Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
بشهر، فيصحّ من الوقت لما في تصحيحه تصحيح هذا التعليق، ويلغو ما في تصحيحه إبطال هذا التعليق، قلنا: وفي تصحيح القبليّة في المطلقة والمؤقتة إبطال هذا التعليق؛ لأنّه متى تعلق الطلاق بالتزوج يقع الطلاق بعده، ولا يقع قبله، فبقي الإيقاع إبطال هذا التعليق، فأبطلنا ذكر القبلية في المطلقة والموقتة.
وليس في اعتبار الشهر في المؤقتة إبطال هذا التعليق، فاعتبرنا الشهّر في المؤقتة، ويصير تقدير المسألة في المطلقة: إذا تزوجتك فأنتِ طالق، وفي المؤقتة: إذا تزوجتك بعد شهر فأنتِ طالق، ولو نصّ على هذا يصحّ التعليق ويقع الطلاق بعدما وجد الشرط، وهو التزوّج في المطلقة في أيّ وقت وجد، والتزوج بعد الشهر في المؤقتة كذا ها هنا، بخلاف مسألة أوّل الباب؛ لأنّ هناك ما جعل التزوج بشرط، بل جعله موجداً للشرط فيكون وقوع الطلاق مقارناً للتزوج.
فلأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنَّ المعلق بالشرط والمضاف إلى وقت بعد وجود الشرط، والوقت بمنزلة المرسل، فيصير بعد التزوّج، كأنه قال: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر، وإنّه باطل لا وقوع له، فكذا إذا كان معلقاً وما قال من المعنى، فهو صحيح إذا صحّ التعليق حتّى يلغو ذكر القبلية ضرورة صحّة التعليق، والتعليق ها هنا لا يصح، فكيف يلغو ذكر القبلية.
هذا كلّه على قول عامة المشايخ: إنَّ الخلاف في المطلق والموقت خلاف واحد، وأما على قول بعض المشايخ إنّ الخلاف في المطلق وفي الموقت يقع الطلاق بلا خلاف، يحتاج أبو حنيفة ﵀ إلى الفرق بين المطلق والمؤقت، والفرق أنّ في المؤقت القبلية صفة الشهر لا صفة الطلاق، وهذا لأنّ الطلاق كما هو مذكور، والشهر أيضاً مذكور والقبلية كما يصلح صفة للطلاق، ومعناه: إذا تزوجتك فالمرأة طالق قبل النكاح بشهر يصلح صفة للشهر، ومعناه: إذا تزوجتك، وقد مضى شهر قبله من وقت هذه المقالة، فجعلناها صفة للشهر حتّى يصلح التعليق (٢٥١ب١) بخلاف المطلق؛ لأنّ القبلية صفة الطلاق هناك؛ لأنّ المذكور هناك الطلاق لا غير، وإذا صارت القبلية في المطلق صفة الطلاق بطل التعليق؛ لأنَّ المعلق باطل، وهذا هو الفرق لكن ما قاله عامّة المشايخ أصحّ؛ لأنَّ القبلية لمّا صلحت صفة الطلاق وصفة الشهر وقع الشك في صحّة التعليق، وفي وقوع الطلاق، فلا يصح ولا يقع بالشك.
صورة الإضافة مع التعليق والشرط لاحق في المطلق والمؤقت إذا قال لأجنبيّة: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر إذا تزوجتك، فتزوجها لا نص فيه عن محمّد ﵀، وقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا لا فرق بينما إذا كان الشرط لاحقاً، وبينما إذا كان سابقاً، وإليه مال شيخ الإسلام ﵀؛ لأنّ أوّل الكلام يتوقف على آخره إذا وجد في آخره ما يقلب حكم أوّله، ويصير كأنّه تكلم بكلمة واحدة، وفي حق هذا المعنى تقديم الشرط، وتأخيره سواء، وبعضهم قالوا ها هنا يقع الطلاق بلا خلاف، وإليه مال فخر الإسلام علي البزدوي ﵀.
стр. 1297
ووجهه أنّ قوله أنتِ طالق قبل أن أتزوجك موجبه وقوع الطلاق للحال، وقوله: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر موجبه وقوع الطلاق مقارناً للتزوج، فإذا أدخل عليه الشرط أوجب تأخيره، ومن ضرورته بطلان صفة القبلية، فيصير قائلاً عند التزوج أنتِ طالق.
فأمَّا إذا قدم الشرط فالشرط ما أوجب تأخير الجزاء، ولكن الجزاء يتأخر عن الشرط؛ لأنّ الحالف تكلّم به بعد الشرط، لا لأنَّ الشرط أوجب تأخيره، وإذا لم يكن تأخير الجزاء بحكم الشرط لم يكن من ضرورته بطلان صفة القبلية، فيصير قائلاً عند التزوج أنتِ طالق، قبل أن أتزوجك أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر وهناك لا يقع الطلاق، كذا ههنا.
هذا كلّه إذا حصل الإيجاب في غير الملك، وأما إذا حصل الإيجاب في الملك فله صور، من جملة ذلك ما ذكر في «المنتقى» إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ طالق قبل أن أتزوجك، فهي طالق إذا دخلت الدار، وكذلك إذا قال لها إذا جَاء غد فأنتِ طالق قبل أن أتزوجك، أو قال لها أنتِ طالق غداً قبل أن أتزوجك، فهي طالق غداً.
وقال في «الجامع الصغير» : إذا قال لامرأته: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك، أو قال لها طلقتك قبل أن أتزوجك لا يقع شيء. وفيه أيضاً: إذا قال لها أنتِ طالق أمس، وقد تزوجها اليوم لا يقع الطلاق، ولو تزوجها أوّل من أمس يقع الساعة واحدة.
وفي «الجامع الكبير» لو قال لامرأته: أنتِ طالق قبل دخولك الدّار بشهر، أو قال لها أنتِ طالق قبل قدوم فلان بشهر، فدخلت الدار أو قدم فلان قبل تمام الشهر من وقت اليمين لا تطلق؛ لأن الطلاق المضاف إلى وقت موصوف بصفه تنصرف إلى وقت في المستقبل، ولو دخلت الدار بعد تمام الشهر، أو قدم فلان (بعد) إتمام الشهر من وقت اليمين يقع الطلاق؛ لأنّه يصير قائِلاً عند تمام الشهر وعند قدوم فلان أنتِ طالق قبل هذا الشهر، ومن قال لامرأته أنتِ طالق قبل هذا بشهر في الحال تطلق في الحال.
ثمَّ عند علمائنا الثلاثة ﵏ يقع الطلاق مقارناً للدخول، ويقتصر الوقوع على وقت القدوم والدخول حتى لو خالعها تطلق في وسط الشهر، ثمَّ دخلت الدار أو قدم فلان لتمام وهي في العدة، لا يظهر بطلان الخلع، خلافاً لزفر ﵀.
ولو قال لها: أنتِ طالق قبل موت فلان بشهر، فمات فلان لتمام الشهر، فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقع الطلاق مقارناً للموت، ويقتصر على وقت الموت، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ يقع الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياته، ويستند إلى أول الشهر، وعلى قول زفر يقع الطلاق بعد الموت، ويستند إلى أول الشهر.
وثمرة الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ﵏ إنّما تظهر فيما إذا قال لها أنتِ طالق قبل موتي بشهر، أو قال قبل موتك بشهر، فعلى قولهما لا يقع؛ لأنّه لو وقع الطلاق بهذا اليمين وقع مقارناً لموت أحد الزوجين، ولا وجه إليه؛ لأنّه حال زوال الملك والطلاق لا يقع في حال زوال الملك، وعند أبي حنيفة ﵀ يقع الطلاق؛ لأنّ عنده
стр. 1298
الطلاق يقع في آخر جزء من آخر الحياة، وفي تلك الحال الملك قائم.
والحاصل أنهما يقولان بمقارنة الوقوع القدومَ والدخول والموت وبالاقتصار في الأفعال كلها، وأبو حنيفة ﵀ قال بمقارنة الوقوع الدخول والقدوم، وبالاقتصار فيهما ويسبق الوقوع الموت والاستثناء فيه، فهما يقولان: هذه الأفعال للشروط من وجه من حيث إنّها ملفوظة على خطر الوجود، ويقف وقوع الطلاق عليها معرفات من وجه حيث إنَّ الزوج ما ذكرها بحرف الشرط، ولكن أضاف الطلاق إلى زمان موصوف بأنّه قبل هذه الأفعال بشهر، فكانت هذه الأفعال معرّفة إيّانا أن الشهر السابق بهذه الصفة.
ولو كانت معرفة من كل وجه لوقع الطلاق من أوّل الشهر من كلّ وجه، كما لو قال لها أنتِ طالق قبل رمضان بشهر، فإنَّ هناك يقع الطلاق في أوّل شعبان من كل وجه، ولو كانت شروطاً من كل لوقع الطلاق بعدها مقصوراً عليها من كلّ وجه، كما لو ذكرها بحرف الشرط صريحاً بأن قال؛ إن قدم فلان، إن مات فلان، إن دخلت الدار، فأنتِ طالق قبل ذلك بشهر، فإذا كانت شروطاً من وجه معرفات من وجه، قلنا بالوقوع بعدها، عملاً بالشرطية. وقلنا بالاستناد عملاً بالمعرفية، ولأبي حنيفة ﵀ أن الموت ليس بشرط لوقوع الطلاق؛ لأن الموت أمر لا يدخل تحت الأمر والنهي وما لا يدخل تحت الأمر والنهي لا يصلح شرطاً، لوقوع الطلاق؛ لأن المقصود من الأيمان النهي عن إيجاد شرط وقوع الطلاق، فبذكر ما لا يدخل تحت الأمر والنهي يعلم أنّه لم يقصد به النهي عنها، فلا يكون شرطاً. وذكرها لتعريف الوقت المضاف إليه الطلاق، والتعريف حاصل قبله بآخر أجزاء حياته؛ لأنّ آخر أجزاء حياته يتصل بموته بتقدير الله لا يفصل عنه إلا أنّا لا نعرف آخر أجزاء حياته (٢٥٢أ١) إلا بالموت، فبالموت عرفنا وجود ذلك الجزء قبله، فهو معنى قولنا: إنَّ التعريف حاصل قبل الموت بآخر جزء من أجزاء حياته، فيقع الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياته. ويستند إلى أوّل الشهر، بخلاف الدخول والقدوم وما شاكلهما؛ لأن هذه الأشياء تدخل تحت الأمر والنهي، فأمكن جعلها شرطاً، فيقع الطلاق عندها مقصوراً عليها على ما ذكرنا، فهذه النكتة منقولة عن القاضي الإمام الكبير أبي زيد ﵀.
ولو قال لها: أنتِ طالق قبل موت فلان وفلان بشهر فمات أحدهما قبل تمام الشهر لم تطلق بهذه اليمين أبداً، لانعدام الوقت المضاف إليه الطلاق وهو شهر بعد اليمين موصوف بأنّه قبل موتهما. وإن مضى شهر من وقت اليمين ثمَّ مات أحدهما طلقت، ولا ينتظر موت الآخر؛ لأن بموت أحدهما تيقنا بوجود الوقت المضاف إليه الطلاق، وهو شهر قبل موتهما يتصل بآخره موت أحدهما؛ لأن اتصالهما بآخر الشهر إنّما يكون بوقوعهما معاً، واقتران بالشهر موتهما ممتنع عادة،
стр. 1299
فيسقط اعتبار المقارنة وتعلّق وقوع الطلاق بوصف التقدّم على الموتين بشرط اتصال أحدهما به.
ولو قال لها أنتِ طالق قبل قدوم فلان وفلان بشهر، فقدم أحدهما لتمام الشهر من وقت اليمين، ثمَّ قدم الآخر بعد ذلك طلقت؛ لأنّ وجود القدومين معاً ممتنع عادة، فيسقط اعتباره، فبقي الطلاق مضافاً إلى شهر بعد اليمين يتصل به قدوم أحدهما، وقدوم الآخر يتصل بمطلق الوقت. وهو نظير ما لو قال لامرأته أنتِ طالق قبل مطلع يوم الأضحى والفطر بشهر، فإنها تطلق إذا أهلَّ هلال رمضان؛ لأن الفطر مع الأضحى لا يوجدان معاً، فتعلق وقوع الطلاق بصفة التقدم، واعتبر اتصال الشهر بأحدهما دون الآخر كذا ها هنا، فصار موتهما وقدومهما من حيث إنّه يكتفى فيهما باتصال الشهر بأحدهما سواء، إلا أنّ فرق ما بينهما أنّه إذا مات أحدهما لتمام الشهر يقع الطلاق، ولا يتوقف وقوعه على موت الآخر، وإذا قدم أحدهما بعد تمام الشهر لا يقع الطلاق، بل يتوقف وقوعه على قدوم الآخر.
قال في «الجامع» أيضاً: إذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق قبل أن تحيضي حيضة بشهر، فمكثت بعد هذه المقالة شهراً، ثمَّ رأت الدم يوماً أو يومين في أيام حيضها، فإنّها لا تطلق ما لم يتمادى بها الدم ثلاثة أيام، وإذا تمادى يحكم بوقوع الطلاق من حين ما رأت الدم؛ لأنَّ بمادي الدم ثلاثة أيام تيقنا أنّ المرئي كان حيضاً من وقت الرؤية، فتيقنا بكون هذه الشهر شهراً قبل حيضها، ولا يتوقف وقوع الطلاق على الطهر. وإن ذكر الحيضة مع الهاء أنّها مع الهاء اسم للكامل منها؛ لأنّه ما جعل الحيضة شرطاً بل جعلها معرفة للوقت المضاف إليه الطلاق، وقد حصل التعريف بمضي ثلاثة أيام وإن لم تطهر، ثمَّ إذا وقع الطلاق عليها من حين ما رأت الدم، لا شكَّ أنَّ على قولهما يقتصر استدلالاً بنظائره من الميت والقدوم على ما مرّ.
وأمّا على قول أبي حنيفة ﵀ قد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يستند وألحقوه بالموت، وبعضهم قالوا لا يستند، وألحقوه بالقدوم من حيث إنّ الحيضة ملفوظ بها على خطر الوجود، كالقدوم بخلاف الموت.
قال في «الجامع» : وإذا (قال) لامرأته أنتِ طالق ثلاثاً قبل موت فلان بشهر، ثمَّ إنّه خالعها على مال قبل تمام الشهر ثمَّ مات فلان لتمام الشهر، فالمسألة على وجهين: إن لم تكن المرأة في العدّة يوم مات فلان، بأن كانت غير مدخول بها أو كانت مدخولاً بها، إلا أنّه انقضت عدتها بوضع الحمل قبل تمام الشهر، لا يقع شيء عليها شيء من الطلقات المضاف.
أمّا عندهما فلأنّ الطلاق يقع عند الموت مقصوراً على حالة الموت، فيشترط قيام الملك عند الموت، ولم يوجد.
وعند أبي حنيفة ﵀ يقع الطلاق في آخر جزء من آخر الحياة ويستند، فلا بد من قيام الملك في آخر جزء من آخر الحياة حتّى يقع ثمّ يستند، وإن كانت في العدة يقع الطلاق غير أنَّ عندهما يقتصر الوقوع على وقت الموت، فلا يتبين بطلان الخلع، وعند أبي حنيفة ﵀ يستند، فيتبيّن أنّه حين خالعها لم يكن له عليها ملك فيتبيّن بطلان الخلع فكان عليه أن يردّ ما أخذ منها؛ لأنّه تبيّن أنّه أخذ ما أخذ بغير حق، ولم يذكر محمّد ﵀ في «الكتاب» أنَّ العدة تعتبر من أيِّ وقت ولا شكَّ أن على قولهما تعتبر العدة من وقت الموت؛ لأنَّ عندهما يقع الطلاق مقصوراً على وقت الموت، وأما على
стр. 1300
قول أبي حنيفة ﵀ عند عامّة الشايخ يعتبر من وقت الموت.٦
وعند علي الرازي ﵀ يعتبر من أوّل الشهر، وهذا بناءً على أن عند علي الرازي الطريق في وقوع الطلاق عند أبي حنيفة ﵀ في هذه الصورة طريق الظهور من كلِّ وجه، ومعناه أنَّ بالموت يظهر أنَّ الطلاق كان واقعاً من أوّل الشهّر من كلِّ وجه، وكان يطعن على محمّد ﵀ فيما ذكر من اشتراط قيام العدّة وقت الموت، لوقوع الثلاث؛ لأنّ عنده الطلاق يقع من أوّل الشهر من كلِّ وجه، فلا معنى لاشتراط قيام العدّة عند الموت، والدليل على أنَّ طريقه الظهور من كلِّ وجه عند أبي حنيفة أنَّ محمّداً رحمهما الله ذكر بطلان الخلع، على قوله: لو كانت العدة قائمة وقت الموت، ولو كان طريقه طريق الاستناد لما قال ببطلان الخلع؛ لأنَّ الخلع بعد وقوعه. ونفاذه لا يحتمل البطلان.
والدليل عليه: أنَّ أبا حنيفة ﵀ قال: لو وطئها بعد اليمين، ثمَّ مات، فلان لتمام الشهر إنّه يلزمه العقد، ولو كان طريقه طريق الاستناد لما لزمه العقد، لأنَّ الاستناد لا يظهر في حقِّ المستوفى بالوطء، وما ذكرنا من نكتة القاضي الإمام الكبير أبي زيد ﵀، يشير إلى ما يقوله علي الرازي ﵀، فكأنه يميل إلى ما قاله علي الرازي ﵀. وعند عامة المشايخ الطريق عند أبي حنيفة ﵀ طريق الاستناد، وهو الوقوع للحال من وجه، ومن أوّل الشهر من وجه، ولما كان الطريق عند عامة المشايخ الاستناد يعتبر العدّة من وقت الموت؛ لأنَّ باعتبار الوقوع في الحال يجب العدّة في الحال، وباعتبار الوقوع من أوّل الشهر تجب العدّة من أوّل الشهر (٢٥٢ب١) ، فتجب في الحال احتياطاً والصحيح ما عليه عامّة المشايخ.
وأمّا تخريج مسألة الخلع، فنقول: باعتبار الحال يصح ما مضى من الخلع، وباعتبار أوّل الشهر لا يصح فلا يصح بالشك والاحتمال وبهذا تبيّن أنّا لا نقول ببطلان الخلع بعد صحته ونفاذه، بل لا نقول بصحته.
وأمّا مسألة العقد قلنا: الأصل في ضمان منافع البضع العقد لكن يصير إلى المسمّى حال قيام الملك من كل وجه، فإذا ظهر زوال الملك من أوّل الشهر من وجه، بقي مضموناً بالضمان الأصلي.
وفي «المنتقى» عن محمّد ﵀: إذا قال لامرأته أنتِ طالق قبيل غد أو قبيل قدوم فلان، فهو قبيل ذلك بطرفة عين؛ لأنَّ قبيل وقت. قال الحاكم أبو الفضل ﵀. هذا الجواب في قوله قبيل قدوم فلان غير مستقيم، والصحيح أنّه يقع الطلاق إذا قدم فلان، والله أعلم.
