى أن يتنرّه ويأخذ بالثقة، وحط الإخبار قبل العقد أو بعده، ولا يجب عليه ذلك. وإذا شهد بذلك رجلان أو رجل وامرأتان وهم عدول لم يتسع لكل واحد منهما المقام مع صاحبه؛ لأن الحجة قد تمّت.
صبيّة أرضعها بعض أهل القرية فهو في سِعَةٍ من المقام معها في الحكم؛ لأنه لم يظهر المانع في «فتاوى أهل سمرقند» . وفيه أيضاً: أدخلت المرأة حلمة ثديها فم رضيع ولم تدر أدخل اللبن في حلقه أم لا فإنه لا يحرم النكاح؛ لأن في المانع شك.
وفي آخر «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل تزوج امرأة رضيعة ومضى على ذلك زمان فقالت أم الزوج أو أختها: إني قد أرضعتها، إن قالت قد أرضعتها قبل النكاح لا يحل للزوج أن يتزوج أختها ما لم تُطلّق الرضيعة؛ لأن إقدام الزوج على النكاح إقرار منه بصحة النكاح، وإقراره حجة في حقّه. وإن قالت: أرضعتها بعد النكاح جاز له أن يتزوج بأختها قبل أن يطلقها والله أعلم.
نوع منه
إذا قال الزوج: هذه المرأة أمي من الرضاعة أو قال: ابنتي أو قال: أختي، ثم أراد أن يتزوجها بعد ذلك وقال: أو همت أو أخطأت أو لبست، وصدقته المرأة فهما مصدقان في ذلك وله أن يتزوجها، وهذا استحسان وإن ثبت على قوله الأول وقال: هو حق كما قلت، ثم تزوجها فرّق بينهما قياساً واستحساناً.
وجه القياس: أن الرجوع عن الإقرار فيما هو على المقرّ غير عامل؛ لأن الإقرار ملوم بنفسه على ما عرف.
стр. 1072
وجه الاستحسان: أن هذا أمر قد تسببه، وقد وقع عند الناس أن بينه وبين امرأة رضاع، فيخيّر بذلك ثم يتفحص عن حقيقة الحال فيتبيّن (٢٠٢أ١) أنه غلط في ذلك، وفيما يقع فيه الاشتباه إذا أخبر بالغلط وليس هناك من يكذبه يجب قبول خبره، ولم يوجد المكذب هنا.
وإذا أقرت المرأة أن هذا أبي من الرضاعة أو أخي أو ابن أخي وأنكر الرجل، ثم كذبت المرأة نفسها فقالت أخطأت فتزوجها فالنكاح جائز، وكذلك لو لم يتزوجها قبل تكذيب نفسها.
ولو قالت المرأة بعد النكاح: قد كنت أقررت: أنك أخي وقد قلت: إن ما أقررت به حق حين أقررت بذلك وقد وقع النكاح فاسداً، فإنه لا يفرق بينهما، ولو كان هذا القول من الزوج يفرق بينهما.
وإذا أقرّ الرجل أن هذه المرأة أخته من الرضاعة، وثبت على ذلك وأشهد عليه شهوداً، ثم تزوجها ولم تعلم المرأة بذلك، ثم جاءت بهذه الحجة بعد النكاح فرقت بينهما، ولو أقرّا بذلك جميعاً ثم أكذبا أنفسهما وقالا: أخطأنا، ثم تزوجها كان النكاح جائزاً، وكذلك هذا في النسب، ليس يلزم من ذلك إلا ما ثبتا عليه؛ لأن الغلط والاشتباه فيه مما يتحقق، ولو تزوج امرأة ثم قال بعد النكاح هي أختي من الرضاعة أو ما أشبه، ثم قالت المرأة: أُوهمت، ليس الأمر كما قلت لا يفرق بينهما استحساناً، ولو ثبت على هذا المنطق وقال: هو حق كما قلت، يفرق بينهما، ولو جحد بعد ذلك لا ينفعه جحوده.
والحاصل: أنّ مثل هذا الإقرار إنما يوجب الفرقة بشرط الثبات عليه، فإذا قال: أُوهمتُ فقد انعدم ما شرطه فلا يوجب الفرقة. وإذا قال بعد الإقرار: هو حق كما قلت: هذه أختي أو هذه ابنتي، وليس لها نسب معروف ثم قال: أُوهمت يصدق، وهذا بخلاف ما لو قال لعبده: هذا ابني، أو قال لأمته: هذه ابنتي ثم قال: أُوهمت، لا يصدق ويحكم بعتق العبد والأمة.
والفرق: أن الأشتباه لا يقع بين العبد وبين ابنه إلا نادراً لأن العبد في الغالب.... لابنه في المطعم والملبس والمجلس، والنادر لا عبرة له، فلا يُعتد بقوله: أوهمت، والاشتباه بين ابنته وبين زوجته ليس بنادر بل هو غالب، لتفارقهما في المطعم والملبس والمجلس، والغالب معتبر شرعاً، ولهذا تعلّل إذا قال: أوهمت فهو الفرق بين الصورتين.
ولو قال: هذه ابنتي من النسب، قال ذلك لامرأته وثبت عليه، ولها نسب معروف لم أفرق بينهما، وكذلك لو قال: هذه أمي والأم معروفة وثبت عليه، ذلك لا يفرق بينهما؛ لأنه مكذب شرعاً فيما قال.
ولو صار مكذباً من جهة نفسه بأن قال: أوهمت لم يفرق بينهما، فكذا إذا صار
стр. 1073
مكذباً شرعاً. ولو قال: هي ابنتي وليس لها نسب معروف ومثلها يولد لمثله، وثبت على ذلك يفرق بينهما، فبعد ذلك إن صدقته المرأة أنها ابنته ثبت النسب وما لا فلا، وإن كان مثلها لا يولد لمثله لا يثبت النسب منه ولا يفرق بينهما؛ لأنه ثبت كذب إقراره حقيقةً، والله أعلم.
الفصل الرابع عشر في بيان ما يجوز من الأنكحة وما لا يجوز
قال أصحابنا ﵏: لا يجوز للرجل أن يتزوج بأم امرأته دخل بها أو لم يدخل بها، وهذا لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآئِكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) حرم أمهات النساء مطلقاً، وهو معنى قول ابن عباس ﵁ أم المرأة.... في القرآن أي: مطلقة.
ولا يجوز أن يتزوج بابنة امرأته إن كان قد دخل بها، وإن لم يدخل بها فلا بأس لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّتِى فِى حُجُورِكُمْ مّن نِّسَآئِكُمُ اللَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) .
وإذا جمع بين امرأتين في النكاح فالأصل في جنس هذه المسائل: أن كل امرأتين لو صورنا إحداهما من هذا الجانب أو من ذلك الجانب ذكراً لم يجز النكاح بينهما، برضاع أو نسب لم يجز الجمع بينهما، ولو جاز لواحد منهما أن يتزوج بالأخرى، والجمع جائز كالجمع بين المرأة وابنة زوج كان لها من قبل، وإن كانت ابنة الزوج لو كان ذكراً لا يجوز النكاح بينهما، إلا أن امرأة الأب لو كانت ذكراً يجوز النكاح بينهما، وهذا لأن الأصل في هذا الباب ذواتي رَحِمٍ محّرم، وهناك الحرمة بائنة من الجانبين، لو صورنا إحداهما رجل أي جانب كان، وكل امرأتين هما في معناهما، ثبت هذا الحكم في حقهما وما لا فلا.
وكما لا يجوز للزوج أن يتزوج بأخت امرأته في عدة امرأته فكذا لا يجوز له أن يتزوج أحداً من ذوات محارمها في عدتهما؛ لأنهما في معنى الأجنبي في حرمة الجمع بينهما، فلا يجوز له أن يتزوج أمّه على الحرمة؛ الحرّ والعبد في ذلك سواء عندنا، بعموم قوله ﵇ «لا تنكح الأمة على الحرة» .
ولو جمعهما في عقد صحّ نكاح الحرة وبطل نكاح الأمة؛ لأن الأمة ليست بمحلٍ حالة الضم إلى الحرة، وهذا لما عرف أن الرق في جانب النساء منقصٌ للحل كما في جانب الرجال، غير أن في جانب النساء لا يمكن إظهار النقصان في حق العدد، فأظهر بالنقصان في حق الأحوال، فجعلناها من المحللات قبل الحرة، ومن المحرمات بعد
стр. 1074
الحرة ومع الحرة، وهذا إذا كان يصح نكاح الحرة وحدها.
