Полный текст (4 583 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
لا يطهر أبداً على قول محمد ﵀ إذا كان لا يمكن عصره، وعلى قول أبي يوسف ﵀ ينقع ثلاثاً في ماء طاهر ويجفف في كل مرة في رواية، وفي المرة الثالثة في رواية، وقاسوا الخف والنعل على الخزف الجديد والآجر الجديد وسائر المسائل التي مرّ ذكرها من هذا الجنس.
وبعض مشايخنا قالوا هذا التفصيل خلاف ظاهر لفظ محمد ﵀، فإن محمداً ﵀ قال: لا يجزئه حتى يغسل موضع النجاسة في الخفٍ وغيره من غير فصل بين خف وخف وهو الظاهر، فإن.... الذي يتخذ منه الخف والنعل أو لا ينقع في الماء ويعالج بالدهن والشحم فلا يتسرب منه رطوبات النجاسة فلايكون نظير الكوز والحب. ولأجل هذا المعنى مال بعض مشايخنا (إلى) اشتراط التجفيف في الخف، ألا ترى إلى ما حكي عن أبي القاسم الصفار ﵀ في الرجل يستنجي ويجري ماء استنجائه بين رجليه وخفه ليس بمنخرق أن له أن يصلي مع ذلك الخف لأن الماء الآخر يطهر خفه كما يطهر موضع استنجائه ولم يشترط الجفاف، فعلى قول هذا القائل الخف أو المكعب إذا أصابته نجاسة يغسل ثلاث مرات بدفعة واحدة ويحكم بطهارته.
والمختار أنه يغسل ثلاث مرات ويترك في كل مرة حتى ينقطع التقاطر وتذهب الندوة ولا يشترط اليبس وفي «مجموع النوازل» : الخف الخراساني الذي صرمه موشًّى بالغزل حتى صار ظاهر الصرم كله غزلاً فأصابه نجاسة فحته وصلى فيه، قال نجم الدين النسفي ﵀: لا تجوز صلاتهُ إلا إذا غسله بالماء ثلاثاً وجففه في كل مرة، وحكم هذا حكم الثوب لا حكم الخف أو السيف أو السكين إذا أصابه بول أو دم. ذكر في «الأصل» أنه لا يطهر إلا بالغسل.
فإن أصابه عذرة إن كانت رطبة فكذلك الجواب، وإن كانت يابسة طهرت بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمد ﵀ لا يطهر إلا بالغسل.
والكرخي ﵀ ذكر في «مختصره» أن السيف يطهر بالمسح من غير فصل بين الرطب واليابس وبين العذرة والبول، وعلل فقال: لأن السيف متى صقل لا تتداخل النجاسة في أجزائه بل تبقى على ظاهره، فإذا مسحها لا يبقى إلا شيء قليل وذلك غير معتبر.
وفي «الفتاوى» سئل أبو القاسم عمن ذَبَحَ بالسكين ثم مسح السكين على صوفها أو بما يذهب به أثر الدم عنه يطهر، وعنه أنه لحس السيف بلسانه حتى ذهب الأثر فقد طهر، وعن أبي يوسف ﵀ أن السيف إذا أصابه دم أو عذرة فمسحت بخرقة أو تراب إنه يطهر حتى لو قطع بطيخاً بعد ذلك أو ما أشبهه كان البطيخ طاهراً ويباح أكله، وقد صح أن الصحابة كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ويمسحون السيوف ويصلون معها.
وإذا وقع على الحديد نجاسة من غير أن يمره بها فكما يطهر بالغسل يطهر بالمسح بخرقة طاهرة أيضاً، إذا كان الحديد صقيلاً غير خشن كالسيف والسكين والمرآة ونحوها.
стр. 177
الحديد إذا أصابه نجاسة فأدخله في النار قبل أن يمسحه أو يغسله، ينبغي أن يطهر إذا ذهب أثر النجاسة ويكون الحرق كالغسل، ألا ترى إلى ما ذكر في «الفتاوى» : إذا أحرق رجل رأس شاة ملطخ وزال عنه الدم فإنه يحكم بطهارته كذا هنا بخلاف ما إذا مرّ الحديد بالماء النجس على قول محمد ﵀ لأن النجاسة تسير فيه بالتمويه، أما بدون التمويه لا تتسرب فيه النجاسة بل يبقى على ظاهره فتزول بالإحراق.
وإذا سعرت التنور ثم مسحه بخرقة مبتلة نجسة ثم حرقت فيه فإن كانت حرارة النار أكلت بلّة الماء قبل إلصاق الخبز بالتنور لا يتنجس الخبز لأن النجاسة لا تبقى إذا نشف التنور بالنار كما لا تبقى نجاسة الأرض إذا يبست بالشمس.
قال الزنرويستي ﵀ في «نظمه» : شيئان يطهران بالجفاف: الأرض إذا أصابها نجاسة فجفّت ولم يُرَ أثرها جازت الصلاة فوقها. والتلة والحشيش وما نبت في الأرض إذا أصابتها النجاسة فجفت طهرت لأنها من نبات الأرض والأرض تطهر بهذا فكذا نباتها.
ورأيت في موضع آخر أن الكلأ أو الشجر ما دام قائماً على الأرض ففي طهارته بالجفاف اختلاف المشايخ، وحكى الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ أنه قال: الحمار إذا بال على السك فوقع عليه الظل ثلاث مرات والشمس ثلاث مرات فقد طهر ويجوز عليه الصلاة الحشيش إذا أصابه النجاسة وأصابه المطر بعد ذلك كان له بمنزلة الغسل.
وفي بعض النسخ حكم الحصى حكم الأرض إذا تنجست فجفت وذهب أثرها، يريد به: إذا كان الحصى في الأرض متداخلاً، فأما إذا كان على وجه الأرض لا يطهر، وكذا الحجر على وجه الأرض إذا أصابته نجاسة.
في «متفرقات الفقيه أبي جعفر ﵀، والآجرة إذا كانت مفروشة فحكمها حكم الأرض تطهر بالجفاف وإن كانت موضوعة تُنقل، وتجول من مكان إلى مكان لا بُدّ من الغسل، وكذلك اللبنة إذا أصابتها نجاسة وهي غير مفروشة لا تطهر بالجفاف، وإن كانت مفروشة وصلى عليها بعد الجفاف يجوز لأن في الوجه الثاني صارت من وجه الأرض بخلاف الوجه الأول، فإن خلعت بعد ذلك هل تعود نجسة؟ ففيه روايتان.
الخف أو النعل أو الثوب إذا أصابه مني فإن كان رطباً فلا بُدّ من الغسل. وإن كان يابساً يجوز فيه الفرك، عرف ذلك ما روت عائشة ﵂ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال لها: «إذا وجدت المني على الثوب، فإن كان رطباً فاغسليه وإن كان يابساً فافركيه» .
قال الفقيه أبو إسحاق الحافظ ﵀: المني اليابس إنما يطهر بالفرك إذا كان رأس الذكر طاهراً وقت خروجه بأن كان بال واستنجى، أما إذا لم يكن طاهراً لا يطهر
стр. 178
قالوا: وهكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀، قيل أيضاً: إذا كان رأس الذكر طاهراً إنما تطهر الثياب بالفرك إذا خرج المني قبل خروج المذي، فأما إذا خرج المذي على رأس الإحليل ثم خرج المني لا يطهر الثوب بالفرك.
وإذا فرك المني اليابس عن الثوب وحكم بطهارة الثوب ثم أصاب الماء ذلك الثوب هل يعود نجساً فهو على الروايتين، وقد مرّ نظير هذا فيما تقدم.
وإذا كانت النجاسة على بدن الآدمي ذكر في «الأصل» أنها لا تطهر إلا بالغسل رطباً كان أو يابساً لها جرم أو لا جرم لها. وفي «القدوري» : لا يطهر شيء كان فيه نجاسة من ثوب أو بدن إلا بالغسل إلا المني فإنه يجوز فيه الفرك إذا كان يابساً على الثوب، وإن كان على البدن لا يكتفى بالحتّ ويغسل في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله، لأن البدن لا يمكن أن يفرك ولأن لمس البدن وتجاذ به فلا يزول بالحت منه ما يزول بالفرك في الثوب فبقي على الأصل.
وذكر الكرخي ﵀ مسألة المني في «مختصره» وذكر أنها تطهر بالفرك من غير فصل بين العضو وغيره. ويجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل شيء ينعصر بالعصر كالخل وبماء الريق في قولهما، وقال محمد وزفر لا يزول إلا بالماء، وروي عن أبي يوسف في البدن كذلك، وفرّق أبو يوسف ﵀ على هذه الرواية بين الثوب والبدن ووجه الفرق: أن البدن كما يقبل النجاسة الحقيقية يقبل النجاسة الحكمية ثم النجاسة الحكمية اختص زوالها بالماء فكذا النجاسة الحقيقية ولا كذلك الثوب.
وفي «المنتقى» رجل على ساقه دم أخذ كفّاً من ماء وغسل به ذلك الدم وسال الماء على يده أجزأه وطهّره، ولو غمس يده في الماء ولم يأخذ في يده شيئاً منه ثم مسح به موضع الدم حتى ذهب أثره لم يجزه، يريد به إذا مسح موضع الدم بعدما أخرجه من الماء، أما لو مسح به في الماء حتى ذهب أثره يجزئه وهذا ظاهر.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: كل ما غسل به الثوب من شيء نحو الدم وأشباهه يخرج منه الدم بعصره فانعصر حتى سال فقد أذهب النجس. قال: والأدهان لا تخرج الدم لأن لها رسوبة ولصوقاً بالمحل فلا يقدر على الاستخراج. قال: ولو غسله بلبن أو خل فانعصر موضع الدم (٣١أ١) . حتى خرج من الثوب فقد طهر، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف ﵀ إذا غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن أو زيت حتى يذهب أثره جاز، ولو أصاب يديه لم يجز إلا أن يغسله بالماء، وقد ذكرنا الفرق بين البدن والثوب على رواية أبي يوسف.
وفي «المنتقى» وقال أبو يوسف في المحتجم لا يجزئه أن يمسح الدم عن موضع الحجامة حتى يغسله، قال الحاكم: رأيت عن أبي حفص عن محمد بن الحسن ﵏ أنه إذا مسحه بثلاث خرق رطاب نظاف أجزأه.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد في حمار وقع في الملاحة ومات وترك حتى صار ملحاً أكل الملح، وقال أبو يوسف: لا يؤكل، وكذلك رماد عذرة أحرقت وصلى عليه
стр. 179
على هذا الاختلاف، وحكى أبو عصمة: خشبة لو أصابها بول فاحترقت ووقع رمادها في بئر قال أبو يوسف ﵀ يفسد الماء، وقال محمد ﵀: لا يفسد.
الطين النجس إذا جعل منه الكوزأ والقدر فطبخ يكون طاهراً.
إذا قاء ملء الفم ينبغي أن يغسل فاه، فإن لم يغسل ومضى زمان ينبغي أن تجوز صلاته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ويطهر فمه ببزاقه.
وعلى هذا إذا شرب الخمر وصلى بعد زمان، وإذا شرب الخمر ونام وسال من فمه شيء على وسادته إن كان لا يرى عين الخمر ولا يوجد رائحته ينبغي أن يكون طاهراً، على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ عليهما بناء على ما قلنا.
العنب إذا تنجس يغسل ثلاثاً ويؤكل، وضع المسألة في «مجموع النوازل» في العنقود إذا أكل الكلب بعضه وذكر أنه يغسل العنقود ثلاثاً ويؤكل. كذا قال ثمة وكذا يفعل بعد يبس العنقود، ولو عصر عنباً فأدمى رجله وسال في العصير والعصير يسيل ولا يظهر أثر الدم فيه قال لا ينجس العصير، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ عليهما كما في الماء الجاري.
الفأرة إذا وقعت في دن تشاسته ومات واين تشاسة وسيده بودشت، قال الشيخ الإمام نجم الدين رحمه ا: أقتاده باشدكه آب درخم كرد بودنه ديك رود شرخم كشاده بوداب دنكر رنجيشد دشرخم يستندوبعه أن جنه سبانروز سرخم كسادنه موش ماقنية اما سيده أماومعلوم شه كه موشرهم ان اول انذر اقتاده اشت قال الاحتياط في هذا أن يُراق لأن القلب لا يسكن إلى طهارته وزوال نجاسته، ولو بذر هذا في الأرض صار نجساً وهذا الذي ذكر قول محمد ﵀ أما على قول أبي يوسف ﵀ يغسل التساستح ثلاثاً ويجفف في كل مرة ويحكم بطهارته.
رجل اتخذ عصيراً في خابية فغلى واشتد وقذف بالزبد وانتقص مما كان ثم صارت خلاً طهر الحب كله حتى يخرج الخل طاهراً إذا زالت رائحة الخمر، هكذا وقع في بعض الكتب، وفي بعضها: إذا تخلل وتطاول مكثه في الدن طهر الحب كله، ولو رفع من الدن كما تخلل من غير مكثه فالموضع الذي لوّث بالخمر نجس، فأما إذا عالج ذلك الموضع بالخل على أن يتطاول مكثه فعلى قول من يرى إزالة النجاسة الحقيقية بغير الماء يطهر الدن الذي فيه العصير.
إذا غلى واشتد وصار خمراً وعلى رأسه ... فرفع ذلك ... بعد زمان يعني بعدما صار خلاّ وتطاول مكثه فإنه يكون طاهراً لو وضع على قدر مرقة لا تتنجس المرقة أما إذا رفع قبل أن يصير خلاً فإنه يكون نجساً فتنجس المرقة وكذلك إذا رفع بعدما صار خلاً ولكن قبل أن يتطاول مكثه.
وقع كوز من خمر في دن خل أو صب فيه ولا يوجد طعمها ولا رائحتها يباح الخل
стр. 180
من ساعته. ولو وقع قطرة من خمر في دن خل لا يباح خل من ساعته، والفرق: أن الخمر الذي في الكوز كثير لو لم يتغير المصبوب ولو لم يصر خلاً توجد رائحته، فإذا لم يوجد علمنا أنه تغير وصار خلاً، فأما القطرة فشيء قليل لا يكون لها رائحة فلا يستدل بعدم الرائحة على التغيير، فلعل أنها على حالها ولم تتغير فلا يحكم بالخل في الحال. هكذا ذكر في «مجموع النوازل» وينبغي أن يقال في القطرة: إذا كان غالب ظنه أنه صار خلاً يطهر.
الخمر إذا وقع في الماء، والماء إذا وقع في الخمرة صار خلاً ففيه اختلاف المشايخ، واختار الصدر الشهيد ﵀ أنه يطهر، وكذلك في خل..... اختلف المشايخ فيه واختياره أنه يطهر.
وإذا صب الخل المتنجس في الخمر حتى صار الكل خلاً تبقى النجاسة في الكل، وإذا وقعت فأرة في دن خمر وصارت الخمر خلاً فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يباح تناول الخل وقال بعضهم: لا يباح، وقال بعضهم: إن تفسخت الفأرة فيها لا يباح، وإن لم تتفسخ يباح.
الكلب إذا وقع في عصير فتخمّر العصير ثم تخلل لا يحل شربه لأن لعاب الكلب فيه قائم وإنه لا يصير خلاً، وعلى قياس خل.... ينبغي أن يحلّ شربه.....
الحديدة إذا أصابها نجاسة فبالغسل ثسلاثاً تطهر ظاهراً لا باطناً حتى لو وقع قطعة منها في ماء قليل يتنجس الماء.
الفصل الثامن في الحيض
ثوب أصابه عصير ومضى على ذلك أيام إلا أنه يوجد منه رائحة الخمر لا يحكم بنجاسته لأن العصير لا يصير خمراً في الثوب والله أعلم بالصواب.
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في تفسيره بيان فنقول:
الحيض لغة: اسم لدرور الدم من أي شخص كان، تقول العرب حاضت الأرنب إذا خرج الدم من فرجها.
وشرعاً: اسم لدم دون دم، فإنها: اسم لدم خارج من رحم المرأة، فأما الخارج من فرج المرأة دون الرحم فهو استحاضة وليس بحيض شرعاً، الدليل عليه ما روي أن فاطمة بنت حبيش سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّموقالت: «إني امرأة أستحاض فلا أطهر الشهر والشهرين فقال ﵇: ليس تلك بالحيضة إنما هي دم عرق انقطع فإذا أجليت
стр. 181
الحيضة فدعي الصلاة أيام أقرائك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة» .
وفي «الفتاوى» لأبي الليث ﵀: أن الدم الخارج من الدبر لا يكون حيضاً، ويستحب لها أن تغتسل عند انقطاع الدم. وإن أمسكت زوجها عن الاستمتاع بها أحب إلي لجواز أنها خرجت من الرحم، ولكن من هذ السبيل.
ثم الدم الخارج من الرحم نوعان: حيض ونفاس، فالنفاس: هو الدم الخارج بعقب الولادة وسيأتي الكلام فيها في نوعها وأما الحيض: فقد قال الكرخي ﵀ في «مختصره» الحيض: الدم الخارج من الرحم تصير المرأة بالغة بالبداية بها. كان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ يقول: الحيض هو الدم التي ينفضها رحم المرأة السالمة عن الداء والصغر والله أعلم.
(نوع آخر)
في بيان الدماء الفاسدة التي لا يتعلق بها حكم الحيض.