نوع آخر في إضافة الطلاق إلى الوقتين وإلى أحدهما وفي تعليق الطلاق بالفعلين وبأحدهما وفي الجمع بين وقت وفعل
يجب أن تعلم بأنَّ الطلاق المضاف إلى أحد الوقتين يقع عند آخرهما، إمّا لأنَّ الزوج وصفها بالطلاق في أحد الوقتين، ولو وقع الطلاق في أولهما كانت موصوفة
стр. 1301
بالطلاق في الوقتين، أوْ لأنَّ الزوج أوقع الطلاق بأحد وصفين الأخف والأغلظ وهو التعجل والتأخّر فإنَّ المؤخّر أخف من المعجّل.
والأصل في مثل هذا أن يتعين للزوج الأخف؛ لأنّه متيقّن ولهذا قالوا: إن من قال لامرأته أنتِ طالق بائن أو رجعي يقع طلاق رجعي، وكذلك قالوا فيمن قال لامرأته أنتِ طالق ثلاثاً أو واحدة يقع واحدة، وطريقه ما قلنا.
بيان هذا «الأصل» فيما إذا قال لامرأته: أنتِ طالق غداً أو بعد غد، فإنّها تطلق بعد غد وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق غداً أو رأس الشّهر، فإنّه يقع الطلاق عند أحديهما إلا إذا نوى أن يقع بكل وقت تطليقة، فحينئذٍ تقع تطليقة غداً وتطليقة بعد غد؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه بإقامة حرف الواو مقام أو ويصير تقدير المسألة: أنتِ طالق غداً، وبعد غدٍ أو بإضمار كلمة في، ويصير تقدير المسألة أنتِ طالق في غدٍ وفي بعد غدٍ والمضاف إلى الوقتين يقع بأولهما؛ لأنّه وصفها بكونها طالقاً في الوقتين، وإنّما يكون مقصوداً بالطلاق في الوقتين إذا وقع الطلاق بأولهما، وإذا وقع الطلاق عند وجود أوّلهما لا يقع عند وجود آخرهما شيء إذا لم يكن أحد الوقتين كائناً، أو كان أحدهما كائناً وبدأ بالكائن، ففي الحالين جميعاً يقع طلاق واحد عند وجود أوّلهما.
بيان هذا «الأصل» : إذا لم يكن أحد الوقتين كائناً أن يقول لها اليوم: أنتِ طالق غداً، وبعد غد. وبيانه فيما إذا كان أحد الوقتين كائناً وبدأ بالكائن بأن يقول لها اليوم أنتِ طالق اليوم وغداً، فإنّه يقع الطلاق ساعة ما تكلّم، ولا يقع عليها في الغد شيء؛ لأنه وصفها بكونها طالقاً في الوقت الكائن والآتي، وهي الطلقة الواقعة في الوقت الكائن يتصف بالطلاق في الوقت الآتي.
وعلى هذا إذا قال لها في الليل أنتِ طالق في ليلك ونهارك يقع الطلاق عليها ساعة ما تكلم بهذه المقالة، ثمَّ لا يقع في النهار شيء، وهذا إذا لم يكن لها نية، فإن نوى أن يقع بكل وقت تطليقة كان كما نوى، لما قلنا.
وفي «مجموع النوازل» : إذا قال لها: أنتِ طالق اليوم وغداً، يقع واحدة اليوم، وأخرى غداً وأمّا إذا كان أحد الوقتين كائناً وبدأ بالآتي فإنه يقع بكل وقت تطليقة، بأن قال لها اليوم: أنتِ طالق غداً واليوم تقع واحدة ساعة ما تكلم به، وتقع أخرى غداً، وكذلك إذا قال في الليل أنتِ طالق في نهارك وليلك يقع واحدة ساعة ما قال هذه المقالة، ويقع أخرى إذا طلع الفجر؛ لأنّه وصفها بكونها طالقاً في الوقت الآتي ابتداء، وعطف عليه الوقت الكائن، وهي بالطلاق الواقع في الوقت الآتي لا تتصف بكونها طالقاً في الوقت الكائن.
ولو قال لها ليلاً أنتِ طالق في ليلك وفي نهارك، أو قال لها نهاراً أنتِ طالق في نهارك، وفي ليلك، طلقت في كلِّ وقت تطليقة؛ لأنّه جعل كلّ وقت ظرفاً على حدة فاستدعى مظروفاً على حدة، وفيما تقدّم جعل الوقتين ظرفاً واحداً، فاكتفى بمظروف واحد.
стр. 1302
وعلى هذا إذا قال لها أنتِ طالق ليلاً ونهاراً أو قال في الليل والنهار لم يقع إلا واحدة، ولو قال في الليل وفي النهار، يقع تطليقتان وعلى هذا إذا قال أنتِ طالق في أكلك وشربك، في قيامك وقعودك لم يقع ما لم يوجدا. ولو قال في أكلك وفي شربك، وفي قيامك وفي قعودك فأيهما وجد يقع؛ لأنّه جعل كلَّ فعل شرطاً على حدة فإن نوى طلقة واحدة في قوله في ليلك وفي نهارك ديّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه، وذلك بحذف كلمة في.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمّد ﵀: إذا قال لامرأته أنتِ طالق بالنهار، والليل إذا قال ذلك نهاراً طلقت واحدة، وإن قال ذلك ليلاً طلقت ثنتين، ولو قال لها ولم يدخل بها أنتِ طالق غداً واليوم طلقت الساعة واحدة، وإن تزوجها اليوم طلقت إذا جاء غد ولو لم يتزوجها اليوم حتى جاء غد ثم تزوجها لا تطلق.
وأمّا إذا كان أحد الوقتين كائناً والآخر ماضياً لم يذكر هذه المسألة في الأصول، وإنّما ذكرها في «النوادر» ؛ ووضعها في غير المدخول بها، فقال: إذا قال لها أنتِ طالق أمس واليوم فهي واحدة لأنا لو أوقعنا أمس بها تطليقة ممّا سمى بعد ذلك يكون باطلاً، ولو قال أنتِ طالق اليوم وأمس كانت طالقاً ثنتين، كأنّه قال لها أنتِ طالق ثنتين.
وفي «مجموع النوازل» : إذا قال لامرأته أنتِ طالق اليوم فأمس فهي واحدة، هذا هو الكلام في المضاف.
جئنا إلى المعلّق، فنقول: المعلق بأحد الفعلين يقع بأولهما لأن الحالف جعل أحد الفعلين شرطاً، وإنّما يكون أحدهما شرطاً إذا وقع الطلاق بأولهما، بيان هذا الأصل: إذا قال لها أنتِ طالق إذا جاء رأس الشهر أو إذا قدم فلان، فأيهما وجد أولاً يقع الطلاق ثمَّ لا يقع عند الآخر شيء؛ لأنَّ المعلق (٢٥٣أ١) طلاق واحد، إلا أن ينوي بكل فعل تطليقة، فيكون كما نوى؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه؛ لأنه يذكر بمعنى الواو، قال الله تعالى ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الاْرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ (الإسراء: ٩٠، ٩١) ومعناه وتكون لك ويصير تقدير المسألة أنتِ طالق إذا جاء رأس الشهر، وإذا قدم فلان.
وأمّا المعلق بالفعلين، فهو على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الجزاء مقدماً على الفعلين، وإنّه على وجهين:
أمّا (إن) ذكر للثاني حرف الشرط، بأن قال لها: أنتِ طالق إذا قدم فلان وإذا قدم فلان آخر، وفي هذا الوجه أيّهما قدم أوّلاً يقع الطلاق ولا يقع بالثاني شيء إلا إذا نوى ذلك.
وأمّا إن لم يذكر للثاني حرف الشرط، بأن قال لها أنتِ طالق إذا قدم فلان وفلان، وفي هذا الوجه لا يقع الطلاق ما لم يقدما، والفرق أنَّ قوله أنتِ طالق إذا قدم فلان وإذا قدم فلان يمين تامّه؛ لأنّه ذكر شرط وجزاء، فإذا ذكر للثاني حرف الشرط، فالثاني تامّ في معنى الشرطية، ناقص في معنى الجزائية، فصار جزاء الشرط الأوّل جزاء له بحكم
стр. 1303
العطف إذ العطف يقتضي المشاركة بين المعطوف وبين المعطوف عليه، فيما هو ناقص، ويصير تقدير المسألة؛ كأنّه قال أنتِ طالق إذا قدم فلان، وإذا قدم فلان آخر فأنتِ طالق تلك التطليقة ولو نصَّ على ذلك كان الجواب كما قلنا فها هنا كذلك.
وأمّا إذا لم يذكر للثاني حرف الشرط فالثاني ناقص في معنى الشرطية، كما هو ناقص في معنى الجزائية وقد عطفه على الأول بحرف الجمع، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، فصار كأنّه قال: أنتِ طالق إذا قدما.
الوجه الثاني: أن يكون الجزاء وسط الفعلين، بأن قال لها إذا قدم فلان، فأنتِ طالق، وإذا قدم فلان فالجواب فيه كالجواب فيما إذا قدّم الجزاء؛ لأنّ قوله إذا قدم فلان، فأنتِ طالق يمين تامّة، فإذا قال وإذا قدم فلان فقد ذكر حرف الشرط ولم يذكر له الجزاء، فصار جزاء الأوّل جزاءً للثاني بحكم العطف.
الوجه الثالث: أن يكون الجزاء مؤخراً عن الفعلين، بأن قال: إذا قدم فلان، وإذا قدم فلان فأنتِ طالق، فما لم يقدما لا يقع الطلاق لأنَّ قوله إذا قدم فلان ليس بكلام تامّ، بل هو شرط محض، وإذا قال: وإذا قدم فلان، فهذا أيضاً شرط محض، وقد جمع بينهما، فصار كالمجموع بلفظ الجمع فكأنّه قال: إذا قدما فأنتِ طالق، بخلاف ما إذا قدم الجزاء أو وسط؛ لأن هناك الكلام الأوّل يمين تامة على ما ذكرنا والكلام الثاني تام في معنى الشرطية ناقص في معنى الجزائية على ما مرّ.
وإذا جمع بين وقت وفعل وأضاف الطلاق إلى أحدهما، بأن قال لها: أنتِ طالق رأس الشهر أو إذا قدم فلان، فإن وجد الفعل أوّلاً بأن قدم فلان في هذه الصورة أوّلاً يقع الطلاق، ويجعل كأنَّ المضموم إليه فعل آخر، فكان هذا طلاقاً معلقاً بأحد الفعلين فيقع بأولهما، وإن جاء رأس الشهر أوّلاً لا يقع الطلاق ما لم يقدم فلان، ويجعل كأن المضموم إليه وقت آخر كأنّه قال: أنتِ طالق رأس الشهر أو وقت قدوم فلان، فكان الطلاق مضافاً إلى أحد الوقتين، فيقع بآخرهما.
واختلفت عبارة المشايخ في بيان العلّة، فعبارة بعضهم: إنَّ الجمع بين قضيّة الفعل وبين قضيّة الوقت متعذر، لما بين الإضافة والتعليق من التضاد وجب القول بالترجيح، فرجحنا السابق؛ لأنّه لا (حكم) له فيعطى له حكمه ويجعل الآخر تبعاً له، فإن وجد الفعل أولاً جعل كأن المضموم إليه فعل آخر وإن وجد الوقت أوّلاً، جعل كأنَّ المضموم إليه وقت آخر.
وعبارة القاضي الإمام أبي سعيد البردعي ﵀ أنَّ من أوقع أحد الطلاقين، إمّا الأخف وإمّا الأغلظ يقع الأخف، وقد أتى بالمضاف إلى الوقت أو بالمعلق بالفعل، والمعلق أخف من المضاف؛ لأن المضاف أقرب إلى المنجّز من المعلق، ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: إن حلفت بعتق عبدي، فأنتِ طالق ثمَّ قال لعبده أنت حرّ غداً لا تطلق امرأته، كما لو قال أعتقت للحال. وكذا النذر المضاف إلى الغد يجوز تعجيله قبل مجيء الغد، بأن قال: لله تعالى عليَّ أن أصدّق بدرهم غداً، فتصدق اليوم والنذر المعلق بمجيء
стр. 1304
الغد لا يجوز تعجيله قبل مجيء الغد، فعلم أن المضاف قرب المنجز، فكان المعلّق أخف، فيعتبر الأخف ويلغوا الوقت، ولكن هذه العلّة إنّما تتأتى فيما إذا وجد الفعل أوّلاً، ولا تتأتى فيما إذا وجد الوقت أوّلاً، واستشهد محمّد ﵀ لإيضاح هذه المسألة في «الزيادات» بمسألة أخرى، فقال: ألا ترى أنّه لو قال لها أنتِ طالق غداً، أو إن شئت، فشاءت الساعة أنه يقع الطلاق، ولا ينتظر مجيء الغدّ، ويجعل كأنَّ المضموم إلى المشيئة فعل آخر، فكان الطلاق معلقاً بأحد الفعلين، فكذا في مسألتنا إلا أنَّ بين مسألتنا، وبين مسألة الاستشهاد فرق، فإنَّ في مسألة الاستشهاد إذا قامت عن مجلسها قبل أن تشاء طلقت غداً، وفي مسألتنا هذه إذا جاء رأس الشهر قبل أن يقدم فلان لا تطلق ما لم يقدم فلان.
وفي «نوادر ابن سماعة» قال: سمعت أبا يوسف ﵀ يقول: إذا قال لامرأته أنتِ طالق إن دخلت الدار، أو بعد غد، فدخلت الدار اليوم قال: لا تطلق حتّى يجيء بعد الغد، قال: وهذا بمنزلة وقتين.
وقال محمّد ﵀: إن دخلت الدار اليوم طلقت قبل مجيء بعد الغد، وهذه الرواية عن أبي يوسف ﵀ تخالف ما ذكر محّمد ﵀ في «الزيادات» .
وعن أبي يوسف ﵀ أيضاً أنّه إذا علق الطلاق بوقت وفعل على الشك، فهو بمنزلة فعلين، قال الحاكم أبو الفضل ﵀: يريد به أن الطلاق يقع بأيهما سبق، وهذه الرواية توافق ما ذكر محمّد ﵀ في «الزيادات» ، ومتى جمع بين الوقت والفعل وأضاف الطلاق إليهما بأن قال لها: أنتِ طالق غداً، وإذا قدم فلان فهاتان تطليقتان تطلق غداً واحدة، وإذا قدم فلان أخرى؛ لأنّه لا مجانسة بين الوقت وبين الفعل، حتّى يصير جزاء الأوّل جزاء الثاني بحكم العطف إذ المشاركة إنّما تثبت في جنس واحد، لا في جنسين. وقد ذكر للثاني (٢٥٣ب١) حرف الشرط، ولم يذكر له جزاء، فاستدعى الثاني جزاء آخر، فصار تقدير المسألة كأنّه قال: أنت طالق غداً، وإذا قدم فلان فأنتِ طالق تطليقة أخرى، بخلاف ما إذا ذكر فعلين أو وقتين؛ لأنَّ هناك الثاني من جنس الأوّل، فصار جزاء الأوّل جزاءً للثاني بحكم العطف، فلم يستدعي الثاني جزاء آخر.
فروى ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله فيمن قال لامرأته: أنتِ طالق السّاعة، وإذا جاء غد وإذا جاء بعد غد، فهي طالق السّاعة واحدة وإذا جاء غد أخرى: ولا تطلق بمجيء ما بعد الغد؛ لأنَّ قوله إذا جاء غد فعل وقوله، وإذا جاء بعد غد فعل آخر، فإنّما يقع بأوّل الفعلين ويسقط اليمين، قال: ألا ترى أنّه لو قال أنتِ طالق إن دخلت هذه الدّار وإن دخلت هذه الدّار فدخلت إحدى الدّارين طلقت، وسقطت اليمين حتّى لا تطلق بدخول الدّار الأخرى، كذا ها هنا.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله، فيمن قال لامرأته: أنتِ طالق اليوم، وإن دخلت الدّار فهي طالق حين تكلم، وإن دخلت الدار أخرى وهذا وما لو قال لها أنتِ طالق غداً وإذا قدم فلان سواء.
стр. 1305
وفي «الجامع الصغير» إذا قال لها أنتِ طالق غداً اليوم أو قال أنتِ طالق اليوم غداً، فهو بأوّل الوقتين تفوه، يريد به أنَّ في الصورة الأولى يقع الطلاق غداً، وفي الصورة الثانية يقع الطلاق اليوم؛ لأنّه أضاف الطلاق إلى وقتين ولم يذكر بينهما حرف العطف، وفي مثل هذا يقع الطلاق بأولهما لفظاً، ويصير الثاني حشواً ولغواً من الكلام. وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق الساعة غداً يقع الطلاق عليها في الحال، فإن قال عنيت بهذه الساعة الساعة من الغد فإنّه لا يصدّق في القضاء ويديّن فيما بينه وبين الله تعالى.
ولو قال: أنتِ طالق اليوم إذا جاء غد، فهي طالق غداً حين يطلع الفجر لأنَّ قوله أنتِ طالق اليوم إيقاع للحال وقوله إذا جاء غد تعليق، فقد أتى بالإيقاع والتعليق والجمع بينها متعذّر، فلا بدَّ من اعتبار أحدهما وترك الآخر فنقول: اعتبار التعليق أولى، لأنا متى اعتبرنا الإيقاع يلغو قوله إذا جاء غد، وإنها كلمات، ولو اعتبرنا التعليق يلغو قوله اليوم، وإنه كلمة واحدة، فكان اعتبار التعليق أولى، وإذا اعتبرنا التعليق بقي ذكر اليوم فصار كأنّه قال لها: أنتِ طالق إذا جاء غد وهناك لا يقع الطلاق ما لم يجيء الغد كذا ها هنا.
وفي «مجموع النوازل» : إذا قال لها أنتِ طالق تطليقة تقع عليك غداً، فإنّه لا تقع إلا غداً ولو قال تطليقة لا يقع عليك إلا غداً وقع السّاعة، قال لأنّه تأجيل في الواقع.
وفي «المنتقى» إذا قال لها أنتِ طالق رأس كلِّ شهر، فإنّها تطلق ثلاثاً في رأس كلِّ شهر واحدة، ولو قال لها أنتِ طالق كلّ شهر، فإنّها تطلق واحدة قال لأنَّ في الأوّل ثلثهما فصل في الوقوع، ولا كذلك في الباقي ولو قال لها أنتِ طالق كل جمعة، فإن كان نيته على كلّ يوم جمعة فهي طالق في كل يوم جمعة حتّى تبين بثلاث وإن كان نيته على كلّ جمعة تأتي بأيامها على الدهر فهي طالق واحدة، وإن لم يكن له نيّة طلقت واحدة. وفي «مجموع النوازل» : إذا قال لها أنتِ طالق يوم الجمعة، أو في الجمعة وهو في بعض اليوم، فإنّه يقع الطلاق، فلا يكون على الجمعة الثانية إلا أن ينوي.
وفيه يضاً: إذا قال لها أنتِ طالق قبل يوم قبله يوم الجمعة، أو قال بعد يوم بعده يوم الجمعة يقع الطلاق عليها يوم الجمعة في المسألتين جميعاً، ولو قال لها أنتِ طالق واحدة كل يوم، فهي طالق واحدة كلَّ يوم.
وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق كل يوم واحدة، ولو قال لها أنتِ طالق شهراً، غير هذا اليوم أو سوى هذا اليوم كان كما قال، فكانت طالقاً بعد مضي ذلك اليوم، ولا يشبه هذا قوله إلا هذا اليوم، فإنَّ هناك تطلق حين تكلم، وقوله هذا الشهر إلا هذا اليوم نظير قوله شهراً إلا هذا اليوم. والفرق بين قوله إلا هذا وبين قوله سوى هذا، وغير هذا أنَّ قوله غير هذا اليوم وسوى هذا اليوم قد يكون وقتاً، ألا ترى لو قال الرجل لغيره: والله لا أكلمك ثلاثة أيام غير هذا اليوم، أو سوى هذا اليوم كان حالفاً أن لا يكلمه ثلاثة أيام مستقبلات بعد هذا اليوم. ولو قال: والله لا أكلمك ثلاثة أيام إلا هذا اليوم كان حالفاً أن لا يكلمه يومين بعد يومه ذلك؛ لأنَّ بقوله هذا اليوم استثنى هذا اليوم من الثلاثة.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمة الله عليهما: إذا قال لامرأته أنتِ طالق بعد أيام
стр. 1306
فإنّما يقع بعد سبعة أيام. وروى المعلّى عنه إذا قال لها: إذا كان ذو القعدة فأنتِ طالق، وقد مضى بعضه، قال: هي طالق ساعة تكلّم وإذا قال لها أنتِ طالق في مجيء يوم إن قال ذلك ليلاً طلقت كما طلع الفجر من اليوم الثاني وإن قال ذلك في ضحوة من النهار طلقت كما طلع الفجر من اليوم الثاني.
ولو قال لها أنتِ طالق في مضي يوم إن قال ذلك ليلاً طلقت إذا غربت الشمس من الغد، وإن قال ذلك في ضحوة من النهار طلقت إذا جاءت الساعة التي حلف فيها من اليوم الثاني، وكان ينبغي أن يشترط في المجيء مجيء يوم كامل، كما يشترط في المضي مضي يوم كامل، كأنّه أضاف المجيء إلى اليوم مطلقاً ولا يوجد مجيء اليوم مطلقاً على الحقيقة إلا المجيء كله.
والجواب أن القياس هذا، إلا أنَّا تركنا القياس في المجيء بنوع ضرورة لأنّا لو شرطنا في المجيء مجيء جميع اليوم، وذلك بغروب الشمس يفوت اسم المجيء فإنّه لا يقال بعدما غربت الشمس جاء اليوم، وإنّما يقال مضى اليوم أما في المضي لو شرطنا مضيّ حميع اليوم لا يفوت اسم المضي، فعملنا بالقياس في المضي وتركنا القياس في المجيء، واعتبرنا فيه مجيء أواخر من آخر اليوم، والعرف يشهد لما قلنا، فإنّه تعالى يوم الغد إذا طلع الفجر من يوم الجمعة وجاء شهر رمضان إذا أهلّ الهلال من شهر رمضان.
ولو قال لها: أنتِ طالق في مجيء ثلاثة أيام إن قال ذلك ليلاً طلقت كما طلع الفجر من اليوم الثالث لأنّه علق وقوع الطلاق بطلوع ثلاث فجرات، وكما طلع الفجر من اليوم الثالث، فقد تمَّ طلوع ثلاث فجرات. وإن قال ذلك في ضحوة من النهار (٢٥٤أ١) طلقت إذا طلع الفجر من اليوم الرابع؛ لأنَّ هذا اليوم لم يعتبر داخلاً في اليمين، وإنما يعتبر طلوع ثلاث فجرات بعد هذا اليوم.
ولو قال لها أنتِ طالق في مضيّ ثلاثة أيام إن قال ذلك ليلاً طلقت إذا غربت الشمس من اليوم الثالث؛ إذ به يتمّ الشرط، هكذا وقع في بعض نسخ «الجامع» ، ووقع في بعضها: لا يطلق حتّى يجيء مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الليل الرابعة، وهكذا ذكر القدوري ﵀ في «شرحه» ؛ لأنَّ الأيام متى ذكرت باسم الجمع يستتبع ما بإزائها من الليالي فيجب تكميلها من الليلة الرابعة، بخلاف اليوم المفرد، والله أعلم بالصواب. /
الفصل الثاني عشر: في الرجل يوقع الطلاق على امرأته ثم يقول: لي امرأة أخرى والمطلقة هي الأخرى
قال محمّد ﵀ في «الجامع» إذا قال الرجل أوّل امرأة أتزوجها طالق، ثمَّ تزوّج امرأة بعد اليمين، وادعت هي الطلاق فقالت: أنا أوّل امرأة تزوجني بعد اليمين، وقال الزوج لا بل تزوجت فلانة بعد اليمين لا يُصدّق الزوج في صرف الطلاق عن
стр. 1307
المعروفة، ولو كان قال: إنّ كانت فلانة أول امرأة أتزوجها فهي طالق ثمَّ تزوجها، فادعت هي الطلاق، وقال الزوج؛ تزوجت امرأة قبلها، وهذه ليست بأولى، فالقول قول الزوج.
الأصل في جنس هذه المسائل: أن الزوج متى ما أنكر وجود ما هو شرط وقوع الطلاق، فالقول قوله؛ لأنّه ينكر وقوع الطلاق ومتّى أقرّ ما هو شرط وقوع الطلاق، وله امرأة معروفة، فادعت المعروفة أنّها طلقت، وادّعى الزوج أنَّ له امرأة أخرى سوى هذه المعروفة، وهي التي طلقت فالقول قول المعروفة؛ لأنَّ الزوج لما أقرّ بما هو شرط وقوع الطلاق، فقد أقرّ بالإيقاع؛ لأنَّ المعلق بالشرط يصير مرسلاً عند الشرط، فصار كأنّه قال عند إقراره بوجود الشرط: امرأتي طالق. ولو قال لها هكذا، وله امرأة معروفة ينصرف الإيقاع إليها؛ لأنَّ صحّة الإيقاع يعتمد محلا قائماً والمحل المنكوحة والمنكوحة الظاهرة المعروفة، فيصير الزوج مقراً بطلاقها من حيث الظاهر، فإذا ادّعى بعد ذلك الوقوع على امرأة أخرى، فقد ادّعى أمراً بخلاف الظاهر. وإذا ادعت المعروفة الوقوع عليها، فقد ادعت أمراً موافقاً للظاهر قبل فيما قد تمّ اعتبار الظاهر، لإيقاع الطلاق على المعروفة، ولاستحقاق المعروفة نفسها على زوجها، والظاهر يصلح للدفع دون الاستحقاق قلنا.... يعتبر الظاهر لدفع دعوى الزوج، ثمَّ يقع الطلاق على المعروفة بالإيقاع الثالث بإقرار الزوج، فلا يكون في هذا اعتباراً لظاهر حجّته في إيقاع الطلاق على المعروفة.
إذا ثبت هذا جئنا إلى تخريج المسألة، فنقول: في المسألة الأولى الزوج أقر بما هو شرط وقوع الطلاق؛ لأنَّ على ما زعم وعلى ما ظهر الطلاق واقع، وله امرأة معروفة يدعي طلاق نفسها، فيكون القول قولها وفي المسألة الثانية الزوج منكر ما هو شرط وقوع الطلاق؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق كون هذه المرأة موصوفة بصفة الأوّلية في التزوّج، والزوج ينكر ذلك، ألا ترى أنّه لو ثبت ما أقرّ به الزوج، لا يقع الطلاق أصلاً، فيكون القول قول الزوج، وإذا وقع الطلاق على المعروفة في المسألة الأولى ينظر إن كذبت المجهولة الزوج في النكاح لا يقع عليها شيء، وإن صدقته يقع عليها الطلاق بإقرار الزوج، والمعروفة مطلقة بحكم الظاهر.
فرّع على المسألة الأولى فقال: لو كان الزوج قال تزوجت هذه وفلانة معها، كان القول قول الزوج، فلا يقع (على) المعروفة؛ لأن الزوج أنكر شرط الوقوع ها هنا إذ الشرط تزوّج امرأة معروفة موصوفة بصفة الأوّلية في التزوج، والأوّل اسم لفرد سابق، فالزوج يدّعي المقارنة (و) ينكر الفردية فينكر الأوّلية فيكون منكر شرط الوقوع، ألا ترى أنّه لو ثبت ما أقرّ به الزوج لا يقع الطلاق أصلاً، فلهذا كان القول قول الزوج، ولا تطلق المجهولة ها هنا وإن صدقت الزوج في دعوى نكاحها، بخلاف المسألة الأولى لأنَّ في المسألة
стр. 1308
الأولى المجهولة إنّما تطلق بإقرار الزوج، والزوج ها هنا غير مقرّ بطلاق المجهولة.
ولو نظر إلى امرأتين، فقال أوّل امرأة أتزوجها منكما طالق فتزوّج إحداهما، وادعت هي الطلاق، فقالت: تزوجني أوّلاً، وقال الزوج تزوجت الأخرى أوّلاً، فالقول قول المعروفة؛ لأنَّ الزوج أقرّ بوجود شرط وقوع الطلاق ها هنا، وهو تزوّج إحداهما أوّلاً، فلا يصدّق في صرف الطلاق عن المعروفة، ولو كان الزوج قال: تزوجت الأخرى معها فالقول قول الزوج، فلا تطلق المعروفة؛ لأنَّ الزوج منكر شرط وقوع الطلاق عليها ها هنا.
وإذا قال الرجل كنت طلقت امرأة تزوجتها أو قال كانت لي امرأة فطلقتها، وادعت المعروفة أنّها هي وقال الزوج كانت لي امرأة أخرى غير المعروفة وإيّاها طلقت، فالقول قول الزوج لأنَّ الزوج لم يقرّ بالإيقاع في الحال في هذه الصورة، حتّى تتعيّن المعروفة لهذا الطلاق بحكم الظاهر، إنّما أقرَّ بالإيقاع فيما مضى في نكاح بما مضى؛ لأنَّ قوله كنت إخبار عن الماضي.
فإن قيل هذا التعليل لا يستقيم في قوله فطلقتها؛ لأنَّ قوله طلقتها إيقاع في الحال، فيستدعي محلاً قائماً في الحال وليس ذلك إلا المعروفة، قلنا: قوله: وطلقتها عطف على قوله كانت لي امرأة، وقوله: كانت لي امرأة إخبار عن نكاح ماض فيصير قوله فطلقتها إخباراً عن نكاح ماض بحكم العطف.
فإن قيل هذا الشكل بما لو قال كانت لي امرأة، فاشهدوا أنها طالق، فادعت المعروفة أنّها هي، فالقول قول المعروفة حتّى تطلق هي. وقوله إنّها طالق معطوف على نكاح ماض، ولم يجعل إخباراً عن طلاق ماض بحكم العطف قلنا: قوله: إنها طالق معطوف على قوله: فاشهدوا الإشهاد للحال، فقوله إنّما يكون إنشاء الطلاق للحال.
ولو قال طلقت امرأة لي فاشهدوا، أو قال امرأة من نسائي طالق، وباقي المسألة على حالها يقع الطلاق على المعروفة في الحكم؛ لأنَّ هذا الكلام، أو قال امرأة لي طالق إيقاع للحال فيستدعي محلا قائماً للحال، والمعروفة تعينت لذلك بحكم الظاهر.
وكذلك لو قال (٢٥٤ب١) قد كنت طلقت امرأتي، قد كنت امرأة لي، قد كنت طلقت إحدى نسائي، وباقي المسألة بحالها يقع الطلاق على المعروفة في الحكم؛ لأنّه وإن أضاف الطلاق إلى الماضي إلا أنّه إنّما أضاف إلى الماضي طلاق امرأة مضافة إليه في الحال، والمرأة المضافة إليها في الحال من حيث الظاهر المعروفة.
وكذلك لو قال: طلقت أول امرأة قد كنت تزوّجتها، أو قال: طلقت امرأة كانت لي، وباقي المسألة على حالها تطلق المعروفة؛ لأنَّ قوله طلقت إيقاع في الحال ومحله في الحال المعروفة بحكم الظاهر، وكلّه من أيمان «الجامع» .
وفي «المنتقى» ابن سماعة عن محمّد رحمة الله عليهما؛ إذا قال زينب امرأة طالق، فخاصمته زينب إلى القاضي في الطلاق، فقال: لي امرأة أخرى ببلدة كذا اسمها زينب وإياها عنيت، ولم يقم على ذلك بنيّة، فإنَّ القاضي يطلّق هذه المرأة، ويبينها منه إن كان
стр. 1309
الطلاق بائناً فإن أحضر.... واسمها زينب وعرفها القاضي بذلك، فإنه يوقع الطلاق عليها ويرد إليه الأولى ويبطل طلاقها وكذلك هذا في العتق. وعن أبي يوسف ﵀ أنّه يطلقهما جميعاً ويعتقهما جميعاً.
وروى هشام عن محمّد رحمة الله عليهما إذا قال الرجل امرأته طالق، فاستقدم عليه امرأته فقال لي امرأة أخرى غائبة وإيّاها عنيت. قال: إن أقام البيّنة أن له امرأة أخرى غائبة سواها وقفت الأمر، ولم أوقع الطلاق حتّى يقدم إليّ الغائب، وعن أبي يوسف ﵀، فيمن قال: امرأته طالق وله امرأة معروفة فقال لي امرأة أخرى، وجاءت امرأة أخرى وادّعت أنها امرأته وصدقها الزوج في ذلك، فقال: إيّاها عنيت أو قال: اخترت أن أوقع الطلاق على هذه فإن أقام بيّنة على التزوّج بالمجهولة قبل الطلاق صرف الطلاق عن المعروفة، وإن لم يقم له بيّنة على ذلك، وقضى القاضي ببطلان المعروفة، ثمَّ قامت له بيّنة على التزوّج بالمجهولة قبل الطلاق، أو قبل أن يقضي القاضي ببطلان المعروفة، وقال الزوج عنيت بالطلاق المجهولة، فالقاضي يبطل ما قضى به من طلاق المعروفة ويردها إليه، ويوقع الطلاق على المجهولة. وكذلك لو كانت المعروفة قد تزوجت.
وفي «المنتقى» أيضاً: إذا قال لامرأتي عليَّ ألف درهم، وله امرأة معروفة، ثمَّ قال لي امرأة أخرى والدّين لها، فالقول قوله.
ولو قال: امرأته طالق على ألف درهم، فالطلاق والمال على امرأته المعروفة، فلا يصدق في صرفها إلى غيرها.
ولو قال: امرأتي طالق، ثمَّ قال لامرأتي عليَّ ألف درهم، وله امرأة معروفة، فقال لي امرأة أخرى وإيّاها عنيت صدّق في حقّ المال، ولا يصدّق في حقّ الطلاق.
وفي طلاق «الأصل» في باب الشهادة في الطلاق: إذا قال فلانة بنت فلان طالق، سمّى امرأة ونسبها، ثمَّ قال عنيت بذلك امرأة أجنبيّة هي على هذا الاسم والنسب، لم يصدّق قضاء.
وإن قال هذه المرأة التي عنيتها امرأتي، وصدقته في ذلك وقع الطلاق عليها بإقراره، ولم يصدق في حقّ صرف الطلاق عن المعروفة إلا أن يشهد الشهود على نكاح هذه المرأة قبل الإيقاع، أو على إقرار الرجل، وهذه المرأة بالنكاح أو على إقرار المرأة المعروفة بذلك، فحينئذٍ يعين الزوج بالبيان أنّه أوقع الطلاق على أيّهما.
وفيه أيضاً: إذا تزوّج امرأتين إحداهما نكاحاً صحيحاً، والأخرى نكاحاً فاسداً أو اسمهما واحد، فقال: فلانة طالق ثمَّ (قال) عنيت التي نكاحها فاسداً لم يصدّق قضاء، وكذلك إذا قالك إحدى امرأتي طالق ثم قال: عنيت التي نكاحها فاسد لم يصدق قضاء؛ لأنَّ التي نكاحها فاسد لم تصر امرأة له فكأنّه قال: إحدى امرأتيّ طالق وليس له إلا امرأة واحدة، ولو قال إحداكما طالق ثمَّ تطلق التي صحّ نكاحها، إلا أن يعنيها. ولو قال في
стр. 1310
يده عبدان قد اشترى أحدهما شراءً صحيحاً، واشترى الآخر شراءً فاسداً فقال أحدكما حر أو قال أحد عبدي حرّ فهما سواء، فالقول في البيان قوله والله أعلم.
الفصل الثالث عشر: في طلاق الغاية والظرف
إذا قال لها أنتِ طالق من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين، فهي واحدة أو من واحدة إلى ثلاث أو ما بين واحدة إلى الثلاث فهي ثنتان وهذا قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله إن قال من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين يقع ثنتان، وإن قال ما بين واحدة إلى ثلاث أو من واحدة إلى ثلاث فهي ثلاث، وقال زفر ﵀: (إن قال من واحدة إلى ما بين لا يقع شيء) ، وإن قال من واحدة إلى ثلاث يقع واحدة.
والحاصل أنَّ على قول أبي حنيفة ﵀ تدخل الغاية الأولى دون الثانية وعلى قولهما تدخل الغايتان، وعلى قول زفر ﵀ لا تدخل الغايتان وهو القياس.
إلا أنَّ أبا حنيفة ﵀ يقول في إدخال الغاية الأولى ضرورة؛ لأنَّ الثانية لا وجود لها بدون الأولى، وهذه الضرورة معدومة في الثالثة؛ لأنَّ الثانية لها وجود بدون الثالثة، فبقيت الثالثة على أصل القياس، وقال أبو حنيفة ﵀: لو نوى واحدة في قوله من واحدة من ثلاث ديّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه أخرج الغاية الأولى، فالكلام محتملة إلا أنَّه خلاف الظاهر.
وروي عن أبي يوسف ﵀ أنّه لو قال أنتِ طالق ما بين واحدة وثلاث، فهي واحدة؛ لأنّه لم يجعل الثلاث غاية لما أوقع ما بين العددين، وذلك واحدة.
ولو قال ما بين واحدة إلى أخرى أو من واحدة إلى واحدة، فهي واحدة عند أبي حنيفة ﵀، وقد اختلف المشايخ على قولهما، قال بعضهم: يقع ثنتان، وهكذا ذكر في «تجريد القدوري» ؛ لأنَّ عندهما تدخل الغايتان، وقال بعضهم تقع واحدة؛ لأنّه يحتمل أن يكون معنى قوله: من واحدة إلى واحدة منها وإليها، فلا يقع أكثر من واحدة بالشّك وهكذا ذكر في «شرح القدوري» وهو الصحيح.
