← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

لا يقتصر على المجلس؛ لأن بدون ذكر المشيئة توكيل ومع ذكر المشيئة تمليك. وقوله: للمرأة طلقي نفسك مع المشيئة وبدون المشيئة تمليك، وقوله للمرأة: طلقي صاحبك نظير قوله للأجنبي: طلق امرأتي إن كان مع ذكر المشيئة فهو تمليك وإن كان بدون ذكر المشيئة فهو توكيل. ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً ثلاثاً إن شئت فقالت: شئت في واحدة فهو باطل؛ لأن معنى قوله: إن شئت الثلاث فصار الطلاق معلقاً بمشيئتها الثلاث. وعلى هذا إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت، فطلقت نفسها واحدة، لم يقع شيء؛ لأن معنى كلامه طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت الثلاث فإذا طلقت نفسها واحدة فقد شاءت واحدة دون الثلاث. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إن شئت فقالت: أنا طالق لا يقع إلا أن تقول: أنا طالق ثلاثاً، إذا قال لها: طلقي نفسك إن شئت، فقالت: قد طلقت نفسي يقع الطلاق؛ لأنها شاءت حيث طلقت نفسها إذا قال لها إذا جاء الغد فأنت طالق إن شئت، كان لها المشيئة في الغد؛ لأن في الفصل الأول علق الطلاق بمشيئتها ثم جعل المعلق بمشيئتها مضافاً إلى الغد فلا بد من اعتبار مشيئتها أولاً لتصح الإضافة إلى ما بعد الغد، وفي الفصل الثاني علق الطلاق بمجيء الغد وجعل المعلق بمجيء الغد معلقاً بمشيئتها فلا بد من مجيء الغد أولاً ليتعلق ذلك بمشيئتها ذكر المسألة في «الزيادات» . وذكر في «الأصل» : إذا قال لها: أنت طالق غداً إن شئت فلها المشيئة في الغد، ولو قال: إن شئت فأنت طالق غداً فلها المشيئة في الحال، ولم يذكر في المسألة خلافاً. قالوا وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعن أبي يوسف ﵀: أن لها المشيئة في الغد في المسألتين جميعاً. وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال لها: أنت (طالق) غداً إن شئت، أو أنت طالق إن شئت غداً، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: لها المشيئة غداً، وقال أبو يوسف ﵀: إن قدم المشيئة فلها المشيئة في الحال، وإن آخرها فهو على ما قال أبو حنيفة ﵀، وعلى هذا إذا قال لها: اختاري غداً إن شئت اختاري إن شئت غداً أمرك بيدك غداً إن شئت أمرك بيدك إن شئت غداً فالمشيئة في الغد في الحالين عند أبي حنيفة ﵀. وعلى هذا إذا قال لها: طلقي نفسك غداً إن شئت طلقي نفسك إن شئت غداً إن شئت فطلقي نفسك غداً لم يكن لها أن تطلق نفسها حتى يجيء الغد في قول أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن قدم المشيئة فلها أن تطلق نفسها في الحال فتقول في الحال: طلقت نفسي غداً. وذكر هشام عن محمد رحمهما الله: إذا قال لامرأته: أنت طالق غداً، أو لم يقل غداً على ألف إن شئت فقالت في الحال شئت لا يقع الطلاق حتى يقول الزوج: قبلت؛

стр. 1262

لأن الإيجاب من الزوج مضاف إلى الغد، فالمشيئة من المرأة قبل مجيء الغد يصير ابتداء، ولو ابتدأت مشيئة الطلاق على ألف تتعلق بقبول الزوج، فههنا كذلك. ولو قال لها: إن شئت الساعة فأنت طالق غداً طالقاً وقع الطلاق في الغد، ولو قال شئت أو نوى ذلك ولم يقل الساعة فقالت شئت أن أكون غداً طالقاً وقع الطلاق في الغد، ولو قال: شئت أن يقع الطلاق في اليوم، فإنه لا يقع الطلاق في اليوم ويخرج الأمر (٢٤٤ * أ١) ، من يدها (وإن قال:) أنت طالق إذا شئت أو متى شئت فلها أن تشاء في المجلس وبعده ولكن مرة واحدة. ولو قال لها: واحدة بعد واحدة حتى تطلق ثلاثاً. (ولو قال لها:) أنت طالق كلما شئت فلها ذلك أبداً كلما شاءت في المجلس وغير واحدة بعد واحدة حتى تطلق ثلاثاً. أما في قوله «متى» فلأن متى للوقت فصار كأنه قال: في أي وقت شئت، وهناك لها أن تطلق نفسها في أي وقت شاءت، ولا يبطل بالقيام عن المجلس؛ لأن هذا إيقاع في وقت المشيئة فلا يعتبر له المجلس قبل وقت المشيئة وههنا، كذلك لو ردت الأمر لا يكون رداً لما ذكرنا أن هذا إيقاع في وقت المشيئة والإيقاع لا يحتمل الرد، ثم لها أن تشاء واحدة وليس لها أن تشاء أخرى؛ لأن كلمة متى تعم الزمان، أما (إذا) تعم الأفعال فتملك الإيقاع في أي وقت شاءت ولكن مرة واحدة. أما في قوله إذا زادا ما، أما عندهما فإن إذا وإذا عندهما للوقت، وعنده يستعملان للشرط وللوقت فباعتبار الشرط يخرج الأمر عن يدها بالقيام عن الملجس، وباعتبار الوقت لا يخرج فلا يخرج بالشك. وأما في قوله: كلما؛ فلأن كلمة كلما توجب التكرار فيتكرر الطلاق بتكرر المشيئة حتى تتم الثلاث. وإن عادت إليه بعد زوج فليس لها أن تشاء آخر بعد ذلك؛ لأن اليمين إنما يصح باعتبار الملك القائم للحال، فإذا وقعت الثلاث فقد ذهب ذلك الملك بتمامه فلم يبق اليمين وإذا تزوجها بعد ذلك وشاءت الطلاق فقد شاءت ولا يمين. ولو قال: أنت طالق حيث شئت أو إن شئت لم تطلق حتى تشاء، وإن قامت عن مجلسها فلا مشيئة لها بعد ذلك. ولو قال لها: كلما شئت فأنت طالق ثلاثاً فشاءت واحدة، فذلك باطل لأن معنى كلامه كلما شئت الثلاث لأنه لم يذكر للمشيئة خبراً وصار تأخر خبراً للمشيئة. إذا قال لامرأتين له: إذا شئتما فأنتما طالقتان فشاءت إحداهما دون الأخرى، أو شاءتا طلاق إحداهما لا يقع شيء، لأن معنى المسألة: إن شئتما طلاقكما فصار الشرط مشيئتهما طلاقهما. وكذلك إذا قال لامرأتين له: طلقا أنفسكما ثلاثاً إن شئتما، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها ثلاثاً في المجلس لم تطلق واحدة منهما، لأن معنى كلامه طلقا أنفسكما إن شئتما طلاكما؛ لأنه لم يذكر لمشيئتهما خبراً فيصرف إلى السابق ذكره وهو طلاقهما. فإذا طلقت إحداهما نفسها وصاحبتها فإنما وجد نصف الشرط فبوجود نصف الشرط لا يترك الجزاء، فإن طلقت الأخرى نفسها وصاحبتها بعد ذلك ثلاثاً قبل القيام عن

стр. 1263

المجلس طلقتا ثلاثاً؛ لأنه يكمل الشرط فإن طلقتا إحداهما لم يقع الطلاق. ولو قامتا عن المجلس ثم طلقت كل واحدة منهما؛ نفسها وصاحبتها ثلاثاً لم تطلق واحدة منهما لأن الأمر كله معلق بالمشيئة ههنا فكان كله تمليكاً فيبطل بالقيام عن المجلس. ولو كان قال لهما: طلقا أنفسكما ثلاثاً فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها قلنا: طلقتا ثلاثاً، لأن التفويض هنا مطلق غير معلق بمشيئتهما وقد أمرنا بالإيقاع بغير بدل، فتنفرد إحداهما بالإيقاع. كما لو قال لرجلين طلقا امرأتي، فإذا قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت فطلقت نفسها ثلاثاً لا يقع شيء عند أبي حنيفة ﵀ لأن الزوج علّق تمليك الواحدة بمشيئة الواحدة لأن معنى كلامه طلقي نفسك واحدة إن شئت الواحدة والثلاث غير الواحدة عنده، فكانت مشيئة الثلاث مشيئة غير الواحدة فكانت مبتدئة بهذه المشيئة لا بانية كلامها على كلام الزوج، ولا صحة لكلامها إلا على سبيل الجواب والبناء. وعندهما: تقع واحدة لأن الواحدة من جملة الثلاث عندهما فكانت مشيئة الثلاث مشيئة الواحدة. وعلى هذا الخلاف إذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت فقالت: شئت ثلاثاً لم يقع شيء عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما. وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف ﵀: إذا قال لها: طلقي نفسك عشراً إن شئت فقالت: طلقت نفسي ثلاثاً لم تطلق، إذا قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت إن كان هكذا فهذا على وجهين: إما إن علّق مشيئتها بشيء ماض قد وجد، وفي هذا الوجه يقع الطلاق لأن التلعيق بشيء موجود كائن تخيّر وليس بتعليق حقيقة فكانت آتية بمشيئة منجزة كما فوض إليها الزوج فصحت، وأما إن علق مشيئتها بشيء لم يوجد بعد. وفي هذا الوجه لا يقع الطلاق؛ لأن التعليق بشيء لم يوجد تعليق على الحقيقة والمفوض إليها مشيئة منجزة لا مشيئة معلقة فلا تعتبر هذه المشيئة في حق وقوع الطلاق ويخرج الأمر من يدها لأنها اشتغلت بما لم يفوض إليها صارت معرضة عما فوض إليها ومن هذا إذا قالت شئت إن شاء أبي، كان ذلك باطلاً، وكذلك إذا قالت: شئتُ إن شئتَ لا يقع، فإن قال الأب بعد ذلك: شئت أو قال الزوج: شئت لا يقع الطلاق أيضاً. وفي «المنتقى» : إذا قال لها: أنت طالق إن هويت أو أردت أو أعجبك أو وافقك أو أحببت فقالت: شئت وقع. وفيه أيضاً: عن أبي يوسف ﵀: إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة بائنة متى ما شئت ثم قال لها طلقي نفسك واحدة أملك الرجعة حينما شئت، فقالت بعد أيام أنا طالق فهي طالق واحدة يملك الرجعة ويصير قولها جواباً بالكلام الآخر. وفيه أيضاً: داود بن رشيد عن محمد رحمهما الله: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن شئت أنت طالق ثنتين إن شئت فقالت: قد شئت واحدة قد شئت ثنتين، قال:

стр. 1264

إن وصلت فهي طالق ثلاثاً إذا قال لأمرأته أنت طالق إن شئت وأبيت لا تطلق بهذا اليمين أبداً لأنه جعل المشيئة والإباء شرطاً واحداً فيشترط اجتماعهما في حالة واحدة وإنه لا يتصور، هكذا ذكر في «المنتقى» وفي «النوازل» . وفي «العيون» : أنها إذا شاءت تطلق وإن أبت فكذلك تطلق، والصحيح: ما ذكر في «المنتقى والنوازل» ، وكذلك إذا قال: إن شئت وأبيتِ فأنت طالق. وكذلك إذا قال إن شئت ولم تشائي، ولو قال: أنت طالق إن شئت وإن لم تشائي فإن شاءت في مجلسها طلقت بحكم المشيئة، وإن قامت من مجلسها طلقت أيضاً لأنها لم تشاء، وهذا لأنه جعل المشيئة وعدم المشيئة وكل واحدة منهما شرطاً على حدة لوقوع الطلاق فأيهما وجد يقع الطلاق، وكذلك الجواب فيما إذا قال لها: أنت طالق إن شئت أو لم تشائي، إن شاءت في المجلس، طلقت بحكم (٢٤٤ * ب١) المشيئة وإن قامت عن مجلسها طلقت أيضاً لما قلنا.k وأما إذا قال لها: إن شئت وإن لم تشائي فأنت طالق شئت كلاماً لا تطلق بهذه اليمين أبداً، لأنه لما أخر الطلاق لم يكن قوله إن شئت كلاماً تاماً فيوقف على ذكر الطلاق فإذا قال: وإن لم تشائي صارا شرطاً واحداً فيشترط اجتماعهما في حالة واحدة وأنه لا يتصور. وإذا قال لها: أنت طالق إن شئت أو أبيت فهو على أحد الأمرين في مجلسها إن شاءت في المجلس طلقت، وإن قالت في المجلس: أبيت، طلقت أيضاً وإن قامت قبل أن تشاء أو تأبى لا تطلق ولا يكون الإباء إلا بكلام، وهذا كله إذا لم يكن للزوج نيّة. وإن نوى إيقاع الطلاق عليها على كل حال يريد به أنك طالق شئت أو أبيت، أنت طالق إن شئت وإن أبيت أنت طالق إن شئت وإن لم تشائي فهو على ما نوى، ويقع الطلاق عليها لا محالة. بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله: رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، إلا أن تشائي واحدة، فقامت عن مجلسها قبل أن تشاء طلقت ثلاثاً، وإن شاءت واحدة قبل أن تقوم لزمها تطليقة واحدة، وكذلك لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا أن تريدي واحدة إلا أن تهوي واحدة إلا أن تحبي وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا أن يشاء فلان واحدة وإلا أن يهوى وإلا أن يحب. إذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت، فشاءت نصف واحدة، أو إلا أن تريد واحدة فهو مثل ذلك، وإن لم يكن فلان حاضراً فله ذلك إذا علم به في المجلس الذي يعلم فيه. إذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت ثنتين، فإن شاءت ثنتين فهي طالق واحدة فقال: بعتك طلاقك بألف درهم فقبلت بطل الأمر، بخلاف ما لو لم يذكر المشيئة. وفي «البقالي» : إذا قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق إن شئت، فلها مجلس العلم بعد النكاح والله أعلم.

стр. 1265

نوع آخر في الرجوع عن التفويض ذكر في طلاق «الجامع» : إذا قال لامرأته: طلقي نفسك بألف درهم أو قال: طلقتك بألف درهم قبل أن تتكلم المرأة بشيء إن رجع الزوج عن هذه المقالة، كان رجوعه باطلاً، حتى لو قبلت المرأة بعد ذلك، وهي في مجلسها صح ذلك منها وطلقت، وكذلك...... طالق بقيام الزوج عن المجلس، حتى أن بعد قيام الزوج لو قبلت وهي في المجلس طلقت، وكذا ثم رجع المولى لو قال لعبده بعتك عتقك بألف درهم، اعتقك بألف درهم ثم رجع المولى أو قام عن المجلس، قبل قبول العبد، لا يبطل ذلك حتى لو قبل العبد بعد ذلك وهو في المجلس صح. ولو كانت البداية من المرأة والعبد، كان الجواب على عكس ما تقدم في الوجهين. والفرق: أن الطلاق على مال والعتق على مال من جانب الزوج والمولى يمين؛ لأن الملتمس من الزوج والمولى الطلاق والعتق وهما مما يحلف بهما ويصح تعليقهما بالشروط والأخطار وينفرد الزوج والمولى بإيجاب ذلك، فإذا تعلق بالقبول صار في معنى اليمين فألحق له واليمين لا يقبل الرجوع فلا يبطل بقيام الحالف عن المجلس، والمتوقع من المرأة والعبد المال، والمال مما لا يحلف به ولا يصح تعليقه بالشروط والأخطار ولا تنفرد المرأة والعبد بإيجابه فكان كالبيع من جانبهما، والرجوع عن إيجاب البيع قبل قبول المشتري صحيح. ولو قال: طلقي نفسك إن شئت، أو لم يقل: إن شئت، ثم أراد أن يرجع عن ذلك ليس له. ولو قال لها: طلقي صاحبك أو قال لرجل أجنبي: طلّق امرأتي لمن قال إن شئت فليس له أن يرجع عن ذلك، وإن لم يقل إن شئت فله أن يرجع. والحاصل: أن قول الزوج لامرأته طلقي نفسك تمليك الطلاق منها. وفيه معنى التعليق وكل ذلك لا يقبل الرجوع. وقوله للأجنبي: طلق امرأتي، وقوله لامرأته: طلقي صاحبتك إن كان مقترناً بالمشيئة فهو تمليك؛ لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئة. وهذا النوع من التمليك لا يقبل الرجوع وإن لم يكن مقروناً بالمشيئة فهو توكيل محض، والتوكيل يقبل الرجوع فلا يصح عزل التوكيل بالطلاق قبل علمه، لأن العزل خطاب الوكيل بالنهي عن الإيقاع وحكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطب قبل العلم. قال في كتاب الوكالة: إذا قال الرجل لامرأته انطلقي إلى فلان حتى يطلقك، ثم إنه نهاها عن الذهاب وقال: لا تذهبي إلى فلان ولا يطلقك، لا يكون هذا نهياً عن الطلاق ولا ينعزل فلان بنهي المرأة ما لم يعلم بالنهي.