وأما إذا كانت الحرة لا يصح (نكاحها) وحدها فضمهما إلى الأمة لا يوجب بطلان نكاح الأمة، كما لو جمع بين حرة وأمة وللحرة زوج، فإنه لا يبطل نكاح الأمة.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : أختان قالت كل واحدة منهما لرجل واحد قد زوجت نفسي منك بكذا، وخرج الكلامان معاً، فقبل الزوج نكاح إحداهما فهو جائز، لأن كلامهما منفصل في الأصل فلم يتحقق الجمع لا في حق الحكم ولا في حق النسب.
وفيه أيضاً: رجل له بنت كبيرة وأمة كبيرة فقال الرجل: قد زوجتهما كل واحدة منهما بكذا، فقبل الزوج نكاح الأمة كان باطلاً؛ لأن الموجب جمع بين والأمة والحرة في الإيجاب، وذلك يوجب بطلان نكاح الأمة، لكون نكاح الأمة دافعاً نكاح الحرة فإن قبل بعد ذلك نكاح الحرة جاز؛ لأن نكاحها توقف على قبوله ولم يرتد بقبول نكاح الأمة؛ لأن الإيجاب في حق الأمة باطل.
وفيه أيضاً: رجل وكّل رجلاً أن يزوجه امرأة، ووكّل رجلاً آخر يمثل ذلك، فزوجه كل واحد منهما امرأة بغير أمرها، وهما أختان من الرضاعة، وخرج الكلامان معاً فهما باطلان، وكذلك لو كان أحد النكاحين برضا المرأة أو كان كلاهما برضاهما لما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة رحمة الله: عليه لا يتزوج الأمة في عدة الحرة، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يتزوج في عدة المبتوتة.
هما يقولان: المحرم إدخال الأمة في نكاح الحرة لا الجمع، بدليل أن نكاح الأمة إذا كان سابقاً يجوز، ولا يتحقق الإدخال إذا كانت الحرة مبتوتة.
وأبو حنيفة يقول: بأن العدّة حق من حقوق النكاح ... من ... فيتحقق الإدخال (٢٠٢ب١) . على الحرة من وجه، فيعتبر بالإدخال من كل وجه احتياطاً لأمر الحرمة.
ولو تزوج أمة وحرّة والحرة في عدة من نكاح فاسد أو عن وطىء بشبهة ذكر الحسن أنه على هذا الخلاف وغيره. قال: يجوز نكاح الأمة هنا بالاتفاق، ويجوز له أن يتزوج أخت أمته التي وطئها، وأخت أم ولده، ولكن لا يطأ الزوجة حتى تحرم الأمة وأم الولد على نفسه، بنكاح أو ببيع الأمة، فلا يجوز له أن يتزوج أخت أم ولده في عدة أم الولد، بأن أعتق أم الولد ثم أراد أن يتزوج بأختها في عدتها فإنه لا يجوز، ويجوز له أن يتزوج أربعاً، وهذا قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يجوز نكاح الأخت والأربع؛ لأن العدة أثر ذلك الفراش، وذلك الفراش لم يكن مانعاً نكاح الأخت ولا نكاح الأربع فكذا أثره.
وأبو حنيفة ﵀ يقول في الفرق: أن المقصود من النكاح الوطىء، وهذا الرجل باختيار عدة أم الولد غير ممنوع عن وطىء الأربع بالنكاح؛ بأن يعتقها وتحته أربع
стр. 1075
نسوة، فإن له أن يظاهر، فكذا لا يكون ممنوعاً من العقد على الأربع، وهو باعتبار عدتها ممنوع عن وطىء أختها بالنكاح، فيكون ممنوعاً من العقد عليها أيضاً، بمنزلة العدة من النكاح. وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: يجوز أن يتزوج امرأة حاملاً من الزنا، ولا يطأها حتى تضع، وقال أبو يوسف وزفر رحمهما الله: لا يصح النكاح، والفتوى على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ وهذا لأن المنع من النكاح إذا كان الحمل من النكاح لأجل الحق المحترم لصاحب.... يدخل على فراشه غيره، وأما فيما يرجع إلى الحمل بنفسه فأثره في حق المنع من الوطىء؛ كيلا يصير ساقياً زرع غيره بمائة.
وفي «مجموع النوازل» : إذا تزوج امرأة قد زنى هو بها وظهر بها، حبل فالنكاح جائز عندالكل، وله أن يطأها عند الكل، ويستحق النفقة عند الكل.
في «المنتقى» : قال هشام سألت محمداً ﵀: رجل تزوج امرأة لم يكن لها زوج قبل ذلك وزنى بها فجاءت بولد لأم لأقل من ستة أشهر من يوم تزوجها، قال: النكاح فاسد في قولي وقول أبي يوسف ﵀؛ لأنه تزوجها وهي حامل، وإن جاءت بسقط استبان خلقه أو بعض خلقه لأربعة أشهر منذ تزوجها أو أكثر، النكاح جائز، وإن جاءت به لأقل من ذلك فالنكاح فاسد، قال: لأنه بلغنا أنه يكون نطفة أربعين يوماً ثم علقة أربعين يوماً ثم مضغة أربعين يوماً، فإذا أسقطت لأربعة أشهر منذ تزوجها أو أكثر من ذلك فهو ابن الزوج والنكاح جائز، قال محمد ﵀: والأربعة الأشهر وجبت عندي في السقط الذي استبان خلقه مثل الستة الأشهر في الولد التام.e
قال: ولا نحفظ عن أبي حنيفة ﵀ في السقط؛ الذي استبان (من) خلقه شيئاً. قال محمد ﵀: وإن نقص عدد الأربعة الأشهر من عشرين ومائة يعني في السقط لم أنظر فيه إلى الشهور يعني إلى الأهلّة، وإنما أنظر فيه على عدد الأيام على ما جاء في الحرمة والوقت فيه تمام مائة وعشرين يوماً، وأما الولد التام فعلى عدد الشهور.
فإن تزوجها على رأس عشرة أيام من شهر عددت لها عشرين يوماً من هذا الشهر. وخمسة أشهر بالأهلة، وعشرة أيام من الشهر السادس.
وقال أبو حنيفة ﵀ في الحربية إذا هاجرت إلى دار الإسلام مسلمة جاز تزوجها ولا عدة عليها. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: عليها العدة لأن البنيونة إنما وقعت بعد دخول دار الإسلام فيلزمها حكم الإسلام، ولأبي حنيفة ﵀ قوله تعالى في آية المهاجرات: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: ١٠) ومتى حكمنا بوجوب العدة كان حكماً ببقاء العصمة.
والفقه فيه: أن العدة أثر النكاح. حكم الشرع به: إظهار الخطر، وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه في نكاح الحربي الذي لا خطر لملكه، ألا ترى أنها لو سُبيت لا تجب العدة، حتى يحل للثاني وطئها بعد الاستبراء، فإن كانت حاملاً، فعن أبي حنيفة رحمه
стр. 1076
الله فيه روايتان، روى أبو يوسف عنه: أنه يجوز النكاح فلا يطأها حتى تضع، وهو اختيار الكرخي ﵀، وروى محمد ﵀ عنه: أنه لا يتزوجها؛ لأن النسب ثابت وظهر الفراش في حق النسب، فكذا في حق المنع عن النكاح.
ولا يجوز وطىء كافرة بنكاح ولا ملك يمين، إلا الكتابيات، فنكاح غير الكتابية لا يجوز للمسلم بحال، ونكاح الكتابية يجوز للمسلم سواء كانت حربية أو غير حربية، غير أنها إذا كانت حربية وتزوجها المسلم في دار الإسلام جاز نكاحها من غير كراهة، وإن تزوجها في دار الحرب يجوز نكاحها ويكره هذا، هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: إنما يكره إذا كان من قصده، وقال بعضهم: إنما يكره إذا كان من قصده أن يطأها ثمة كما قال محمد ﵀ المغازي: إذا دخل دار الحرب بأمته يكره أن يطأها ثمة، وقال بعضهم: إنما يكره إذا كان من قصده أن يستولدها ثمة.