ولو قال: من واحدة إلى ثنتين وقعت واحدة عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما يقع ثنتان هكذا ذكر القدوري ﵀ في «شرحه» قال: وقياس مذهبهما أن يقع الثلاث؛ لأنّ عندهما تدخل الغايتان، ولكن الوجه فيه أنَّ قوله من واحدة إلى ثنتين مجمل يحتمل أنّه جعل تلك الواحدة من الثنتين، كأنّه قال من واحدة هي من الثنتين، ويحتمل أنّه
стр. 1311
جعل الواحدة (٢٥٥أ١) غير الثنتين فلا تقع الزيادة على الثنتين بالشّك، وهذه المسألة تؤيّد قول من يقول في قوله من واحدة إلى واحدة إنّه تقع واحدة عندهما.
وكذا روي عن أبي يوسف ﵀ أنّه قال: إذا قال أنتِ طالق ثنتين إلى ثنتين إنّه تقع ثنتان لما قلنا إنّه مجمل يحتمل أنّه جعل الابتداء هو الغاية، كأنّه قال من ثنتين إليهما.
ولو قال أنتِ طالق واحدة في ثنتين، إن نوى واحدة وثنتين أو نوى واحدة مع ثنتين يقع الثلاث، وكذلك إذا قال أنتِ طالق واحدة في ثلاث ونوى واحدة وثلاثاً، أو نوى واحدة مع ثلاث تقع الثلاث، وكذلك إذا قال أنتِ طالق ثنتين في ثنتين، ونوى ثنتين وثنتين أو ثنتين مع ثنتين تقع الثلاث، وإن لم يكن له نيّة أو نوى الضرب والحساب، ففي قوله واحدة في ثنتين تقع واحدة، لا غير. وفي قوله واحدة في ثلاث كذلك، وفي قوله ثنتين في ثنتين تقع ثنتان لا غير.
والحاصل أنَّ الواقع في جنس هذا المعروف لا غير عند علمائنا الثلاثة ﵏ وهذا لأنَّ بالضرب لا يكبر الشيء في ذاته بل يكبر أجزاؤه ضرورة، فواحدة في ثنتين واحدة لها جزء وواحدة في ثلاث واحدة لها ثلاثة أجزاء، وإذا لم يكثر ذات الطلاق بقيت طلقة واحدة، فتقع طلقة واحدة لهذا.
ولو قال لها أنتِ طالق إلى الليل، أو إلى أشهر أو قال إلى سنة، فهو على ثلاثة أوجه إمّا أن ينوي الوقوع للحال ويجعل الوقت للامتداد وفي هذا الوجه يقع الطلاق للحال، وإما أن ينوي الوقوع بعد الوقت المضاف إليه، وفي هذا الوجه يقع الطلاق بعد مضي الوقت المضاف إليه إن لم يكن له نيّة أصلاً لا يقع الطلاق إلا بعد مضي الوقت المضاف إليه، عندنا، خلافاً لزفر ﵀، فإنّه يقول بوقوع الطلاق للحال وببطلان الغاية وقاسه على ما إذا جعل الغاية مكاناً، بأن قال لها أنتِ طالق إلى مكة أو إلى بغداد، وإن هناك تبطل الغاية ويقع الطلاق للحال كذا ها هنا.
وإنا نقول كلام العاقل لا يلغى ما أمكن العمل به، وقد أمكن العمل ها هنا بمجاز مكة إلى بغداد بحقيقتها. بيانه: وهو أنَّ كلمة إلى كما تذكر ويراد به الغاية يذكر ويراد بها بَعْد كقول الرجل في العرف والعادة أنا خارج من هذا البلد إلى عشرة أيام، ويريد به أنّه خارج بعد عشرة أيام فجعلنا مجازاً عن بَعْد فصار تقدير المسألة، كأنّه قال لها أنتِ طالق بعد شهر أو قال سنة، ولو صرّح بذلك لا يقع الطلاق إلا بعد مضيّ شهر كذا ها هنا، بخلاف قوله: إلى مكان كذا، فإنَّ هناك كما تعذر العمل بحقيقة كلمة إلى تعذر العمل بمجازها بجعلها عبارة عن بعد، لأنّه لو نصّ على البعد ثمة، فإن قال أنتِ طالق بعد مكة، أو بعد بغداد يقع الطلاق في الحال، وفي قوله بعد شهر لا يقع الطلاق في الحال، ولو قال لها أنتِ طالق إلى الصيف أو قال إلى الشتاء، فهذا وما لو قال إلى الليل أو إلى الشهر سواء، وكذلك إذا قال: إلى الربيع أو إلى الخريف.
وتكلّموا في معرفة هذه الفصول: قال بعضهم متى اتصل الحرّ على الدوام كان صيفاً، وإذا انكسر الحرّ ولم يتصل البرد كان خريفاً، وإذا اتصل البرد كان شتاءً وإذا
стр. 1312
انكسر البرد ولم يتصل الحرّ كان ربيعاً. قال بعضهم: الشتاء ما يحتاج فيه إلى الوقود والثوب المحشو، والصيف ما لا يحتاج فيه إلى البيان، ولا يحتاج فيه إلى الوقود والثوب المحشو.
وقال بعضهم: الصيف ما يكون (فيه) على الأشجار الأوراق والثمار، والخريف ما يكون (فيه) على الأشجار الأوراق، ولا يكون عليها الثمار، والشتاء ما لا يكون (فيه) على الأشجار الثمار ولا الأوراق، والربيع ما يخرج (فيه) من الأشجار والأوراق.
إذا قال لها أنتِ طالق في الدار أو في مكة طلقت، وإن لم يكن في الدار، ولا في مكة، وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق في الشمس وهي في الظلّ كانت طالقاً للحال: لأنه جعل هذه الأشياء ظرفاً للطلاق وإنهاءً وجعل الموجود ظرفاً يوجب الوقوع للحال، كجعل الموجود شرطاً.
وكذا إذا قال لها أنتِ طالق في ثوب كذا، وعليها ثوب آخر، فهي طالق وطريقه ما قلنا، ولو قال لها أنتِ طالق في ذهابك إلى مكة أو في دخولك دار فلان، أو في لبسك ثوب كذا لم تطلق حتى تفعل ذلك الفعل؛ لأنّه جعل طرف الطلاق شيئاً معدوماً فيعتبر بما لو جعل شرط وقوع الطلاق شيئاً معدوماً وهناك لا يقع الطلاق ما لم يوجد الشرط، كذا ها هنا.
ولو قال عنيت بقولي أنتِ طالق في الدّار أو في مكّة إذا أتيت مكّة إذا دخلت الدّار صدّق ديانة لا قضاء، ولو قال لها أنتِ طالق في صلاتك لم تطلق حتّى تركع وتسجد وقيل حتّى ترفع رأسها من السجدة حتّى توجد القعدة، ولو قال: في حيضتك أو في طهرك، فإن كان موجوداً وقع وإلا يقف على وجوده، ولو قال لها: أنتِ طالق في الغد أو قال غداً، ولا نيّة له يقع الطلاق حتّى يطلع الفجر من الغد، وإن قال نويت به الوقوع في آخر الغد فإنّه يصدّق فيما بينه وبين الله تعالى في الفصلين؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه لأنّه ذكر الكلّ، وأراد به البعض وهل يصدّق قضاءً؟ أجمعوا على أنّه لا يصدّق في قوله غداً.
واختلفوا في قوله في الغد قال أبو حنيفة ﵀ يصدّق وقالا: لا يصدق لأنّه نوى خلاف الظاهر لأنّ الغد اسم من أوّل النهار فنيّة آخر النهار تكون بخلاف، ولأبي حنيفة ﵀ أنَّ قوله: أنتِ طالق في الغد إيقاع في الغد، والطلاق لا يقع في جميع أجزاء الغد، وإنّما يقع في جزء منه، ففي أيِّ جزء وقع كان الواقع في الغد، فنيّة الجزء الآخر، وهو صالح للوقوع فيه لا يكون نيّة، بخلاف الظاهر بخلاف قوله غداً؛ لأنَّ هناك جعلها طالقاً غداً والغد اسم من أوّل النهار إلى آخره، فما لم يقع الطلاق في الجزء الأوّل لا تكون طالقاً من أوّل النهار إلى آخره، فإذا نوى آخر النهار، فقد نوى خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر.
وعلى هذا إذا قال لها أنتِ طالق رمضان أو قال في رمضان، وعلى هذا إذا قال لها أنتِ طالق شهراً أو في الشهر، ولو قال لها أنتِ طالق في رمضان، وهو على أوّل رمضان يأتي، وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق في يوم الخميس، فهو على أوّل خميس يأتي، ولو
стр. 1313
قال عنينا الرمضان الثاني لا يصدّق في القضاء؛ لأنّه خلاف (٢٥٥ب١) الظاهر ويصدّق فيما بينه وبين الله تعالى، والله أعلم بالصواب.
الفصل الرابع عشر: في الشك في إيقاع الطلاق وفي الشك في عدد ما وقع وفي الإيجاب المبهم
إذا قال لامرأته أنتِ طالق أو لا شيء، أو قال أنتِ طالق واحدة أو لا شيء أو قال: أو لا، يقع واحدة عند محمّد ﵀، وهو قول أبي يوسف ﵀ أوّلاً، ثمَّ رجع أبو يوسف ﵀، فقال: لا يقع شيء، وأمّا إذا قال أنتِ طالق ولم يذكر عدداً ثمَّ قال أو لا أو قال لا شيء، فإنْ قال أو لا، لا يقع شيء باتفاق الروايات. وإن قال: أو لا شيء ذكر في رواية أبي سليمان أنه لا يقع شيء من غير ذكر خلاف، وذكر في رواية أبي حفص ﵀ أنّه على الاختلاف الذي تقدم، وهكذا ذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «مختلفاته» ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الجملة في «شرحه» وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمّد رحمهما الله: إذا شكَّ أنه طلّق واحدة أو ثلاثاً، فهي واحدة حتّى يستيقن، أو يكون أكثر ظنّه على خلافه. وإن قال الزوج عزمت على أنها ثلاث، أو هي عندي على أنّها ثلاث، أضع الأمر على أشدّه، (فأخبره غد وأحضروا) ذلك المجلس، وقالوا كانت واحدة قال إذا كانوا عدولاً صدقهم وأخذ بقولهم. وعن هشام ﵀ قال: سألت أبا يوسف ﵀ عن رجل حلف بطلاق امرأته، ولا يدري بثلاث حلف أو بواحدة، قال: يتحرّى الصواب فإن: استوى ظنّه عمل بأشد ذلك عليه.
ذكر في «القدوري» : إذا ضمَّ على امرأته ما لا يقع عليه الطلاق مثل الحجر والبهيمة، وقال: إحداكما طالق أو قال هذه طالق، أو هذه طلقت امرأته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمّد ﵀: لا تطلق؛ لأنّ كلمة أو إذا دخلت بين الشيئين توجب الشكّ، فصار في حقّ المرأة كأنّه قال لها أنتِ طالق أو غير طالق.
ولهما: أن الشّك إنّما يقع بحكم كلمة أو إذا صحّ ضم غير المنكوحة إلى المنكوحة والضمّ لم يصح ها هنا، لانعدام المحليّة في حقّ المضموم أصلاً فصارت المنكوحة متعينة للإيقاع.
ولو جمع بين منكوحته وبين رجل، وقال: إحداكما طالق، أو قال هذه أو هذه يقع الطلاق على منكوحته في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: لا يقع: لأنّ الرجل ليس بمحلَ للطلاق، فكان كالبهيمة، ولأبي حنيفة ﵀ أنّ الرجل محلّ إضافة الطلاق إليه، ألا ترى أنّه لو أضاف الإبانة إلى نفسه بأن قال لامرأته أنا منك بائن، ونوى الطلاق صحّ، والإبانة طلاق.g
وكذلك حكم الطلاق وهو الحرية ثبت في حقّه. وإذا
стр. 1314
جاز وصف الرّجل بالطلاق لم يكن الضمّ لغواً من كلِّ وجه، ولو ضمّ إلى امرأته امرأة أجنبيّة وقال إحداكما طالق، أو قال هذه طالق أو هذه لم تطلق امرأته إلا بالثلاثة لأنّ الأجنبيّة محلّ لذلك خبراً إن لم تكن محلاً له إنشاء، وهذه الصيغة حقيقة إخبار، فإذا كانت الأجنبيّة محلاً لما وضعت هذه الصيغة له من طريق الحقيقة صح الضمّ، فوقع الشك ولو قال في هذه الصورة طلقت إحداكما طلقت امرأته من غير نيّة، ذكره في طلاق «الأصل» .
وفي «المنتقى» : إذا خاطب الرّجل غيره: امرأتي طالق أو بع عبدي هذا، فباع عبده يسقط الطلاق عن امرأته. وفيه أيضاً؛ إذا قال لامرأته أنتِ طالق أو أنا لست برجل، أو أنا غير رجل، فهي طالق وهو كاذب، ولو قال أنتِ طالق أو أنا رجل فهو صدق ولا تطلق، وفي موضع آخر منه لو قال لها: أنتِ طالق أو ما أنا برجل فهي طالق، وهذا منه على التهديد ولو قال أو هذه الأسطوانة من ذهب، والأسطوانة من ساج، فهي طالق كأنّه قال إن لم تكن من ذهب.
وفيه أيضاً: رجل أمَّرَ امرأتين قال لإحداهما أمرك بيدك أو هذه طالق، فأشار إلى الأخرى. فإن اختارت المفوضة إليها الأمر نفسها قبل أن تقوم من مجلسها بطل الطلاق عن الأخرى وإن قامت قبل أن تختار نفسها وقع الطلاق على الأخرى ذكر في «الأصل» فيمن كان له ثلاث نسوة، قال: هذه طالق (و) هذه وهذه طلقت الثالثة في الحال، ويخيّر الزوج بين الأولى والثانية.
وذكر ابن سماعة في «نوادره» عن محمّد رحمة الله عليهما أنَّ الثالثة لا تطلق للحال، ويخيّر الزوج بين الإيقاع على الأولى وبين الإيقاع على الثانية، والثالثة.
وفي «نوادر ابن سماعة» أيضاً: رجل له أربع نسوة، فقال: هذه طالق أو هذه وهذه أو هذه وقع على إحدى الأوليين إحدى والأخريين. ولو قال: هذه طالق أو هذه وهذه وهذه طلقت الثالثة والرابعة، وإليه الخيار في الأوليين، ولو قال هذه طالق وهذه أو هذه وهذه طلقت الأولى والرابعة، وله الخيار في الثانية والثالثة. وذكر هشام في «نوادره» عن محمّد رحمهما الله: إذا قال لامرأته ولأجنبيّة إحداكم طالق واحدة والأخرى ثلاثاً وقعت الواحدة على امرأته.
قال محمّد ﵀ في «الزيادات» : رجل له امرأتان رضيعتان فقال: إحداكما طالق ثلاثاً طلقت إحداهما، والبيان إليه، الأصل في هذا أنَّ إيقاع الطلاق في المجهول صحيح ويتعلّق نفاذه ووقوعه بالبيان، والطلاق يقبل التعليق بسائر الشروط، فيقبل التعليق بالبيان ويقع الموقع بالبيان لأنّ التجهيل كان منه، ولو أنّه لم يبن الطلاق في إحداهما حتّى جاءت امرأته وأرضعتهما معاً أو على التعاقب بانتا جميعاً، وهذه المسألة دليل على أنَّ الطلاق المبهم غير نازل في المحل أصلاً، إذ لو كان نازلاً كانت الأجنبيّة طارئة بعد بينونة إحداهما، وإنّها لا توجب الحرمة.
وذكر محمّد ﵀ في «الأصل» ما يدلُّ على أنَّ الطلاق المبهم نازل في
стр. 1315
المحلّ، فإنّه ذكر أنَّ رجلاً تحته أربع نسوة من الكوفيات لم يدخل بهنّ، فقال إحداكن طالق ثم تزوج مكيّة جاز نكاحها ولو لم يكن الطلاق المبهم نازلاً في حقّ المحلّ كان هذا تزوجاً بالخامسة، والتزوّج بالخامسة حرام.
واختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا في المسألة روايتان، ورواية «الأصل» الطلاق المبهم نازل في المحل وعلى رواية «الزيادات» غير نازل في المحل، فعلى قول هذا القائل على رواية «الأصل» لا تقع الفرقة في مسألة الرضاع، وعلى رواية «الزيادات» تقع، وفي مسألة النكاح على رواية «الزيادات» : لا يجوز التزوّج بالمكيّة، وعلى رواية «الأصل» يجوز (٢٥٦أ١) وبعض مشايخنا قالوا: ما ذكر في «الزيادات» قول أبي حنيفة ﵀ فإنَّ الطلاق المبهم عنده غير نازل في المحل أصلاً كالعتاق المبهم، وما ذكر في «الأصل» قولهما فإنَّ الطلاق المبهم عندهما نازل في المحلّ، كالعتاق المبهم وعلى قول هذا القائل لا يجوز التزوّج بالمكيّة على قول أبي حنيفة رحمة الله عليه ولا تقع الفرقة في مسألة الرضاع على قول محمّد ﵀. وبعض مشايخنا ﵏: قالوا الطلاق المبهم والعتاق المبهم لا ينزلان أصلاً بالاتفاق إلا أنْ يوجد من الموقع فعلاً يصير به موقعاً في العين، كما في العبدين لو باع أحدهما أو وهب أو تصدّق بالاتفاق.
وكما في الجاريتين إذا وطىء إحداهما عند أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله، فإنَّ في هذه الصورة يصير موقعاً العتق في المعين بصيغته
إذا أثبت هذا، فنقول في مسألة النكاح وجد من الزوج فعل يستدل به على إيقاع الطلاق في المعين، وهو إقدامه على نكاح المكيّة، فإنَّ الظاهر من حال العاقل أن يقصد صحّة النكاح، ولا صحّة لنكاح المكيّة إلا بعد إيقاع الطلاق في إحدى الكوفيات فيصير موقعاً في إحدى الكوفيات.
أمّا في مسألة الرضاع لم يوجد من الزوج بعد قوله: إحداكما طالق فعل يستدل به على إيقاع الطلاق في إحداهما، فكان النكاح بائناً فيهما من كلِّ وجه، وبعضهم قالوا الطلاق المبهم نازل في المحل في حقّ معنى يرجع إلى الموقع ويختص به، غير نازل في المحلّ في حقّ معنى يرجع إلى المحل ويختص به، والعتاق المبهم كذلك وهو الأصح، وهذا لأنّه لا تنكير من جانب الموقع، وإنّما التنكير من جانب المحل فكل حكم يختص بالموقع فالطلاق واقع فيه.
إذا ثبت هذا فنقول: حلّ التزوّج بالمكيّة حكم يختص وكل حكم يختص بالمحل فالطلاق غير واقع فيه إذا ثبت هذا فنقول حلّ التزوّج بالمكيّة حكم يختص بالموقع، فكان الطلاق المبهم نازلاً فيه، فهذا تزوّج بالرابعة لا بالخامسة، وأمّا جهة الأختين جمعاً حكم يختص بهما لأنّه إنّما حرم الجمع بين الأختين صيانة لهما عن قطيعة الرحم، والطلاق المبهم غير نازل في حقهما، فيصير جامعاً بين الأختين وعن (هذا) قلنا إن العدّة في الطلاق المبهم تعتبر من وقت البيان، حتّى إنّه إذا كانت له امرأتان دخل بهما أو أكثر من ذلك، فطلق إحداهما بغير عينها ثم إنه عين الطلاق في إحداهما فإنّه تعتبر العدّة من وقت
стр. 1316
التعيين؛ لأنَّ العدّة حكم يختص بالمحل، والطلاق المبهم غير نازل في حقّ حكم يختصّ بالمحل.
