Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
غائباً غيبة منقطعة معروفة فالولد للآخر.
ذكر الحسن بن زياد عن أبي يوسف ﵀ في مجبوب تزوج امرأة وبقيت عنده زماناً ثم جاءت بولد قال: لزمه الولد وأجعل ذلك إحصاناً، ويحلها ذلك لزوج كان قبله، وبهذا طلاقه.
وفي نوادر هشام قال: سمعت أبا يوسف ﵀ في رجل اشترى أمة فولدت منه، ثم أقام رجل البينة أنها امرأته زوجها مولاها منه قال: أجعلها وأجعل الولد ولد الزوج لأنه صاحب الفراش، وأعتق الولد بدعوة المولى يعني: لو ادعاه بحكم يعتقه.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: رجل زوج ابنه وهو صغير لا يجامع مثله ولا تحمل المرأة (منه) فجاءت امرأته (بولد) لا يلزمه الولد ولا ترد المرأة ما أنفق أب الزوج عليها عن ابنه لأنها إن زنت وحملت فلها النفقة وهي على ذلك؛ لأنه لا يعرف أبوه، يعني أب الولد، وإن أقرّت أنها تزوجت ردت على الزوج نفقه ستة أشهر مقدار مدة الحمل، وإن كان زوّجه أمة فجاءت بولد فادعاه السيد فهو ابنه؛ لأنه عبده لا يعرف له نسب فيجوز دعوته فيه.
رجل زنى بامرأة فحملت منه فلما استبان حملها تزوجها الذي زنى بها فالنكاح جائز، فإن جاءت بالولد بعد النكاح لستة أشهر فصاعداً يثبت النسب منه وترث منه، لأنها جاءت به في مدة حمل بأنه عقيب نكاح صحيح، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر لا يثبت النسب ولا ترث منه إلا أن يقول: هذا الولد مني ولم يقل من الزنى.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀. وفيه أيضاً: رجل له جارية يطأها يعزل عنها فجاءت بولد، فإن كانت الجارية غير محصنة تخرج وتدخل وأكثر ظن الرجل أن الولد ليس منه فهو في سعة من نفيه وإن كانت محصنة لا يسعه نفيه ولا يعتمد العزل؛ لأنه قد يعزل في الفرج الخارج ويظن أنه لا يدخل ويدخل ومتى عزل وعاد وجامع (من غير) أن يبول تحبل لأنه يبقى الماء في ذكره فالعزل مما لا يعتمد عليه. وهذا أيضاً في كتاب العتاق.
جارية هربت من مولاها يوماً ثم وجدها، ويطأها ويعزل عنها وظهر بها حبل وولدت بعد ستة أشهر منذ هربت ومات الولد فإن كانت الجارية قد ذهبت إلى متهم بها (٢١٢أ١) فالمولى في سعة من بيعها إلا أن الغالب أن الولد كان من فجور، وإن كانت الجارية عفيفة لم يظهر منها فجور لا ينبغي له أن يبيعها، وينبغي أن يشهد أنها أم ولده حتى لا تباع بعد موته، هذا حق لازم ديانةً لأن الغالب أنه منه، فالعزل مما لا يعتمد عليه على ما ذكرنا.
وإذا طلق امرأته طلاقاً بائناً وجاءت بولد ما بينهما وبين سنتين ثبت النسب منه. وإن جاءت به لأكثر من سنتين لا يثبت. وأما المطلقة الرجعية فيثبت نسب ولدها بينها وبين سنتين ولم يصر الزوج مراجعاً. وإن جاءت به لأكثر من سنتين ثبت النسب وصار مراجعاً، وهذا كله إذا لم تقر بانقضاء العدة، فأما إذا أقرت بانقضاء العدة ثم جاءت بولد
стр. 1122
لستة أشهر فصاعداً من وقت الإقرار لم يثبت نسبه من الزوج في الفصول كلها. وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار؛ ففي فصل الموت والطلاق البائن يثبت النسب إلى سنتين من وقت الموت والطلاق.
وفي الطلاق الرجعي يثبت النسب من الزوج وإن جاءت به لأكثر من سنتين من وقت الطلاق.
وإذا طلق الرجل امرأته الصغيرة تطليقة بائنة أو مات عنها زوجها فعلى هذا ثلاثة أوجه: الأول: أن تدعي حملاً بعد الموت والبينونة في هذه العدة، وفي هذا الوجه الحكم فيها والحكم في الكسوة سواء.
الوجه الثاني: أن تقر بانقضاء العدة عند مضي ثلاثة أشهر من البينونة أو عند مضي أربعة أشهر وعشراً من الموت، ثم جاءت بولد، إن جاءت بالولد لتمام ستة أشهر من وقت الإقرار لا يثبت النسب، وإن جاءت به لأقل من ذلك يثبت، وإن كانت لم تدع الحبل ولم تقر بانقضاء العدة فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله إن جاءت بالولد لأقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق أو لأقل من عشرة أشهر وعشراً من وقت الموت يثبت النسب. وإن كان لتسعة أشهر فصاعداً من وقت الطلاق ولعشرةِ أشهر وعشراً من وقت الموت لا تثبت. وعلى قول أبي يوسف ﵀: يثبت النسب إذا جاءت به لأقل من سنتين، وإن كان الطلاق رجعياً ثبت النسب إذا جاءت بالولد لأقل من سبعة وعشرين شهراً لا بالحكم؛ لأن العلوق كان في مدة العدة فصار به مراجعاً، وأما المتوفى عنها زوجها إذا كانت كبيرة فيثبت نسب ولدها إلى سنتين.
الفصل الثامن عشر في نكاح العبيد والإماء
لا يتزوج العبد أكثر من ثنتين، الحرتان والأمتان في ذلك على السواء، ولا يتزوج أمة على حرّة عندنا، والمكاتب والمدبر وابن أم الولد بمنزلة العبد، فكما لا يجوز للعبد أن يتزوج بغير إذن المولى فكذا لا يجوز للمكاتب والمدبر وابن أم (الولد) ، وكذلك معتق البعض عند أبي حنيفة ﵀، وكذلك الأمة والمكاتبة وأم الولد والمدبرة لا يصح نكاحهن بغير إذن المولى، ولا يجوز للمولى أن يزوج المكاتبة والمكاتب بغير رضاهما، ويجوز نكاحه على الأمة بغير رضاها، وكذا على العبد إلا رواية عن أبي حنيفة ﵀ فيجوز للمكاتب والمكاتبة أن يزوجا ابنيهما من غير رضى المولى وتزوجهما أمتهما يخالف تزوجهما أنفسهما.
وإذا تزوج العبد أو المكاتب أو المدبر وابن أم الولد بغير إذن المولى ثم طلقها
стр. 1123
ثلاثاً قيل إجازة المولى فهذا الطلاق مشارك للنكاح وليس بطلاق حقيقةً، حتى لا ينتقص من عدد الطلاق ولكن لو وطئها بعد الطلاق يلزمه الحدّ، فإن أجاز المولى هذا النكاح بعد ذلك لا تعمل إجازته؛ لأنه قد ارتفع بالطلاق.
وإن أذن له أن يتزوجها بعد هذا الطلاق كرهت له أن يتزوجها، ولم أفرق بينهما إن فعل. وقال أبو يوسف ﵀ لا أكرهه، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ الخلاف على هذا الوجه في شرحه.
وفي «المنتقى» بشر عن أبي يوسف ﵀: أمة تزوجت بغير إذن مولاها وطلقها الزوج ثلاثاً كان فرقة لا طلاقاً، غير أني أكره أن يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره. وإذا أذن له سيده في النكاح مطلقاً فتزوج امرأتين في عقدة لم تجز واحدة منهما عليه، وهذا بناء على أن الإذن بالنكاح مطلقاً ينصرف إلى امرأةٍ واحدة إلا إذا اقترن به ما يدل على التعميم بأن قال: تزوج ما شئت من النساء أو ما أشبهه فحينئذ يتعمم ويتزوج ثنتين. وإن قال المولى: عنيت به امرأتين جاز نكاحهما عليه؛ لأنه نوى ما عمله لفظه، لأنه نوى كل الفعل في حقه، ونية الكل في اسم الجنس صحيحة، وكل مهر وجب للأمة بعقد أو دخول فهو للمولى. أما المكاتبة ومعتقة البعض فالمهر لهما لأن ما لزم من مهر العبد بإذن الولي يباع فيه لأنه ظهر وجوبه في حق المولى.
وأما المكاتب والمدبر فيستبقيان فيه؛ لأنه تعذر الاستيفاء من غير الرقبة فيستوفى من الكسب، وما لزمهم بغير إذن المولى اتبعوا به بعد العتق؛ لأنه لم يظهر الوجوب في حق المولى فصار بمنزلة الدين الثابت بالإقرار.
وإذا أذن لعبده في النكاح مطلقاً فتزوج امرأة نكاحاً فاسداً ودخل بها لزمه المهر في الحال على قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يتأخر إلى ما بعد العتق، وهذا بناء على أن الإذن بالنكاح مطلقاً ينصرف إلى الجائز والفاسد عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما إلى الجائز وحده.
وثمرة الخلاف إنما تظهر في مسألتين إحداهما: هذه المسألة
الثانية: لو أن العبد بعدما تزوج هذه المرأة نكاحاً فاسداً أَوَلَهُ أن يتزوج هذه أو أخرى بعد ذلك نكاحاً صحيحاً؟ لا يملك عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن الإذن انتهى، وعندهما يملك.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : عبد تزوج امرأة بغير إذن المولى ثم إن المولى أذن له في النكاح فأجاز ذلك النكاح، فإن أبا يوسف ﵀ قال: القياس أن لا يجوز لكني استحسن أن أُجيره، وإنما أضاف جواب القياس إلى أبي يوسف ﵀؛ لأن أبا يوسف يقول بالقياس في هذه المسألة ثم رجع وقال بالاستحسان. ومحمد ﵀ كان يقول بالاستحسان من الابتداء، ولم يذكر قول أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لم يحفظ عنه لا لأن قوله بخلاف قولهما.
وجه الاستحسان أن الإجازة إتمام لذلك العقد، والإذن بالشيء إذن به ومما هو من
стр. 1124
تمامه، ألا ترى أن الوكيل بالشراء يملك القبض؛ لأن القبض من تمامه، وألا ترى أن الوكيل بالقبض يملك إسقاط خيار الفرق، به بخلاف ما إذا أذن له بنكاح امرأة بعينها فتزوج امرأة أخرى (٢١٢ب١) لا يجوز؛ لأن نكاح غيرها غير ذلك ليس من تمام نكاحها، وبخلاف العبد المحجور إذا باع شيئاً من كسبه ثم أذن له المولى في التجارة فأجاز ذلك البيع حيث لا يجوز؛ لأن الإجازة هناك ليست من تمام ما تحت الإذن لأن بيع مال المولى ليس بداخل تحت الإذن في التجارة وكسب العبد ودخل المحجور الخالص مال المولى، ألا ترى أنه لو باع هذا المال بعد الإذن في التجارة لا يجوز وإذا لم يكن بيع هذا المال داخلاً تحت الإذن لم يكن إدخال إجازة ذلك البيع تحت الإذن من حيث إنها إتمام لذلك البيع. أما الإجازة في النكاح إتمام لذلك النكاح؛ لأن نكاح أية امرأة شاء العبد داخل تحت الإذن، ألا ترى أن العقد يملك التزوج بعد إذن المولى فيملك من إتمامه. ومن المشايخ من قال: القياس ما كان. ووجد استحسان في هذه المسألة من وجه آخر. القياس: أنه يبطل النكاح الموقوف بإذن المولى عنده في النكاح فلا تعمل إجازة العبد، وفي الاستحسان لا يبطل فتعمل إجازته. ثم على جواب الاستحسان لا ينفذ هذا العقد من غير إجازة، بخلاف ما إذا أعتق العبد حيث ينفذ ذلك النكاح عليه من غير إجازة.
وفيه أيضاً: إذا أذن الرجل لعبده أن يتزوج على رقبته فتزوج على رقبته أمة أو مدبرة أو أم ولد بإذن مولاهن جاز النكاح، فصار رقبة العبد لمواليهن وأنه أجاز النكاح؛ لأنه لو لم يجز إنما لم يجز من حيث أنه يقارن نكاحها.... في نكاحها وهو ملكها رقبة زوجها من حيث أن الملك في المهر يثبت للأمة أولاً، ثم ينتقل إلى المولى وليس كذلك، بل الملك في المهر يثبت للمولى ابتداءً؛ لأن المملوك ليس كذلك من أهل الملك.
ولو قلنا: إن الملك يثبت لها ابتداءً إلا أن هذا ملك لاقرار له فلا يكفي لقيان النكاح حرة على رقبته لا يجوز؛ لأنها تملك رقبة زوجها، لو جاز النكاح مقارناً للنكاح؛ لأن الملك في البدلين في المعاوضات يقع معاً، وهذا ملك له قرار يمنع صحة النكاح، ألا ترى أنه لو طرأ على النكاح أبطله، فإذا فارقه منع ثبوته، وكذلك لو تزوج مكاتبة على رقبته كان النكاح باطلاً؛ لأنه لو جاز هذا النكاح ثبت له حق الملك في رقبة زوجها إذنٌ؛ لأن المكاتبة في الكتابة حق الملك هذا إذا أذن له أن يتزوج على رقبته امرأة.
أما إذا (أذن) له أن يتزوج امرأة ولم يقل على رقبتك، فتزوج امرأة حرة أو مكاتبة أومدبرة أو أم ولد على رقبته جاز النكاح بقيمته استحساناً، بخلاف ما إذا أذن له أن يتزوج على رقبته فتزوج حرة أو مكاتبة أو على رقبته فإنه لا يجوز.
وإذا (أذن) لمكاتبه أو مدبره أن يتزوج على رقبته فتزوج على رقبته أمة أو مدبرة أو أم ولد جاز وهذا ظاهر أنه يجوز مثل هذا من العبد مع أن العبد، يقبل النقل من ملك إلى
стр. 1125
ملك وكذا إذا تزوج حرة أو مكاتبة، لأن المرأة لا تملك شيئاً من رقبة الزوج هنا؛ لأن المكاتب والمدبر لا يقبلان النقل من ملك إلى ملك بخلاف العبد.
وإذا صح النكاح يجب على المكاتب والمدبر قيمتهما ويسيعيان في ذلك، وهذا لأنه إن يقدر تصحيح النكاح هنا تعين المسمى أمكن تصحيحه بقيمة المسمى، لأن المسمى مال معلوم إلا أنه معجوز التسليم لحقٍ مستحق شرعاً لا لفساد العقد، وفي مثل هذا يجوز النكاح بالقيمة، كما لو تزوج امرأةً على عبد الغير ولم يجز ذلك الغير.
وفي «الجامع» أيضاً: عبد تزوج حرةً أو أمةً أو مكاتبةً أو أم ولدٍ أو مدبرةٍ على رقبته وبغير إذن المولى فبلغ المولى ذلك فأجازه، فإن كان تزوج أمة أو مدبرة أو أم ولدٍ عملت إجازته وصح النكاح.
وإن كان تزوج حرة أو مكاتبة لا تعمل إجازته، فإن كان قد تزوج على رقبته حرة وقد دخل بها لزمه الأقل من قيمته ومن مهر المثل بعد ذلك، ينظر إن دخل بها بعدما دخل بها بعدما أجاز المولى النكاح يكون ذلك ديناً في رقبته يباع فيه إلا إن يفديه المولى.
وإن دخل بها قبل إجازة المولى النكاح يؤاخذ مما لزمه بعد العتق، وهذا لأن هذا النكاح فاسد والمهر في النكاح الفاسد لا يجب بمجرد العقد، وإنما يجب بالعقد والدخول والدخول آخرهما فيضاف الوجوب إليه.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا دخل بعد إجازة المولى والإجازة في الانتهاء كإذنٍ في الابتداء كان النكاح والدخول حاصلاً بإذن المولى؛ لأن إذن المولى له بالعقد إذن بالدخول. والإذن بالدخول يوجد في المستقبل معتبر، فكان هذا ديناً لزمه بسبب هو مأذون فيه، فيؤاخذ به للحال. أما إذا دخل بها قبل إجازة المولى فالإذن في حق العقد إن عمل؛ لأنه قائم بمن ينفسخ بعد. ففي حق الدخول لم يعمل؛ لأنه مضى وانقضى حقيقة، فبقي الدخول بغير إذن فكان هذا ديناً لزمه هو بسبب ليس بمأذون فيه فيؤاخذ به بعد العتق.
وإن كان تزوج على رقبته أمةً أو مدبرةً أو أم ولدٍ وقد دخل بها، إن دخل بها بعد إجازة المولى النكاح لا يجب إلا المسمى، وهو رقبة العبد لمواليهن؛ لأن الدخول حصل في نكاح نافذ. وإن دخل بها قبل إجازة المولى النكاح فكذلك الجواب لا يجب إلا المسمى، وهو رقبة العبد للمولى. بعض مشايخنا قالوا: ما ذكر جواب الاستحسان. والقياس: أن يجب مهر المثل بالدخول والمسمى بالعقد، وقاسوا هذه المسألة على مسألة ذكرها في «الأصل» وصورتها:
عبد تزوج امرأة بغير إذن مولاه بألف درهم ودخل بها قبل اجازة المولى النكاح ثم أجاز المولى النكاح، ذكر أن القياس: أن يلزمه مهر المثل بالدخول والمسمى بالنكاح؛ لأنه بالدخول قبل الإجازة لزمه مهر المثل؛ لأنه دخل بها عن شبهة، وبالإجازة نفذ النكاح فلزمه المسمى في النكاح.
وفي الاستحسان يجب المسمى لا غير؛ لأن مهر المثل في مثل هذه الصورة لو
стр. 1126
وجب بالدخول وجب باعتبار العقد، فإنه لولا العقد كان الواجب هو الحد، والمسمى واجبٌ بالعقد أيضاً. والعقد الواحد لا يوجب مهرين.
وبعض مشايخنا.... ذكر من القياس ثمة لا يبالي هنا؛ لأن مولى الأمة ملك رقبة العبد عند الإجازة، فسقط مهر المثل الواجب بالدخول عن شبهة، إذاً المولى لا يستوجب على عبده شيئاً. وإذا سقط ذلك في مسألتنا لم يجتمع المسمى ومهر المثل على طريق القياس ولا كذلك مسألة الأصل.
وإذا زوج أمته من عبده لا مهر لهاعليه، واختلف المشايخ في تخريج المسألة، بعضهم قالوا: لا يجب المهر أصلاً؛ لأنه لا فائدة (٢١٣أ١) في إيجاب وقال بعضهم: يجب ثم يسقط، وإذا أعتقت الأمة فلها الخيار؛ لأن بالعتق يزداد الملك عليها؛ لأن الملك قبل العتق يزول بتطليقتين، وبعد العتق لا يزول إلا بثلاث تطليقات، فكان لها أن ترفع زيادة الملك عن نفسها، وذلك برد أصل النكاح، فيثبت لها رد أصل النكاح، وكما ثبت لها الخيار بالعتق حال قيام النكاح يثبت لها الخيار بالعتق في العدة عن طلاق رجعي، هكذا ذكر في «المنتقى» .