وإنها كثيرة فمن جملة ذلك القاصر ... عن أقل مقدار الحيض لأنه مقدر شرعاً، والتقدير الشرعي يمنع أن يكون لما دون المقدر حكم المقدر، وعند ذلك يحتاج إلى بيان أقل مقدار الحيض فيقول: أقل الحيض مقدر بثلاثة أيام ولياليها في «ظاهر رواية» أصحابنا، وروى ابن سماعة في «نوادره» وأبو سليمان في «نوادر الصلاة» عن أبي يوسف ﵀ أنه يومان والأكثر من اليوم الثالث، وجه «ظاهر الرواية» ما روى أبو أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام» وقال ﵇ لفاطمة بنت حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك» .
والأيام اسم جمع وأقل الجمع ثلاثة. وعن عمر وعثمان وعلي وزيد وثابت وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ومعاذ وأنس بن مالك وعائشة وجابر وعبد الله وعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵃ مثل مذهبنا.
ومن جملة ذلك الدم الذي جاوز أكثر مدة الحيض فإن أكثر الحيض مقدر شرعاً والتقدير الشرعي يمنع أن يكون لما فوق المقدر حكم المقدر كيلا تفوت فائدة التقدير. وفي هذا المقام يحتاج إلى بيان أكثر مقدار الحيض فنقول: أكثر الحيض عشرة أيام، وقال الشافعي: خمسة يوماً، فالحجة لعلمائنا ما روينا من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.
ومن جملة ذلك الدم المتخلل في أقل مدة الطهر ولا يمكن معرفة ذلك إلا بعد معرفة أقل الطهر وأقله خمسة عشر يوماً عندنا، وقال عطاء بن أبي رباح ويحيى بن أكثم
стр. 182
ومحمد بن شجاع ﵏ إنه تسعة عشر يوماً، هم يقولون: إن الشرع أقام الشهر في حق الآيسة والصغيرة مقام الحيض والطهر إذ هما يوجدان في الشهر عادة والشهر قد ينتقص بيوم، والحيض لا يزيد على عشرة فيبقى الطهر تسعة عشر، وعلماؤنا قالوا: إن مدة الطهر نظير مدة الإقامة من حيث إنه يجب فيها ما كان سقط من الصوم والصلاة. ثم أقل مدة الإقامة تقدر بخمسة عشر يوماً على ما عرف في موضعه فكذا أقل مدة الطهر، وقد قسنا أقل مدة الحيض بأقل مدة السفر من حيث إن كل واحد يؤثر في الصوم والصلاة، فجاز لنا أن نقيس أقل مدة الطهر بأقل مدة الإقامة من حيث إن كل واحد يؤثر في الصوم والصلاة أيضاً.
وأما أكثر مدة الطهر فالمنقول من أصحابنا أنه لا غاية له. وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحواني ﵀ يقول: قول أصحابنا لا غاية له أن كانوا عَنَوا به أن الطهر طهر وإن طال فصحيح، وإن عنوا به أن الطهر الذي يصلح لنصب العادة عند وقوع الحاجة إليه لوقوع الاستمرار غير مقدر، فهو ليس بصحيح بل هو مقدر عندهم جميعاً إلا عند أبي عصمة سعد بن معاذ المروزي ﵀ فإنه لا يقدر طهرها بشيء إذا احتيج إلى بقية العادة لها إذا استمر بها الدم وصلت أيامها لكنها تبني على ما رأت وإن امتدت.
وعامة مشايخنا قالوا بتقديره واختلفوا فيما بينهم، وبيان هذا: مبتدأة رأت عشرةً دماً وستةً طهراً واستمر بها الدم. قال أبو عصمة سعد بن معاذ: حيضها وطهرها ما رأت لأنها (رأت) دماً صحيحاً وطهراً صحيحاً والمبتدأة إذا رأت دماً صحيحاً وطهراً صحيحاً يجعل ذلك عادة لها حتى إن على قوله تنقضي عدتها إذا طلقها زوجها بثلاث سنين وثلاثين يوماً.
وقال محمد بن إبراهيم الميداني ﵀: تجعل عادتها من الطهر ستة أشهر إلا ساعة اعتباراً بمدة الحبل، فإن أقل مدة هي طهر كلها ستة أشهر مدة الحبل، غير أن مدة الحبل تكون أمد من مدة الطهر عادة فينقص عنها شيء ليقع الفرق بينهما.
وأقل ذلك ساعة حتى إن عدة هذه المرأة إذا طلقها زوجها على قول محمد بن إبراهيم الميداني تنقضي عدتها ثمانية عشر شهراً إلا ثلاث ساعات لجواز أن يكون وقوع الطلاق عليها في حالة الحيض فيحتاج إلى ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر إلا ساعة وإلى ثلاث حيض كل حيض عشرة أيام.
وقال بعضهم: تجعل عادتها من الطهر سبعة وعشرون يوماً لأن المرأة ترى الدم والطهر في كل شهر عادة.
وأقل الحيض ثلاثة أيام، فيجعل الباقي وذلك سبعة وعشرون طهراً ثم تكمل الحيض عشرة أيام مع هذه الثلاثة في الثاني وهكذا دأبها ما دام بها الاستمرار عشرة حيضها وسبعة وعشرون طهرها. وقال أبو علي الدقاق: يجعل عادتها من الطهر سبعة وخمسون يوماً. وكان أبو عبد الله الزعفراني ﵀ يجعل عادتها من الطهر ستون يوماً
стр. 183
وحيضها عشرة، وهكذا أثبته الحاكم الشهيد في المختصر.
ومن جملة ذلك ما تراه الحامل من الدم فقد ثبت عندنا أن الحامل لا تحيض، وكذا روي عن عائشة ﵂ وعرف أن المرأة إذا حبلت يُسدّ فم رحمها فلا يكون ذلك الدم خارجاً من الرحم فكان فاسداً.
ومنها الدم الذي جاوز أكثر مدة النفاس فإن أكثر النفاس مقدر شرعاً، والتقدير الشرعي ينفي أن يكون لما فوق المقدر حكم المقدر حتى لا تبطل فائدة التقدير وفي هذا المقام يحتاج إلى معرفة أكثر مدة النفاس، وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ومن جملة ذلك ما تراه الصغيرة جداً من الدم لأن هذا دم سبق أوانه فلا يعطى له حكم الحيض، إذ لو أعطي له حكم الحيض يحكم ببلوغها، وإنه محال في الصغيرة.
هذا واختلف في أدنى المدة التي يحكم ببلوغ الصغيرة فيه برؤية الدم، فكان محمد بن مقاتل الرازي ﵀ يقدرها بتسع سنين لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين. والظاهر أنه كان يبني بها بعد البلوغ. وكان لأبي مطيع البلخي بنّية صارت جدة وهي بنت تسع عشرة سنة وكان أبو مطيع يقول فضحتنا هذه الجارية.
وبعضهم قدروها بسبع سنين قال ﵇: «مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً» والأمر للوجوب، ولا وجوب إلا بعد البلوغ. ولا تصور له إلا في هذا الموضع. وقد سئل أبو نصر محمد بن محمد بن سلام البلخي عن بنت ست سنين إذا رأت الدم هل يكون حيضاً؟ قال: نعم إذا تمادى هذا مدة الحيض فلم يكن نزوله عن آفة. وأكثر مشايخ زماننا على ما قاله محمد بن مقاتل، وبعض مشايخ زماننا قدروا ذلك بثنتي عشر سنة.
فإذا رأت الدم وهي صحيحة لأداء بها فهو حيض وإلا فهو من المرض، والأغلب في زماننا رؤية الدم في ثلاثة عشر سنة أو في أربع عشر سنة. وأصحابنا المتقدمون لم يجدوا في ذلك حدّاً لأن ذلك يختلف باختلاف الهواء وباختلاف البلدان والبيئة ولكن قالوا: إذا بلغت مبلغاً فرأت الدم ثلاثة أيام فهو حيض.
ومن جملة ذلك ما تراه الكبيرة جدّاً هكذا وقع في بعض الكتب. وقد ذكر محمد ﵀ في «نوادر الصلاة» أن العجوز الكبيرة إذا رأت الدم مدة الحيض فهو حيض. قال محمد بن مقاتل الرازي ﵀ رواية «النوادر» محمولة على ما إذا لم يحكم بإياسها، فأما إذا انقطع الدم وحكم بإياسها وهي بنت تسعين سنة أو نحوه فرأت الدم بعد ذلك لا يكون حيضاً كما وقع في بعض الكتب، وهو مروي عن عطاء بن أبي رباح
стр. 184
والشعبي وجماعة من التابعين ﵏. وكان محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ يقول: ما ذكر في «النوادر» محمول على ما إذا رأت دماً سائلاً و (ذلك) حيض، وما وقع في بعض الكتب محمول على ما إذا رأت بلة مدة يسيرة وذلك ليس بحيض، وعامة المشايخ أن على رواية «النوادر» لا تقدير في حد الآيسة بالستين. وتفسير الآيسة على هذه الرواية أن تبلغ من السن ما لا يحيض مثلها، فإذا بلغت هذا المبلغ وانقطع دمها يحكم بإياسها. فإن رأت بعد ذلك دماً فلا يكون حيضاً على هذه الرواية ويظهر كونها حيضاً في حق بطلان الاعتداد بالأشهر، وفي حق فساد الأنكحة.
وعلى رواية بعض الكتب لحد الآيسة تقدير واختلفت الأقاويل في التقدير: قال بعضهم: إذا بلغت المرأة مبلغاً لا تحيض نساء تلك البلدة في ذلك المبلغ. ولم يرد ما يحكم بإياسها. وقال بعضهم: يعتبر إبراؤها من قرائنها وقال: يعتبر ستركيبها وهذا لأن طبائع النساء يختلف باختلاف الهواء والبلدان والأغذية، ألا ترى أن المرأة المنعمة يبطىء إياسها والفقيرة البائسة يسرع إياسها فلا يمكن التقدير فيهن بالزمان فقدرنا ببراءتها وتركيبها وكثير من المشايخ منهم أبو علي الدقاق اعتبروا ستين سنة، وهو مروي عن محمد ﵀ أيضاً: واعتبر بعضهم خمسين سنة وهو مذهب عائشة ﵂ فقد روي عنها أنها قالت: إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم يُرَ في بطنها قرة عين.
ومشايخ مرو أفتوا بخمس وخمسين سنة، وكثير من مشايخ بخارى كذلك أفتوا بخمس وخمسين سنة وهو أعدل الأقوال، فإن رأت بعد ذلك دماً هل يكون حيضاً؟ على هذه الرواية اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يكون حيضاً ولا يبطل به الاعتداد بالأشهر لأن الحكم بالإياس بعد خمسين سنة وأشباه ذلك كان بالاجتهاد. والدم حيض بالنص وإذا رأت الدم فقد وجد النص بخلاف الاجتهاد فيبطل حكم الإياس الثابت بالاجتهاد، وهذا القائل يقول: الدم المرئي بعد هذه المدة إنما يكون حيضاً إذا كان أحمر أو أسود، فإذا كان أخضر أو أصفر لا يكون لأن كون هذا المرئي حيضاً ثبت بالاجتهاد فلا يبطل حكم الإياس الثابت بالاجتهاد فعلى قول هذا القائل يبطل الاعتداد بالأشهر. ويظهر فساد الأنكحة وقال بعضهم: إن كان القاضي قضى بجواز ذلك النكاح ثم رأت الدم (٣٢أ١) لا يقضى بفساد ذلك النكاح.
وطرق القضاء أن يدعي أحد الزوجين فساد النكاح بسبب قيام العدة فيقضي القاضي بجوازه وبانقضاء العدة بالأشهر، وكان الصدر الشهيد حسام الدين ﵀ يفتي بأنها لو رأت الدم بعد ذلك على أي صفة رأت يكون حيضاً ويفتي ببطلان الاعتداد بالأشهر إن كانت رأت الدم قبل تمام الاعتداد بالأشهر ولا يفتي ببطلان الاعتدال بالأشهر ولا بفساد النكاح إن كانت رأت الدم بعد تمام الاعتداد بالأشهر قضى القاضي بجواز ذلك النكاح أو لم يقض.
стр. 185
ومن جملة ذلك ما رأته المرأة على غير ألوان الدم، وعند ذلك يحتاج إلى معرفة ألوان الدم: ما تراه المرأة في حالة الحيض من الدماء ستة: بعضها على الوفاق وبعضها على الخلاف. أما الذين على الوفاق إنهم قالوا: السواد والحمرة والصفرة حيض، وهذا لأن الأصل بالدم الحمرة، إلا أن غلبة السواد انصرف إلى السواد، وعند غلبة الصفرة انصرف إلى الصفرة. فأما الذات واحد.
وكان الشيخ الإمام الزاهد الماتريدي ﵀ مرة يقول في الصفرة إذا رأتها ابتداء في زمان الحيض: إنها حيض، فأما إذا رأتها في زمان الطهر واتصل ذلك بزمان الحيض فإنها لا تكون حيضاً، ومرة يقول: إذا اعتادت المرأة أن ترى أيام الطهر صفرة وأيام الحيض حمرة فحكم صفرتها يكون حكم الطهر حتى لو امتدت هي بها لم يحكم لها بالحيض في شيء من هذه الصفرة لأن الحال دل على أن طهرها بهذه الصفة فقيل يحتمل أنه اعتبر ذلك في صفرة يغلب على لونها البياض وحكمها حكم الطهر على قول أكثر المشايخ.
ثم إن بعض مشايخنا ... بصفرة القز، وبعضهم بصفرة التين وبعضهم بصفرة السّبر وعن محمد بن مقاتل ﵀: أن يعتبر فيه أدنى ما ينطلق عليه اسم الصفر، وهذا كله في المرأة إذا كانت في ذوات الأقراء، فأما إذا كانت آيسة وحكم بإياسها ثم رأت شيئاً قليلاً يباشر الصفرة لا يكون حيضاً لأن ذلك أثر البول فلا يبطل به حكم الإياس وأما الذي على الخلاف فمن جملتها الكدرة وهي كالماء الكدر فإنها حيض عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تقدمت على الدم أو تأخرت عنها، وقال أبو يوسف ﵀: إن تقدمت على الدم لا يكون حيضاً وإن تأخرت يكون حيضاً.
ثم اختلف المشايخ على قوله في الكدرة المتأخرة على الدم أنها متى تصير حيضاً، والصحيح: ما ذكره أبو علي الدقاق ﵀ أن ما دون خمسة عشر يوماً لا يفصل بينها وبين الدم كما لا يفصل هو بين الدمين.
ومن جملة ذلك: الخضرة، وقد أنكر بعض مشايخنا وجودها حتى محمد بن محمد بن سلام البلخي ﵀ حين سئل عن الخضرة كأنها أكلت قصيلاً على سبيل الاستبعاد. وقال أبو علي الدقاق ﵀ إنها كالكدرة. والخلاف فيهما واحد، وعنه
стр. 186
أيضاً أنها حيض من غير ذكر الخلاف. قال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي رحمة الله عليه: والذي عليه عامة المشايخ أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء فالخضرة منها حيض، وإن كانت كبيرة يعني آيسة ولا ترى عندها الخضرة لا يكون حيضاً، ويحمل هذا على فساد المنبت، والأول على فساد الغذاء.
ومن جملة ذلك التُرْبِيَّة وقال الشيخ الإمام نجم الدين النسفي ﵀: من الناس من يخفق هذه اللفظة، ومنهم من يشددها، وكان الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني يقول: التُرْبِيَّة ليست بشيء. ويقول قيل لأن موضع الفرج إذا اشتدت فيه الحرارة يخرج منه ماء رقيق فهو التُرْبِيَّة، وقيل: هي بين الكدرة والصفرة وكان نجم الدين النسفي ﵀ يقول: هي على لون التربة مشتقة منها، وقيل: هي التربة بزيادة الياء مستوية إلى التراب وهي التي على لون التراب، وعامة المشايخ على أنها حيض، فقد صح عن أم عطية ﵂ وقد كانت غزت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّمثنتي عشر غزوة أنها قالت كنّا نعد التربية والخضرة حيضاً.
والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ (البقرة:٢٢٢) وجميع هذه الألوان هي في معنى الأذى على السواء وقد صح أن النساء كن يبعثن بالكراسف إلى عائشة ﵂ فكانت تنظر إليها وتقول: لا حتى ترين القصة البيضاء. جعلت ما سوى القصة البيضاء حيضاً قيل: هي شيء كالخيط الأبيض فالقصة الحيض ومنه النهي عن تفصيص القبور، أي عن لا تجصيصها فإنما يعتبر اللون على الكرسف حتى يرفع وهو طري لا حين يجف لأنه قد يتغير بالجفاف.
(نوع آخر)
في بيان أنه متى يثبت حكم الحيض والنفاس والاستحاضة.
يجب أن يعلم بأن حكم الحيض والنفاس والاستحاضة لا يثبت إلا بخروج الدم، وظهوره هذا هو مذهب أصحابنا وعليه عامة مشايخنا، وعن محمد ﵀ في غير رواية الأصول أن حكم الحيض والنفاس يثبت في حقها إذا أحسّت بالنزول وإن لم يظهر ولم يخرج ولا يثبت حكم الاستحاضة في حقها إلا بالظهور.
وأشار إلى الفرق فقال: للحيض والنفاس وقت معلوم، فجاز أن يثبت حكمها باعتبار وقتها إذا أحست بالنزول فأما الاستحاضة فليس لها وقت معلوم، وهي حدث كسائر الأحداث، فلا يثبت حكمه بالظهور، والفتوى على «ظاهر الرواية» فقد صح أن امرأة قالت لعائشة ﵂ بإن فلانة تدعو المصباح ليلاً لتنظر إلى نفسها، فقالت «عائشة ما كانت إحدانا تكلف لذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّمولكنها تعرف ذلك بالمسّ» ، وذلك منها إشارة إلى الظهور ولأنه ما لم يظهر فهو في معدنه والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم، وإنما يعطى الحكم له إذا ظهر ويستوي في جميع ما ذكرنا من دم الحيض والنفاس والاستحاضة أن تكون كثيراً سائلاً أو قليلاً غير سائل.