قال في «الزيادات» : رجل تحته حرّة وأمة قد دخل بهما، فقال إحداكما طالق ثنتين ثمّ عتقت الأمة، ثمَّ بيّن الزوج الطلاق والمعتقة قال تحرم حرمة غليظة، ولا يبطل ميراثها إذا كان الإعتاق في حالة الصحّة، والبيان في حالة المرض.
واعلم بأنَّ البيان في الإيجاب المبهم إنشاء من وجه إظهار من وجه إنشاء في حقّ حكم يرجع إلى المحلّ ويختص به؛ لأنَّ الإيجاب المبهم غير نازل في حقّ المحلّ أصلاً على أصح الأقوال، فكان البيان إظهاراً في حقّه.
إذا ثبت هذا، فنقول: الميراث حكم يختص بالمرأة، فاعتبر البيان فيه إنشاءً فصار الزوج فارّاً فأمّا حرمة الغليظة حكم يختصّ بالزوج، فاعتبر البيان فيه إظهار إمكان الطلاق واقعاً على الأمة، والأمة تحرم حرمة غليظة بتطليقتين ثمَّ إذا قربت المعتقة كان لها ربع الميراث، وللحرة الأصلية ثلاثة أرباع الميراث لأنّ البيان من الزوج في حقّ الميراث لم يصح، فيحال كأنّه لم يكن، ولو عدم البيان كان الميراث ها هنا أرباعاً؛ لأنّه إن وقع الطلاق على الحرة الأصلية كان للحرة الأصلية نصف الميراث، لأنها لا تبين بالطلقتين فيكون نصف الميراث لها والنصف للمعتقة وإن وقع على المعتقة كان للحرّة الأصلية كلّ الميراث، فنصف الميراث ثابت لها بيقين، والنصف الآخر يثبت في حال دون حال فينتصف، فصار للحرّة الأصلية ثلاثة أرباع الميراث لهذا، وعلى الحرّة الأصلية عدّة الوفاة لا يعتبر فيها الحيض، وعلى المعتقة أربعة أشهر وعشر يستحمل فيها ثلاث حيض، وهما عند أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله بناء على أنَّ امرأة الفار تعتد بأبعد الأجلين عندهما.
وأمّا عند أبي يوسف ﵀ امرأة الفار تعتد بعدّة الطلاق لا غير فتجب على المعتدة عدّة الطلاق لا غير، فكان ينبغي أن لا يعتبر في حقّها ثلاث حيض؛ لأنَّ اعتبار شبه الإظهار عليها حيضتان؛ لأنَّ الطلاق كان في حالة الرّق، وباعتبار شبه الإنشاء عليها عدّة الوفاة، فثلاث حيض من أين تجب.
ولو كانتا أمتين فقال الزوج إحداكما طالق ثنتين، ثمَّ أعتقا جميعاً ثمَّ مرض، وبين الطلاق في إحداهما فإنها تحرم حرمة غليظة لما بيّنا، والميراث بينهما نصفان؛ لأنَّ البيان في حق الميراث كالمعدوم، ولو عدم البيان كان الميراث بينهما؛ لأنَّ إحداهما وارثة بيقين وهي التي ارتفع عليها الطلاق، والأخرى ليست وارثة بيقين، وهي التي وقع عليها الطلاق، وليست إحداهما أولى من الأخرى، فتكون بينهما.
وعلى المعتقة للطلاق أربعة أشهر وعشراً فيها ثلاث حيض احتياطاً، وعلى الأخرى أربعة أشهر لا حيض فيها؛ لأنَّ زوجها مات عنها، وهي منكوحة.
رجل تحته امتان لرجل، فقال المولى إحداكما حرة، ثمَّ قال الزوج التي أعتقها المولى طالق ثنتين كان البيان إلى المولى لا إلى الزوج؛ لأنَّ الأصل في هذا المولى؛ لأنَّ الزوج بيّن إيقاع الطلاق على إعتاق المولى، وإذا بين المولى العتق في إحداهما طلقت
стр. 1317
هي ثنتين ويملك الزوج مراجعتها؛ لأنَّ الطلاق إنّما يقع عليها بعد العتق؛ لأنَّ الزوج هكذا أوقع، فصادفها الطلاق هي حرّة والحرّة لا تحرم حرمة غليظة بتطليقتين.
ولو كان الزوج هو الذي بدأ، فقال إحداكما طالق ثنتين، ثمَّ قال المولى التي طلقها الزوج حرّة فها هنا خيار البيان إلى الزوج؛ لأنَّ الزوج صاحب أصل وإذا بين الزوج الطلاق في إحداهما عتقت وحرمت حرمة غليظة، لأنَّ الطلاق صادفها وهي أمة فتحرم حرمة غليظة، وتعتد بحيضتين.
رجل تحته أمتان لرجل قال المولى إحداكما حرّة، ثمَّ قال الزوج التي أعتقها المولى طالق ثم مات المولى قبل البيان عتق من كلِّ واحدة منهما نصفها؛ لأنَّ بيان العتق قد فات لموت المولى ويشيع العتق فيهما، ثمَّ يخير الزوج في الطلاق يوقعه على أيهما شاء وإن كان الزوج صاحب تبع؛ لأنَّ البيان في حقّ صاحب الأصل مات على وجه لا يرجى وجوده، ولا يمكن إلغاء الطلاق لصدوره من أهله في محلّه، ولا يمكن القول بشيوع الطلاق؛ لأنَّ الطلاق لا يقبل الشيوع، فمسّت (٢٥٦ب١) الضرورة إلى جعل البيان إلى الزوج.
وهذا بخلاف ما لو غاب المولى فإنَّ هناك لا يؤمر الزوج بالبيان لأن هناك لا ضرورة؛ لأنّه لم يقع اليأس عن بيان صاحب الأصل، ولا كذلك فصل الموت، ولو كان الطلاق ثنتين هل يحرم حرمة غليظة؟ لم يذكر هذا الفصل محمّد ﵀ في «الكتاب» ، وقد اختلف المشايخ فيه، وحكى الشيخ الإمام الزاهد عبد الواحد الشيباني ﵀؛ أنها لا تحرم؛ لأنَّ الطلاق صادفها وهي حرّة؛ لأنَّ العتق سار فيهما لموت المولى، وغيره من المشايخ قال على قول أبي حنيفة ﵀ ينبغي أن يحرم حرمة غليظة خلافاً لهما؛ لأنَّ العتق وإن شاع فيهما إلا أنّه عتق من كلِّ واحدة منها نصفها والعتق عند أبي حنيفة ﵀ يتجزأ؛ فكانت كلّ واحدة منهما معتق البعض ويعتق البعض في معنى المكاتب، فصادفها الطلاق وهي كاتبة، والمكاتبة تحرم حرمة غليظة بتطليقتين.
قال محمّد ﵀ في «الجامع» : إذا كان للرجل امرأتان دخل بهما، فقال لهما أنتما طالقان طلقت كل واحدة منهما تطليقة رجعية، فإن لم يراجع واحدة منهما حتّى (قال) لهما إحداكما طالق ثلاثاً كان له البيان، وإن لم يبين حتّى انقضت عدّة إحداهما تعيّنت الثانية للثلاث؛ لأنَّ التي انقضت عدّتها خرجت من أن تكون محلا للبيان؛ لأنَّ البيان إيقاع من وجه، وإظهار للواقع من وجه، وأيُّ الأمرين اعتبرنا يجب أن يشترط لصحّة البيان قصداً ما يشترط لصحة الإيقاع إن اعتبرناه إيقاعاً فظاهر، وإن اعتبرناه إظهاراً للواقع فلأنَّ ولاية الإظهار إنما تستفاد بولاية الإيقاع على ما عرف، والتي انقضت عدتها ليست بمحلّ للإيقاع ابتداء، فلا يكون محلاً للبيان، فتتعيّن الأخرى للثلاث، وإن انقضت عدتهما معاً لم تقع الثلاث على واحدة منها.
قالوا: أراد به أن لا تقع الثلاث على واحدة منهما بعينها، وإما يقع الثلاث على واحدة منهما لا بعينها، ثمَّ قال: وليس له أن يوقع الطلاق على واحدة منهما بعينها، قالوا
стр. 1318
أراد به ذلك أنّه ليس له أن يوقع على واحدة منهما بعينها مقصوداً بالبيان، أما له ذلك حكماً للنكاح بأن يتزوّج إحداهما بعد انقضاء العدّة، ولو انقضت عدتهما ثمَّ أراد أن يتزوّج بهما معاً لم يجز؛ لأنّ إحداهما مطلقة بالثلاث لا تحل له إلا بعد زوج آخر، وغير المطلقة غير معلوم والنكاح في المجهولة لا يجوز. ولو تزوّج بإحداهما جاز وتتعيّن الأخرى للطلقات الثلاث أمّا جواز نكاحها؛ لأنَّ المقتضي لحلّ المحليّة موجود في حقها وهو كونها أنثى من بنات آدم ﵇ والمزيل، وهو الطلقات الثلاث لا ندري هل صادفت هذه أم لا. وإذا جاز نكاح هذه تعيّنت الأخرى للثلاث ضرورة؛ لأن من ضرورة صحة نكاح هذه انتفاء الثلاث عن هذه، ومن ضرورة انتفاء الثلاث عن هذه تتعيّن الأخرى للثلاث.
وقد ملك البيان ضرورة. وإن كان لا يملكه مقصوداً، ومثل هذا جائز ولو لم يتزوّج واحدة منهما حتّى تزوجت إحداهما زوجاً، ودخل بها ثمَّ فارقها أو مات عنها، وانقضت عدّتها ثمَّ نكحهما الأوّل جميعاً جاز؛ لأنَّ الزوج الثاني عرف محلّلاً بالكتاب، ويحتمل أنّه أصاب محلا ثبتت فيه الحرمة وقع الشك في بقاء ذلك التحريم، ودليل الحلّ موجود قطعاً، فلا يمتنع عمل دليل الحلّ الموجود قطعاً عند وقوع الشكّ في بقاء المانع، وكذلك لو انقضت عدّتها ثمّ ماتت إحداهما، فتزوّج الثانية جاز نكاحها؛ لأنّه لم يوجد في الميتة ما يوجب تعينها للواحدة حتّى تتعيّن الحيّة للثلاث؛ لأنَّ الموت كما يحل المطلقة بالواحدة يحلّ المطلقة بالثلاث، بخلاف ما إذا كانتا حيتين وتزوّج بإحداهما؛ لأن النكاح لا يصحّ إلا في المطلقة بواحدة فتعيّنت المتزوّجة للواحدة.
قال في «الزيادات» : رجل تحته أمتان لرجل لم يدخل بها، فقال: إحداكما طالق ثنتين ثمَّ اشترى إحداهما تتعيّن الأخرى للطلاق؛ لأن المشتراة خرجت من أن تكون محلاً لإنشاء الطلاق لزوال ملك النكاح عنها، لوجود ملك اليمين المنافي لملك النكاح فخرجت من أن تكون محلاً للبيان، فتتعيّن الأخرى للطلاق كما لو ماتت إحداهما. ولو اشتراهما معاً يبقى الطلاق منهما مجملاً، ولا يملك الزوج البيان في إحداهما؛ لأنّ كلّ واحدة منهما لم تبق محلا للبيان، ولو وطىء إحداهما بملك اليمين تعينت الأخرى للطلاق؛ لأنَّ حمل أمره على الصلاح واجب، وذلك بحمل وطئه على الحلال وذلك بانتفاء الطلاق عنها لأنَّ الأمة المطلقة بتطليقتين كما لا تحل بملك النكاح لا تحل بملك اليمين، ومن ضرورة انتفاء الطلاق عنها تعيين الأخرى للطلاق، فقد ملك البيان ضرورة وإن لم يملك قصداً، وقدّم نظيره من مسألة «الجامع» .
قال في «الزيادات» أيضاً: رجل قال لامرأتين له في صحّته وقد دخل بهما إحداكما طالق ثلاثاً، ثمَّ مرض مرض الموت وبين الطلاق في إحداهما، ثمَّ مات قبل انقضاء عدّة المطلقة، فإنّهما ترثان وهذا لما ذكرنا قبل هذا أنَّ البيان في حقّ حكم الميراث بمنزلة الإنشاء، فيصير الزوج به فارّاً كما لو أنشأ الطلاق في حالة المرض.
وإن كانت له امرأة أخرى غيرهما لم يقل لها شيئاً من ذلك كان نصف الميراث
стр. 1319
لتلك المرأة؛ لأنّه لا يزاحمها في الميراث من هاتين المرأتين إلا واحدة، والنصف الآخر بين هاتين بالسويّة لعدم الإقدامية، وإن لم يبيّن الزوج الطلاق في إحداهما حتّى ماتت إحداهما والزوج مريض، فإنّه تتعيّن الأخرى للطلاق ضرورة ولا ترث، وإن كان البيان إنشاء في حقّ المحلّ؛ لأنَّ البيان ها هنا حصل حكماً لا بصنع من جهة الزوج، فلا يصير الزوج فارّاً وإن كانت له امرأة أخرى كان لها كلُّ الميراث؛ لأنَّ الميتة صارت محرومة عن الميراث بالموت، والحيّة صارت محرومة بوقوع الطلاق عليها نحو ما قلنا فكان كلّ الميراث للأخرى إن كانت، وإن لم تمت واحدة منهما حتّى عيّن الزوج الطلاق في إحداهما في مرض موته، ثمَّ ماتت إحداها قبل موته ولا زوجة له غيرهما، فإن كانت التي ماتت هي التي أوقع عليها الطلاق كان الميراث كلّه للأخرى. وإن كانت التي ماتت هي الأخرى وتعيّنت التي عين الطلاق فيما كان للمعيّنة نصف الميراث، والفرق أنّ الزوجيّة التي هي (٢٥٧أ١) سبب الإرث قد انقطعت في حقّ المعينة بحكم البيان، ولهذا حرّم الوطء، ولكن قامت العدّة مقام الزوجيّة في حقّ الميراث بخلاف القياس في القدر الذي كان لها، وذلك النصف أمّا في حقّ غير المعيّنة الزوجيّة قائمة من كلّ وجه، وإنها سبب لاستحقاق جميع الميراث إلا أن بحكم المزاحمة كان لها نصف الميراث، وقد زالت المزاحمة ها هنا فتستحق جميع الميراث، وإن كانت للزوج امرأة أخرى لم يقل لها شيئاً من هذه المقالة ففيما إذا ماتت المعيّنة للطلاق كان الميراث بين الباقيتين نصفين، وفيما إذا بقيت المعينة للطلاق كان للمعينة ربع الميراث، وللأخرى ثلاثة أرباع الميراث.
ولو قال لامرأتين له إحداكما طالق، وماتت إحداها قبل البيان حتّى تعيّنت الأخرى للطلاق، قال الزوج: عنيت الميتة بالطلاق لا يقبل قوله في حقّ صرف الطلاق عن الباقية، وقبل قوله في حقّ إبطال حقّه في ميراث الميتة.
وكذلك إذا ماتتا جميعاً إحداهما بعد الأخرى، ثمَّ قال عنيت التي ماتت أوّلاً لم يَرث منهما؛ لأنَّ ميراثه عن الثانية سقط لتعيّنها للطلاق حكماً بموت الأولى، وعن الأولى سقط باعترافه، ولو ماتتا معاً أو إحداهما قبل الأخرى ولا يعرف التي ماتت أوّلاً ورث عن كلِّ واحدة نصف ميراثه عنها باعترافه، ويَرث عن الأخرى نص ميراث زوج. ولو قال أردت إحداهما بعينها سقط ميراثه عنها باعترافه ويرث عن الأخرى نصف ميراث زوج.
ولو طلق الزوج واحدة بعينها، ثمَّ قال أردت بهذا الطلاق التعيين كان القول قوله لأنّ التعيين والإنشاء في الصيغة واحد، فكان اللفظ محتملاً لما ادعاه، فقبل قوله، ولو قال لامرأتين له، وقد دخل بهما: إحداكما طالق واحدة، والأخرى ثلاثاً، ولا نية له في واحدة منهما، وله أن يوقع الثلاث على أيّهما شاء ما دامتا في العدّة، وإذا انقضت عدتهما ليس له أن يوقع الثلاث في إحداهما بعينها، وإن انقضت عدّة إحداهما بانت هي بواحدة والأخرى طالق ثلاثاً؛ لأنه إنّما يحتاج إلى إثبات ولاية البيان في حقّ الثلاث دون الواحدة، لوقوع الواحدة على كلّ واحدة منهما، فإن المطلقة بالثلاث تكون مطلقة بالواحدة، أمّا المطلقة بالواحدة لا تكون مطلقة بالثلاث صحّ أن الحاجة إلى إثبات ولاية
стр. 1320
البيان في حقّ الثلاث دون الواحدة، وإذا انقطعت ولاية البيان في حقّ التي انقضت عدتها تعينت الأخرى للثلاث التي يحتاج إلى إثبات ولاية البيان فيها وإن لم يكن دخل بهما وباقي المسألة على حالها، فليس له أن يوقع الطلاق على إحداهما، فإن تزوّج بإحداهما في هذه الصورة جاز، وليس له أن يتزوّج بالأخرى.
قال أبو يوسف ﵀: إنّي علمت أنَّ الثلاث وقع على إحداهما، وليس له أن يجمعهما قال: ولا أقول إنَّ التي لم تتزوّج وقع عليها الثلاث.
ولو طلّق امرأة من نسائه بعينها ثلاثاً ثمَّ مسها لم يحل له وطء واحدة حتّى يعلم التي طلّق؛ لأنّ كلّ واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المحرمة، وكذلك لا يحمل لواحدة منهن التزوج بغيره لأنّ كلّ واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المنكوحة، ولو رافعنه إلى القاضي وطلبن منه النفقة، قضي بنفقتهن وحبسه حتى يبيّن التي طلقت منهن.
وفي «المنتقى» : القاضي يقول له: أوقع الطلاق على أيّهن شئت، واحتلف للباقيات إن ادعين ذلك، فإن قال: لا أدري ولم يوقع على واحدة حلّفه القاضي لكلّ واحدة منهن بالله ما هي المطلقة ثلاثاً إن ادعت كلّ واحدة منهن أنها هي المطلقة، وإن نكل لهن فرق بينه وبينهنّ بثلاث تطليقات وإن حلف لهنَّ بقي الأمر على ما كان قبل الدعوى؛ لأنّ القاضي يتقي بمجازفته في هذه الأيمان؛ لأنّه عرف وقوع الطلاق على واحدة منهن والطلاق متى وقع لا يرتفع باليمين.