стр. 1266

يجب أن يعلم إن قال لامرأته: انطلقي إلى فلان حتى يطلقك فذهبت فطلقها فلان صح ويصير فلان وكيلاً بالتطليق، وإن لم يعلم وكالته. وذكر في «الزيادات» ما يدل على أنه لا يصير وكيلاً قبل العلم قيل: في المسألتين روايتان وقيل: ما ذكر في «الزيادات» قياس، وما ذكر في «الأصل» استحسان، ثم على رواية «الأصل» وهو جواب الاستحسان إذا صار وكيلاً وإن لم يعلم لو أن الزوج نهى المرأة عن الانطلاق إلى فلان لا يصير فلان معزولاً بنهي المرأة قبل العلم بالنهي، لأن النهي في حق الغائب لم يصح لأنه لو صح إما أن يصح مقصوداً ولا وجه إليه لأن النهي مقصوداً قبل العلم لا يصح، وإما أن يصح؛ مقتضى نهي المرأة عن الانطلاق إلى فلان ولا وجه إليه أيضاً؛ لأن نهي المرأة عن الانطلاق إلى فلان لا يصح؛ لأنه نهي عن فعل فيه طلاقها وهو الانطلاق ويعتبر بما لو فوض إليها طلاقها ثم نهاها عن الإيقاع، وذلك لا يصح فكذا هذا. فصار الجواب فيه نظير الجواب فيمن وكل رجلاً أن يطلق امرأته ثم قال للمرأة نهيت فلاناً أن يطلقك فلأن فلاناً لا ينعزل ما لم يعلم بالنهي؛ لأنه لو انعزل انعزل بالنهي مقصوداً لانتفاء النهي للمرأة؛ لأنه ما نهي المرأة عن شيء وما فوض إليها شيئاً حتى يصح نهي الغائب بطريق التبعيّة وتعذر القول بانعزاله مقصوداً بالنهي قبل العلم فلهذا لا ينعزل قبل العلم، هذا إذا نهى المرأة قبل الانطلاق إلى ذلك الرجل. أما إذا نهاها بعد الانطلاق إلى ذلك الرجل لا يصير فلان معزولاً، وإن علم بالعزل وقبل الانطلاق يصير معزولاً إذا علم بالعزل النهي وصار الجواب فيه نظير الجواب فيما إذا قال لآخر: طلق امرأتي إن شاءت إذا عزل الوكيل قبل مشيئتها صح العزل إذا علم بالعزل وإذا لم يعلم لا يصح العزل وبعد مشيئتها لا يصح العزل. وإن علم الوكيل بالعزل، وذلك لأن المفوض إلى المرأة في المسألتين (٢٤٥أ١) جميعاً ليس بطلاق حتى لا يصح نهي الزوج عن ذلك على كل حال، وإنما المفوض إليها ما هو سبب طلاقها وهو الانطلاق والمشيئة، فمن حيث إن المفوض إليها لم يكن طلاقاً صح نهي الزوج إذا علم الوكيل بذلك قبل الانطلاق والمشيئة، ومن حيث إن المفوض إليها هو سبب طلاقها لم يصح نهي الزوج بعد الانطلاق والمشيئة وإن علم الوكيل بذلك توفيراً على الأمرين حظهما بقدر الإمكان. وهذا بخلاف ما لو قال لأجنبي: انطلق إلى فلان وقل له حتى يطلق امرأتي، ثم نهاه بعد ذلك صح النهي. ولو نهى المرأة عن الانطلاق لا يصح لأن المفوض إلى الأجنبي فعل فيه طلاق المرأة فيعتبر بما لو فوض إليه طلاقها بأن قال: له طلق امرأتي. ولو قال له ذلك صح نهيه فكذا ههنا، وههنا فوض إلى المرأة فعلاً فيه طلاقهما، فيعتبر بما لو فوض إليها طلاقها بأن قال لها: طلقي نفسك وهناك لا يصح نهيه إياها فهنا كذلك.

стр. 1267

وهذا بخلاف ما لو قال لغيره: إن جاءتك امرأتي فطلقها، أو قال: إن خرجت إليك امرأتي فطلقها، ثم إنه نهى الوكيل عن الإيقاع بعد مجيء المرأة إليه، وبعد خروجها إليها يصح النهي إذا علم كما قبل المجيء والخروج. وإذا قال لها: انطلقي إلى فلان حتى يطلقك ثم نهاها بعد الانطلاق إنه لا يصح وإن علم فلان بذلك؛ لأن في تلك المسألة لم يُفوض إلى المرأة شيئاً إنما علق الوكالة بالطلاق بمجيئها وخروجها فيعتبر بما (لو) علق الطلاق بمجيئها وخروجها، ولو علق الطلاق بمجيئها لا يصير مفوضاً إليها شيئاً وههنا كذلك. أما في مسألة الانطلاق فوض إليها فعلاً فيه طلاقها فيعتبر بما لو فوض إليها طلاقها. وهناك لا يصح عزل الزوج كذا هنا. وفي «الزيادات» : إذا قال لامرأته: إذا جاء الغد فطلقي نفسك بألف درهم ثم رجع قبل مجيء الغد لا يعمل رجوعه. ولو كانت المرأة قالت إذا جاء الغد فطلقني على ألف درهم، ثم رجعت قبل مجيء الغد يعمل رجوعها. وهذا بناء على ماتقدم ذكره أن الطلاق على مال من جانب الزوج يمين، ومن جانب المرأة بمنزلة البيع. والتقريب ما ذكرنا. ومن هذا الجنس امرأة قالت لرجل: خلعت نفسي من زوجي بألف درهم فاذهب إلى زوجي وأخبره بذلك، فلما ذهب الرجل أشهدت المرأة أنها رجعت عن ذلك صح رجوعها حتى لو بلغ الرسول الرسالة بعد ذلك وقبل الزوج كان قبوله باطلاً حتى لا يقع الخلع علم الرسول بالرجوع أو لم يعلم. وكذلك لو رجعت بعد تبليغ الرسالة قبل قبول الزوج، وكذلك العبد إذا أعتق نفسه على مال وأرسل بذلك إلى المولى رسولاً فلما ذهب الرسول رجع العبد صح رجوعه علم الرسول بذلك أو لم يعلم، فرق بين هذا وبينما إذا وكلت المرأة رجلاً بالخلع أو وكل العبد رجلاً أن يشتري له نفسه من مولاه بألف درهم ثم رجعا من غير علم الوكيل إنه لا يعمل رجوعهما. والفرق: وهو أن التوكيل إثبات الحكم في حق الوكيل فإن للوكيل إطلاق التصرف، والعزل منع له عن التصرف، فلو صح من غير علمه كان ذلك غروراً في حقه والغرور حرام. فأما الرسالة فليست بإثبات شيء للرسول، فإن الرسول ينقل عبارة المرسل كأن المرسل حضر بنفسه وكان ذلك، ولو صح الرجوع من غير علمه لا يكون ذلك غروراً في حقه، ألا ترى أن الرسول لا تلزمه العهدة أصلاً، والوكيل في بعض العقود تلزمه العهدة. وكذلك لو رجعت بعد تبليغ الرسالة قبل قبول الزوج صح رجوعها أيضاً وإن لم يعلم الرسول بذلك، إليه أشار في «الكتاب» . ولو كانت المرأة قالت لزوجها: اخلعني على ألف درهم، أو قال العبد للمولى: أعتقني على ألف درهم ثم رجعا من غير علمهما لا يعمل رجوعهما لأن هذا توكيل منهما للولي والزوج، والتوكيل لا يقبل الرجوع من غير علم الوكيل.

стр. 1268

ومما يتصل بهذا الفصلإيقاع الطلاق على المُبانة والمطلقة بصريح الطلاق أجمع العلماء على أن الصريح يلحق بالصريح ما دامت في العدة، فكذلك البائن يلحق بالصريح، والصريح يلحق بالبائن ما دامت في العدة عندنا؛ لأن بعد الإبانة محلية الطلاق باقية ما دامت العدة باقية؛ لأن محلية الطلاق بقيام العقد وبعد الإبانة العقد باق ما بقيت العدة بدليل بقاء الأثر المختص به وهو المنع عن الخروج والتزين والتزوج بزوج آخر. والبائن لا يلحق البائن إلا أن يتقدم سببه بأن قال لها: إن دخلت الدار، فأنت بائن ونوى بها الطلاق ثم أبانها ثم دخلت الدار وهي في العدة وقعت عليها تطليقة بالشرط عند علمائنا الثلاثة ﵏ خلافاً لزفر ﵀. فوجه قول زفر ﵀: أن المعلق بالشرط عند الشرط كالمرسل، ولو أرسل الإبانة عند دخول الدار بعدما أبانها لا يصح فلا يترك بحكم التعليق. والدليل عليه: أنه إذا علق بدخول الدار ظهاراً أو إيلاءً ثم أبانها ثم دخلت الدار لا يترك الظهار والإيلاء، وطريقه ما قلنا. ولنا: أن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمرسل ولكن كما تعلق بالشرط، والمتعلق بالشرط طلاق بائن لا الإبانة، فنزل عند الشرط طلاق بائن لا مجرد الإبانة كأنه قال لها عند الشرط: أنت طالق بائن. ومن قال لمبانته وهي في العدة: أنت طالق بائن تطلق كذا هنا. وإنما قلنا: إن المعلق بالشرط طلاق بائن بأن قوله: أنت بائن قد صح لمصادفته المنكوحة وإنه يصلح صفة للمرأة ويصلح صفة للطلاق، يقال: طلاق بائن وامرأة بائنة فيجعل صفة للطلاق ليثبت السبب أولاً لأن الأصل ثبوت السبب أولاً، فيثبت الحكم عقيبه، والصفة تقتضي ذكر الموصوف فيصير في التقدير كأنه قال: أنت طالق بائن فينزل عند الشرط أنت طالق بائن، والتقريب ما ذكرنا، وهذا بخلاف ما لو قال لمبانته: أنت بائن ابتداءً حيث لا يصح، ولا يجعل كأنه قال أنت طالق بائن لأنا إنما نجعل كذلك إذا صح قوله أنت طالق بائن. وقوله للمبانة: أنت بائن لم يصح لعدم مصادفته محلها؛ لأن محل الإبانة من قام به الاتصال؛ لأن الإبانة لقطع الوصلة والوصلة قد انقطعت بالإبانة السابقة. فهذا هو الفرق بين الصورتين. وهكذا نقول في فصل الظهار إن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمرسل إلا أنه لو أرسل الظهار البينونة لا يصح؛ لأن حكم الظهار ليس هو الطلاق بل حكمه حرمة المتعة لشبهة المحللة بالمحرمة، والحرمة تثبت بالبينونة ولا يثبت بالظهار. وأما مسألة الإيلاء فغير مُسلّم لوآلى منها ثم طلقها واحدة بائنة ثم مضت مدة الإيلاء (٢٤٥ب١) قبل أن تنقضي عدة الطلاق يقع عليها تطليقة أخرى بالإيلاء؛ لأن الإيلاء متى صح كان بمنزلة ما لو قال لها: إن لم أقربك أربعة أشهر فأنت طالق، فيكون المعلق بمضي أربعة أشهر (فإن) لم يقربها فيها (يقع) الطلاق لا البينونة ولا الحرمة. وعلى

стр. 1269

هذا إذا قال: أنت بائن الغد ونوى به الطلاق ثم أبانها اليوم ثم جاء الغد يقع عليها تطليقة بالشرط عندنا. قال مشايخنا ﵏: وينبغي على قياس هذه المسألة أنه إذا قال: إن دخلت هذه الدار فأنت بائن، ينوي به الطلاق ثم قال لها: إن كلمت فلاناً فأنت بائن ينوي به الطلاق ثم دخلت الدار ووقع عليها تطليقة واحدة ثم كلمت فلاناً بعد ذلك يقع عليها تطليقة أخرى. وإذا قال لها: إذا جاء الغد فاختاري، ثم أبانها ثم جاء الغد فاختارت نفسها لا يقع الطلاق كما لو نجز التنجيز. وكذلك إذا قال لها: اختاري، ولم يقل إذا جاء الغد ثم اختارت نفسها بعدما أبانها لم يقع عليها شيء؛ لأن قولها اخترت إيقاع مبتدأ منها، وليس بإيجاد لشرط وقوع الطلاق، والواقع بقولها: اخترت البينونة، فإنه من جملة الكنايات فصار كما لو قال لها: أنت بائن ابتداءً وهناك لا يقع به شيء فههنا كذلك. وأما الدخول في مسألة التعليق إيجاد شرط وقوع الطلاق، والوقوع مضاف إلى التعليق السابق، ووقت التعليق كان النكاح قائماً فيصح قوله: أنت بائن وصار بمنزلة قوله: أنت طالق بائن، ولو قال للمختلعة اعتدي، ينوي الطلاق، أو قال لها: استبرئي رحمك ونوى بالطلاق، أو قال لها أنت واحدة يقع بها تطليقة أخرى. وقال أبو يوسف ﵀؛ لا يقع بها شيء لأنها من جملة الكنايات، وبهذا يحتاج فيه إلى النية، فلا يقع بها شيء كسائر الكنايات. ولهما أن هذه الألفاظ في حكم الصريح على معنى أن الواقع بها رجعي، وإنما اعتبرت النية لأنه في الصريح يحتمل وجوهاً أُخَر. أما بعدما نوى كان الواقع صريحاً والصريح يلحق بالصريح بالإجماع. وإذا قال لمبانته أبنتك بتطليقة ولا يقع عليها شيء. ولا يلغو، قوله أبنتك، بخلاف ما لو قال لها: أنت طالق بائن، فإنه يقع عليها تطليقة، ويلغو قوله: أبنتك، لأن في قوله أنت طالق بائن لو ألغينا قوله بائن، يبقى قوله أنت طالقة وإنه كلام مبتدأ في الإيقاع فألغيناه تصحيحاً للإيقاع. أما في قوله: أبنتك بتطليقة لو ألغينا قوله: أبنتك يبقى قوله بتطليقة، وإنه غير مفيد في الإيقاع. وعلى هذا إذا قالت المختلعة لزوجها خويشتن خريسدم أرقوا بكابين وتقع عدة، فقال الزوج لا يقع بشيء، فلا يلغو قوله: فروختم الأفللو ألغيناه يبقى قوله بيك طلاق، وإنه لا يفيد شيئاً، فكل فرقة توجب التحريم مؤبداً فإن الطلاق لا يلحق بالمرأة؛ لأنه لا يظهر له أثر، وكذلك إذا اشترى منكوحته لا يلحقها الطلاق. وإذا ارتد الرجل ولحق بدار الحرب لم يقع على المرأة طلاقه؛ لأن تباين الدارين ينافي النكاح، فيكون منافياً للطلاق الذي هو من أحكام النكاح، فإن عاد إلى دار الإسلام وهي في العدة وقع عليها الطلاق؛ لأن المنافي وهو تباين الدارين قد ارتفع، ومحلية الطلاق بالعدة إنها قائمة فيقع الطلاق.

стр. 1270

وإذا ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب لم يقع طلاق الزوج عليها، فإن عادت قبل الحيض لم يقع طلاق الزوج عليها عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن العدة قد سقطت عليها عنده لفوات المحلية؛ لأن من كان في دار الحرب فهو كالميت في حقنا، وبقاء الشيء في غير محله مستحيل، والعدة متى سقطت لا تعود إلا بعود سببها بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك العدة باقية ببقاء محلها؛ لأنها في دار الإسلام إلا أن تباين الدارين كان مانعاً وقوع الطلاق، فإذا ارتفع المانع والعدة باقية وقع. وقال أبو يوسف ﵀: يقع الطلاق؛ لأن العدة باقية عنده إلا أنه لم يقع الطلاق لتباين الدارين، والتقريب ما ذكرنا والله أعلم. الفصل السادس: في إيقاع الطلاق بالكتابات يجب أن يعلم بأن الكتابة نوعان: مرسومة وغير مرسومة. فالمرسومة: أن تكتب على صحيفة مصدراً ومعنوناً وإنها على وجهين: الأول: أن تكتب هذا كتاب فلان بن فلان إلى فلانة أما بعد: فأنت طالق. وفي هذا الوجه يقع الطلاق عليها في الحال. وإن قال: لم أعنِ به الطلاق لم يصدق في الحكم، وهذا لأن الكتابة المرسومة بمنزلة المقال. ولو قال لها: يا فلانة أنت طالق ولم يذكر شرطاً يقع الطلاق عليها في الحال. وإذا قال لم أنو الطلاق لم يصدق في الحكم كذا ههنا. وهل يدين فيما بينه وبين الله تعالى؟ ذكر هذه المسألة في «المنتقى» : في موضعين، وذكر في أحد الموضعين أنه لا يدين، وذكر في الموضع الآخر أنه يدين. الوجه الثاني: أن يكتب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق. وفي هذا الوجه لا يقع الطلاق إلا بعد مجيء الكتاب؛ لأنه علّق الطلاق بالشرط كتابة، ولو علقه بالشرط مقالة لا يقع الطلاق قبل وجود الشرط كذا ههنا. فإن كتب أول الكتاب أما بعد: إذا جاءك كتابي هذا أنت طالق، ثم كتب الحوائج، ثم بدا له مجيء الحوائج وترك قوله: إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق فوصل إليها هذا القدر يقع الطلاق. وإن محى قوله إذا جاء كتابي هذا فأنت طالق وترك الحوائج لا يقع الطلاق عليها وإن وصل إليها الكتاب، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀؛ لأن شرط وقوع الطلاق عليها أن يصل إليها ما كتب قبل قوله هذا ولم يصل لما محاه قبل الوصول. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀: أنه إذا محى ذلك الطلاق من كتابه، وترك ما سوى ذكر وبعث بالكتاب إليها فهي طالق إذا وصل، وهكذا ذكر في «العيون» ؛

стр. 1271

لأن شرط وقوع الطلاق وصول كتابه إليها وقد وصل، ومجيء الطلاق بمنزلة الرجوع عن التعليق، وإن محى الخطوط كلها وبعث بالبياض إليها تطلق. وفي «القدوري» : لو محى ذكر الطلاق عنه وأنفذ الكتاب وقع الطلاق إن بقي منه ما يسمى كتابة أو رسالة، وإن لم يبق منه كلام يكون رسالة لم يقع الطلاق، وإن وصل إليها لأن الشرط وصول الكتاب إليها فلا بد من أن يبقى بعد المحو ما يسمى كتاباً. وإن كتب الحوائج أولاً ثم كتب بعده: أما بعد إذا جاءك كتابي هذا، فأنت طالق، فبدا له محو الحوائج وترك قوله إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق لا يقع عليها الطلاق. وإن وصل إليها (٢٤٦أ١) الكتاب. وفي «الحاوي» أنها تطلق، وإذا محى قوله: إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق فجاءها الكتاب طلقت. ولو كتب وسط الكتاب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق وكتب قبله حوائج وبعده حوائج ثم بدا له فمحى الطلاق وترك ما قبله طلقت، وإن محى ما قبله أو أكثر وترك الطلاق وترك ما قبله لم تطلق. وفي «الحاوي» : إذا كتب فصل الطلاق في وسط الكتاب ثم محى ذلك، قال أبو يوسف ﵀: إن كان ما قبل الطلاق أكثر طلقت، وإن كان الأكثر بعده لا تطلق. وفي «المنتقى» : لو كتب رجل رسالة منه إلى امرأته وكتب: إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق، فمحى ذكر الطلاق وبعث بالكتاب إليها، فإن كان صدر الرسالة أكثرها على ما يكتب الناس على حاله فالطلاق لها لازم. معنى المسألة: أنه إن بقي بعد محو الطلاق ما يسمى كتابة أو رسالة يقع الطلاق وما لا فلا، ألا ترى أنه ذكر بعده، قال: كأن كتب: إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق، فمحى أنت طالق وترك إذا أتاك كتابي هذا، وليس للكتاب صدر غير هذا الحرف لم يقع عليها الطلاق، وليس هذا كتابه إليها. وفي «الحاوي» : لو محى بعض الكلمات وترك بعضه وترك فصل الطلاق أيضاً وهو في آخره فإن كان الممحو أكثر والمتروك أقل لا تطلق، وإن كان على العكس تطلق. وأما إذا كانت الكتابة مرسومة، فإن كانت غير مستبينة بأن كتب على وجه لا يمكن فهمها وقراءتها بأن كتب على الماء أو على الهواء، وفي هذا الوجه يقع الطلاق نوى أو لم ينو.r وإن كانت مستبينة على وجه يمكن قراءتها وفهمها بأن كتب على الأرض أو الحجر إلا أنه غير مصدر ولا معنون وفي هذا الوجه إن نوى الطلاق يقع، وإن لم ينو لا يقع، فبعد ذلك إن (كان) ذلك صحيحاً يبين بنية بلسانه وإن كان أخرساً...... بالكتاب. ولو كتب الصحيح أو الأخرس إلى امرأته كتاباً فيه طلاقها وكان الكتاب مرسوماً ثم جحد الكتاب وقامت عليه البينة أنه كتبه فرق بينهما قضاء، وأما ديانة فإن كان لم ينو به الطلاق فهي امرأته.

