Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
إليه شرعاً، فلا يصلح سبباً للضمان.
الوجه الثاني: إذا أخذها لنفسه، وأقر بذلك، وفي هذا الوجه هو ضامن؛ لأنه منهي عن الأخذ لنفسه، فيصير غاصباً ضامناً.
الوجه الثالث: إذا ادعا أنه أخذها ليردها على المالك إلا أنه لم يشهد على ذلك، ولكن صدقه أنه أخذها ليردها على المالك وضمنها لا ضمان، وإن كذبه المالك في ذلك، وادعى أنه أخذها لنفسه فعند أبي يوسف القول قول الملتقط مع يمينه؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لأن الظاهر مباشرة ما هو حلال، والحلال من الأخذ ههنا الأخذ للرد على المالك، وعند أبي حنيفة ومحمد القول قول صاحب اللقطة؛ لأن الأصل في عمل الحر أن يكون لنفسه ما لم يوجد دليل يدل على العمل للغير، وذلك الدليل ههنا الإشهاد، فإذا ترك الإشهاد لم يوجد دليل العمل لغيره، فعمل به يتضمنه الأصل.
وإن أشهد أنه التقط لقطة أو ضالة، أو قال: عندي لقطة فمن سمعتموه يطلب لقطة فدلوه عليَّ، فلما جاء صاحبها قال: قد هلكت فهو مصدق، ولا ضمان عليه؛ لأنه تبين بصدر الكلام أنه أخذه للرد، وأنه أمين فيها، وقول الأمين في دعوى الهلاك مقبول، ولا يضره أن يسمي جنسها ولا صنعتها في التعريف؛ لأن ترك تسمية ذلك لتحقيق الحفظ على المالك حتى لا يسمع ذلك إنسان فيدعيها لنفسه، ويرفع الأمر إلى قاضي يرى الاستحلاف لمصيب العامة، وفيه خلاف ظاهر، على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولو وجد لقيطان أو ثلاثة وقال: من سمعتموه ينبذ لقطة فدلوه عليَّ، فهذا تعريف للكل ولا ضمان إن هلكت الكل عنده، في «فتاوى أهل سمرقند» وجد لقطة في طريق أو مفازة، ولم يجد أحداً يشهده عليه عند الأخذ، قال: يشهد إذا ظفر بمن يشهده عليه، فإذا فعل ذلك لا يضمن؛ لأنه ليس في وسعه أكثر من هذا، وإن وجد من يشهده ولم يشهد حتى جاوزه ضمن؛ لأنه ترك الإشهاد مع القدرة عليه، وإذا التقط لقطة ليعرضها ثم ردها إلى مكانها الذي وجدها فيه فلا ضمان عليه لصاحبها، وإن هلكت قبل أن يصل إليها صاحبها أو استهلكها غيره؛ لأن الأخذ ليردها على مالكها لا يصلح سبباً للضمان، والرد إلى مكانه لا يصلح سبباً للضمان والرد إلى مكانه لا يصلح سبباً، فامتنع وجوب الضمان.
قال الحاكم الشهيد في «إشاراته» : إن ما ذكر في الكل محمول على ما إذا أعادها بعدما حولها ضمن، وإليه ذهب الفقيه أبو جعفر، وروي عن محمد أنه إذا مشى خطوتين، أو ثلاثة خطوات ثم ردها، ووضعها في الموضع الذي أصابها فيه يبرأ من الضمان، فلا يعتبر هذا القدر من التحويل، وإن كان أخذها لنفسه ثم ردها إلى مكانه فهو ضامن لها؛ لأنه صار ضامناً بالأخذ، والضمان متى وجب لا تقع البراءة منه إلا بالرد على المالك، والإعادة إلى موضعه ليس برد على المالك، وهو نظير ما لو غصب من آخر دابة، ثم ردها على مالكها فلم يجده، وربطها على مكانها.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: أنه إذا ردها إلى مكانها من غير أن يذهب بها فلا ضمان من غير فصل، بينما إذا أخذها لنفسه أو أخذها ليعرفها، وإذا ذهب بها؛ ثم ردها
стр. 2067
إلى مكانه ضمن على كل حال، وقيل: إذا اعتمد مع الإشهاد أنه يأخذ لنفسه فهو ضامن فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا اعتمد التعريف مع ترك الإشهاد فلا ضمان، وقيل: هذا التفصيل فيما إذا أخذها لنفسه، أما إذا أخذها ليعرفها فلا ضمان من غير تفصيل كما ذكر في «الكتاب» .
الفصل الرابع في الخصومة في اللقطة، والاختلاف فيها، والشهادة
في «المنتقى» ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل التقط لقطة، وضاعت منه ثم وجدها في يد رجل آخر فلا خصومة بينهما، قال: وليس الملتقط في (١٠٩أ٢) هذا كالمستودع، والفرق وهو: أن المستودع مأمور في الحفظ من جهة المالك نصاً، ولا يتهيأ له الحفظ إلا باسترداد فكان مأموراً من جهة المالك بالاسترداد والخصومة ولا كذلك الملتقط.
إذا وجد الرجل لقطة وهي دراهم أو دنانير فجاء رجل وادعى أنها له، وسمى وزنها وعددها ووعاءها وأصابها، فلم يصدقه الملتقط فعلى قول مالك يجبر الملتقط على دفعها إليه، وعلى قول علمائنا لا يجبر، بل يخير إن شاء دفعها، وإن شاء أبى حتى يقيم البينة؛ لأن إصابة العلامة محتمل في نفسه قد يكون جزافاً، وقد يعرف الإنسان ذلك في ملك غيره، وقد يسمع من مالكه عند طلبه، والمحتمل لا يكون حجة للإلزام، فإن دفعها إليه أخذ منه كفيلاً نظراً منه لنفسه، فلعله يأتي مستحقها، فيضمنها إياه، ولا يتمكن من الرجوع على هذا الأخذ؛ لأنه يخفي شخصه فيحتاط بأخذ الكفيل.
وإن صدقه دفعها إليه، ولم يذكر محمد ﵀ في «الأصل» أنه إذا أبى هل يجبر على الدفع، وقد اختلف المشايخ فيه؛ بعضهم قالوا: لا يجبر، وقاسه على ما إذا كان في يد رجل وديعة فجاء رجل، وقال: إني وكيل المودع في استرداد الوديعة منك، فصدقه لا يجبر على الدفع إليه؛ لأنه أقر بحق القبض في ملك الغير فكذا هذا، وبعضهم قالوا: يجبر على الدفع بخلاف مسألة الوديعة.
والفرق في مسألة الوديعة: الملك لغير الذي حضر ظاهر في الوديعة، فأما في اللقطة ليس لغير الذي حضر ملك ظاهر، ثم إذا دفعها إليه في هذه الصورة في آخر، وأقام بينة أنها له إن كان العين قائماً في يد القابض يقضى بالعين للمدعي، وإن كان هالكاً كان للمدعي خياراً في التضمين، فإن ضمن القابض فالقابض لا يرجع على الملتقط، وإن ضمن الملتقط، فالملتقط هل يرجع على القابض؟ ذكر هذه المسألة في كتاب اللقطة في موضعين، قال في موضع: يرجع، وقال في موضع: لا يرجع، ومن المشايخ من وفق بين الروايتين، والأصح أن في المسألة روايتان؛ والاعتماد على رواية الرجوع.