وعن محمّد ﵀ أنه إذا حلف للثلاث منهن تعيّنت الرابعة للثلاث، ولا يحلف لها. وعن محمّد فيما إذا كانتا امرأتين أنّه إذا حلف لإحداهما طلقت التي لم يحلف لها؛ لأنّ يمينه محمولة على الصدق، ومن ضرورة حمل يمينه على الصدق تعيّن الأخرى للثلاث.j
ولو لم يحلف للأولى طلقت واحدة منهن، وإن تشاحا على اليمين حلّفته لهما بالله ما طلقت واحدة منهما، وإنّما كانت لهما المشاحة في اليمين؛ لأنّ لهما في ذلك فائدة، فإنّه إذا نكل للأولى تتعيّن الأخرى للطلاق وصارا شيوعاً في السبب، وهو الدعوى فأمكن إبقاء حقّ كلّ واحدة منهما معاً بأن يحلف بالله ما طلق واحدة منهما، فكان لهما في المشاحة فائدة من هذا الوجه، فكان لهما أن يتشاحا على اليمين، وإن حلف لهما يوجب عنهما حتّى يبين لما مرّ، فلو أنّه وطىء إحداهما فيما إذا كانتا امرأتين قبل المرافعة إلى القاضي وقبل العلم بالمطلقة مع أنه ليس له ذلك تتعيّن الأخرى للطلاق.
وكذلك إذا وطىء الثلاث فيما إذا كانت له أربع نسوة قبل العلم بالمطلقة تتعين الرابعة للطلاق؛ لأنّ فعل المسلمين محمول على الصلاح وإنّما يكون وطؤه محمولاً على الصلاح إذا كانت الموطوءة منكوحة، ومن ضرورته تعيّن الأخرى للطلاق هذا كلّه بيان حكم القضاء.
وأمّا بيان الحكم فيما بينه وبين الله تعالى إنّه ينبغي له أن يطلّق كلّ واحدة منهنّ واحدة ويتركهن؛ لأنّ في إمساكهنّ إضرار بهنّ، لأنّه لا يجوز له قربانهنّ لأنّ إحداهن مطلقة ولو تركهنّ بغير طلاق لم يحل لها التزوّج بزوج آخر؛ لأن إحداهما في مسألة
стр. 1321
المرأتين والثلاث في مسألة الأربع ليست بمطلقة، وبعدما طلقهنّ لا ينبغي له أن يتزوّج واحدة منهنّ، حتّى تعلم المطلقة ثلاثاً، وإن تزوّج واحدة منهما في مسألة المرأتين أو الثلاث في مسألة الأربع تتعين الأخرى والرابعة للطلاق.
وإن تزوّج واحدة منهنّ فخاصمته إلى القاضي في الطلاق، أو لم تخاصمه حلّفه القاضي لها، فإن حلف أمسكها، وكذلك لو تزوّج ثنتين أو ثلاثاً، فلو أنّه بعد ما طلقهنّ تزوجن أزواجاً غيره، ودخل بهنّ أزواجهنّ ثمَّ فارقهن نكح أيّهن شاء. وإن تزوجت واحدة منهنّ زوجاً غيره ودخل بها الزوج وفارقها، فأراد الأوّل أن يتزوّج الكلّ له ذلك، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدّم.
الفصل الخامس عشر: في إيقاع الطلاق بالمال
قال محمّد ﵀ في «الأصل» : إذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق بألفّ (٢٥٧ب١) درهم، فقبلت طلقت وعليها ألف درهم لأنّ هذا خطاب مبادلة لأنّ حرف الباء يصحب الأبدال، فقد جعل الألف بدلاً عن الطلاق، وإنّه يصلح بدلاً والطلاق يصلح مبدلاً فهو معنى قولنا إنَّ هذا خطاب مبادلة والمبادلة تتمّ في حقّ وجوب العوضين بالإيجاب والقبول كما في البيع.
وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق على ألف درهم؛ لأنّ كلمة على تستعمل لإيجاب البدل في المعاوضات بمنزلة حرف الباء يقول الرجل لغيره: بعت منك هذا، وعليك ألف درهم أخذت منك هذا، وعليك درهم وكان معناه بألف درهم، وهذا بخلاف قوله إن أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالق، إن جئتني بألف درهم فأنتِ طالق، إن أديت إليّ ألف درهم فأنتِ طالق، إذا أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالق، متى أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالق، حيث لا يقع الطلاق ما لم يوجد الأداء؛ لأنّ هذا تعليق بالشرط صريحاً والتعليق بالشرط عدم قبل وجود الشرط، بخلاف قوله: على ألف درهم على ما مرّ.
وكذلك إذا قال أنتِ طالق على أن تعطيني ألف درهم، فقبلت يقع الطلاق، بمنزلة ما لو قال أنتِ طالق على ألف درهم؛ لأنّ هذا إيجاب الطلاق بجعل، وليس بتعليق بشرط الإعطاء بمنزلة قوله بعت منك هذا العبد على أن تعطيني ألف درهم فيكتفى بقبولها لوقوع الطلاق، فعلى هذا إذا قال بالفارسيّة براطلاق بشرط أنّك فلان خير عن دهي، أو قال بان شرط كي فلان خير عن دهي، فقبلت يقع الطلاق.
ثمَّ في قوله: إن أعطيتني ألف درهم، إن جئتني بألف درهم، إنّما يقع الطلاق بالإعطاء إذا وجد الإعطاء في المجلس؛ لأنّ هذا الكلام تعليق صورة، ومعاوضة معنى، لأنّ الطلاق لا يقع إلا بمال، وهذا هو حدّ المعاوضة فاعتبرنا معنى التعليق، فقلنا لا يقع الطلاق إلا بعد وجود الإعطاء اعتبرنا معنى المعاوضة، فقصرنا بالإعطاء على المجلس.
стр. 1322
وفي قوله: متى أعطيتني يقع الطلاق إذا وجد الإعطاء في المجلس أو خارج المجلس.
وإذا قال لامرأته أنتِ طالق وعليك ألف درهم فقبلت أو قال لعبده أنت حر، وعليك ألف درهم فقبل عتق العبد، وطلقت المرأة، فلا شيء عليهما في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله على كلّ واحد منها ألف درهم؛ لأنّ قوله: وعليك ألف درهم يستعمل في معنى المعاوضة فقال: أحمل هذا المتاع إلى منزلك، وعليك ألف درهم، أخيط هذا الثوب لك، وعليك درهم بعتك هذا الثوب وعليك درهم فكان بمنزلة قوله بدرهم، فصار تقدير مسألتنا أنتِ طالق بألف درهم.
ولأبي حنيفة ﵀ أنّ الواو قد تجيء بمعنى العطف وقد تجيء بمعنى الابتداء، فلو حملناه على العطف يجب المال، ولو حملنا على الابتداء لا (فلا) يجب بالشك، وفي البيع والإجارة حمل على العوض بدلالة العقد فإن كلّ واحد من العقدين معاوضة، فذكرهما يكون ذكر العوض. وقوله: وعليك ألف درهم يكون بياناً لذلك، وفي مسألة الحمّال والخيّاط حمل على العوض؛ لأنَّ مثل هذا العمل عرفاً لا يعمل إلا بعوض وأمّا الطلاق قد يوقع بعوض، وقد يوقع بغير عوض.
على هذا الخلاف إذا قالت المرأة للرجل طلقني ولك ألف درهم وطلقها، فلا شيء له في قول أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما ولو قالت: طلقني ولك ألف درهم، فقال الزوج أنتِ طالق على ألف التي سمّيت فإن قبلت لزمها المال ووقع الطلاق، وإن لم تقبل لا يقع الطلاق، وهذا قول أبي حنيفة ﵀، وعلى قولهما يقع الطلاق وتجب الألف قبلت أو لم تقبل، ولو قال لها: أنتِ طالق بألف درهم على أنّي بالخيار، أو على أنك بالخيار ثلاثة أيّام فقبلت، فالخيار باطل إذا كان للزوج، وهو جائز إذا كان للمرأة، فإن ردّت المال ارتد الطلاق. وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: الخيار باطل في الوجهين جميعاً.
وإذا قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثاً بألف درهم، فطلقها واحدة وقعت واحدة بثلث الألف، ولو قالت طلقني ثلاثاً على ألف، فطلقها واحدة وقعت واحدة رجعيّة بغير شيء، وهذا قول أبي حنيفة رحمة الله، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمة الله عليهما تقع واحدة بائنة بثلث الألف، فأبو يوسف ومحمّد رحمهما الله قاسا كلمة على حرف الباء حيث إن كلّ واحد منهما يستعمل في المعاوضات استعمالاً واحداً يقول الرّجل لغيره: بعت منك بألف درهم وبعت منك على ألف درهم.
وأبو حنيفة ﵀ يقول كلمة على للشرط في وضع اللغة، وأمكن العمل بحقيقتها في باب الخلع؛ لأنَّ تعليق بدل الطلاق جائز نفياً للطلاق؛ لأنّ البدل يكون تبعاً للبدل في المبادلات، كالثمن تبع للمثمن فإذا صحّ تعليق بدل الخلع تبعاً للطلاق، جعلنا وجود الألف معلّقاً بإيقاع الثلاث فما لم يوجد إيقاع الثلاث، لا يوجد الشرط بكماله فلا ينزل شيء من الجزاء فأمّا في باب البيع والإجارة فالعمل بحقيقة الشرط غير ممكن؛ لأن كل واحد من البدلين في باب البيع والإجارة لا يقبل التعليق فجعل على مجازاً عن حرف
стр. 1323
الباء، والبدل ينقسم على المبدل إذا كان متعدّداً.
وإذا قالت المرأة لزوجها: طلقني وضرتي على ألف درهم فطلّق ضرتها أو طلقها تجب نصف الألف إذا كان مهر مثلهما على السواء، كما لو قالت طلقني وضرتي بألف درهم، وإن كان مهر مثلهما على التفاوت تجب حصّة المطلقة من الألف.
من مشايخنا من قال: هذا على قولهما أمّا على قول أبي حنيفة ﵀ لا يجب شيء، ومنهم من قال هذا قول الكل، والأوّل أصح.
وأمّا إذا قالت طلقني وضرتي على ألف عليّ فطلق إحداهما، فلا رواية في هذه الصورة ولقائل أن يقول: يلزمها حصّتها من الألف. ولقائل أن يقول: لا يلزمها شيء من الألف ما لم يطلقها على ألف درهم أو بألف، فطلق إحداهما جملة.
وإذا كانت للرجل امرأتان سألتاه أن تطلقهما على ألف درهم أو بألف، فطلّق إحداهما لزم المطلقة حصتها من الألف وإن طلّق الأخرى لزمها حصتها أيضاً إذا كان طلقها في المجلس، ثمَّ في قوله: طلقني ثلاثاً بألف درهم إذا طلقها ثلاثاً متفرقاً في مجلس واحدة القياس أن يقع تطليقة بثلث الألف والأخريان بغير شيء، وفي الاستحسان يقع ثلاث تطليقات (٢٥٨أ١) بألف درهم، وحسب القياس أنّه لمّا طلقها واحدة وقعت واحدة بثلث الألف وبانت منه، فحين طلقها الثانية والثالثة طلقها وهي بائنة، فتقع الثانية والثالثة بغير (شيء) كما لو طلقها الثانية والثالثة بعدما تفرقا عن المجلس.
وجه الاستحسان أنَّ إيقاع الثلاث وجد في لفظة واحدة من حيث الحكم، لما عرف أنَّ المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة حكماً، فيعتبر بما لو حصل إيقاع الثلاث في لفظة واحدة من حيث الحقيقة، وهناك جميع الألف فها هنا كذلك.
من مشايخنا من قال: ما ذكر من جواب الاستحسان محمول على ما إذا وصل الطلقات بعضها ببعض، أمّا إذا فصل بين كلّ طلقة بسكوت لا تجب جميع الألف وإن حصل الإيقاع في مجلس واحد.
واستدل هذا القائل بما ذكر محمّد ﵀ في باب المشيئة إذا قال لها: أنتِ طالق ثلاثاً إن شئت فقالت: شئت واحدة وواحدة وواحدة موصولاً يقع الثلاث، وتصير كأنها قالت شئت الثلاث، ولو قالت شئت واحدة وسكتت ثمَّ قالت وواحدة وسكتت ثمَّ قالت وواحدة وسكتت فإنه لا يقع وإن كان المجلس واحداً واعتبر مع اتحاد المجلس الوصل، فكذا ها هنا. ومنهم من يقول إذا كان المجلس واحداً لا يشترط الوصل.
واستدل هذا القائل بما ذكر محمّد ﵀ بعد هذه المسألة. إذا قالت المرأة للزوج سألتك أن تطلقني ثلاثاً بألف درهم، فطلقتني واحدة فلك ثلث الألف، وقال الزوج لا بل طلقتك ثلاثاً ولي عليك جميع الألف، فالقول قول الزوج إذا كانا في المجلس يعني في مجلس السؤال فقد اعتبر باتحاد المجلس، ولم يعتبر الوصل في التطليقات وهذا القائل يفرق بين هذه المسألة وبين مسألة المشيئة، وهو الصحيح. ووجه ذلك قولها شئت واحداً إذا سكتت عقيبها لم يصلح جواباً لبعض ما فوّض إليها الزوج،
стр. 1324
ألا ترى أنّه لم يقع بها شيء، فجعل ذلك منها إعراضاً عمّا فوّض إليها الزوج، فبطل التفويض أصلاً.
أما قول الزوج طلقت واحدة في مسألتنا صلح جواباً لبعض ما طلبت منه، ولهذا وقع تطليقة بثلث الألف، ولم يكن ذلك من الزوج إعراضاً عمّا طلبت منه، فبقي طلب الثانية والثالثة على حاله فصحّت الثانية والثالثة إذا كان المجلس واحداً.
وفي قولها: طلقني ثلاثاً على ألف درهم. إذا طلقها ثلاثاً متفرقاً إن طلقها ثلاثاً متفرقاً في مجلس واحد، فالمسألة على قولهما على القياس والاستحسان كما في حرف الباء، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ يقع ثلاث تطليقات فما قياساً واستحساناً؛ لأنَّ عنده في هذه الصورة تقع الأولى، والثانية رجعيتان، فتقع الثالثة وهي منكوحة فتستوجب عليها الألف عند وقوع الثالثة قياساً واستحساناً، بخلاف حرف الباء لأنّ هناك تقع الأولى بثلث الألف وتبين منه.
فأمّا إذا طلقها ثلاثاً متفرقاً في مجالس مختلفة فعلى قولهما يجب ثلث الألف كما في حرف الباء، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يستوجب عليها شيئاً، وهذا لأنَّ أبا حنيفة ﵀ وإن اعتبر كلمة على الشرط في هذه الصورة، حتّى لم يقل بوجوب شيء من الألف بدون إيقاع الثلاث إلا أنَّ معنى المعاوضة فيها ظاهر على ما مرّ، فيجب اعتباره، فاعتبرناه في اشتراط اتحاد المجلس بصحّة الإيجاب والقبول. والجواب في قولها طلقني ثلاثاً علي أنَّ لك على ألف درهم نظير الجواب في قولها طلقني ثلاثاً على ألف درهم.
وإذا طلقها واحدة على مال، وقبلت ثمَّ طلقها أخرى على مال إن قبلت يقع عليها أخرى بغير شيء؛ لأنّها لم تملك نفسها من جهة الزوج بهذا الطلاق، فلا يلزمها المال.
ابن سماعة في «نوادره» عن محمّد ﵀: إذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق عشراً بمائة دينار، فقبلت فهي طالق ثلاثاً بمائة دينار. وعنه أيضاً في رجل قالت له امرأته طلقني سبعين تطليقة بمائة دينار، فقال طلقت فهي طالق ثلاثاً بمائة دينار. وعن أبي يوسف ﵀ في امرأة قالت لزوجها طلقني أربعاً بألف درهم، فطلقها ثلاثاً قال هي بألف درهم، ولو طلقها واحدة فهي بثلث الألف.
وفي «الأصل» في امرأة قد كان طلقها زوجها اثنتين، قالت لزوجها طلقني ثلاثاً على أنَّ لك ألف درهم فطلقها واحدة لزمها الألف كلها، والأصل في هذه المسائل وأجناسها إذا التزمت مالاً بمقابلة طلاق يقع، وبمقابلة طلاق لا يقع يجعل الكلّ بمقابلة طلاق يقع، كما لو قالت له: طلقني وهذا الحمار بألف درهم وطلقها، فإنّه يجب عليه جميع الألف.
وفي «القدوري» : إذا قالت المرأة لزوجها طلقني واحدة بألف، فقال لها: أنتِ طالق ثلاثاً ولم يقل بألف وقع الثلاث مجاناً عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما يجب جميع الألف، وهذا بناءً على أنَّ (عند) أبي حنيفة ﵀ الثلاث لا يصحّ جواباً للواحدة، فكان مبتدئاً بالإيقاع، وعندهما: الزوج أدى ما سألته فيلزمها ما التزمت من الألف.
стр. 1325
ولو قالت طلقني واحدة بألف فقال الزوج أنتِ طالق ثلاثاً بألف، وقفت على قبولها على قول أبي حنيفة ﵀، فإن قبلت جاز وإلا بطل، وعندهما الثلاث واحدة بألف وثنتان بغير شيء بناءً على الأصل الذي تقدم.
وحكى أبو الحسن عن أبي يوسف رحمهما الله أنه رجع إلى قول أبي حنيفة ﵀ في هذه المسألة. ووجه الرجوع: أنَّ الزوج جعل الألف بمقابلة ثلاث تطليقات، وهذا بخلاف ما سألته بخلاف المسألة المتقدّمة.
وفي «المنتقى» : ابن سماعة عن محمّد رحمة الله عليهما: إذا قالت المرأة لزوجها: طلقني واحدة بألف، فقال لها أنتِ طالق ثلاثاً بألف فإن قبلت فهي ثلاث بألف، وإلا لم يقع شيء، قال الحاكم أبو الفضل وكان محمّد رحمهما الله، يقول: أما في هذه الصورة إنّه يقع واحدة بثلث الألف، وإن لم تقبل المرأة ولا تقع الثنتان إلا إذا قبلت فإذا قبلت وقعتا بغير شيء، وكان يقول هذا بمنزلة رجل قالت له امرأته: طلقني واحدة بألف، ففعل، ثمَّ قال لها أنتِ طالق ثنتين بألف، فلا تقعان حتّى تقبل، وإذا قبلت وقعتا لغير شيء ثمَّ رجع وقال إن قبلت المرأة ما قال الزوج وقع الثلاث بألف، وإن لم تقبل لا يقع شيء كما هو رواية ابن سماعة، فبهذه الجملة ثبت رجوع محمّد ﵀ إلى قول أبي حنيفة ﵀ في هذه المسألة أيضاً.
وفيه أيضاً: الحسن بن زياد عن أبي يوسف رحمة الله عليهما إذا قال لامرأته أنتِ طالق على ألف درهم إن دخلت الدّار (٢٥٨ب١) ، فالقول إليها بعد دخول الدّار تقبل ساعة تدخل.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله إذا قال الرّجل لامرأة لا يملكها: أنتِ طالق على مائة دينار إن تزوجتك يوماً من الدّهر، فقالت قد قبلت ثمَّ تزوّجها على قول أبي حنيفة ﵀، لا يقع الطلاق، ولا يلزمها المال، قال: وقال أبو يوسف ﵀ الطلاق واقع والمال لازم، ولو أنّها قالت حين تزوّجها قبلت الطلاق الذي جعلتها لي بمائة دينار، لزمها الطلاق والمال في قياس قول أبي حنيفة ﵀.