ولكن لا بد من معرفة الخروج والنزول ولا بد لمعرفة ذلك من معرفة مقدمة أخرى وبيانها: أن للمرأة فرجان فرج ظاهر وفرج باطن على صورة الفم وللفم شفتان وأسنان وجوف الفم.
стр. 187
فالفرج الظاهر بمنزلة ما بين الشفتين والأسنان، وموضع البكارة بمنزلة اللسان، الإليتان بمنزلة الشفتين والفرج الباطن بمنزلة المأكل ما بين الأسنان وجوف الفم. وحكم الفرج الباطن حكم قصبة الذكر لا يعطى للخارج إليه حكم الخروج والفرج الظاهر بمنزلة القلفة يعطى للخارج إليه حكم الخروج.
وإذا وضعت المرأة الكرسف في الفرج الخارج وابتل الجانب الداخل منه دون الجانب الخارج فإن ذلك يكون حيضاً لأنه صار ظاهراً وإن وصعته في الفرج الداخل وابتل الجانب الداخل منه دون الجانب الخارج لا يكون حيضاً، وإن نفذت البلة إلى الجانب الخارج فإن كان الكرسف غالباً عن جزء الفرج الداخل وإن كان محاذياً له فذلك حيض. وإن كان الكرسف متسفلاً متجانباً عنه فذلك ليس بحيض.
وعلى هذا: الرجل إذا حشا إحليله فابتل الجانب الداخل دون الجانب الخارج لا ينتقض وضوءه وإن ابتل الجانب الخارج فكذلك إذا كانت القطنة متسفلة عن رأس الإحليل متجافية عنه، وإن كانت القطنة غالبة على رأس الإحليل أو محاذية له ينتقض وضوءه، وهذا كله إذا لم تسقط القطنة أو الكرسف، فأما إذا سقط وقد ابتلّ الجانب الداخل كان حيضاً، وينتقض وضوءه نفذت البلة إلى الجانب الخارج أو لم تنفذ.
وذكر الشيخ الإمام الأجل أبو الفضل الكرماني ﵀ في «شرح كتاب الحيض» أن الدم إذا نزل من الرحم إلى الفرج، فإن خرج فهو حيض وإلا فلا عند أبي حنيفة ﵀ استدلالاًبقصبة الذكر إذا نزل إليها البول، فإن ظهر على رأس الإحليل ينتقض وضوءه وما لا فلا. وقال محمد ﵀ هو حيض وإن لم يخرج استدلالاً بقصبة الأنف إذا أنزل إليها الدم فإنه ينتقض وضوءه، وإن لم يخرج ولم يفصل بين الفرج الداخل والخارج وإنه مشكل، لأنه إن أراد بقوله نزل الدم من الرحم إلى الفرج الداخل، فذلك ليس بحيض بلا خلاف إلا رواية عن محمد ﵀ في غير «الأصول» وإن أراد به الفرج الخارج فذلك حيض بلا خلاف.
ومما يتصل بهذا النوع من المسائل (٣٢ب١) أن اتخاذ الكرسف سنّة عند الحيض، الثيّبْ يستحب لها اتخاذ الكرسف بكل حال لأنها لا تأمن خروج شيء منها فيحتاط في ذلك خصُوصاً في حالة الصلاة. وأما البكر فيستحب لها وضع الكرسف في حالة الحيض فلا يستحب لها ذلك في غير حالة الحيض. والطاهر إذا صلّت بغير كرسف وأمنت أن يخرج منها شيء جازت صلاتها، والأحسن أن تضع الكرسف. وعن محمد بن سلمة البلخي ﵀ أنه يكره للمرأة أن تضع الكرسف في الفرج الداخل، قال: لأن ذلك يشبه النكاح بيدها.
وإذا وضعت الكرسف في أول الليل وهي حائض ونامت فنظرت إلى الكرسف حتى أصبحت رأت البياض الخالص فعليها قضاء العشاء للتيقن بطهرها من حين وضعت الكرسف ولو كانت هي طاهرة حين وضعت الكرسف ونامت ثم انتبهت بعد طلوع الفجر فوجدت البلة على الكرسف فإنها تجعل كأنها رأت الدم في آخر يومها حتى لا يسقط عنها العشاء احتياطاً، وكذلك حكم النفاس وانقطاعه.
стр. 188
(نوع آخر) في الأحكام التي تتعلق بالحيض يجب أن يعلم بأن الأحكام
فمنها: أنها لا تصوم ولا تصلي قال ﵇: «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» والمراد منه: زمان الحيض.
ومنها أنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وقالت عائشة ﵂: كنا على عهد رسول الله نقضي صيام أيام الحيض ولا نقضي الصلاة.
ومنها: أن لا يأتيها زوجها. قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النّسَآء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ . (البقرة: ٢٢٢)
ومنها: أن لا تمس المصحف ولا الدرهم المكتوب عليه آية تامة من القرآن ولا اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن لقوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ . (الواقعة: ٧٩) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه كتب إلى بعض القبائل: «لا يمس مصحف القرآن حائض ولا جنب» .
وهل يكره لها مس المصحف بكمها أو ذيلها؟ قال بعض مشايخنا: يكره لأن الكم والذيل تبع لها. ألا ترى لو حلف لا يجلس على الأرض فجلس عليها مفترشاً ثوبه يحنث في يمينه، وجعل ثوبه تبعاً له حتى لم يعتبر حائلاً. وعامتهم على أنه لا يكره لأن المحرّم هو المس وإنه اسم للمباشرة باليد من غير حائل. ألا ترى أن المرأة إذا وقعت في ردغة حلّ للأجنبي أن يأخذ بيدها بحائل ثوب، وكذا حرمة المصاهرة لا تثبت بالمسّ بحائل بخلاف مسألة اليمين لأن مبنى الأيمان على العرف والجالس على الأرض بثوبه يعد جالساً على الأرض عرفاً وعادة.b
ولا بأس لها بأن تمس المصحف بغلاف، والغلاف هو الجلد الذي عليه في أصح القولين. وقيل: هو المنفصل كالخريطة ونحوها لأن المتصل بالمصحف من المصحف. ألا ترى أنه يدخل في بيع المصحف من غير ذكر، وهو نظير الاختلاف في المس بالكم.
ولا بأس لها بكتابة القرآن عند أبي يوسف ﵀ إذا كانت الصحيفة على الأرض لأنها لا تحمل المصحف، والكتابة تقع حرفاً حرفاً وليس الحرف الواحد بقرآن، وقال محمد ﵀ أحب إليّ أن لا تكتب لأنه في حكم المساس للحروف وهي بكليتها قرآن.
ومنها أن لا تقرأ القرآن عندنا لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وسلّمكان «نهى الحائض والجنب عن قراءة القرآن» والآية وما دونها في تحريم القراءة سواء. هكذا ذكر الكرخي ﵀ في كتابه لأنه قرآن فتمنع الحائض من قراءة كالآية التامة، وقيد الطحاوي القراءة بآية تامة لأنه تعلق بقراءة القرآن حكمان: جواز الصلاة وحرمة
стр. 189
القراءة على الحائض والجنب. ثم فصّل في حق جواز الصلاة من بين الآية التامة وما دونها فكذا في حق حرمة القراءة على الحائض وهذا إذا قصدت القراءة.
فإن لم تقصدها نحو أن تقرأ الحمد لله رب العالمين شكراً للنعمة فلا بأس به، وذكر الصدر الشهيد ﵀ في مختصر كتاب الحيض أن الآية إذا كانت طويلة فقرأتها حرام عليها، وإن كانت قصيرة إن كانت تجري على (اللسان عند) عن الكلام كقوله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين يحرم أيضاً، وإن كانت لا تجزىء على اللسان عند الكلام كقوله: ﴿ثم نظر﴾ (المدثر: ٢١) ، كقوله: ﴿لم يولد﴾ (الإخلاص: ٣) فلا بأس به، وإذا حاضت المعلمة فينبغي لها أن تعلم الصبيان كلمة كلمة وتقطع بين الكلمتين على قول الكرخي ﵀، وعلى قول الصحاوي تعلم نصف آية وتقطع ثم تعلم نصف آية.
ولا يكره لها التهجي بالقرآن وكذا لا يكره لها قراءة دعاء القنوت «اللهم إنا نستعينك» .
ومنها: أن لا تدخل المسجد قال ﵇: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» . ولأن ما بها من الأذى فوق الجنابة لتمكنها من إزالة أذى الجنابة دون أذى الحيض، ثم الجنابة تمنعها عن دخول المسجد فالحيض أولى.
ومنها: أنها لا تطوف بالبيت للحج والعمرة لأن البيت في المسجد وقد منعت عن الدخول في المسجد وقد صح أن رسول الله ﵇ قال لعائشة ﵂ حين حاضت بسرف «اصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» مع هذا لو طافت بالبيت تحللت.
ومنها: أن يلزمها الاغتسال عند انقطاع الدم.
ومنها: أن يتقدر الاستبراء قال ﷺ «لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى يستبرئن بحيضة» .
ومنها: أن تنقضي بها العدة قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوء﴾ (البقرة: ٢٨٨) وهي عبارة عن الحيض. وإذا مضت مدة الحيض وهي أكثر المدة عشرة أيام يحكم بطهارتها انقطع الدم أو لا، اغتسلت أو لم تغتسل مبتدأة كانت أو معتادة. ولا تؤخر الاغتسال لوقوع التيقن بخروجها من الحيض، لأن الحيض لا يزيد على عشرة أيام، وتنقطع الرجعة ويحل لها التزوج بزوج آخر، ولكن لا يستحب لها ذلك، ويحل للزوج قربانها ولكن لا يستحب له ذلك، وهي بمنزلة الجنب ما لم تغتسل.
وإن انقطع دمها فيما دون العشرة إن كانت مبتدأة ومضى عليها ثلاثة أيام فصاعداً أو كانت معتادة وانقطع الدم على عادتها أو فوق عادتها، أخرّت الغسل إلى آخر وقت
стр. 190
الصلاة فإذا خافت فوت الصلاة اغتسلت وصلّت، وإنما أخرت الاغتسال والصلاة احتياطاً لاحتمال أن يعاودها الدم في العشرة، وليس في هذا التأخير تفويت، شيء، وإنما تؤخر الاغتسال والصلاة إلى آخر الوقت المستحب دون الوقت المكروه، فإذا اغتسلت حكم بطهارتها في حق جميع الأحكام التي ذكرنا حتى حلّ قربانها، وكذلك لو لم تغتسل ومضى عليها أدنى وقت الصلاة.
ولو كانت مسافرة فتيمّمت، أو كانت في الحضر وتيممت لمكان المرض إن صلّت أو مضى عليها أدنى وقت الصلاة فكذلك، وإن لم تصل ولم يمض عليها أدنى وقت الصلاة لا يحل للزوج قربانها، ولا يحل لها التزوج بزوج آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما. وإن كانت معتادة وانقطع الدم فيما دون العادة ولكن بعدما مضى ثلاثة أيام واغتسلت أو مضى عليها الوقت كره للزوج قربانها، وكره لها التزوج بزوج آخر حتى تأتي عادتها وتغتسل وتصوم وتصلي في هذه الأيام، ولو كانت أيامها دون العشرة فانقطع الدم دون عادتها أخرت الاغتسال إلى آخر الوقت أيضاً.
قال الفقيه أبو جعفر ﵀: تأخر الاغتسال في هذه الصورة على طريق الاستحباب دون الإيجاب، وفيما إذا انقطع الدم فيما دون عادتها وباقي المسألة بحالها فتأخر الاغتسال بطريق الإيجاب. ولو كان حيضها عشرة أيام فحاضت ثلاثة أيام وطهرت ستة لا يحل للزوج قربانها عند أبي يوسف ﵀ لأن احتمال بأن يصير الكل حيضاً قائم بأن رأت الدم في اليوم العاشر أو تمام اليوم العاشر ساعة وعلى هذا القياس تخرج جنس هذه المسائل والله أعلم.
(فرع)
إذا عاودها في العشرة بطل الحكم بطهارتها مبتدأة كانت أو معتادة وكأنها لم تطهر أصلاً عند أبي يوسف ﵀، لأن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر لا يكون فاصلاً عنده ويكون كالدم المتوالي، وهذا الذي ذكرنا إذا عاودها الدم في العشرة ولم يزد على العشرة وطهرت بعد ذلك طهراً صحيحاً خمسة عشر يوماً، ويكون جميع ذلك حيضاً.
أما إذا زاد على العشرة أو لم يزد لكن انتقص الطهر بعد ذلك عن خمسة عشر، ففي المبتدأة العشرة حيض، وفي المعتادة أيامها (٣٣أ١) المعتادة حيض لأنه صار كالدم المتوالي، وفي الدم المتوالي الجواب على نحو ما ذكرنا.
وإن انقطع الدم بعدما رأت يومين وهي مبتدأة أو معتادة أخرت الصلاة إلى آخر الوقت، فإذا خافت الفوت توضأت وصلّت، وليس عليها مراعاة الترتيب صلّت في أول الوقت أو في آخر الوقت، وإن انقطع الدم بعدما رأت يوماً أو أقل وتوضأت؛ فإن أرادت أن تصلي في أول الوقت فعليها مراعاة الترتيب بقضاء الفوائت أولاً.
وإن كانت معتادة وعادتها في أيام حيضها أنها ترى يوماً دماً ويوماً طهراً هكذا إلى العشرة، فإن رأت الدم في اليوم الأول تترك الصوم والصلاة، وإن طهرت في اليوم الثاني تتوضأ وتصلي، فإن رأت الدم في اليوم الثالث فإنها تترك الصلاة والصوم لأنه تبين أنه حيض فإذا طهرت في اليوم الرابع تغتسل وتصلي هكذا تفعل إلى العشرة والله أعلم.
стр. 191
(نوع آخر) من هذا الفصل
مراهقة رأت الدم تركت الصلاة كما رأته وهو اختيار الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص الكبير والفقيه محمد بن إبراهيم الميداني والفقيه محمد بن سلمة البلخي ﵏، وعن أبي حنيفة ﵀ في غير رواية «الأصول أنها لا تترك الصلاة ما لم يستمر بها الدم ثلاثة أيام، وبه كان يقول بشر بن غياث المريسي وجه هذا القول: أنها على يقين بالطهارة وفي شك من الحيض لجواز أن ينقطع الدم فيما دون الثلاث، ولا يُزال اليقين بالشك فلا تترك الصلاة والصوم برؤيتها الدم، فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام فصاعداً إلى عشرة تبين أنها كانت حيضاً فلزمها قضاء الصوم ولا يلزمها قضاء الصلوات. وجه القول: أن الله تعالى وصف الحيض بكونه أذىً قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (البقرة ٢٢٢) وقد رأته المرأة في وقته فتعلق به حكمه.
وإنما يخرج المرئي من أن يكون حيضاً بالانقطاع فيما دون الثلاث، وفي ذلك شك، فإن انقطع دمها على رأس العشرة، فالعشرة كلها حيض، وإن جاوز العشرة، فالعشرة من أول ما رأت حيض، وباقي الشهر يكون طهراً، لما ذكرنا أن الحيض لا يزيد على العشرة والشهر يشتمل على الحيض والطهر عادة، فإذا جعلت العشرة من أول ما رأت حيضاً كان باقي الشهر طهراً ضرورة، وعن أبي يوسف ﵀ أنها تأخذ بالاحتياط فتغتسل بعد ثلاثة أيام ثم تصوم وتصلي سبعة أيام بالشك ولا يقربها زوجها ثم تغتسل هي بعد تمام العشرة وتقضي صيام الأيام السبعة لكن الاحتياط في باب العبادة واجب، ومن الجائز أن حيضها كان أقل الحيض فيحتاط لهذا، ولكن هذا ضعيف لأنا عرفنا هذه المرأة حائضاً، ودليل كونها حائضاً ظاهر هو سيلان الدم فلا معنى للاحتياط، وكان إبراهيم النخعي ﵀ يقدر حيضها بحيض نساء عشيرتها وهو ضعيف لأنها تختلف باختلاف الطبائع والأغذية.
(فرع)
في دائرة هذا الفصل الأصل عند أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة آخراً أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً لا يفصل بين الدمين ويجعل الكل كالدم المتوالي. وإذا كان خمسة عشر أو أكثر يعتبر فاصلاً ثم ينظر إلى الدمين إن أمكن أن يجعل أحدهما بانفراده حيضاً يجعل ذلك حيضاً.
ومن أصله أيضاً إذا أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضاً يجعل كل واحد منهما حيضاً. ومن أصله أنه يبتدأ الحيض بالطهر ويختمها بالطهر وإن كان قبل البداية وبعد الختم دم. وجه قوله في ذلك: بأن طهر ما دون خمسة عشر يوماً طهرٌ فاسدٌ فلا يتعلق به حكم الطهر الصحيح ولا يفصل بين الدمين، فمن حكم الطهر الصحيح، بيان قوله في أن طهر ما دون خمسة عشر لا يفصل بين الدمين في المبتدأة، أما إذا رأت يوماً دماً وأربعة عشر يوماً طهراً ويوماً دماً فالعشرة من أول ما رأت حيض بحكم بلوغها به، وكذلك إذا رأت يوماً دماً وتسعة طهراً أو يوماً دماً وتسعة طهراً أو يومين دماً في المعتادة فمعروفها حيض وما زاد على ذلك استحاضة.