وإذا وجد شاة أو بقرة أو بعيراً وحبسها، وأنفق عليها في مدة التعريف، ثم جاء
стр. 2068
رجل وأقام بينة أنها له لم يرجع بما أنفق، إلا إذا كان الإنفاق بأمر القاضي، وإذا رفع الأمر إلى القاضي، فالقاضي لا يأمره بالإنفاق ما لم يقم بينة أنه التقطها نظراً للمالك، وقدمنا نظيره قبل هذا، فإن قال: لا بينة لي، فالقاضي يقول له: أنفق عليها إن كنت صادقاً، فإن كان صادقاً يرجع، وإن كان كاذباً لا يرجع.
قالوا: إذا كانت اللقطة شيئاً يخاف عليها الهلاك متى لم ينفق عليها إلا أن يقم البينة فالقاضي يقول له: أنفق عليها إن كنت صادقاً، فإن أقام بينة عند القاضي أمره بالإنفاق يومين أو ثلاثة، بعد هذا إن كانت اللقطة شيئاً يمكن إجارتها مؤاجرة ينفق عليها من أجرها، وإن كانت شيئاً لا يمكن إجارتها باعها القاضي بنفسه، أو أمر الملتقط بالبيع، وأعطى الملتقط من الثمن ما أنفق بأمره، وإن لم يبعها حتى جاء صاحبها، وأقام بينة قضى به القاضي له، وقضى عليه بما أنفق الملتقط، وكان للملتقط أن يحبسها منه حتى يعطيه ما أنفق، وهذا لا يشكل فيما إذا أمر بالإنفاق على أن يكون ديناً على صاحبها إذا لم يشترط ذلك، فظاهر ما ذكر في هذا الكتاب يقتضي الرجوع، قال شيخ الإسلام: يجب أن يكون في المسألة روايتان على نحو ما بينا في اللقيط.
في «المنتقى» إذا قال الرجل: وجدت لقطة وضاعت في يدي، وقد كنت أخذتها لأردها على مالكها، وأشهدت بذلك،، وكان الأمر كما قال من الأخذ للرد على المالك والإشهاد بذلك، إلا أن صاحبها يقول: ما كانت لقطة، وإنما وضعتها بنفسي لا يرجع واحد، فإن كان في موضع ليس يقربه أحد، أو كان في طريق، فالقول قول الملتقط إذا حلف أنها ضاعت عنده، وإن كان لا يدري ما قصتها ضمن الملتقط، وإن قال صاحبها: أخذتها من منزلي، فقال الملتقط: أخذتها من الطريق ضمن، وإن وجدها في دار قوم أو في منزلهم أو في نار فارغة ضمن، إذا قال صاحبها: وضعتها لأرجع فآخذها، والأصل في ذلك كله أن أخذ مال الغير سبب لوجوب الضمان، بعضه الأصل إلا إذا كان الأخذ على وجه الحفظ بأن يكون في الطريق، أو يكون في مكان لا يكون يقربه أحد؛ لأنه يعوض التوى، والتلف إذا كان بهذه الصفة، فكان الأخذ للرد على المالك، والحالة هذه من باب الحفظ، فما لم يعلم ذلك أعمل فيه بعض الأصل.
وفي «الأصل» إذا قال المالك: أخذت مالي غصباً، وكان الملتقط يقول: كانت لقطتة، وقد أخذتها لك، فالملتقط ضامن من غير تفصيل، وإذا كانت اللقطة في يدي مسلم، فادعاها رجل فأقام عليه الثلاثة وأقر الملتقط بذلك أو لم يقر ولكن قال: لا أردها عليك إلا عند القاضي فله ذلك، وإن مات في يده عند ذلك فلا ضمان، في «المنتقى» : وإذا كانت اللقطة في يد مسلم ادعاها رجل، وأقام على ذلك شاهدين كافرين لا تقبل هذه الشهادة، وإن كانت في يدي كافر، وباقي المسألة بحالها، فكذلك قياساً؛ لأني أدري بعلمها بكل مسلم.
وفي الاستحسان: تقبل الشهادة؛ لأن المستحق بهذه الشهادة في الحال اليد وإنها للكافر، وأما الكل فكما يتوهم أن تكون للمسلم يتوهم أن تكون للكافر، فيعارض
стр. 2069
الموهومان فيسقط اعتبارهما وتثبت العبرة لليد، وإن كان في يد كافر ومسلم لم تجز شهادتهما على واحد منهما قياساً، وفي الاستحسان جازت الشهادة على الكافر، وقضي بما في يد الكافر لما قال في «المنتقى» بشر عن أبي يوسف ﵀: سارق دفع إلى رجل متاعاً فينبغي للمدفوع إليه أن يتصدق به إذا لم يعرف صاحبه، وإن عرف صاحبه ردَّه عليه، ولا يدفعه إلى السارق، ولا ينبغي له ذلك، ألا ترى أنه لو وصل إلى أخذه بقي له أن يأخذه، ويرده على المالك، وهو ما جوز في ذلك، فكيف يدفعه إلى السارق بعدما وصل إليه، والله أعلم بالصواب.
стр. 2070
كتاب الإباق
هذا الكتاب يشتمل على ست فصول:
١ * في أخذ الولد، وما يصنع به بعد الأخذ
٢ * في بيان مقدار الجعل
٣ * فيمن يستحق الجعل ومن لا يستحق
٤ * في بيان وجوب الضمان على راد الآبق
٥ * في الاختلاف الواقع في الإباق
٦ * في التصرفات في الآبق
стр. 2071
الفصل الأول في أخذ الولد، وما يصنع به بعد الأخذ
ذكر شمس الأئمة السرخسي في شرحه أنه ينبغي للمراد أن يأتي بالآبق إلى الإمام، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا جاء به القاضي وقال: هذا عبد آبق، هل يصدقه القاضي من غير بينة؟ فقد اختلف المشايخ فيه، ثم إذا صدقه وأخذه منه حبسه إلى أن يحجر له طالب، ويكون هذا الحبس بطريق التعزير، ومن هذا المعنى يقع الفرق بين الأبق وبين الضال والضالة، فإن القاضي لا يحبسهما؛ لأنهما لا يستحقان التعزير ولا كذلك الأبق، وينفق عليه في هذا الحبس من بيت المال؛ لأنه محتاج إلى النفقة عاجز عن الكسب مادام محبوساً.
ولو أمره القاضي ليخرج، ويكتسب فأبق ثانياً، فكان النظر في الإنفاق من بيت المال، ثم إذا حبسه الإمام في (بيت) رجل، وأقام بينة أنه عبده قبل القاضي بينته، ولم يذكر محمد ﵀ أن القاضي هل ينصب له خصماً، قال شمس الأئمة الحلواني: اختلف المشايخ فيه؛ بعضهم قالوا: ينصب خصماً، فلم تقبل هذه البينة، وبعضهم قالوا: يقبل القاضي هذه البينة من غير أن ينصب خصماً، فطريقه ما ذكرنا قبل هذا.