قال أبو يوسف: ولا أحفظ في هذا رواية عن أبي حنيفة ﵀، والذي أحفظ عنه من الرواية رجل قال لمملوكه أنت حرٌّ بعد موتي إن شئت، أو قال: إن شئت فأنت حر بعد موتي، قال أبو حنيفة ﵀ لا يكون مدبراً، إذ لا مشيئة للعبد حتّى يموت المولى، فإن مات المولى فإن شاء العبد فهو حرّ، وقال أبو يوسف ﵀ إن قدّم المشيئة على العتق بأن قال إن شئت فأنت حرّ بعد موتي، فالمشيئة إليه في الحال وإن قدّم العتق على المشيئة، بأن قال: أنت حرّ إذا متُّ إن شئت أو قال: إن متُّ أو قال أنت حرّ بعد موتي إذا شئت، فله المشيئة بعد الموت.
ابن سماعة عن محمّد رحمة الله عليهما: إذا قال الرّجل لامرأته: طلقتك على ألف، فقالت: رضيت أو قالت أجزت فهو قبول، وإن قالت نعم فليس بقبول؛ لأنّ معناه سأقبل.
стр. 1326
وعن أبي يوسف ﵀ إذا قالت لزوجها طلقني على حكمي فقال نعم فهذا معتاد، ولو قال: قد فعلت وقع، ولو قال لها: طلقتك على حكمك فقالت قبلت أو قالت نعم جاز، ولو قالت أنا طالق على حكمي، فقال الزوج نعم فهو مثل ذلك.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال لامرأته أنتِ طالق ثلاثاً بألف درهم أنتِ طالق ثلاثاً بمائة دينار، فقالت قد قبلت فهو جواب عن الكلام الآخر.
وذكر ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله أنّه يلزمه المالان، وعن أبي يوسف ﵀ إذا قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثاً بألف درهم طلقني ثلاثاً بمائة دينار فقال لها أنتِ طالق ثلاثاً بالجعل الأوّل، أو بالجعل الثاني فهو كما قال وأنت. وإن طلقها ثلاثاً ولم يتعرّض لأحد الجعلين فهو جواز الكلام الآخر، حتّى لو كان الكلام الآخر بغير جعل يقع الثلاث، ولا يلزمها شيء. ولو كان الكلام الأوّل بغير جعل، والثاني بجعل لزمها الجعل.
وعنه أيضاً: أنّه فرّق بين جانب الزوج وبين جانب المرأة، فقال: لو كان الإيجاب من جانب المرأة بأن قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثاً بألف درهم طلقني ثلاثاً بمائة دينار فقال طلقتك بالجعل الأوّل يتوقف على قبولها، ولو كان الإيجاب من جانب الزوج بأن قال لها أنتِ طالق ثلاثاً بمائة دينار بألف درهم أنتِ طالق ثلاثاً بمائة دينار، فقبلت بالجعل الأوّل أو بالجعل الثاني صحّ.
والفرق أنَّ الإيجاب إذا كان من جانب المرأة، فقول الزوج طلقتك بالجعل الأوّل ابتداء إيجاب من الزوج، فليس جواباٌ بيانه أنَّ الإيجاب الثاني رجوع عن الإيجاب الأوّل، وإقامة للثاني مقام الأوّل، وقد صحّ رجوعها؛ إذ الإيجاب من جانبها غير لازم؛ لأن الطلاق على مال من جانب المرأة معاوضة والرجوع في المعاوضات قبل قبول الآخر صحيح، بخلاف جانب الزوج لأنَّ الطلاق على مال في جانب الزوج تعليق، فالتعليق يقع لازماً على وجه لا يصحّ الرجوع عنه، فبقي الإيجاب الأوّل، وصحّ الإيجاب الثاني فأيّ ذلك اختارت، فقد اختارت إيجاباً قائماً يصح على هذه الرواية إذا قال لها طلقتك بالمالين يتوقّف على قبولها؛ لأنَّ هذا ابتداء إيجاب في حقّها على ما مرّ.
وفي الروايات: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاً على ألف أو بألف، فقالت فقد قبلت الواحدة لا يقع شيء لأنّه لو وقع واحدة وقع بثلث الألف أو بغير شيء والزوج ما رضي بالوقوع بغير شيء، فلا تثبت الألف، وهذا لأنّه لو وقع واحدة تثلث الألف، وكذلك لو قالت وقع بائناً والزوج ما رضي بالبينونة تثلث الألف، وكذلك لو قالت قبلت الواحدة بألف لا يقع شيء، لأنّ الزوج ما أوجبها كذلك.
وذكر في وكالة «الأصل» أن من وكّل رجلاً أن يطلّق امرأته ثلاثاً بألف، فطلقها واحدة بألف جاز، والعرف أن يصرف الوكيل نفاذه، وبطلانه يعتمد الموافقة والمخالفة والوكيل بهذا لا يصير مخالفاً؛ لأنّه خلاف إلى خير والخلاف إلى خير لا يعد خلافاً أما تصرف الزوج مع المرأة صحّته ونفاذه يعتمد المطابقة بين الإيجاب والقبول صورة ومعنى، ولم يوجد ذلك ها هنا.
стр. 1327
إذا قال لامرأته: أنتِ طالق واحدة بألف درهم، فقالت؛ قبلت هذه التطليقة طلقت واحدة بألف بلا خلاف، ولو قالت قبلت نصفها بخمسمائة كان باطلاً؛ لأنّ قبولها نصفها بخمسمائة كقبول كلّها بخمسمائة، وذلك باطل لأنّه لم يرض به.
ولو قالت المرأة لزوجها: طلقني واحدة بألف درهم، فقال الزوج: أنتِ طالق نصف تطليقة طلقت تطليقة بألف درهم، ولو قال أنتِ طالق نصف تطليقة بخمسمائة طلقت واحدة بخمسمائة؛ لأن إيقاع النصف بخمس مائة إيقاع الكلّ بخمسمائة وذلك من الزوج صحيح؛ لأنّ المرأة التمست تطليقة بألف، فتكون راضية بها بخمسمائة من طريق الأولى.
إذا قال لامرأته وقد دخل بها: أنتِ طالق السّاعة على أنّك طالق أخرى غداً بألف درهم، فقبلت وقعت واحدة للحال بنصف الألف؛ لأنّ تقدير هذه المسألة أنتِ طالق السّاعة واحدة، وغداً أخرى بألف درهم.
بيانه: أنَّ كلمة «على» وإن كانت حقيقة للشرط، لكن يقدّر العمل بالشرط ها هنا لأنَّ الطلقة الواقعة في الحال لا يمكن تعليقها بتطليقة، تقع في الغدّ فيحمل على العطف لأنّ حروف الصلات يقام بعضها مقام البعض، فصار تقدير المسألة ما قلنا من هذا الوجه، وهناك تقع واحدة للحال بألف درهم فالأصل أنَّ الزوج متى عطف إحدى التطليقتين على الأخرى، وذكر عقيبها مالاً ولم يخصّ إحداهما بوصف ما في البدل ولا بوصف يلائم البدل، فالبدل ينصرف إليهما لاستوائهما (٢٥٩أ١) وعدم الأوّليّة، ثمَّ إذا جاء غد يقع عليها تطليقة أخرى، وهل يلزمها المال؟ ينظر إن كان قد تزوّجها قبل مجيء الغد، يلزمها خمس مائة وإن لم يتزوّجها قبل مجيء الغد لا يلزمه شيء؛ لأنّ وجوب البدل يعتمد زوال الملك به، وهو نظير ما لو قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثاً للسنة بألف درهم يقع عليها واحدة للحال بثلث الألف إذا كان الزمان زمان السنة، ثمَّ إذا حاضت وطهرت يقع عليها أخرى، ثمَّ إذا حاضت وطهرت يقع عليها أخرى، ولا يلزمها المال بالطلاق الثاني والثالث إلا بواسطة سبق الزوج، كذا ها هنا.m
ولو قال لها أنتِ طالق الساعة واحدة أملك الرجعة على أنّك طالق غداً أخرى بألف درهم، فقبلت وقع عليها واحدة للحال بغير شيء؛ لأنّه قرن بالطلقة الأولى مانعاً في وجوب البدل به، وهو قول أملك الرجعة فإن الطلاق ببدل لا يكون رجعياً فانصرف البدل إلى الطلقة الأخرى، وهذا هو الأصل في كلّ طلاقين عطف أحدها على الآخر، وقرن بالأوّل وصف ينافي البدل، البدل ينصرف إلى الطلاق الثاني فإن جاء الغد يقع عليها تطليقة أخرى بألف درهم؛ لأنّ البدل مقابل بها وأمكن إيجاب البدل بها لزوال الملك لها لأنّ الملك لم يزل بالأولى؛ لكونها رجعيّة.
ولو قال لها: أنتِ طالق اليوم تطليقة بائنة على أنّك طالق غداً أخرى بألف درهم وقعت للحال واحدة بغير شيء؛ لأنّه قرن بالطلقة الأولى مانعاً في وجوب البدل بها وهو قوله بائنة؛ لأنّه إنّما يحتاج إلى وصف الطلاق بصريح الإبانة إذا لم يكن بمقابلته شيء،
стр. 1328
ثمَّ إذا جاء الغد تقع عليها تطليقة أخرى بغير شيء؛ لأنّ الملك لا يزول بالطلقة البائنة، لزواله بالطلقة الأولى لكونها بائنة، وإن كان تزوّجها قبل مجيء الغد ثمَّ جاء الغد يقع عليها تطليقة أخرى بألف درهم؛ لأنّ الملك يزول بها في هذه الصورة، والألف مقابل بها.
ولو قال لها: أنتِ طالق اليوم تطليقة بغير شيء على أنّك طالق غداً أخرى بألف درهم وقع في الحال تطليقة رجعيّة؛ لأنه قرن بالأولى ما ينافي كون البدل بمقابلته، وهو قوله بغير شيء فصار كلّ الألف بمقابلة الطلقة الثانية فإذا جاء الغد تقع تطليقة أخرى بألف درهم؛ لأنّ الملك يزول بها لكون الأولى رجعيّة.
ولو قال لها: أنتِ طالق واحدة وأنتِ طالق أخرى بألف درهم فقبلت وقعت الطلقتان بألف درهم، وانصرف البدل إليهما. وكذلك لو قال: أنتِ طالق اليوم واحدة وغداً أخرى بألف درهم، فقبلت وقعت في اليوم واحدة بنصف الألف وغداً أخرى بنصف الألف إن تخلّل التزوّج؛ لأنَّ البدل انصرف إليهما.
ولو قال لها أنتِ طالق السّاعة واحدة أملك الرجعة وغداً أخرى أملك الرجعة بألف درهم، أو قال أنتِ طالق الساعة واحدة بائنة وغداً أخرى بائنة بألف درهم، أو قال أنتِ طالق الساعة واحدة بغير شيء وغداً أخرى بغير شيء صحّ بألف درهم، فالبدل ينصرف إليهما وتكون كلّ تطليقة بنصف الألف، فتقع واحدة في الحال بنصف الألف، وغداً أخرى مجاناً إلا أن يتزوّجها قبل مجيء الغد، ثمَّ جاء الغد فحينئذٍ تقع أخرى بنصف الألف وإنّما انصرف البدل إليهما في هذه الصورة؛ لأنّه قرن بكلّ تطليقة وصفاً ينافي البدل.
والأصل في كلّ طلاقين عطف أحدهما على الآخر، وقرن بكلَ منهما ما ينافي البدل أو قرن بالطلقة الثانية ما ينافي البدل، والبدل ينصرف إليهما جميعاً؛ لأنّه لا بدّ من إلغاء إحداهما، إمّا المنافي وإمّا البدل، وإلغاء المنافي أولى لأنّه ذكر المنافي أوّلاً، وذكر البدل آخراً وإبداء الآخر يكون ناسخاً للأوّل.
ولو قال لها: أنتِ طالق السّاعة واحدة أملك الرجعة أو قال بائنة أو قال بغير شيء وغداً أخرى بألف درهم، والبدل ينصرف إلى التطليقة الثانية.
ولو قال أنتِ طالق اليوم واحدة وغداً أخرى أملك الرجعة ينصرف البدل إليهما؛ لأنّه قرن بالطلقة الثانية ما ينافي وجوب البدل بها، وفي مثل هذا ينصرف البدل إلى الطلقتين، وعلى هذا يخرج جنس هذه المسائل.
وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: رجل قال لآخر طلق امرأتك فلانة واحدة ولك ألف درهم، ففعل وقع الطلاق في الحال في قول أبي حنيفة ﵀ بغير مال، وقال أبو يوسف ﵀: لا يقع حتّى تقبل المرأة، فإنّ قامت عن المجلس الذي يبلغها فيه الخبر قبل أن تقبل بطل الطلاق.
وذكر ابن سماعة عنه أيضاً: رجل قال لزوج ابنته الصغيرة: طلقها ولك ألف درهم
стр. 1329
فقال نعم فعلت، قال أبو حنيفة ﵀: هي طالق السّاعة بغير شيء، وقال أبو يوسف ﵀: لا يقع الطلاق ما لم تقبل الصغيرة، فإذا قبلت وقع الطلاق فلا يلزمها المال.
وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمة الله عليهما أيضاً: رجل جعل لرجل ألف درهم على طلاق امرأته، فقبل وطلّق فالطلاق بائن والذي جعل الألف ضامن للألف وهي عليه للزوج، ولو كان له دين على الزوج فقال له أنت بريء على أن تطلق امرأتك، فقبل وفعل فالطلاق جائز وهو بريء من المال.
قال: ولو كانت هاتين المسألتين في العتاق، فالعتق جائز والبراءة من الدّين جائزة، والجعل الذي جعل له باطل؛ لأنّه لو لزمه لزمه بغير عوض؛ لأنَّ العتاق من المولى، فالعتق لا يكون له، والمال لا يجب على الإنسان من غير عوض بقضيّة الأصل بخلاف البراءة؛ لأنَّ البراءة تجوز بغير عوض.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا أمر الرجل رجلاً أن يطلّق امرأتيه بألف درهم، وطلّق إحداهما بألف أو بأقلّ إلا أنّه إذا قسم الألف على مهرها كان ذلك حصتها، فهو جائز.
وروى أبو سليمان عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال الرجل لغيره طلّق إمرأتي بما شئت أو قال بما رأيت، أو قال على كم شئت أو قال على كم رأيت، فهو على المجلس وغيره، قال: لأنَّ المشيئة في الجعل ليس في الطلاق.
وفي «الأصل» : إذا قال الرجل لامرأته طلقتك أمس بألف درهم، فلم تقبل فقالت المرأة لا بل قبلت فالقول قول الزوج.
فرق بين هذا وبينما إذا قال لغيره بعتك أمس بكذا فلم يقبل، وقال الآخر لا بل قبلت، فالقول قول المشتري، وكذلك إذا قال (٢٥٩ب١) لغيره أجرت منك أمس كذا بكذا فلم تقبل، فقال الآخر لا بل قبلت، والقول قول المتأخّر. والفرق أنَّ البيع معاوضة، والمعاوضة لا تتم إلا بالإيجاب والقبول فإذا أقر بالبيع والإتمام له لا بالقبول صار مقراً بالقبول دلالة راجعاً عنه بقوله، فلم تقبل، فلا يقبل ذلك منه، فأمّا الطلاق على مال كما هو معاوضة فهو تعليق أيضاً، والمعاوضة إن كانت لا تبنى إلا بالقبول فالتعليق بني بدون القبول، فبإقراره بالطلاق على المال إن صار مقراً بالقبول من حيث إنّه معاوضة لا يصير مقراً بالقبول من حيث إنّه تعليق، فلا يثبت الإقرار بالقبول بالشك بقيّت المرأة مدّعية والزوج منكر دعواها، فيكون القول قول الزوج.
وعلى هذا إذا قال لها قد كنت بعتك طلاقك أمس بألف، ولم تقبلني، وقالت المرأة لا بل قبلت فالقول قولها.
ولو قال: طلقتها ثلاثاً بألف درهم فقالت المرأة هذا منك إقرار ماض، وقد كنت قبلته منك، وقال الزوج كان هذا مني إقراراً مستقبلاً حين تكلمت فلم تقبلي، فالقول قول الزوج وإن أقاما البيّنة أخذت بيّنة المرأة، ذكره في «المنتقى» .
وفي «البقالي» : أنتِ طالق غداً على عبدك هذا، فقبلت وباعت العبد ثم جاء الغد
стр. 1330
يقع الطلاق وعليها قيمة العبد، ولو طلقها ثلاثاً في يومه، ثمَّ جاء الغد فلا شيء له.
وفيه أيضاً إذا قال لها أنتِ طالق بعد غد على ألف درهم وغداً على ألف، واليوم على ألف، فقبلت اليوم بألف، والباقي بغير شيء هكذا ذكر وعلى قياس ما تقدم إذا تزوّجها قبل مجيء الغد، ثمَّ جاء الغد يقع طلاق آخر بألف، وإذا تزوّجها في الغد ثم جاء بعد الغد يقع طلاق آخر بألف.
وفيه أيضاً: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف درهم، والأخرى بمائة دينار فقبلتا طلقتا بغير شيء. وفيه أيضاً؛ روى ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله في العتاق: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف، فقبلتا ومات فعلى كلّ واحد منهما خمسمائة وبانتا، ولا ميراث.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال الرّجل لامرأته أنتِ طالق على حكمك من الجعل فقبلت ثمَّ حكمت مالاً ولم يرض به الزوج فإن كان ما حكمت مثل مهرها الذي أخذت، أو أكثر من ذلك لم يكن للزوج إلا ذلك، وإن كان أوّل تممّنا له مهرها الذي أخذت، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما.
وعلى هذا إذا قالت المرأة لزوجها اجعلني طالقاً على حكمك من الجعل، فطلقها على ذلك ثمّ حكم بحكم له فرضه، فإن حكم بمهرها أو أقل لزمها الطلاق على الفعل ثمَّ ينظر إلى الفعل فإن كان جعلاً، فهو على ما صيّرت ذلك فإن كان غير جعل، فقد مضى الطلاق.
بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا طلّق امرأته على أن تهب عنه لفلان ألف درهم أجبرتها على إنفاذ الألف، والزوج هو الواهب وإن لم يقل عنه لا تجبر على الهبة وعليهما أن ترد المهر والطلاق بائن، فإن وهبت فالهبة عنها والطلاق بائن ولا شيء عليها غير الهبة التي وهبت، ولا رجوع لأحد في هذه الهبة.
وعن محمّد ﵀ في امرأة قالت لزوجها: طلقني على أن أهب مهري من ولدك ففعل، فأبت أن تهبه فالطلاق رجعي فلا شيء عليها.