والمرتدة لا يجوز نكاحها على أحد، وكذا المرتد لا يجوز نكاحه مع أحد. وإذا تزوج الرجل بجارية من اكتساب مكاتبه لا يجوز. ولو تزوج بجارية ثم استبرأه المكاتب لا يفسد النكاح، وكذا المكاتب إذا تزوج بجارية من اكتسابه لا يجوز. ولو تزوج بجارية ثم اشتراها بنفسه لا يفسد النكاح.
والفرق: أن الثابت للمولى في اكتساب المكاتب حق الملك لا حقيقة الملك، وحق الملك يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع بقاؤه؛ لأن حق الملك ليس إلا الملك الثابت من وجه دون وجه، فاعتبار شبه الوجود إن كان يبقى النكاح، فاعتبار شبه العدم لا يبقى، فلا يجوز نكاح لم يكن بالشك، ولا يبطل نكاح قد كان بالشك.
وإذا زوج الرجل ابنته وهي بالغة برضاها من مكاتبه أو من عبده يجوز، وقد مرّ هذا فيما تقدم. وإن مات المولى ولم يدع مالاً آخر سوى هذا المكاتب وترك ابنته هذه وعصبته لا يفسد النكاح؛ لأن المرأة لا تملك شيئاً من رقبة زوجها، ولو فسد النكاح في هذه الصورة لفسد من هذا الوجه.
بيانه: أن المكاتب لا يملك بسائر أسباب الملك حقاً للمكاتب، فلا يملك بالإرث أيضاً، فإن طلقها المكاتب فإن كان الطلاق رجعياً كان له أن يراجعها، وإن كان الطلاق بائناً ليس له أن يتزوجها، وهذا لأنه ثبت للمرأة في رقبة المكاتب حق الملك، ولهذا لا يملك المكاتب التزوج إلا برضاها، والطلاق البائن يزيل النكاح، فهذا حال ابتداء النكاح، وحق الملك يمنع ابتداء النكاح، وأما الطلاق الرجعي لا يزيل ملك النكاح، والرجعة في حكم استدامة الملك، وحق الملك لا ينافي استدامة ملك النكاح.
ولو لم يكن شيء من ذلك، ولكن مات المكاتب بعد موت المولى وترك ثلاثة آلاف درهم ومهرها على المكاتب ألف درهم، وبدل الكتابة ألف درهم ابتداء (٢٠٣أ١) بالمهر ثم يستوفي بدل الكتابة ويحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، فيكون ذلك ميراثاً عن مولى المكاتب، النصف للبنت والنصف للعصبة.
стр. 1077
بقي هنا ألف آخر يكون ميراثاً عن المكاتب لورثته فيكون المثبت الرابع بحكم الزوجية والباقي للعصبة، وإن لم تكن الابنة في نكاح فلا شيء لها من هذه الألف وهي لعصبة المولى، وعليها عدة الوفاة ولو لم ... المكاتب، ولكن عجز فسد النكاح؛ لأنها ملكت نصف رقبة زوجها.
بيانه: أن بالعجز ينفسخ عقد الكتابة وهو المانع من الإرث، وسقط كل الصداق وإن لم يدخل بها لوقوع الفرقة بمعنى من قبلها وهو يملكها شيئاً من رقبة زوجها قبل الدخول بها والله أعلم.
الفصل الخامس عشر: في الأنكحة التي لا تتوقف على الإجازة
والتي تتوقف على الإجازة ثم تنفذ بدون الإجازة وما يحتاج فيه إلى الإجازة.
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : عبد أو مكاتب تزوج امرأة بغير إذن المولى يوقف ذلك؛ لأن له مجيز حال وقوعه وهو المولى، فإن عتق قبل إجازة المولى ينفذ ذلك العقد عليه من غير إجازة. والصبي إذا تزوج امرأة ثم بلغ إن أجاز ذلك العقد نفذ عند علمائنا الثلاثة ﵏، وإن لم يجز لا يجوز. والفرق: أن امتناع النفاذ في حق العبد والمكاتب مع كمال أهليتهما لحقّ المولى، وحق المولى قد زال بالعتق.
وأما امتناع النفاذ في حق الصبي لقصور أهليته فلا بُدّ من الخبر........ الولي (أو) القاضي أو إجازته بعد البلوغ، فلا ينفد إلا بإجازة الولي والقاضي قبل البلوغ أوإجازته بعد لبلوغ.
مكاتب زوج عبده امرأة لم يجز ولم يتوقف؛ لأنه لا مجيز له حال وقوعه. أما المكاتب لأن تزويج العبد ليس بتجارة ولا كسب، بل هو تغييب وتنقيص للمالية، والداخل تحت ولاية المكاتب التجارة والكسب. وأما المولى؛ فلأنه اغتنى عن اكتساب مكاتبه.
ولو وكَّل المكاتب بذلك وكيلاً كان التوكيل باطلاً؛ لأن المكاتب لا يملك المباشرة بنفسه فلا يملك التعويض إلى غيره، فلو زوجه الوكيل قبل عتق المكاتب لم يجز ولم يتوقف، ولو زوجه بعد عتق المكاتب يوقف على إجازته؛ لأن الوكالة لما بطلت كان هذا فضولياً، زوج عبد الغير وذلك الغير من أهل الإجازة وقت المباشرة فيتوقف على إجازته، ولو تزوج عبد المكاتب بنفسه بغير أم المكاتب لم يتوقف حتى لو عتق المكاتب وأجاز ذلك لا يجوز لأنه لا مجيز له. ولو تزوج بعدما عتق المكاتب جاز.
وإذا وكّل الصبي رجلاً أن يزوجه امرأة فزوجه الوكيل قبل البلوغ؛ يتوقف على
стр. 1078
إجازة الولي أو القاضي قبل البلوغ أو إجازته بعد البلوغ.
وإن زوّجَهُ الوكيل امرأة بعد البلوغ يتوقف النكاح على الإجازة أيضاً، ولكن على إجازة الصبي لا غير، وهذا لأن الوكالة حصلت عن رأي.... فلا تكون لازمة، فصار الوكيل كالفضولي فيتوقف نفاد تصرفه على الإجازة.
قال في «الجامع» عبد زوجه رجل امرأتين في عقد بغير إذنه وإذن مولاه، ثم زوجه أيضاً امرأتين في عقد كذلك، ولم يبلغه حتى عتق، فأي العقدين أجازه نفذ. وكذلك لو أجاز إحدى الأوليين ونكاح إحدى الأخريين جاز أيضاً، وهذا لأن نكاح كل واحدة وقع موقوفاً، ألا ترى أن المولى لو أجاز نكاح واحدة منهن قبل العتق جاز، وكذلك إذا أجاز العبد، إلا أن إجازة العبد كانت لا تعمل قبل العتق بحق المولى، وحق المولى قد أسقط بالاعتبار، ولو أجاز نكاحهن جملة بطل الكل؛ لأن العقد ينفد، إلا موقوفاً على إجازة اثنين، فلا يصح إجازة الكل ويصير بإجازة الكل معرضاً عن العقد فيبطل العقدان لعدم الفائدة في اتفاقهما.
ولو أجاز نكاح الثلاث منهن بأعيانهن بطل نكاحهن، وإن أجاز نكاح الواحدة الباقية بعد ذلك صح لأن عقدها بقي موقوفاً فلا يكون إجازة نكاح الثلاث فسخاً لنكاحها؛ لأن الإجازة إنما تعمل في إبطال النكاح الموقوف بعد صحة الإجازة، وإجازة الثلاث لم تصح فبقي نكاح الرابعة موقوفاً على الإجازة فتنفذ بالإجازة.
وفيه أيضاً: حرُّ تحته امرأة زوجه رجل أربع نسوة بعقد بغير أمره، فبلغه الخبر فأجاز نكاح بعضهن لم يجز؛ لأن أصل الخطاب وقع فاسداً، أو زوجه أربع نسوة في عقود متفرقة فأجاز نكاح بعضهن جاز لأن هناك الخطاب ما وقع فاسداً، وإن أجاز نكاحهن في هذه الصورة لم يجز وبطل نكاح الكل، حتى لو أجاز بعد ذلك نكاح بعضهن لا يجوز، ولو بانت امرأته قبل الإجازة في العقد الواحد وفي العقود المتفرقة، ثم أجاز نكاح الكل لم يجز. أما في العقد الواحد فظاهر، وأما في العقود المتفرقة؛ فلأن الموقوف على الإجازة نكاح الثلاثة لا غير.