ويستوي أن تكون الأمة صغيرة أو كبيرة، إلا أنها إذا كانت صغيرة لا ينصرف بحكم هذا الخيار فسخاً، فلا إجازة ما لم يبلغ فسخاً بأن تختار نفسها، وأجازه بأن تختار وزوجها لتردده بين الضرر النفع، والصغير لم يؤهل لمثل هذا التصرف، فلا يملك وليها التصرف بحكم هذا الخيار أيضاً؛ لأن وليها قائم مقامها فلما بلغت خيرها القاضي خيار العتق فلا يخيرها خيار البلوغ.
وقوله: ولا يخيرها خيار البلوغ يحتمل فلا يخيرها خيار البلوغ؛ لأنه ليس لها خيار البلوغ فلا يخيرها خيار البلوغ مع أن خيار البلوغ ثابت لأنه ثبت لها خيار العتق وخيار العتق ينتظم خيار البلوغ؛ لأنه أعم من خيار البلوغ.
واختلف المشايخ فيه، منهم من قال بالأول وهو الأصح، هكذا ذكر محمد ﵀ في «الجامع» في فصل العبد على ما يأتي بيانه بعد هذا. وهذا لأن العقد صدر ممن هو كامل الولاية؛ لأن ولاية المولى على مملوكه نسبت الملك، ولا نقصان في الملك فكانت الولاية كاملة فلا يثبت خيار البلوغ كما في الأب والجد، ثم الكلام في خيار العتق في فصول:
أحدها: أن خيار العتق يثبت للأنثى دون الذكر. الثاني: أن خيار العتق لا يبطل بالسكوت فيبطل بقول أو فعل يدل على اختيارها النكاح، وقد ذكر الكرخي عن محمد ﵀ أن المعتقة إذا قالت: رضيت بالنكاح بطل خيارها. والثالث: أنه يبطل بالقيام عن المجلس. الرابع: أن الجهل بخيار العتق عذر حتى لو علمت بالعتق ولم تعلم بالخيار لا يبطل خيارها وإن قامت عن المجلس على ما عليه إشارات في «الجامع» وهو قول
стр. 1127
الكرخي ﵀ وجماعة مشايخ بخارى خلافاً لما قاله القاضي الإمام أبو طاهر الدباس وأحمد ابن ... رحمهما الله. والخامس: أن الفرقة بخيار العتق فرقة بغير طلاق؛ لأن خيار العتق إنما يثبت للأنثى دون الذكر والفرقة من جانب المرأة لا تكون طلاقاً.
قال في «المنتقى» وخيار العتق نظير خيار الطلاق، سوّى بين الخيارين مطلقاً. وفي الكتب الظاهرة بينهما فرق في حق بعض الأحكام، فإن الفرقة ثمة طلاق والجهل ثمة ليس بعذر إلى غير ذلك من الأحكام.
قال: إذا زوج الرجل عبده الصغير امرأةً حرةً، ثم إن المولى أعتق العبد ثم بلغ فليس له خيار البلوغ ولا خيار العتق. وبهذه المسألة ينبني أن الصحيح في فصل الأمة قول من يقول بأن خيار البلوغ غير ثابت لها لا أنه ثابت لكن ينتظمه خيار العتق، ألا ترى أن في حق العبد خيار العتق غير ثابت ولم يثبت له خيار البلوغ، والمعنى: ما ذكر أن له إنكاح صدر ممن له ولايةٍ كاملة، ولأن إنكاح المملوك حق المولى باعتبار ملكه، ولم يكن حقاً للعبد عليه بطريق النظر حتى يجب التخيير بطريق النظر بخلاف ما إذا أثبتنا النكاح بعد العتق وهو صغير؛ لأنه حق على المولى بطريق النظر فكان هو بمنزلة اليتيم فيجب التخيير بطريق النظر.t
رجل كانت جاريته وهي بنت عشر سنين ولم تبلغ وقبلت المكاتبة والمكاتبة جائزة؛ لأن المكاتبة منفعة محضة؛ لأنها تعتق بأداء كسب يكون ملكاً للمولى من غير عتق، والصبي العاقل من أهل مثل هذا التصرف. فإن زوجها المولى بعد ذلك بغير إذنها يوقف النكاح على إجازتها؛ لأن الكتابة لما صحت من الصغيرة العاقلة حَسُنت صحتها من البالغة وكانت الصغيرة بالمكاتبة فيما يُبنى على الكتابة بمنزلة البالغة، ولو كانت المكاتبة بالغة فزوجها المولى بغير رضاها تتوقف على إجازتها كذا هنا، وإن لم ترد النكاح حتى أدّت فعتقت بقي النكاح موقوفاً على الإجازة ولكن على إجازة المولى لا على إجازتها، حتى يجوز بإجازة المولى، فرق بين هذا وبين المكاتبة إذا زوجت نفسها من رجل بغير إذن المولى ثم إنها أدت فعتقت بعد النكاح عليها من غير إجازة وإنما كانت كذلك لأنها إذا زوجت نفسها بغير إذن المولى فالنكاح إنما يوقف بحق المولى لا لحقها وحق المولى زال بالعتق فزال التوقف.
كالراهن إذا باع الرهن ثم قضى الدين، فأما إذا زوج المولى المكاتبة بغير رضا المكاتبة، والتوقف لحق المكاتبة صارت حرة يداً وحرية اليد التي كان يوقف النكاح من المولى لأجلها تأكدت. وازدادت بالعتق فبقي الموجب للتوقف فبقي التوقف فكان العبد إذا تزوج بغير إذن المولى ثم أذن له المولى في التزوج فإنه لا ينفذ ذلك النكاح من غير إجازة العبد أو المولى وإن صار للعبد ولاية التزوج بالإذن لأن التوقف كان لحق المولى لقيام ملكه في رقبته وبعد الإذن ملك المولى باقٍ، فكان الموجب للتوقف باقياً، فبقي التوقف إلا أنه لا
стр. 1128
تعمل إجازتها بعدما عتقت قبل أن تبلغ بحكم الصغير، وتعمل إجازة المولى؛ لأن الولاية تحولت إلى المولى بحكم الولاية؛ لأنه عصبتها إذا لم يكن لها ولي أقرب منه.
قال مشايخنا ﵏: هذه المسألة من..... المسائل وأعجبها، فإنهم صححوا إجازة المكاتبة الصغيرة نكاحها قبل العتق، وقبل العتق هي حرة يداً لا رقبةً ولم يصححوا إجازته قبل العتق الذي هو حال قيام الملك حقيقة.
وأما الأول فلأن قبل العتق هي مكاتبة والمكاتبة وإن كانت صغيرة فهي ملحقة بالبالغة حكماً في حق الأحكام التي على الكتابة.
ولو كانت بالغة حقيقة صحت إجازتها، فكذا إذا كانت ملحقة بالبالغة، حكماً. وأما بعد العتق لم تبق مكاتبة وبطل التحاقها بالبالغة فعادت القضية الأصلية والصغيرة يقضية الأصل ليست من أهل الإجازة كما أنها ليست من أهل ابتداء النكاح. وأما الثاني فلأن أصل العتق هي ملحقة بالبالغة، ولو كانت بالغة حقيقة لا تعمل إجازة المولى عليها، فكذا إذا ألحقت بالبالغة، وبعد العتق بطل إلحاقها بالبالغة فهذه حرة صغيرة والمولى وليها إذا لم يكن لها (٢١٣ب١) ولي أقرب منه فيملك إجازة النكاح عليها كما يملك الإنشاء عليها، ثم إذا أجاز المولى نكاحها وعمل إجازته ونفذ النكاح عليها كان لها الخيار إذا بلغت عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن الإجازة بمنزلة نكاح مبتدأ فكأنه زوجها بعد العتق، ولو كان كذلك كان لها خيار البلوغ؛ لأنه زوجها بأثر الملك وهو الولاية فكان ناقض الولاية، فكان كالأخ والعم.
ولو أن هذه المكاتبة الصغيرة حين زوجها المولى رضيت بالنكاح وهي صغيرة نفذ، حتى صح رضاها ونفذ النكاح، ثم أدت فعتقت لا خيار لها حتى تبلغ، كالأمة الصغيرة إذا أعتقت فإن بلغت فلها خيار العتق عند علمائنا ﵏ لما ذكرنا وليس لها خيار البلوغ وكان ينبغي أن يكون لها خيار البلوغ؛ لأن المولى بحكم الملك وبعد الكتابة ملكه ناقص والتزويج صدر ممن هو ناقص الولاية. والجواب:
إنما لم يثبت لها خيار البلوغ لوجهين: أحدهما: أنه يثبت لها خيار العتق وأنه أعم، فلا يقيد إثبات خيار البلوغ معه.
الثاني: أن صدور العقد ممن له ولاية ناقصة، إنما يثبت الخيار إذا لم يوجد الرضا من المولى عليه بعد البلوغ اعتباراً على (ما) ذكرنا قال: ولو أن هذه المكاتبة لم ترض بالنكاح ولم تنقضه حتى عجزت وردت في الرق بطل النكاح حتى لو أجازه المولى لا تعمل إجازته؛ لأن بالعجز حلت للمولى فطرأ للمولى على الحل الموقوف حل بات فأوجب بطلان الموقوف حتى لو كان مكان المكاتبة مكاتب صغير أو قد زوجه المولى امرأة بغير رضاها ثم عجز ورد رقيقاً لم يبطل نكاحه بل يبقى موقوفاً على إجازة المولى؛ لأنه لم يطرأ حل بات على حل موقوف، وكان ينبغي أن ينفذ نكاح المكاتب من غير إجازة المولى، إنما رضي بهذا النكاح
стр. 1129
ليكون المهر والنفقة في كسب هو غير مملوك للمولى، فإن كسب المكاتب حال قيام الكتابة غير مملوك للمولى، وبعد العجز يصير كسبه مملوكاً للمولى وهو لم يرضَ بكون المهر والنفقة في مثل هذا الكسب فلهذا توقف على إجازته.
فرع على مسألة المكاتب فقال: لو لم يعجز المكاتب ولكن أدى وعتق بقي النكاح موقوفاً على إجازة المولى أيضاً لما قلنا في فصل المكاتبة، ففي حق المكاتب لا يختلف الجواب بين العجز والعتق، إنما يختلف ذلك في حق المكاتبة.
ولو طرأ الرق على النكاح فهو كالمقارن في حق ثبوت خيار العتق عند أبي يوسف ﵀، وذلك نحو الحربية إذا تزوجت ثم سبيت وأعتقت. والمسألة: إذا تزوجت ثم ارتدت مع زوجها ثم سبيا ثم أعتقت فلها الخيار في قول أبي يوسف ﵀ وعن محمد ﵀، أنه لا يثبت لها الخيار، هكذا ذكره القدوري ﵀.
قال «البقالي» : والصحيح أن الخلاف على العكس، هكذا قال القدوري. قال أبو يوسف رحمهما الله: يجوز أن يثبت خيارالعتق مرة أخرى نحو أن تعتق فتختار زوجها ثم ترتد مع الزوج ثم تسبى فتعتق فتختار نفسها، وقال محمد ﵀: يثبت خيار واحد إذا اختارت المعتقة نفسها قبل الدخول بها ولا مهر لها أصلاً، وإن اختارت بعد الدخول بها وجب لسيدها، ولو اختارت زوجها كان المسمى لسيدها دخل بها أو لم يدخل بها. إذا زوجت الأمة نفسها بغير إذن المولى ثم أعتقها المولى بعد العتق لما قلنا في جانب العبد. ولا خيار للأمة، ويجب مهر واحد إن لم يكن الزوج دخل بها قبل العتق فيكون لها؛ لأنه ملك بضعها وهي حرّة؛ لأن نفاذ النكاح بعدالعتق، فصار كما لو عقد العقد عليها وهي حرة ولأجل ذلك قال: لا خيار لها.
وإن كان الزوج قد دخل بها قبل العتق فالقياس أن يجب مهران: مهر للمولى بالدخول بشبهة النكاح قبل العتق، ومهر لها بنفوذ العقد عليها بعد العتق. وفي الاستحسان: لا يجب إلا مهر واحد ويكون للمولى؛ لأن وجوب المهر بالدخول في هذه لا يكون إلا بالعقد، ألا ترى أنه لو لم يسبق العقد لا يجب المهر بل يجب العقد، والعقد الواحد لا يوجب إلا مهر لواحد. فإذا وجب به مهر واحد للمولى لا يجب مهر آخر لها. وأما المدبرة إذا زوجت نفسها من غير إذن مولاها وعتقت ( ... ) النكاح عليها كما في الأمة، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀.
وفي «المنتقى» إذا خرجت المدبرة من الثلث جازالنكاح، وإن لم تخرج لم يجز من قول أبي حنيفة ﵀ حتى..... ويجوز في قول أبي يوسف رحمة الله عليه، وأما أم الولد إذا زوجت نفسها بغير إذن المولى ثم مات المولى حتى عتقت هل ينفذ النكاح عليها؟ لم يذكر محمد رحمة الله عليه هذا الفصل في «الأصل» ، ومشايخنا فصّلوا الجواب فيها تفصيلاً فقالوا:
стр. 1130
إن كان الزوج قد دخل بها قبل موت المولى ثم مات المولى نفذ النكاح عليها، وإن لم يدخل بها الزوج حتى مات المولى بطل النكاح، قيل: وهذا الجواب إنما يستقيم على رواية ابن سماعة، فإن على روايته: أم الولد إذا زوجت نفسها بغير إذن المولى ودخل بها الزوج قبل الإجازة ثم مات المولى لا تجب العدة عن المولى فينفذ النكاح.
أما على «ظاهر الرواية» تجب العدة عن المولى فلا ينفذ النكاح، وإن لم يدخل بها الزوج حتى مات المولى لا ينفذ النكاح، وإن لم لأجل العدة التي لزمتها للمولى، ولو لم يمت المولى ولكن أعتقها فهو على هذا التفصيل أيضاً، إن أعتقها قبل أن يدخل بها الزوج بطل النكاح إلى آخر ما ذكرنا في فصل الموت.
وإذا زوج أحد الشريكين الجارية المشتركة بدون رضا صاحبه ودخل بها الزوج ثم رد الآخر النكاح، فللمزوج الأول من نصف مهر المثل ومن نصف المسمى؛ لأنه راضٍ بالمسمى، ورضاه معتبر في حقه. وإن لم يدخل بها الزوج حتى رد الآخر النكاح فلا مهر لواحد منهما خلا بها الزوج أو لم يخل بها.
وهذا لأن الخلوة إنما تعتبر في النكاح الصحيح، وهذا النكاح لم يصح. قال «البقالي» في فتاويه: ومهر مثل الأمة على قدر الرغبة، وعن الأوزاعي ﵀ ثلث قيمتها. وفي «البقالي» : إذا زوج أمته ثم أعتقها ثم (٢١٣أ١) زاد الزوج في مهرها فالزيادة للمولى. رواه ابن رستم عن محمد ﵀، وعن أبي يوسف ﵀ أن الزيادة لها، وكذلك لو باعها ثم زاده فالزيادة للمشتري. في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد ﵀ في أمة تزوجت بغير إذن المولى ثم وطئها المولى لم يكن ذلك نقضاً للنكاح. وعن أبي يوسف ﵀ أنه ينفسخ النكاح.
ولو باعها على أنه بالخيار فهو نقض للنكاح من قبل أن البيع ينفذ إذا سكت عن نقضه حتى تمضي مدة الخيار. بشر عن أبي يوسف ﵀: أمة تزوجت بغير إذن المولى ثم إن المولى أوصى بها لرجل، فإن قبلها صاحب الوصية انفسخ النكاح، وإن لم يقبل لا ينفسخ، ولو وهبها لم ينفسخ النكاح، ولو مات المولى وتركها ميراثاً فهذا في القياس ملك حادث فيكون فسخاً للنكاح.
وفي الاستحسان: لا ينفسخ؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث في تركته. في «المنتقى» ابن سماعة عن محمد ﵀ عبد تزوج حرة أذن مولاهما ودخل بها ثم تزوج أمة لم يكن تَزَوُّجُهُ الأمة في عدة الحرة رداً لنكاح الحرة في قول أبي حنيفة ﵀، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: هو ردّ بناء على أن عند أبي حنيفة ﵀ لا يتزوج الأمة في عدة الحرة خلافاً لهما، ولو تزوج حرة ودخل بها ثم تزوج أختها ودخل بها لم يكن ذلك رداً النكاح الأول.
وفي «نوادر بشر» بن الوليد عن أبي يوسف ﵀: عبد تزوج بغير إذن مولاه أمة رجل بإذنه ثم قال: لا حاجة لي في نكاحها فهذا رد، ولو لم يقل ذلك حتى دخل بها ثم تزوج بعض من لا يصلح له نكاحها في عدتها لم يكن ذلك نقضاً للنكاح. في
стр. 1131
«المنتقى» : تزوج العبد حرة بإذن المولى على غير مهر، ثم جعل المولى العبد لامرأته بمهرها وقبلت ذلك انتقض النكاح حين ملكته وعليها أن ترد نكاح العبد إن لم يكن دخل بها.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل زوج أمته برضاها من رجل بغير أمر الزوج والزوج بالغ عاقل خاطب عنه أبوه أو أجنبي بغير أمره حتى توقف النكاح على إجازة الزوج فأعتق المولى الأمة قبل أن يجيز الزوج النكاح بقي النكاح كذلك موقوفاً على إجازة الزوج، وأيهما نقض هذا النكاح يعني الأمة أو الزوج قبل إجازة الزوج صح نقضه، أما إذا نقض الزوج فظاهر، وأما إذا نقضت الأمة فلأن حكم العقد يلزمها عند الإجازة، فكان لها النقض دفعاً لحكم العقد عن نفسه، ثم نقضها صحيح وإن لم يعلم به الزوج؛ لأن المولى فضولي في النكاح في حق الزوج وتصرّف الفضولي غير منعقد في حق الحكم، فصار عقد المولى في حق الزوج بمنزلة غير المنعقد فكان النقض في حق الزوج امتناعاً عن العقد لا إلزاماً على الزوج فيص٣ح من غير علم الزوج بخلاف مسألة البيع بشرط الخيار إذا منعه من له الخيار بغير علم صاحبه حيث لا يصح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأن البيع بشرط الخيار منعقد وإنما الحكم معلق، فصار الفسخ إلزاماً على خصمه فيتوقف على علمه.
ولو أراد المولى أن ينقض هذا العقد بعد العتق قبل إجازة الزوج لم يذكر هذا الفصل في «الكتاب» ، وقد اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه ليس له ذلك.