قال: ويحلف المدعي بالله ما بعته ولا وهبته ثم يدفع إليه، فإن قيل: كيف يستحلفه وليس ههنا خصم حاضر يدعي ذلك؟ قلنا: يستحلفه لقضائه، أو يستحلفه نظراً لمن هو عاجز عن النظر لنفسه بنفسه من مشتري أو موهوب له، فإذا حلف دفعه إليه، وهل يأخذ منه كفيلاً؟ ذكر في رواية أبي حفص لا أحب له أن يأخذ كفيلاً، ولو أخذ لا يكون مسناً.
وذكر في «نوادر ابن سليمان» : أحب إليَّ أن يأخذ منه كفيلاً، ولو لم يأخذ كان في سعة منه، واختلف المشايخ فيه، منهم من قال: ما ذكر في رواية أبي حفص قول أبي حنيفة، وما ذكر في رواية ابن سليمان قولهما؛ بناءاً على أن أبا حنيفة لا يرى الكفيل للمجهول، وهما يريان ذلك، ومنهم من قال: في المسألة روايتان؛ وهو الأصح، ولكن ما ذكر في رواية ابن سليمان أحوط لجواز أن يظهر له مستحق آخر.
وإن لم يكن للمدعي بينة، وأقر العبد أنه عبده دفعه إليه، وأخذ منه كفيلاً؛ لأن العبد مع المدعي تصادقا على أنه ملك المدعي ولا منازع لهما، ولم يذكر في «الكتاب» أن القاضي يتحر في الدفع إليه، أو يجب عليه الدفع، إنما ذكر دفعه إليه، وقد اختلف المشايخ فيه، وإنما يأخذ الكفيل ههنا؛ لأن الدفع إليه بما ليس بحجة عند القاضي فلا يلزمه ذلك بدون الكفيل، بخلاف الفصل الأول على إحدى الروايتين، فإن لم يجىء للعبد طالب، وطال ذلك باعه القاضي وأمسك ثمنه، ولا يؤاجره بخلاف العبد الضال إذا حجر به إلى القاضي فالقاضي لا يبيعه بل يؤاجره؛ لأن الآبق لا يؤمن بأن يأبق ثانياً لو آجره ولم يبعه، ربما يأتي بنفقته جميع ثمنه، فكان البيع أنفع في حق المولى، ولا كذلك الضال فإنه يؤمن منه الإباق، فكانت الإجارة، وفيها آبقاً العين على ملك المولى أنفع في
стр. 2072
حق المولى ثم القاضي يرجع بما أنفق على الآبق مدة حبسه في ثمنه إن باعه، وإن حضر مولاه يرجع عليه بذلك أخذ الآبق لم يقدر على أخذه أفضل من الترك، وفي حال الضال اختلف المشايخ.
الفصل الثاني في بيان مقدار الجعل
وإذا أخذ آبقاً ورده على مولاه؛ إن كان أخذه من مسيرة سفر أو أكثر فله أربعون درهماً لا يزاد عليه، وإن كان عليه قيمته أربعين تنقص عن الأربعين درهم عند محمد، وهو قول أبي يوسف الأول، وفي قوله الآخر له الجعل حملاً؛ لأن وجوب الجعل عرف بإيجاب الصحابة رضوان الله عليهم، وهم أوجبوا أربعين درهماً من غير أن يتعرضوا لقيمة العبد.
وإن كانت قيمته دون أربعين درهماً، فعلى قول محمد؛ وهو قول أبي يوسف الأول يحط عن قيمته درهم، ويجب الباقي حتى إذا كانت قيمته عشرة دراهم تجب تسعة دراهم، وعلى قول أبي يوسف الآخر يجب الجعل كله، وروي عن أبي يوسف رواية أخرى فيما إذا قيمته أربعون أنه ينقص من الجعل ما يقطع فيه العد، وإن كان أخذه في المصر أو خارجاً منه، ولكن ما دون مسيرة السفر يرضخ له هكذا ذكر في «الأصل» ، وفي «المجرد» عن أبي حنيفة ﵁: إذا وجده في المصر فلا شيء له، ثم إذا وجب الرضخ إن اصطلح الراد والمردود عليه على شيء فالمراد ذلك، وإن اختصما عند القاضي، فالقاضي يقدر الرضخ على قدر المكان، هكذا قاله بعض مشايخنا.٤
وتفسيره: أنه وجب للراد من مسيرة ثلاثة أيام أربعون درهماً، فيكون بإزاء كل يوم ثلاثة عشر درهماً وثلث درهم فيقضى بذلك إن رده من مسيرة يوم، وإليه أشار في «الكتاب» ، وبعضهم يفوض إلى رأي الإمام، وهذا ليس بالاعتبار.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : والحكم في رد الصغير؛ كالحكم في رد الكبير، إن رده من مسيرة السفر فله أربعون درهماً، وإن كان رده مسيرة السفر، فله الرضخ ويرضخ في الكبير أكثر مما يرضخ في الصغير إن كان الكبير أشدهما مؤنة. قالوا: وما ذكر من الجواب في الصغير محمول على ما إذا كان صغيراً يعقل الإباق، أما إذا كان صغيراً لا يعقل الإباق فهو ضال، ورأوا الضال لا يستحق الجعل، وقد نص على هذا التفصيل في «المنتقى» .
وإن كان الدين بين رجلين فالجعل عليهما على قدر أنصبائهما، فإن كان أحد المولين حاضراً والآخر غائباً، فليس للآخر أن يأخذه حتى يعطيه جعله كله، وإذا أخطأه لم يكن متطوعاً؛ لأنه مضطر في أداء حصة صاحبه، وهو نظير المشتريين صفقة واحدة إذا أدى أحدهما كل الثمن.
стр. 2073
وإن كان الآبق رجل؛ والراد رجلان، فالجعل بينهما على السواء، وإن كان الآبق رهناً فجاء به رجل فهو رهن على حاله، والجعل على المرتهن إن كانت قيمته مثل الدين؛ لأن الجعل للراد يسبب إحياء المالية، والإحياء بقدر الدين حصل للمرتهن، ألا ترى أنه لو لم يرده حتى تحققت.... أسقط دين المرتهن، والجعل يخالف النفقة، فإن نفقة المرهون على الراهن، وجعل المغصوب إذا أبق (١١٠أ٢) من يد الغاصب، وإذا كان الآبق خدمته لرجل ورقبته لرجل؛ فالجعل على صاحب الخدمة؛ لأن منفعة الرد في الحال لصاحب الخدمة، فكان هو المخاطب بالجعل في الحال، وإذا انقضت الخدمة رجع صاحب الخدمة بالجعل على صاحب الرقبة أو يباع العبد فيه؛ لأن صاحب الرقبة صاحب أصل.
ولمن جاء بالعبد الآبق أن يمسكه حتى يستوفي الجعل؛ لأنه استوجب الجعل بإحياء المالية، فكان بما استوجب تعلقاً بالمالية، فيحبسه به كما يحبس البائع المبيع بثمنه، وإن هلك في يده بعدما قضى القاضي له بالإمساك بالجعل، أو قبل المرافعة إلى القاضي فلا ضمان ولا جعل، وإذا صالح الذي جاء بالآبق مع مولاه من الجعل على عشرين درهماً جاز؛ لأنه يجوز بدون حقه، وإن صالح على خمسين درهماً وهو لا يعلم أن الجعل أربعون جاز بقدر أربعين، وبطل الفضل، وإذا أبقت الأمة ولها صبي رضيع فردهما رجل فله جعل واحد، إلا إذا ارتهن فحينئذ تجب ثمانون درهماً وإذا رجع الواهب في الهبة بعدما رد الموهوب من إباقه، فالجعل على الموهوب له؛ لأن الرد إحياء المالية له بالرد إليه، فزوال ملكه بعد ذلك بالرجوع لزوال ملكه بموت العبد.