وفي نكاح «الأصل» رجل تزوج أمة بغير إذن المولى، ثم تزوج حرّة ثم أجاز مولى الأمة نكاحها لم يجز؛ لأن الإجازة لاقت عقداً مفسوخاً؛ لأن نكاح الأمة واقع بعد نكاح الحرة باعتبار النظر إلى ما هو المقصود من العقد وهو الملك والمحل، فانفسخ بنكاح الحرة، أو لأنه أعترض بعد عقد الأمة قبل الإجازة ما يمنع ابتداء عقد الأمة، فمنع الإجازة أيضاً، ألا ترى أنه لو تزوج امرأة نكاحها موقوفاً ثم تزوج أختها، ثم إن الأولى أجازت لم يجز، أرأيت إذا تزوج أم هذه الأمة أو ابنتها، وهي حرة قبل إجازة مولاها، ثم أجاز مولاها أكان يجوز؟ لا شك أنه لا يجوز.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: عبد تزوج أمة ثم تزوج حرة ثم
стр. 1079
تزوج أمة ثم أجاز المولى، نكاحهن جاز نكاح الأمة الآخرة، ولو كان دخل بكل واحدة منهن لم يجز نكاح شيء منهن.
وفي «نوادر ابن رستم» عن محمد ﵀: عبد تزوج أمة ثم حرة بغير إذن المولى، فبلغ المولى فأجاز النكاحين، فنكاح الحرة جائز ونكاح الأمة باطل.
ولو كان تزوج حرة ثم أمة بغير إذن المولى، فأجاز المولى، فنكاح الحرة جائز ونكاح الأمة باطل في قول أبي حنيفة ﵀، وقال محمد ﵀: نكاح الأمة جائز ونكاح الحرة باطل؛ لأن محمداً ﵀ يقول: نكاح الأمة في عدة الحرة جائز.
ومما يتصل بهذا الفصل: انتقال الإجازة إلى غير من توقف العقد عليه. يجب أن يعلم أن العقد قد يتوقف على إجازة الغير ثم تنتقل الإجازة إلى غيره وتصح بإجازته وقد لا يصح انتقال الإجازة إلى غيره.
بيان الأول: إذا زوج رجل ابنة أخيه من ابنه وهما صغيران.... أخيه، إن مات الأب قبل إجازة النكاح وأجاز العم هذا النكاح قبل بلوغها صحت الإجازة ونفد النكاح، وكذلك إذا زوج الرجل ابنه البالغ بغير إذن الابن فلم يبلغه حتى صار معتوهاً فأجاز الأب ذلك النكاح جاز، وكذلك العبد إذا تزوج بغير إذن المولى ثم خرج عن ملكه إلى ملك غيره فأجاز الثاني النكاح صحت إجازته ونفذ العقد.
وكذلك به: أمة زوجت نفسها بغير إذن المولى، ثم خرجت عن ملكه إلى ملك غير البيع أو بالهبة أو بالإرث، فإن لم يحل فزوجها للمالك الثاني بأن ورثها جماعة أو ... أبيه وكان الميت قد وطئها أو باعها أو وهبها (٢٠٣ب١) . من جماعة أو من أبيه وكان الأب قد وطئها فللوارث الإجازة.
وبيان الثاني: إذا كانت الجارية تحل للثاني في هذه الصورة بأن وهبها من أجنبي، أو باعها من أجنبي، أو وهبها من أجنبي، أو من أبيه ولم يكن الأب قد وطئها، أو ورثها ابنه ولم يكن الأب وطئها، فإنه لا تصح الإجازة من الثاني، ولا يصح النكاح بإجازة الثاني.
والأصل في جنس هذه المسائل: أن الإجازة إنما لا يصح انتقالها إلى غير من توقف العقد عليه؛ إذا ثبت الحل لذلك الغير، وهو يعني ما نقل عن مشايخنا: أن الحل الثابت إذا طرأ على الحل الموقوف أبطله، أما إذا لم يثبت الحل لذلك الغير صح الانتقال إلى غير من وقع عليه، وعن هذا قلنا: إن الجارية إذا زوجت نفسها بغير إذن المولى، ووطئها الزوج ثم باعها الولي من رجل صحّت الإجازة من الثاني؛ لأن وطىء الزوج يمنع ثبوت الحل للمشتري فلم يرتفع الحل الموقوف والله أعلم.
стр. 1080
الفصل السادس عشر في المهور
وهذا الفصل يشتمل على أنواع، منه في بيان ما يصح مهراً، وفي بيان مقداره وكميتّه. قال الكرخي ﵀ في كتابه: المهر لا يكون إلا ما هو مال أو ما هو يوجب تسليم المال، فإن سمى في العقد مالاً كان المملوك في العقد مضموماً بالمسمى، وإن لم يسمّ كان مضموماً مهر المثل حتى لو مات عنها قبل الدخول بها وجب مهر المثل عندنا، بناء على أن النكاح لم يشرع إلا معاوضة البيع بالمال عندنا.
والأصل فيه قوله (تعالى) : ﴿تَبْتَغُواْ بِأَمْولِكُمْ﴾ (النساء: ٢٤) أحلّ ما وراء المحرمات بشرط الابتغاء بالمال، فإذا سمى في العقد ما هو مَعْدوم في الحال بأن تزوجها على ما تثمر أو على ما تخرج أرضه العام، أو على ما يكتسب غلامه العام لا تصح التسمية وكان لها مهر المثل؛ لأن المعدوم لا يوصف بالمالية، ولا يصح ذكره مهراً، وكذا إذا سمى ما ليس بمال للحال من كل وجه بأن تزوجها على ما في بطون غنمها، وعلى ما في بطن جاريته لا تصح التسمية، وكان لها مهر المثل، وكذا لو تزوجها على طلاق امرأة أخرى، أو عفو عن قصاص فلها مهر مثلها؛ لأن المسمى ليس بمال.
وإذا تزوجها على أن لا مهر لها صح النكاح ووجب لها مهر المثل. والنساء التي يعتبر مهرها بمهور من قوم أتها أخواتها لأبيها وأمها، أو لأبيها وعماتها وبنات عماتها، ولا يعتبر مهرها بمهر أمها وقوم أمها، إلا أن تكون أمها من قوم أبيها بأن كانت ابنة عم أبيها فحينئذ يعتبر مهرها؛ لا لأنها أمها؛ بل لأنها ابنت عم أبيها، وإنما يعتبر من.... من هي مثلها في الحسن والجمال والسّن والمال والبكارة، وكذلك يعتبر أن تكون تلك المرأة من بلدتها؛ لأن المهر يختلف باختلاف البلدان.
ومن المشايخ من قال: لا يعتبر الجمال في المرأة إذا كانت من أهل بيت الحسب والشرف والنسب. فإن لم توجد من قوم أبيها امرأة بهذه الصفة؛ ذكر شيخ الإسلام ﵀ في أول باب المهر أنه يعتبر مهرها بمهر مثلها من الأجانب في بلدها ولا تعتبر بمهر مثلها من قوم أمها.
وذكر هو أيضاً في مسألة اختلاف الزوجين في هذا الباب: أن على قول أبي حنيفة ﵀ تقدير مهرها بأقرانها من الأجانب، فكان المذكور في أول باب قولهما، وإذا تزوجها ولم يُسمِّ لها مهراً ثم سمى لها مهراً، أو فرض لها مهراً، أو رافعته إلى القاضي ففرض لها مهراً جاز ويكون ذلك تقديراً لمهر المثل.
وفي «الفتاوى» : سئل أبو القاسم عن امرأة زوجت نفسها بغير مهر، وليس لها مثل في قبيلة أبيها في المال والجمال؛ قال: ننظر إلى قبيلة أخرى مثل قبيلة أبيها فيقضي لها
стр. 1081
مهر مثلها من نساء تلك القبيلة، وإنما يعتبر حالها في السن والجمال حالة التزوج.