وإن أجاز الزوج النكاح بعدما عتقت حتى نفذ النكاح لم يكن لها خيار العتق؛ لأن الإجازة بمنزلة نكاح مبتدأ في حق الحكم، فكأنه تزوجها بعد العتق برضاها، وهناك لا يثبت لها خيار العتق كذا هنا ويكون المهر للمعتقة. ولو كان المولى زوجها بغير رضاها وباقي المسألة بحالها ثم إن الأمة بعدما أعتقت نقضت النكاح قبل إجازة الزوج أو بعد إجازة الزوج فإنه يعمل نقضها في الحالين، فرق بين هذا وبينما إذا زوجها برضاها ثم نقضت الأمة النكاح بعد (ما) أعتقت وقد أجاز الزوج النكاح، حتى لا يعمل نقضها.
والفرق: أن في الفصلين جميعاً تعتبر الإجازة كابتداء العقد، فإذا كان النكاح عليها برضاها يجعل المولى كالمستأنف للعقد عليها برضاها بعد العتق، ولو استأنف العقد عليها برضاها بعد العتق وأجاز الزوج النكاح لا يصح نقضها بعد ذلك، وإن كان النكاح عليها بغير رضاها يجعل المولى كالمستأنف للعقد بغير رضاها بعد العتق، وإن استأنف العقد عليها بعد العتق بغير رضاها كان لها أن تنقضه بعد إجازة الزوج وقبلها.
قال في «الأصل» : وإذا زوج الرجل أمته أو مدبرته أو أم ولده وبوّأ لها بيتاً مع زوجها ثم بدا له أن يستخدمها ويردها إلى منزله فله ذلك؛ لأن للمولى حق استخدامها بحكم الملك، والملك قائم في المحل فلا يسقط بالتبوء به، ألا ترى أنه لا يسقط بالإنكاح، وكذلك لو كانت شرطت ذلك للزوج كان الشرط باطلاً يمنعه ذلك من استخدامها؛ لأن المستحق للزوج بالنكاح ملك البضع، ومنافع سائر الأعضاء باقية على
стр. 1132
ملك المولى فيصير المولى معتبراً منافع سائر الأعضاء التي بقيت على ملكه، والإجازة شرعت غير لازمة فليس إلى العباد تغيير المشروط في المزوج فيلغو هذا الشرط.
رجل زوج أمته من عبد رجل فولد بينهما أولاد فالأولاد لمولى الأمة؛ لأن الولد يتبع الأم في الملك، ألا ترى الولد يتبع الأم في الرق والحرية.
تزوج الرجل امرأة على أنها حرة أخبرت عن حرية نفسها ثم ظهر بعد ذلك أنها أمة قد أذن لها المولى في النكاح، وقد ولدت ولداً فالولد حر بالقيمة لمكان الغرور يضمن الأب ذلك لمولى الأمة وتعتبر القيمة يوم الخصومة. ولو مات الولد قبل الخصومة فلا ضمان على الأب فيه ويرجع الزوج بقيمة الولد عليها إذا عتقت؛ لأنها لما زوجت نفسها منه على أنها حرة فقد ضمنت له سلامة الأولاد في ضمن عقد المعاوضة فكان بمنزلة الكفالة والمملوك يؤاخذ بضمان الكفالة بعد العتق، وإن ظهر أنها مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد فكذلك الجواب في ظاهر الرواية، فروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إذا ظهر أنها أم ولد فلا شيء على الأب لأن ولد أم الولد لا قيمة له عند أبي حنيفة ﵀ كما لا قيمة لأم الولد، ألا ترى أنه لا يضمن بالغصب عنده كما لا يضمن أم الولد، فروى الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه إذا ظهر بها مكاتبة فلا شيء على الأب لأنه لو ضمن، ضمن لها وهي تسعى لتحصيل الحرية لنفسها وولدها، ففي حرية ولدها تحصيل بعض مقصود، وكيف يجب الضمان به ويرجع الزوج بقيمة (٢١٤ب١) الأولاد عليهم بعد العتق لما قلنا، هذا كله إذا اشترطت الأمة الحرية للزوج بغير إذن المولى، أما إذا اشترطت ذلك بإذن المولى تجب عليها قيمة الولد للزوج في الحال إلا في المكاتبة فإن المكاتبة لا تؤاخذ بقيمة الأولاد للحال، وإن أذن له المولى باشتراط الحرية لما ذكرنا أن ضمان الغرور بمنزلة ضمان الكفالة، والمكاتب لا يؤاخذ بضمان الكفالة في الحال وإن أذن له المولى.
ولو مات الولد في هذه الصورة وترك مالاً فالمال لأبيه بحكم الإرث ولا ضمان على الأب فيه يريد به: لو مات الولد قبل الخصومة، وهذا لأن الضمان على المقدور بالمنع بعد الطلب فإذا مات قبل الخصومة لم يوجد المنع بعد الطلب فلم يوجد سبب الضمان. ولو قتل الولد وأخذ الأب قيمته كان عليه قيمة الولد لمولى الأمة؛ لأنه سلم له بدل نفسه، وحكم البدل حكم للمبدل فيتحقق المنع بعد الطلب ولو مات الأب في هذه الصورة ونفى الولد أخذ المولى قيمته من تركة الأب، فلا يرجع بها بقية الورثة في حصة الولد، وإن لم يترك الأب شيئاً لم يؤخذ الولد بشيء كما لا يؤخذ بسائر ديون الأب.
فإن كان المخبر عن حرية الجارية رجل خنثى إلا أن الرجل المخبر لم يزوجها إيّاه بل الزوج تزوج بنفسه على أنها حرة فالزوج لا يرجع على الرجل المخبر بقيمة الولد لأنه لم يضمن له سلامة الولد نصاً، ولا في ضمن عقد المعاوضة؛ لأنه ما زوجها منه، ولكن يرجع بقيمة الولد على الجارية إذا أعتقت لما ذكرنا. وإن كان الرجل المخبر زوجها منه على أنها حرة فالزوج يرجع بقيمة الولد على المخبر للحال. أما الرجوع لأنه ضَمِنَ له
стр. 1133
سلامة الولد في ضمن عقد المعاوضة، وأما في الحال فلأن الحر يؤاخذ بضمان الكفالة في الحال.
قال في «المنتقى» : قال إبراهيم: سألت محمداً ﵀ عن امرأة قالت للقاضي: زوجني فإني حرة فزوجها وولدت أولاداً ثم استحقت قال: أخذها المستحق وعقرها وقيمة ولدها، ولا يرجع على القاضي بشيء ولكن يرجع عليها. وإن تزوج وأخذت هؤلاء امرأة بإذن المولى على أنها حرّة ثم ظهر أنها أمة لا يكون مقذوراً حتى لا يكون الولد حراً بالقيمة، بل يكون رقيقاً، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله آخراً، وكان أبو يوسف ﵀ أولاً يقول: الولد حر بقيمته تجب على الأب بعد العتق وهو قول محمد ﵀.
اشترى جارية وزوجها قبل القبض إن تم البيع جاز النكاح، وإن انتقض البيع بطل النكاح عند أبي يوسف خلافاً لمحمد رحمهما الله. قال الصدر الشهيد ﵀: والمختار قول أبي يوسف ﵀؛ لأن البيع إذا انتقض قبل القبض ينتقض من الأصل ويصير كأن لم يكن، فيكون النكاح باطلاً.
عبد طلب من مولاه أن يزوجه معتقة فأبى ثم تشفع العبد أن يأذن له في التزويج، فأذن له فذهب وتزوج المعتقة جاز؛ لأن الإذن حصل مطلقاً ...
في «مجموع النوازل» في «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا أذن الوارث لكاتب موروثة في النكاح جاز لأنهم لم يملكوا رقبته فالولاء لهم. وفيه أيضاً: عبدٌ تزوج امرأةً ثم امرأةً ثم امرأةً فبلع المولى فأجاز الكل، فإن لم يكن دخل بهن جاز نكاح الثالثة؛ لأن الإقدام على نكاح الثالثة ردٌ لنكاح الأولى والثانية، بقي الموقوف نكاح الثالثة.
وإن كان دخل بهن فَسَدَ نكاحهن؛ لأن الإقدام على نكاح الثالثة لا يمكن أن يجعل رداً لعدة الأولى والثانية، ونكاح الثالثة في عدة الأولى، فكذا الحر إذا تزوج عشر نسوة بغير إذنهن فبلغهن فأجزن جميعاً جاز نكاح التاسعة والعاشرة لأن الخامسة ردٌ لنكاح الأربع اللاتي قبلها، ونكاح التاسعة رد لنكاح الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة وكان الموقوف نكاح التاسعة والعاشرة.
وفي «الأصل» : الأب يملك تزويج أمة ولده الصغير وكذا الوصي، ولا يملكان تزويج عبد الصغير، وهل يملكان تزويج أمة الصغيرة من عبده سيأتي ذلك في كتاب الوصايا والمكاتب يملك تزويج أمته والشريك شركة معاوضة، وأما العبد المأذون، والصبي المأذون، والشريك شركة عنان والمضارب، لا يملكون تزويج الأمة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: يملكون والله أعلم بالصواب.
стр. 1134
الفصل التاسع عشر: في نكاح الكفار
هذا الفصل يشتمل على أنواع، نوع منه في نكاح أهل الذمة، وكل نكاح جائز بين المسلمين فهو جائز بين أهل الذمة، وأما (ما) لا يجوز بين المسلمين فهو أنواع منها: النكاح بغير شهود قال محمد ﵀: إذا تزوج الذمي ذميةً بغير شهودٍ وهم يدينون ذلك فهو جائز حتى لو أسلما يقر على أن ذلك عند علمائنا الثلاثة ﵏.
وكذلك إذا لم يسلما، ولكن طلبا من القاضي حكم الإسلام أو طلب أحدهما ذلك فالقاضي لا يفرق بينهما.
ومنها نكاح معتدة الغير، قال محمد ﵀ إذا تزوج الذمي معتدة الغير وجبت العدة من مسلم كان النكاح فاسداً بالإجماع، ويتعرض لهم في ذلك قبل الإسلام وإن كانوا يدينون جوازالنكاح في حالة العدة، وإن وجبت العدة من كافر وهم يدينون جواز النكاح في حالة العدة فما داموا على الكفر لا يتعرض لهم بالإجماع. وإن أسلما أو أسلم أحدهما فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يفرق بينهما، وكذلك إذا لم يسلما ولكن ترافعا إلى القاضي وطلبا حكم الإسلام أو رافع أحدهما، وأما على قول أبي حنيفة: القاضي لا يفرق بينهما أسلما أو أسلم أحدهما ترافعا أو رافع أحدهما.d
واختلف المشايخ في تخريج قوله، وأكثرهم على أن العدة لا تجب عنده على الذمية من الذمي؛ لأن خطاب العدة لم يعمل في حقهم، ألا ترى أنهم لو لم يدينوا وجرت العدة، لم يتعرض لهم في ذلك، وهذا لأن العدة إما أن تجب عليها حقاً للشرع ولا وجه إليه؛ لأنهم لا يخاطبون بحقوق الشرع، وإما أن تجب لحق الزوج ولا وجه إليه إذا كان الزوج لا يدين ذلك، بخلاف ما إذا كانت العدة من المسلم؛ لأن خطاب العدة إذا كانت العدة من المسلم يعلم في حقهم، ألا ترى أنهم لو لم يدينوا وجرت العدة من المسلم يتعرض لهم في ذلك، وهذا لأنه أمكن إيجاب العدة من المسلم لحقه إن لم يكن إيجابه لحق الشرع. وإذا لم تجب العدة على الذمية من الذمي كان النكاح مصادفاً محلاً فارغاً فصح.
ومنها نكاح المحارم والجمع بين الخمس والجمع بين الأختين:
قال محمد ﵀: إذا تزوج ذمي بمحارمه أو تزوج خمس (٢١٥أ١) نسوة (أو) بأختين فما داموا على الكفر ولم يترافعُوا إلينا لا نتعرض لهم بالاتفاق إذا كانوا يدينون ذلك، غير أن على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: هذا النكاح يقع فاسداً حالة الكفر حتى لو طلبت من قاضي المسلمين النفقة فالقاضي لا يقضي بذلك ولا يجري الإرث بينهما، وإذا دخل بها يسقط إحصانه لو أسلم بعد ذلك وقذفه قاذف لا يحد. وأما على قول أبي حنيفة ﵀ اختلف المشايخ، قال مشايخ العراق: يقع فاسداً، وقال مشايخنا: يقع جائزاً، واتفقوا على (قول) أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجري الإرث بينهما ويقضى بالنفقة ولا يسقط إحصانه متى دخل بها، واتفقوا على قوله أيضاً أنه لو تزوج
стр. 1135
أختين في عقدة واحدة ثم فارق إحداهما قبل الإسلام ثم أسلم إن الباقية نكاحها على الصحة، حتى يُقرّان على النكاح، والباقي عين الثابت، وإنه دليل جواز هذا النكاح فإن (أسلما) أو أسلم أحدهما يفرق بينهما بالإجماع وكذلك إذا لم يسلما ولكن رفعا الأمر إلى القاضي، وإن رفع أحدهما الأمر إلى القاضي فالقاضي يفرق بينهما. قال القدوري ﵀ في «كتابه» : وقال أبو يوسف ﵀: يفرق القاضي بينهما إذا علم بذلك سواء ترافعا إلينا أو لم يترافعا.
وإذا طلّق الذمي امرأته ثلاثاً أو خالعها ثم أقام عليها، فرافعته إلى السلطان، فالقاضي يفرق بينهما بالاتفاق بخلاف نكاح المحارم على قول أبي حنيفة ﵀ فإنه لا يفرق بينهما بمرافعةِ أحدهما وأما إذا تزوجها بعد الطلاقات الثلاث برضا قبل التزوج بزوج آخر، الآن هذا ونكاح المحارم في جميع التفريعات على السواء، هكذا ذكر في «الأصل» . وفي «القدوري» : إذا طلق امرأته ثلاثاً أو خالعها ثم أقام عليها فإنه يفرق بينهما، وإن لم يترافعا يحتمل ترك المرافعة بينهما، ويحتمل ترك المرافعة من أحدهما.
وإذا تزوج الذمي ذمية على أن لا مهر لها صح ذلك ولا شيء لها، وإن أسلمت في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لها مهر مثلها فلو تزوجها وسكتا عن المهر فلها مهر المثل في ظاهر رواية «الأصل» .
قال أبو الحسن الكرخي ﵀: قياس قول أبي حنيفة ﵀ أن لا فرق بين حالة السكوت وحالة النفي، ولا يجب المهر إلا إذا سمى. ولو تزوجها على ميتة أو دم وذلك في دينهم جائز فلها مهر المثل في رواية «الأصل» . وذكر في «الجامع الصغير» : أنه لا يجب شيء. قيل: ما ذكر في «الجامع» قوله، أما على قولهما لها مهر المثل إذا مات عنها أو دخل بها، فإن كان المذكور في «الجامع» قول أبي حنيفة كان المذكور في «الأصل» وفي «مختصر الكرخي» قولهما، وإن كان ما ذكر في «الجامع الصغير» قول الكل كان في المسألة روايتان.
ولو تزوجها على خمر أو على خنزير فهو جائز فلها المسمى، فإن أسلما أو أسلم أحدهما فإن كان الخمر أو الخنزير عيناً في العقد فلها ذلك وليس لها غيره في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يجب الخمر أو الخنزير بعد إسلام أحدهما، وأجمعوا على أنه إذا سمى الخمر أو الخنزير دَيْنَاً في الذمة لم يجب لها غير ذلك ولم يكن لها أن تقبض.
بعد هذا قال أبو حنيفة ﵀ يجب لها في الخمر القيمة وفي الخنزير مهر المثل سواء كان بعينه أو بغير عينه، وقال محمد ﵀ لها القيمة، في ذلك كله، وإن كان مهرها مقبوضاً قبل الإسلام فلا شيء لها. وتجوز المناكحة بين أهل الذمة وإن اختلفت مراتبهم، والمولود بين الكتابي والمجوسي تابع للكتابي تحل مناكحته للمسلمين، وتحل ذبيحته عندنا خلافاً للشافعي ﵀.
قال: الأصل إذا زوجت صبية من صبي وهما من أهل الذمة فأدركا، فإن كان
стр. 1136
المزوج أباً فلا خِيَارَ لهما؛ لأن الشفقة لا تتفاوت. وإن كان المزوج غير الأب والجد فلهما الخيار عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وإذا تزوجت الذمية ذمياً فقال الولي: هو ليس بكفء لا يلتفت إلى قوله لأنهم أكفاء بعضهم لبعض؛ لأن ذل الشرك وصغار الجزية لجمعهم، فلا يَظهر مع ذلك نقصان النسب. ألا ترى أنهم لو استرقوا كانوا أكفاء، ولو أعتقوا كذلك، ولو أسلموا كذلك فلا يكون للمولى أن يخاصم، قال: إلا أن يكون أمراً مشهوراً يعني كانت بنت ملك خدعها حَائك أو سائس وهنا يفرق بينهما لا لانعدام الكفاءة بل لتسكين الفقيه والقاضي مأمور بن سكين الثمنية فيما هو بينهم كما هو مأمور به فيما بين المسلمين والله أعلم.
نوع منه في نكاح أهل الحرب
الحربي إذا تزوج حربية على أن لا مهر لها، فلا يجب المهر بلا خلاف بخلاف الذميين على قولهما. وإذا تزوج الحربي خمس نسوة أو بأختين ثم أسلم وأسلمن معه، فإن تزوجهن في عقدة واحدة بطل نكاحهن، وإن تزوجهن في عقد منفرد صح نكاح الأربع الأُوَل وبطل نكاح الخامسة.
وكذلك الحكم في الأختين إن تزوجهما في عقد واحد بطل نكاحهما، وإن تزوجهما في عقدتين متفرقتين صح نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية، هذا قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀، وقال محمد ﵀: يختار من الخمس أربعاً، ومن الأختين واحدة سواء تزوجها أو تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقود متفرقة.
وجه قول محمد: أن الأنكحة وقعت صحيحة في الأصل لأن حرمة الجمع بخطاب الشرع وخطاب الشرع قاصر عنهم، ألا ترى لو ماتت واحدة من الخطاب الخمس أو من الأختين أو فارقها قبل الإسلام ثم أسلم كان نكاح الباقية على الصحة والباقي غير الثابت، وإنما تثبت من الإجماع في العقد حرمة الجمع في حقّه في حالة الإسلام فيجب الإعراض عما وجد في الابتداء من الاجتماع في العقد والتفريق، ويجب اعتبار حالة الإسلام فيرفع ما يتحقق به الجمع وهو نكاح إحداهما في الأختين ونكاح إحداهن في الخمس.