стр. 192
وبيان قوله في ابتداء الحيض بالطهر وفي ختمه بالطهر يشرط بأن يكون قبل البداية وبعد الختم دم في المرأة إذا كانت عادتها في الحيض في كل شهر خمسة، فرأت قبل أيامها يوماً دماً ثم طهرت خمستها ثم رأت يوماً دماً، فعنده خمسها حيض لإحاطة الدمين بها، ويقع الختم والابتداء ههنا بالطهر، وفي المبتدأة لا يتصور الابتداء إلا بالدم، وكذلك لو رأت قبل خمستها يوماً دماً ثم طهرت أول يوم من خمستها ثم رأت ثلاثة دماً ثم طهرت آخر يوم من خمستها ثم استمر بها الدم فحيضها خمستها عنده وإن كان ابتداء الخمسة وختمها بالطهر لوجود الدم قبلها وبعدها.
وبعض مشايخنا أخذوا بقول أبي يوسف ﵀، وبه كان يفتي القاضي الإمام صدر الإسلام أبو اليسر ﵀ وكان يقول: قول أبي يوسف أيسر وأسهل على النساء وعلى المفتي، ولا حرج في ديننا فكان الأخذ بقوله أولى، وعليه استقر رأي الصدر الشهيد حسام الدين ﵀ وبه يفتي، والأصل عند محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ وعليه فتوى كثير من المشايخ أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يصير فاصلاً بين الدمين ويجعل ذلك كله كالدم المتوالي.
وإن كان ثلاثة أيام فصاعداً إن كان الطهر مثل الدمين أو أقل من الدمين لا يعتبر فاصلاً أيضاً، ويجعل ذلك كله بمنزلة الدم المتوالي لأن الثلاثة من الدم نصاب شرعي، ألا ترى أنه يصلح لنصب العادة والثلاثة من الطهر نصاب ضروري، ألا ترى أنه لا يصلح لنصب العادة، فكان اعتبار النصاب الشرعي عند الاستواء أولى من اعتبار النصاب الضروري ولأن المرأة لا تخلو في زمان الحيض عن طهر قليل غالباً، فلو اعتبر هو فاصلاً لا يتصور وجود الحيض أصلاًأما (لا) تخلو هي في زمان الحيض عن طهر كثير غالباً. فلو اعتبر هو فاصلاً يتصور معه وجود الحيض فأصبح ثلاثاً الحد الفاصل بين القليل والكثير فقدر الكثير بثلاثة أيام لأن الكثيرة ثبت بالجمع، وأقل الجمع المتيقن عليه ثلاثة إلا إذا كان أقل من الدمين لا يعتبر فاصلاً، وإن كان الطهر ثلاثة فصاعداً لأن الطهر مغلوب، والمغلوب ساقط الاعتبار شرعاً بمقابلة الغالب ولأن من عادة النساء غلبة دمهن على الطهر في زمان الحيض، فلو اعتبر الطهر فاصلاً حال غلبة الدم لا يتصور وجود الحيض أصلاً، وكذلك إذا كان الطهر مثل الدمين لا يعتبر هو فاصلاً أيضاً لأن الدم يتناول الطهر في العدد فيجعل الدم راجحاً لكونه مرئياً في وقته، وكون الطهر مرئياً في غير وقته والوقت وقت الحيض لا وقت الطهر ولأن الدم يحرم عليها أداء الصلاة والطهر يبيح لها أداء الصلاة والمبيح مع المحرم إذا اجتمعا كانت العبرة للمحرم فصار الدم في حكم الغالب، فسقط اعتبار الطهر بمقابلته فلم يصح الفصل بين الدمين.
وأما الطهر إذا كان أكثر من الدمين فيصير فاصلاً لأن الطهر غالب على الدم، والعبرة للغالب، وليس من عادة النساء غلبة الطهر على الدم في زمان الحيض فلو اعتبر الطهر فاصلاً والحالة هذه لا يؤدي إلى أن لا يتصور الحيض فجعل حاصلاً، ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحد الدمين بانفراده حيضاً يجعل ذلك حيضاً وهذا ظاهر، وإن أمكن
стр. 193
اعتبارهما حيضاً يجعل المتقدم حيضاً لأنهما استويا في إمكان الاعتبار ويترجح السابق منهما بقوة السبق.
وإذا اعتبر المتقدم حيضاً لا يعتبر المتأخر حيضاً معه لأنه لا بد من وجود طهر تام بين الحيضتين وأقله خمسة عشر يوماً ولم يوجد.
(نوع آخر) من الجنس
اختلف المشايخ فيه على قول محمد ﵀ أنه إذا اجتمع طهران معتبران يفتى به أن كل واحد منهما يصلح للفصل بين الدمين، وصار أحدهما لإحاطة لدمين بطرفيه واستوائه، فالطهر كالدم المتوالي هل يتعدى حكمه إلى الطهر الآخر؟ قال أبو زيد الكبير وأبو علي الدقاق: بأنه يتعدى. وقال الفقيه أبو سهل الغزالي: لا يتعدى.
صورة المسألة: مبتدأة رأت يومين دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً فالسنة الأولى حيض بلا خلاف لاستواء الدم والطهر فيها، والأربعة بعدها حيض عند أبي زيد الكبير (٣٣ب١) لأن الأولى صارت كالدم المتوالي فصار كأنها رأت ستة دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً، وعند أبي سهل: حيضها الستة الأولى، فأما الأربعة بعدها لا تكون حيضاً.
وجه قول أبي زيد وأبي علي الدقاق: وهو أن الطهر الأول صار مغلوباً بالدم لما عرف، والمغلوب في حكم المعدوم فصار من حيث الحكم كأنه لم يوجد ورأت كل الستة حيضاً ولو رأت كذلك وباقي المسألة بحالها كانت العشرة حيضاً بالإجماع، وكذا هذا.
وجه قول أبي سهيل وهو أن طهر ثلاثة أيام سقط اعتباره لإحاطة الدم بطرفيه واستوائه بالدم، فيعتبر هو حيضاً في حق نفسه، ولا يصير هو حيضاً في حق غيره لأن ما صار حيضاً تبعاً لغيره لا يصير غيره حيضاً تبعاً له.
قال مشايخنا ﵏؛ والأول هو الأصح لأنهم أجمعوا أن المرأة إذا رأت يوماً دماً ويومين طهراً أو يوماً دماً وخمسة طهراً ويوماً دماً كانت العشرة حيضاً، ولم يقل أحد إن طهر يومين لما صيّر حيضاً تبعاً لغيره لا يصير غيره حيضاً تبعاً له، وكذلك لو رأت يوماً دماً وثلاثة طهراً ويومين دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً فالستة الأولى حيض بالإجماع، وفي الأربعة الأخيرة خلاف.
فإن رأت يوماً دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً وثلاثة طهراً ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي زيد الكبير وأبي علي الدقاق يجر يومان من أول الاستمرار إلى ما سبق، فتكون العشرة كلها حيضاً عند محمد ﵀، وعلى قول أبي سهيل حيضها عشرة بعد اليوم والثلاثة الأولى، فيكون ستة من أول الاستمرار حيضاً عنده.
ولو رأت يومين دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً وثلاثة طهراً ثم استمر بها الدم، فعند أبي زيد الكبير وأبي علي الدقاق حيضها عشرة من أول ما رأت فيكون أول يوم من الاستمرار من جملة حيضها تتم به العشرة لأن الستة الأولى صارت كدم الاستمرار
стр. 194
لاستواء الدم والطهر فيها فيتعدى حكمها إلى الطهر الآخر، وعند أبي سهيل: حيضها ستة من أول ما رأت ولا يكون شيء من أول الاستمرار حيضاً لها فتصلي إلى موضع حيضها الثاني لأنه لا يتعدى عنده حكم الستة إلى الطهر الآخر إن صارت هي كالدم المتوالي.
في الأوقات الساعات وآخر النهار.
(نوع آخر)
هذا النوع لا يتأتى على قول أبي يوسف ﵀، وإنما يتأتى على قول محمد ﵀ فنقول: يجب أن يعلم بأن الوقت الواحد لا يتكرر وجوده في يوم واحد: كطلوع الفجر وطلوع الشمس، فإذا كان ابتداء الوقت من عند طلوع الشمس فتمام اليوم والليلة يكون قبيل طلوع الشمس من الغد لأن قبل اسم الوقت يتصل به الوقت المذكور بخلاف قبيل. وبيانه فيمن قال لامرأته وقت الضحوة: أنت طالق قبل غروب الشمس طلقت قبل غروب الشمس، طلقت في الحال. ولو قال: قبيل غروب الشمس لا تطلق حتى تغرب الشمس. فإذا عرفت هذا وسئلت عن امرأة رأت الدم عند طلوع الشمس ثم انقطع دمها ثم رأت الدم قبل طلوع الشمس من اليوم الرابع فقل: ان الثلاثة كلها حيض لأن الكل ثلاثة أيام، وقد رأت الدم فيها في جزأين فنقص الطهر عن ثلاثة أيام فلم يفصل وجعل الكل كالدم المتوالي.
وكذلك لو رأت الدم في اليوم الرابع عند طلوع الشمس فالكل حيض لأن الكل ثلاثة أيام غير ساعة فيجعل كالدم المتوالي. وإن رأت الدم في اليوم الرابع عند طلوع الشمس لم يكن شيء من ذلك حيضاً لأنه ختم المدة بقبيل طلوع الشمس من اليوم الرابع، فإذا ضمت إلى ذلك وقت الطلوع وبعد الطلوع صار ثلاثة أيام وساعتين، والدم وجد في ساعتين فيبقى الطهر المتخلل ثلاثة أيام فصار فاصلاً، فلهذا لم يجعل شيء من ذلك حيضاً.
فإن رأت الدم عند طلوع الشمس ثم انقطع ثم رأته من اليوم الرابع عند طلوع الشمس ثم انقطع ثم رأته من الغد من اليوم السابع بعد طلوع الشمس فالكل حيض لأن الطهر الأول لما قصر عن الثلاث صار كالدم المتوالي فصار الدم غالباً حكماً. وإن رأت الدم عند طلوع الشمس ثم انقطع ثم رأت في اليوم الرابع قبل طلوع الشمس ثم انقطع ثم رأت الدم في اليوم السابع بعد طلوع الشمس ثم رأت الدم في العاشر بعد طلوع الشمس. فعند أبي زيد الكبير وأبي علي الدقاق: الكل حيض على قول محمد ﵀ لأن الطهر الأول لقصوره عن الثلاث فصاركالدم المتوالي، وصار الطهر الباقي مغلوباً به فيتعدى أثره إلى الطهر الثالث.
وعلى قول أبي سهل: الأحوال الستة الأولى حيض وما بعدها ليس بحيض لأن الطهر الثاني ثلاثة أيام، وهو وإن صار مغلوباً بالدم إلا أنه لا يتعدى أثره إلى الطهر الثالث على ما مرّ قبل هذا.
جئنا إلى بيان الساعة فنقول: الساعة اسم الوقت ممتد على ما يقوله المنجمون فيحتمل اليوم والليلة عندهم على أربعة وعشرين ساعة، فتارة ينتقص الليل حتى يكون تسع
стр. 195
ساعات ويزداد النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة، وتارة ينتقص النهار حتى يكون تسع ساعات ويزداد الليل حتى يكون خمس عشرة ساعة. وهذا أمر حقيقي إلا أنها إذا أطلقت يراد بها في عرف لسان الفقهاء جزءاً من النهار.
فإذا عرفت هذا وسئلت عن مبتدأة رأت ساعة دماً وثلاثة أيام غير ساعتين طهراً وساعة دماً (فقل) إن الكل حيض لأن الكل ثلاثة أيام فكان الطهر دون الثلاث فصار كالدم المتوالي.
وإن رأت ساعة دماً وثلاثة أيام غير ثلاث ساعات طهراً وساعة دماً لم يكن شيء من ذلك حيضاً لأن الكل دون ثلاثة أيام إلا رواية عن أبي يوسف ﵀ فإنه يقيم الأكثر من اليوم الثالث في رؤية الدم مقام كله، إن رأت ساعة دماً وثلاثة أيام غير ساعة طهراً وساعة دماً فالكل حيض لأن الكل ثلاثة أيام وساعة وقد رأت الدم في ساعتين فيقصر الطهر عن ثلاثة أيام فكان كالدم المتوالي.
وإن رأت ساعة دماً وثلاثة أيام طهراً وساعة دماً لم يكن شيء من ذلك حيضاً عند محمد ﵀ لأن الطهر ثلاثة أيام.
تفصيل: وإن رأت ساعة دماً وثلاثة أيام غير ساعة طهراً وساعة دماً وثلاثة أيام طهراً وساعة دماً وثلاثة أيام طهراً وساعة دماً، فعلى قول أبي زيد الكبير وأبي علي الدقاق رحمهما الله: الكل حيض لأن الطهر الأول لقصوره عن الثالث صار كالدم المتوالي فصار الطهر الثاني مغلوباً بالدم فيتعدى أثره إلى الطهر الثالث وعلى قول أبي سهل: حيضها ستة أيام وساعة من أول ما رأت لأن الطهر الثاني كامل، وهو وإن صار مغلوباً إلا أنه لا يتعدى أثره إلى الطهر الثالث وأما آخر النهار فيحسب ما تذكر من ربع أو وثلث أو غيره.
فإذا سئلت عن مبتدأة رأت ربع يوم دماً ثم يومين وثلث يوم طهراً ثم ربع يوم دماً فقل: لا يكون شيء منه حيضاً لأن الكل دون الثلاث فيقدر بسدس يوم وإن رأت ربع يوم دماً ثم يومين ونصف يوم طهراً ثم ربع يوم دماً فالكل حيض، لأن الكل ثلاثة أيام والطهر فيه قاصر، وإن رأت ربع يوم دماً وثلاثة أيام طهراً وربع يوم دماً لم يكن شيء من ذلك حيضاً لأن الطهر ثلاثة أيام، فيصير فاصلاً عند محمد ﵀.H
وهذا النوع من المسائل لا يقع غالباً ولكن وضعت لتشحذ الخاطر.
(فرع)
هو قريب مما تقدم من المسائل مبتدأة رأت يوماً دماً ويوماً طهراً واستمر كذلك أشهر، فعلى قول أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة أخراً الجواب في جنس هذه المسائل واضح، فإنه يرى بداية الحيض بالطهر وختمه بالطهر فيكون العشرة في أول ما رأت حيضَها، وطهرُها عشرون وذلك دأبها في كل شهر وعليه الفتوى. وأما على قول محمد ﵀: حيضها من أول ما رأت تسعة وطهرها أحد وعشرون لأن اليوم العاشر طهر كله، وهو لا يرى ختم الحيض بالطهر.
ويحتاج على قول محمد إلى معرفة ختم العشرة وإلى معرفة ختم الشهر ليتبين به حكم بداية الحيض في الشهر الثاني، ولذلك طريقان. أحدهما: (٣٤أ١) أن الأوتار من
стр. 196
أيامها دم والشفوع طهر، واليوم العاشر من الشفوع فعلم أنه كان طهراً واستقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان في الشهر الأول والثاني، وهو طريق الحساب وعليه تخرج هذه المسائل فنقول في معرفة ختم العشرة اعدد دماً وطهراً، وذلك اثنان ونضربه فيما يوافق العشرة وذلك خمسة، واثنان في خمسة فكان آخره طهراً، وفي معرفة ختم الشهر نأخذ دماً وطهراً ونضربه فيما يوافق الشهر، وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين، فيكون آخره طهراً وكذلك في الشهر الثاني حيضها عند محمد ﵀ تسعة من أول ما رأت وطهرها أحد وعشرون، فإن رأت يومين دماً ويوماً طهراً واستمر كذلك فالعشرة من أولها حيض عند محمد أيضاً لأن ختم العشرة بالدم.
وإذا أردت معرفة في حق العشرة فخذ دماً وطهراً وذلك ثلاثة واضربها فيما يقارب العشرة وذلك ثلاثة لأنك لا تجد ما يوافقها وثلاثة في ثلاثة يكون تسعة فآخر المضروب طهر ثم بعده يوم دم فيكون ختم العشرة بالدم.
وإن أردت معرفة ختم الشهر فخذ دماً (و) طهراً وذلك ثلاثة واضربه فيما يقارب الشهر وذلك عشرة فيكون ثلاثون وآخر المضروب طهر، أو استقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان لها في الشهر الأول، ويكون دورها في كل شهر عشرة حيضها وعشرون طهراً.
وكذلك إن رأت يوماً دماً ويومين طهراً فهو على هذا التخريج وإن رأت يومين دماً ويومين طهراً واستمر كذلك فحيضها عشرة من أول ما رأت عند محمد ﵀ لأن ختم العشرة بالدم.
وطريق معرفته: أن نأخذ دماً وطهراً وذلك أربعة، ونضربه فيما يقارب العشرة، وذلك اثنان فيكون ثمانية، وأحد المضروب طهر ثم بعده يومان دم تمام العشرة، فعلم أن ختم العشرة بالدم فكانت العشرة من أول ما رأت حيضاً.
وإن أردت أن تعرف ختم الشهر فخذ دماً وطهراً وذلك أربعة واضربها فيما يقارب الشهر وذلك سبعة فيكون ثمانية وعشرين، وأحد المضروب طهر ثم بعده يومان دم تمام الشهر، واستقبلها في الشهر الثاني يومان طهراً وبداية الحيض بالطهر لا يكون عند محمد ﵀ فتصلي في هذين اليومين ثم بعدها يومان دم ويومان طهراً ويومان دم. فهذه السبعة تكون حيضاً لها في الشهر الثاني لأن ختم العشرة في الشهر الثاني بيومين طهر وهو ما يختتم الحيض بالطهر ثم ينظر إن ختم الشهر الثاني فماذا يكون فتأخذ دماً وطهراً وذلك أربعة، ونضربه فيما يوافق الشهرين وذلك خمسة عشرة فيكون ستين وآخر المضروب طهر فتصلي إلى هذا الموضع، واستقبلها في الشهر الثالث يومان دم فكان دورها في كل شهرين في الشهر الأول عشرة حيض واثنان وعشرون طهر وفي الشهر الثاني ستة حيض بعد يومين فصار اثنان وعشرون طهر، وعلى قياس ما قلنا نخرج ما يسأل عن هذا الجنس من المسائل.