وفي المهر حقوق ثلاثة:
حق الشرع: وهو أن لا يكون حق من عمر.
وحق الأولياء: وهو أن لا يكون أول من مهر مثلها. وحق المرأة: وهو كونه ملكاً لها، غير أن حق الشرع وحق الأولياء يعتبر وقت العقد لا في حالة البقاء، حتى لو زوجت نفسها من رجل بعشرة ثم أراد أنه عن كلها أو عن بعضها جاز، وكذلك إذا زوجت نفسها من رجل بمقدار مهر مثلها، ثم أراد أنه عن كلها أو بعضها، لا يكون للأولياء حق الاعتراض. وعن هذا قلنا: إذا تزوجها على ثوب قيمته ثمانية فلم يقبضه حتى صارت قيمته عشرة فلها الثوب ودرهمان.
ولو كانت قيمة الثوب عشرة فلم يقبضه حتى صارت قيمته ثمانية فلها الثوب لا غير؛ لأن في الوجه الثاني حق الشرع صار.... إذ قيمة الثوب وقت العقد كانت عشرة، فالانتقاص بعد ذلك لا يصير بخلاف الوجه الأول؛ لأن حق الشرع لم يصر.... لأن قيمة الثوب يوم العقد ثمانية.
وقد ذكرنا أن حق الشرع إنما تداعى وقت العقد، فروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن في الثوب وما ليس من ذوات الأمثال تعتبر القيمة يوم التسليم، وفي المكيل والموزون تعتبر القيمة يوم العقد، وهذه الرواية إنما يتضح وجهها؛ إذا لم يكن الثوب معيباً في العقد، ووجه ذلك: أن القيمة أصل في التسليم ألا ترى أنه لو أجبرت على القبول، فتعتبر القيمة يوم التسليم، وأما المكيل والموزون فقد استحكم الوجوب في الذمة، وذكرها الدراهم سواء، فتعتبر القيمة يوم الوجوب.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: إذ تزوج امرأة على قطعة فضة.... عشرة ولا تساوي عشرة مضروبة، جاز ولا يلزمه فضل ما بينهما.
ولو شرط تعليم القرآن مهراً لا يصح؛ لأنه ليس بمال. ولو تزوجها على أن يخدمها سنة لم يجز.
ولو تزوجها على أن يرعى غنمها سنة لم يجز على رواية الأصل. وروى ابن سماعة أنه يجوز في الرعي، وقد اختلف أصحابنا ﵏ في هذا؛ فمنهم من يقول: بأن المنفعة صلحت مهراً؛ لأنها متقومة بالعقد، إلا أن الزوج يمنع عن الخدمة لما فيه من الاستهانه ولا استهانة في رعي الغنم فيجوز شرطه.
ومنهم من قال بأن منفعة الحر لا تصلح مهراً، وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا تزوجها على خدمته سنة فلها مهر المثل. وقال محمد ﵀: لها قيمة خدمته، فمحمد ﵀ يقول: بأنّ المنفعة تصلح عوضاً في سائر العقود فتصلح عوضاً في باب النكاح أيضاً، لا أنه منع من التسليم شرعاً لما فيه من الاستهانة به مع صلاحيته مهراً فيصار إلى قيمته، كما لو تزوجها على عبد الغير ولم يجز ذلك
стр. 1082
الغير...... بأن المنافع في الأصل ليست.... ولهذا لا يضمن بالغصب، وإنما يظهر لها حكم المالية والتقويم شرعاً بالعقد ضرورة الحاجة إليها، فإذا تمّ يجب التسليم بالعقد ... لا تندفع له الحاجة فبقي حكم الأصل، فلم تظهر المالية والتقويم فيجب مهر المثل.
وفي «المنتقى» عن محمد ﵀: إذا تزوجها على خدمت نفسه يجوز، ولو تزوجها على خدمة عبده سنة جاز بلا خلاف (٢٠٤أ١) .
وإذا تزوجها على هذا العبد وهو ملك الغير، أو على هذه الدار (التي) هي ملك الغير، فالنكاح جائز والتسمية صحيحة، فتسمية مال الغير صداقاً صحيح؛ لأن المسمى مال معدوم، فبعد ذلك ينظر؛ إن أجاز صاحب الدار فصاحب العبد ذلك فلها غير المسمى، وصار الجواب في النكاح مع ... المستحق التسمية نظير الجواب في البيع.
وإن.... المستحق لا يبطل النكاح ولا التسمية، حتى لا يجب مهر المثل، وإنما تجب قيمة المسمى بخلاف البيع، فإن في باب البيع متى لم يجز المستحق التسمية ينفسخ البيع من كل وجه حتى لا تجب قيمة المسمى.
وفي «المنتقى» ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: رجل تزوج امرأة على عبد لها فلها مهر مثلها، ولم يجعل هذا بمنزلة من تزوج امرأة على عبد غيره؛ لأن الذي له العبد لو أجاز كان جائزاً وليس كذلك المرأة.
وفيه أيضاً: إذا تزوج امرأة على عبد ورفعه إليها ووهبته للزوج، ثم استحق فالمرأة ترجع على الزوج بقيمة العبد.
وفي «الأصل» : إذا تزوجها على شيء بعينه، وهلك قبل التسليم أو استحق؛ فإن كان ذلك من ذوات الأمثال رجعت على الزوج بالمثل وإلا بالقيمة، وإذا تزوجها على ألف درهم على أن ترُدّ ألفاً عليه فلها مهر المثل لأن الألف المشروط بمقابلة الألف المسمى حتى لا تؤدي إلى..... فيبقى النكاح بلا تسمية، حتى تزوجها على ألف درهم على أن تردّ عليه مائة دينار بقيمة الألف على المائة دينار وعلى مهر مثلها؛ فما أصاب الدنانير كان صرفاً يشترط فيه التقابض في المجلس، وما يخص مهر المثل يكون صداقاً وكذلك إذا تزوجها على ألف درهم على أن ردت عليه عبداً بعينه فهو جائز، وتقسم الألف على قيمة العبد ومهر مثلها، فما أصاب قيمة العبد يكون شراءً........ العبد قبل التسليم أو وجد الزوج به عيباً بطل ذلك القدر، وما أصاب مهر مثلها فهو صداقها.
نوع منه: فيما إذا سمى لهامالاً وضمّ إليه ما ليس بمال
وفي «الأصل» : إذا تزوجها على ألف وعلى أرطال معلومة من خمر فليس لها الألف؛ لأن ذكر الخمر جعل كالعدم، فكأنه تزوجها على ألف، ولو تزوجها
стр. 1083
على......... وأرطال من خمر معلومة؛ بأن تزوجها قبلاً على خمسة أو ستة وأرطال معلومة من خمر فلها تمام عشرة دراهم؛ لأن ذكر الخمر يعد كالعدم فكأنه تزوجها على خمسة.
ولو تزوجها على هذا الدّن من الخمر وقيمة الطرف عشرة؛ فعن محمد ﵀ في ذلك روايتان: إحداهما أنه يجب لها الدّن لا غير لأنه جمع بينهما.d
... يصلح مهراً وبينهما لا يصلح مهراً فهو كما لو جمع بين الخل والخمر على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله. وفي رواية أخرى عنه: أنه يجب مهر المثل؛ لأن الطرف لا يقصد بالعقد وإنما يقصد ما فيه، وقد لغت تسمية ما في الطرف فبلغوا تسمية الطرف بطريق التبعية.
فإذا تزوجها على ألف وعلى طلاق فلانة وقع الطلاق على فلانة؛ بنفس العقد، بخلاف ما إذا تزوجها على ألف وعلى أن يطلق فلانة؛ لأن في الفصل الأوّل أوجب الطلاق عوضاً بالعقد، والعوض ثبت بنفس العقد، وفي القصد ما أوجب الطلاق عوضاً، إنما شرط التطليق فلا يقع الطلاق ما لم تطلق. ثم إذا شرط التطليق ولم يطلق فلانة كان لها....... مهر مثلها؛ لأنها إنما رضيت بالنقصان عن مهر المثل ليحصل لها منفعة طلاق الضرة، فإذا لم يسلم لها ذلك كان لها تمام مهر مثلها كما لو تزوجها على ألف درهم وعلى كرامتها، أو تزوجها على ألف درهم وعلى أن هذي لها هدية فلم يف بالشرط والمعنى ما ذكرنا، وكذلك في كل شرط لها فيه منفعة، إذا لم يف الزوج بالشرط.