أبو سليمان عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا أبرأت المرأة زوجها عمّا لها عليه على أن يطلقها، فقد جاز ذلك و (حارت) المرأة فكان الطلاق بائناً وكذلك لو جعلت له مالاً على ذلك، ولو قالت لزوجها طلقني على أن أؤخّر مالي عليك وطلقها على ذلك، فإن كان للتأخير غاية معلومة صحّ التأخير، وإن لم يكن له غاية معلومة لا يصح التأخير، والطلاق رجعي على كلّ حال. وكذلك لو طلقها على أن تبرئه عن كفالة نفس فلان، فأبت أن تبرىء فالطلاق رجعي، ولو طلقها على أن تبرّئه عن الألف التي كفل بها لها عن فلان، فالطلاق بائن، والله أعلم.
стр. 1331
الفصل السادس عشر: في الخلع
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في بيان صفته وكيفيته
قال علماؤنا ﵏: الخلع طلاق بائن ينتقص به من عدد الطلاق، به ورد الأثر عن رسول الله ﷺ وعن عمر وعلي وابن مسعود ﵃. وقال الشافعي ﵀: هو فسخ لا ينتقص به من عدد الطلاق، وهو قول ابن عباس ﵁، وتكلّم أصحابنا ﵏ فيما إذا قضى قاضٍ بكونه فسخاً، هل ينفذ قضاؤه؟ منهم من قال ينفذ، ومنهم من قال لا ينفذ، وتكلّم المشايخ في لفظة البيع والشراء هل لابن عباس ﵁ فيه قول كما في الخلع، قال بعضهم ليس له فيه قول وهو طلاق بائن بالاتفاق، وقال بعضهم خلافه في كل موضع عدم فيه لفظة الطلاق، وإنّه من جملة الكنايات حتّى لا يقع به الطلاق بدون النيّة، وتصح نيّة الثلاث فيه، وإذا قال الزوج لم أنوِ به الطلاق، فإن لم يذكر بدلاً صدّق ديانة وقضاء وإن ذكر بدلاً بأن قال لها مثلاً، خالعتك على ألف درهم، ثمَّ قال لم أعن به الطلاق لا يصدّق وقدم هذا فيما تقدّم، ويعتبر من جانب الزوج يميناً وتعليقاً للطلاق بقبولها حتّى لو قال لها خالعتك على كذا، ثمَّ رجع قبل قبول المرأة لا يصح رجوعه، وكذلك لا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبول المرأة، وكذلك لا يتوقف على حضورها، بل يجوز إذا كانت غائبة، فإذا بلغها فلها خيار القبول في مجلسها، ويصحّ التعليق بالشرط والإضافة إلى الأوقات، نحو أن يقول: إذا جاء غد فقد خالعتك على ألف درهم، فإذا قدم فلان فقد خالعتك كان القبول إليها بعد مجيء الوقت وقدوم فلان.
ومن (جار) المرأة تعتبر بالإيجاب والقبول كما في باب البيع حتّى إنّه إذا كانت البداية من جانب الزوج، فقامت عن المجلس قبل القبول يبطل الإيجاب، وإن كانت البداية من جانب المرأة بأن قالت له اخلعني على كذا، صحّ رجوعها قبل قبوله ويبطل بقيامها عن المجلس وبقيامه ولا يتوقف حال غيبة الزوج، ولا يجوز التعليق منها بشرط، ولا إضافة إلى وقت وقدّم الفرق من الجانبين قبل هذا.
وينبني على هذا ما قال أبو حنيفة (٢٦٠أ١) ﵀ إذا خالعها وشرطت المرأة لنفسها الخيار جاز، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: لا يجوز ولو شرط الزوج الخيار لنفسه لا يجوز إجماعاً فهما قاسا جانبها بجانبه، وأبو حنيفة ﵀ فرّق بينهما بما قلنا إنَّ الخلع من جانب الزوج يمين، واليمين غير قابلة للخيار، ومن جانب المرأة معاوضة، والمعاوضة قابلة للخيار.
стр. 1332
وإذا قال لامرأته كلّ امرأة أتزوجها، فقد بعت طلاقها منك بكذا، ثمَّ تزوّج امرأة فالقبول إليها بعد التزوّج، فإن قالت بعد التزوّج قبلت أو قالت اشتريت طلاقها أو قالت طلّقها يقع الطلاق عليها، وإن قالت قبل التزوّج قبلت فهذا ليس بشيء؛ لأنَّ هذا الكلام من الزوج خلع بعد التزوّج، فإنّما يشترط القبول بعده.
نوع آخرمنه
ذكر في «فتاوى سمرقند» بأن صورة الخلع بالفارسيّة تقال: أن تقول المرأة لزوجها: «خوشتن رااز تونهر كاينن كرم أست وبهر هريبة عدة كي اجب مرابد توسيس طلاق أختم بيك طلاق فيقول الزوج» «اهتحيدم برااز خوشتن بائن شرطها» وإذا أمر الرجل امرأته بالخلع، فهو على أربعة أوجه:
إمّا أن يقول اخلعي نفسك بكذا من المال سمّى مالاً مقداراً معلوماً مثلاً ألف درهم. أو يقول؛ اخلعي نفسك بمال ولم يسمه ولم يقدّره، أو يقول: اخلعي نفسك بغير شيء. أو يقول: اخلعي نفسك ولم يزد على هذا، وأمّا إذا قال: اخلعي نفسك بألف درهم أو على ألف درهم، فخلعت نفسها على ذلك، ولم يقل الزوج بعد ذلك خلعت هل يتمّ الخلع فيه روايتان عن أصحابنا، والمختار أنّه يتمّ بناءً على أنّ الواحد هل يتولّى طرفي الخلع؟ إذا كان البدل مقدّراً معلوماً، وفي رواية يتولى وهو المختار وتصير المرأة وكيلة من جانب الزوج؛ لأنّه يمكنها الامتثال بما أمرت، وحقوق العقد لا ترجع إليها حتّى يقال تؤدّي إلى التضاد في حقّ الأحكام، أمّا إذا قال لها: اخلعي نفسك بمال، ولم يقدّر المال فقالت: خلعت نفسي على كذا في ظاهر رواية أصحابنا ﵏ لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج بعد ذلك خلعت. وروى ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله: أنه يتمّ وإن لم يقل الزوج بعد ذلك خلعت، وكثير من مشايخنا أخذوا برواية ابن سماعة.
ووجه ظاهر الرواية: أنّه لا بدَّ من التسمية في الخلع لأنَّ المال بدون التسمية لا يجب في الخلع، وإذا لم يكن البدل مقدراً لا تدري هي أي قدر تسمّي فعجزت عن الامتثال، فلا يصحّ الأمر فلا تصير وكيلة من جهة الزوج فلا يتمّ الخلع بمجرّد قولهما اختلعت، وأمّا إذا قال لها اخلعي نفسك بغير مال، فقالت: خلعت يتم الخلع بقولها؛ لأنَّ الخلع بغير مال والطلاق البائن سواء، فكأنّه قال لها: طلقي نفسك تطليقة بائنة فقالت طلقت.
وأمّا إذا قال لها اخلعي نفسك، ولم يزد على هذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن يتمّ الخلع بقول المرأة اختلعت للمعنى الذي ذكرنا في قوله اخلعي نفسك بغير مال، وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمّد بن الفضل البخاري ﵀ أنّه كان يقول: روي عن محمّد ﵀ أنّ هذا بمنزلة قوله: اخلعي نفسك بمال، وروي عن أبي حنيفة ﵀ أنّ هذا بمنزلة قوله اخلعي نفسك بغير شيء.
وإذا سألت المرأة من زوجها أن يخلعها، فهو على أربعة أوجه أيضاً: أما إن قالت له اخلعني على كذا سمّت ألف درهم مثلاً، وفي هذا الوجه إذا خلعها على ذلك يتمّ
стр. 1333
الخلع بقول الزوج ولا يحتاج إلى قول المرأة اختلعت قبلت في رواية، هو المختار.
وعلى هذا إذا وكّل الرّجل رجلاً أن يخلع امرأته على ألف درهم، ووكّلت المرأة ذلك الرجل أن يختلعها من زوجها على ألف درهم، فقال الوكيل: اختلعت فلانة من زوجها فلان بألف درهم يتم الخلع بقوله في رواية، وهو المختار، وأمّا إن قالت اخلعني على مال ولم يسمه، ولم يقدّره، فقال الزوج خلعتها على كذا، وفي هذا الوجه لا يتمّ الخلع بقول الزوج خلعت ما لم تقل المرأة قبلت، أو اختلعت في ظاهر رواية أصحابنا. وعلى رواية ابن سماعة يتمّ.
ومعنى قولنا لا يتمّ الخلع على ظاهر الرواية أنّه لا يجب عليها بدل الخلع، وهل يقع الطلاق؟ اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يقع، به كان يفتي ظهير الدين المرغيناني ﵀، وبعضهم قالوا لا يقع، وهو الأظهر والأشبه.
وأمّا إن قالت اخلعني بغير مال، وفي هذا الوجه إذا قال الزوج خلعت يقع الطلاق؛ لأنّ تقدير المسألة كأنّ المرأة قالت طلقني طلاقاً بائناً، فقال الزوج طلقت، وأمّا إن قالت اخلعني ولم يزد على هذا، وفي هذا الوجه ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّه يقع الطلاق بقول الزوج خلعت، وعلى قياس ما حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل ﵀ فيما إذا أمر الزوج المرأة بالخلع يجب أن يكون في المسألة روايتان.
وإذا قال لها: «خوشتن أزمن بحز» فقالت: «خريدم» ، ولم يقل الزوج «فروحتم» لا تطلق، وهذا بخلاف ما لو قال لها اخلعي نفسك منّي، فقالت: اختلعت ولم يقل الزوج قبلت، وكذلك لو قال لها بالعربية اشتري نفسك منّي، فقالت الزوجة اشتريت، ولم يقل الزوج بعت لا يقع الطلاق، بخلاف قوله: اخلعي، هكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀.
والفرق أنَّ قوله: اخلعي نفسك أمر الطلاق بلفظ الخلع والزوج يملك أمرها بذلك ببدل وبغير بدل، فصحّ الأمر وإن لم يكن البدل مذكوراً، أمّا قوله: «خوشتن بحر» أو اشتري نفسك أمر بالمعاوضة، والأمر بالمعاوضة لا يصحّ إذا لم يكن البدل مقدّراً معلوماً، وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل ﵀، بخلاف ما ذكره الصدر الشهيد في قوله اشتر نفسك منّي، على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
ولو قال: «خوشتن بخر بكذا» ذكر مالاً مقدّراً، أو قال بالعربية اشترِ نفسك بكذا، فقالت «خريدم» أو قالت؛ «اشتريت» ، ولم يقل الزوج بعت أو «فروختم» يتمّ الخلع في رواية، وهو المختار على ما بيّنا، وكذا في هذه الصورة إذا قال الزوج من لي «فروختم» بعد قول المرأة «خريد» يتمّ الخلع على الرواية (٢٦٠ب١) المختارة.
وعن هذا قيل: إذا قال لها: «خوشتن بخراز من بكايين ونفقة عدّة» ، فقالت: فقال الزوج: «من يك طلاق دادم» يقع عليها طلاقان أحدهما بالخلع، والثاني بالتطليق وأمّا إذا قال لها: «خوشتن بخر عدى أزمن» أو قال: «بحامة» ذكر بدلاً مجهولاً، فقالت «خريدم على كذا» لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج «فروحتم» ، ولا يقع طلاق أيضاً، وهذا يجب أن يكون على ظاهر الرواية، أمّا إذا قال لها «خوشتن بخر» بغير شيء أو قال: اشتر نفسك
стр. 1334
منّي بغير شيء لم يذكر الصدر الشهيد ﵀ هذا الفصل في «واقعاته» .
ورأيت مكتوباً بخطّ الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ عقب ذكر مسألة أمر الزوج المرأة بالخلع عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل، وكذلك لو تلفظ بلفظة البيع والشراء في الفصول كلّها فهو على ما وصفنا، وهذا إشارة إلى أنّ في هذا الفصل، يقع الطلاق بقولها «خريدم» كما في قوله: اخلعي نفسك بغير شيء وإشارة إلى أنَّ في قوله؛ اشترِ نفسك منّي روايتان: كما في قوله اخلعي نفسك وإذا قال لها «خوشتن خريدي أزمن» بمهرك، ونفقة عدتك، فقالت «خريدم» ولم يقل الزوج «فروحتم» ، قال بعض مشايخنا يتمّ الخلع، وقال بعضهم لا يتمّ.
وقال الفقيه أبو جعفر نسأل الزوج أنّه أراد بقوله «خريدى» التحقيق أو السوم، فإن قال: أردت السوم لا يتمّ الخلع، وإن قال أردت التحقيق يتمّ، وعن الفقيه أبي الليث ﵀ ما هو قريب عن هذا، فإنّه قال: لا يتمّ الخلع إلا إذا أراد بقوله «خريدي» التحقيق.
وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي عن شمس الأئمة السرخسي رحمهما الله أنّه كان يقول: يتمّ الخلع وإن لم يقل الزوج «فروحتم» ، وقد رأيت في «فتاويه» هكذا.
وصورة ما رأيت في «فتاويه» إذا قال لها: «خوشتن أزمن بهمّه حقّها خريدي» ، أو قال: «بجندين درم خريدي» فقالت «خريدم» ولم يقل الزوج «فروحتم» إن الخلع تام، ولو قال «خريدي» ولم يقل «بهمه حقها» ولا قال «بجندين درم» ، فقالت لا يتم الخلع ما لم يقل الزوج «فروحتم» ، والمعنى في ذلك أنّ تقدير كلامه «خوشتن خريدي كي من فروختم» وإذا، قال لها: اشتريت منّي ثلاث تطليقات بمهرك ونفقة عدّتك فقالت اشتريت أو قال لها خلعت نفسك منّي بكذا، فقالت: خلعت، والجواب فيها كالجواب في قوله: «خريدي» ، ولو قال لها «خوشين مي خريد بكذا» فقالت «خريدم» لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج «فروحتم» ، وهذا باتفاق الأقول لأنَّ هذا للسوم خاصة ولا يحتمل التحقيق، وكذا إذا قالت: «خوشتن ميحزم» فقال الزوج «فروحتم» لا يتم الخلع.r
وفي «فتاوى الفضليّ» : امرأة قالت لزوجها اشتريت نفسي منك لما أعطيت، أو قالت: اشتر وأرادت الإيجاب دون العدّة، فقال الزوج أعاطيك كذا يقع الطلاق لأنَّ هذا يصلح جواباً ولو قالت بالفارسيّة، قالت: «إنَّ حرمي» وباقي المسألة بحالها تصح لا تنوي أنّها أرادت العدّة أو الإيجاب.
وإن قال حرم لا يصح ولا ينوي لأنَّ في الفارسيّة للإيجاب لفظاً، وهو قولها «حرمى» وللعدّة لفظ وهو قولها «حرم» ولا ينوي، فأمّا في العربية لفظهما واحد وهو قولها اشتري فينوي.
وفيها أيضاً إذا قالت: «خوشتن حرمي ان تو بمهري، ونفقة عدتي دأدى» فقال الزوج أرى وقعت الفرقة؛ لأنَّ قولها بالفارسية خرمي الإيجاب، وقول الزوج أرى جواب، فصار كأنّه قال «دادم» ولو قال أرى تتم لا تقع الفرقة.
стр. 1335
وفي «فتاوى النسفي» : إنَّ قولها «خرمي» ليس بإيجاب حتّى إنّها لو قالت «خوشتن خرمى» فقال الزوج «فروحتم» لا يتمّ الخلع ذكر الجهل أو لم يذكر؛ لأنّه للاستفهام إذا قالت لزوجها: «مر حقي مرابد تواست خوشتن خريدم» ، فقال الزوج «فروختم» لا يكون خلعاً بذلك المال، ولو قالت «به حقي» كان خلعاً ولو جرت العادة فيما بين النّاس أنّهم يريدون بقوله «صر حقي نهر حقي» يجب أن يصح الخلع والفتوى على أنه لا يصح إلا أن يكتب في الفتوى، كذا جرت العادة فحينئذٍ يفتى بالصحّة، وفي موضح آخر لو قالت «هر حقي» ك «مرااز تومى بايد خوشتن خريدم ازتو» ، أو قالت: «ميروين خوشتن خريدم ازتوا» فقال الزوج «فروختم» يكون خلعاً، ويلغوا قولها «حر حقي كه مرا ازنومى يايد وتصير كأنها ابتدأت فقالت: خويشتن خريدم ازتوا» أو قالت «سمرين خوشتن خريدم ازتو» .
وإذا قالت المرأة اختلعت نفسي بمهري ونفقة عدتي ولم تقل منك، فقال الزوج خلعت، ولم يقل خلعتك لا يكون هذا خلعاً صحيحاً كذلك إذا قال بالفارسيّة: «خوشتن خريدم» ، فقال الزوج «فروختم» لا يكون خلعاً صحيحاً ولو قال «فروخمت» فهو خلع صحيح، هكذا ذكر في «مجموع النوازل» عن شيخ الإسلام السغدي ﵀. قال لا بدّ من ذكر الإضافة من أحد الزوجين، وقاسه على ما إذا قال لها اختاري، فقالت: اخترت لا يقع شيء، ولو قال اختاري، فقالت اخترت نفسي أو قال اختاري نفسك فقالت اخترت وقع الطلاق.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا جرت مقدّمات الخلع بين الزوجين، فقالت المرأة بعد ذلك «خوشتن خريدم بعدت وكايين» فقالت الزوج «فروختم» تصح، وإن لم يقل منك، وعلى هذا البيع والنكاح، وحكي عن عمر النسفي أنّه قال: اتفق المشايخ في زماننا: أنَّ الخلع صحيح بغير الإضافة إلى أحدهما لكثرة الاستعمال من العامّة، وعدّهم هذا خلعاً صحيحاً فصار بمنزلة قولهم «مرجه بدست كيرم برمن حرام» ، وبمنزلة البيع والشراء إذا قال البائع بعت هذا، وقال المشتري اشتريت هذا، فإنَّ هناك يتمّ البيع كذا ها هنا.
وذكر في «المنتقى» : عن محمّد ﵀: إذا قالت المرأة لزوجها خلعت نفسي منك بألف درهم قالت ذلك ثلاث مرّات، فقال الزوج قد رضيت وأجزت كان ثلاثاً بثلاثة آلاف درهم، ولو قال الزوج للمرأة قد خلعتك على ما لك عليَّ من المال، قال ذلك ثلاث مرّات ولم يسمّ شيئاً فقالت المرأة قبلت ورضيت طلقت ثلاثاً، قال لأنّه لم يقع شيء إلا بقبولها (٢٦١أ١) .
وفيه أيضاً: إذا قال الرجل لامرأته: أخلعك، فقالت قد فعلت فهذا باطل حتّى يقول الزوج: قبلت، قال ثمّة: والخلع في هذا من جانب الرجل لا يشبه التزوّيج، يريد به أن الرجل إذا قال لامرأة: أتزوجك على مائة درهم، فقالت: فعلت فإنه ينعقد النكاح بينهما وإن لم يقل الزوج بعد ذلك قبلت.
следующие страницы →