(نوع آخر)
في نصيب عادة المبتدأة.
يجب أن يعلم بأن المبتدأة على وجهين: أما إن ابتدأت وبلغت بالحيض إذا ابتدأت
стр. 197
فبلغت بالحبل فنبدأ بما إذا بلغت بالحيض وإنه على وجوه.
أما إن رأت دماً صحيحاً وطهراً صحيحاً ثم ابتليت بالاستمرار، وفي (هذا) الوجه يعتبر المرئي عادة لها في زمان الاستمرار لأنه لو لم يعتبر ذلك عادة لها ودت هي إلى العشرة والعشرين ولم تر هي ذلك قط فكان ردها إلى ما كانت رأته مرة أولى، بخلاف صاحبة العادة إذا رأت بخلاف عادتها مرة ثم استمر بها الدم لا تنتقل عادتها إلى المخالف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأن هناك لو لم يعتبر المخالف عادة لها ردت هي إلى أول العادة الأصلية، وذكر مزية مؤكدة بالتكرار أما ههنا بخلافه، توضيحه أن الحاجة في حق صاحبة العادة إلى فسخ العادة الأولى ونصب العادة الثانية، والشيء إنما ينفسخ بما هو مثله أو فوقه لا ما هو دونه، والثانية ردت الأولى لأن الأولى تأكدت بالتكرار والثانية لم تتأكد أما في حق المبتدأة الحاجة إلى نصب العادة، فلو لم يجعل المرئي مرة واحدة عادة لها يحتاج إلى ردها إلى غير المرئي، ولا شك أن اعتبار المرئي أولى من اعتبار غير المرئي.
ثم تفسير الدم الصحيح أن لا ينتقص عن ثلاثة أيام ولا يزيد على عشرة أيام، ولا يصير مغلوباً بالطهر.
وتفسير الطهر الصحيح أن لا يكون أقل من خمسة عشر، ولا يصل المرأة فيه شيء من الدم من أوله أو أوسطه أو آخره، وأن يكون بين الحيضتين.
فإذا رأت دماً صحيحاً وطهراً صحيحاً مرة واحدة على التفسير الذي قلنا، ثم ابتليت بالاستمرار تجمل أيام حيضها في زمان الاستمرار (ما رأت) من الدم قبل الاستمرار، وأيام طهرها ما رأت من الطهر قبل الاستمرار.
بيان ذلك: مبتدأة رأت خمسة دماً وعشرين يوماً طهراً ثم استمر بها الدم أشهراً فإنها تترك الصلاة من أول الاستمرار خمسة وتصلي عشرين، وذلك دأبها في جميع زمان الاستمرار.
الوجه الثاني: إذا رأت دماً فاسداً ثم ابتليت بالاستمرار، وبيان ذلك: مبتدأة رأت أربعة عشر يوماً دماً وأربعة عشر يوماً طهراً واستمر بها الدم، فههنا الدم والطهر كلاهما فاسدان، الدم للزيادة على العشرة والطهر للنقصان عن خمسة عشر، فيجعل كأنها ابتليت بالاستمرار من الابتداء، فيجعل حيضها عشرة من أول ما رأت: أربعة عشر يوماً دماً وبقية الشهر وذلك عشرون طهرها، ومعناه ثمانية عشر إلى زمان الاستمرار فيجعل من أول الاستمرار يومين من طهرها فتصلي في هذين اليومين، ثم تقعد عشرة وتصلي عشرين وذلك دأبها.
وكذلك إذا كان الدم خمسة عشر والطهر أربعة عشر يجعل حيضها عشرة من أول ما رأت خمسة عشر دماً وبقية الشهر وذلك عشرون طهرها. ومعناه بتسعة عشر فيجعل من أول الاستمرار يوماً من طهرها فتصلي فيه ثم تقعد عشرة وتصلي عشرين.
وكذلك إذا كان الدم ستة عشر والطهر أربعة عشر يجعل حيضها عشرة من أول ما رأت الدم ستة عشر وبقية الشهر وذلك عشرون طهرها، ومعناه عشرين فأول الاستمرار في
стр. 198
هذه الصورة يوافق ابتداء حيضها، فتدع الصلاة عشرة أيام من أول الاستمرار وتصلي عشرين وذلك دأبها، ثم تسوق المسألة هكذا إلى أن اتفق الدم ثلاثة وعشرون والطهر أربعة عشر ثم استمر بها الدم فإن العشرة من أول ما رأت حيض، وما بعد ذلك ابتداء طهرها سبعة أيام، فمن الأربعة العشر التي هي طهرها تسعة أيام تمام طهرها وسبعة من موضع حيضها الثاني ولم تر فيه شيئاً جاء الاستمرار وقد بقي من موضع حيضها الثاني ثلاثة أيام والثلاثة حيض كامل، فتدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة ثم تصلي عشرين ثم تدع الصلاة عشرة ثم تصلي عشرين وذلك دأبها.
وإن (رأت) الدم أربعة وعشرون والمسألة بحالها يعني: والطهر أربعة عشر ثم استمر بها الدم فستة من طهر أربعة عشر بقية طهرها.
بقي ثمانية أيام من موضع حيضها الثاني ولم تر فيها دماً ثم جاء الاستمرار وقد بقي من موضع حيضها يومان فلا يكون حيضاً، فهذه امرأة لم تر مرة فيصار إلى موضع حيضها الثاني وذلك اثنان وعشرون يوماً من أول الاستمرار ثم تدع الصلاة عشرة وتصلي عشرين، وهذا قول أبي حنيفة ﵀، ومحمد ﵀ يقول بالإبدال على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، وأبو يوسف ﵀ يقول بنقل العادة لعدم الرؤية، حتى إن على قوله من هذه الصورة أن المرأة تستأنف الحساب من أول الاستمرار فتدع الصلاة من أول الاستمرار عشرة، وتصلي عشرين فتنتقل عادتها من حيث المكان والعدد على حاله وهذا دأب لكل امرأة لم تر (دماً) في موضع حيضها مرة ثم استمر بها الدم إنها تسأنف الحساب من أول الاستمرار، فيجعل حيضها من أول الاستمرار فينتقل المكان والعدد على حاله.
الوجه الثالث: إذا رأت دماً فاسداً وطهراً صحيحاً من حيث الظاهر، وبيان ذلك: مبتدأة رأت أحد عشر يوماً دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ثم استمر بها الدم، فالدم ههنا فاسد لكونه زائداً على العشرة، والطهر الصحيح طاهر لأنه يستكمل خمسة عشر يوماً إلا أنه فسد معنىً بفساد الحيض لأنها صلت في أول يوم منه (٣٤ب١) بالدم، فعلى قول محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ يكون حيضها عشرة من أول ما رأت وطهرها عشرون، كما لو بلغت واستمر بها الدم تيقناً من طهرها ستة عشر اليوم الحادي عشر من الدم، خمسة عشر بعد ذلك لم تر فيها الدم، جاء الاستمرار وقد بقي من طهرها أربعة فتصلي أربعة من أول الاستمرار، ثم تدع الصلاة عشرة ثم تصلي عشرين، وعلى قول أبي علي الدقاق حيضها عشرة وطهرها ستة عشر وقد مضت ستة عشر يوماً فتدع الصلاة من أول الاستمرار عشرة، وتصلي ستة عشر وذلك دأبها.
فوجه أبي علي الدقاق: أن فساد الدم في اليوم الحادي عشر لم يؤثر في الدم حتى جعلت العشرة عادة لها في الحيض في زمان الاستمرار فكذا لا يؤثر في الطهر لأن المفسد واحد، فإذا لم يؤثر في جنسه لا يؤثر في خلاف جنسه من طريق الأولى. وجه قول محمد بن إبراهيم أن اليوم الحادي عشر من الطهر لا من الحيض، ورؤية الدم العاشر مؤثر في الطهر.
стр. 199
الوجه الرابع: إذا رأت دماً صحيحاً وطهراً فاسداً واستمر بها الدم. بيان ذلك: مبتدأة رأت خمسة أيام دماً وأربعة عشر يوماً طهراً ثم استمر بها الدم، فحيضها خمسة وطهرها بقية الشهر خمسة وعشرون. جاء الاستمرار وقد بقي من طهرها أحد عشر يوماً فتصلي أحد عشر يوماً من أول الاستمرار، ثم تدع الصلاة خمسة وتصلي خمسة وعشرون وذلك دأبها.
الوجه الخامس: إذا رأت دماً وطهراً كل واحد منهما صحيح من حيث الظاهر ولكنها يفسدان بطريق الضرورة فلا يصح لنصب العادة.
وبيان ذلك: مبتدأة رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً، ثم يوماً دماً ثم يومين طهراً واستمر بها الدم فههنا وجد دم صحيح في الظاهر وهي ثلاثة أيام وطهر صحيح في الظاهر وهو خمسة عشر يوماً، ولكنها لما رأت يوماً دماً بعدها ويومين طهر لا يمكن اعتبار هذه الثلاثة حيض لأن ختمها بالطهر. ومحمد ﵀ لا يرى ذلك ولا وجه فيه إلى الإبدال لأنه لا يبقى بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني طهر خمسة عشر يوماً.
ولا يجوز الإبدال في المسألة على ما يأتي بيانه بعد هذا فتصلي في هذه الأيام ضرورة فيفسد به ذلك الطهر لأنها صلت فيه بالدم، ويخرج من أن يكون صالحاً لنصب العادة، فيكون حيضها ثلاثة أيام وطهرها بقية الشهر تسعة وعشرون، وقد مضى منه ثمانية عشر يوماً، فتصلي من أول الاستمرار تسعة أيام ثم تدع الصلاة ثلاثة وتصلي سبعة وعشرين، وهذا الذي ذكرنا قول محمد ﵀. فأما على قول أبي يوسف ﵀ لما رأت بعد طهر خمسة عشر يوماً دماً ويومين طهراً، واستمر بها الدم أمكن اعتبار هذه الثلاثة حيضاً لأنه يرى ختم الحيض بالطهر إذا كان بعده دم، فجعلنا تلك الثلاثة حيضاً فلم يفسد بالطهر بل يبقى صحيحاً، فيجعل الطهر عادتها في الدم. فالطهر ما رأت، وقد وافق ابتداء الطهر ابتداء الاستمرار، فتصلي من أول الاستمرار خمسة عشر وتدع الصلاة ثلاثة وذلك دأبها.
ولو رأت في الابتداء أربعة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ثم يوماً دماً ويومين طهراً ثم استمر بها الدم، وههنا الطهر صحيح صالح لنصب العادة لأن بعده دم يوم وطهر يومين ويوم من أول الاستمرار تمام الأربعة، فابتداء الحيض الثاني وختمه بالدم. فيمكن أن يجعل ذلك حيضاً، فبقي الطهر على الصحة فيصلح لنصب العادة فتدع الصلاة من أول الاستمرار يوماً ثم تصلي خمسة عشر ثم تدع الصلاة أربعة وتصلي خمسة عشر، وذلك دأبها في زمان الاستمرار. وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
فإن رأت الدم عشرة والطهر خمسة عشر ثم استمر بها الدم يوماً، ثم الطهر ثلاثة ثم الدم يوماً، ثم الطهر ثلاثة، ثم استمر بها الدم، فعلى قول أبي يوسف ﵀: هذا بمنزلة ما لو رأت الدم عشرة والطهر خمسة عشر، ثم استمر بها الدم فيجعل حيضها من أول الاستمرار عشرة وطهرها خمسة عشر. فأما على قول محمد ﵀ فقد اختلف أبو زيد الكبير وأبو علي الدقاق وأبو سهل الغزالي ﵏.
стр. 200
قال أبو زيد وأبو علي يجر من أول الاستمرار يومان ويصير إلى ما رأت بعد الخمسة عشر فتصير العشرة بعد الخمسة عشر حيضاً فيصلح البناء عليه فتدع الصلاة من أول الاستمرار يومين ثم تصلي خمسة عشر ثم تقعد عشرة ثم تصلي خمسة عشر، وذلك دأبها، وعلى قول أبي سهيل تقعد من أول الاستمرار سبعة ثم تصلي خمسة عشر ثم تقعد عشرة ثم تصلي عشرين وذلك دأبها.
فإن رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر طهراً ويوماً دماً وخمسة عشر طهراً ثم استمر بها الدم فهذه امرأة رأت دماً صحيحاً وطهراً فاسداً لأن الدم المتخلل بين الطهرين لا يصلح حيضاً لأنه قصر عن ثلاثة أيام فيفسد الطهر لأنه صار مستوياً بدم أمرت بالصلاة فيه فيكون أيام حيضها ما رأت ابتداء وذلك ثلاثة وأيام طهرها بقية الشهر سبعة وعشرون فنقول: موضع حيضها الثاني من ثلاثين إلى ثلاثة وثلاثين، ومن ابتداء ما رأت إلى يوم الاستمرار أربعة وثلاثين فقد مضى أيام حيضها الثاني بكماله ولو لم تر فيها شيئاً، فتنتقل عادتها من حيث المكان، والعدد على حاله عند أبي يوسف ﵀ فتستأنف الحساب من أول الاستمرار فتقعد ثلاثة وتصلي سبعة وعشرون وذلك دأبها في زمان الاستمرار.
وإن رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ويوماً دماً وأربعة عشر يوماً طهراً، ثم استمر بها الدم فهذه امرأة رأت دماً صحيحاً وطهراً صحيحاً، لأن الطهر الثاني لما كان أقل من خمسة عشر لم يعتبر، وصار كأنها رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ثم استمر بها الدم فيجعل ذلك عادة لها في زمان الاستمرار. ويجعل بعد طهر خمسة عشر ثلاثة أيام من حيضها، وخمسة عشر من طهرها ومن بعد طهر خمسة عشر إلى يوم الاستمرار خمسة عشر، فجاء الاستمرار وقد بقي من طهرها الثاني ثلاثة: فتصلي من أول الاستمرار ثلاثة أيام بقية طهرها الثاني وتقعد عشرة وتصلي خمسة عشر وذلك دأبها، بخلاف ما إذا رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ويوماً دماً وخمسة عشر يوماً طهراً، فإن هناك جعلنا حيضها ثلاثة أيام وطهرها بقية الشهرين سبعة وعشرون؛ لأن هناك الطهر الثاني لم يصر كالدم المتوالي لأنه بلغ خمسة عشر وصار فاصلاً بين الدم يوم وبين دم الاستمرار، ودم يوم لا يمكن أن يجعل حيضاً فتصلي فيه، فيفسد الطهر الأول لمكان هذا اليوم لأنه شابه دم أمرت بالصلاة فيه.
أما أن يصير الطهر الثاني كالدم المتوالي فلا. أما ههنا: الطهر الثاني قصر عن خمسة عشر فصار كالدم المتوالي فلهذا افترقا. والله أعلم.
هذا إذا رأت دماً وطهراً، فأما إذا رأت دماً صحيحاً وأطهاراً ثم استمر بها الدم فإنه على وجوه:
الأول: أن ترى دمين متفقين وطهرين متفقين.
نحو أن ترى ثلاثة دماً وخمسة عشر طهراً وثلاثة دماً وخمسة عشر طهراً ثم استمر بها الدم. وفي هذا الوجه تدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر لأن ما رأت صارت عادة قديمة لها بالتكرار، ولو كانت رأته مرّة واحدة تعتبر عادة لها في زمان الاستمرار، وأراد به مرتين أولى.
стр. 201
الوجه الثاني: إذا رأت يومين دمين مختلفين وطهرين مختلفين، فإن رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً وأربعة دماً وستة عشر يوماً طهراً ثم استمر بها الدم فلا رواية في هذا الفصل. وقد اختلف المشايخ فيه، وقال الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني ﵀: تبني ما رأته في المرة الثانية على ما رأته في المرة الأولى. وتفسير ذلك أنها لما رأت أربعة دماً فثلاثة من ذلك مدة حيضها واليوم الرابع من حساب طهرها إلا أنها تترك الصلاة فيه لرؤية الدم، فلما طهرت ستة عشر فأربعة عشر منها تمام طهرها ويومان مدة حيضها، فلا تترك الصلاة فيه لأن ابتداء الحيض بالطهر لا يكون، فجاء الاستمرار وقد بقي من مدة حيضها يوم، واليوم الواحد لا يكون حيضاً فتصلي إلى موضع حيضها الثاني وذلك ستة عشر ثم تقعد ثلاثة وتصلي خمسة عشر أبداً.
وجه قوله: أن المرة الواحدة في حق المبتدأة لنصب العادة كالمرتين في المعتادة، فصار ما رأته أول مرة عادة لها، وصاحبة العادة تبني عند الاستمرار ما لم يُوجد ما ينقصها، كما إذا كانت رأت ذلك مرتين ولم يوجد ما ينقصها لأنها لم تر ما يخالف عادتها مرتين، وقال الفقيه أبو عثمان سعد بن مزاحم السمرقندي ﵀: لا تبني ما رأته في المرة الثانية على ما رأته في المرة الأولى ولكن تستأنف الحساب وتبني في زمان الاستمرار على أول المرئي.