ولو تزوجها على ألف درهم وعلى طلاق ضرتها فلانة على إن ردت عليه عبداً وقع الطلاق بنفس العقد، وانقسم الألف والطلاق على بعضها وعلى العبد، وهذا لأن الزوج بذل شيئاً: الألف والطلاق. والمرأة بذلت شيئين أيضاً: البضع والعبد
فانقسم الطلاق والألف على البضع وقيمة العبد، فإذا كانت قيمة العبد وقيمة البضع سواء كان نصف الألف ونصف الطلاق عوضاً عن العبد، ونصف الألف ونصف الطلاق عن البضع صداقها، وانقسم البضع والعبد على الطلاق والألف أيضاً، وصار بمقابلة الطلاق نصف العبد ونصف البضع، ويكون طلاق فلانة في هذه الصورة بائناً؛ لأن بمقابلة الطلاق نصف العبد ونصف البضع فيكون طلاقاً يحصل.
ثم إنما جعلنا نصف العبد ونصف البضع بمقابلة الطلاق؛ لأن المجهول إذا لم يضم إلى المعلوم فالانقسام باعتبار الذات دون القيمة، وجعل الطلاق الذي ليس بمتقوم ولا مقدر متقوماً ومقدراً بانضمام ما هو متقوم ومقدر إليه.
فإن استحق العبد أو هلك قبل التسليم رجع بخمس مائة حصة العبد، ورجع بنصف قيمة العبد أيضاً؛ لأن نصف العبد بمقابلة نصف الطلاق. واستحقاق الجعل وهلاكه قبل التسليم يوجب قيمته على من كان...... تسليمه.
وإن كان تزوجها على ألف وعلى أن يطلق ضرتها فلانة على إن ردت عليه
стр. 1084
عبداً.... لا يقع الطلاق على الضرّة ما لم يطلقها فصار نصف الألف صداقاً لها، والنصف ثمن العبد إذا كان قيمة البضع، وقيمة العبد على السواء، فبعد ذلك ينظر؛ إن وفّى لها بالشرط بأن يطلق فلانة فلها الخمسمائة لا غير، فإن لم يطلق فلانة فلها تمام مهر مثلها لأنها، إنما نقصت عن مهر المثل رغبة في طلاق ضرتها.... عدم حصول المرغوب كان لها تمام مهر مثلها والله أعلم.
نوع منه: في المهر يدخل الجهالة
الأصل: أن جهالة المسمى إذا كانت جهالة جنس تمنع صحة التمسية ويجب مهر المثل. وإن كانت جهالة وصف لا يمنع صحة التسمية وللمرأة الوسط من ذلك.
بيان الأول: إذا تزوج امرأة على دابة أو ثوب فلها مهر مثلها بالغاً ما بلغ. وكذلك إذا تزوجها على دار، لأن المسمى مجهول الجنس.... أجناس مختلفة، لاختلاف أصولها من القطن والكتاب والإبريسم والخز. وكذلك الدابة؛ لأن اسم الدابة يقع على الخيل والبغال والحمير، وأنها أجناس، وكذلك الدار؛ لأنها في معنى الأجناس المختلفة، فإنها تختلف باختلاف البلدان والمحالّ، وباختلاف الضيق والسعة وكثرة المرافق وقلتها.
بيان الثاني: إذا تزوج امرأة على عبد أو ثوب هروي ولم يصف، فالتسمية صحيحة ولها الوسط من ذلك نظراً للجانبين، والزوج بالخيار إن شاء أعطاها الوسط؛ وإن شاء أعطاها القيمة لأن الوسط لا يعرف إلا بالقيمة، فتسليم الغير تسليم ما هو المستحق بالعقد فصارت القيمة أصلاً في التسليم والسوط من.... في زماننا أدنى التركي وأرفع الهندي، وتعتبر قيمة الوسط في الوسط على قدر غلاء السعر والرخص عندهما وهو الصحيح، وهذا (٢٠٤ب١) إذا ذكر العبد والثور مطلقاً غير مضاف إلى نفسه، أما إذا ذكره مضافاً إلى نفسه فإن قال: تزوجتك على عبدي، أو قال.... ليس له أن يعطي القيمة؛ لأن الإضافة من أسباب التعريف كالإشارة، ولو كان العبد والثوب مشار إليه في العقد ليس له أن يعطيها القيمة فكذا هنا، والمسألة مذكورة في «السير» في أبواب الإمام.
ولو تزوجها على ثوب موصوف فكذلك الجواب في ظاهر الرواية للزوج الخيار إن شاء أعطاها غير الثوب، وإن شاء أعطاها القيمة، فروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يجبر على تسليم عين الثوب، وهو قول زفر ﵀؛ لأن الثوب بذكر الصفة يلتحق بذوات الأمثال، ألا ترى أن يجوز السلم فيه، وعن أبي يوسف ﵀: إن ذكر الأجل مع ذلك يجبر على التسليم، وإن لم يذكر الأجل كان للزوج الخيار؛ لأنه إذا ذكر الأجل صار نظير السلم فيجبر على التسليم كما في السلم.
وذكر «البقالي» : إن في الثياب الموصوفة روايتان.
стр. 1085
ولو تزوجها على كر حنطة ولم يصف، فإن شاء أعطى كراً وسطاً، وإن شاء أعطى القيمة، فروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يجبر على تسليم الكر، وهو قول زفر ﵀ بخلاف العبد على هذه الرواية، فإن هناك لا يجبر على تسليم العبد مع أن الواجب في الصورتين جميعاً الوسط؛ لأن العبد من ذوات الأمثال، فطريق معرفة الوسط فيه القيمة فكانت القيمة أصلاً في التسليم فلا كذلك الحنطة؛ لأنها من ذوات الأمثال، فيمكن معرفة الوسط منها بدون القيمة فلم تكن القيمة أصلاً في التسليم ثمة.
والجواب في سائر المكيلات والموزونات نظير الجواب في الحنطة. وإذا تزوجها على شيء مما يكال أو يوزن فسمى منه كيلاً أو وزناً معلوماً من صنف معلوم فلما ما سمى من ذلك، وإن جاء بقيمته دراهم أو دنانير لم تجبر المرأة على القبول بخلاف الحيوان والثوب الهروي، هكذا ذكر الشيخ الإسلام ﵀ في «النوادر» .
إذا تزوجها على مكيل ووصفه بحيث يكفي مثله في السلم لا يجبر على قبول القيمة، وإن قصر في الوصف وترك شيئاً مما يشترط في السلم أجبرت على قبول القيمة، وهو قول زفر ﵀.
ولو تزوجها على بيت فاسم البيت في عرفنا ينصرف إلى المبني من المدر، فإنه لا يصلح صداقاً إذا لم يكن تعينه. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: إذا تزوجها على ألف رطل خل فإن كان الغالب في ذلك البلد خل التمر فهو عليه، إن كان الغالب خل الخمر فهو عليه، وكذلك لو تزوجها على كذا رطل لبن فهو على الغالب من ذلك، فإن لم يكن واحد منهما غالباً فلما مهر المثل، لأن هذا من جنسين، ألا ترى أنه لو اشتراه على أنه خل خمر، فإذا هو خل تمر كان البيع فاسداً.
ولو تزوجها على كر تمر فلها كر تمر وسط، قال: لأن هذا جنس واحد.
وفي «المنتقى» عن محمد ﵀، قال أبو حنيفة ﵀: إذا تزوج امرأة على ما له من الحق من هذه الدار، قال: أفرض لها مهر المثل لا أجاوزنه قيمة الدار، وفي قولنا: لها ما كان من الحق في الدار لا غير، إذا بلغ ذلك عشرة.
وفي «المنتقى» : أيضاً عن أبي حنيفة ﵀: إذا تزوجها بنصيبه من هذه الدار، فلها الخيار إن شاءت أخذت النصيب، وإن شاءت أخذت مهر المثل لا يجاوزنه قيمة الدار.