قال محمد ﵀ في «السير الكبير» : ولو كانت هذه العقود فيما بين أهل الذمة كان الجواب على ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله لأن الخطاب بحكم الشيوع في دار الإسلام يجعل ثابتاً في حق أهل الذمّة وإن كنا لا نتعرض لهم ما لم يسلموا، وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله قالا: خطاب التحريم بسبب الجمع كان موجوداً حالة الكفر، ولكن امتنع عمله لمكان الكفر، فإذا زال الكفر يعمل الخطاب عمله على وجه لولا المانع فكان عاملاً فيثبت الحكم. إلا أن على وفاق ما يقتضيه السبب في الابتداء ولولا الكفر حرم نكاح الكل إن كان النكاح واحداً لأن الجمع حصل بالكل وحرم نكاح الخامسة والأخت الثانية إن كان النكاح متفرقاً لأن الجمع حصل بهما كذا هنا.
стр. 1137
وعلى هذا (٢١٥ب١) لو أسلم وتحته أم وابنة وأسلما معه، فان كان تزوجهما في عقد واحد بطل نكاحهما ثم ينظر إن لم يكن دخل بهما فله أن يتزوج الابنة دون الأم، وإن كان دخل بهما، لم يكن له أن يتزوج بواحدة منهما، وكذلك إن كان دخل بالأم وحدها، وإن كان دخل بالابنة وحدها فله أن يتزوج الابنة دون الأم، وإن كان تزوجهما في عقدين، فنكاح الأولى جائز ونكاح الثانية فاسد، وهذا إذا دخل بهما أو دخل بالأولى، فإن كان دخل بالثانية فإن كانت الأولى ابنة فسد نكاحهما، وإن كانت الأولى أماً فنكاح الابنة صحيح، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعلى قول محمد ﵀، فسواء تزوجهما في عقدةٍ واحدةٍ أو في عقدتين، فنكاح الابنة صحيح لأن العقد على الابنة يُحرِّم الأم والعقد على الأم لا يحرم الابنة إلا أن يكون دخل بالأم فحينئذ يفرق بينه وبينهما، وهذا إذا كان دخوله بالأم بعدما تزوج الابنة، وإن كان قبل أن يتزوج الابنة، فنكاح الأم صحيح لأن نكاح الأم لو بطل بطل بحكم نكاح الابنة إلا أن نكاح الابنة هنا لم يصح؛ لأنها حرمت بالدخول بالأم، وإذا لم يصح نكاح الابنة كيف يبطل نكاح الأم؟ إلا أن يكون دخل بالبنت أيضاً، فحينئذ تقع الفرقة بينه وبينهما بالمصاهرة وليس له أن يتزوج بواحدة منهما.
وإذا أسلم الحربي وامرأته وقد كان طلقها ثلاثاً ثم تزوج قبل أن تنكح زوجاً غيره فرّق بينهما لأن الطلقات الثلاث تقع في دار الحرب حسب وقوعها في دار الإسلام؛ لأنهم يعتقدون ذلك، وإنها تثبت حرمة المحل إلى وقت إصابة التزوج، وكذلك لو كان جامع أمّها أو ابنتها أو قبل واحدة منهما بشهوة؛ لأنها الحرمة بسبب المصاهرة نظير الحرمة بسبب الرضاع، وذلك يتحقق في دار الحرب كما تتحقق في دار الاسلام وهذا مثله.
وإذا خرج أحد الزوجين من دار الحرب إلى دار الإسلام وترك الآخر كافراً في دار الحرب وقعت الفرقة بينهما عندنا، فبعد ذلك ينظر إن كان الخارج إلى (دار الإسلام) الزوج فلا عدة على المرأة بلا خلاف. وإن كان الخارج هي المرأة فلا عدة لها عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما وقدّم مسألة المرأة قبل هذا في فصل ما يجوز من الأنكحة وما لا يجوز. ولو كذلك خرج أحدهما ذميّاً وقعت الفرقة بينهما، ولو خرج إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينهما.
ولو سُبي حربي مع أربع نسوة له بطل نكاح الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله سواء تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقود متفرقة، بخلاف ما إذا أسلم مع خمس نسوة تحته أو مع أختين لأن في هذه الصورة حال وقوع النكاح لم يكن سبب التحريم قائماً؛ لأنه كان حرّاً وكان نكاح الأربع مشروعاً فوجب اعتبار حالة البقاء واعتبار حالة البقاء توجب بطلان الكل؛ لأن الجمع يقوم بالكل بخلاف مسألة الإسلام على ما ذكرنا.
نوع منه في نكاح المرتد
إذا ارتدّ أحد الزوجين وقعت الفرقة بينهما في الحال، هذا هو جواب ظاهر الرواية وبعض مشايخ بلخ وبعض مشايخ سمرقند ﵏ كانوا يفتون بعدم الفرقة بارتداد
стр. 1138
المرأة حسماً لباب المعصية، وعامتهم على أنه تقع الفرقة إلا أنها تجبر على الإسلام، والنكاح مع زوجها الأول لأن الحسم يحصل بالجبر على النكاح الأول، ومشايخ بخارى ﵏، كانوا على هذا.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀ برواية ابن سماعة: إذا تكلمت بالكفر وقلبها مطمئن بانت وهي مشركة، ثم إن كانت المرأة هي المرتدة ولم يكن الزوج دخل بها فلا مهر، وهذه فرقة بغير طلاق بلا خلاف، وإن كان الزوج هو المرتد ولم يكن دخل بها فلها نصف المهر، وتكون هذه فرقة بغير طلاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمد ﵀ تكون فرقة بطلاق.
ولو ارتد الزوجان معاً لم تقع الفرقة استحساناً عند علمائنا الثلاثة ﵏، فإن أسلما فهما على نكاحهما، وإن أسلم أحدهما وقعت الفرقة ويجعل إصرار صاحبه على الردة بعد إسلامه كإنشاء الردة منه.
مسلمٌ تحته نصرانية ثم تمجسّا معاً فهما على النكاح، قال: لأن هذا منهما ردة فصار كما لو ارتدا معاً، قال: ولو تهودا بانت منه قال: لأن هذا منها ليس بردة فصار كأنه ارتد الزوج وحده، روى المسألة مع هذا التعليل ابن رستم عن محمد، وعن محمد رحمهما الله رواية أخرى في التهود أنها لا تبين كما لو تمجسا فحصل عن محمد فيما إذا تهودا روايتان، وعن أبي حنيفة ﵀ فيما إذا تهودا روايتان أيضاً، فيما إذا تمجسا رواية واحدة أنهما على النكاح، وعن أبي يوسف ﵀ روايتان في الفصلين جميعاً.
وفي «الأصل» : إذا أسلم النصراني وتحته نصرانية فتحولت إلى اليهودية، فهي امرأته كما لو كانت يهودية في الابتداء، أو إن أسلم النصراني وتحته مجوسية ثم ارتد عن الاسلام بانت منه لأن النكاح بعد إسلامه باقٍ ما لم يفرق القاضي بينهما، وتفرُّدُ أحد الزوجين بالردة يوجب الفرقة، وكذلك لو أسلمت المجوسية ثم ارتد بانت منه، وإن لم يرتد الزوج ولم يسلم حتى مات الزوج فلها المهر كاملاً دخل بها أو لم يدخل بها.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : مسلم تزوج صبية مسلمة زوجها أبوها منه ثم ارتد أبواها عن الإسلام ولحقا بدار الحرب أو لم يلحقا، فإنها لا تبين من زوجها ما دامت في دار الإسلام؛ لأنها بقيت مسلمة ما بقيت في دار الإسلام، بيانه: وهو أن الصغيرة قبل ارتداد الأبوين كانت مسلمة تبعاً للأبوين ولدار الإسلام؛ لأن لدار الإسلام أثراً في الاستتباع كما للأبوين، ألا ترى أن من سُبي صغيراً أو صغيرة وأدخله دار الإسلام يحكم بإسلامه كما دخل دار الاسلام تبعاً للدار حتى لو مات يصلي عليه، وإذا كان لدار الإسلام أثر في الاستتباع كما للأبوين كان إسلام الصغيرة حكم بسبب التبعية مضافاً إليهما وأحدهما قائم بعد ردتهما، فبقي إسلامها.
فإن قيل: دار الاسلام إنما توجب إسلام الصغير حال فقد الأبوين كما في الصغير إذا سبي وحده، فأما حال وجود الأبوين فلا، ألا ترى أن الولد الحادث بين النصرانيين في دار الإسلام وبين اليهوديين يكون نصرانياً ويهودياً تبعاً للأبوين فلا يكون مسلماً تبعاً
стр. 1139
للدار؛ وهذا لأن سبب الاستتباع في جانبها بالجزئية والتعصبية، وفي الدار بالمجاورة والاتصال وأبداً يحال بالحكم على الأقوى، فجعلناها (٢١٦أ١) مسلمة تبعاً للأبوين وبارتدادهما زالت التبعية فيحكم بكفرها وتبين من زوجها.
قلنا: إنما يحال بالحكم على أقوى السببين إذا كان الأقوى من السبب يوجب من الحكم خلاف ما يوجبه الأضعف؛ لأنه حينئذ يتعذر العمل بهما لما بينهما من التنافي في الحكم، فيجب العمل بالراجح لما في المسألة التي أوردها إذ الشخص الواحد لا يتصور أن يكون مسلماً وكافراً، أما إذا كان الحكم واحداً يضاف بالحكم إليهما ألا ترى أنه لو كان في حادثة نصّ الكتاب وخبر الواحد والقياس وموجب الكل حكم واحد كان ذلك الحكم مضافاً إلى الكل، فيقال هذا حكم ثبت بالكتاب والسنة والقياس، وهنا الحكم واحد وهو إسلامها وأضفناه إليهما والتقريب ما ذكرنا حتى لو ألحقاها بدار الحرب بانت من زوجها لأن تبعية الدار قد زالت كما زالت تبعية الأبوين فحكمنا بردتها فبانت وبطل مهرها.
ولو ماتت أمها مسلمة في دار الإسلام أو بعدما ارتدت ولحق بالصبية أبوها مرتداً بدار الحرب لم تبن من زوجها، بخلاف ما إذا كانا حيين ولحقا بالصبية بدار الحرب مرتدين. فإنها تبين من زوجها.
مسلم تزوج صبية نصرانية زوجها أبوها وأبواها نصرانيان ثم تمجس أحد أبويها وبقي الآخر على النصرانية، فهذه البنت لا تبين من زوجها؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين ديناً، وخيرهما ديناً النصراني قال: النصراني أقرب إلى الإسلام من المجوسي حتى تحل ذبيحته، ويحل للمسلم نكاح النصرانية فبقيت نصرانية تبعاً لوالدها النصراني، ولو كان الأبوان تمجسا والجارية صبية على حالها بانت من زوجها. وإن لم يكن أدخلاها دار الحرب فرق بين هذه المسألة وبين الصغيرة المسلمة إذا ارتد أبواها لا تبين من زوجها ما لم يدخلاها دار الحرب، والفرق أن في تلك المسألة الصغيرة بقيت مسلمة بعد ارتداد الأبوين تبعاً لدار الإسلام، وههنا لا يمكن إبقاؤها نصرانية تبعاً للدار إذ الدار ليست داراً للتنصر، واستشهد في «الكتاب» لحال بعد النكاح بحال ابتداء النكاح فقال: ألا ترى أن بعد تمجس الأبوين ليس للقاضي ولا لأحد أن يزوج الصغيرة من مسلم، وبعد ردّة الأبوين جاز للقاضي أن يزوج الصبية من مسلم، فكذا في حالة البقاء، قال وليس لها من المهر قليل ولا كثير، علل فقال: لأن الفرقة جاءت من قبلها.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا التعليل، فإنه لم يوجد منه صنيع أصلاً إنما الصنيع للأبوين في التمجس، قلنا: ما قاله محمد ﵀ مستقيم؛ لأنه لم يقل: الفرقة جاءت بصنعها حقيقة، إنما قال الفرقة جاءت من قبلها أي من عندها والفرقة جاءت من عندها لأن الفرقة وقعت بردتها تبعاً للأبوين، وتبعيتها بسبب الصغر، وصغرها من قبلها لأنه وصفها، وكذلك الجواب فيما إذا بلغت معتوهة؛ لأنها إذا بلغت معتوهة بقيت تابعة للأبوين وللدار في الدين لأنه ليس للمعتوهة إسلام نفسها حقيقة فكانت بمنزلة الصغيرة من هذا الوجه.
стр. 1140
امرأة مسلمة بالغة صارت معتوهة ولها أبوان مسلمان زوجها أبوها وهي معتوهة حتى جاز النكاح ثم ارتد الأبوان والعياذ بالله ولحقا بها بدار الحرب لم تبن من زوجها. فرّق بين هذه وبين الصغيرة. المسلمة إذا ارتد أبواها ولحقا بها بدار الحرب إنها تبين من زوجها والفرق إنها إذا بلغت عاقلة فقد زالت تبعية الأبوين، وإذا وصفت الإسلام صارت مسلمة بإسلامها مقصوداً وبعد صفة العته إسلامها باق حقيقة؛ لأن العته لا يُنافي الإسلام فأما الصغيرة فهي مسلمة تبعاً للأبوين لا بإسلام نفسها وبعدما ارتد الأبوان لا يمكن إبقاؤها مسلمة تبعاً للأبوين وليس لها إسلام نفسها فلهذا بانت من زوجها، والصغيرة إذا عقلت الإسلام ووصفت ثم صارت معتوهة كانت بمنزلة هذه؛ لأنها لما عقلت الإسلام ووصفت صارت مسلمة بطريق الأصالة كالبالغة.
مسلم تزوج نصرانية صغيرة، ولها أبوان نصرانيان، فكبرت وهي لا تعتد ديناً من الأديان ولا تصفه وهي غير معتوهة، فإنها تبين من زوجها، معنى قوله لا تعتد ديناً من الأديان لا تعْرف ديناً من الأديان بقلبها ومعنى قوله: لا تصفه لا تعرفه باللسان لأنه له هو لها دين الأبوين لزوال التبعية ولم تظهر لها جهة الأصالة، فكانت جاهلة ليس لها ملّة معنية والملّة المعينة شرط النكاح ابتداءً وبقاءً.
وكذلك الصغيرة المسلمة إذا بلغت عاقلة وهي لا تعتقد الإسلام ولا تصفه وهي غير معتوهة بانت من زوجها لما ذكرنا، ومحمد ﵀ سمى هذه في «الكتاب» مرتدة؛ لأنا حكمنا بإسلامها بطريق التبعية، والآن بكفرها، فكانت مرتدة. ولم يذكر في «الكتاب» إذا بلغت فعرفت الإسلام بأن قالت أنا أعقل الإسلام وأعرفه وأقدر على وصفه إلا أني لا أصفه أنها هل تبين من زوجها؟ قيل: يجب أن يكون فيه اختلاف المشايخ على قول من يشترط الإقرار باللسان لصيروته مسلماً تبين من زوجها؛ لأنها تركت ما هو الركن بلا عذر وكذلك لم يذكر ما إذا قالت أنا أعقل الإسلام، ولكن لا أقدر على الوصف هل تبين من زوجها قيل يجب أن يكون فيه اختلاف المشايخ على نحو ما بينّا، على قول من يشترط الإقرار باللسان تبين من زوجها لأنها تركت ركناً بغير عذر لأن العجز إنما جاء من ناحية الجهل لانعدام الآلة، والجهل في دار الإسلام ليس بعذر، ولو كانت هاتان اللتان بلغتا قد عقلتا الإسلام أو النصرانية قبل أن تبلغا ولكن لم تصفا ذلك ولا غيره لم تبن واحدة منهما من زوجها، فهذا دليل على أن من صَدق بقلبة كان مسلماً وإن لم يقرّ لسانه. وهكذا روي عن أبي حنيفة ﵀ في كتاب العالم والمتعلم، وبه أخذ الشيخ الإمام الزاهد أبو منصور الماتريدي ﵀ وهو مذهب أبي الحسن الأشعري، وعامة مشايخنا قالوا لا بل الإقرار باللسان شرط لصيرورته مسلماً، فتأويل هذه المسألة على قول عامة المشايخ أنهما عقلتا الإسلام قبل البلوغ ولم يصفا ذلك ولا غيره وأنهما لا تبينان من زوجيهما ما دامتا صغيرتين لأنهما ما دامتا صغيرتين؛ كانت تبعية الأبوين باقية، فكانت المسلمة مسلمة والنصرانية نصرانية تبعاً. وأما بعد البلوغ فلا. فإن وصفت المجوسية ودانت بانت من زوجها (٢١٦ب١) عند أبي حنيفة ﵀ هذا بمنزلة الردة، وردة
стр. 1141
الصبي العاقل صحيحة عندهما وعند أبي يوسف ﵀: إن تمجست وكانت مسلمة لا تبين من زوجها؛
لأن ردة الصبي المسلم عنده غير صحيحة، وإن تمجست وكانت نصرانية فقد اختلف المشايخ فيه على قول بعضهم قالوا: تبين من زوجها بخلاف ما إذا كانت مسلمة؛ لأن التمجس هناك إنما لم يصح لما فيه من ضرر زوال الإسلام، وإنه لا يتأتى هنا لأنها انقلبت من كفر إلى كفر، فصح التمجس منها فتبين من زوجها.r
وبعضهم قالوا: لا تبين من زوجها؛ لأنه إن لم يمكن في التمجس ضرر زوال الإسلام، ففيه ضرر ببنيونتها عن الزوج، والصبي محجور عما هو ضرر في حقّه، فلم يصح التمجس منها فلهذا لا تبين من زوجها والله أعلم.
نوع منه في إسلام أحد الزوجين
إذا أسلم أحد الزوجين في دار الإسلام، فإن كان الذي أسلم هي المرأة يعرض الإسلام على الزوج، فإن أسلم بقيا على النكاح وإلا فرّق بينهما، ويحتاج في هذه الفرقة إلى القضاء فتكون هذه فرقة بطلاق عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا كان الزوج من أهل الطلاق، وإن لم يكن الزوج من أهل الطلاق بأن كان صبيّاً عقل الإسلام حتى اعتبر إباؤه فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: هي فرقة بغير طلاق؛ لأن الصبي ليس من أهل الطلاق، وقال بعضهم: هي فرقة بطلاق والطلاق هو المعتبر للفرقة شرعاً، فإذا استحقت الفرقة لم تستحق إلا بما وضع له شرعاً، فيكون لها نصف المهر إن كان إباء الزوج قبل الدخول بها ونفقة العدة إن كان بعد الدخول بها.
وإن كان الذي أسلم هو الزوج فإن كانت المرأة كتابية أقرّا على النكاح، وإن كانت مجوسية أو وثنية عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا فرّق بينهما وتكون هذه فرقة بغير طلاق بلا خلاف ولا مهر لها إن كان الإباء قبل الدخول بها، وإن كان بعد الدخول بها فليس لها نفقة العدة.