стр. 1272

وفي «المنتقى» : لو كتب كتاباً في قرطاس فكان فيه: إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق ثم نسخه في كتاب آخر أو أمر غيره أن ينسخه ولم يُمل هو، فأتاها الكتابات بأن طلقت تطليقتين في القضاء إذا أقرأتهما كتاباه أو قامت به بينة. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيقع عليها تطليقة واحدة بأيهما أتاها ويبطل الآخر لأنها نسخة واحدة. وفيه أيضاً: رجل كتب من رجل آخر إلى امرأته كتاباً بطلاقه وقرأه على الزوج وأخذه الزوج وطول وختم وكتب في عنوانه وبعثه إلى امرأته، فأتاها الكتاب وأقرّ الزوج أنه كتابه فإن الطلاق يقع عليها، وكذلك لو قال لذلك الرجل: ابعث بهذا الكتاب إليها أو قال له: اكتب نسخة وابعث بها إليها، وإن لم تقم عليه بينة بالكتاب ولم يقر أنه كتابه ولكنه وصف الأمر على وجهه، فإنه لا يلزمه الطلاق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك كل كتاب لا يكتبه بخطه ولم يمله بنفسه لا يقع به الطلاق إذا لم يقر أنه كتابه. وفي «المنتقى» : عن محمد ﵀: إذا كتب الرجل إلى امرأته: كل امرأة لي غيرك وغير فلانة فهي طالق، ثم محى ذكر غير فلانة، وبعث بالكتاب لا تطلق فلانة وهذه حيلة جيدة. وفي «العيون» : إذا كتب إلى امرأته أما بعد أنت طالق إن شاء الله، فإن كان كتب إن شاء الله موصولاً بكتابته أما بعد فأنت طالق لا تطلق، وإن فتر فترة بعدما كتب أنت طالق ثم كتب إن شاء الله تطلق؛ لأن الكتاب من الغائب بمنزلة التلفظ من الحاضر. وفي «النوازل» : إذا كتب إلى امرأته إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق، فوصل الكتاب إلى أبيها فمزق الكتاب ولم يدفعه إليها، فإن كان الأب هو المتصرف في جميع أمورها وقع الطلاق متى وصل الكتاب إلى أبيها في بلدها؛ لأن الوصول إلى أبيها وهو المتصرف في عموم أمرها بمنزلة الوصول إليها، وإن لم يكن الأب هو المتصرف في عموم أمورها لا يقع عليها الطلاق؛ لأن الوصول إليه حينئذ لا يكون كالوصول إليها. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا أكره الرجل بالحبس والضرب على أن يكتب طلاق امرأته فكتب فلانة بنت فلان طالق لا تطلق لأن الكتاب من الغائب جعل بمنزلة الخطاب من الحاضر باعتبار الحاجة، ولا حاجة ههنا حيث احتيج إلى الضرب والله أعلم. الفصل السابع: في الشركة في الطلاق إذا طلق الرجل امرأته ثم قال لامرأة أخرى له: أشركتك معها في الطلاق وقع على الأخرى مثل ما وقع على الأولى ثلاثاً كانت أو أقل، وهذا لأن الشركة تقتضي المساواة، فإذا قال للأخرى: أشركتك معها في الطلاق، فقد أثبت المساواة بين الأولى وبين الأخرى، والمساواة بينهما في الطلاق إنما يتحقق إما بنقل نصف ما وقع على الأولى إلى

стр. 1273

(الأولى) كمن اشترى عبداً فقال لآخر أشركتك فيه يصير نصف العبد منقولاً منه إلى الذي أشركه أو بأن يقع على الأخرى مثل ما وقع على الأولى والأول متعذر لأن الطلاق الواقع مما لا يقبل الرفع والنقل فتعين الثاني، فصار قوله: أشركتك مع فلانة في الطلاق بمنزلة قوله أوقعت عليك مثل ما أوقعت على فلانة، ولو صرح بذلك يقع للأخرى مثل ما وقع على الأولى كذا ههنا. وفي «البقالي» : لو طلق امرأته ثلاثاً ثم قال لامرأة له أخرى: جعلت لك في هذا الطلاق نصيباً، أنه ينوي، فإن نوى واحدة فواحدة وإن نوى نصيباً في كل واحدة من الثلاث قبلت. وفي «المنتقى» : لو طلق امرأته واحدة ثم قال لامرأة له أخرى: قد اشركتك في طلاقها وقعت على الثانية واحدة، فإن قال لثالثة: قد أشركتك في طلاقهما وقعت عليها ثنتان، فإن قال لرابعة: قد أشركتك في طلاقهن وقع عليها ثلاث تطليقات. في «البقالي» : لو طلق ثلاث نسوة له واحدة، واحدة ثم قال لرابعة: أشركتك في طلاقهن وقع عليها ثلاث تطليقات، ولو طلقهن على التفاوت بأن طلق واحدة منهن واحدة وطلق الأخرى ثنتين وطلق الأخرى ثلاثاً، ثم قال للرابعة: أشركتك في طلاق إحداهن فقد قيل: يخير. فروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله في «الإملاء» : لو أن رجلاً طلق امرأته على جُعل ثم قال لامرأة أخرى له: قد أشركتك (٢٤٦ب١) في طلاقها فقالت: لا أقبل يلزمها، الطلاق وليس عليها من الجعل شيء. ولو أن هذه المرأة التي طلقها الزوج أولاً أقامت البينة على ثلاث قبل الخلع ورجعت بالجعل الذي أعطته، فإن كان الزوج جاحداً للطلقات الثلاث، يعني قبل إقامة البينة وبعدها يقع الطلاق على الثانية بغير شيء. فإن كان مصدقاً لها فيه يعني بعد إقامة البينة لم يقع على الثانية شيء. وفي «القدوري» : لو قال لامرأتين له: أشركت بينكما في تطليقتين فهو بمنزلة قوله: بينكما تطليقتان حتى يقع على كل واحدة واحدة، وعن أبي يوسف ﵀: أنه يقع على كل واحدة تطليقتان. وفي «البقالي» وفي «المنتقى» : إذا طلق امرأة له ثم تزوجها، ثم قال لامرأة أخرى له قد أشركتك في طلاق فلانة طلقت. ولو قال أشركتك في طلاق فلانة ولم يكن طلقها أو كانت فلانة تحت زوج آخر قد طلقها أو لم يطلقها، ففي امرأة الغير لا يلزم امرأته طلاق إن كان طلقها أو لم يطلقها نوى الزوج طلاقاً أو لم ينو، وفي امرأة يملكها لا تطلق الثانية إذا لم يكن طلق تلك ولا يكون هذا إقرار بطلاق تلك. رواه بشر عن أبي يوسف رحمهما الله وأبو سليمان عن محمد رحمهما الله مطلقاً، وزاد في «البقالي» : ولا يكون هذا إقراراً بطلاق تلك إلا أن يقول: أشركتك في طلاق فلانة التي طلقها، وفي «البقالي» أيضاً: أشركها في طلاق امرأة الغير لا يصح إلا أن يقول: أنا أوقع طلاقه الذي أوقع عليها على امرأتي: ولو قال لامرأة له: إذا دخلت هذه الدار فأنت

стр. 1274

طالق، ثم قال لامرأة أخرى له: أشركتك في هذه التطليقة، فإذا دخلت الدار طلقتا. وكذلك لو قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق ثم قال لامرأة له أخرى: قد أشركتك في طلاق هذه، إذا تزوجها طلقتا. وإذا تزوج امرأة نكاحاً فاسداً ثم طلقها ثلاثاً ثم قال لأخرى قد أشركتك في طلاق هذه ولا نيّة له لم تطلق. ولو قال: قد أشركتك في الطلاق الذي تكلمت به طلقتا ثلاثاً. وفي «المنتقى» : إذا قال لامرأته: إن طلقتك، فهذه مثلك لامرأة أخرى له، ولا نية له في الطلاق أو نوى الطلاق، ثم إنه طلق الأولى ثلاثاً تطلق هذه الأخيرة واحدة. وكذلك إذا قال لامرأته حيثما طلقتك، فهذه الأخرى مثلك ينوي الطلاق وطلق الأولى ثلاثاً طلقت الأخرى واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً. وإن طلق الأولى واحدة طلقت الأخرى واحدة. وفي «نوادر ابن سماعة» (عن محمد) رحمهما الله: إذا طلق الرجل امرأته ثم قال لامرأة له: أنت مثلها ينوي به الطلاق. إذا قال: أنت نظيرها ينوي بها الطلاق فهي طالق، وكذا لو قال رجل لآخر لامرأته. وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله في أمة أعتقت واختارت نفسها، فقال زوجها لامرأة أخرى قد أشركتك في طلاق هذه لا يقع عليها طلاق، وكذلك كل فرقة بغير طلاق. ولو قال: قد أشركتك في فرقة هذه، أو قال: قد أشركتك في بينونة ما بيني وبينها لزمها تطليقة بائنة، وإن نوى ثلاثاً قبلت. وإن قال: لم أنو الطلاق لم يدين في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله، وروى أبو سليمان عن محمد رحمهما الله أنه لا يقع عليها شيء. وفي «المنتقى» : إذا خلع امرأته على ألف ثم قال لامرأة أخرى له: قد أشركتك في خلع هذه فإن قبلت وقع عليها الخلع بخمس مائة. وعلى قياس ما تقدم ينبغي أن يقع عليها الخلع بألف إذا قبلت؛ لأنه تعذر إثبات المساواة بينهما بنقل الخلع بنصف المال إلى الأخرى، فيتعين إثبات المساواة بإيقاع مثل ذلك إلى الأخرى، والله أعلم بالصواب. الفصل الثامن: في الطلاق الذي يكون من غير الزوج فيجيزه الزوج، فيقع أو لا يقع . إذا قالت المرأة لزوجها: قد طلقت نفسي فقال الزوج: قد أجزت ذلك فهذا جائز، ويقع عليها تطليقة رجعية؛ لأن هذا تصرف فضولي لم يجد نفاذاً عليها؛ لأن المرأة لا تملك إيقاع الطلاق على نفسها وله مجيز حال وقوعه وهو الزوج، فيتوقف على إجازته. وإذا أجاز ينفذ ويقع الطلاق رجعياً لأن الفضولي عند الإجازة كالتوكيل، وقول التوكيل ينتقل إلى الموكل فيما لا ترجع حقوقه إلى الوكيل، فإن قال الزوج لها: طلقتك وهناك

стр. 1275

يقع الطلاق رجعياً. ولا يشترط به الطلاق من الزوج عند قوله؛ أجزت لوقوع الطلاق. ولو نوى الزوج الثلاث عند قوله: أجزت لا تصح نيته؛ لأن تقدير هذه المسألة كأن الزوج قال لها: طلقتك، وهناك لا يحتاج إلى نية الزوج، فلا تصح نية الثلاث منه كذا ههنا. وكذلك إذا قالت: أبنت نفسي منك أو حرمت نفسي عليك فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق يقع الطلاق؛ لأن هذا تصرف فضولي لم يجد نفاذاً على الفضولي وله مجيز حال وقوعه وهو الزوج فيقف على إجازة الزوج، فإذا أجازه ينفذ، ويصير تقدير المسألة كأن الزوج قال: أبنتك حرمتك على نفسي، ولهذا يحتاج إلى نية الطلاق عند قوله أجزت، وتصح نية الثلاث عند عدم نية الثلاث وتقع تطليقة بائنة لأن هذه الألفاظ من جملة الكنايات، والواقع بالكنايات بائن وتصح نية الثلاث فيها. ولو قالت: اخترت نفسي (منك، فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يكن له) مجيزٌ حال وقوعه؛ لأن الزوج لا يملك إجازة ذلك؛ لأن ملك الإجازة يستفاد من ملك الإنشاء والزوج لا يملك إنشاء الإيقاع بهذا اللفظ فإنه لو قال: اخترتك اخترت نفسك ونوى الطلاق لا يقع لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه ولو قالت المرأة: جعلت أمري بيدي، فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق صار أمرها بيدها؛ لأن الزوج يملك جعل أمرها بيدها بهذه اللفظة بأن يقول جعلت أمرك بيدك فكان لهذا التصرف مجيز حال وقوعه فيتوقف على إجازته وينفذ بإجازته وإن اختارت نفسها بعد ذلك في المجلس يقع الطلاق وما لا فلا، وكذلك لو قالت: جعلت الخيار إليّ فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق صار الخيار إليها. ولو قالت: جعلت أمري بيدي واخترت نفسي فقال الزوج: أجزت ذلك صار الأمر بيدها، ولكن لا يقع الطلاق ما لم تختر نفسها بعد إجازة الزوج في مجلسها ذلك لأنها باشرت تصرفين ولأحدهما الزوج مجيز وهو جعل الأمر بيدها ولا مجيز للآخر، وهو الاختيار، فيتوقف الأمر باليد على الإجازة، ولا يتوقف الاختيار بل يبطل. فإذا أجازهما صار الأمر بيدها، فإذا اختارت نفسها بعد ذلك (٢٤٧ أ١) في مجلسها ذلك طلقت وما لا فلا. ولو قالت: قد كنت جعلت أمس أمري بيدي واخترت نفسي، فقال الزوج: صدقت وقد أجزت ذلك الساعة وهو يريد الطلاق بيدها، ولكنها، لا تطلق إلا إذا اختارت نفسها في ذلك المجلس. ولو كانت قالت: قد كنت قلت أمس: أمري بيدي اليوم كله واخترت نفسي، فقال الزوج: صدقت وقد أجزت ذلك الساعة كان ذلك باطلاً كما لو اختارت نفسها بعد إجازة الزوج لا يقع عليها الطلاق. والفرق: أن في المسألة الأولى ذكرا الأولى ذكر أمس لبيان وقت التفويض على سبيل التاريخ لا لتأقيت التفويض بالأمس، كقوله بعت أمس، أجزت أمس، فبقي الأمر مرسلاً غير مؤقت بالأمس، فيكون قائماً وقت الإجازة، فالإجازة لاقت تفويضاً قائماً وقت الإجازة، فعملت.