ووجه قوله: أن ما رأته أول مرة لم يصر عادة لها لأن العادة مشتقة من العود، ولا عود في حق المرئي أولاً لترد إليه فلا ترد إليه بخلاف ما إذا رأت الأول مرتين، والثاني مرة واحدة، ثم جاء الاستمرار حيث تبني الثاني على الأول لأن هناك ما رأته أول مرة صار عادة لها بالتكرار فجاز أن تبني الثاني على الأول، أما ههنا بخلافه ولكن تستأنف الحساب من أول الاستمرار وتبني على أول المرتين لوجود الأقل في الأكثر فتقعد في أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر وذلك دأبها، وهذا الاختلاف إنما يتأتي على قول محمد ﵀.
أما على قول أبي يوسف ﵀ تبني الأمر في زمان الاستمرار على ما رأته آخر مرة لأن عنده العادة تنتقل برؤية المخالف، مرة فأكثر ما فيه أن ما رأته أول مرة صار عادة لها إلا أنها انتقلت إلى ما رأته الأمر فتبني الأمر في زمان الاستمرار على ما رأته آخراً.
الوجه الثالث: أن ترى ثلاثة دماء مختلفة وثلاثة أطهار مختلفة كلها صحاح بأن رأت الدم ثلاثة والطهر خمسة عشر ثم رأت الدم أربعة والطهر ستة عشر، ثم رأت الدم خمسة والطهر سبعة عشر، وفي هذا الوجه لا تبني البعض على البعض بلا خلاف، فرّق الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني على قول محمد ﵀ بين هذا الوجه وبين الوجه الثاني من حيث إن ههنا رأت خلاف ما رأته أولاً مرتين والعادة تنتقل برؤية المخالف مرتين بخلاف الوجه الثاني لأن هناك رأت المخالف مرة واحدة.
ثم إذا لم تبني البعض على البعض في هذا الوجه. ماذا تصنع قال الفقيه محمد بن إبراهيم ﵀: تبني أمرها هي على أوسط الأعداد، وهو قول أبي نصر أحمد بن سهل
стр. 202
وأبي عثمان سعد بن معاذ المروزي وأبي بكر الأعمش ﵏، وعلى قول أبي عثمان سعد بن مزاحم السمرقندي ﵀ أمرُها على أول المرتين الآخرتين، وهو قول أبي يعقوب الغزالي وأبي سهل الغزالي وأبيه أبي نصر ﵏.
وثمرة الخلاف لا تظهر في هذه الصورة التي ذكرها، فإن أوسط الأعداد في هذه الصورة أربعة وستة عشر. وأقل المرتين الآخرتين أيضاً أربعة وستة عشر، وإنما تظهر ثمرة الخلاف عند قلب هذه الصورة بأن كانت رأت خمسة دماً وتسعة عشر يوماً طهراً ثم رأت أربعة دماً وستة عشر يوماً طهراً ثم رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً، فعلى قول من يقول بأوسط الأعداد تقعد من ابتداء الاستمرار أربعة وتصلي ستة عشر وذلك دأبها، وعلى قول من يقول بأقل المرتين الآخرتين تقعد من ابتداء الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر.
وجه قول من قال بأوسط الأعداد: أن الوسط هو العدل لأن له حظاً من الجانبين وتأكد ذلك بالأثر قال ﵇: «خير الأمور أوساطها» فكان اعتباره أولى، وجه قول من قال بأقل المرتين الآخرتين تأكد التكرار لوجود الأقل من الأكثر، فكان اعتباره عادة لها من زمان الاستمرار أولى، والفتوى على هذا لأنه أيسر على النساء، وعلى المفتين، فإن على قول من يقول بأقل المرتين الآخرتين يحتاج إلى حفظ عددين ولا شك أن حفظ عددين أيسر من حفظ ثلاثة أعداد، ويجب أن يكون مبنى الحيض على السعة واليسر لأنه يتعلق بالنساء، وفي عقلهن نوع نقصان، ألا ترى أن مشايخنا أفتوا وأجازوا قول أبي يوسف ﵀ في انتقال العادة برؤية المخالف لأنه أيسر عليهن.
وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا الاختلاف صاحبة العادة إذا اختلفت أيامها في الحيض والطهر ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن إبراهيم ينظر إلى أوسط الأعداد الثلاثة في آخر الطهر والحيض، وعلى قول أبي عثمان ينظر إلى أقل المرتين الآخرتين، وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى وكان الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام على البزدوي ﵀ يفتي بأوسط الأعداد إذا كانت المرأة تذكرها وإن لم تذكرها فبأقل المرتين الآخرتين إذا ذكرتهما، وإن لم تذكرهما فبالأخيرة أخذاً بقول أبي يوسف ﵀ في انتقاض العادة بمرّة على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: إذا رأت دمين متفقين وطهرين متفقين، ثم إذا رأت بعد ذلك مخالف لهما بأن رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ثم رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ثم رأت أربعة دماً وستة عشر يوماً طهراً ثم استمر بها الدم، وفي هذا الوجه على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تصلي من أول الاستمرار بستة عشر لأن عندهما العادة لا تنتقل
стр. 203
برؤية المخالف فيجب البناء على تلك العادة فإذا رأت أربعة دماً فثلاثة من ذلك من حساب حيضها واليوم الرابع من حساب طهرها، فإذا رأت بعد ذلك ستة عشر يوماً طهراً وأربعة عشر من ذلك تمام طهرها ويومان من حساب حيضها ولم تر هي فيهما دماً فلا يمكن اعتباره حيضاً فجاء الاستمرار وقد بقي من حيضها يوم، ولا يمكن اعتبار يوم واحد حيضاً فتصلي هي إلى موضع حيضها الثاني وذلك ستة عشر يوماً ثم تقعد ثلاثة وتصلي خمسة عشر، وذلك دأبها.
وعلى قول أبي يوسف ﵀: العادة تنتقل برؤية المخالف مرة وهو المختار للفتوى فتقعد من أول الاستمرار أربعة وتصلي ستة عشر وذلك دأبها.
الوجه الخامس: أن ترى دمين متفقين وطهرين متفقين وبينهما ما يخالفهما بأن رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً. ثم رأت أربعة دماً وستة عشر يوماً طهراً ثم رأت ثلاثة دماً وخمسة عشر يوماً طهراً ثم استمر بها الدم، وفي هذا الوجه تقعد من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر، ويكون ذلك عادة جميلة لها، وإنما سميت هذا عادة جميلة لأنه تكرر على الاتفاق لكنها صحت لتخلل المخالف فسميت جميلة لهذا. أو قيل: إنما سميت هذا عادة جميلة لأنها لو رأت المتفقين على الولاء كان ذلك عادة أصلية لها. وإذا كان بينها ما يخالفهما يجعل ذلك عادة لها على معنى أن يعتبر ما رأته آخراً كالمضمومة إلى ما رأته أولاً لما بينهما من الموافقة فتتأكد هي بالتكرار ويصير عادة لها في زمان الاستمرار، وتغيير العادة الجعلية وأحكامها يأتي بعد هذا على سبيل الاستقصاء إن شاء الله.
وهذا التكلف إنما يحتاج إليه لتخريج المسألة على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا على قول أبي يوسف ﵀ لأن على قوله: العادة تنتقل برؤية المخالف مرة، فحين رأت أول مرة ثلاثة وخمسة عشر صار ذلك عادة أصلية لها. فإذا رأت بعد ذلك أربعة وستة عشر صار ذلك عادة أصلية لها، فإذا رأت بعد ذلك ثلاثة وخمسة عشر صار ذلك عادة أصلية يبنى عليها في زمان الاستمرار.
هذا الذي ذكرنا إذا ابتدأت وبلغت بالحيض، فأما إذا ابتدأت وبلغت بالحبل وقد يكون ذلك بأن حبلت من زوجها قبل أن تحيض فيكون بلوغها بالحبل فولدت (واستمر) بها الدم فنفاسها أربعون يوماً عندنا، وعند الشافعي ساعة وهو يعتبر أقل النفاس لكونه منتفعاً به.
ونحن نعتبر أكثرها للإمكان لأنها مبتدأة في حق النفاس، ألا ترى أن في المبتدأة بالحيض اعتبرنا أكثر الحيض وهي عشرة إذا استمر بها الدم لوجود الإمكان، فكذا في حق النفاس ولأن الصلاة قد تسقط عنها برؤية دم النفاس بيقين فلا يرتفع السقوط إلا بيقين مثله قبل الأربعين وبعد الأربعين يجعل عشرون يوماً طهراً لأنه لا يتوالى نفاس وحيض لا طهر بينهما كما لا يتوالى حيضان لا طهر بينهما، وإنما قدرنا الطهر بالعشرين في حقها لأن العشرة الأخيرة من النفاس استحق العشرة الأولى من الشهر الثاني. ولو صارت العشرة من الشهر مستحقة بالحيض كما (٣٥ب١) في المبتدأة بالحيض إذا استمر بها الدم كان الباقي من الشهر وذلك عشرون طهراً فلذا إذا استحقت بالنفاس لأن النفاس نظير
стр. 204
الحيض ثم بعد ذلك حيضها عشرة لأنها مبتدأة في حقّ الحيض وطهرها عشرون وذلك دأبها.
وكذلك لو طهرت بعد الأربعين أقل من خمسة عشر ثم استمر بها الدم كان الجواب كما قلنا لأن هذا طهر قاصر لا يصلح للفصل بين الحيض والنفاس فكان كالدم المتوالي. فإن طهرت بعد الأربعين خمسة عشر يوماً ثم استمر بها الدم فإنها تدع الصلاة من أول الاستمرار عشرة أيام لأن طهر خمسة عشر طهر صحيح فتصير عادة لها بالمرة الواحدة. ولا عادة لها في الحيض فيكون حيضها عشرة فتدع الصلاة من أول الاستمرار عشرة وتصلي خمسة عشر ويكون دورها في كل خمسة وعشرين ثم نسوق المسألة إلى أن تقول طهرت بعد الأربعين أحد وعشرين ثم استمر بها الدم ولا رواية في هذه الصورة، وقد اختلف المشايخ فيه، قال محمد بن إبراهيم ﵀: تدع الصلاة من أول الاستمرار تسعة وتصلّي أحد وعشرون وذلك دأبها قال: لأن طهر أحد وعشرين طهر صحيح وعادتها في الطهر والحيض على ما عليه الغالب توجد في كل شهر فإذا صار أحد وعشرون طهراً لا يبقى الحيض إلا تسعة.
قال أبو عثمان سعد بن إبراهيم: تدع الصلاة من أول الاستمرار عشرة وتصلي أحد وعشرون ويكون دورها في كل أحد وثلاثين يوماً.
قال: لأن أكثر الحيض وهو عشرة معلوم في نفسه فلا ضرورة إلى تقديره....... الشهر بخلاف الطهر إذ ليس لأكثر الطهر غاية معلومة فإذا تعين بعض الشهر للحيض تعين الباقي للطهر قال الصدر الشهيد ﵀: هذا القول أليق مذهب أبي يوسف ﵀ ظاهراً فيفتى به.
ثم يسوق المسألة إلى أن تقول: طهرت بعد الأربعين تسعة وعشرين ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن إبراهيم ﵀ حيضها من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي لأنه هو الباقي من الشهر، ويمكن أن يجعل حيضها فتدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي سبعة وعشرون وذلك دأبها، وعلى قول أبي عثمان: حيضها من أول الاستمرار عشرة فتدع الصلاة من أول الاستمرار عشرة وتصلي سبعة وعشرين وذلك دأبها ويكون دورها على قول أبي عثمان في كل سبعة وثلاثين.
وإن طهرت بعد الأربعين ثمانية وعشرين يوماً ثم استمر بها الدم فههنا حيضها من أول الاستمرار عشرة ودورها في كل ثمانية وثلاثين بالاتفاق لأنه لم يبق من الشهر ههنما ما يمكن أن يجعل حيضاً، فرجعنا إلى أكثر الحيض وتركنا معنى اجتماع الحيض والطهر في شهر واحد على قول من قال بذلك في الفصل المتقدم.
فإن رأت بعدما ولدت أحداً وأربعين يوماً دماً ثم خمسة عشر طهراً ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن إبراهيم ﵀: نفاسها أربعون وطهرها عشرون لأنها صلت
стр. 205
في اليوم الحادي والأربعين بالدم فيفسد طهر خمسة عشر ولا يصلح لنصب العادة فصار كما لو ولدت واستمر بها الدم، وهناك يجعل نفاسها أربعون، وبعد الأربعين يجعل عشرين لطهرها، وبعد ذلك عشرة لحيضها، ومن بعد الأربعين إلى وقت الاستمرارستة عشر، بقي إلى تمام طهرها أربعة، فمن ابتداء الاستمرار تصلي أربعة وتدع الصلاة عشرة ثم تصلي عشرين ثم تدع الصلاة عشرة، وذلك دأبها.
على قول أبي علي الدقاق ﵀ طهرها ستة عشر وحيضها عشرة، فمن أول الاستمرار تدع الصلاة عشرة وتصلي ستة عشر وذلك دأبها.
(نوع آخر) في الانتقال
يجب أن يعلم بأن الانتقال نوعان: أنتقال الحيض عن موضعه وانتقاله عن عدده، فصورة أنتقال الموضع أن يكون لها أيام حيض معروفة، فلا ترى هي في موضع حيضها مرتين على الولاء، فينتقل حيضها عن موضعه والعدد على حاله، وتستأنف الحساب من أسرع ما يمكن وذلك من أول الاستمرار فتدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام ثم تصلي خمسة عشر، ثم تدع ثلاثة وتصلي خمسة عشر وذلك دأبها، وكما تنتقل العادة في الحيض بعدم الرؤية في موضعه مرتين تنتقل بعدم الرؤية في موضعه مرة واحدة والعدد على حاله عند أبي يوسف ﵀ وعليه الفتوى.
وعلى قوله لا تتفرع مسائل الإبدال لأن مسائل الإبدال، إنما يتفرع على قول من لا يرى الانتقال بعدم الرؤية مرة.
صورة انتقال العدد أن يكون لها أيام معروفة في الحيض والطهر، فرأت خلاف عادتها مرتين متفقتين على الولاء، فإنه تنتقل عادتها في الحيض والطهر عن موضعها وعددها، وتصير عادتها ما رأت مرتين في الحيض والطهر بلا خلاف لأن العدد الأول إنما صار عادة لها لرؤيتها ذلك مرتين متفقتين على الولاء فإذا رأت خلاف ذلك مرتين فقد زال ما ثبت لها به العادة الأولى، ووجد مثل ذلك في حق الثانية عادة لها. وتبطله الأولى حتى ترد عند الاستمرار إلى ما رأته آخراً.
وإن رأت خلاف عادتها الأصلية مرة ثم استمر بها الدم لم تنتقل عادتها إلى ما رأته آخراً في الروايات الظاهرة عن أصحابنا، وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف ﵀ أنها تنتقل.
وجه «ظاهر الرواية» : أن الأولى صارت عادة لها لتأكدها بالتكرار على الولاء ولم يوجد التكرار في الثانية فلم تكن الثانية مثل الأولى بل كانت دونها فلا تبطل بها الأولى.
ووجه رواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله: أن القياس ما قال. إلا أني استحسنت هذا لتيسير الأمر على النسوان لأن العادة الأصلية إذا لم تنتقض برؤيتها خلافها مرة احتاجت هي إلى حفظ ثلاثة دماً وثلاثة أطهاراً إن كانت رأت دماً وأطهاراً مختلفة على قول من يقول بأوسط الأعداد وإلى حفظ دمين وطهرين على قول من يقول بأقل المرتين الأخريين.
стр. 206
وإذا انتقلت عادتها الأصلية برؤية المخالف مرة تحتاج هي إلى حفظ دم واحد وطهر واحد، ولا شك أن حفظ الشيء الواحد أيسر من حفظ المثنى والثلاث. وكثير من المشايخ أفتوا برواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله، ونحن نفتي به أيضاً والله أعلم.
ومما يتصل بهذا النوع: معرفة أنواع العادة فنقول:
العادة نوعان: أصلية وجعلية فالأصلية أن ترى دمين متفقين وطهرين متفقين على الولاء أو دماء متفقة وأطهاراً متفقة على الولاء.
والجعلية أنواع:
جعلية في حق الطهر والدم جميعاً: وذلك بأن ترى أطهاراً مختلفة ودماء مختلفة أو ترى دمين متفقين وطهرين متفقين وبينهما مخالف ثم استمر بها الدم، فيجب البناء، إما على أوسط الأعداد الثلاثة الأخيرة أو على أقل المرتين الأخريين على حسب ما اختلفوا فنسمي ذلك عادة جعلية في الدم والطهر جميعاً.
وجعلية في الطهر دون الدم بأن ترى هي أطهاراً مختلفة، أو ترى طهرين متفقين وبينهما طهر يخالفهما ثم يستمر بها الدم فيجب البناء في حق الطهر على أوسط الأعداد الثلاثة (٣٦أ١) الأخيرة أو على أعلى المرتين الأخرتين تصير عادتها في الطهر جعلية.
وجعلية في حق الدم دون الطهر بأن ترى دماء مختلفة أو دمين متفقين وبينهما دم يخالفهما ثم يستمر بها الدم، فيجب البناء في حق الدم على أوسط الأعداد الثلاثة الأخيرة أو على أقل المرتين الآخرتين فتصير عادتها في الدم جعلية، وهذا لأن العادة مشتقة من العود، ومطلق العود إنما ينطلق على العود على الولاء اسماً ومعنىً.