وإن أسلم أحد الزوجين في دار الحرب، فإن الفرقة توقف على مضي ثلاث حِيَضٍ، فإذا مضت وقعت الفرقة، وهذا لأنه تعذر اعتبار التفريق من جهة القاضي لانتزاع ولايته من دار الحرب، ولانقضاء ثلاث حيض أثّر في وقوع الفرقة بالطلاق فأقمنا مضي ثلاث حيض مقام التفريق عند تعذر اعتبار التفريق.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : وإذا عقد النكاح على صبيين من أهل الذمة ثم أسلم أحدهما وهو يعقل الإسلام حتى صح إسلامه عندنا استحساناً عرض على الآخر الإسلام إن كان يعقل الإسلام، فإن أسلم فهما على نكاحهما، فإن أبى أن يسلم، فإن كان الزوج هو المسلم، والمرأة كتابية أقرّا على النكاح، وإن كانت مجوسية أو وثنية ففي القياس لا يفرّق بينهما. وفي الاستحسان يفرق بينهما، ولا مهر لها إن لم يكن دخل بها، وهذا هو وضع المسألة في «الأصل» ، وفي «الجامع» وضع المسألة في مجوسي تزوّج جارية مجوسية بنت عشر سنين تعقل الإسلام، زوجها أبوها فأسلم الزوج عرض على
стр. 1142
الجارية الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته وإن أبت فرّق بينهما ولا مهر لها إن لم يكن دخل بها، وهذا استحسان والقياس أن لا يفرق بينهما.
ومن مشايخنا من قال: هذا ليس بقياس واستحسان مبتدأ في هذه المسألة إنما هو القياس. والاستحسان الذي يذكر في الصبي العاقل إذا أسلم، فالقياس أن لا يصح إسلامه، وفي الاستحسان: يصح ومنهم من قال: هذا قياس واستحسان آخر في هذه المسألة وجه: القياس في ذلك: أن في عرض الإسلام عليها وهي صغيرة خطاب لها بالإسلام، والإجماع أن خطاب العقل ساقط عن الصغير ما لم يبلغ، إذ اختلفوا أنه إذا أسلم هل يصلح إسلامه. وجه الاستحسان: أن الصبي العاقل والصبية العاقلة إنما لا يخاطبان بالعقل قبل البلوغ لحق الله، وهاهنا لا تخاطب الصغيرة بالإسلام لحق الله وإنما تخاطب به لحق الزوج حتى يبقيان على النكاح، والصغيرة يجوز أن تخاطب بأداء حقوق العباد، فإن أسلمت بقيا على النكاح، فإن أبت فُرّق بينهما، وهذا لا يشكل على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن على قولهما ردتهما عن الإسلام صحيحة وإنها إنكار بعد الإقرار، فأولى أن يصح إباؤها، وإنه امتناع عن قبول الإسلام، وأما على قول أبي يوسف ﵀ اختلف المشايخ منهم من لم يصحح إباءها على قوله وسوى بينه وبين الردة، ومنهم من صحح إباءها وفرق بين الإباء والردة. واختلفت عباراتهم في ذلك بعضهم قالوا: إن أبا يوسف ﵀ إنما أبطل الردة شرعاً رحمة على الصبي، وههنا وُجد الإباء بناء على العرض حقاً على العبد وإنه تقتضي صحته، وبعضهم قالوا: الردة تبدليل الاعتقاد ولا اعتقاد للصغير ولا ردة فأما الإباء مداومة على ما كان قبل ذلك، فلا حاجة فيه إلى اعتقاد بعدما تيقنابإبائه وحكمنا به، ولم يقع مثله في الردة ولم يحكم به.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : نصراني زوج ابنه النصراني وهو صغير لا يعقل امرأةً كبيرة نصرانية، فأسلمت المرأة وطلبت من القاضي التفريق، فالقاضي لا يفرق بينهما حتى يبلغ الصغير أو يعقل الإسلام، وإذا عَقَلَهُ عرض عليه الإسلام فإن أبى فرق بينهما ولا يجعل إباءً لأن قبل بلوغه بمنزلة إبائه بعد البلوغ. فرق بين هذا وبينما إذا كان الزوج نصرانياً معتوهاً مطبقاً لا ترجى صحته، وأبواه نصرانيان زوّجه أبوه امرأة نصرانية فأسلمت وأرادت التفريق فإن القاضي يُحضر والده إن كان حيّاً، ووالدته إن كان الوالد ميتاً، ويقول له: إما أن تسلم فيصير ابنك مسلماً بإسلامك وإلا فأفرق بينهما والقاضي عاجز عن عرض الإسلام على الزوج في الموضعين، وكل واحد منهما يصير مسلماً بإسلام الأب، والفرق بينهما: أن التفريق بعد إسلام المرأة معلق بإباء الزوج الإسلام من كل وجه، وكذلك بأن يوجد الإباء من الزوج حقيقة وحكماً، وبقاؤهما على النكاح معلّق بإسلام الزوج من كل وجه، وذلك بأن يوجد الإسلام من الزوج حقيقة وحكماً، وهذا مرجو متى عقل الصغير أو بلغ ولبلوغه غاية معلومة فتأخر الأمر إلى أن يوجد من الزوج الإسلام من كل وجه أو الإباء من كل وجه ولا يكون هذا إبطالاً لحق المرأة في التفريق فوجب التأخير ولم يجز إقامة إسلام ناقص وإباء ناقص مقام الكامل من غير ضرورة، وأما في مسألة المعتوه متى
стр. 1143
أخرنا الأمر إلى أن يزول العته (٢١٧أ١) وليس لزواله غاية معلومة أدى إلى إبطال حقها في التفريق وإنه لا يجوز، فلهذه الضرورة أقمنا إباء ناقصاً وإسلاماً ناقصاً مقام الكامل.
فإن قيل: هذا القول يُشْكل بما لو كان الزوج غائباً وهو صبي، فإنه لا يعرض الإسلام على أبيه وليس لإبائه وإسلامه من حيث الحقيقة والحكم وقت معلوم. قلنا: الغائب من يعرف مكانه، ومتى عرف مكانه عُرض الإسلام عليه من حيث الحقيقة، إما بإحضاره أو بأن توكل المرأة وكيلاً حتى تخاصم معه حيث هو..... عقل، فيعرض الإسلام عليه حتى لو كان مفقوداً لا يُعرف مكانه نقول: يعرض الإسلام على أبيه.
ثم إن محمداً ﵀ قال في مسألة المعتوه: يعرض الإسلام على والده، فإن أسلم وإلا فرق بينهما. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي في تعليقه على القاضي الإمام أبي عاصم العامري ﵀: ليس هذا على طريق الحكم لكن إنما قال ذلك لأن للوالدين شفقة على ولدهما كما أن لهما شفقة على أنفسهما، فيجوز أن تحملهما شفقة الولاد على الإسلام، فيصير المعتوه مسلماً بإسلامه، كما أن شفقته على نفسه تحمله على أن يسلم فلا يفرق بينهما، فإنما قال: يعرض الإسلام عليه لهذا الأمر طريق الحكم. وفي مسألة الصبي صحح عرض الإسلام عليه وإن كان لا يخاطب الصبي بالإسلام عندنا؛ لأن ذلك وضع عنه، وقبل منه إذا أدّاه في حق الرحمة عليه، وههنا وجب العرض لحقوقها، وحقوق العباد لا تسقط بعذر الصغر فيوجه الخطاب بالعرض لحق العبد لا لحق الله تعالى، واستشهد في «الكتاب» فقال: ألا ترى أن امرأة النصراني إذا أسلمت فرفعت الأمر إلى القاضي، فوكل الزوج رجلاً بالخصومة وغاب الزوج، فالقاضي لا يفرق بينهما حتى يحضر الزوج فيفرق بينهما إذا أبى الإسلام؛ لأنه يمكن اعتبار إباء الزوج حقيقة وحكماً، فلا ضرورة إلى إقامة إباء الوكيل مقام إباء الزوج كذا مسألتنا.
ثم فرّع على مسألة المعتوه فقال: إن كان الأبوان قد ماتا، فالقاضي ينصب خصماً عنه ويفرق بينهما؛ لأنه تعذر عرض الإسلام عليه وعلى غيره، فغلب الإمساكَ بالمعروف التسريحُ بالإحسان.
فإن قيل: لما تعذر اعتبار الإسلام والإباء حقيقة ينبغي أن تقام ثلاث حيض مقام الفرقة إقامة للشرط مقام (العلة) كما لو أسلم أحد الزوجين في دارالحرب، قلنا: في تلك المسألة: إنما أقمتم ثلاث حيض مقام الفرقة إقامة للشرط مقام العلة لتكون الحِيَض شرط الفرقة، وههنا أمكن اعتبار العلة حقيقة وهو تفريق القاضي بأن ينصب عنه وكيلاً، فلا ضرورة إلى إقامة الشرط مقام العلة، والله أعلم بالصواب.
стр. 1144
الفصل العشرون: في الخصومات الواقعة بين الزوجين
وما يتصل بها هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضاً: نوع منه في دعوى النكاح وإقامة البينة عليه.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : رجل ادى على امرأة نكاحاً، وأقام على ذلك بيّنة وأقامت أخت المرأة على هذا الرجل بينة أنها امرأته، وأنه تزوجها، فالبينة بينة الزوج، لأن الزوج ببنيته يثبت لنفسه ملك المتعة التي هي أصل في باب النكاح، والأخت ببنيتها تُثبت لنفسها ملك المهر الذي هو تبع في باب النكاح، إنما ملك المتعة يثبت عليها لعبرة ولا شك أن الأصل أقوى من التبع فكانت بيّنة الزوج أكثر إثباتاً فكانت أولى بالقبول، وإذا قضى ببينة الزوج بطل نكاح الأخرى ولا يقضي للأخرى بالمهر إن لم يكن الزوج دخل بها، وهذا كله إذا لم تؤرخ البينتان أو أرخ وتاريخهما على السواء، أما إذا كان تاريخ أحدهما أسبق يجب القضاء ببينة من كان أسبق تاريخاً، ويفسد نكاح الأخرى اعتباراً للثابت بالبينة بالثابت معاينة. وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة ﵀: لو وقتت بينة المرأة ولم توقت بيّنة الرجل، فدعوى الرجل جائزة، ويثبت نكاح المرأة التي ادعاها فيبطل نكاح المدعية.
قال في «الأصل» : وإن شهد شهود الزوج أنه تزوج إحداهما ولا تعرف بعينها غير أن الزوج يقول: هي هذه، فإن صدقته المرأة فهي امرأته ويحكم بصداقها، وإن جحدت فلا نكاح بينه وبين واحدة منهما؛ لأن الشهود لم يشهدوا على نكاح امرأة بعينها إنما شهدوا على نكاح إحداهما، ونكاح إحداهما مجهول، والشهادة بالمجهول لا تكون حجة فبقي دعوى الزوج، وبمجرد دعوى الزوج لا يَثبت النكاح، ولا يمين للزوج على التي يدعى عليها النكاح عند أبي حنيفة ﵀، والمسألة معروفة فلا مهر عليه إن لم يكن دخل.
وكذلك لو شهد شهود امرأة أنه تزوجها أحد هذين الرجلين ولا يعرف بعينه غير أن المرأة تقول: هو هذا، فإن صدقه ذلك الرجل فهي امرأته وإن كذبه فلا نكاح بينهما وبين واحد منهما، ولا مهر على واحد منهما ولا يمين لها عليه في قول أبي حنيفة ﵀، وإن كانت ادعت أنه طلقها قبل الدخول بها وأن لها عليه نصف (المهر) يستحلف على نصف المهر.
وكذلك لو ادعت أنه طلقها بعد الدخول بها، وأن لها عليه جميع المهر يستحلف على جميع المهر؛ لأن الدعوى الآن وتقع في المال، وإذا نكل قضي بالمهر ولا يقضى بالنكاح؛ لأن عند النكول إنما يقضى بما وقع فيه الاستحلاف، والاستحلاف وقع في المال، ألا ترى أن في دعوى السرقة إذا استحلف ونكل يقضى بالمال دون القطع كذا ها هنا.
стр. 1145
وإذا ادعت أختان على رجل بعينه كل واحدة تدعي أنه تزوجها أولاً وأقامت كل واحدة بيّنة على حسب ما ادعت كان ذلك إلى الزوج، فأيتهما قال الأولى فهي الأولى وهي امرأته، ويفرق بينه وبين الأخرى ولا مهر عليه للأخرى إن لم يكن دخل بها.
قال الشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: وبهذه المسألة تبين أنه إذا وجد التصادق بعد إقامة البينة، فالنكاح يعتبر ثابتاً بالبينة، إذ لو اعتبر ثابتاً بالتصادق يجب أن تُقبل بينّة الأخت في هذه المسألة وقد أقامت البينة أنه تزوجها أولاً وإن جحد الزوج ذلك كله وقال: (لم) أتزوج واحدة منهما أو قال تزوجتهما ولا يدري أيتهما أولى فهو سواء، ويفرق بينه وبينهما وعليه نصف المهر بينهما إن لم يكن دخل بهما.
من مشايخنا من قال: هذا الجواب لا يستقيم فيما إذا أنكر الزوج نكاحهما أصلاً؛ لأنه لما أنكر نكاحهما فقد أنكر وجوب (٢١٧ب١) المهر على نفسه وتعذر القضاء بالبينتين لمكان التعارض فكيف يجب نصف المهر لهما عليه؟ قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: لا بل هذا الجواب مستقيم في الفصلين لأن التعارض لا بين البينتين في حكم الحل دون المهر، ألا ترى أن البينتين لو قامتا بعد موت الزوج عمل بهما في حق المهر والميراث، وإذا لم يكن بينهما تعارض في حكم المهر وجب نصف المهر على الزوج، وليست إحداهما أولى من الأخرى فيكون بينهما.
وعن أبي يوسف ﵀ في ا «لإملاء» أنه لا شيء عليه؛ لأن المقضي له مجهول وعن محمد ﵀ أنه يقضى عليه بجميع المهر؛ لأن النكاح لم يرتفع بجحوده فوجب القضاء بجميع المهر للتي صح نكاحها، وإن كان دخل بإحداهما كان لها المهر المسمى وهي امرأته؛ لأنه صار مهراً بأولية ملك نكاح الموطوءة حكماً للإقدام على الوطء.
وإن قال: هي الآخرة وتلك الأولى فرق بينها وبينه ولزم المهر المسمى للتي دخل بها لا ينقص عنه وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل ادعى نكاح امرأة والمرأة أنكرت ذلك، وأقام المدعي بيّنة أنها امرأته وأقامت المرأة بينة أنه كان تزوج أختها قبل الوقت الذي ادعى فيه نكاحها، وأنها اليوم امرأته على حاله والزوج ينكر أجمعوا على أن القاضي لا يقضي بنكاح الغائبة، وهل يقضي بنكاح الحاضرة القياس أن يقضي وبه أخذ أبو حنيفة ﵀، وفي الاستحسان لا يقضي بل يوقف الأمر إلى أن تحضر الغائبة، فإن حضرت وأقامت البينة على ما ادعت لها الحاضرة يقضى بأنها امرأته ويفرق بين الزوج وبين الحاضرة، وإن أنكرت ذلك يقضى بنكاح الحاضرة ببينة الزوج ولا يلتفت إلى بيّنة الحاضرة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد رحمهما الله. الأصل في هذه المسألة وأجناسها أن القضاء بالبينة على الغائب أو للغائب لا يجوز إلا إذا كان عنه خصم حاضر، إمّا قصدي وذلك بتوكيل الغائب إياه، وإما حكمي وذلك أن يكون المدعى على الغائب سبباً لثبوت المدعى على الحاضرة لا محالة لو شرطا له على ما ذكر فخر الإسلام علي البزدوي
стр. 1146
رحمه الله، وعند عامة المشايخ أن يكون المدعى على الغائب سبباً لثبوت المدعى على الحاضرة لا محالة وإليه أشار محمد ﵀ في «الكتاب» في مواضع، ثم سوى شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ بينما إذا كان المدعى على الغائب والحاضر شيئان وبينما إذا كان المدعى شيء واحد بشرط السببية لانتصاب الحاضر خصماً عن الغائب في الفصلين جميعاً وذكر القاضي الإمام الكبير أبو زيد في كشف المشكل وعامة المشايخ في شروحهم أن السببية تشترط فيما إذا كان المدعى شيئين، وهو الأشبه والأقرب إلى الفقه.
بيان هذا الأصل فيما إذا كان المدعى عليهما واحداً: إذا ادعى رجل داراً في يدي رجل أنها داره اشتراها من فلان الغائب وهو يملكها وقد غصبها ذو اليد منّي، وقال ذو اليد: الدار داري فأقام المدعي بينة على دعواه قبلت بينته ويكون ذلك قضاء على الحاضرة والغائب، وينصب الحاضر خصماً عن الغائب.
وأما على ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ فلأن المدعى على الغائب والحاضر شيء واحد، والمدعى على الغائب سبب لثبوت المدعى على الحاضر لا محالة، وهذا ما ذكره عامة المشايخ، ولأن المدعى على الحاضر والغائب شيء واحد.
بيان هذا الأصل فيما إذا كان المدعى عليهما شيئان: إذا شهد شاهدا الرجل على رجل بحق من الحقوق، فقال المشهود عليه: هما عبدان لفلان الغائب، وأقام المشهود له بينة أن فلاناً الغائب أعتقهما وهو يملكهما فإنه تقبل هذه الشهادة ويثبت العتق في حق الحاضر والغائب جميعاً، والمدعى شيئان: المال على الحاضر، والعتق على الغائب إلا أن المدعى على الغائب سبب لثبوت المدعي على الحاضر لا محالة لأن العتق لا ينفك عن ثبوت ولاية الشهادة بحال، فصار كشي واحد من حيث المعنى، فينتصب الحاضر خصماً عن الغائب ويقضى بالعتق في حق الحاضر والغائب جميعاً.
وإذا كان المدعى عليهما شيئين إلا أن المدعى على الغائب ليس سبباً لثبوت المدعى على الحاضر لا محالة، بل قد يكون سبباً وقد لا يكون سبباً لا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب، وهذا لأن الغائب ما جعل الحاضر خصماً عن نفسه لكن جعلناه خصماً عنه في موضع لا ينفك المدعى على الغائب عن المدعى على الحاضر ضرورة ولا ضرورة فيما إذا كان ينفك عنه فيعمل فيه بالحقيقة.
بيان هذا الأصل في رجل قال لامرأةِ رجلٍ غائب: إن زوجك فلان الغائب وكلني أن أحملك إليه، فقالت المرأة: إنه قد كان طلقني ثلاثاً، وأقامت على ذلك بينة قبلت بينتها في حق المرأة أنه قد كان (طلقها في حق) قصر يد الوكيل عنها لا في إثبات الطلاق على الغائب، حتى لو حضر الغائب وأنكر الطلاق فالمرأة تحتاج إلى إعادة البينة؛ لأن المدعى على الغائب وهو الطلاق ليس بسبب لثبوت المدعى على الحاضر وهو قصّر يده لا محالة، فلأن الطلاق متى تحقق قد لا يوجب قصر يد الوكيل بأن لم يكن وكيلاً بالحمل قبل الطلاق، وقد يوجب بأن كان وكيلاً بالحمل قبل الطلاق، فكان المدعى على الغائب سبباً لثبوت المدعى على الحاضر من وجه دون وجه، فمن حيث إنه سبب يقضي
стр. 1147
به في حق قصر يد الوكيل، ومن حيث إنه ليس بسبب لا يقضي به في حق إزالة ملك الغائب عملاً بهما.