стр. 1276

أما ذكر أمس في المسألة الثانية لبيان تأقيت التفويض فيه لا لبيان تاريخ التفويض لأنه إن ذكر الأمس مطلقاً أو ذكر بعض الأمس يكفي في التاريخ، فلم يكن لقوله كله فائدة سوى التأقيت به، ألا ترى أن من قال لغيره: أجزت منك هذا العبد اليوم كله كان ذلك اليوم للتأقيت حتى يجوز العقد. وإذا قال: بعت منك هذا العبد اليوم كله، ذكر اليوم للتأقيت حتى يبطل العقد فكذا ههنا. ولما ذكر الأمس لتأقيت التفويض به لا يبقى التفويض بعد، فالإجازة تلاقي تفويضاً منتهياً، فلا تعمل. هذه الجملة من أيمان «الجامع» . وفي طلاق «الجامع» : رجل قال لامرأة رجل: جعلت أمرك بيدك، فقالت قد اخترت نفسي فبلغ الزوج الخبر، فقال: أجزت ذلك كله صار الأمر بيدها، ولكن لا يقع الطلاق ما لم تختر نفسها في مجلس علمها بإجازة الزوج. والمعنى ما ذكرنا في قول المرأة: جعلت أمري بيدي واخترت نفسي. ولو قالت المرأة: جعلت أمري بيدي وطلقت نفسي بذلك، فأجاز الزوج ذلك طلقت واحدة رجعية، وصار الأمر بيدها حتى لو طلقت نفسها بحكم التفويض يقع طلاق آخر بائن؛ لأنها تصرفت تصرفين: الطلاق والتفويض، والزوج مجيز لهما، فيتوقفا على إجازته وينفذا بإجازته. وكان ينبغي أن لا يكون الواقع للحال رجعياً؛ لأنها أوقعت الطلاق بطريق الاختيار، حيث قالت: وطلقت نفسي بذلك، أي بذلك التخيير الذي جعلت في يدي والواقع بالتخيير يكون بائناً، والجواب أن إشارتها لا تصح لأنها؛ لا تملك التطليق قبل التفويض، وقبل الإجازة لم يوجد التفويض إليها، فلغت الإشارة وبقي أصل الطلاق....، كأنها قالت: جعلت أمري بيدي وطلقت نفسي. ولو قالت المرأة لزوجها: قد اخترت نفسي منك كان باطلاً؛ لأن اختيارها نفسها لا يتوقف على الإجازة ولا ينفذ ذلك منها لاختيارها نفسها قبل صيرورة الأمر بيدها فيبطل ضرورة. رجل قال لامرأة رجل: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فأجاز الزوج ذلك ثم دخلت الدار طلقت. ولو دخلت الدار قبل إجازة الزوج لا تطلق، فإن عادت بعد الإجازة فدخلت الدار طلقت؛ لأن تصرف الفضولي إنما يصير يميناً بإجازة الزوج والأيمان تقتضي شروطاً في المستقبل. ولو أن رجلاً قال لرجل: بلغني أن امرأتي تخرج من منزلها وأنا غائب وأنا أريد أن أحذرها فاكتب في ذلك كتاباً، فكتب الرجل إليها: أما بعد فإن خرجت من منزلك فأنت طالق ثلاثاً، فخرجت المرأة من المنزل بعدما كتب الرجل الكتاب قبل أن يقرأه الكاتب على الزوج ثم قرأه على الزوج فأجازه وبعث بالكتاب إلى المرأة فليس يقع بالخروج الأول شيء، وإنما هذا على خروج يوجد بعد الإجازة؛ لأن قول الزوج للكاتب: اكتب بذلك كتاباً ليس فيه ما يدل على الطلاق، وإنما أمره أن يكتب كتاباً يمنعها عن الخروج بعظة يعظها، وقد يكون ذلك بالطلاق وقد يكون بغيره، فلم يثبت الأمر بكتابة اليمين

стр. 1277

بالطلاق، فكان فضولياً في كتابة اليمين بالطلاق وإنما ينعقد يميناً إذا أجاز الزوج ولا معتبر فالشروط قبل انعقاد اليمين. وفي «المنتقى» عن ابن سماعة قال: سمعت أبا يوسف رحمهما الله: يقول في رجل قال لامرأة رجل: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فقال الزوج: نعم قد حلف الزوج بذلك كله، فإن دخلت بعد قوله نعم فهي طالق. فكذلك قال: ألزمتها ذلك ولو لم يقل الزوج شيئاً حتى دخلت الدار، فقال: قد أجزت هذا الطلاق عليها فهو جائز. وفي أيمان «القدوري» : إذا قال الزوج: امرأة زيد طالق وعبده حر، وعليه المشي إلى بيت الله تعالى إن دخل هذه الدار، فقال زيد: نعم، وقد حلفت بذلك كله، ولو لم يقل نعم ولكن قال: أجزت ذلك، فهذا لم يحلف على شيء، وإنه يخالف مسألة «الجامع» التي تقدم ذكرها. ولو قال: أجزت ذلك عليها إن دخلت الدار، أو قال: ألزمته نفسي إن دخلت الدار لزمه. وفيه أيضاً: لو قال امرأة زيد طالق، فقال زيد: أجزت أو رضيت أو ألزمته نفسي لزمه الطلاق. وفيه أيضاً: إذا قال الرجل: إن بعت هذا المملوك من زيد فهو حر، فقال زيد: نعم، ثم اشتراه زيد لا يعتق عليه. ولو قال: إن اشترى زيد مني هذا العبد فهو حر، فقال زيد: نعم، ثم اشتراه عتق عليه. وفي «المنتقى» : إذا طلق الرجل امرأة رجل أو أعتق عبده أو باعه فقال الزوج أو المولى: رضيت بذلك أو قال: شئت ذلك، فهو إجازة. ولو قال: قد أحببت ذلك، أو قال: هويت، أو أردت، أو قال: أعجبني ذلك، أو قال وافقني ذلك فذلك ليس بإجازة. وفيه أيضاً: إذا قال الرجل لامرأة رجل: اختاري، يعني الطلاق فاختارت نفسها أو قال لها: أمرك بيدك، ينوي الطلاق، فاختارت نفسها، أو قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت، وقال الزوج: قد أجزت ذلك فهي طالق. ولو قال: أجزت قوله: أمرك بيدك وأجزت قوله: اختاري لم يلزمها الطلاق إلا أن تختار نفسها بعد إجازة الزوج في مجلس علمها بإجازة الزوج. وفيه أيضاً: إذا قالت لنفسها: إذا ولدت ولداً، فأنا طالق فولدت ولداً فقال الزوج: قد أجزت ذلك فهي طالق. ولو قال ألزمت نفسي قولك إذا ولدت ولداً لا تطلق ما لم تلد ولداً آخر. ولو قالت: أنا طالق بألف درهم، فقال الزوج: نعم لزمها (٢٤٧ب١) تطليقة بألف درهم. الفصل التاسع: في الاستثناء في الطلاق يجب أن يعلم بأن الاستثناء يصح موصولاً ولا يصح مفصولاً. وشرطه أن يتكلم بالحروف سواء كان مسموعاً أو لم يكن عند الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵀، وكان

стр. 1278

الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀ يقول: لا بد وأن يسمع نفسه، وبه كان يفتي الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀، قال الكرخي ﵀ في «كتابه» كلمة إن شاء الله إذا وصلت بالكلام ترفع حكمه، أي: يصرف (أياً) كان. وحكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا قال الرجل: نويت أن أصوم غداً إن شاء الله كانت نيته صحيحة، لو صام غداً بهذه النية يجوز استحساناً. وتخرج المسألة من وجهتين: إحداهما: أن كلمة إن شاء الله في هذه الصورة تستعمل لطلب التوفيق عادة، ولا تستعمل للتعليق، حتى لو استعملها للتعليق لا تصح نيته أيضاً. الثاني: أن الاستثناء عمل اللسان ويرفع حكم كل تصرف يختص باللسان نحوالطلاق والعتاق والبيع، والنية عمل القلب لا تعلق له باللسان، فلا يرفع الاستثناء حكمه. وذكر في «الفتاوى» : المريض إذا قال لورثته: اعتقوا فلاناً عني بعد موتي إن شاء الله صح الإيصاء حتى يجب عليهم الإعتاق. وتخريجه: أن هناك الاستثناء دخل في الأمر، والاستثناء يعمل في الإيجاب لا في الأوامر لعلة أن الإيجاب يقع لازماً فيحتاج فيه إلى الاستثناء حتى لا يلزمه حكمه، وأما الأوامر لا تقع لازمة، فإنه يمكن الرجوع فيها، فلا تقع الحاجة فيها إلى الاستثناء، وصار الحاصل أن كلمة إن شاء الله إذا دخلت على ما يختص باللسان وهو إيجاب يرفع حكمه، وإذا دخلت على ما لا يختص باللسان أو هو أمر، فليس بإيجاب إذا دخلت على الأمر يرفع حكمه. وإذا قال لها: أنت طالق إن شاء الله، فهذا استثناء، وكذلك إذا قال: ما شاء الله فهو استثناء، وكذلك إذا قال: إلا إن شاء الله، ولو قدم الاستثناء فإن ذكر الطلاق بحرف الفاء بأن قال إن شاء الله فأنت طالق، فهذا استثناء صحيح. وكذلك إذا قال: إن شاء الله قوله ... لله لا أدخل الدار، فهذا استثناء صحيح، لو دخلت الدار لا يحنث في يمينه. ألا ترى أنه لو ذكر مكان: إن شاء الله شرطاً آخر بأن قال مثلاً: إن دخلت الدار فأنت طالق كان تطليقاً صحيحاً. وإن ذكر الطلاق بدون حرف الفاء قال: إن شاء الله أنت طالق فهذا استثناء صحيح في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد ﵀: هذا استثناء منقطع، والطلاق واقع في القضاء ويدين فيها بينه وبين الله تعالى، وإن كان إرادته الاستثناء ذكر الخلاف على هذا الوجه. وعن أبي يوسف ﵀ إذا قال: إن شاء الله وأنت طالق فهذا استثناء. وعنه أيضاً: إنه ليس باستثناء. وعنه أيضاً: إذا قال: أنت طالق وإن شاء الله، أو قال: أنت طالق فإن شاء الله، فهذا ليس باستثناء.

стр. 1279

وفي «المنتقى» : إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا ما شاء الله إنها تطلق واحدة قال ثمة: وأجعل الاستثناء على الأكثر، وذكر بعد ذلك مسائل أنت طالق ثلاثاً إلا ما شاء الله أنت طالق ثلاثاً إلا أن يشاء الله، وذكر أنه لا يقع الطلاق أصلاً. وإذا قال لها: أنت طالق إن شاء الله ولا يدري أي شيء إن شاء الله لا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع بعلمه وجهله يكون فيه سواء.r ألا ترى أن سكوت البكر لما جعل قضاء شرعاً استوى فيه الجهل والعلم حتى لو زوجها أبوها فسكتت وهي لا تعلم أن السكوت رضا يجوز النكاح، ولم يعتبر جهلهما ولو قال لها: أنت طالق فجرى على لسانه من غير قصد إن شاء الله، فكان قصده إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وجد موصولاً مع الاستثناء لا يكون إيقاعاً فهو كما لو قال لها: أنت طالق فجرى على لسانه أو غير طالق، ولو ضم مع مشيئة الله تعالى مشيئة غيره كان استثناء. كأن قال: أنت طالق إن شاء الله و.... قال: أنت (طالق) إن شاء الله وشاء فلان. ولو شرط مشيئة من لا تعلم مشيئته نحو أن يقول إن شاء جبريل أو الملائكة أو الشياطين كان استثناء من الكلام وهذا وما لو شرط مشيئة الله تعالى سواء. وفي «الجامع» لو قال لرجل: طلق امرأتي إن شاء الله وشئت وطلقها المخاطب لا يقع، وكذلك لو قال: طلق امرأتي ما شاء الله، وشئت، فطلقها المخاطب لا يقع؛ لأن معنى قوله ما شاء الله وشئت العدد الذي شاء الله وشئت ولا يدري إن شاء الله تعالى أي عدد أو شاء شيئاً أو لم يشأ أصلاً. وهذه المسألة ودليل على أن كلمة إن شاء الله إذا دخل على الأمر ترفع حكمه. ولو قال له: طلق امرأتي بما شاء الله، وشئت أو قال: أعتق عبدي بما شاء الله وشئت فطلقها أو أعتقه على مال يجوز؛ لأن ههنا أدخل المشيئة على البدل، لا على الطلاق والعتاق فبطل ذكر البدل وبقي الأمر بالطلاق والعتاق مطلقاً، أما في قوله ما شاء الله أدخل المشيئة في عدد الطلاق ولا يدرى أي عدد شاء الله. وفي «النوازل» : إذا قال لامرأته: أنت طالق اليوم واحدة إن شاء الله وإن لم يشأ فثنتين، فمضى اليوم ولم يطلقها وقع ثنتان؛ لأن الله تعالى لو شاء الواحدة من طلقها لطلقها قبل مضي اليوم، فلما لم يطلقها علم أنه لم يشأ الواحدة، وقد علق بعدم مشيئة الواحدة تطليقتان. ولهذا قال: إذا مضى اليوم ولم يطلقها طلقت تطليقتين وإن طلقها واحدة قبل مضي اليوم لا يقع عليها إلا تلك الواحدة؛ لأن وقوع ما زاد على الواحد متعلق بعدم مشيئة الله تعالى الواحدة اليوم، وقد شاء ذلك حتى طلقها الواحدة قبل مضي اليوم. ولو لم يقيده باليوم وقال لها: أنت طالق واحدة إن شاء الله، وأنت طالق ثنتين إن لم يشأ الله لا يقع شيء لأن قوله: أنت طالق إن شاء الله كلام صحيح فلا يقع به شيء؛ وقوله: فأنت طالق ثنتين إن لم يشأ الله إذا لم يقيده باليوم كان باطلاً، لأنه لو صح لبطل

стр. 1280

من حيث صح؛ لأنه لو وقع الطلاق ثبتت مشيئة الله تعالى، ووجود الأشياء كلها مشيئة الله تعالى تخالف ما إذا قيده باليوم وذكر هذه المسألة في «المنتقى» ووصفها في الثنتين والثلاث وقال لها: أنت طالق ثنيتين اليوم إن شاء الله وإن لم يشأ الله تعالى في اليوم، فأنت طالق (٢٤٨أ١) ثلاثاً فمضى ولم يطلقها طلقت ثلاثاً وإن لم يؤقت في اليمينين جميعاً فهو إلى الموت، فإذا لم يطلقها طلقت قبل الموت، فصل هذه الزيادة في «المنتقى» ، وإنه يخالف ما ذكر في «النوازل» وذكر في «المنتقى» أيضاً قبل هذه المسألة إذا قال لها أنت طالق إن لم يشأ الله طلاقك لا تطلق بهذا اليمين أبداً وإنه يوافق ما ذكر في «النوازل» . وفي «المنتقى» عن محمد ﵀ إذا قال لها: أنت طالق أمس إن شاء الله إنه لا يقع الطلاق. نوع آخر فيما يقع به الفعل من الإيجاز والاستثناء وفيما لا يقع عن أبي يوسف ﵀ فيمن حلف بالطلاق واستثنى وتنفس بين الاستثناء وبين الطلاق ووجد من النفس بداً أو لم يجد قال: إذا فصله فهو استثناء. قال في «الجامع» : إذا قال لامرأته يا زانية أنت طالق إن شاء الله كان استثناؤه على الطلاق، ويصير قاذفاً للحال. ولو قال لها: أنت طالق يا زانية بنت الزانية إن شاء الله، فالاستثناء على الكل حتى لا يقع الطلاق ولا يَلزمه حد ولا لعان؛ لأن النسبة إنما تذكر لتعريف المنادى فيصير من جملة النداء، والنداء لا يصير فاصلاً، فكذا ما هو جملة النداء. فإن قيل: التعريف يقع بالنسبة إلى الأب دون الأم، فلم يكن قوله بنت الزانية محتاجاً إليه لتعريف المنادى فيجب أن يصير فاصلاً، قلنا النسبة إلى الأب مما يقع به التعريف، إلا أن الأم لا تذكر في النسبة لا؛ لأن التعريف بها لا يقع لكن لأن الأنساب إلى الآباء، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق يا عمرة بنت فاطمة إن دخلت الدار؛ لا يكون قوله بنت فاطمة فاصلاً كما لو قال يا عمرة بنت عبد الله وطريقه ما قلنا. ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً يا طالق إن شاء الله انصرف الاستثناء إلى الكل حتى لا يقع شيء من الطلاق، وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يقع ثلاث تطليقات ويصير قوله يا طالق فاصلاً بين الثلاث. فعلى هذه الرواية فرق أبو حنيفة ﵀ بين هذه المسألة وبين ما إذا قال لها: أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار حيث قوله يا زانية لا يصير فاصلاً بين الطلاق والشرط حتى يتعلق الطلاق بالدخول، وههنا قال: يا طالق يصير فاصلاً. والفرق: أن قوله: يا طالق إن كان نداء بصيغته فهو إيقاع بمعناه، ولهذا إذا قال يا طالق تطلق، كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً، أنت طالق إن شاء الله. وإذا كان هذا إيقاعاً معنى صار كأنه قال لها: أنت طالق ثلاثاً أنت طالق إن شاء الله، ولو قال هكذا

стр. 1281

كان قوله أنت طالق فاصلاً بين الثلاث وبين الاستثناء كذا ههنا. أما قوله: يا زانية إخبار عن صفة قائمة بها وليس بإيقاع فبقي نداء، والنداء لا يصير فاصلاً بين الشرط والجزاء والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية لأن قوله يا طالق نداء بصيغته وليس بإيقاع وإنما يثبت الوقوع بقوله يا طالق بطريق الضرورة لا بموجب الصيغة ليصير اللفظ نداء، بمعنى قائم بالمنادى، وههنا لا ضرورة إلى القول بالوقوع بطريق الاقتضاء ولا يمكن القول به لما كان الاستثناء متصلاً بقوله: يا طالق، فكان نداء بصورته كقوله يا فاطمة، يا عائشة، والنداء لا يصير فاصلاً. وفي «المنتقى» : إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً يا عمرة بنت عبد الله إن شاء الله لا تطلق. ولو قال أنت طالق ثلاثاً يا عَمرة بنت عبد الله بن عبد الرحمن إن شاء الله تطلق، فالنسبة إلى الأبوين، وأكثر من ذلك فاصل بين الإيقاع والاستثناء، والنسبة إلى أب واحد ليس بفاصل. وفي «نوادر بشر بن الوليد» : عن أبي يوسف ﵀: قال لها: أنت طالق ثلاثاً يا زانية إن شاء الله. فالاستثناء على الآخر وهو القذف ويقع الطلاق، وكذلك إذا قال لها أنت طالق يا طالق إن شاء الله، ولو قال لها: أنت طالق يا خبيثة إن شاء الله، فالاستثناء على الكل ولا يقع الطلاق كأنه قال يا فلانة، وذكر ثمة أصلاً فقال: المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق أو يجب به حد فالاستثناء عليه، نحو قوله: يا زانية ويا طالق، وإن كان يجب به حد ولا يقع به طلاق فإنه استثناء على الكل وذكر نحو قوله يا خبيثة. وفي «الجامع» : إذا قال: امرأتي طالق إن دخلت الدار، وعبدي حر إن كلمت فلاناً إن شاء الله، انصرف الاستثناء إلى اليمينين، وعن أبي يوسف ﵀: أنه يقتصر الاستثناء على اليمين الثانية. حكي عن الكرخي ﵀ كان يقول: حاصل الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألة أخرى مختلفة، إن قوله إن شاء الله يستعمل لإبطال الكلام، أو يستعمل استعمال الشروط، للتعليق فعلى قول أبي يوسف ﵀ يستعمل استعمال الشروط، وعلى قولهما يستعمل استعمال الإبطال حتى إن من قال لامرأته: إن شاء الله أنت طالق، فعلى قولهما: لا يقع الطلاق، وعلى قول أبي يوسف ﵀: يقع، ولو قال يستعمل عندهما استعمال الشروط للتعليق لكان يقع الطلاق عندهما كما يقع عند أبي يوسف ﵀، ألا ترى أنه لو قال: لامرأته: إن دخلت الدار أنت طالق إن دخلت الدار، وأنت طالق يقع الطلاق في الحال عند الكل، لما كان قوله إن دخلت الدار يستعمل استعمال الشروط ذكر الكرخي ﵀ الخلاف في مسألة المشيئة على هذا الوجه. وقد حكينا عن القدوري الخلاف في مسألة المشيئة على عكس هذا فعلى (ما) ذكره الكرخي، وأبو يوسف ﵀ يعتبر اللفظ ويقول: اللفظ لفظ شرط، وهما قالا: إنما يعتبر اللفظ عند الإمكان ولا إمكان ههنا؛ لأن معنى الشرط غير موجود ههنا؛ لأن الشرط ما ينتظر وجوده لا ما لا وجوده، ألا ترى أنه لو علق الطلاق بفعل في الماضي لا يكون ذلك شرطاً بالاتفاق لأنه لا يمكن انتظاره.