الفصل الثالث فيمن يستحق الجعل ومن لا يستحق
قال محمد ﵀ في «الأصل» : وإذا (كان) المكاتب لا يستحق الجعل؛ لأن استحقاق الجعل بالرد لإحياء مالية الرفعة بالردة، وذلك لا يوجد في المكاتب؛ لأن حق المولى في بدل الكتابة في ذمته خاصة، ولم يصر ذلك على شرف الهلاك بإباقه حتى يكون في الرد إحياؤه، ولراد المدبر وأم الولد الجعل، وهذا الجواب مشكل في أم الولد؛ لأن الجعل يستحق بإحياء المالية، والمالية لأم الولد خصوصاً عند أبي حنيفة ﵁، والجواب أن لها مالية باعتبار الكسب، فإنه أحق بكسبها، وقد أحيا الراد بالرد بخلاف المكاتب؛ لأن كسب المكاتب له لا حق للمولى فيه، فالراد بالرد لا يحيي مالية للمولى لا باعتبار القيمة، ولا باعتبار الكسب، ولو مات المولى قبل أن يصل بها إليه، فلا جعل، وإن كان على المدبر سعاية ورده إلى الورثة فلا جعل؛ لأنه رد حراً عندهما، وعند أبي حنيفة ﵁ رد مكاتباً، ولا رد بجعل المكاتب، ولا جعل للوصى إذا رد
стр. 2074
عبداً لهم، وكذلك كل من يعول صغيراً، ولا جعل للسلطان إذا رد آبقاً؛ لأنه فعل ما هو واجب عليه، وكذلك رآه بأن.... إذا رد المال من المدبر القطاع فلا شيء لهما، ولا جعل للابن إذا رد آبقاً لأبيه، وللأب الجعل إذا رد آبقاً للابن إذا لم يكن الآبق في عيال الابن؛ وهذا لأن رد الآبق على المولى نوع خدمة في حق المولى، وخدمة الأب مستحقة على الابن، وإقامة ما هو مستحق عليه الإنسان لا يقابل بالأجر، فأما خدمة الابن غير مستحقة على الأب، فيجوز أن يقابل بالأجر، إلا أن الأب إذا كان في عيال الابن لا يستحق الجعل؛ لأن أبق الرجل يطلبه من هو في عياله عادة، ولهذا ينفق عليهم فلا يستوجب مع ذلك جعلاً آخر.
وفي «البقالي» : روي أن الأب لا يستحق الجعل والابن يستحق، ولأحد الزوجين الجعل على صاحبه برد آبقه، والأخ يستحق الجعل على أخيه وأخته استحساناً إذا لم يكن الراد في عيال المردود عليه، وإذا جاء بالعبد الآبق ليرده على مولاه فوجده قد مات فله الجعل في تركته، وإن لم يكن له مال سوى العبد.... بالجعل، وإن كان الذي جاء به وارث الميت فلا يخلو أما إن كان ولده أو لم يكن ولده ولكن كان في عياله، أو لم يكن ولده ولم يكن في عياله؛ أجمعوا على أنه لو أخذه في حال حياة المورث ورده في حال حياة المورث أن له الجعل، وأجمعوا على أنه لو أخذه بعد وفاة المورث، ورده أنه لا جعل له، وأما إذا أخذه في حال حياة المورث وجاء به إلى المصر في حياته أيضاً إلا أنه سلمه بعد الموت، قال أبو حنيفة ومحمد ﵄: يجب الجعل له في حصة شركائه، وقال أبو يوسف لا يجب، وإن كان الراد ولداً أو لم يكن ولداً، ولكن كان في عياله لا يستحق الجعل على كل حال.
رجل قال لغيره: إن عبدي قد أبق إن وجدته فخذه، فقال المأمور: نعم، فأخذه المأمور، وعلى مسيرة ثلاثة أيام وجاء به إلى المولى فلا جعل له؛ لأن المولى قد استعان منه في رده عليه، وقد وعد له الإعانة، والعين لا يستحق شيئاً، أخذ آبقاً من مسيرة ثلاثة أيام، وجاء به ليرده على مولاه، فلما أدخله المصر أبق منه قبل أن ينتهي إلى مولاه، فأخذه رجل في المصر، ورده على المولى فلا شيء للأول؛ لأن سبب استحقاق الجعل إحياء المالية بالرد على المولى، ولم يوجد من الأول الرد على المولى، ويرضخ للثاني على قدر غيابه على نحو ما بينا.
وإن أخذاه بعد ذلك في المصر أو في مسيرة يوم فللأول نصف الجعل تاماً، ورضخ للثاني على قدر غيابه؛ لأنهما هما السبب بالرد على المولى، ويجعل في حق الأول كأنهما رداه في مسيرة السفر، ذكر في «الأصل» وفي «المنتقى» : جاء بالآبق من مسيرة ثلاثة أيام ليرده على المولى، فأخذه منه غاصب، وجاء به الغاصب إلى مولاه، ثم جاء الآخذ الأول، وأقام بينة أنه أخذه من مسيرة ثلاثة أيام أخذ الجعل ثانياً من المولى، ويرجع المولى على الغاصب بما أخذ منه.
стр. 2075
وفيه أيضاً أخذ آبقاً من مسيرة ثلاثة أيام، وجاء به يوماً، ثم أبق العبد منه، وسار يوماً نحو المصر الذي فيه المولى، وهو لا يريد الرجوع إلى المولى، ثم إن ذلك الرجل أخذه ثانياً، وجاء به اليوم الثالث، فدفعه إلى المولى، فله جعل اليوم الأول والثالث، وهو كالجعل، ولو كان حين أبق من الذي أخذه وجده مولاه فلا جعل للذي أخذه، ولو كان العبد فارق الذي أخذه وجاء متوجهاً إلى مولاه لا يريد الإباق فللأول جعل يوم، وفيه أيضاً؛ أخذا عبداً آبقاً ودفعه إلى رجل، وأمر له أن يأتي به مولاه، ويأخذ منه الجعل فيكون له؛ يعني للمأمور، فقدم به ودفعه إلى مولاه أخذ الجعل منه، ويكون لو قال ثمة، وهو بمنزلة دين (١١٠ب٢) لرجل على رجل، وهبه من رجل وأمره بقبضه فقبضه.
في «الأصل» : عبد أبق إلى بعض البلدان، فأخذه رجل، واشتراه منه رجل آخر وجاء به لا جعل له، إنما رده لنفسه، فإن المشتري يكون غاصباً لملك المشتري فيكون غاصباً في حق المولى لا عاملاً له في الرد، فإن كان حين اشتراه أشهد أنه إنما اشتراه ليرده على صاحبه؛ لأنه لا يقدر عليه إلا بالشراء؛ فله الجعل لأنه بهذا الإشهاد أظهر أنه في الرد عامل للمولى، فلا يرجع على المولى بما أدى من الثمن قل أو كثر، وإن وهب له أو أوصى له به أو ورثه، فالجواب فيه كالجواب في الشراء، ولا يستحق الجعل.