وإذا كان المدعى عليهما شيئان والمدعى على الغائب سبب للمدعى على الحاضر باعتبار البقاء لا ينتصب فالقاضي لا يلتفت إلى دعوى المدعى، ولا يقضي ببينته لا على الحاضر ولا على الغائب.
بيان هذا رجل اشترى من آخر جارية، ثم إن المشتري ادعى أن البائع قد كان زوجها من فلان الغائب قبل أن أشتريها وقد اشتريتها ولم أعلم بذلك، وأنكر البائع دعواه، فأقام على ذلك بيّنة يريد رد الجارية لا تقبل هذه البينة لا على الحاضر ولا على الغائب لأن المدعى شيئان النكاح على الغائب والرد على الحاضر، والمدعى على الغائب من النكاح نفسه ليس بسبب لما يدعيه على الحاضر من غير اعتبار البقاء، فإن البائع لو زوجها ثم الزوج طلقها لا يكون للمشتري الرد، وإنما السبب بقاء النكاح إلى حالة الرد؛ ولم يقم البينة على البقاء، ولو أقام البينة على البقاء لا تقبل أيضاً ولا يقضي بالرد لأن البقاء تبع الابتداء (٢١٨أ١) فإذا لم يمكن أن يجعل خصماً في نفس النكاح لم يمكن أن يجعل خصماً في إثبات البقاء.
وبعد الوقوف على هذه الجملة جئنا إلى تخريج المسألة، فوجه قول أبي حنيفة ﵀ أن المدعى على الحاضر والغائب شيئان، ونفس ما تدعي الحاضر على أختها الغائبة من النكاح من غير اعتبار البقاء لا يكون سبباً لما يدعي على الزوج من فساد نكاح نفسها، لأنه إذا كان طلّق الغائبة قبل نكاح الحاضرة يصح نكاح الحاضرة فلا تقبل بينة الحاضرة أصلاً، فإذا لم تُقبل بينة الحاضرة لم يثبت نكاح الغائبة، وحجة القضاء للزوج على الحاضرة موجودة وإنما يمتنع عملها لمانع مخصوص وهو نكاح الغائبة، فإذا لم يثبت نكاح الغائبة لم يمتنع عملها.
فإن قيل: أليس إن محمداً ﵀ وضع المسألة فيما إذا شهدوا أنه زوجها قبل ذلك، وأنها اليوم امرأته وشهادتهم أنها اليوم امرأته ينافي نكاح الأخرى.
قلنا هذه الزيادة بناء على علمهم بابتداء النكاح، فصار وجود ذلك والعدم بمنزلة ولأنها إذا لم تصلح خصماً في إثبات أصل نكاح الغائبة لا تصلح خصماً في إثبات بقائه.
وجه قولهما ان القياس ما قاله أبو حنيفة ﵀، إلا أنا تركنا القياس هنا لنوع ضرورة؛ لأن الباب باب الفروج، فإن الحاضرة ادعت حرمة فرجها على الزوج بسبب فساد نكاحها، وقد يترك القياس في باب الفرج احتياطاً ما لا يترك لغيرها.
ثم في «الكتاب» يقول: إذا حضرت الغائبة وأقامت البينة على ما ادعت لها الحاضرة قضي بنكاحها بشرط إعادة البينة من الغائبة للقضاء بنكاحها، بعض مشايخنا قالوا: إذا حضرت الغائبة وصدقت شهود الحاضرة فيما شهدوا من نكاحها تثبت نكاحها ولا يحتاج إلى إعادة البينة، وقد حكي عن بعض مشايخنا أنه كان يقول: لا خلاف في هذه المسألة حقيقة؛ لأن أبا يوسف ومحمد رحمهما الله إنما قالا: لا يُقضى بنكاح
стр. 1148
الحاضرة بطريق الاحتياط؛ لأن الغائبة إذا حضرت إنما تصدق شهود الحاضرة أو تعيد البينة على نكاحها فيفسد نكاح الحاضرة، ويجب التفريق بين الحاضرة والزوج، وما يكون بطريق الاحتياط لا يكون فرضاً.
وكذلك لو أقامت الحاضرة بينة على إقرار الزوج بنكاح الغائبة، فهذا والأول سواء لا تقبل بينة الحاضرة عند أبي حنيفة ﵀، وإنما لم تقبل لا لأنها قامت على غير خصم بل قامت على خصم؛ لأنها قامت على إقرار الزوج، والزوج خصم حاضر إلا أن من شرط قبول البينة أن يكون المشهود به حقاً يلزمه المشهود عليه، والمشهود به ههنا إقرار الزوج بنكاح الغائبة قبل نكاح الحاضرة حتى يثبت مكان فساد نكاح الحاضرة؛ فبهذا القدر من الإقرار لا يلزم الزوج فساد نكاح الحاضرة لأن للزوج أن يقول: كنت تزوجت الغائبة قبل نكاح الحاضرة إلا أني طلقتها قبل نكاح الحاضرة.
قال: ولو أقرّ الزوج عند القاضي أن الغائبة كانت امرأته، فالقاضي يسأله هل كان بينه وبينها فرقة؟ فإن قال: لا، فالقاضي يفرق بينه وبين الحاضرة، ولكن لا يثبت نكاح الغائبة إلا بتصديق الغائبة أو ببينة يقيمها عليها؛ لأن الزوج أقرّ بفساد نكاح الحاضرة، وهذا أمر عليه، وبنكاح الغائبة وإنه أمر له، فيُصدق فيما عليه ولا يصدق فيما له.
وإن قال الزوج: قد كنت طلقتها قبل أن أدخل بها أو بعدما دخلت بها، وأخبرتني عن انقضاء العدة في مدة تنقضي في مثلها العدة، وكذبته الحاضرة في الطلاق، وقد أقام هو البينة على نكاح الحاضرة يقضى له بنكاح الحاضرة؛ لأن الزوج بما قال ادعى سقوط حق الغائب في النفقة والسكنى فتزول حرمة نكاح الحاضرة فلئن كان لا يصدق في سقوط حق الغائبة لأنه ضمين يدعي سقوط ما عليه من الضمان يصدق في زوال الحرمة؛ لأنه أمين في ذلك لأن الحرمة خالص حق الله تعالى والعبد في حقوق الله تعالى أمين والأمين فيما أخبر مصدق إذا احتمل خبره الصدق وقد احتمل خبره الصدق إذا كان في مدة تنقضي في مثلها العدة وصار كالمطلقة ثلاثاً إذا تزوجت بزوج آخر وفارقها قبل خلوة ظاهرة فقال الزوج؛ فارقتها قبل الخلوة والإصابة، وقالت المرأة: فارقني بعد الإصابة صدقت المرأة في حق زوال الحرمة على الزوج الأول؛ لأنه من حقوق الله تعالى وإن لم تصدق في استحقاق كمال المهر على الزوج الثاني كذا ههنا هذا إذا لم تحضر الغائبة.
فإن حضرت الغائبة وكذبت الزوج في الطلاق وادعت أنها امرأته، فإن الطلاق واقع عليها بإقرار الزوج وعليها العدة منذ أقر الزوج بالطلاق إن كان قد دخل بها، والحاضرة امرأته لأن نكاح الغائبة ثبت بتصادق الزوج والغائبة إلا أن الزوج يدّعي الطلاق في زمان ما مضى وأخبر عن إخبارها بانقضاء العدة في مدة تنقضي في مثلها العدة، وفي مثل هذا يعتبر قول الزوج في حق جواز نكاح أختها وأربع سواها كما لو كان نكاح الغائبة ثابتاً معاينة. هذا إذا أقامت الحاضرة بينّة أن هذا الزوج المدعي تزوج أختها قبل الوقت (الذي فيه) ادعى نكاحها.
فأما إذا أقامت بيّنة أنه تزوج أمها أو ابنتها قبل الوقت الذي ادعى نكاحها فيه فهذه
стр. 1149
المسألة والمسألة الأولى سواء على قول أبي حنيفة ﵀ يقضي بنكاح الحاضرة ولا يلتفت إلى بينتها. وعلى قولهما يوقف الأمران على حضور الغائبة.
وهذا الجواب من أبي حنيفة ﵀ لا يشكل فيما إذا ادعت الحاضرة أنه تزوج أمها؛ لأن ما ادعته الحاضرة من نكاح الأم ليس بسبب لثبوت ما تدعي على الزوج من فساد نكاح نفسها لا محالة لجواز أنه تزوج الأم قبل الابنة ثم طلقها قبل الدخول بها؛ لأن مجرد نكاح الأم لا يوجب حرمة الابنة، إنما يشكل فيما إذا أقامت البينة أنه تزوج ابنتها؛ لأن نكاح الابنة سبب لفساد نكاح (الأم) (أثبت) نكاح الأم لا محالة، وفي هذا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب فينبغي أن تقبل البينة على نكاح البنت.
والجواب: أن أصل نكاح الابنة ليس بسبب لفساد نكاح الحاضرة لا محالة؛ لأن نكاح الابنة إذا كان فاسداً ولم يدخل بها لم تحرم الأم، وإنما سبب فساد نكاح الحاضرة نكاح الابنة بوصف الصحة، وإذا لم يكن أصل نكاح الابنة سبباً لفساد نكاح الحاضرة لا تنتصب الحاضرة خصماً عن الغائبة في إثبات أصل نكاحها، ولا تنتصب خصماً في إثبات وصف الصحة وإن كان ذلك سبباً للفساد؛ لأن الوصف تبع للأصل.
ولو أقامت الحاضرة بينة على إقرار الزوج بذلك إن أقامت (٢١٩ب١) بينة على إقرار الزوج بنكاح الأم لا تقبل بينتها؛ لأن هذه البينة لا تلزم المشهود عليه حقّاً لأنه يمكنه أن يقول: نكحها ثم فارقتها قبل الدخول بها، حتى لو أقامت بينة على إقرار الزوج أنه تزوج أمهّا وأنها امرأته للحال تُقبل بينتها؛ لأنها تلزم المشهود عليه حقاً. وإن قامت البينة على إقرار الزوج بنكاح الابنة تقبل بينتها؛ لأنها قامت على خصم حاضر، وإنها تلزم على المشهود عليه حقاً؛ لأن مطلق إقرار الزوج بالنكاح ينصرف إلى نكاح صحيح. ونكاح الابنة متى صحّ كان سبباً لفساد نكاح الأم.
فرّق بين هذا وبينما إذا أقامت البينة على نفس نكاح الابنة حيث لا تقبل بينتها ولم يصرف مطلق الشهادة إلى النكاح الصحيح كما صرف مطلق الإقرار إلى النكاح الصحيح، والظاهر في الفصلين هو الصحة إلا أنه يحتمل الفساد، فتتمكن الشبهة، والشهادة لا تثبت مع الشبهة، والإقرار لا يبطل بالشبهة هذا إذا أقامت الحاضرة بينة أن الزوج تزوج أمها أوابنتها أو على إقرار الزوج بذلك ولم تتعرض للجماع.
أما إذا تعرضت لذلك وأقامت البينة أن الزوج تزوج بأمها (أو) ابنتها وجامعها، أو أقامت بينة على إقرار الزوج بذلك فرّقنا بينه وبين الحاضرة ولم يثبت نكاح الغائبة وقبلت هذه البينّة على جماع الغائبة لا على نكاح الغائبة، وهذا لأن دعوى نكاح الغائبة غير محتاج إليه عند دعوى الجماع فيما هو المقصود، وهو إثبات فساد نكاح الحاضرة؛ لأن جماع الأب يوجب حرمة الابنة سواء كان بصفة الحال أو بخلافه، فصار دعوى النكاح عند دعوى الجماع والعدم بمنزلته. وصار كأنها أقامت البينة على الجماع لا غير، وهناك لا تقبل بينتها لأن البينة على الجماع قامت على خصم وهو الزوج؛ لأن الجماع يتم بالزوج وحده من غير أن يوجد من المرأة فعل؛ لأن الزوج يجامعهما وهي نائمة، فكان
стр. 1150
الزوج خصماً في دعوى جماع الغائبة عليه، وجماع الغائبة سبب لما تدّعي الحاضرة من فساد نكاحها، بخلاف ما لو أقامت الحاضرة البينة على مجرد النكاح؛ لأن النكاح لا يتم بالزوج وحده وإنما يتم به وبقبولها، وقدر ما يوجد من الزوج وإن كان الزوج فيه خصماً إلا أنه يكفي لما ادعى الحاضرة من فساد نكاحها، وما يوجد من قبول الغائبة والزوج فيه ليس بخصم، فتلك البينة قامت على غير الخصم أماها هنا بخلافه.
ثم إذا قضى القاضي بجماع الغائبة هل يقضى لها بالمهر، حتى إذا حضرت أخذت الزوج بذلك من غير إعادة البنية؟ لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في «الكتاب» ، وإنما أشار إلى أنه يقضي، وعليه عامة المشايخ.
وكذلك إذا أقامت الحاضرة البينة على أن الزوج تزوج أمها أو ابنتها أو قبّلها بشهوة، أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا أقامت البينة أنه تزوجها وجامعها، وكذلك لو أقامت البينة على إقرار الزوج أنه قبّلها أو لمسها بشهوة ثم هذه المسألة دليل على أن الشهادة على التقبيل واللمس بشهوة مقبولة، وهذا فصل اختلف فيه المشايخ، وبعضهم قالوا: لا تقبل، وإليه مال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀.
ومعنى قول محمد ﵀ في «الكتاب» شهدوا أنه قبلها أو لمسها بشهوة على قول هؤلاء: شهدوا على إقرار الزوج بذلك بعضهم قالوا: تقبل، وإليه مال الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي ﵀. وهذه المسألة دليل على قول هؤلاء، ولا يمكن حمل المسألة على الشهادة على إقرار الزوج؛ لأن محمداً ﵀ ذكر فصل الشهادة على اللمس والتقبيل بشهوة أولاً، وعطف عليه فصل الشهادة على إقرار الزوج بذلك.
وفي «المنتقى» : إبراهيم عن محمد ﵀: رجل أقام بينّة على امرأة أنها امرأته، وأقامت المرأة بينة على رجل آخر أنها امرأته وهو يجحد فالبيّنة بيّنة الزوج. علل فقال: لأن شهود الزوج شهدوا عليها بالنكاح وبه يثبت إقرارها بنكاح هذا الرجل فإقرارها على نفسها أصدق من بينتها، قال: ألا ترى أنه لو أقام رجل على رجل البينة أني اشتريت منك ثوبك هذا وأقام صاحب الثوب بيّنة على آخر أني بعتك هذا الثوب وهو يجحد، والبينة بينة المدعي على صاحب الثوب، وطريقه ما قلنا.
قال: ولو كانت المرأة حين أقامت البينة على ذلك الرجل إذا ادعى الرجل نكاحها كانت البينة بينة المرأة. وهو كامرأة أقام عليها رجلان البينة على النكاح ولمن. لم يؤقتا فأيهما صدّقته المرأة فهو زوجها، هذا هو لفظ «المنتقى» .
قال في «الأصل» : إذا تبايع رجلان في امرأة كل واحد يدعي أنها امرأته، وأقام البينة، وإن كانت في بيت أحدهما أو كان دخل بها أحدهما فهي امرأته لأنه تمكنه من الدخول بها أو من نقلها إلى بيته دليل سبق عقده فيقضى له بالمرأة إلا إذا أقام الآخر بيّنة أنه تزوجها قبله فحينئذ يسقط اعتبار دليل السبق عند التصريح بالسبق وإن لم تكن في بيت واحد منهما ولا دخل بها أحدهما، فإن وقّتا فالوقت الأول أولى، فإن لم يوقتا أو وقتا
стр. 1151
وقتاً واحداً، فالذي زكيت بينته فهو أولى، وإن زكيت البينتان تسأل المرأة عن ذلك، وإن لم تقر المرأة بنكاح أحدهما فرّق بينها وبينهما.
وإن أقرت لأحدهما أنه تزوجها قبل الآخر أو أنه تزوجها دون الآخر، فهي امرأته إلا إذا أقام الآخر بينة أنه تزوجها قبل هذا، وهذا لأن العمل بالبينتين متعذر فيسقط اعتبارهما، فبقي تصادق أحد الرجلين مع المرأة فثبت النكاح بينهما بتصادقهما. إذا لم تقر المرأة لأحدهما حتى فرّق بينها وبينهما إن لم يكن دخلا بها فلا مهر لها. وإن كان قد دخلا بها ولا يدرى أيهما أول فعلى كل واحد منهما الأقل ممّا سمى له ومن مهر المثل وإن جاءت بولد فهو ابنهما يرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل ويرثانه ميراث أب واحد. وإن ماتت في هذه الصورة وهو ما إذا لم تقرّ بنكاح أحدهما كان على كل واحد منهما نصف ما سمى لها من المهر وكان ميراث الزوج من تركتها بينهما نصفان. وإن (لم) تمت هي ولكن مات أحد الرحلين، فإن قالت المرأة: هذا الميت هو الأول فهي للأول، ولها في ماله المهر والميراث؛ لأن تصديقها بعد موت الزوج كتصديقها في حال حياته، فثبت نكاح هذا (٢١٩ب١) بتصادقهما وانتهى بالموت.
وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف ﵀ في عشرة ادعوا نكاح امرأة قال: إن كان دخل بها أحدهم فهي امرأته، وإن ادعت هي واحد منهم فهو زوجها. وإن واحد دخل بها ولا يعرف هو ولم تدع هي واحداً منهم، فلها على كل واحد منهم نصف مهر، وإن ماتوا كان لها عشر مهر كل واحد منهم ولها عشر ميراث امرأة من كل واحد منهم. وإن ماتت هي كان على كل واحد منهم عشر مهر ولهم ميراث زوج بينهم إذا تصادقوا أنهم لا يعلمون.
رجلان ادعيا نكاح امرأة وهي ليست في يد أحدهما، فأقرت لأحدهما فهي للمقر له، فإن أقام الآخر بعد ذلك بينة على النكاح فصاحب البينة أولى. ولو أقاما البينة بعدما أقرّت لأحدهما فإن وقّتا فالوقت الأول أولى، وإن لم يوقتا فالذي زكيت بينته أولى، فإن زكيت بينتهما، فعند بعض المشايخ يقضى للذي أقرت له بالنكاح سابقاً وهو الأقيس، وعند بعض المشايخ لا لواحد منهما، وإليه أشار في «أدب القاضي» للخصاف في باب الشهادة على النكاح.