стр. 1282

قلنا: وإنما ينتظر الشيء ليتوصل إلى معرفته، ومشيئة الله تعالى مما لا يتوصل إلى معرفته فلا يصح انتظاره. إذا ثبت أن من مذهب أبي يوسف ﵀ أن هذا الكلام يستعمل استعمال الشروط يقتصر على الثاني كصريح الشرط، وعندهما لما كان يستعمل استعمال الإبطال ينصرف إليهما؛ لأنه كما مست الحاجة إلى الإبطال الثاني مست الحاجة إلى إبطال الأول، والكلام متصل، فينصرف الاستثناء إليهما بخلاف صريح الشرط؛ لأن اليمين الأول غير محتاج إلى شرط (٢٤٨ب١) آخر بل هو بدون شرط آخر فانصرف هذا الشرط إلى الثاني لهذا. وغيره من المشايخ تكلموا في المسألة على سبيل الابتداء وإنه يبتني على أصل معروف أن حرف الواو إذا دخل بين جملتين، الأولى ناقصة والأخرى تامة يجعل حرف الواو للعطف حتى يصير خبر الجملة التامة خبراً للجملة الناقصة. وإذا دخل حرف الواو بين جملتين تامتين يجعل حرف الواو للاستئناف لا للعطف، حتى لا يصير خبر إحدى الجملتين خبراً للجملة الأخرى. وجه قول أبي يوسف ﵀: أن حرف الواو دخل ههنا بين جملتين تامتين لأنه دخل بين يمينين تامتين، فيجعل للاستئناف لا للعطف، بخلاف قوله: امرأته طالق، وعبده حر إن شاء الله حيث تنصرف المشيئة هناك إلى الجملة؛ لأن هناك حرف الواو دخل بين جملتين، الأولى منهما ناقصة من حيث التعليق؛ لأنه ذكر شرطاً واحداً، فانصرف الشرط إلى الكل بحكم العطف. وهما يقولان حرف الواو دخل بين جملتين، الأولى منها ناقصة. بيانه: أن اليمين الأولى إن كانت تامة في حق التعليق بمطلق الشرط فهي ناقصة في حق التعليق بمشيئة الله تعالى الذي يخرج الكلام بها من أن يكون إيقاعاً حالاً، وما لا مكان للمشيئة المذكورة في الجملة الأخرى مذكورة في الجملة الأخرى مذكور في الجملة الأولى بحكم العطف، وكذلك الجواب فيما إذا علقه بمشيئة فلان انصرفت المشيئة إلى اليمينين ثم إذا انصرفت المشيئة إلى اليمينين إن كانت مشيئة الله تعالى بطل جميع الكلام، وإن كانت مشيئة فلان توقف الانعقاد على مشيئته، وإن شاء فلان ذلك في مجلس العقد أو تعلق كل جزاء بشرطه كأنه قال: عند مشيئة فلان امرأته طالق إن دخل الدار، وعبده حر إن كلم فلاناً، وإن قال: لا أشاء بطل اليمينان، وكذلك إن شاء إحدى اليمينين بطلا؛ لأن الحالف علق انعقاد اليمينين بمشيئة اليمينين ولم يوجد ذلك في المجلس، فصار ذلك كما لو قال: امرأته طالق، وعبده حر إن شاء فلان فشاء أحدهما لا يقع شيء، وطريقه ما قلنا. وذكر في «المنتقى» إذا قال: عمرة طالق ثلاثاً إن دخلت الدار، وزينب طالق واحدة إن كلمت فلاناً فهما يمينان، فإن استثنى بعد آخرهما ينصرف الاستثناء إلى اليمين الأخيرة، ولو أراد في القضاء والاستثناء على اليمين الأخيرة في القضاء. وفي أيمان «الأصل» : فإذا قال: والله لا أكلم فلاناً والله لا أكلم فلاناً آخر، إنه إن عنى بالاستثناء اليمينين فهو على ما نوى من غير فصل بين القضاء والديانة وإن لم يكن له

стр. 1283

نية ولاستثناء على اليمين الأخيرة، لأن الواو في اليمين الثانية واو القسم لا واو العطف. وقد ذكرنا في مسألة «الجامع» أن الاستثناء على اليمينين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، فإن كان ما ذكر في «المنتقى» قول الكل، صار عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله روايتان في المسألة، وفي «المنتقى» أيضاً: إذا قال: عمرة طالق ثلاثاً إن دخلت الدار وزينب طالق إن دخلت الدار، فهما يمين واحد، وإذا دخلت الدار مرة واحدة وقع الطلاق عليهما، وإن ذكر بعده استثناء فلاستثناء عليهما. وفيه أيضاً: لو قال: عمرة طالق إن شاءت وزينب طالق إن شاء الله، كان الاستثناء عليهما ولو قال: عمرة طالق إن شاءت، وزينب طالق إن شاءت فهما أمران مختلفان، فإذا ذكر عقيبهما استثناء ينصرف الاستثناء إلى آخرهما وإنه يخالف المذكور في «الجامع» على ما قلنا. وفي «القدوري» : إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إن شاء الله، وقع الثلاث ولغى الاستثناء في قول أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما: الاستثناء جائز. وعلى هذا الاختلاف إذا قال لها أنت طلق ثلاثاً وواحدة إن شاء الله، ولو قال لها أنت طالق واحدة وثلاثاً إن شاء الله، فالاستثناء صحيح في قولهم جميعاً. وجه قولهما أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع ولو جمع بلفظ الجمع، فقال: أنت طالق ستاً إن شاء الله أو قال: أنت طالق أربعاً إن شاء الله، كان الاستثناء صحيحاً في قولهم جميعاً. وكذا ههنا. وجه قول أبي حنيفة ﵀ أن العدد الثاني حشو لا يتعلق به حكم، فإن الزوج لا يملك إيقاع أكثر من الثلاث واللغو حشو من الكلام فيصير كالسكوت؛ بخلاف قوله أنت طالق واحدة وثلاثاً إن شاء الله، لأن العدد الثاني تعلق به حكم فلا يصير لغواً، وفاصلاً بين الإيقاع والاستثناء وفي «النوازل» : رجل بلسانه ثقل لا يتم كلامه إلا بعد طول المدة: حلف بالطلاق وأراد الاستثناء التعليق فطال في تردده، إن عُرف أنه هكذا يتكلم يجوز ديانة وقضاء لأنه موصول معنى لمكان العذر. وفي «النوازل» : إذا قال لها أنت طالق ثلاثاً، فأراد أن يقول: إن دخلت الدار فأخذ غيره فمه وإن قال بعدما خلى فمه موصولاً: إن دخلت الدار، لا يقع؛ لأنه سكت لضرورة، فلا يعتبر فاصلاً، كما إذا اعترض له عطاس أو جشاء. ولو قال: لله علي أن أتصدق بدرهم أكر، وهو يريد أن يقول أكر فلان كتم فأخذ إنسان فمه، فلم يتم الكلام، فلما رفع يده عن فمه قال: فلان كاركتم، فالأحوط أن يتصدق، والفرق أن الطلاق محظور فيتكلف لإعدامها وأمكن إعدامها بجعل هذا الانقطاع غير فاصل كما لو حصل الانقطاع بعطاس وأما الصدقة عبادة، فلا يتكلف لإعدامها. وعلى قياس مسألة «النوازل» قالوا: إنما ذكر في الأيمان أن من حلف وأراد أن يقول في آخره: إن شاء الله فشد إنسان فمه إنه يكون استثناء، تأويله إذا ذكر الاستثناء بعد رفع اليد عن فمه متصلاً به. وقد وجدنا في «نوادر هشام» أنه قال سألت محمداً رحمه الله

стр. 1284

عمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، وهو يريد أن يستثني فأمسكت بفمه، وخلت بينه وبين الاستثناء قال: يلزمه الطلاق في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وعن أبي يوسف ﵀ إذا قال: أنت طالق أستغفر الله إن شاء الله، أو قال سبحان الله إن شاء الله كان استثناء ديانة، ولم يكن استثناء قضاء. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا أراد أن يستحلف رجلاً فخاف أن يستثني في السر، فالوجه في ذلك أن يأمره حتى يقول عقب اليمين كلاماً لا يصلح استثناء أو تعليقاً، لأنه إذا فعل ذلك يمتنع الاستثناء لوجود الفاصل. نوع آخر في دعوى الزوج (٢٤٩أ١) الاستثناء، وفي إخبار غير الزوج الزوج بالاستثناء إذا ادعى الزوج التكلم بالاستثناء أو التكلم بالشرط في الخلع أوادعى التكلم بالاستثناء أو الشرط في الطلاق، فالقول قول الزوج، فإن شهد الشهود بخلع أو طلاق بغير استثناء لم يقبل قول الزوج بعد ذلك ويقضي القاضي بالطلاق وبالخلع. وإن شهدوا بالخلع أو بالطلاق، وقالوا: لم نسمع منه غير كلمة الخلع والطلاق والزوج يدعي الاستثناء، فالقول قول الزوج ولا يقضى بالطلاق إلا إذا ظهر منه ما هو دليل صحة الخلع من غير قبض البدل أو ما أشبه ذلك، كذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرح السير» في باب ما يصدق فيه الرجل من الردة فلا تبين منه امرأته. وفي باب الخلع من «الكافي» ، «مختصرالقصار» : إذا خالع ثم قال: لم أعن به الطلاق إن كان أخذ جُعلاً على الخلع لم يصدق قضاءً. قال مشايخنا ﵏: والمراد من أخذ الجعل ذكر الجعل لا حقيقة الأخذ. فعلى هذا إن ذكر البدل وقت الطلاق والخلع لا يصدق قضاءً في دعوى الاستثناء، وإن لم يذكر البدل يصدق قضاء في دعوى الاستثناء. وذكر نجم الدين النسفي ﵀ في «فتاويه» عن شيخ الإسلام أبي الحسن ﵀ أن مشايخنا استحسنوا في دعوى الاستثناء في الطلاق لا يصدق الزوج إلا ببينة؛ لأنه خلاف الظاهر وقد فسدت أحوال الناس فلا يؤمن التلبيس. وحكي عن شمس الإسلام محمود الأوزجندي ﵀ بأنه كان يقول: إن عرف الطلاق بإقراره تسمع دعوى الاستثناء منه، وإن عرف بالبينة لا تسمع منه دعوى الاستثناء. وكان الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني ﵀ يقول: لو قال طلقت واستثنيت لا يصدق قضاء. ولو قال: قلت لها أنت طالق واستثنيت يصدق قضاءً. وذكر محمد ﵀ في كتاب الإقرار في باب الإقرار بالعتق: إذا قال لعبده: أعتقك أمس وقلت إن شاء الله صدق ولا يعتق العبد، وذكر في باب الإقرار بالنكاح: إذا قال الرجل لامرأة: تزوجتك أمس وقلت: إن شاء الله، وقالت المرأة: ما استثنيت،

стр. 1285

فالقول قوله. وكذلك العتق والطلاق والفتوى على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن دعوى الاستثناء في الطلاق صحيح، وكذا في الخلع إلا إذا ظهر منه ما هو دليل صحة الخلع. وقد وجدت الرواية في «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀ أنه لو قال: طلقتها، ولكن كنت نائماً ألزمته الطلاق، ولو قال: طلقتها ثم استثنيت لم يكن مستثنياً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وبهذه الرواية يتبين أن ما ذكر في «الأصل» قول محمد ﵀: وإذا طلق الرجل امرأته فشهد عنده شاهدان أنك استثنيت موصولاً بالطلاق ولا يتذكر هو ذلك ينظر إن كان هو بحال إذا غضب تجرى على لسانه ما لا يحفظ بعده جاز له الاعتماد على قول الشاهدين بناء على الظاهر، وإن لم يكن بهذه الحالة لا يعتمد؛ لأنه بخلاف الظاهر والله أعلم. نوع آخر في إيقاع عدد من الطلاق واستثناء بعضه قال هشام: سألت محمداً رحمهما الله عمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وواحدة، وواحدة قال وقع الثلاث وبطل الاستثناء في قول أبي حنيفة ﵀، وفي قولنا: تطلق ثنتين. وعن أبي يوسف ﵀ إنها تطلق واحدة. فالأصل: أن استثناء البعض من الكل صحيح قلّ المستثنى أو كثر، وإنما ينظر في هذا إلى اللفظ لا إلى الحكم، ألا ترى أنه لو قال لها: أنت طالق أربعاً إلا ثلاثاً صح الاستثناء، وإن كان هذا استثناء الكل من الكل من حيث الحكم؛ لأن ذكر الأربع ذكر للثلاث لأن الطلاق لا يزيد على الثلاث اعتباراً للفظ. وسيأتي شيء من هذا في آخر هذا النوع. واستثناء الكل من الكل باطل بلا خلاف بين أصحابنا ﵏ واختلفت ألفاظ المشايخ فيه: بعضهم قالوا: الاستثناء جارٍ مجرى التخصيص، والتخصيص لا يرد على الكل. وبعضهم قالوا: الاستثناء إذا دخل على الكلام يصير تكلماً بالباقي، ولا بُدّ وأن يكون تكلماً بالكل لا باقياً بعد الاستثناء بعد هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: الكلام يحمل على الصحة ما أمكن ذلك في مسألتنا في اقتصار الاستثناء على الأولى والثانية عند أبي يوسف ﵀، وعلى الأولى عند محمد ﵀. وعند ذلك لا يتحقق استثاء الكل من الكل. وأبو حنيفة ﵀ يقول: أول الكلام يتوقف على آخره إذا وجد في آخره ما يغير حكم أوله، وبذكر الثالثة يتغير الحكم الأولى والثانية؛ لأن الكل إذا اعتبر جملة يلغو الاستثناء لأنه يصير كأنه قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً. ولو قال لها: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثاً بطل الاستثناء؛ لأنه استثنى الكل. ولو قال لها: أنت طالق ثنتين وواحدة إلاّ ثنتين فهي ثلاث، وكذلك الجواب فيما إذا بدأ بالواحدة، فقال أنت طالق واحدة وثنتين إلا ثنتين فهي ثلاث، أما إذا بدأ بالواحدة لأن الأصل في الاستثناء أن ينصرف إلى ما يليه، فيصير مستثنياً لكل ما تكلم به نظراً إلى

стр. 1286

ما يلي الاستثناء فيلغو. وأما إذا بدأ بالثنتين؛ لأنه لا يمكن صرف الاستثناء إلى الثنتين المذكورتين في صدر الكلام إما لأنه يصير مستثنياً جميع ما تكلم به، وإما لأن الواحدة فاصلة ولا يمكن صرف الاستثناء إلى جملة الكلام لأنه يصير مستثنياً الواحدة المفردة بتمامها.f فيصير مستثنياً جميع ما تكلم به نظراً إلى الواحدة المفردة. ولو قال لها: أنت طالق واحدة وثنتين إلا واحدة تقع ثنتان ويصير مستثنياً الواحدة من الثنتين وإنه استثناء البعض من الكل فيصح. ولو قال: أنت طالق ثنتين (واثنتين) إلا ثنتين صح الاستثناء (و) وقعت ثنتان في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، ويجعل مستثنياً من كل ثنتين تطليقة تصحيحاً لكلام القائل بقدر الممكن. هكذا ذكر القدوري ﵀ في «شرحه» ، وذكر شيخ الإسلام هذه المسألة في «شرحه» ، وذكر أنه ينوي الزوج، فإن عنى استثناء إحدى الثنتين بكماله إما الأولى وإما الأخرى كان الاستثناء (٢٤٩ب١) . باطلاً، وإن نوى واحدة من الثنتين الأوليين وواحدة من الثنتين الأخريين الاستثناء صحيح وعندهما فروي عن محمّد ﵀، إذا قال لها: أنت طالق ثنتين واثنتين إلا ثلاثاً، قال: هي ثلاث والاستثناء باطل، وكذلك إذا قال لها: أنت طالق ثنتين، وأربعاً إلا خمساً هكذا ذكر في «القدوري» . وفي «المنتقى» إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إلا أربعاً فهي ثلاث في قول أبي حنيفة ﵀، وهكذا روي عن محمد ﵀ ويصير قوله ثلاثاً ثانياً فاصلاً بين الأوّل وبين الاستثناء. وقال أبو يوسف ﵀: إنّها تطلق ثنتين، وهو الظاهر من قول محمّد ﵀، ولا يصير قوله: وثلاثاً ثانياً فاصلاً، وإذا لم يصر الثاني فاصلاً عندهما. ذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرحه» أنّه ينوي هذا الرجل إن قال عنيت الثنتين من الثلاث الأول والثنتين من الثلاث الأخر يصحّ الاستثناء، وما لا فلا. ولم يشترط هذه النية في «المنتقى» ، وكذلك لم يشترط شمس الأئمة الحلواني ﵀ هذه النية على قولهما، فصار حاصل مذهبهما، كأنّه قال لها: أنت طالق ستاً إلا أربعاً، فروى ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀ فيمن قال لامرأته؛ أنت طالق ثنتين وثنتين وثنتين إلا أربعاً، فهي طالق ثنتين، من حيث المعنى هذه المسألة والمسألة المتقدمة سواء، وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة أو ثنتين، لم تأت قبل أن يختار واحدة أو ثنتين، فهي واحدة، ويجعل الاستثناء على أكثر. ذكر القدوري ﵀ في «شرحه» : إذا أوقع أكثر من ثلاث، ثم استثنى كان الاستثناء من جملة الكلام، لا من جملة الثلاث التي يحكم بوقوعها نحو أن يقول: أنت طالق عشراً إلا تسعاً وقعت واحدة، ولو قال: إلا ثماناً وقعت ثنتان، ولو قال إلا سبعاً وقع الثلاث، فقد صحّ الاستثناء في هذه الصورة، وإن كان هذا استثناء الكل من الكلّ؛ لأنَّ هذا استثناء البعض من الكل لفظاً، وقد مر شيء من هذا قبل هذا.