أخذ عبداً آبقاً وجاء به ليرده على مولاه، فلما نظر إليه المولى أعتقه، ثم أبق من يد الآخر، كان له الجعل؛ لأن الإعتاق نص معنى؛ لأنه إتلاف للمالية، فقد وصل العبد إلى المولى معنى، ألا ترى أن المشتري لو أعتق المشترى قبل القبض صار قابضاً له كذا ههنا، ولو كان دبره والمسألة بحالها فلا جعل له؛ لأن التدبير ليس بقبض؛ لأنه لا يتلف به المالية، فلم يصل العبد إلى يد المولى أصلاً.
ولو كان الآخذ حين سار به ثلاثة أيام أبق منه قبل أن يأتي به إلى المولى، ثم أعتقه المولى فلا جعل؛ لأن المولى لم يصر قابضاً من يد الآخذ؛ لأنه حين أعتقه لم يكن في يد الآخذ، ولو جاء به إلى مولاه فقبضه، ثم وهبه منه فعليه الجعل، ولو وهبه منه قبل أن يقبضه فلا جعل له؛ لأنه لم يصل إلى المولى من جهة لا بصورته ولا بمعناه، ولو باعه منه قبل أن يقبضه فعليه الجعل؛ لأنه وصل إلى المولى عوضه، فصار كما لو وصل إليه عينه بهذه الجملة.
وفي «العيون» قال شمس الأئمة الحلواني: الراد إنما يستحق الجعل إذا أشهد عند الأخذ أنه إنما أخذه ليرده على المالك أما إذا ترك الإشهاد لا يستحق الجعل وإن رده على المالك.
الفصل الرابع في بيان وجوب الضمان على راد الآبق
إذا مات الآبق عند الآخذ أو أبق منه قبل أن يرده على المولى؛ فإن كان حين أخذ أشهد أنه إنما أخذه ليرده على صاحبه لا ضمان عليه، وكذلك إذا قال وقت الأخذ: هذا
стр. 2076
آبق أخذته فمن وجد له طالباً فليدله عليّ فلا ضمان عليه؛ لأنه وجد منه الإشهاد. قال شمس الأئمة الحلواني: وليس من شرط الإشهاد أن يكرر ذلك، والحر يكفي بحيث لا يقدر على أن يكتم إذا سئل، وهكذا في اللقطة.
وأما إذا ترك الإشهاد، وكان الإشهاد ممكناً كان عليه الضمان عند أبي حنيفة ومحمد ﵄، خلافاً لأبي يوسف ﵀، وهذا إذا علم كونه آبقاً، وإن أنكر المولى أن يكون عبده آبقاً فالقول قوله، والآخذ ضامن إجماعاً؛ لأن سبب وجوب الضمان قد ظهر من الآخذ، وهو أخذ مال الغير بغير إذنه، فهو يعبر عن المسقط وهو الإذن شرعاً بكون العبد آبقاً، وإذا أخذ عبداً آبقاً فادعاه رجل وأقر له بالعبد فدفعه إليه بغير أمر القاضي فهلك عنده، ثم استحقه آخر بالبينة، فله أن يضمن أيهما شاء، فإن ضمن الدافع رجع به على القابض، وإن كان لم يدفع إلى الأول حتى شهد عنده شاهدان أنه عبده، فدفعه إليه بغير حكم، ثم أقام الآخر البينة أنه له، قضى به للثاني؛ لأن البينة الأولى قامت في غير مجلس الحكم، فلا يكون معارضة للبينة التي قامت في مجلس الحكم.
فإن أعاد الأول البينة لم ينفعه أيضاً؛ لأن العبد في يده، وحقه في اليد في الملك المطلق، لا يعارض بينة الخارج، وإذا أخذ عبداً آبقاً وباعه بغير أمر القاضي حتى لم يصح البيع، وهلك العبد في يد المشتري، ثم جاء رجل فادعاه، فأقام البينة أنه عبده، فالمستحق بالخيار؛ إن شاء ضمن المشتري، وعند ذلك يرجع المشتري بالثمن على البائع، وإن شاء ضمن البائع قيمته، وعند ذلك ينفذ البيع من جهة البائع، ويكون الثمن له، ويتصدق بما فضل على القيمة من الثمن؛ لأنه ربح حاصل لا على ملكه بسبب كسب خبيث.
الفصل الخامس في الاختلاف الواقع في الإباق
إذا أنكر المولى أن يكون عبده آبقاً فلا جعل للراد؛ إلا أن يشهد الشهود أنه أبق من مولاه، أو على إقرار المولى بالإباق، وإذا أبق العبد وذهب بمال المولى، فجاء رجل وقال: ما أخذت منه شيئاً فالقول قوله، ولا شيء عليه، ولا يكون وصول يده إلى العبد دليلاً على وصول يده إلى المال ما لم يعلم كون المال في يد العبد حين أخذ العبد، فالمولى يدعي عليه ذلك، وهو ينكر، فيكون القول قوله، كما لو ادعى عليه أنه غصبه مالاً آخر، وهو ينكر، فإن أقر، فإذا أنكر يستحلف.... ليقوم ذلك مقام إقراره.
стр. 2077
الفصل السادس في التصرفات في الآبق
بيع الآبق من الأجنبي أو من ابن صغير له لا يجوز، وبيعه ممن في يده يجوز، وهبته من الأجنبي لا يجوز، وإن وهب من ابن صغير له؛ إن كان مرة أبقى إلى دار الإسلام، وإن أبق إلى دار الحرب؛ اختلف فيه المشايخ، وروى قاضي الحرمين أنه لا يجوز، ويجوز إعتاقه عن كفارة ظهاره، ولو وكل المولى رجلاً يطلب الآبق، فأصابه الوكيل، وهو لا يعلم به، ثم باعه المولى من إنسان، ولا يعلم البائع والمشتري أن الوكيل أصابه فالبيع باطل، حتى يعلم أن الوكيل أصابه، وإن أخذ الآبق رجل، وآجره الآخذ فالأجرة له؛ لأنها وجبت بعقده، ويتصدق بها؛ لأنها حصلت بكسب خبيث، فإن دفعه إلى المولى مع القيد، وقال: هذه غلته عندك، وقد سلمته لك فهي للمولى، ولا يحل للمولى أكلها قياساً؛ لأن حق الفقراء أثبت فيها حين وجب التصدق، فلا يملك الآخذ إسقاطها، ويحل استحساناً؛ لأن الخبث إنما تمكن فيها لعدم رضا المولى، فإنما يظهر ذلك في حق الآخذ؛ لا في حق المولى، فيزول الخبث عند التسليم إلى المولى.