فإذا اختلفت الدماء والأطهار والعود في أوسط الأعداد أو أقل المرتين الآخرتين على حسب ما اختلفوا، وجد من حيث المعنى دون الاسم، وكذلك في حق الطهرين والدمين وبينهما مخالف، والعود في حق المعنى: أن يوجد اسماً لم يوجد التوالي، فلوجود بعْض ما اشتق منه العادة اعتبرناها عادة لها عند الضرورة، ولعدم بعض ما اشتق منه لم يسمها عادة أصلية، بل سميناها عادة جعلية.
وهذه العادة الجعلية إذا اعترضت على العادة الأصلية ثم جاء الاستمرار هل تنتقض العادة الأصلية؟ قال مشايخ بلخ: لا تنتقض الأصلية، وقال مشايخ بخارى: تنتقض، وبيان ذلك: أن المرأة إذا كانت لها عادة أصلية في الحيض والطهر فرأت دماء مختلفة وأطهاراً مختلفة ونصبت بأوسط الأعداد. وأقل المرتين الآخرتين عادة لها، ثم جاء الاستمرار فإنها تبني الأمر في بيان الاستمرار على ما جعل عادة لها عند مشايخ بخارى، وعند مشايخ بلخ: تبني الأمر في زمان الاستمرار على ما كانت عادة لها في الأصل.
وجه قول مشايخ بلخ أن العادة الجعلية دون العادة الأصلية على ما مرّ، فلا تنتقض العادة الأصلية ولأن الجعلية اعتبرت عادة لها بطريق الضرورة ليمكن اعتبار حكم الحيض والطهر في حقها مع وجود المنافي لكونه عادة لها، وهو كونها فرداً والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، ولا ضرورة إلى نقض العادة الأصلية، فلا ينتقض بها.
стр. 207
وجه قول مشايخ بخارى: أن العادة الجعلية لا تنفك عن تكرار المخالف للعادة الأصلية إلا أنه مختلف في نفسه ولكن مع اختلافه على مخالفة الأصل، فكان هذا بعض المكرر بالمكرر وإنه جائز، وهذه العادة الجعلية تنتقض برؤية المخالف مرة بالإجماع لأن العادة الجعلية فرد في نفسه لأنه أوسط الأعداد الثلاثة أو أقل المرتين الأخريين، والفرد ينتقض بالعدد.
والحاصل: أن العادة الجعلية لا تنفك عن تكرار المخالف للعادة الأصلية لكن وجب، فيعتبر واحد من هذه الأعداد بضرب اجتهاد ضرورة نصب العادة لها، وذلك الواحد فرد في نفسه فنقض بالعدد لكونه مثلاً له، ولكن الجملة المخالفة لأصل عدد في نفسها فانتصبت بها العادة الأصلية، وهذا الكلام في غاية الظهور ونهاية الوضوح والله أعلم.
ومما يتصل بهذا النوع من المسائل
إذا كان للمرأة عادة أصلية في الحيض والطهر، فوقعت الحاجة إلى نصب العادة لها برؤية أطهار مختلفة ودماء مختلفة، ونصب العادة أوسط الأعداد عادة لها على قول من يقول به، فوافق ذلك العادة الأصلية، فإنه يطرح المأخوذ ثم ينظر إلى أوسط الأعداد من الباقي أو إلى أقل المرتين الآخرتين، فإن وافق ذلك العادة الأصلية علم أن العادة الأصلية باقية فتبني عليها، فإن لم توافق هذه العادة الأصلية علم أن العادة الأصلية قد بطلت فيصير المطروح عادة جعلية لها.
بيان هذا: المرأة عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرون، طهرت ثلاثين يوماً ثم رأت الدم عشرة ثم طهرت أربعين يوماً، ثم رأت الدم عشرة ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم رأت الدم عشرة أيام، ثم طهرت عشرون ثم استمر بها الدم. فنقول: أوسط الأعداد في الطهر عشرون لأنها طهرت مرة ثلاثين ومرة أربعين ومرة خمسة عشر ومرة عشرون، فعشرون أوسط الأعداد الثلاثة الأخيرة.
وإنما يعتبر أوسط الأعداد من الثلاثة التي قبل الاستمرار فإنه موافق للعادة الأصلية فيطرح ذلك، فيبقى بعده خمسة عشر وثلاثون وأربعون. وأوسط الأعداد منها ثلاثون فإنه ليس بموافق للعادة الأصلية، فعلم أن العادة الأصلية قد انتقضت لأنها رأت بخلافها مرتين فتبني على المطروح، وهو دم عشرة وطهر عشرين ويصير ذلك عادة جعلية لها.
ولو رأت الدم عشرة والطهر ثلاثين والدم عشرة والطهر خمسة عشر والدم عشرة والطهر عشرين ثم استمر بها الدم، فأوسط الأعداد عشرون وإنه يوافق العادة الأصلية فيطرح ذلك، فتبني بعده خمسة عشر وثلاثون، وما كان في الأصل عادة لها وذلك عشرون فالأوسط عشرون، فعلمنا أن العادة الأصلية لم تنتقض لأنه لم ير بخلافها إلا مرة فيبنى عليها ما بعدها.
فإذا طهرت ثلاثين يوماً فعشرون منها زمان طهرها وعشرة من حساب حيضها، ثم رأت الدم عشرة وهو ابتداء طهرها فإن رأت الطهر خمسة عشر فعشرة من ذلك من حساب طهرها وخمسة من حساب حيضها، ثم رأت الدم بعده عشرة فخمسة من ذلك بقية حيضها
стр. 208
وخمسة من حساب طهرها ثم رأت الدم بعده عشرين يوماً فخمسة عشر يوماً من ذلك بقية طهرها وخمسة من حساب حيضها ثم استمر بها الدم، وقد بقي من مدة حيضها فتدع الصلاة خمسة أيام من أول الاستمرار ثم تصلي عشرين ثم تدع الصلاة عشرة وذلك دأبها والله أعلم بالصواب.
(نوع آخر)
في الإبدال على قول من يرى ذلك. إذا كان للمرأة أيام حيض وأيام طهر معروفة فلم تر هي في موضع حيضها بمرة فإنها تصلي إلى موضع حيضها بمرة الثاني ولا يبدل لها في وقت طهرها وإن رأت الدم فيه عند أبي حنيفة ﵀ لما فيه من نقل العادة بمرة وقال محمد ﵀: يبدل لها بقدر أيامها إذا أمكن الإبدال.
وإنما يثبت الإمكان بأن كان يبقى بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني طهر خمسة عشر يوماً، فإن كان لا يبقى بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني طهر خمسة عشر إلا أنه يمكن أن يجر من موضع حيضها الثاني إلى بقية طهرها ما يتمه خمسة عشر يوماً ويبقى بعد الجر في موضع حيضها الثاني ما يكون حيضاً فإنه يجر لأن مبنى الحيض على الإمكان وإنه موجود إذا بقي بعد الإبدال مدة طهر تام أو أمكن تتميمه بالجر، وهذا لأن المرأة لا تبقى عادتها في الحيض على صفة واحدة ولكنها تتقدم تارة وتتأخر أخرى، فيعتبر المرئي فيها حيضاً ما أمكن اعتباره حيضاً من الوجه الذي بيّنا.
وكان أبو زيد الكبير وأبو يعقوب الغزالي يأخذان بقول محمد ﵀ بالبدل ما لم يحتج إلى الجر، فإذا احتيج إليه لا يأخذان بقوله، وكان الشيخ الإمام الزاهد وأبو حفص الكبير البخاري ﵀ والفقيه محمد بن مقاتل الرازي ﵀ يقولان يبدل لها بقدر ما يفني فيه عن الجر وكثير من المشايخ المتأخرين أخذوا بقول محمد ﵀ واختاروا قول الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص والفقيه محمد بن مقاتل رحمهما الله.
حجة أبي حنيفة ﵀ في نفي البدل أصلاً، ما ذكرنا في البدل اتهام بنقل العادة برؤية المخالف مرة واحدة.
وجه قول محمد ﵀ في إثبات أصل البدل أن هذا دم خارج من قبل المرأة في وقته لخروجه عقيب طهر صحيح فيجعل هو حيضاً كالأصل وهو الدم المرئي في وقته، وهذا لأن الغالب من عادات النساء أنها لا تدوم على وقت واحد وعلى عدد واحد، بل تتقدم مرة وتتأخر مرة وتزداد مرة وتنقص مرة أخرى، ثم يجوز أن يسقط اعتبار العدد برؤية المخالف مرة، فإن المرأة إذا كان أيام حيضها خمسة، رأت خمسها واستمر بها الدم إلى العشرة كانت العشرة كلها حيضاً بالإجماع، فكذا يجوز أن يسقط اعتبار الوقت مرة لم تر في وقتها المعروف مرة، وما قال أبو حنيفة ﵀ من إيهام النقل برؤية المخالف مرة فكذلك من حيث الصورة لا من حيث الحكم لأن البدل يلتحق بموضع الأصل، ألا ترى أن الإمام إذا لم يقرأ في الأوليين من الظهر وقرأ في الأخريين فإنه تنتقل قراءته إلى (٣٦ب١) الأوليين، حتى لو اقتدى به رجل في الأخريين ولم يقرأ فيما، يقضي في ركعة
стр. 209
واحدة أو في ركعتين تفسد صلاته؛ لحصولها بغير قراءة، لانتقال قراءة الإمام إلى الأوليين كذا ههنا، وإذا ثبت الإبدال على قول محمد ﵀ يبدل لها ما أمكن، والإمكان بالطريق الذي قلنا.
وإذا لم يبق بعد الجر في موضع حيضها الثاني ما يصلح أن يكون حيضاً لا يبدل لها؛ لأن إثبات البدل في هذه الحالة يؤدي إلى إسقاطه ثابتاً؛ لأنما يثبت البدل لها عن عادتها الأولى، فإذا لم تبق بعد الجر في موضع حيضها الثاني ما يمكن اعتباره حيضاً لم يرَ الحيض في موضعها مرتين على الولاء، فيجب الانتقال، وإبطال العادة الأولى واستئناف الحساب في موضع البدل، فيفسد البدل؛ لأنه كان بدلاً عن العادة الأولى، وقد بطلت العادة الأولى، فلم يجز القول بالبدل في هذه الحالة فتصلي إلى موضع حيضها الثاني، كما قاله أبو حنيفة ﵀.
وجه قول أبي زيد وأبي يعقوب الغزال: أن القول بالجر يؤدي إلى محال وهو إيجاب الصلاة عليها في حالة الحيض، وإيجاب ترك الصلاة في حالة الطهر.
بيانه: أن المجرور حيض حقيقة، وإذا صح الجر يصير طهراً فتصلي فيه، والبدل حيض حقيقة إن كان دماً فهو في حالة الطهر؛ إذ العادة لم تنتقل برؤيتها خلافها مرة لا من حيث الموضع، ولا من حيث العدد، فتعينت هذه الحالة طهراً حكماً، فلو صح البدل تركت من الصلاة فيه فهو معنى قولنا: إن الجر يؤدي إلى المحال وما يؤدي إلى المحال فهو محال، ومحمد ﵀ يقول: في الجر وقوع الخلل في بعض الحيض، وهو الصلاة في المقدار الذي يُجره وفي نفي الجر وقوع الخلل في دم البدل، فإنه دم خارج عن القبل في أوانه، فكان حيضاً كالأصل، فيجب ترك الصلاة فيه.
وإذا لم تجز صلّت هي في جميعه، ولا شك أن وقوع الخلل في البعض أهون من وقوع الخلل في الكل ثم يجوز أن يبدل لها أكثر من أيامها وأقل من أيامها، ولا يجوز أن يبدل لها أكثر من أيامها إلا أن يكون قبله أو بعده طهر تام؛ وهذا لأن البدل في أصول الشرع قد يكون مثل الأصل كضمان المتلفات وأروش الجنايات، وقد يكون هو دون الأصل كالتيمم الذي هو بدل عن الوضوء، فللبدل مثل أيامها وأقل من أيامها نظير في الشرع فيجوز البدل به أما لا يوجد في أصول الشرع بدل هو أكثر من المبدل، فإن البدل لا يربو حاله قط على حال المبدل، فلا يمكن اعتباره بدلاً على الإطلاق، فقيل: إذا كان قبله وجد طهر ناقص لم يكن اعتباره أصلاً، فجعل قدر أيامها بدلاً لا غير؛ لأنه دم فاسد؛ لأنه دم استحاضة، ولا يراد حيض المستحاضة على أيامها، وقيل: إنه إذا كان هو تاماً بين طهرين تاميين بأن كان حيضها ثلاثة فرأت في عشرة دماً، ولم يجاوز كان كله حيضاً؛ لأنه دم خال عن الاستحاضة، فكان هو أصلاً لا بدلاً، ثم يجوز البدل بعد أيامها كيف ما كان، ولا يجوز البدل قبل أيامها إلا أن تكون على أثر طهر تام؛ لأن الطهر الصحيح متى وجد إنما وجد بتوقع بعدها وجود دم حيض عند محمد ﵀، فإن من مذهبه أن المرأة إذا رأت عشرة أيام دماً خمسة قبل أيامها، وخمسة في أيامها إن كل ذلك
стр. 210
حيض إذا كان الطهر قبله وبعده تاماً، فإذا انقضت أيامها ولم ترَ فيه ما يكون حيضاً بتوقع منها بعده وجود دم الحيض، فإذا وجد كيف ما كان حكم بالبدل منه.
وكذا الذي قبل أيامها إذا كان على إثر طهر تام، فإنه مرئي في وقت كان دم الحيض متوقعاً منها، فجعل هو حيضاً وحكم بالبدل منه تامّاً إذا لم يكن هو على إثر طهر تام، فهو غير مرئي في وقت كان دم الحيض متوقعاً منها؛ لأن المرئي بعد الطهر الناقص لا يكون حيضاً ولم تجىء عادتها بعد، فإذا رأت الدم فقد رأتْهُ في وقت لم تتوقع منها دم الحيض، فأُمرت بالصلاة فيه.
ثم اختلف المشايخ في مراد محمد ﵀ في قوله: لا يبدل لها قبل أيامها إلا أن يكون على إثر طهر تام، قال الحاكم أبو نصر أحمد بن مهروبه: أراد التصحيح الخالص الذي لا يشوبه دم تؤمر المرأة بالصلاة فيه لا التام مع الفساد، وقال بعض المشايخ: أراد بالتام أن يكون خمسة عشر يوماً، لا أن يكون صحيحاً خالصاً؛ لأن الصحة والخلوص في الطهر إنما يشرط لتنقل العادة؛ لأن الأصل صار عادة لها لرؤيتها الدم الخالص من طهرين خالصين، فلا تنتقل هي إلا برؤيتها، خلافاً على هذه الصفة، فأمّا الخلوص لغير شرط لضرورة الدم بعده حيضاً، وإذا أمكن البدل من موضعين يبدل من أسرعهما، وهو معنى قول محمد ﵀ في «الكتاب» : إذا أمكن البدل قبل أيامها، وبعد أيامها يبدل لها قبل أيامها، وهذا لأن البدل يعتبر بالأصل وفي الأصل، وهي المبتدأة متى أمكن اعتبار الحيض في الموضعين جعل هو من أسرعهما إمكاناً، فكذا في البدل.
ثم علامة مسائل البدل على قول محمد ﵀: أن كل امرأة وجب عليها أن تصلي إلى موضع حيضها الثاني سبعة عشر أو أقل من ذلك، فلا يبدل لها عند محمد ﵀، وكل امرأة وجب عليها أن تصلي إلى موضع حيضها الثاني ثمانية عشر أو أكثر من ذلك يبدل لها عنده.
جئنا إلى تخريج المسائل على الأصول فنقول: المرأة إذا كانت عادتها في الدم خمسة، وفي الطهر عشرون وطهرت من اثنين وعشرين ثم استمر بها الدم يجعل حيضها من أول الاستمرار ثلاثة؛ لأنها رأت في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضاً، ولو طهرت ثلاثة وعشرون ثم استمر بها الدم، فعند أبي حنيفة ﵀: أن تصلي إلى موضع حيضها الثاني، ذلك اثنان وعشرون يوماً، وعند محمد ﵀ يبدل لها خمسة أيام من أول الاستمرار؛ لأن الباقي بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني سبعة عشر يوماً، وكذلك إن طهرت أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين يوماً ثم استمر بها الدم، فإنه يبدل لها خمسة أيام عند محمد ﵀؛ لأن الباقي بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني ستة عشر أو خمسة عشر، فتدع الصلاة من أول الاستمرار خمسة، ثم تصلي خمسة عشرة ثم تدع خمسة وتصلي عشرين.
ولو طهرت بستة وعشرين يوماً ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي يعقوب، وأبي زيد
стр. 211
الكبير لا يبدل لها، لأن الباقي بعد البدل أربعة عشر، فلا يمكن القول بالبدل إلا بطريق الجر، وهما لا يريان الجر، ولكنها تصلي إلى موضع حيضها الثاني، كما هو قول أبي حنيفة ﵀، فتصلي من أول الاستمرار تسعة عشر يوماً ثم تدع الصلاة خمسة، وتصلي عشرين، قول محمد ﵀ يبدل لها خمسة أيام؛ لأن البدل بطريق الجر ممكن، فيجر من موضع حيضها الثاني يوماً إلى بقية طهرها حتى يتم خمسة عشر يوماً، وتدع الصلاة من أول الاستمرار أربعة وتصلي عشرين، ثم تدع خمسة وتصلي عشرين، وعلى قول الشيخ الإمام أبي حفص، والفقيه محمد بن مقاتل رحمهما الله: تبدل لها أربعة حتى يستغنى عن الجر فتدع الصلاة من أول الاستمرار أربعة وتصلي خمسة عشر، ثم تدع خمسة وتصلي عشرين وكذلك إن طهرت تسعة وعشرين ثم استمر بها الدم، فالتخريج على هذا.