стр. 1287

ومن هذا الجنس. روي عن محمّد ﵀ في «النوادر» إذا قال: نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة ليس له من النسوة سواهن صح الاستثناء، ولو قال: نسائي طوالق إلا نسائي لا يصحّ، وما أقرها إلا باعتبار اللفظ. وفي «البقالي» : إذا قال: كلّ امرأتي لي طالق إلا هذه، وليس له غيرها لم تطلق، ولو قال: نسائي طوالق فلانة وفلانة وفلانة إلا فلانة فالاستثناء جائز؛ لأن قوله: فلانة وفلانة وفلانة تفسير لقوله: نسائي طوالق، فيكون الحكم بقوله: نسائي طوالق. ولو قال نسائي طوالق إلا فلانة يصحّ الاستثناء كذا ها هنا، ولو قال: فلانة طالق وفلانة وفلانة إلا فلانة لا يصح الاستثناء، وكذلك إذا قال: هذه وهذه وهذه إلا هذه كان الاستثناء باطلاً. وفي «المنتقى» : إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة أو لا شيء، فهذا لم يستثن شيئاً وطلقت ثلاثاً، وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا نصف تطليقة، فاعلم بأن الطلقة لا تتجزأ في طرف الإيقاع، وهل تتجزأ في طرف الاستثناء. فعلى قول أبي يوسف ﵀، لا تتجزأ وعن محمّد ﵀، روايتان: حتى إن في هذه المسألة تقع ثنتان عند أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد رحمهما الله، ويصير كأنّه قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، في رواية أخرى تتجزأ في طرف الاستثناء حتّى إن في هذه المسألة تقع الثلاث على هذه الرواية؛ لأنّه لما صح استثناء النصف، صار تقدير كلامه؛ أنت طالق تطليقتين ونصف فتكاملت التطليقة الثالثة، وعلى هذا إذا قال لها: أنت طالق واحدة ونصف، فعلى قول أبي يوسف ﵀ تقع ثنتان، وعن محمّد ﵀ روايتان، في رواية: تقع ثنتان كما هو قول أبي يوسف ﵀، وفي رواية تقع واحدة. نوع آخر وكما يصح الاستثناء من أصل الكلام يصح الاستثناء من الاستثناء، قال الله تعالى: ﴿إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ (الحجر: ٥٩، ٦٠) استثنى آل لوط من جملة الناس، واستثنى امرأة لوط من آله. بيان هذا: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة يقع ثنتان، والأصل في جنس هذه المسائل أن المستثنى ثانياً يجعل مستثنياً من الاستثناء الأوّل، ثمِّ ينظر إلى ما بقي من هذا، فيعزل من: الاستثناء الأول فيجعل ذلك مستثنياً من أصل الكلام. إذا ثبت هذا فنقول له: الاستثناء الثاني واحدة، فيجعل ذلك مستثنياً من أصل الكلام، وهو الثلاث يبقى من أصل الكلام ثنتان، فهي الواقع. وعلى هذا إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدة تقع واحدة، ويجعل الواحدة مستثنياً من الاستثناء الثاني، وهو الثلاث يبقى من الاستثناء الثاني ثنتان يجعل ذلك مستثنياً من الاستثناء الثاني وهو الثلاث يبقى من الاستثناء الثاني ثنتان يجعل ذلك مستثنياً من الأصل، وهو الثلاث يبقى واحدة، فهي الواقع. وكذلك إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة وقعت واحدة، والوجه ما ذكرنا. ومن المشايخ من اعتبره بنوع تقريب، فقال: ينبغي أن تعقد العدد الأوّل

стр. 1288

بيمينك، والثاني بيسارك، والثالث بيمينك، والرابع بيسارك ثمَّ أسقط ما في يسارك مما في يمينك، فما بقي فهو الواقع. نوع آخرمن الاستثناء ينبني على أصلين: أحدهما: أن المتكلم بكلام مقرون بالاستثناء إذا ذكر عقيبه وصفاً يليق بالمستثنى، ولا يليق بالمستثنى منه يجعل وصفاً للمستثنى حتى يبطل ببطلانه، وإذا ذكر (عقيبه وصفاً) يليق بالمستثنى منه، ولا يليق بالمستثنى فقد اختلفت عبارة المشايخ فيه بعضهم قالوا: يجعل وصفاً للمستثنى منه حتى تثبت بينونة تصحيحاً له بقدر الإمكان، وبعضهم قالوا: يجعل وصفاً للكل تحقيقاً لدخوله على الكل، أو تحقيقاً للمجانسة بين المستثنى والمستثنى منه، فإنَّ المستثنى من جنس المستثنى منه في الظاهر. وإذا ذكر وصفاً يليق بالمستثنى وبالمستثنى منه، فقد اختلفت عبارة المشايخ فيه أيضاً. بعضهم قالوا: يجعل وصفاً للكل تحقيقاً لدخوله على الكل أو تحقيقاً للمجانسة، فيبطل المستثنى بوصفه ويبقى (٢٥٠أ١) المستثنى منه بوصفه، وبعضهم قالوا: يجعل وصفاً للمستثنى منه لا غير، لأنه لو جعل وصفاً للمستثنى منه اعتبر، ولوجعل وصفاً للمستثنى بطل، والوصف إنما يذكر للاعتبار لا للإبطال، وهذا كلّه إذا ذكر وصفاً زائداً أمّا إذا ذكر وصفاً أصلياً لا يعتبر أصلاً، ويجعل ذكره ولا ذكر سواء. الأصل الثاني: أن الوصف المذكور على سبيل التأكيد لا يصير فاصلاً بين الطلاق والاستثناء، ولا بين الطلاق والشرط، حتّى إنَّ من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً يا فلانة إلا واحدة يقع ثنتان، ولا يصيّر قوله يا فلانة فاصلاً لما كان لتعريف تأكيد المحل، وإذا قال لامرأته قبل الدخول بها: أنت طالق بائن إن دخلت الدار لا تطلق ما لم تدخل الدار، ولا يصير قوله بائن فاصلاً بين الطلاق والشرط لما ذكره، لتأكيد تعريف الواقع. جئنا إلى المسائل؛ قال محمّد ﵀ في «الزيادات» : إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة للسنّة، كانت طالقاً ثنتين للسنّة عند كل طهر تطليقة؛ لأن وصف السنّة يليق بالمستثنى منه دون المستثنى؛ لأنّه صفة الواقع، والمستثنى منه واقع، وأمّا المستثنى فغير واقع، فجعلناه صفة للمستثنى منه، وصار كأنّه قال: أنت طالق ثنتين للسنّة أو يقول: يجعل وصفاً للكلّ، ويصير كأنّه قال: أنت طالق ثلاثاً للسنّة إلا واحدة، ألا ترى أنّه لو قال: عليَّ لفلان ألف إلا مائة درهم كانت التسعمائة من الدراهم. فكذلك إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة إذا حضت وطهرت، أو إن كلمت فلاناً أو إن دخلت الدار كانت التطليقتان معلقتين بالحيض وبالطهر في المسألة الأولى، وبالكلام في المسألة الثانية، وبالدخول في المسألة الثالثة، وينصرف الشرط إلى المستثنى؛ لأنّه إنّما يحتاج إلى الشرط فيما يقع والذي وقع منه دون المستثنى؛ لأنّه يليق

стр. 1289

بالمستثنى منه، ولا يليق بالمستثنى؛ لأنّه إنّما يحتاج إلى الشرط فيما يقع، والذي يقع المستثنى منه دون المستثنى أو نقول: ينصرف الشرط إلى الكل، ويصير معلقاً الثلاث بالشرط مستثنياً واحدة منها. ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً البتة إلا واحدة أو بائنة إلا واحدة كان طالقاً تطليقتين رجعيتين، ولا يصير قوله البتّة البائنة فاصلاً بين الاستثناء وبين الإيجاب؛ لأنّ كل واحدة منهما صفة أصلية للثلاث لا يوجد الثلاث إلا وأن يكون بتة بائنة، فصار ذكرهما ولا ذكر سواء. فكأنّه قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة بائنة أو إلا واحدة البتّة طلقت تطليقتين رجعيتين أيضاً. وذكر هشام ﵀ في «نوادره» عن محمّد ﵀ أن من قال لامرأته: أنت بائن إلا واحدة ونوى بالبائن الثلاث، قال: هي طلاق واحد؛ لأن نيّة الثلاث إلا واحدة نيّة الثنتين. ومن قال لامرأته: أنت بائن ينوي ثنتين تقع واحدة، وعن أبي يوسف ﵀ فيمن قال لامرأته: أنت طالق واحدة البتة إلا واحدة، ونوى بالبتة الثلاث يقع تطليقتان بائنتان؛ لأنّه لما نوى بالبتة الثلاث علم أنّه ما جعلها صفة للواحدة؛ لأنَّ الواحدة لا تحتمل نيّة الثلاث، فلمّا ذكر الواحدة، صار كأنّه قال: أنت طالق البتّة إلا واحدة، وقد نوى بالبتّة الثلاث، وهناك الجواب كما قلنا وإنما ألقينا الواحدة؛ لأنا لو لم نلقها يبطل الاستثناء، وهو أصل، فكان إلقاء الواحدة وهي.... أولى. قال في «الزيادات» أيضاً: إذا قال لها أنت طالق اثنتين البتّة إلا واحدة، فهي طالق واحدة بائنة؛ لأنَّ البتة تصلح صفة للثنتين؛ لأنَّ الثنتين لا تكون بتة بنفسها، فيصح وصفهما بالبتّة، وقد استثنى واحدة منهما، فتقع واحدة بتة. وكذلك إذا قال لها: أنت ثنتين إلا واحدة البتة، فهي طالق واحدة بائنة؛ لأنَّ البتة لا تصلح صفة للمستثنى؛ لأنّه لا يصح، فيجعل صفة للمستثنى منه أو يجعل صفة للكل، وصار كأنّه قال: أنت طالق ثنتين البتة إلا واحدة، وهي المسألة المتقدمة. ولو قال لها: أنتِ طالق ثنتين إلا واحدة بائنة أو قال إلا واحدة أمّا بائناً، فهي طالق واحدة رجعية، لأن البائن لا تصلح صفة للمستثنى منه، فإنّه لا يقال: تطليقتان بائن، وإنّما يقال: تطليقتان بائنتان، وتصلح صفة للمستثنى، فتجعل صفة للمستثنى، فيبطل ببطلان المستثنى، بخلاف قوله البتّة؛ لأنّه يصلح صفة للتطليقتين، فإنّه يستقيم أن يقال تطليقتان البتّة، قال في «الكتاب» : إلا أن ينوي أن يكون البائن صفة للثنتين، فحينئذٍ واحدة بائنة؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه فالبتة قد تنعت بنعت الواحدة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوتِ وَالاْرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَهُمَا﴾ (الأنبياء: ٣٠) ولم يقل كانتا رتقين، والله أعلم بالصواب.

стр. 1290

الفصل العاشر: في إيقاع الطلاق على امرأة بعينها ثمّ الرجوع عنها بالإيقاع على أخرى يجب أن تعلم أنّ كلمة «بل» متى دخلت في الكلام الصادر على الإثبات كانت للرجوع عن الأوّل، ولإقامة الثاني مقام الأوّل على سبيل استدراك الغلط، يقال: جاءني زيد بل عمرو، وكان قوله بل عمرو رجوع عمّا أخبر عن مجيء زيد، وإقامة لمجيء عمرو مقام مجيء زيد على سبيل استدراك الغلط، كأنّه قال كان عزمي أن أخبر عن مجيء عمرو، فغلطت وأخبرت عن مجيء زيد، ثمَّ استدرك ذلك الغلط بقولي بل عمرو. وفي كلام الله تعالى متى دخلت هذه الكلمة على الإثبات كانت لإبطال الأوّل ولإقامة الثاني مقام الأوّل، ولكن لا على سبيل استدراك الغلط؛ لأنَّ الغلط على الله لا يجوز والغلط على العباد يجوز، (.....) وكلمة: «لا بل» نظير كلمة بل، لأنهما يستعملان استعمالاً واحداً، وقوله: «لا» لتأكيد النفي المستفاد بقوله بل، وإذا كانت هذه الكلمة في الإثبات للرجوع عن الأوّل ولإقامة الثاني مقام الأوّل على سبيل استدراك الغلط ينظر: إن كان الأوّل شيئاً يصح الرجوع عنه ينفى الأوّل، ويثبت الثاني مقام الأوّل. وإن كان الأوّل شيئاً لا يصح الرجوع عنه لا ينتفي الأوّل، بل يبقى (٢٥٠ب١) على حاله ويثبت للثاني إثباتاً لحكم الدليل بقدر الإمكان، إلا أنَّ المتكلم إذا لم يذكر للمذكور عقيب كلمة «لا بل» خبراً على هذه يجعل الخبر المذكور لما قبلها خبراً للمذكور عقيبها، صيانة له عن البطلان، ومتى ذكر للمذكور عقيب هذه الكلمة خبراً لا يجعل الخبر المذكور لما قبلها خبراً؛ لأنّه صحيح بدونه، فلا حاجة إلى جعله خبراً له، ومتى دخلت هذه الكلمة على النفي لا يوجب رجوعاً عن الكلام الأوّل، وإنّما يوجب نفي الفعل عن الاسم الأوّل بإثبات ذلك المنفي للثاني، أو بإثبات فعل آخر للأوّل. نظير الأوّل قول الرجل: ما قام زيد لا بل عمرو، نفي الكلام لزيد وإثباته لعمرو. ومثال الثاني قول الرجل: ما قام زيد بل قعد، نفى القيام عن زيد وإثبات الوجود له، هذا هو الكلام في كلمة بل وحدها أو مع لا. وأما جاء كلمة لا بدون بل متى دخلت على الإثبات كانت لتأكيد ما أثبته الأوّل بنفيه عن الثاني، ومتى دخلت على النفي، كانت لتأكيد ما نفاه عن الأوّل بإثبات ضدّه للثاني. مثال الأوّل: جاءني زيد لا عمرو. كان قوله: لا عمرو لتأكيد إثبات المجيء لزيد بنفي المجيء عن عمرو.

стр. 1291

ومثال الثاني: ما جاءني زيد لا عمرو كان قوله: لا عمرو لتأكيد نفي المجيء عن زيد بإثبات المجيء لعمرو. جئنا إلى المسائل: قال محمّد ﵀ في «الجامع» : وإذا كان للرجل امرأتان، فقال لإحداهما أنت طالق إن دخلت الدّار لا بل هذه، وأشار إلى امرأة أخرى لا تطلق واحدة منهما ما لم تدخل الأولى الدّار لم تطلق. وإذا دخلت الأولى الدار طلقتا، وإن دخلت الأخرى الدار لم تطلق واحدة منهما، قال محمدّ ﵀: وقوله: لا بل هذه على الطلاق خاصّة والوجه لما ذكرنا في «الجامع» أنّه علق طلاق الأولى بدخولها الدّار، حيث قال لها: أنت طالق إن دخلت هذه الدّار، وبقوله: لا بل هذه رجع عن تعليق طلاق الأولى بدخولها، وعلق طلاق الأخرى بطريق استدراك الغلط، كأنّه قال: من عزمي أن أعلق طلاق الأخرى، إلا أنّي غلطت، فعلقت طلاق الأولى. إلا أنّه لا يملك الرجوع عن تعليق طلاق الأولى، ويملك تعليق طلاق الأخرى، فبقي طلاق الأولى معلقاً بدخولها الدار، وتعلق طلاق الثانية بالدخول، وإذا تعلق طلاق الثانية بالدخول، يتعلق طلاقهما بدخول الأولى؛ لأن كلمة «لا بل» لإبطال الأوّل، وإقامة الثاني مقام الأوّل على سبيل استدراك الغلط، يجب أن يكون المثبت في حق الثانية مثل المثبت في حق الأولى. وإنّما يكون كذلك إذا تعلق طلاق الثانية بدخول الأولى، كما تعلق طلاق الأولى بدخول الأولى. وقول محمّد ﵀ في «الكتاب» قوله: «لا بل» هذه على الطلاق خاصّة، معناه أنه للرجوع عن الطلاق لا للرجوع عن الدخول. وإن نوى الرجوع عن الشرط وهو الدخول دون الطلاق صحّت نيّته فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه إلا أنَّ القاضي لا يصدقه؛ لأنّه نوى أمراً بخلاف الظاهر، وفيه تخفيف عليه لأن الثانية لا تطلق بدخول الأولى الدار، فبعد ذلك إذا دخلت الأولى الدار طلقت الأولى في القضاء، وفيما بينه وبين ربّه وتطلق الثانية في القضاء، لا فيما بينه وبين ربّه وإن دخلت الثانية الدار طلقت الأولى في القضاء، وفيما بينه وبين ربه. وكذلك لو قال لإحداهما: أنت طالق إن شئت لا بل هذه؛ لأنّ قوله لا بل هذه على الطلاق خاصة، لا على المشيئة كما في المسألة الأولى، إلا أنَّ فرق ما بين المسألتين أنَّ في هذه المسألة لو شاءت الأولى طلاق نفسها طلقت الأولى (بالنكاح) الأوّل دون الثانية. ولو شاءت الأولى طلاق الثانية طلقت الثانية بالكلام الثاني، دون الأولى. ولو شاءت الأولى طلاقها وطلاق الثانية طلقتا جميعاً. وفي مسألة أوّل الباب إذا دخلت الأولى الدار مرّة واحدة طلقت الأولى والثانية حميعاً. والفرق أنَّ في المسألة الأولى علق طلاق كل واحدة بدخول الأولى الدار مطلقاً غير مقيّد بصفة، فإذا دخلت الأولى الدّار مرّة واحدة، فقد وجد شرط وقوع الطلاق عليها. وفي هذه المسألة ليس الشرط مشيئة مطلقة، فإنَّ الأولى بعد هذا التعليق لو شاءت الجاه أو المال لا تطلق، وإنّما الشرط مشيئة مقيّدة فالشرط في حقّ الأوّل مشيئة الأولى طلاق نفسها. والشرط في حقّ الثانية مشيئة الأولى طلاق الثانية.