стр. 2078
كتاب المفقود
هذا الكتاب يشتمل على ثلاثة فصول: (١١١أ٢)
١ * في تفسير المفقود وحكمه
٢ * في التصرفات في مال المفقود
٣ * في الخصومة في الميراث، وفي الورثة مفقوده
стр. 2079
الفصل الأول في تفسير المفقود وحكمه
فأما تفسيره ما ذكر محمد ﵀ في «الأصل» : الرجل يخرج في بيته فيقصد ولا يعرف موضعه، ولا يستبين أثره، ولا موته إذ باشره العدو فلا يستبين موته، ولا قتله، وأما حكمه: فما ذكر محمد ﵀ في «الكتاب» أنه يعتبر حياً في حق نفسه حتى لا يقسم ماله بين ورثته، ولا تتزوج امرأته، ولا يحكم القاضي في شيء من أمره حتى يثبت موته، أو قتله، ويصير ميتاً في حق غيره، حتى لا يرث أحداً من أقربائه إذا مات.
ومعنى قوله: لا يرث أحداً من أقربائه؛ أن نصيبه المقصود من الميراث لا يصير ملكاً للمفقود أما يوقف للمفقود نصيباً من ميراث من مات من أقربائه؛ وهذا لأن حياة المفقود محتملة، والمحتمل يكفي للتوقف كما في الجنين، فإن ظهر حياً ظهر أنه كان مستحقاً، وإن لم يظهر حياً حتى بلغ من السن ما قال في «الكتاب» على ما يتبين بعد هذا إن شاء الله تعالى مما وقف له يرد على ورثة صاحب المال يوم مات صاحب المال بمنزلة الموقوف للجنين إذا انفصل الجنين ميتاً، قال مشايخنا: مدار مسائل المفقود على حرف واحد، أن المفقود يعتبر حياً في ماله، ميتاً في مال غيره، حتى ينقضي من المدة ما يعلم أن مثله لا يعيش إلى تلك المدة أو يموت أقرانه، وبعد ذلك يعتبر ميتاً في ماله يوم تمت المدة أو مات الأقران، وفي مال الغير يعتبر كأنه مات يوم فقد حتى أنه إذا.... المراحل ثم مات ابنه، ولهذا الابن أخ لأمه، والمفقود عصبة في ضم أخ الابن عصبة المفقود؛ ينظر إن كان الابن قد مات قبل أن يموت أقران المفقود، فإن جميع مال المفقود لعصبة المفقود متى مات أقران المفقود لا يكون للابن من ذلك شيء؛ لأنا حكمنا بحياته بعد موت الابن في حق نفسه، ولا يكون للمفقود من ميراث الابن شيء؛ لأنا اعتبرناه ميتاً في حق غيره، ولكن يوقف نصيب المفقود من مال الابن إلى أن يظهر حال المفقود؛ لأنه احتمل أن يكون حياً فيكون له الميراث من أبيه، واحتمل أن يكون ميتاً فلا يكون له الميراث من ابنه بل يكون ميراث الابن لأخيه.
فإن ظهر المفقود حياً فما وقف له يكون له، وإن لم يظهر حاله حتى مات أقرانه فما أوقفنا للمفقود من مال الابن يكون ميراثاً لأخ الابن؛ لأنا تيقنا بكون الأخ وارثاً، فثبت موت الابن، وشككنا في كون المفقود وارثاً، فكان جعله ميراثاً لمن كان وارثاً له بيقين أولى، فإن كان أقران المفقود قد ماتوا قبل موت الابن؛ فميراث المفقود صار للابن؛ لأنا حكمنا بموت المفقود والابن حي، فيكون ميراثه للابن، فإذا مات الابن يكون لورثة الابن، فهذا هو حاصل ما يبنى عليه من مسائل المفقود.
ثم طريق ثبوت موت المفقود إما البينة أو موت الأقران، وطريق تحوّل هذه إليه أن
стр. 2080
يجعل القاضي من في يديه المال خصماً عنه، أو ينصب عنه قيماً فتقبل عليه البينة، وأما موت الأقران وهو المذكور في «الكتاب» عن محمد ﵀: ويشترط موت جميع الأقران ما بقي واحد من أقرانه لا يحكم بموته، ولم يذكر أنه يعتبر موت جميع أقرانه في جميع البلدان، أو في بلد المفقود، وقد اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يعتبر موت أقرانه من أهل بلده، وهذا القول أرفق بالناس؛ لأن التفحص عن حال أقرانه في جميع البلدان إما غير ممكن أو فيه حرج ظاهر.
ولم يعتبر محمد ﵀ في موت المفقود وحياته السنين، والمشايخ اعتبروا ذلك، فالمتقدمين من المشايخ بعد محمد ﵀ قدروا عمره بمائة وعشرين سنة، وقالوا: متى مضى من مولده مائة وعشرين سنة فإنه يحكم بموته، وإن بقي بعض أقرانه في الأحياء، ولا يحكم بموته قبل ذلك وإن مات جميع أقرانه، وعن نصير بن يحيى أنه قدر عمره بمائة سنة، وهو المروي عن أبي يوسف والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد رحمة الله عليهما شهدا به تسعين سنة، قالا: لأن الأعمار قد قصرت في زماننا، قال الصدر الشهيد حسام الدين ﵀: وعليه الفتوى.
قال شيخ الإسلام في «شرحه» : ما قاله محمد ﵀ أحوط وأقيس؛ لأن مضي ما قالوا من المدة إن دل على موته، فبقاء من بقي من أقرانه بعد مضي هذه المدة يدل على حياته، فيقع التعارض بين دليل الحياة وبين دليل الموت، فلا يثبت الموت مع التعارض، ومتى اعتبرنا موت أقرانه، فإنما يثبت موته بدليل لا يعارض، وما قال المشايخ أرفق بالناس؛ لأن التفحص عن حال الأقران أنهم ماتوا أو لم يموتوا أمر غير ممكن أو فيه حرج، وإذا أوصى رجل للمفقود بشيء لم أقض بها ولم أبطلها؛ لأن الوصية أخت الميراث، وفي الميراث تحبس حصة المفقود إلى أن يظهر حاله، كذا ههنا.
الفصل الثاني في التصرفات في مال المفقود
قال محمد ﵀: ما كان يخاف عليه الفساد من مال المفقود فالقاضي يبيعه، وما لا يخاف عليه الفساد فحفظه ممكن بدون البيع فلا حاجة إلى البيع، ولا كذلك ما يخاف عليه الفساد، وإن أراد واحد من أقاربه أن يبيع شيئاً من ماله لحاجة النفقة؛ إن كان المال عقاراً فليس له ذلك بالإجماع؛ سواء كان البائع أباً أو غيره، وإن كان منقولاً ليس من جنس حقه كالخادم والدار ونحو ذلك؛ أجمعوا على أن غير الأب لا يملك البيع؛ الأم وغيرها في ذلك على السواء، وأما الأب فلا يملك البيع قياساً، وهو قولهما، وعلى قول أبي حنيفة ﵁ يملك، وهو استحسان، وجه القياس: أن جواز البيع يشهد بالولاية، ولا ولاية للأب في مال ولده الكبير، ألا ترى أنه لا يمكن بيع عقاره.
وجه الاستحسان: أن أثر الولاية في حق مال ولده الكبير قائم حتى صح منه
стр. 2081
استيلاد جارية الابن لحاجته إلى ذلك، والحاجة إلى النفقة لبقاء نسبه فوق الحاجة إلى الاستيلاد لبقاء نسله، وإذا بقي أثر الولاية؛ لأنه كان حاله كحال الوصي في الوارث الكبير الغائب، وقد ثبت للوصي حق بيع المعروض دون العقار كذا ههنا.