وإن طهرت في ثمانية وعشرين يوماً، فلا يبدل لها ولكنها تصلي إلى موضع حيضها الثاني؛ لأنه يبقى بعد الإبدال من طهرها اثنا عشر يوماً، فلو جررنا إليها ثلاثة من موضع حيضها الثاني ما أمكن اعتباره حيضاً، فلا يبدل لها ولكنها تصلي إلى موضع حيضها الثاني، وذلك سبعة (عشر) يوماً، ثم تدع الصلاة خمسة وتصلي عشرين إذا كان أيام حيضها خمسة وأيام طهرها عشرون، وطهرت خمسة عشر يوماً، ثم رأت خمسة دماً وطهرت أيامها فعند محمد ﵀ يبدل لها الخمسة المتقدمة.
ولو طهرت أربعة عشر يوماً ثم رأت ستة دماً طهرت أيامها فلا يبدل لها من المتقدم لفساده؛ لأنها صلّت في يوم منه، وهو اليوم الخامس عشر، وإنه يريد قول الحاكم أبي نصر، ولو كانت عادتها في الحيض ثلاثة وفي الطهر سبعة وعشرون، فطهرت خمسة عشر يوماً، ثم رأت الدم ثلاثة ثم طهرت في اثني عشر يوماً ثم رأت الدم؛ (٣٧أ١) فإنها لم ترَ في أيامها شيئاً، فيبدل لها الثلاثة التي رأتها بعد طهر خمسة عشر؛ لأنها مرئية عقيب طهر صحيح، فيبدل لها تلك الثلاثة إلا ما رأته بعد أيامها؛ لأن تلك الثلاثة أسرعهما إمكاناً.
(نوع آخر) في الزيادة والنقصان في أيام الحيض
صاحبة العادة المعروفة في الحيض إذا رأت الدم زيادة على معروفها يجعل ذلك كلّه (حيضاً) ما لم يجاوز المرئي عشرة، فإن جاوز المرئي العشرة ردت إلى معروفها، والثاني يكون استحاضة؛ وهذا لأن طبعها لا يكون على صفة واحدة بل قد يقوى ويزداد حيضها وقد يضعف فيتعين حيضها ومبنى الحيض الإمكان، فإذا اقتصر على العشرة أمكن أن يجعل ما زاد على معروفها حيضاً.
وإذا جاوز العشرة لا يمكن أن يجعل ما زاد على معروفها حيضاً؛ لأنه تجاذبه جانبان فاعتباره بمعروفها يجعله حيضاً واعتباره بما زاد على العشرة يجعله استحاضة، والترجيح بجانب ما زادت على العشرة؛ لأن الزيادة على معروفها لم تظهر إلا مع مدة الاستحاضة، فالظاهر أنه عن علة.
стр. 212
ولو كانت عادتها في الحيض خمسة فرأت الدم في اليوم السادس، فعلى قول مشايخ بلخ ﵏: تؤمر هي بالاغتسال والصلاة؛ لأن الدم في اليوم السادس متردد أن يكون حيضاً بأن اقتصر على العشرة، وبين أن يكون استحاضة بأن تزيد هي على العشرة، فلا تترك هي الصلاة مع التردد؛ لأن الدم في موضع الدم في اليوم السادس لا يكون حيضاً إلا بشرط الانقطاع على رأس العشرة، وإنه موهوم، فلا تترك الصلاة باعتبار أمر موهوم.
وكان الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ يقول: لا تؤمر بالصلاة ولا بالاغتسال لأنا عرفناها حائضاً بيقين لرؤيتها ما يكون حيضاً في حقها ودليل بقائها حائضاً ظاهر، وهو سيلان الدم وهذه الزيادة لا تكون استحاضة إثباتاً للاستمرار حتى تجاوز العشرة، وإنه غير ثابت للحال، فتبقى حائضاً حتى يستبين أمرها، فإن جاوز الدم العشرة حينئذٍ تؤمر بقضاء ما تركت من الصلاة بعد أيامها واعتبر هذه بالمبتدأة فإن المبتدأة لا تؤمر بالصلاة والاغتسال مع رؤية الدم ما لم تجاوز العشرة، وكان الصدر الشهيد حسام الدين يفتي في هذه الصورة: بأنها تؤمر بالاغتسال ولا تؤمر بالصلاة؛ لأن هذا أقرب إلى الاحتياط.
ولو كانت عادتها في الحيض خمسة، فطهرت في اليوم الرابع، فإنها تؤمر بالاغتسال إذا خافت فوت الوقت، وتؤمر بالصلاة ههنا؛ لأن هذه طهرٌ ظاهر وفي المسألة المتقدمة: هو دم ظاهر فأخذنا في كل ذلك بالاحتياط.
ولو كانت عادتها في الحيض خمسة في أول كل شهر، فرأت ثلاثة وماً في أول شهر، ثم انقطع دمها سبعة أيام أو ستة أيام ثم رأت يوماً فخمسة من أول الشهر حيض عند أبي يوسف ﵀؛ لأنه يجوز ختم الحيض بالطهر، وعند محمد ﵀ الثلاثة الأول هي الحيض؛ لأنه لا يرى ختم الحيض بالطهر، هكذا ذكر محمد ﵀ المسألة في «الأصل» والمسألة في الستة مشكلة؛ ثلاثة قبل الستة دم ويوماً بعدها دم فالجملة عشرة، فيمكن جعل الكل حيضاً عند أبي يوسف ﵀، وقد أجاب أن حيضها خمسة عند أبي يوسف.
والصحيح أن يزاد على طهر ستة ساعة أو ما أشبهها أو على يوم الحيض بعدها، ويصير تقدير المسألة: فرأت ثلاثة دماً في أول شهر، ثم انقطع دمها سبعة أيام أو ستة وساعة ثم رأت يوماً دماً، أو يصير تقدير المسألة: رأت ثلاثة دماً في أول الشهر ثم انقطع دمها سبعة أيام أو ستة ثم رأت يوماً دماً أو أكثر أو زيد على العشرة فيردّ إلى معروفها عند أبي يوسف ﵀.
ولو رأت يومين دماً في أول العشرة ويومين دماً في آخر العشرة، فخمستها المعروفة هي الحيض عند أبي يوسف ﵀: إذا كان اليومان الآخران هي اليوم العاشر واليوم الحادي عشر، فأما إذا كان اليومان الآخران هي اليوم التاسع فالعاشر، والكل حيض عند أبي يوسف، وعند محمد ﵀ شيء من ذلك لا يكون حيضاً؛ لأن الطهر غالب على
стр. 213
الدمين، فصار فاصلاً بينهما، وكل واحد من الدمين بانفراده لا يصلح حيضاً فلا يجعل شيء من ذلك حيضاً.
ولو رأت في العشرة يومين دماً فرأت اليوم العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر دماً فحيضها خمستها عند أبي يوسف؛ لأن الطهر فيه قاصر، فصار كالدم المتوالي، وعند محمد الثلاثة الأخيرة حيض؛ لأن الإبدال ممكن فيه؛ لأنه يبقى إلى موضع حيضها الثاني مُدّة طهر كامل.
ولو رأت في أول خمستها يوماً دماً ويوماً طهراً، حتى جاوز العشرة فخمستها هي الحيض عندهم جميعاً؛ لأن ابتداء الخمسة وختمها كان بالدم والطهر قاصر، فإن طهرت يوماً من أول الشهر، ثم رأت يوماً دماً ويوماً طهراً حتى جاوز العشرة، فاليوم الأول ليس بحيض عندهم؛ لأنه لم يتقدَّمه دم وهو طهر في نفسه، وأبو يوسف ﵀ إنما يجوز ابتداء الحيض بالطهر إذا تقدمّه دم الاستحاضة، والأربعة الباقية من أيامها حيض عند أبي يوسف؛ لأنه يختم الحيض بالطهر إذا تعقبه دم، وعند محمد ﵀ حيضها اليوم الثاني، والثالث والرابع؛ لأن اليوم الأول والخامس كانا طهرين وإن وقف الدم على العشرة؛ لأن ما بعد اليوم الأول حيض كلّه، ولو رأت يوماً دماً قبل رأس الشهر ومن أول الشهر يوماً طهراً ثم يوماً دماً إلى العشرة، فجميع ذلك حيض عند أبي يوسف إلا اليوم العاشر؛ لأنه لم يُرَ فيه، ولا بعده وما سواه وجد فيه شرط إمكان الحيض، فيعتبر حيضاً، فإن جاوز الدم العشرة، فحيضها خمستها المعروفة عند أبي يوسف وعند محمد ﵀ حيضها ثلاثة أيام من معروفها، وهو اليوم الثاني والثالث والرابع لطهرها في اليوم الأول والخامس، والله أعلم.
(نوع منه) في تقدم الحيض وتأخره
هذا النوع يشتمل على ثلاثة أقسام: قسم في المتقدم، وقسم في المتأخر، وقسم في الجمع بينهما.
أما القسم الأول: فهو على وجوه:
الأول: إذا رأت في أيامها ما يكون حيضاً، فرأت قبل أيامها ما لا يكون حيضاً، بأن كان المرئي في أيامها ثلاثة، والمرئي قبل أيامها أقلّ من ثلاثة، وفي هذا الوجه روايتان عن أبي حنيفة، روى محمد عنه: أن المتقدم لا يكون حيضاً، وروى الحسن عنه: أن الكل حيض.
وجه رواية محمد ﵀: أن المتقدم لو جعل حيضاً، جعل تبعاً لأيامها، ولا وجه إليه؛ لأن السابق لا يعتبر تبعاً إلا في وجه رواية الحسن أن المتقدم إذا كان أقلّ من ثلاثة أيام إن لم يمكن أن يعتبر هو حيضاً تبعاً لأيامها من حيث اللحوق، لكونه سابقاً على أيامها أمكن أنه يعتبر حيضاً تبعاً لأيامها من حيث إنه يستقل بنفسه، والمرئي في أيامها يستقل بنفسه. وذكر بعض مشايخنا في «شرح كتاب الحيض» في الوجه: أنّ الكل حيض من غير ذكر خلاف، وذكر بعضهم: أن الكل حيض بالاتفاق.
стр. 214
الوجه الثاني: إذا رأت قبل أيامها ما يصلح حيضاً، ولم ترَ في أيامها شيئاً، وفي هذا الوجه حكمها موقوف عند أبي حنيفة ﵀ فإن طهرت أيامها مرّة أخرى في الشهر الثاني صار حيضها ما رأته، وانتقلت عادتها في الحيض عن موضعها، وإلا فالمرئي استحاضة، وعند أبي يوسف ﵀ المتقدم حيض، ويصير ذلك عادة لها؛ لأنه يرى انتقال العادة برؤية المخالف مرّة وعليه الفتوى، وهو قول محمد، وعلى قول محمد ﵀ يكون المتقدم حيضاً بدلاً عن أيامها ولكن لا يصير عادة لها؛ لأنه لا يرى انتقال العادة برؤية المخالف مرّة.
الوجه الثالث: إذا رأت في أيامها ما لا يصلح حيضاً، ورأت قبل أيامها ما يصلح حيضاً، الجواب في هذا الوجه نظير الجواب في الوجه الثاني؛ لأنها إذا رأت في أيامها ما لا يصلح حيضاً كان المرئي في أيامها في حكم العدم.
الوجه الرابع: إذا رأت في أيامها ما يصلح أن يكون حيضاً ولم يجاوز الكل العشرة وفي هذا الوجه عن أبي حنيفة ﵀ روايتان، روى محمد والحسن بن زياد عنه أن المتقدم على أيامها لا يكون حيضاً، وروى بشر بن الوليد والمعلّى وغيرهما عن أبي يوسف ﵏ (٣٧ب١) عنه: أن المتقدم حيض، غير أن في بعض روايات أبي يوسف أنه على قول أبي حنيفة، وفي بعض رواياته أنه قاس قول أبي حنيفة ﵀، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن المتقدم حيض إذا لم تجاوز به العشرة.
وجه الرواية الأولى عن أبي حنيفة ﵀: أن المتقدم على أيامها لا يمكن اعتباره حيضاً تبعاً لأيامها، والسابق لا يعتبر تبعاً للاحق، فلو اعتبر حيضاً اعتبر بطريق الاتصال، ولا وجه إليه أيضاً لما فيه من نقل عادتها من حيث الموضع برؤية المخالف مرّة، وأبو حنيفة ﵀ لا يقول به.
وجه رواية الأخرى وهو قولهما: إن هذا دم رأته المرأة بين طهرين تامين ولم تجاوز العشرة فيكون حيضاً كالمتأخر؛ هذا لأن حيض المرأة قد يتقدّم وقد يتأخر، فإذا اعْتُدَّ بأحد الأمرين فكذا بالأمْر الآخر، ثم عند أبي يوسف يصير ذلك عادة لها، وعند محمد لا تصير عادة لها.
الوجه الخامس: إذا رأت في أيامها ما لا يصلح حيضاً، ورأت قبل أيامها ما لا يصلح حيضاً وإذا جمعا صلحا حيضاً، وفي هذا الوجه اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: إنه نظير الوجه الثاني والثالث؛ لأنها إذا رأت في أيامها ما لا يصلح حيضاً كان المرئي في أيامها كالعدم، وقال بعضهم: الجواب فيه كالجواب في الوجه الرابع؛ لأنها إذا لم ترَ في أيامها ما يكون حيضاً بنفسه، وإنما يصير حيضاً بوجود ما قبله صار كأنها رأت في أيامها ما يكون حيضاً، ورأت قبل أيامها ما يكون حيضاً، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي ﵀ في «شرح كتاب الحيض» : أن شيئاً من ذلك لا يكون حيضاً إلا أن ترى في بعض موضعها الثاني مثل ذلك، فتنتقل العادة إليها في الابتداء والله أعلم.
стр. 215
ومما يتصل بهذا القسم
امرأة تستفتي أنها ترى الدم قبل أيامها ذكر الصدر الشهيد ﵀ في «مختصر كتاب الحيض» : أنها تؤمر بترك الصلاة إذا كان الباقي من أيام طهرها ما لو ختم إلى أيام حيضها لا يجاوز العشرة؛ لأنها رأت الدم عقيب طهر صحيح، فكان حيضاً لكن بهذا الشرط؛ لأن الظاهر أنها ترى الدم في أيامها المعروفة، وإذا عُدم هذا الشرط يكون استحاضة، وذكر الشيخ الإمام نجم الدين عمر النسفي ﵀ في كتاب «الخصائل» : أن على قولهما تؤمر بترك الصلاة إذا كان المتقدم مع أيامها لا يجاوز العشرة، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: إذا كان المتقدم ثلاثة أيام لا تترك الصلاة، وإن كان أقل، فكذلك على قوله على ما اختاره مشايخ بخارى، وعلى ما اختاره مشايخ بلخ: تترك.
وأما القسم الثاني فهو على وجوه أيضاً:
الأول: إذا رأت في أيامها ما يصلح حيضاً، ورأت بعد أيامها ما يصلح حيضاً وفي هذا الوجه الكل حيض، وأيامها تستتبع ما بعدها وانتقلت العادة؛ لأن ما بعدها لا يستقل بنفسها وقد تتبعت أيامها مشاهدة فتتبعها حكماً.
الوجه الثاني: إذا رأت في أيامها، ورأت في آخر أيامها ما يصلح حيضاً، ورأت بعد أيامها ما يصلح حيضاً أيضاً، وفي هذا الوجه إن لم تجاوز الكل العشرة فالكل حيض، وإن جاوز فالمعروفة حيض، وما زاد على ذلك استحاضة؛ لأن المتأخر عن أيامها يمكن اعتباره حيضاً تبعاً لأيامها؛ لأنه لاحق بأيامها واللاحق يتبع السابق.
ألا ترى أنه جميع أيامها مشاهدة فتتبع أيامها حكماً، وإذا أمكن اعتباره حيضاً تبعاً لأيامها تعتبر ولم تنتقل عادته كما كانت عليه من حيث الحقيقة، إن انتقلت من حيث الصورة؛ لأن التبع حكمه حكم الأصل فصار من حيث الحكم كأنه جعل في أيامها.
الوجه الثالث: إذا لم ترَ في أيامها شيئاً، ورأت بعد أيامها ما يصلح حيضاً، وفي هذا الوجه الكل حيض ذكر المسألة في «الأصل» من غير ذكر خلاف، وقد اختلف المشايخ فيه، قال أبو علي الدقاق والزعفراني في كتابيهما والقدوري في «شرحه» ، وعامة مشايخ خراسان: إن ما ذكر في «الأصل» قول الكل، وقال أبو سهل الفرائضي وجماعة من البلخيين، وعامة من البخاريين: إن هذا على الاختلاف الذي بيناه في المتقدم فالكلام فيها كالكلام في المتقدم، فإن كانت المسألة على الخلاف الذي بيّناه في المتقدم فالكلام فيها كالكلام في المتقدم؛ وإن كانت هذه المسألة على الوفاق، فوجه الفرق بين المتقدم والمتأخر ظاهر إن وجود الشيء بعد وقته لا يمنع ثبوت حكمه خصوصاً في أمر الحيض، فإن المرأة ترى الدم بعد أيامها بأشهر ولا يتغير به الحكم، ولهذا قلنا: إن العجوزة الكبيرة إذا رأت الدم كان حيضاً على رواية «النوادر» فأما وجود الشيء قبل وقته فلا يعتد به في أكثر الأحكام خصوصاً في باب الحيض، ألا ترى أن الصغيرة جداً قد ترى الدم ولا يعتدّ به أصلاً.
الوجه الرابع: إذا رأت في أيامها ما لا يصلح حيضاً، ورأت بعد أيامها ما يصلح
следующие страницы →