стр. 1292

وهذا لما ذكرنا أنَّ المسبب في مثل هذه الصورة في حقّ الثانية مثل المسبب في حقّ الأولى، والمسبب في حقّ الأولى تعليق طلاق الأولى بمشيئة الأولى طلاق الأولى، يجب أن يكون المسبب في حقّ الثانية تعلق طلاق الثانية بمشيئة الأولى طلاق الثانية، فإذا شاءت الأولى طلاقها وجد شرط وقوع الطلاق على الأولى دون الثانية وإذا شاءت الأولى طلاق الثانية وجد شرط وقوع الطلاق على الثانية دون الأولى. وإذا شاءت الأولى طلاقهما وجد شرط وقوع الطلاق عليهما. قول محمّد ﵀ إذا شاءت الأولى طلاقها طلقت الأولى دون الثانية، وإذا شاءت طلاق الثانية طلقت الثانية دون الأولى، كلام محتمل يحتمل أن يكون المراد منه: أنَّ الأولى شاءت طلاق الثانية بعدما شاءت طلاق نفسها، فيكون هذا بياناً أنَّ الأولى إن شاءت طلاق الأخرى بعدما شاءت طلاق نفسها. ويحتمل أن يكون المراد منه: أن الأولى شاءت طلاق الأخرى ابتداءً، فلا يكون بياناً. كذلك حكي عن أبي الحسن الكرخي ﵀ أنّه إذا شاءت الأولى طلاق نفسها أوّلاً ليس لها أن تشاء طلاق الأخرى بعد ذلك. وإذا شاءت طلاق الأخرى أوّلاً ليس لها أن تشاء طلاق نفسها بعد ذلك، لأن المشيئة واحدة، فإذا شاءت مرّة ووقع الطلاق ارتفع اليمين، فلا يعود بعد ذلك، حتّى لا يؤدي إلى التكرار، إذ ليس في اللفظ ما يوجب التكرار. وعامّة المشايخ على أنَّ لها أن تشاء طلاق الأخرى بعد ما شاءت طلاق نفسها. وأن تشاء طلاق نفسها بعدما شاءت طلاق الأخرى. وأن المشيئة متعدّدة لما ذكرنا أنَّ تقدير المسألة، كأنّه قال للأولى: أنت طالق إن شئت طلاقك لا بل هذه طالق إن شئت أيتها الأولى طلاقها. وإن نوى الرجوع عن المشيئة، صحّت نيّته فيما بينه (٢٥١ أ١) وبين ربّه؛ لأنّه نوى ما يحتمله. ولهذا لو صرح به يصح، فإذا شاءت الأولى طلاقها طلقت الأولى فيما بينه وبين ربّه. وإن شاءت الأخرى طلاق الأولى طلقت الأولى بنيته، وإن شاءت الأولى طلاق الأخرى طلقت الأخرى في القضاء، لا فيما بينه وبين الله تعالى. واستشهد محمد ﵀ لإيضاح مسألة المشيئة أنَّ قوله: لا بل هذه. على الطلاق خاصة، بما لو قال لها أنت طالق إن شاء الله لا بل هذه كان قوله: لا بل هذه على الطلاق خاصة، ويصير تقدير المسألة، كأنّه قال: أنتِ طالق، لا بل هذه إن شاء الله. وفي «المنتقى» : إذا قال لها أنتِ طالق إن كلمت فلاناً لا بل هذه لامرأة أخرى، كان قوله: لا بل هذه على الكلام دون الطلاق، وإذا قال أردت بلا بل الطلاق ألزمته ذلك، فإذا كلمته طلقتا، وهذا يخالف ما ذكر في «الجامع» قال ثمة: ولو قال لها إن كلمت فلاناً، فأنتِ طالق لا بل هذه كان قوله لا بل هذه على الطلاق دون الكلام؛ لأنّه أخّر. فإن قال لم أرد بقولي: لا بل هذه، الطلاق دينته فيما بين الله تعالى وبينه، ولم أدين في القضاء.

стр. 1293

وإذا قال لامرأته، أنتِ طالق إن دخلت الدار، لا بل فلانة طالق، قال ذلك لامرأة أخرى له طلقت الأخرى ساعة ما تكلم، وتعلّق طلاق الأولى بدخولها الدار، بخلاف ما لو قال: لا بل فلانة، ولم يقل طالق يتعلق طلاقهما بدخول الدّار؛ لأنّه إذا لم يقل لا بل فلانة طالق لم يذكر لفلانة خبراً فكان جملة ناقصة، فتصير خبر الجملة الأولى، وهو طلاق معلق بدخول الأولى خبر الجملة الثانية، أمّا إذا قال لا بل فلانة طالق، فقد ذكر لفلانة خبراً، فاكتفى به.d وإنّه إرسال، ولهذا قال تطلق الثانية في الحال. وعلى هذا إذا قال لامرأته أنتِ طالق ثلاثاً لا بل هذه. قال ذلك لامرأة أخرى، طلقت كل واحدة منهما ثلاثاً، ولو قال لا بل هذه طالق طلقت الأولى ثلاثاً، والثانية واحدة لأن في الوجه الأوّل لم يذكر لهذه خبراً على حدة. وفي الوجه الثاني ذكر لهذه خبراً على حدة، والتقريب ما ذكرنا. وفي «القدوري» : إذا قال لها إن دخلت الدّار فأنتِ طالق وطالق وطالق لا بل هذه، فدخلت الأولى الدار طلقتا ثلاثاً والتعليق في هذا يخالف التنجيز، فإنّه لو قال لها أنتِ طالق وطالق وطالق لا بل هذه وقع على الأخيرة واحدة، وعلى الأولى الثلاث. ولو قال لها إن دخلت هذه الدار، لا بل هذه الدار الأخرى، فأنتِ طالق تعلق طلاقهما بدخول الدار الأخرى لا غير؛ لأن قوله إن دخلت هذه الدار مجرد الشرط، والرجوع صحيح، وبقوله لا بل هذه رجع عنه وأقام الدّار الثانية مقام الدار الأولى، فلهذا تعلق طلاقهما بدخول الدّار الأخرى. ولو قال لامرأته أنتِ طالق واحدة، لا بل ثلاثاً إن دخلت الدار طلقت واحدة للحال، ووقع طلاقان عند دخول الدار إن كانت المرأة مدخولاً بها؛ لأن بقوله لا بل ثلاثاً إن دخلت الدّار رجع عن إيقاع الواحدة، وأقام الحلف بما بقي من الثلاث مقام الواحدة قد صحت إذا كانت المرأة مدخولاً بها. لو قال لها أنتِ طالق إن دخلت الدّار فأنتِ طالق واحدة، لا بل ثلاثاً، لم تطلق شيئاً حتّى تدخل الدّار. وإذا دخلت الدار طلقت ثلاثاً سواء كانت مدخولاً بها أو لم تكن. فرق بين هذا وبينما إذا قال لها: أنتِ طالق واحدة، لا بل ثلاثاً إن دخلت الدّار. وهي المسألة المتقدمة، والفرق أن في المسألة المتقدمة ذكر لقوله: لا بل خبراً على حدة، فلم يصر خبر الأوّل خبراً له، بل اعتبر لا بل مقطوعاً عنه، فوقعت الواحدة للحال وتعلق الباقي بالدخول، أمّا في المسألة الثانية لم يذكر لقوله: لا بل. خبراً على حدة، فجعل خبر الأول خبراً له، والأول تعليق، فكذا الثاني، فتعلق الكل بالدخول. وفي «المنتقى» : إذا قال لها: أنتِ طالق لا بل طالق، فهي طالق ثنتين، وكذلك لو قال أنتِ طالق واحدة لا بل واحدة، وكذلك لو قال أنتِ طالق واحدة لا بل طالق واحدة. وذكر فيه أيضاً: عن أبي يوسف ﵀ إذا قال لها أنتِ طالق لا بل أنتِ طالق، فهي طالق واحدة بالكلام الأول، فلا يلزمه بالكلام الثاني شيء إلا أن ينوي.

стр. 1294

ولو قال أنتِ طالق لا بل أنتما لزم من الأولى تطليقتان والأخرى واحدة. وإذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لا بل عَبدي حرّ، ذكر هذه المسألة في «المنتقى» في موضعين، وقال في موضع: لا يعتق العبد إلا بعد التزوّج، وقال في موضع آخر العبد حرّ الساعة. وإن تزوج فلانة فهي طالق، وذكر عقيبه ما إذا قال إن اشتريت فلاناً فهو حرّ، لا بل فلان بمعنى عبد آخر له في ملكه، لم يعتق عنده حتّى يشتري العبد الذي حلف بعتقه. وأشار إلى المعنى، فقال: لأن هذا شيء واحد، وطلاق المرأة غير عتق العبد. وفي «الأصل» : لو قال لها كنت طلقتك أمس واحدة، لا بل ثنتين وقعت ثنتان؛ لأن كلمة لا بل في الإخبارات تستعمل لتقرير الأقل وإلحاق الزيادة به يقول الرجل: حججت حجّة لا بل حجتين، ويصير كأنّه قال طلقتك ثنتين، ولا كذلك في الإثبات، والله أعلم. الفصل الحادي عشر: في إضافة الطلاق إلى الأوقات يجب أن تعلم: بأن الطلاق إذا أضيف إلى وقت ينصرف إلى وقت في المستقبل، حتّى إنّ من قال لامرأته: أنتِ طالق يوم الجمعة، ينصرف إلى الجمعة الآتية؛ لأن المقصود من الإضافة تأخير الحكم إلى وقت المضاف إليه، وإنّما يتأتى التأخير في المستقبل، لا في الماضي. فإذا وجد أصل الوقت في المستقبل لا في الماضي، وإذا وجد أصل الوقت ولم توجد الصفة التي ذكرها الحالف لا يقع الطلاق، وهذا ظاهر. وإذا وجد الوقت المضاف إليه الطلاق مع الصفة التي ذكرها الحالف، يجعل المضاف كالمرسل، إذا صحت الإضافة كما في المعلق بالشرط يجعل عند وجود الشرط، كالمرسل. فبعد ذلك إن كان المعلق، والمضاف طلاقاً صحيحاً، قابلاً للوقوع كان المرسل طلاقاً صحيحاً، فيقع. فإذا وقع الطلاق يترك عقيب الشرط، وعقيب الوقت المضاف؛ لأنّ الحكم (٢٥١أ١) يتأخر عن سببه، وإنّما يوجد السبب بعد الشرط، وبعد الوقت؛ لأن المعلق والمضاف كل واحد منهما ليس بسبب للحال، وإنّما يصير سبباً عند وجود الشرط والوقت، فإذا كانت السببية معلقة بوجود الشرط والوقت، كانت السببية متأخرة عن الشرط، والحكم يتأخر عن السبب، فيكون متأخراً عن الشرط والوقت ضرورة، وإذا أضيف الطلاق إلى وقت سابق على قول مسمى، ووجد الوقت بوصف أنّه سابق على الفعل المسمّى، فالطلاق وقوعه لا يتأخر عن ذلك الفعل ولا يسبقه بل يقارنه، إلا في الموت عند أبي حنيفة ﵀ على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. بيانه في مسألة ذكرها في «الزيادات» : إذا قال الرجل: إن تزوجت زينب قبل أن أتزوج عمرة بشهر فهما طالقان، فتزوج زينب ثمّ مضى شهر، ثمَّ تزوج عمرة طلقت

стр. 1295

زينب، ولا تطلق عمرة، وهذا لأنّ الفعل المذكور ليس بشرط لوقوع الطلاق؛ لأنّ الزوج ما جعله شرطاً بل هو موجه للشرط؛ لأن الطلاق مضاف إلى شهر موصوف بأنّه قبل الفعل المسمّى لا بدّ من وجود الفعل متصلاً بالوقت، ليعلم أن هذا وقت سابق على الفعل المسمّى، فكان الفعل موجداً صفة الفعلية للوقت المسمّى، فكان موجداً للشرط، وموجدُ الشرط ليس بشرط، من حيث إنّه موجود الشرط، فالوقوع لا يسبقه. ومن حيث إنّه ليس بشرط لا يتأخر عنه، فإذاً يقع مقارناً له إلا في الموت عند أبي حنيفة ﵀ على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. قال في أيمان «الجامع» : إذا قال الرجل لامرأة لا يملكها: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر، فمكث شهراً ثمَّ تزوجها لا تطلق. يجب أن تعلم أن هذه المسألة على وجهين: إضافة من غير تعليق، وإضافة مع التعليق. والتعليق لا يخلو إمّا أن يكون بشرط سابق، أو بشرط لاحق وكل ذلك على وجهين: إمّا أن يكون مؤقتاً، أو غير مؤقت، صورة الإضافة من غير التعليق في المؤقت ما ذكرنا، وإنّما لا تطلق إمّا لأنّه أضاف الطلاق إلى وقت سابق على قول مسمّى، وهو التزوج فيكون الوقوع مقارناً للتزوج، والطلاق لا يقع مقارناً للتزوج، أو لأنّه وصفها بكونها طالقاً قبل التزوج، وهي كذلك؛ لأن الطلاق في الخالي عن القيد وهي خالية عن القيد قبل التزوج، فهو صاد في هذا الوقت، فلا حاجة إلى الإيقاع. وصورة الإضافة من غير تعليق في المطلق، إذا قال لامرأة لا يملكها: أنتِ طالق قبل (أن) أتزوجك، فتزوجها بعد ذلك لا تطلق أيضاً؛ لأنّ هذا إيقاع للحال، فالأصل أن الطلاق إذا أضيف إلى المرأة قبل الفعل المسمّى قبلية مطلقة، يكون إيقاعاً للحال، كما في قوله أنتِ طالق قبل قدوم فلان، فإنّ هناك يقع الطلاق عليها للحال قدم فلان، أو لم يقدم، ولمّا كان هذا إيقاعاً للحال يبطل لعدم الملك. صورة الإضافة مع التعليق والشرط سابق في الموت إذا قال لها: إذا تزوجتك فأنتِ طالق قبل أن أتزوجتك بشهر، فتزوجها بعدما مضى شهر من وقت هذه المقالة طلقت، كذا ذكر في رواية أبي سليمان ﵀. وذكر في رواية أبي حفص ﵀، وقال طلقت في قول أبي يوسف ﵀، فقد إلى الخلاف، ولكن لم ينصّ عليه. وذكر في طلاق الجامع الإضافة مع التعليق في المطلق، وصورتها: إذا (أشاء) قال لامرأة لا يملكها: إن تزوجتك فأنتِ طالق قبل ذلك، ولم يوقّت بأن لم يقل قبل ذلك بشهر ثمَّ تزوجها، فعلى قول أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله لا تطلق، وعلى قول أبي يوسف ﵀ تطلق، من مشايخنا من قال: الخلاف في المطلق، وأمّا في المؤقت تطلق بلا خلاف، كما ذكر في رواية أبي سليمان ﵀، وعامتهم على أنّ الخلاف في المطلق والمؤقت جميعاً، لأبي يوسف ﵀ أنّه علق الطلاق بشرط التزوّج؛ لأن كلمة «إن» و «إذا» للشرط، ثمَّ أضافه إلى ما قبل الشرط مطلقاً أو موصوفاً بأنّه قبل الشرط

стр. 1296

بشهر، فيصحّ من الوقت لما في تصحيحه تصحيح هذا التعليق، ويلغو ما في تصحيحه إبطال هذا التعليق، قلنا: وفي تصحيح القبليّة في المطلقة والمؤقتة إبطال هذا التعليق؛ لأنّه متى تعلق الطلاق بالتزوج يقع الطلاق بعده، ولا يقع قبله، فبقي الإيقاع إبطال هذا التعليق، فأبطلنا ذكر القبلية في المطلقة والموقتة. وليس في اعتبار الشهر في المؤقتة إبطال هذا التعليق، فاعتبرنا الشهّر في المؤقتة، ويصير تقدير المسألة في المطلقة: إذا تزوجتك فأنتِ طالق، وفي المؤقتة: إذا تزوجتك بعد شهر فأنتِ طالق، ولو نصّ على هذا يصحّ التعليق ويقع الطلاق بعدما وجد الشرط، وهو التزوّج في المطلقة في أيّ وقت وجد، والتزوج بعد الشهر في المؤقتة كذا ها هنا، بخلاف مسألة أوّل الباب؛ لأنّ هناك ما جعل التزوج بشرط، بل جعله موجداً للشرط فيكون وقوع الطلاق مقارناً للتزوج. فلأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنَّ المعلق بالشرط والمضاف إلى وقت بعد وجود الشرط، والوقت بمنزلة المرسل، فيصير بعد التزوّج، كأنه قال: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر، وإنّه باطل لا وقوع له، فكذا إذا كان معلقاً وما قال من المعنى، فهو صحيح إذا صحّ التعليق حتّى يلغو ذكر القبلية ضرورة صحّة التعليق، والتعليق ها هنا لا يصح، فكيف يلغو ذكر القبلية. هذا كلّه على قول عامة المشايخ: إنَّ الخلاف في المطلق والموقت خلاف واحد، وأما على قول بعض المشايخ إنّ الخلاف في المطلق وفي الموقت يقع الطلاق بلا خلاف، يحتاج أبو حنيفة ﵀ إلى الفرق بين المطلق والمؤقت، والفرق أنّ في المؤقت القبلية صفة الشهر لا صفة الطلاق، وهذا لأنّ الطلاق كما هو مذكور، والشهر أيضاً مذكور والقبلية كما يصلح صفة للطلاق، ومعناه: إذا تزوجتك فالمرأة طالق قبل النكاح بشهر يصلح صفة للشهر، ومعناه: إذا تزوجتك، وقد مضى شهر قبله من وقت هذه المقالة، فجعلناها صفة للشهر حتّى يصلح التعليق (٢٥١ب١) بخلاف المطلق؛ لأنّ القبلية صفة الطلاق هناك؛ لأنّ المذكور هناك الطلاق لا غير، وإذا صارت القبلية في المطلق صفة الطلاق بطل التعليق؛ لأنَّ المعلق باطل، وهذا هو الفرق لكن ما قاله عامّة المشايخ أصحّ؛ لأنَّ القبلية لمّا صلحت صفة الطلاق وصفة الشهر وقع الشك في صحّة التعليق، وفي وقوع الطلاق، فلا يصح ولا يقع بالشك. صورة الإضافة مع التعليق والشرط لاحق في المطلق والمؤقت إذا قال لأجنبيّة: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر إذا تزوجتك، فتزوجها لا نص فيه عن محمّد ﵀، وقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا لا فرق بينما إذا كان الشرط لاحقاً، وبينما إذا كان سابقاً، وإليه مال شيخ الإسلام ﵀؛ لأنّ أوّل الكلام يتوقف على آخره إذا وجد في آخره ما يقلب حكم أوّله، ويصير كأنّه تكلم بكلمة واحدة، وفي حق هذا المعنى تقديم الشرط، وتأخيره سواء، وبعضهم قالوا ها هنا يقع الطلاق بلا خلاف، وإليه مال فخر الإسلام علي البزدوي ﵀.