وإن كان المفقود وديعة أو دين؛ أنفق القاضي من ذلك على زوجته وولده وأبويه إذا كان المودع مقراً بالوديعة، والمديون مقراً بالدين، وذكر هذه المسألة في كتاب «النكاح» من «الأصل» (١١١ب٢) وشرط إقرارهما بالنكاح والمال، وههنا لم يشترط إقرارهما بالنكاح، وليس في المسألة اختلاف الروايتين، بل إنما اختلف الجواب لاختلاف الوضع، موضوع ما ذكرنا في كتاب «النكاح» : أن النكاح والنسب لم يكن معلوماً للقاضي، فشرط إقرار صاحب اليد لهما.
وموضوع ما ذكر ههنا: أن النكاح والنسب كان معلوماً للقاضي فلم يشترط إقرارهما بالنكاح والنسب، فإن أعطاهم الرجل شيئاً بغير أمر القاضي، فالمودع يضمن ولا يبرأ المديون، وإن أعطاهم بأمر القاضي فالمودع لا يضمن، والمديون يبرأ، وللقاضي أن ينصب وكيلاً في جميع غلات المفقود؛ طلب الورثة ذلك أو لم يطلبوا، ولهذا الوكيل أن يتقاص ويقبض، ويخاصم من يجحد حقاً وجب بعقد جرى بينه وبين هذا الوكيل؛ لأن الوكيل في حق الحقوق بمنزلة المالك، أما كل دين كان المفقود تولاه أو نصب كان له في عقار، أو عرض في يدي رجل، أو حق من الحقوق، فإن هذا الوكيل لا يخاصم؛ لأنه ليس بمالك، ولا نائب عن المالك في الخصومة في ذلك؛ لأنه وكيل بالقبض، والوكيل بالقبض من جهة القاضي لا يملك الخصومة بلا خلاف، وإنما الخلاف في الوكيل بالقبض، والوكيل بالقبض من جهة القاضي المالك؛ قال في «الكتاب» : إلا أن يكون القاضي ولاه ذلك ورآه، وأنفذ الخصومة بينهم فإنه يجوز.
وعلل فقال: لأن هذا مما اختلف فيه القضاء، وهذا بناءً على أنه ليس للقاضي أن يقضي على الغائب وللغائب إلا إذا كان عنه خصم حاضر عندنا، ولو قضى ينفذ قضاؤه لكونه واقعاً في فصل مجتهد فيه، وكذا لا ينبغي للقاضي أن ينصب وكيلاً عن الغائب وللغائب، ولو فعل ينفذ قضاؤه بالإجماع لما قلنا.
ثم أشار ههنا إلى أن القضاء على الغائب وللغائب نفاذه لا يتوقف على إمضاء قاضٍ آخر، وهذا إشارة إلى أن نفس القضاء ليس بمختلف فيه، أما المجتهد بسبب القضاء أن البينة هل هي حجة يثبته الخصم، وفي «شرح الجامع» مما علقته على والدي * تغمده الله بالرحمة * أن نفس القضاء مختلف فيتوقف على إمضاء قاضٍ آخر كما لو كان القاضي محدوداً في قذف.
وإن ادعى رجل على المفقود حقاً لم يلتفت إلى دعواه، ولم تقبل منه البينة، ولم يكن هذا الوكيل ولا أحد من الورثة خصماً له، وإن رأى القاضي سماع البينة، وحكم به بعد حكمه بالإجماع، وإذا رجع المفقود حياً لم يرجع في شيء مما أنفق القاضي أو وكيله بأمره على زوجته وولده من ماله ودينه وغلته، وكذلك ما أنفقوا على أنفسهم من دراهم أو
стр. 2082
دنانير أو تبر في وقت حاجتهم إلى النفقة أو ثياب لبسوها للكسوة، أو طعام أكلوه، أما سوى ذلك من الأموال إذا باعوها لحاجتهم إلى النفقة فقد مرَّ تفاصيل ذلك، وإذا فقد المكاتب، وترك أموالاً لأهله يؤدي مكاتبه من تركته؟ ينظر إن كان ما ترك المكاتب من خلاف جنس ما عليه؛ لا يؤدي، وإن علم القاضي بوجوب الدين عليه؛ لأنه لا يمكنه القضاء إلا بالبيع.
وولاية القاضي في مال المفقود مقصورة على الحفظ اتفاقاً عليه، والبيع ليس من قبيل ذلك، وإن كان ترك المكاتب من جنس المكاتبة وعلم القاضي بوجوب الدين عليه؛ فإن كان لهذا المكاتب ابن حرّ مات هذا الابن وترك ورثةً قسم ماله بين ورثته، ولم يحبس للمكاتب شيئاً؛ لأن المكاتب لا يرث شيئاً من ابنه فلا يكون للتوقف فائدة، وإذا كان المفقود قد باع خادماً قبل أن يفقد، فطعن المشتري بعيب، وأراد أن يرد على ولد المفقود فليس له ذلك؛ لأن الولد ليس بمالك ولا عاقد، ولا نائب عمن هو مالك أو عاقد، ولا رد على غير مولاه، وإن استحق هذا الخادم من يد المشتري، فالقاضي هل يوفي عنه من ماله؟ إن كان ماله من جنس الثمن يوفي إذا علم وجوب الثمن عليه؛ لأن الخادم لما استحق من يد المشتري صار الثمن ديناً له على المفقود، فصار الجواب فيه كالجواب في سائر الديون.
الفصل الثالث في الخصومة في الميراث، وفي الورثة مفقود
إذا مات الرجل وترك ابنتين وابناً مفقوداً، ولهذا الابن المفقود ابن وابنة، والتركة في يد الابنتين، والكل مقرون بأن الابن مفقود، واختصموا إلى القاضي، فإن القاضي لا ينبغي له أن يحرك المال عن موضعه؛ هكذا ذكر في «الأصل» ، ومعنى قوله القاضي لا يحرك المال عن موضعه: لا يشرع القاضي سبباً من يد الابنتين؛ لأن النصف مما في أيديهما صار ميراثاً لهما بموت أبيهما بيقين؛ لأن المفقود إذا كان حياً فلهما هذا القدر، وإن كان ميتاً فلهما الثلثان، فالنصف لهما بيقين والنصف الآخر لا خصم له؛ لأن ورثة المفقود لا يدعون ذلك لأنفسهم ولا يكونون خصماً عن المفقود؛ لأنه لا يدرى أنه حي أو ميت، ولا يزال بصاحب اليد إلا بمحضر من الخصم بخلاف مال المفقود الذي يعلم أنه له؛ لأن حق أولاده ثابت في ذلك المال باعتبار ملكه، فإنهم يستحقون النفقة في ملكه، واستصحاب المال يكفي لإبقاء ما كان على ما كان.
وكذلك إذا قال الإنسان: قد مات أخونا، وقال ولد الابن: هو مفقود؛ لأن من في يديه المال إقرار لدى الابن بنقض ذلك وقد رد ولد الابن إقرارهما بقولهما أبونا مفقود، ولو كان مال الميت في يدي ولدي الابن المفقود وطلب الابنان ميراثهما واتفقوا أن الابن مفقود، فإنه يعطي لهما النصف؛ لأنهما يدعيان بنصف ما في يدي ولدي المفقود، وقد صدقا في ذلك فيعطيان النصف لهما من ذلك، والنصف الآخر يترك على يدي ولدي
стр. 2083
المفقود من غير أن يقضى به لهما ولا لأبيهما؛ لأنه لا يدري من المستحق لهذا الباقي.