ذكر القاضي الإمام علي السغدي ﵀ في «شرح المبسوط» : إذا تنازع اثنان في امرأة، وكل واحد يقيم البينة أنها امرأته، وإن أرّخا وتاريخهما سواء ولا يد لواحد منهما عليها أو لكل واحد منهما يد عليها ولم يؤرخا، فإنه لا تقبل بينتهما، وكذا إذا أرّخا على السواء ولأحدهما يد عليها يقضى له وتترجح بينته بحكم اليد، وكذا إذا أرّخا على السواء فأقرت لأحدهما يقضى للمقر له لأن الإقرار بمنزلة اليد، وإن أرخا على السواء ولا يد لواحد منهما ولم تقر هي لأحدهما فرّق بينهما وبينها، فإن كان قبل الدخول لا يقضى لها بشيء من المهر على أحدهما. وإن تنازعا بعد موتها فهذا أيضاً على وجوه، ولا يعتبر فيه الإقرار واليد. فإن سبق تاريخ أحدهما قضي له بالميراث، وإن كان
стр. 1152
تاريخهما على السواء أو لم يؤرخا يرثان ميراث زوج واحد ويكون بينهما وعلى كل واحد نصف المهر.
وذكر هو في موضع آخر إذا ادعى كل واحد منهما أنه تزوجها أولاً وأقاما البينة، فإن القاضي لا يقبل واحدة من البينتين يترجح على صاحبها بإحدى معان ثلاثة:
إما بإقرارها أو بكونها في بيت أحدهما أو بكونها مدخولة لأحدهما ولم يفصل بينما إذا أقرّت لأحدهما قبل إقامة البينة أو بعدها إلى هذا من حاشيته.
ادعيا نكاح امرأة وهي تجحد وليست في يد أحدهما، فأقام أحدهما البينة على النكاح وأقام الآخر البينة على النكاح وعلى إقرار المرأة له بالنكاح لا تترجح بينة من يدعي إقرارها بالنكاح؛ لأن الآخر ببينته أثبت نكاحها وبه يثبت إقرارها بالنكاح للآخر فاستوت البينتان في إثبات الإقرار معنى، وقيل: تترجح بينة من يدعي إقرارها؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت عياناً، من يدعي إقرارها لأحدهما بعدما أقاما البينة كان المقر له أولى. وما يقول بأن الآخر أثبت إقرار المرأة، قلنا: نعم ولكن في ضمن إثبات النكاح، وهذا أثبتَ إقرارها قصداً، ولا شك أن اعتبار القصدي أولى من اعتبار الضمني.
ادعيا نكاح امرأة وهي ليست في يد أحدهما وأقاما البينة من غير تأريخ، وسئلت المرأة عن ذلك ولم تقر لأحدهما حتى تهاترت البينتان، ثم أقام أحدهما البينة على إقرارها له بالنكاح قضي له بالنكاح كما لو أقرت لأحدهما بالنكاح بعدما أقاما البينة عياناً.
ادعى رجل نكاح امرأة وهي ليست في يد أحد، وأقام بينة على دعواه قضيتُ له بالمرأة، فإن جاء رجل آخر وأقام بينة على مثل ذلك لم أحكم له بها إلا إذا شهد شهود الثاني أنه تزوجها قبل الأول؛ لأن دعوى النكاح بمنزلة دعوى الشراء، ومن ادعى الشراء في عين من رجل وقضي له بها ثم ادعى آخر الشراء في ذلك العين من ذلك الرجل لا يقضى للثاني كذا هنا.
ادعى نكاح امرأة وهي في يد رجل، فأقام المدعي البينة على ذلك وقضى القاضي له بالنكاح ثم أقام صاحب اليد بعد ذلك بينة على النكاح من غير ذكر تاريخ يقضى لصاحب اليد عند بعض المشايخ؛ لأن يده دليل على سبق نكاحه، فصار كما لو أقام بينته على النكاح بتاريخ سابق صريحاً، وبعض مشايخنا قالوا: ينبغي أن لا تسمع بينة صاحب اليد في هذه الصورة. وإليه مال الصدر الشهيد والدي تغمده الله بالرحمة والرضوان، وعلى قول من يقول: تسمع بينة صاحب اليد لو أقام الخارج بعد ذلك بينة على أنه تزوجها قبل صاحب اليد يقضى للخارج، وفي «الحاوي» : إذا شهد الشهود بعد الدعوى والإنكار أنها امرأته وحلاله، ولم يقولوا: إنه تزوجها قبل لا تقبل الشهادة ما لم يشهدوا على العقد.
قال: وفي كتاب الحدود إشارة إلى أنها تقبل، فإن محمداً ﵀ قال: إذا قال المشهود عليه بالزنا: إني قد تزوجتها أو قال: هي امرأتي درىء الحد سوّى بين الأمرين فدلّ أنهما واحد فتقبل.
стр. 1153
ادعى رجل نكاح امرأة وهي في يد آخر وأقرّت المرأة للمدعي ثم أقاما البينة بدون التاريخ. بعض مشايخنا قالوا: يُقضى للخارج بحكم الإقرار، وقال بعضهم: يقضى لصاحب اليد، فلو أنها ما أقرت للخارج حتى أقام الخارج البينة على النكاح وأرّخ شهوده وأقام ذو اليد بينة على النكاح مطلقاً من غير ذكر تاريخ إن أقام ذو اليد بينة على أنها امرأته ومنكوحته كانت بينة الخارج أولى كما في دعوى الملك. وإن أقام بينة على أنه تزوجها كانت بينة ذي اليد أولى، فإن لم يؤرخ فكأن يده دليل سبق نكاحه، هكذا حكي عن بعض مشايخنا وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن تكون بينة ذي اليد أولى على كل حال؛ لأن السبب متعين في باب النكاح فيصير مذكوراً لا محالة، ولأجل هذا المعنى قلنا: إن من ادعى على امرأة أنها امرأته بسبب النكاح وشهد الشهود مطلقاً أنها امرأته تقبل الشهادة؛ لأن السبب لما كان متعيناً في باب النكاح صار هو مذكوراً في الشهادة.
ولو أقام الخارج بينة على النكاح وأرّخ شهوده وأقام بينة على إقرار ذي اليد أن نكاح (ذي) اليد كان في وقت كذا، ولكن وقّتا بعد تاريخ بينة الخارج كانت بينة الخارج أولى، فتندفع به بينة ذي اليد إلا إذا وقت ذو اليد فقال تزوجتها قبل تزوج الخارج ثم جددنا العقد بعد ذلك التاريخ، فحينئذ (٢١٩ب١) لا تدفع بيّنة ذي اليد بينة الخارج، فكانت بينة الخارج أولى.
رجل ادعى امرأة في يد رجل أنها امرأته، وأقام على ذلك بينة، وأقام الذي في يديه بينة أنها امرأته، قال بعض مشايخنا: إن ادعى كل واحد أنها امرأته مطلقاً ولم يذكر أنه تزوجها لا يقضى لذي اليد بل يقضى للخارج إن ذكر كل واحد منهما أنه تزوجها والشهود شهدوا كذلك يقضى لصاحب اليد، وهذا القائل قاس هذا على دعوى الملك، فإن الخارج مع ذي اليد إذا ادعيا مُلك عين ملكاً مطلقاً وأقاما البينة على ذلك يقضى للخارج.
ولو ادعيا الشراء من رجل واحد وأقاما البينة يقضى لصاحب اليد، ومنهم من قال يقضى لصاحب اليد على كل حال؛ لأن السبب متعين في دعوى المرأة وهو التزوج، فصار ذلك مذكوراً في الدعوى، ولا كذلك ملك العين.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀. سئل ابن سلمة عن امرأة ادعت على رجلٍ أنه تزوجها فأنكر، قال: قال أبو يوسف ﵀: يحلف بالله ما هي بزوجة له وإن هي زوجة له فهي طالق بائن، أما الاستحلاف على النكاح فهو مذهبهما وهو المختار، اختاره الفقيه أبو الليث ﵀ رفقاً بالناس، وأما ضمّ الحلف بالطلاق إلى الحلف على النكاح، فلأنه يجوز أن يكون كاذباً في الحلف على النكاح، وبجحوده لا يقع الطلاق فتبقى معلقة، فيضم إليه الحلف بالطلاق حتى لا تبقى معلقه لو كان كاذباً في الحلف على النكاح.
وفي «الجامع الأصغر» قال: حَلَفَ متى حلف ولا بينة لها فالقاضي يقول: فرقت بينكما وما لم يقل ذلك لا تقع الفرقة.
ولو ادعى رجل على امرأة نكاحاً والمرأة في نكاح الغير ولا بينة للمدعي يستحلف
стр. 1154
الزوج والمرأة، فيبدأ بيمين الزوج فيحلف بالله ما يعلم أنها امرأة هذا المدعي. وإن حلف انقطع دعوى المدعي، وإن نكل تحلف المرأة على الثبات بالله ليست امرأة لهذا المدعي فإن نكلت قُضي عليها بالنكاح.
وفي دعوى «الفتاوى» عن محمد ﵀ فيمن تزوج امرأة وابنتها في عقدتين ثم قال: لا أدري السابق منهما إذا ادعيا السبق يحلف بكل واحدة منهما أنه تزوجها قبل صاحبتها، بأيهما شاء بدأ وإن شاء أقرع، فإن حلف لإحداهما ثبت نكاح الأخرى وإن نكل لزمه وبطل نكاح الأخرى.
وسئل نصر عن رجلين ادعيا نكاح امرأة فأقرت هي لأحدهما، قال: ليس للآخر أن يحلفها ما لم يحلف الذي أقرت هي له به، فإن حلف برىء، وإن نكل عن اليمين يفرق بينهما ثم حلف المرأة، فإن حلفت برئت وإن نكلت عن اليمين صارت زوجة له.
بشر بن الوليد عن أبي يوسف ﵀: إذا تزوج العبد حرة ثم ادعى أن المولى لم يأذن له في النكاح، وقالت المرأة قد أذن له فإني أفرق بينهما لإقراره بفساد النكاح، قال: ولا أصدقه في إبطال المهر وألزمه الساعة إن كان دخل بها ولها النفقة ما دامت في العدة وإن لم يدخل بها جعلت لها نصف المهر. وكذلك لو قال: لا أدري أذن لي أم لم يأذن.
قال: محمد ﵀ في «الجامع» : رجل تزوج امرأة ثم أقرّ بعدما تزوجها أن فلاناً كان تزوجها قبلي إلا أنه طلقها وانقضت عدتها ثم تزوجتها بعد ذلك، وقالت المرأة: إن فلاناً تزوجني قبلك وهو زوجي في الحال ولا نكاح بيني وبينك وفلان المقر له غائب، فالقاضي لا يفرق بين المرأة وبين الزوج الثاني في الحال، فإن حضر الغائب وأقرّ بالنكاح وأنكر الطلاق قضي بالمرأة للذي حضر؛ لأن نكاح الذي حضر ثبت بتصادق الكل ولم يثبت طلاقه لما أنكر الطلاق، فظهر أن الثاني تزوجها وهي منكوحة الأول، فلم يصح نكاح الثاني فيفرق بين الثاني وبين المرأة ويقضى بالمرأة للأول.
ثم ننظر إن كان الثاني لم يدخل بها كان للأول أن يقربها للحال؛ لأنها امرأته ولم تجب عليها العدة عن الغير، وإن كان الثاني قد دخل بها فليس للأول أن يدخل بها للحال؛ لأنه وجب عليها العدة من الثاني؛ لأنه وطئها بشبهة النكاح ولا يجوز وطء معتدة الغير كما لا يجوز وطء منكوحة الغير. ونكاح الأول على حاله وإن صارت معتدة عن الثاني؛ لأن العدة تمنع ابتداء النكاح أما لا تمنع بقاءه وإن أقرّ الذي حضر بالطلاق وانقضاء العدة كما قاله الزوج الثاني، وأنكرت المرأة الطلاق وانقضاء العدة فإن الطلاق يقع عليها من الأول حين أقر بالطلاق، وتجب عليها العدة منذ يوم أقر للأول بطلاقها، ويفرق بينها وبين الزوج الثاني؛ لأن الذي حضر أقرّ بالطلاق وأسند الطلاق إلى وقتٍ ما مضى، فيصدّق في حق الطلاق ولا يصدق في الإسناد عند تكذيب المرأة إياه في الإسناد لما في الإسناد من إبطال حقها في النفقة والسكنى ويقع الطلاق في الحال وتجب العدة في الحال.
стр. 1155
فإن قيل: وجد من المرأة التصديق في هذا الإسناد لما أقدمت على تزويجها من الزوج الثاني. قلنا: هذا التصديق لم يقع معتبراً؛ لأنه وجد في غير أوانه؛ لأنه وجد قبل إقرار الأول بالطلاق؛ لأن التصديق منها يقتضي إقدامها على النكاح الثاني، وذلك قبل إقرار الأول بالطلاق، وما وجد في غير أوانه فوجوده وعدمه سواء، ثم إذا لم يعتبر الإسناد في هذه المسألة ووقع الطلاق للحال ظهر أن الثاني تزوجها وهي امرأة الأول، فيفرق بينهما وإن صدقت المرأة الزوج الذي حضر في الطلاق، وانقضاء العدة لم يفرق بينها وبين الثاني؛ لأنا إنما لا نصدق الذي حضر في الإسناد، لحق المرأة فإذا وجد التصديق منها ثبت الإسناد وظهر أن الزوج الثاني تزوجها بعدما طلقها وانقضت عدتها.
فإن قيل: ينبغي أن لا يصدقا لحق الله تعالى؛ لأن في العدة حق الله. قلنا: نعم إلا أن المعتدة في حقوق الله تعالى أمنية والأمين إذا أخبر عما اوئتمن فيه وهو محتمل الصدق فإنه يصدق.
وحكي عن الشيخ الإمام الزاهد عبد الواحد الشيباني ﵀ أنه كان يفتي في الزوجين يتصادقان على الطلاق وانقضاء العدة أنهما لا يصدقان على إبطال العدة، وعليها أن تعتد من وقت الإقرار وإن كان جواب هذا الكتاب والإقرار أنهما يصدقان، وكان يحتاط بهذا الجواب دفعاً للحيل الباطلة ورداً للعادة القبيحة. وإن أنكرت المرأة نكاح الغائب أصلاً والمسألة (٢٢٠أ١) بحالها فهي امرأة الثاني.
ولو أن هذا الزوج قال: كان لها زوج قبلي ولم يسمه بل أبهمه إبهاماً طلقها وانقضت عدتها ثم تزوجها وقالت المرأة: نعم كان لي زوج قبلك إلا أنه لم يطلقني، فالقاضي لا يفرق بينها وبين الزوج الثاني، فإن جاء رجل وادعى نكاحها وأقرت المرأة به وقالا: يعني المرأة والذي حضر: هذا هو الذي أقرّ به الزوج الثاني، وأنكر الثاني ذلك فالقول قول الزوج الثاني، لأنه أقر بمجهول والإقرار للمجهول لا يصح، فإذا جاء رجل وادعى كان هذا بمنزلة ابتداء الدعوى من غير تقدم الإقرار، فيكون القول في إنكار نكاحه قول الزوج الثاني.
قال: ولا يمين على الزوج الثاني في قياس قول أبي حنيفة ﵀، وفي قياس قولهما يستحلف، فإن حلف فهي امرأة الثاني، وإن نكل فرق بين المرأة والزوج الثاني وقضى بها للذي حضر. وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن يستحلف الزوج الثاني ههنا بلا خلاف؛ لأن الدعوى ههنا في التفرقة. ألا ترى لو نكل الزوج الثاني يفرق بينه وبين المرأة، والاستحلاف يجري في دعوى الفرقة بلا خلاف فإن المرأة إذا ادعت الطلاق على الزوج وأنكر الزوج الطلاق يستحلف بلا خلاف.
فإن قيل: وجد من المرأة التصديق في هذا الإسناد لما أقدمت على تزويجها من الزوج الثاني. قلنا: هذا التصديق لم يقع معتبراً؛ لأنه وجد في غير أوانه؛ لأنه وجد قبل إقرار الأول بالطلاق؛ لأن التصديق منها يقتضي إقدامها على النكاح الثاني، وذلك قبل إقرار الأول بالطلاق، وما وجد في غير أوانه فوجوده وعدمه سواء، ثم إذا لم يعتبر الإسناد في هذه المسألة ووقع الطلاق للحال ظهر أن الثاني تزوجها وهي امرأة الأول، فيفرق بينهما وإن صدقت المرأة الزوج الذي حضر في الطلاق، وانقضاء العدة لم يفرق بينها وبين الثاني؛ لأنا إنما لا نصدق الذي حضر في الإسناد، لحق المرأة فإذا وجد التصديق منها ثبت الإسناد وظهر أن الزوج الثاني تزوجها بعدما طلقها وانقضت عدتها.
فإن قيل: ينبغي أن لا يصدقا لحق الله تعالى؛ لأن في العدة حق الله. قلنا: نعم إلا أن المعتدة في حقوق الله تعالى أمنية والأمين إذا أخبر عما اوئتمن فيه وهو محتمل الصدق فإنه يصدق.
وحكي عن الشيخ الإمام الزاهد عبد الواحد الشيباني ﵀ أنه كان يفتي في الزوجين يتصادقان على الطلاق وانقضاء العدة أنهما لا يصدقان على إبطال العدة، وعليها أن تعتد من وقت الإقرار وإن كان جواب هذا الكتاب والإقرار أنهما يصدقان، وكان يحتاط بهذا الجواب دفعاً للحيل الباطلة ورداً للعادة القبيحة. وإن أنكرت المرأة نكاح الغائب أصلاً والمسألة (٢٢٠أ١) بحالها فهي امرأة الثاني.
ولو أن هذا الزوج قال: كان لها زوج قبلي ولم يسمه بل أبهمه إبهاماً طلقها وانقضت عدتها ثم تزوجها وقالت المرأة: نعم كان لي زوج قبلك إلا أنه لم يطلقني، فالقاضي لا يفرق بينها وبين الزوج الثاني، فإن جاء رجل وادعى نكاحها وأقرت المرأة به وقالا: يعني المرأة والذي حضر: هذا هو الذي أقرّ به الزوج الثاني، وأنكر الثاني ذلك فالقول قول الزوج الثاني، لأنه أقر بمجهول والإقرار للمجهول لا يصح، فإذا جاء رجل وادعى كان هذا بمنزلة ابتداء الدعوى من غير تقدم الإقرار، فيكون القول في إنكار نكاحه قول الزوج الثاني.
قال: ولا يمين على الزوج الثاني في قياس قول أبي حنيفة ﵀، وفي قياس قولهما يستحلف، فإن حلف فهي امرأة الثاني، وإن نكل فرق بين المرأة والزوج الثاني وقضى بها للذي حضر. وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن يستحلف الزوج الثاني ههنا بلا خلاف؛ لأن الدعوى ههنا في التفرقة. ألا ترى لو نكل الزوج الثاني يفرق بينه وبين المرأة، والاستحلاف يجري في دعوى الفرقة بلا خلاف فإن المرأة إذا ادعت الطلاق على الزوج وأنكر الزوج الطلاق يستحلف بلا خلاف.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: هذا هو الصحيح أن الزوج الثاني يحلف بالإجماع؛ لأنه استحلاف على الفرقة، وأبو حنيفة ﵀ يرى ذلك ومحمد ﵀ في «الكتاب» يقول في قياس قول أبي حنيفة ﵀ ولم يقل في قول أبي حنيفة ﵀ فيكون هذا تخريجاً على قول أبي حنيفة ﵀، ويجوز أن محمداً أخطأ في هذا التخريج فلا يسلم هذا التخريج على قول أبي حنيفة ﵀.