وفيه أيضاً: إذا تزوجها على دراهم ولم يسم كم هي فلها مهر مثلها، قال: لا يشبه هذا الخلع، ولو قال: تزوجتك على ثوب يساوي خمسين درهماً فلها مهر المثل، وقال أبو حنيفة: إذا تزوجها على قيمة هذا الثوب فلها مهر المثل عن محمد ﵀: إذا تزوجها على ألف فهذا على أقربهما على مهر مثلها من الدراهم والدنانير، وإذا تزوجها على ألف دينار ولم يسم نيسابورياً أو تجارياً أو ملكنا فقد قيل: يجب مهر
стр. 1086
المثل لأن اسم الدينار يقع على جميع هذه الأنواع، وكان المسمى مجهولاً، وقيل لها الوسط، وهو التجاري؛ لأن هذه جهالة نوع، فلا تمنع صحة التسمية وينصرف إلى الوسط، كما في العبد والثوب الهروي.
وفي «الجامع الأصغر» : إذا تزوجها على دراهم وفي البلد نقود مختلفة ينصرف إلى الغالب، وإن لم يكن نظر إلى مهر مثلها وإلى تلك النقود ما بها وافق مهر المثل حكم لما به.
وإذا تزوجها على ناقة من إبله هذه فلها مهر مثلها في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: يعطيها ما شاء من تلك الإبل.
روى بشر في «نوادره» : وكذا لو تزوجها على ملأ هذا البيت أو هذا الجوالق أو هذا الرطل حنطة، فلها مهر المثل عند أبي حنيفة ﵀، وعند أبي يوسف ﵀ لها المسمى فإن أو الجوالق صدق في مقداره.
قال في «البقالي» : عقب ذكر مسألة ... وكذلك إذا تزوجها بوزن هذا الحجر، أو بقية هذا العبد، أو بجميع ما يملك أو على مهر فلانة ولو تزوجها على حكمها أو حكم أجنبي أو حكمه فالتسمية فاسدة، فبعد ذلك ينظر، إن شرط حكمه وحكم مهر المثل أو أكثر فلما ذلك، وإن حكم بالأول فلها مهر المثل إلا أن ترضى المرأة، وإن شرط حكمها وحكمت بمهر المثل، أو أقل فلها ذلك، وإن حكمت باأكثر فلها مهر المثل إلا أن يرضى الزوج. وإن شرط حكم أجنبي، فإن حكم بأقل من مهر المثل لم يجز إلا برضى المرأة، وإن حكم بأكثر من مهر المثل لم يجب إلا برضى الزوج، وإن حكم بمهر المثل جاز حكمه ولا يتوقف على الرضى والله أعلم.
نوع منه في الرجل يتزوج امرأة على مهر فهو حد على خلاف ما سمى
قال أبو حنيفة ﵀: إذا تزوج امرأة على عبد معين، أو دن من خل معين، أو شاة ذكية معينة، فوجد العبد حراً أو الخل خمراً أو الشاة ميتة، فلها مهر المثل في جميع ذلك.
وقال أبو يوسف ﵀: لها مهر مثل ذلك العبد عندنا ومثل ذلك الدن من خل وسط، ومثل تلك الشاة ذكية.
وقال محمد ﵀: في الميتة كما قال أبو حنيفة. في الخمر الخمر كما قال أبو يوسف ﵀.
هذه المسألة في الحاصل، بناء على أصل معروف في البيوع: أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعوا والمشار إليه من خلاف جنس المسمى، فالعبرة للتسمية. وإن كان
стр. 1087
المشار إليه من جنس المسمى إلا أنهما يختلفان وصفاً فالعبرة للإشارة بعد هذا. قال أبو يوسف ﵀: الحر مع العبد والخل مع الخمر جنسان مختلفان؛ لأن أحدهما مال يصلح صداقاً، والآخر ليس بمال لا يصلح صداقاً، يتعلق الحكم بالتسمية والمسمى حال، فاعتبرت الإشارة لبيان وصف المسمى، كأنه قال: علي مثل هذا العبد في الوصف فكذا في الخل والشاة. محمد ﵀ يقول: الخل من الخمر جنسان مختلفان؛ لأن المطلوب من كل واحد منهما غير المطلوب من الآخر، وأما الحر مع العبد جنس واحد؛ لأن منفعة الحر مع العبد تحصل على نمط واحد، فكانت العبرة للإشارة. والمشار إليه لا يصلح مهراً، فصار كأنه قال: تزوجتك على هذا، أو سكت.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: اختلاف الجنس باختلاف الصورة والمعنى؛ لأن قيام الشيىء (٢٠٥أ١) بالصورة والمعنى، وصورة الخل والخمر تنفي معنى المجانسة من وجه، فلم يسقط حكم الإشارة فيجب مهر المثل.
ولو سمى حراماً وأشار إلى حلال بأن قال: تزوجتك على هذا الخمر، وأشار إلى الخل.
وتزوجتك على هذا الحر وأشار إلى العبد، فلها المشار إليه في ظاهر قول أبي حنيفة ﵀، وهو قول أبي يوسف ﵀ اعتبار الإشارة.
عن محمد عن أبي حنيفة رحمها الله: أن يجب مهر المثل لأنه.... التسمية مسقط حكم التسمية أصلاً، وعن محمد ﵀: أن لها المشار إليه، وفي رواية أخرى عنه أن لها مهر المثل.
ولو جمع بين حر وعبد وخل وخمر فقد روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله: إن لها الحلال المشار إليه لا غير، إذا بلغ عشرة وإلا....، وفي رواية مهر المثل أخرى عنه إذا كان الحلال أقل من مهر المثل، فإنه يبلغ.
وقال أبو يوسف ﵀: لها العبد، وقيمة الحر لو كان عبداً، وقال محمد ﵀: لها الحلال المسمى لا غير.
في «نوادر ابن سماعة» : رجل تزوج امرأة على شيء، وأشار إلى شيء بعينه وسمى شيئاً سواه وكانا جميعاً حلال فلها مثل الذي سمى، وإن كان أحدهما حراماً، إما الذي سمى، وإما الذي أشار إليه فلها مهر المثل، قال: لا يشبه: إذا كانا حلالين، إذا كان أحدهما حراماً، معنى قوله في ابتداء المسألة: أشار إليه بعينه وسمى شيئاً سواه، وسمى نوعاً آخر. الحاصل: في النوعين يعتبر المسمى على ما ذكرنا فإذا كانا حلالين يجب مثل المسمى، وإذا كان أحدهما حراماً يجب مهر المثل.
بيانه: إذا تزوجها على هذا الثوب الهروي، فذا هو مروي فلها ثوب هروي مثل جودة التي رأته، وكذلك إذا تزوجها على هذا الدن الخل، فإذا هو طلاء فلها خل مثل كيل الطلي.
стр. 1088
وإن قال: على هذا الدن من الخمر فإذا هو خل فلها مهر المثلها، قال.... جعلنا على التسمية.... نوعان وهما إحدى الروايتين عن محمد ﵀ على ما ذكرنا.
ولو تزوجها على هذه الشاة الميتة فإذا هي ذكية أو هي حية، قال: هذا نوع واحد فيقع العقد على المشار إليه ولا تعتبر فيه التسمية، وكان المشار إليه ميتة فلها مهر مثلها، وإن كان قد سمى ذكية، وإن المشار إليه ذكية أو حية فلها ذلك، وإن كان قد سمى ميتة.
وذكر الحسن عن أبي يوسف ﵀ في «كتاب الأختلاف» : إذا تزوج امرأة على عبد وهو لا يعلم حاله، فإذا هو حر فلها قيمته، وإن كانت تعلم أنه حر فلها مهر مثلها، وإن كان مدبراً أو مكاتباً أو أم ولد وهي تعلم بذلك، أو لم تعلم وكان مشكلاً وقت العقد فلها قيمته.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد ﵀: إذا تزوج امرأة على هذه الشاة، فإذا هي خنزير فلها مهر مثلها في قول أبي حنيفة ﵀، وفي قول أبي يوسف ﵀.
وقولنا عليه قيمة شاة وسط.
وفي «نوادر ابن سماعة» : عن محمد ﵀: إن عليه شاة وسط.