стр. 1297

ووجهه أنّ قوله أنتِ طالق قبل أن أتزوجك موجبه وقوع الطلاق للحال، وقوله: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر موجبه وقوع الطلاق مقارناً للتزوج، فإذا أدخل عليه الشرط أوجب تأخيره، ومن ضرورته بطلان صفة القبلية، فيصير قائلاً عند التزوج أنتِ طالق. فأمَّا إذا قدم الشرط فالشرط ما أوجب تأخير الجزاء، ولكن الجزاء يتأخر عن الشرط؛ لأنّ الحالف تكلّم به بعد الشرط، لا لأنَّ الشرط أوجب تأخيره، وإذا لم يكن تأخير الجزاء بحكم الشرط لم يكن من ضرورته بطلان صفة القبلية، فيصير قائلاً عند التزوج أنتِ طالق، قبل أن أتزوجك أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر وهناك لا يقع الطلاق، كذا ههنا. هذا كلّه إذا حصل الإيجاب في غير الملك، وأما إذا حصل الإيجاب في الملك فله صور، من جملة ذلك ما ذكر في «المنتقى» إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ طالق قبل أن أتزوجك، فهي طالق إذا دخلت الدار، وكذلك إذا قال لها إذا جَاء غد فأنتِ طالق قبل أن أتزوجك، أو قال لها أنتِ طالق غداً قبل أن أتزوجك، فهي طالق غداً. وقال في «الجامع الصغير» : إذا قال لامرأته: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك، أو قال لها طلقتك قبل أن أتزوجك لا يقع شيء. وفيه أيضاً: إذا قال لها أنتِ طالق أمس، وقد تزوجها اليوم لا يقع الطلاق، ولو تزوجها أوّل من أمس يقع الساعة واحدة. وفي «الجامع الكبير» لو قال لامرأته: أنتِ طالق قبل دخولك الدّار بشهر، أو قال لها أنتِ طالق قبل قدوم فلان بشهر، فدخلت الدار أو قدم فلان قبل تمام الشهر من وقت اليمين لا تطلق؛ لأن الطلاق المضاف إلى وقت موصوف بصفه تنصرف إلى وقت في المستقبل، ولو دخلت الدار بعد تمام الشهر، أو قدم فلان (بعد) إتمام الشهر من وقت اليمين يقع الطلاق؛ لأنّه يصير قائِلاً عند تمام الشهر وعند قدوم فلان أنتِ طالق قبل هذا الشهر، ومن قال لامرأته أنتِ طالق قبل هذا بشهر في الحال تطلق في الحال. ثمَّ عند علمائنا الثلاثة ﵏ يقع الطلاق مقارناً للدخول، ويقتصر الوقوع على وقت القدوم والدخول حتى لو خالعها تطلق في وسط الشهر، ثمَّ دخلت الدار أو قدم فلان لتمام وهي في العدة، لا يظهر بطلان الخلع، خلافاً لزفر ﵀. ولو قال لها: أنتِ طالق قبل موت فلان بشهر، فمات فلان لتمام الشهر، فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقع الطلاق مقارناً للموت، ويقتصر على وقت الموت، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ يقع الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياته، ويستند إلى أول الشهر، وعلى قول زفر يقع الطلاق بعد الموت، ويستند إلى أول الشهر. وثمرة الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ﵏ إنّما تظهر فيما إذا قال لها أنتِ طالق قبل موتي بشهر، أو قال قبل موتك بشهر، فعلى قولهما لا يقع؛ لأنّه لو وقع الطلاق بهذا اليمين وقع مقارناً لموت أحد الزوجين، ولا وجه إليه؛ لأنّه حال زوال الملك والطلاق لا يقع في حال زوال الملك، وعند أبي حنيفة ﵀ يقع الطلاق؛ لأنّ عنده

стр. 1298

الطلاق يقع في آخر جزء من آخر الحياة، وفي تلك الحال الملك قائم. والحاصل أنهما يقولان بمقارنة الوقوع القدومَ والدخول والموت وبالاقتصار في الأفعال كلها، وأبو حنيفة ﵀ قال بمقارنة الوقوع الدخول والقدوم، وبالاقتصار فيهما ويسبق الوقوع الموت والاستثناء فيه، فهما يقولان: هذه الأفعال للشروط من وجه من حيث إنّها ملفوظة على خطر الوجود، ويقف وقوع الطلاق عليها معرفات من وجه حيث إنَّ الزوج ما ذكرها بحرف الشرط، ولكن أضاف الطلاق إلى زمان موصوف بأنّه قبل هذه الأفعال بشهر، فكانت هذه الأفعال معرّفة إيّانا أن الشهر السابق بهذه الصفة. ولو كانت معرفة من كل وجه لوقع الطلاق من أوّل الشهر من كلّ وجه، كما لو قال لها أنتِ طالق قبل رمضان بشهر، فإنَّ هناك يقع الطلاق في أوّل شعبان من كل وجه، ولو كانت شروطاً من كل لوقع الطلاق بعدها مقصوراً عليها من كلّ وجه، كما لو ذكرها بحرف الشرط صريحاً بأن قال؛ إن قدم فلان، إن مات فلان، إن دخلت الدار، فأنتِ طالق قبل ذلك بشهر، فإذا كانت شروطاً من وجه معرفات من وجه، قلنا بالوقوع بعدها، عملاً بالشرطية. وقلنا بالاستناد عملاً بالمعرفية، ولأبي حنيفة ﵀ أن الموت ليس بشرط لوقوع الطلاق؛ لأن الموت أمر لا يدخل تحت الأمر والنهي وما لا يدخل تحت الأمر والنهي لا يصلح شرطاً، لوقوع الطلاق؛ لأن المقصود من الأيمان النهي عن إيجاد شرط وقوع الطلاق، فبذكر ما لا يدخل تحت الأمر والنهي يعلم أنّه لم يقصد به النهي عنها، فلا يكون شرطاً. وذكرها لتعريف الوقت المضاف إليه الطلاق، والتعريف حاصل قبله بآخر أجزاء حياته؛ لأنّ آخر أجزاء حياته يتصل بموته بتقدير الله لا يفصل عنه إلا أنّا لا نعرف آخر أجزاء حياته (٢٥٢أ١) إلا بالموت، فبالموت عرفنا وجود ذلك الجزء قبله، فهو معنى قولنا: إنَّ التعريف حاصل قبل الموت بآخر جزء من أجزاء حياته، فيقع الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياته. ويستند إلى أوّل الشهر، بخلاف الدخول والقدوم وما شاكلهما؛ لأن هذه الأشياء تدخل تحت الأمر والنهي، فأمكن جعلها شرطاً، فيقع الطلاق عندها مقصوراً عليها على ما ذكرنا، فهذه النكتة منقولة عن القاضي الإمام الكبير أبي زيد ﵀. ولو قال لها: أنتِ طالق قبل موت فلان وفلان بشهر فمات أحدهما قبل تمام الشهر لم تطلق بهذه اليمين أبداً، لانعدام الوقت المضاف إليه الطلاق وهو شهر بعد اليمين موصوف بأنّه قبل موتهما. وإن مضى شهر من وقت اليمين ثمَّ مات أحدهما طلقت، ولا ينتظر موت الآخر؛ لأن بموت أحدهما تيقنا بوجود الوقت المضاف إليه الطلاق، وهو شهر قبل موتهما يتصل بآخره موت أحدهما؛ لأن اتصالهما بآخر الشهر إنّما يكون بوقوعهما معاً، واقتران بالشهر موتهما ممتنع عادة،

стр. 1299

فيسقط اعتبار المقارنة وتعلّق وقوع الطلاق بوصف التقدّم على الموتين بشرط اتصال أحدهما به. ولو قال لها أنتِ طالق قبل قدوم فلان وفلان بشهر، فقدم أحدهما لتمام الشهر من وقت اليمين، ثمَّ قدم الآخر بعد ذلك طلقت؛ لأنّ وجود القدومين معاً ممتنع عادة، فيسقط اعتباره، فبقي الطلاق مضافاً إلى شهر بعد اليمين يتصل به قدوم أحدهما، وقدوم الآخر يتصل بمطلق الوقت. وهو نظير ما لو قال لامرأته أنتِ طالق قبل مطلع يوم الأضحى والفطر بشهر، فإنها تطلق إذا أهلَّ هلال رمضان؛ لأن الفطر مع الأضحى لا يوجدان معاً، فتعلق وقوع الطلاق بصفة التقدم، واعتبر اتصال الشهر بأحدهما دون الآخر كذا ها هنا، فصار موتهما وقدومهما من حيث إنّه يكتفى فيهما باتصال الشهر بأحدهما سواء، إلا أنّ فرق ما بينهما أنّه إذا مات أحدهما لتمام الشهر يقع الطلاق، ولا يتوقف وقوعه على موت الآخر، وإذا قدم أحدهما بعد تمام الشهر لا يقع الطلاق، بل يتوقف وقوعه على قدوم الآخر. قال في «الجامع» أيضاً: إذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق قبل أن تحيضي حيضة بشهر، فمكثت بعد هذه المقالة شهراً، ثمَّ رأت الدم يوماً أو يومين في أيام حيضها، فإنّها لا تطلق ما لم يتمادى بها الدم ثلاثة أيام، وإذا تمادى يحكم بوقوع الطلاق من حين ما رأت الدم؛ لأنَّ بمادي الدم ثلاثة أيام تيقنا أنّ المرئي كان حيضاً من وقت الرؤية، فتيقنا بكون هذه الشهر شهراً قبل حيضها، ولا يتوقف وقوع الطلاق على الطهر. وإن ذكر الحيضة مع الهاء أنّها مع الهاء اسم للكامل منها؛ لأنّه ما جعل الحيضة شرطاً بل جعلها معرفة للوقت المضاف إليه الطلاق، وقد حصل التعريف بمضي ثلاثة أيام وإن لم تطهر، ثمَّ إذا وقع الطلاق عليها من حين ما رأت الدم، لا شكَّ أنَّ على قولهما يقتصر استدلالاً بنظائره من الميت والقدوم على ما مرّ. وأمّا على قول أبي حنيفة ﵀ قد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يستند وألحقوه بالموت، وبعضهم قالوا لا يستند، وألحقوه بالقدوم من حيث إنّ الحيضة ملفوظ بها على خطر الوجود، كالقدوم بخلاف الموت. قال في «الجامع» : وإذا (قال) لامرأته أنتِ طالق ثلاثاً قبل موت فلان بشهر، ثمَّ إنّه خالعها على مال قبل تمام الشهر ثمَّ مات فلان لتمام الشهر، فالمسألة على وجهين: إن لم تكن المرأة في العدّة يوم مات فلان، بأن كانت غير مدخول بها أو كانت مدخولاً بها، إلا أنّه انقضت عدتها بوضع الحمل قبل تمام الشهر، لا يقع شيء عليها شيء من الطلقات المضاف. أمّا عندهما فلأنّ الطلاق يقع عند الموت مقصوراً على حالة الموت، فيشترط قيام الملك عند الموت، ولم يوجد. وعند أبي حنيفة ﵀ يقع الطلاق في آخر جزء من آخر الحياة ويستند، فلا بد من قيام الملك في آخر جزء من آخر الحياة حتّى يقع ثمّ يستند، وإن كانت في العدة يقع الطلاق غير أنَّ عندهما يقتصر الوقوع على وقت الموت، فلا يتبين بطلان الخلع، وعند أبي حنيفة ﵀ يستند، فيتبيّن أنّه حين خالعها لم يكن له عليها ملك فيتبيّن بطلان الخلع فكان عليه أن يردّ ما أخذ منها؛ لأنّه تبيّن أنّه أخذ ما أخذ بغير حق، ولم يذكر محمّد ﵀ في «الكتاب» أنَّ العدة تعتبر من أيِّ وقت ولا شكَّ أن على قولهما تعتبر العدة من وقت الموت؛ لأنَّ عندهما يقع الطلاق مقصوراً على وقت الموت، وأما على

стр. 1300

قول أبي حنيفة ﵀ عند عامّة الشايخ يعتبر من وقت الموت.٦ وعند علي الرازي ﵀ يعتبر من أوّل الشهر، وهذا بناءً على أن عند علي الرازي الطريق في وقوع الطلاق عند أبي حنيفة ﵀ في هذه الصورة طريق الظهور من كلِّ وجه، ومعناه أنَّ بالموت يظهر أنَّ الطلاق كان واقعاً من أوّل الشهّر من كلِّ وجه، وكان يطعن على محمّد ﵀ فيما ذكر من اشتراط قيام العدّة وقت الموت، لوقوع الثلاث؛ لأنّ عنده الطلاق يقع من أوّل الشهر من كلِّ وجه، فلا معنى لاشتراط قيام العدّة عند الموت، والدليل على أنَّ طريقه الظهور من كلِّ وجه عند أبي حنيفة أنَّ محمّداً رحمهما الله ذكر بطلان الخلع، على قوله: لو كانت العدة قائمة وقت الموت، ولو كان طريقه طريق الاستناد لما قال ببطلان الخلع؛ لأنَّ الخلع بعد وقوعه. ونفاذه لا يحتمل البطلان. والدليل عليه: أنَّ أبا حنيفة ﵀ قال: لو وطئها بعد اليمين، ثمَّ مات، فلان لتمام الشهر إنّه يلزمه العقد، ولو كان طريقه طريق الاستناد لما لزمه العقد، لأنَّ الاستناد لا يظهر في حقِّ المستوفى بالوطء، وما ذكرنا من نكتة القاضي الإمام الكبير أبي زيد ﵀، يشير إلى ما يقوله علي الرازي ﵀، فكأنه يميل إلى ما قاله علي الرازي ﵀. وعند عامة المشايخ الطريق عند أبي حنيفة ﵀ طريق الاستناد، وهو الوقوع للحال من وجه، ومن أوّل الشهر من وجه، ولما كان الطريق عند عامة المشايخ الاستناد يعتبر العدّة من وقت الموت؛ لأنَّ باعتبار الوقوع في الحال يجب العدّة في الحال، وباعتبار الوقوع من أوّل الشهر تجب العدّة من أوّل الشهر (٢٥٢ب١) ، فتجب في الحال احتياطاً والصحيح ما عليه عامّة المشايخ. وأمّا تخريج مسألة الخلع، فنقول: باعتبار الحال يصح ما مضى من الخلع، وباعتبار أوّل الشهر لا يصح فلا يصح بالشك والاحتمال وبهذا تبيّن أنّا لا نقول ببطلان الخلع بعد صحته ونفاذه، بل لا نقول بصحته. وأمّا مسألة العقد قلنا: الأصل في ضمان منافع البضع العقد لكن يصير إلى المسمّى حال قيام الملك من كل وجه، فإذا ظهر زوال الملك من أوّل الشهر من وجه، بقي مضموناً بالضمان الأصلي. وفي «المنتقى» عن محمّد ﵀: إذا قال لامرأته أنتِ طالق قبيل غد أو قبيل قدوم فلان، فهو قبيل ذلك بطرفة عين؛ لأنَّ قبيل وقت. قال الحاكم أبو الفضل ﵀. هذا الجواب في قوله قبيل قدوم فلان غير مستقيم، والصحيح أنّه يقع الطلاق إذا قدم فلان، والله أعلم. نوع آخر في إضافة الطلاق إلى الوقتين وإلى أحدهما وفي تعليق الطلاق بالفعلين وبأحدهما وفي الجمع بين وقت وفعل يجب أن تعلم بأنَّ الطلاق المضاف إلى أحد الوقتين يقع عند آخرهما، إمّا لأنَّ الزوج وصفها بالطلاق في أحد الوقتين، ولو وقع الطلاق في أولهما كانت موصوفة
следующие страницы →