стр. 1156
وقال شيخ الإسلام ﵀: الأول أصح؛ لأن أبا حنيفة ﵀ إنما يرى التحليف على الفرقة إذا وقع الدعوى في الفرقة مقصوداً كما في المسألة التي ذكرها، والدعوى ههنا ما وقع في الفرقة مقصوداً إنما وقع في النكاح؛ لأن الذي حَضَرَ لا يدعي الفرقة على الثاني إنما يدعي نكاح نضعه إلا أنه متى نكل الثاني وثبت نكاح الذي حضر يجب التفريق بين المرأة وبين الزوج الثاني حكماً لثبوت نكاح الذي حضر لا أصلاً ومقصوداً.
والأصل في هذا الباب دعوى النكاح، ودعوى الفرقة تبع، والتبع ليس له حكم نفسه إنما له حكم الأصل فإذا لم يجزىء الاستحلاف فيما هو الأصل وهو النكاح لا يجزىء فيما هو التبع له وهو الفرقة، ولو أن المدعي في ابتداء الدعوى أقام البينة على طلاق الغائب، فالقاضي يقبل بينته ويقضي بالمرأة للمدعي ويتعدى القضاء إلى الغائب حتى لو حضر (و) أنكر الطلاق لا يحتاج إلى إعادة البينة.
ولو شهد شاهدان أنه مات وهي امرأته ووارثته وقضى القاضي لها بالميراث، ثم شهد آخر أن الميت كان طلقها ثلاثاً في صحته هل تقبل بينة الطلاق؟ أشار في «السير الكبير» أنها تقبل. والمذكور في «السير» : رجل مات فجاءت امرأة وادعت أنها امرأة الميت ووارثته فأنكر ولد الميت نكاحها فأقامت بينة أنه مات وهي امرأته ووارثته ولا وارث له من النساء غيرها وقضى القاضي لها بالميراث واستهلكته. ثم أقام الولد بينة أن الميت قد كان طلقها ثلاثاً في صحته، فإن الضمان فيه على المرأة، فلا يجب على الشاهدين ولولا أن بينة الطلاق مقبولة وإلا لما وجب الضمان على المرأة. وهذه المسألة قبلت بينة الطلاق تؤيد قول القاضي الإمام في المسألة المتقدمة لأن في هذه المسألة قبلت بينة الطلاق مع أن شهود النكاح شهدوا بالنكاح يوم الموت، فلأن تكون بينة الطلاق أولى في تلك المسألة، وشهود النكاح لم يشهدوا بالنكاح يوم الموت كان أولى في تلك المسألة، ثم إنما قبلت بينة الطلاق في مسألة «السير» لأن قول شهود النكاح: مات وهي امرأته غير محتاج إليها للقضاء بالميراث، فإنهم لو قالوا: كانت امرأته فالقاضي يقضي لها بالميراث، وما لا يحتاج إليه في الشهادة وجوده وعدمه بمنزلة، ولو لم يقولوا: وهي امرأته كان تقبل بينة الطلاق دون بينة النكاح كذا ههنا.
وفي «فتاوى الفضلي» ﵀ سئل عن (رجل) مات فشهد شاهدان أن هذه المرأة كانت امرأته، وشهد آخران أنه كان طلقها قبل الموت قال: بينة النكاح أولى لأنه..... كأنه طلقها ثم تزوجها، وقال القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ بينة الطلاق أولى؛ لأنها ثبتت زيادة أمر وهو الطلاق بعد النكاح، وفي «مجموع النوازل» : إذا شهد أحد الشاهدين أنها زوجت نفسها منه، وشهد الآخر أن وليها زوجها برضاها لا تفيد لاختلافها لفظاً ومعنى.
стр. 1157
ولو ادعى هذا المدعي بعد هذه الدعوى أنها زوجت نفسها منه ثم شهد بذلك شاهدان تقبل ولا يتحقق التناقض؛ لأنه يمكنه أن يقول: تزوجها مدة بتزويج الولي إياها منّي وتزوجتها مرة أخرى بتزويجها نفسها منّي.
وفيه أيضاً: إذا أقامت المرأة بينة على الطلقات الثلاث، وأقام الزوج بينة في دفع دعواها عليها أنها أقرّت أنها اعتدت بعد طلقاته الثلاث، فتزوجت بزوج آخر ودخل بها ثم طلقها وانقضت عدتها، ثم تزوجته وهي حلال له هل يصح دعواه عليها على هذا الوجه؟ قال: لا لأن أكثر ما فيه أنه ثبت بهذه البينة أنها مبطلة في دعواها إلا أن دعواها ليس بشرط لسماع البينة القائمة على الحرمة وصحتها. قال: هو نظير ما لو أقامت البينة أنه طلقها ثلاثاً وادعى في دفع دعواها أنها أقرت أنها استأجرت هؤلاء الشهود ليشهدوا لها بذلك زوراً، لا يبطل ما أقامت من البينة على الطلقات الثلاث لأنه وإن ثبت ببينة الزوج بطلان دعواها وإقرارها بكذب الشهود إلا أن دعواها ليس بشرط لسماع البينة على الحرمة.
ادعى على امرأة نكاحاً، فشهد الشهود بهذا اللفظ باهر دور أذن وشوى داتست أيم، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم؛ لأن هذا بمنزلة ما لو قالوا: نشهد فيما نعلم، وذلك غير مقبول عند أبي حنيفة ﵀. وكذلك لو شهدوا فقالوا: إنسان جنان ناشيده ايدكي رنان وشوبان باشند لا تقبل شهادتهم.
إذا ادعى على امرأة نكاحاً وأقام على ذلك بينة ثم إن المرأة ادعت عليه على وجه الدفع أنك أقررت في حال جواز إقرارك طائعاً أنك خالعتني ووقعت الفرقة بيننا (٢٢٠ب١) بالخلع ولم يبق بيننا نكاح وأقامت على ذلك بينة، فهذا دفع صحيح ويجعل كأن المدعي تزوجها ثم خالعها، فهذا من باب العمل بالبينتين وسواء كان هذا الدفع قبل القضاء بالنكاح أو بعده؛ لأن إقامة البينة على الخلع يقرر النكاح السابق.
رجل ادعى النكاح على امرأة وهي تنكر وحلفت على دعواه لا يحل للرجل أن يتزوج بأختها وأربع سواها، لأن في زعم الرجل أن النكاح ثابت وأن المرأة كاذبة في إنكارها، وزعمه معتبر في حقّه، وكذلك لو ادعت امرأة النكاح على رجل وحلف الرجل لا يحل لها أن تتزوج بزوج آخر؛ لأن في زعم المرأة أن الرجل كاذب وأني منكوحته.
رجل ادعى على امرأة النكاح والمرأة تجحد نكاحه وتقر بالنكاح لرجل آخر فأقام المدعي بينة على دعواه فلم تظهر عدالة الشهود، فالقاضي يسلّم المرأة إلى المقر له، وهذا إذا قال المدعي: لا بينة لي سوى هذه البينة. وأما إذا قال: لي بينة أخرى فالقاضي لا يسلمها إلى المقر له بل يحول بينها وبين المقر له إلى أن يظهر عجز المدعي عن إقامة البينة.
امرأة ادعت على رجل النكاح والرجل يجحد فأقامت المرأة شاهدين شهد أحدهما أن هذا الرجل أقرّ أن هذه المرأة امرأتي وشهد الآخر أنه أقرّ أنها كانت امرأتي تقبل هذه الشهادة. وكذلك إذا شهد أحدهما أنها كانت امرأته وشهد الآخر أنها امرأته وشهد
стр. 1158
أحدهما بالفارسية ابن زن وى است وشهد الآخر اين زن وى تودست تقبل لأن الذي شهد أنها كانت امرأته شاهد أنها امرأته للحال، ألا ترى أن في دعوى ملك الأعيان، لو شهد أحد الشاهدين أن هذه العين كان ملك هذا المدعي وشهد الآخر أنه ملكه تقبل شهادتهما، ولو كان الزوج يدعي أنها كانت امرأته وشهد الشهود أنها امرأته ينبغي أن لا تقبل هذه الشهادة كما في دعوى ملك العين، فإن من ادعى عيناً في يد إنسان أنه ملكه وشهد الشهود أنها ملكه أو ادعى أنه كان له وشهد الشهود أنه له لا تقبل هذه الشهادة عند أكثر المشايخ وهو الأصح.
رجل ادعى النكاح على امرأة وهي تجحد وتقول: إن لي زوجاً في بلد كذا وسمت ذلك الزوج أو لم تسمِّ، فأقام الرجل بينة على دعواه، فالقاضي يقضي بالنكاح عليها، ولا يكون إقرارها بالنكاح لغير هذا المدعي مانعاً من القضاء ببينة المدعي.
تزوج امرأة بشهادة شاهدين ثم أنكرت المرأة النكاح وتزوجت بآخر وقد مات شهود الأول ليس للزوج الأول أن يخاصم المرأة، لأن المخاصمة للتحليف والمقصود من التحليف النكول الذي هو إقرار، ولو أقرت صريحاً بنكاح الأول بعدما تزوجت بالثاني لا يصح إقرارها ولكن الزوج الأول يخاصم الزوج الثاني ويحلفه، فإن نكل حتى صار مقرّاً ببطلان نكاحه الآن يخاصم المرأة ويحلفها، وقد ذكرنا تمام المسألة قبل هذا.
في «واقعات الناطفي» : لو أقام رجل بينة على امرأة، أن أباها زوجها منه قبل بلوغها وأقامت المرأة بينة أنه زوجها منه بعد البلوغ بغير رضاها، فبينتها أولى لأن البلوغ معنى خاف يثبت ببينتها فكانت بينتها أكثر إثباتاً ثم يثبت فساد النكاح ضرورة.
وفي «فتاوى الفضلي» ﵀: تزوج الرجل امرأة ودخل بها ثم ادعت بعد الدخول أنها قد ردت النكاح حين زوجها الأب وأقام على ذلك بينة تقبل بينته. قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : الصحيح أن لا تقبل بينته لأن التمكين قائم مقام الإقرار. ولو ادعت الرد بعد الإقرار لا تسمع دعواها الرد ولا تقبل بينتها على ذلك كذا ههنا.
وفي هذا الموضع أيضاً إذا زوج الرجل وليّته فردت النكاح، فادعى الزوج أنها صغيرة وادعت هي أنها بالغة، فالقول قولها إذا كانت مراهقة لأنها إذا كانت مراهقة، فقد أخبرت عما هو محتمل للثبوت فيقبل قولها لأنها تنكر معنىً. وإن كانت مدعية صغيرة؛ لأنها تنكر وقوع الملك عليها.
والشهادة على النكاح بالشهرة والتسامع جائز. وفي «المنتقى» : الشهادة على المهر بالتسامع يجوز. وفي «الإملاء» عن محمد ﵀ أن الشهادة على المهر بالتسامع لا تجوز. وأما الشهادة على الدخول بالشهرة والتسامع فقيل: لا يجوز، وإذا أرادت المرأة إثبات تأكد المهر ينبغي أن تثبت الخلوة الصحيحة بالبينة، وقد قيل: يجوز الشهادة بالشهرة والتسامع، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي ﵀، وهكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» .
стр. 1159
ادعى النكاح على امرأة فشهد الشهود بهذا اللفظ كواهي ميد هم كه جوف بدروي يزني دأدر وإذا شت نكاح بدربا، قال بعض مشايخنا: لا تقبل الشهادة لأنهم شهدوا على الرضا بالنكاح، وهذا سهو ينبغي أن تقبل الشهادة لأنهم شهدوا على النكاح وعلى رضاها بالنكاح وحيث قالوا: جون بدررا بزني دأد رواداشت نكاح بدررا ادعى النكاح بمحضر من الشهود لا بد وأن يذكر سماع الشهود كلام المتعاقدين؛ لأن بين العلماء اختلافاً في أن سماع الشهود كلام المتعاقدين هل هو شرط، والأصح أنه شرط فلا بد من ذكره لتصحّ الدعوى.
شهدا أنه زوج ابنته فلانة من فلان إلا أنهما قالا: نحن لانعرفها بوجهها، فإن لم يكن له إلا ابنة واحدة، أو كانت له ابنتان أو ثلاثة إلا أنه ليس له بهذا الاسم إلا واحدة فالشهادة جائزة، وإن كانت له ابنتان كبرى وصغرى فشهد شاهدان أنه تزوج ابنته الكبرى من هذا وقالا: نحن لا نعرف الكبرى بوجهها فالشهادة جائزة. ويقضي القاضي بالنكاح، وإذا أحضر المدعي بعد ذلك امرأة ويدعي أنها هي الكبرى، فالقاضي يأمره بإقامة البينة على أنها هي الكبرى.
وفي إقرار «المنتقى» : امرأة ادعت على رجل أنه تزوجها، وقال الرجل: ما فعلت ثم قال: بلى فعلت فهو جائز، وكذلك ادعى الرجل النكاح وجحدت المرأة ثم أقرت، ولو كانت المرأة بدأت بالدعوى فقالت: زوجني إياك أبي، فقال قد فعلت إلا أني قد رددت النكاح ثم قال بعد ذلك قد كنت أجزته فلا نكاح بينهما إلا أن تعود المرأة إلى تصديقه فيجوز حينئذ، قال: وليس إنكاره النكاح كادعائه الفسخ، ألا ترى أنه لو أقامت بيّنة على رجل أن أباها زوجها إيّاه وقد رضي بالنكاح، فقال الرجل: زوجني إياها إلا أني قد فسخت النكاح ولم أقبل، فإني أفرّق بينهما وألزمه نصف المهر. ولو بدأ (٢٢١أ١) الزوج فقال قد زوجني إياك أبوك، فقالت قد فعل إلا أني قد رددت أو قالت لم يفعل ثم قالت قد فعل ورضيت لزمها في الوجهين. وفي كتاب الدعوى من «المنتقى» ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀ في رجل مع امرأة لها منه أولاد وهي معه في منزله يطؤها وتلد له سنيناً ثم أنكرت أن تكون امرأته، قال: إذا أقرت أن هذا الولد ولده منها فهي امرأته، وإن لم يكن بينهما ولد وإنما كانت معه على هذا الحال فالقول قولها.
وفيه أيضاً: ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها ثم أنكرت ثم مات الرجل، فجاءت تدعي ميراثه فلها الميراث، وكذلك لو كانت المرأة ادعت النكاح وأنكر الزوج ثم ماتت المرأة فجاء الرجل لطلب ميراثها وزعم أنه تزوجها فله الميراث.
وفي إقرار «الأصل» : إذا أقرّ رجل أنه تزوج فلانة بألف وصدقته المرأة بعدما مات عمل تصديقها حتى كان لها المهر والميراث. ولو أقرّت المرأة أنها تزوجت فلاناً بألف درهم فصدقها الزوج بعد موتها عمل تصديقه عندهما حتى يرث منها. وعند أبي حنيفة ﵀ لا يعمل تصديقه حتى لا يرث منها.
ادعى أنها امرأته وشهد الشهود أنه تزوجها في شهر كذا تقبل، وعلى العكس لا
стр. 1160
تقبل. شهد أحد الشاهدين أنه تزوجها وشهد الآخر أنها وهبت نفسها منه تقبل الشهادة؛ لأن لفظ الهبة صارت كناية عن التزويج مجازاً، ولو شهد أحدهما أنه نكحها وشهد الآخر أنه تزوجها تقبل الشهادة، وقيل: لا تقبل شهادتهما؛ لأن النكاح يستعمل في الوطء، وهذا القائل يقول: لو شهدا أنه نكحها لا تقبل شهادتها، وعلى القول الأول: تقبل شهادتها وهو الصحيح.
ولو شهد أحدهما أنه نكحها وشهد الآخر بالفارسية ورا بزني خواشت لا تقبل هذه الشهادة، هكذا قيل، وقيل تقبل، وهكذا ذكر «البقالي» ، في «فتاويه» ، وإذا اختلفا في الزمان فقد ذكرنا هذا الفصل في أول الكتاب في فصل الشهادة. وإذا اختلفا في المكان لا تقبل الشهادة، وكذا إذا اختلفا في الإنشاء والإقرار لا تقبل الشهادة.
وإذا ادعى النكاح وشهد الشهود على إقرارها تقبل الشهادة. وإذا ادعى أنه تزوجها على ألف وخمس مائة، وشهد أحد الشاهدين بذلك، وشهد الآخر بألف قضى بالنكاح بألف لأن المقصود والمتبقي من جانب الزوج ملك البضع وقد اتفقا عليه، ولو كان الدعوى من جانب المرأة، فكذا الجواب عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما لا يقضى بالنكاح، وعن أبي يوسف ﵀ في «الإملاء» مثل قول أبي حنيفة ﵀.
ولو شهد أحدهما أنه تزوجها على هذا العبد وقيمته ألف، وشهد الآخر أنه تزوجها على ألف، فإن كان الدعوى من جانب الزوج قضى بالنكاح، وإن كان من جانب المرأة يجب أن تكون على الخلاف أقام رجل (امرأة) على امرأة أنها منكوحته وقضى القاضي ببينته وجاء آخر وأقام البينة على تلك المرأة بالنكاح، فالقاضي لا يلتفت إلى دعوى الثاني وبينته كما في دعوى الشراء إذا (أقام) المدعي بينة على الشراء من رجل بعينه. وقضى القاضي له ببينته ثم جاء آخر وادعى شراء تلك العين من ذلك الرجل بعينه فالقاضي لا يلتفت إلى الثاني وبينته كذا ههنا.
نوع منه في اختلافهما في متاع البيت
إذا اختلف الزوجان في متاع البيت حال قيام النكاح أو بعد الفرقة بالطلاق وما أشبهه، قال أبو حنيفة ﵀: ما يصلح للرجل، فهو للرجل وذلك نحو السيف والقوس وأشباه ذلك إلا أن تقيم المرأة البينة، وما يصلح للنساء فهو للمرأة وذلك نحو الدرع والخمار والمغزل وأشباه ذلك إلا أن يقيم هو البينة، وإن أقاما فبينتها أولى. وما يصلح لهما نحو الدار والخادم والغنم السائمة فهو للرجل إلا أن يقيم الزوج البينة، وإن أقاما البينة في ذلك فالبينة بينة الزوج. وقال أبو يوسف ﵀: للمرأة جهاز مثلها والباقي للرجل، وهذا الذي ذكرنا إذا اختلفا بعد الفرقة في متاع كان في أيديهما حال قيام النكاح أما لو اختلفا بعد وقوع الفرقة في متاع أحدهما بعد الفرقة فهو بينهما؛ أي شيء كان.
وإذا مات أحدهما ثم وقع الاختلاف بين الباقي وورثة الميت، فعلى قول أبي
следующие страницы →