وقال محمد ﵀ في «الإملاء» : إذا تزوجها على هذه الشاة فإذا هي خنزيراً، أو على هذا الخنزير، فإذا هي شاة وهي تعلم حالة المشار إليه، فالنكاح على المشار إليه، ولا تعتبر فيه التسمية فبعد ذلك ينظر إن كانت المشار إليه حلالاً فلها ذلك مهراً وليس لها غير ذلك، وإن كان حراماً فلها مهر مثلها.
قال: ألا ترى أن رجلاً لو قال لآخر: ابتعتك هذا الخنزير بألف، وأشار إلى الشاة وهما يعلمان أنها شاة، فالبيع جائز وكذلك إذا قال لغيره: ابتعتك هذا الخنزير بألف وأشار إلى عبد وهما يعلمان أنه عبد فالبيع جائز، وإن كان مشكلاً فالبيع باطل في قولهم، وهذه المسألة مع أجناسها بناء على أصل أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعنا والمشار إليه خلاف جنس المسمى، إنما يتعلق العقد بالمسمى: إذا لم يعلم المتعاقدان حال المشار إليه، أما إذا علم المتعاقدان حال المشار إليه فالعقد يتعلق بالمشار إليه، وسائل هذا الأصل مذكورة في «الزيادات» في باب الوكالة بالشيء يكون على غير ما أمرته.
وفي «المنتقى» عن محمد ﵀: إذا تزوج امرأة على أرض وحددها على أن فيها نخلاً فيها عشرة، أجرته ببعضها المرأة فإذا تبينت أجرته وكان ذلك مثل أن يزرعها فلها الخيار؛ إن شاءت أخذت الأرض ولا شيء لها غيرها، وإن شاءت ردت الأرض وأخذت أو وهبتها وسلمتها ثم علمت أنها سنة أجرتها فلا شيء لها غير الأرض؛ لأن الزوج يقول لها: ردي الأرض وخذي قيمة عشرة أجرته، وكذلك اللؤلؤة إذا انتقصت من وزنها، والثياب إذا انتقصت من ذراعها، ولو لم يكن باعها فلا.... ولكن غلب عليها
стр. 1089
دجلة أو نحوها من الأنهار مجرى فيها فصارت مستهلكة ثم ملحت لها سنة أجرته رجعت على الزوج بتمام قيمة الأرض.
وكذلك إذا تزوجها على عشر أثواب هروية ... على أن كل ثوب منها عشاري فوجد كلها.... فهي بالخيار إن شاءت أخذتها وإن شاءت ردتها وأخذت قيمتها لو كانت عشارية على مثل حالة التي هي عليه، فإن وجدت كلها عشارية إلا واحدة منها فإنها.... فهي بالخيار، إن شاءت أخذت الثياب العشارية وردت الثوب الذي وجدته ساعيا وأخذت قيمته لو كانت عشارية على مثل جودته ورفعته.
وإذا تزوج امرأة على الأرض على أن فيها ألف نخلة وحددها، أو تزوجها على دار وحددها على أنها مبنية بالآجر والجص والساج، فإذا الأرض لا يخيل منها، والدار لا بناء فيها، فهي بالخيار، إن شاءت أخذت الدار والأرض ولا شيء غير، وإن شاءت أخذ مهر مثلها، وإن طلقها قبل أن يدخل بها لم يكن لها إلا نصف الأرض ونصف الدار على وحدتها عليه إلا أن تكون متعتها أكثر من ذلك فيكون الخيار للمرأة، إن شاءت أخذت نصف الأرض ونصف الدار لا شيء غير ذلك، وإن شاءت أخذت المتعة والله أعلم.
نوع منه في الشروط ف يالمهر
إذا تزوج امرأة على ألف درهم أو على ألفي درهم فالنكاح جائز ويحكم مهر المثل عند أبي حنيفة ﵀، فإن كان مهر مثلها ألف أو أقل فلها ألف، وإن كان ألفان أو أكثر فلها الألفان، وإن كان أكثر من ألف أو أقل من ألفي فلها مهر مثلها.
فالحاصل: أن عنده لا ينقص عن الأقل، ولا يزاد على الأكثر، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لها الألف في الوجوه كلها، وهذه المسألة بناء على أن الموجب الأصل في باب النكاح عند أبي حنيفة ﵀ مهر المثل، وإنما يصار إلى المسمى عند صحة التسمية من كل وجه، وعندهما الموجب الأصلي المسمى، وإنما يصار إلى مهر المثل عند فساد التسمية من كل وجه وعلى هذا الأصل مسألة ذكرها محمد ﵀ في «الجامع الكبير» وصورتها:
إذا تزوج امرأة على ألف حالة أو على ألف إلى سنة فعلء قول أبي حنيفة ﵀: يحكم مهر المثل، وإن كان مهر مثلها ألف درهم أو أكثر فلها ألف حالة، وإن كان أقل من ألف فلها إلى سنة وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لها ألف إلى سنة على حال، وهذا لأن تأخير الأجل في نقصان المالية، ولهذا التجار يشترون بالنقد بأقل مما يشترون بالنسيئه ولما كان هكذا كان الزوج على ألف حالّة أو ألف نسيئة بمنزلة ... الزوج على ألف أو على ألفين.
стр. 1090
وهناك الجواب على الاختلاف كذا هنا، فلو كان تزوجها على ألف حالة أو على ألفين إلى سنة، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ إن كان مهر مثلها ألفي درهم أو أكثر كانت المرأة بالخيار؛ إن شاءت أخذت ألفي درهم إلى سنة وإن شاءت أخذت ألفاً حالة؛ لأن المرأة رضيت عن نقصان مهرها على كل حال.
بعد هذا نقول: الألف أزيد وصفاً وأنقص قدراً، والألفان أزيد قدراً أو أنقص وصفاً لما من أن المؤجل أنقص من المال والإنسان مدة يختار هذا لتعجله، ومدة يختار داراً لكبرته. وإن كان مهر مثلها أول من الألف فالخيار إلى الزوج يعطيها أي المال شاء لأنه..... إحدى الزيادتين، فكان الخيار كما في جانب المرأة.
وإن كان مهر مثلها أكثر من ألف، أو أقل من ألفين فلها مهر مثلها في قول أبي حنيفة ﵀ لما ذكرنا: أنه إنما يعدل عن مهر المثل عنده عند استقرار التسمية، وعندهما الخيار إلى الزوج في الوجوه كلها؛ لأنه لا يلزمه للأول، والأول مما يختاره الزوج.
فرّق أبو حنيفة ﵀ بين هذا وبين الخلع على ألف أو ألفين، والإعتاق على ألف أو ألفين، فإن هناك جوابه كجوابهما.
والفرق أنه ليس للخلع موجب أصلي يُصار إليه فيجب المتيقن من المسمّي، فالنكاح موجب أصلي، وهو مهر المثل لا يعدل عنه إلا بعد استقرار التسمية. إذا تزوجها على ألف إن لم يخرجها من البلدة، وعلى ألفين إن أخرجها فالنكاح جائز، والمعتبر في المهر الشرط. فإن وفّى به الأول فلها المسمى على ذلك الشرط، وإن لم يف فلها مهر المثل لا ينقص عن الأول، ولا يزاد على الأكثر، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: الشرطان جائزان.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا تزوج امرأة على ألف إن كانت قبيحة وعلى ألفين، إن كانت جميلة. فإن كانت جميلة؛ فلها الألفان. وإن كانت قبيحة فلها الألف، وهذا بلا خلاف، وفرّق أبو حنيفة ﵀ بين هذا وبين ما إذا تزوج على ألف وبينما إذا تزوجها على ألفين إن أخرجها من القرية، وعلى ألفين إن لم يخرجها فإن الشرط الأول جائز عنده، والشرط الثاني فاسد. والفرق أن في مسألة الإخراج دخلت المخاطرة في التسمية فإنه لا يدري أن الزوج يخرجها أو لا يخرجها.
وفي مسألة القبح والجمال والمخاطرة أصلاً، فإن المرأة على صفة واحدة قبيحة كانت أو جميلة، لكن الزوج لا يعرف وجهالته لا توجب الخطر. وذكر نجم الدين النسفي ﵀ في شرح «الشافي» : أن من تزوج امرأة على ألف إن كانت أعجمية وعلى ألفين إن كانت عربية وجعلها بمنزلة شرط الإخراج من البلدة. وما ذكر من الفرق يشكل بهذه المسألة.
следующие страницы →