ولو كان مال الميت في يد أجنبي، فقالت الابنتان: مات أخونا قبل الأب، وقال ولد الابن: إنه مفقود، فإن أقر الذي في يديه المال أنه مفقود؛ فإنه يعطي الابنتين من ذلك النصف؛ لأنهما تدعيان لأنفسها الثلثان، وذو اليد أقر لهما بالنصف حين قال إنه مفقود، فيعطي لهما النصف، والنصف الآخر يوقف في يديه، ولو قال الذي في يديه المال: إنه مات قبل الأب فإنه يجبر على دفع الثلثين إلى الابنتين؛ لأن صاحب اليد صدقهما فيما ادعتا من ثلثي ما في يديه، ويوقف الثلث الآخر على يديه؛ (١١٢أ٢) لأنه لا خصم له، ولو كان الذي في يديه المال أنكر أن يكون هذا المال للميت، فأقامت الابنتان بينة أن أباهم مات، وترك هذا المال ميراثاً لهما ولأخيهما المفقود، فإنه يقبل بينتهما؛ لأن أحداً ليس متهم فيقسم بين جميع الورثة فيما يدعي للميت، وهما يدعيان المال للميت فينصبان خصماً عن جميع الورثة، فقبلت بينتهما، ويعطى لهما النصف، وينزع النصف الآخر من يد ذي اليد، وتوقف على يدي عدل؛ لأنه ظهر خيانة ذي اليد حين جحد المال للميت، ومال الغائب لا يترك في يد الخائن بخلاف ما لو كان أقر بذلك؛ لأنه لم يظهر خيانته، فيترك في يديه إلى أن يظهر حال المفقود، والله أعلم بالصواب، تم كتاب المفقود بحمد الله تعالى.
стр. 2084
كتاب الغصب
هذا الكتاب يشتمل على خمسة عشر فصلاً:
١ * في نفس الغصب
٢ * في حكم الغصب
٣ * فيما لا يجب الضمان باستهلاكه
٤ * في كيفية الضمان
٥ * في خلط الغاصب مال رجلين أو رجل، أو مال غيره بماله، أو اختلط أحد المالين بالآخرين من غير خلط
٦ * في استرداد المغصوب من الغاصب، وما يمنع من ذلك، وفيما يبرأ الغاصب به عن الضمان وما لا يبرأ
٧ * في التسبب إلى الإتلاف
٨ * قي الدعوى الواقع في الغصب، واختلاف الغاصب، والمغصوب منه والشهادة في ذلك
٩ * في تملك الغاصب المغصوب، والانتفاع به
١٠ * في الأمر بالإتلاف
١١ * في زراعة الأرض المغصوبة، والبناء فيها
١٢ * فيما يلحق العبد الغصب، فيجب على الغاصب ضمانه
١٣ * في غاصب الغاصب ومودع الغاصب
١٤ * في غصب الحر والمدبر، والمكاتب، وأم الولد
١٥ * في المتفرقات
стр. 2085
الفصل الأول في نفس الغصب
فنقول: الغصب شرعاً: أخذ مال متقوم محرم بغير إذن المالك على وجه ينفي يد المالك إن كان في يده أو تتغير يده إن لم يكن في يده، وإنه نوعان:
نوع يتعلق به المأثم، وهو ما وقع عن علم، ونوع لا يتعلق به المأثم، وهو ما وقع عن جهل، والضمان يتعلق بهما جميعاً؛ لأن الضمان لجبر الحق، والحق يفوت في الحالين على نمط واحد، وشرطه عند أبي حنيفة ﵁: كون المأخوذ منقولاً، وهو قول أبي يوسف آخراً حتى إن غصب العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر لا ينعقد موجباً للضمان. استعمال عبد الغير غصب له حتى لو هلك من ذلك العمل ضمن المستعمل قيمته علم المستعمل أنه عبد الغير أو لم يعلم، بأن جاء إليه وقال: أنا حر فاستعمله، وهذا لما بينا أن ضمان الغصب لا يختلف بالعلم وعدم العلم، وهذا إذا استعمله في أمر من أمور نفسه.
أما إذا استعمله في أمر نفسه لا يصير غاصباً له، فقد ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» أن من قال لعبد الغير: ارتق شجرة المشمش هذه لتأكل أنت، فوقع من الشجرة ومات لا يضمن الآمر، ولو قال: لآكل أنا وباقي المسألة بحالها يضمن، وما افترقا إلا؛ لأنه في الفصل الأول ما استعمله في أمر نفسه، وفي الفصل الثاني استعمله في أمر نفسه.
وسئل شمس الإسلام عمن استعمل عبد الغير أو جارية الغير، فأبق في الاستعمال، فهو ضامن بمنزلة المغصوب إذا أبق من يد الغاصب، ومن استعمل عبداً مشتركاً، أو حماراً مشتركاً بينه وبين غيره بغير إذنه يصير غاصباً نصيب شريكه، وفي «أجناس الناطفي» في أمر الحبس الأول من كتاب «الدعوى» أن في استعمال العبد المشترك بغير إذن شريكه روايتان؛ عن محمد روى هشام عنه أنه يصير غاصباً نصيب صاحبه، وروى ابن رستم عنه: أنه لا يصير غاصباً، وفي الدابة يصير غاصباً نصيب صاحبه في الروايتين ركوباً وحملاً، وورد في زماننا من هذا الجنس فتوى من بعض البلدان.
وصورته: رجل كان يكسر الحطب، فجاء غلام رجل وقال: أعطني القدوم والحطب حتى أكسرها، فأبى صاحب الحطب ذلك، فأخذ الغلام القدوم منه، وأخذ الحطب وكسر بعضه، وقال: ائتِ آخر معي أكسر، فأتى صاحب الحطب، بحطب آخر فكسره الغلام، فضرب بعض المكسور من الحطب على عين الغلام، وذهبت عينه، فأفتى مشايخ زماننا أنه لا يكون على صاحب الحطب شيء؛ لأن صاحب الحطب لم يأمر الغلام بكسر الحطب، ولم يستعمله فيه، وإنما فعل العبد ذلك باختياره، فلا يكون على صاحب الحطب شيء.
وسئل أبو بكر عمن وجه جاريته إلى النخاس فبعثتها امرأة النخاس في حاجة فهربت، فعلى قول أبي حنيفة ﵁: الضمان على امرأة النخاس لا غير، وعلى
стр. 2086
قولهما؛ وإن شاء ضمن النخاس أيضاً كما عرف في أجير المشترك.
في «فتاوى أبي الليث» : جارية جاءت إلى النخاس بغير إذن مولاها، وطلبت البيع، ثم ذهبت، ولا يدري أين ذهبت، وقال النخاس: رددتها على المولى، فالقول قول النخاس، ولا ضمان عليه، ومعنى ذلك أن النخاس لم يأخذ الجارية، ومعنى الرد أمره إياها بالذهاب إلى منزل المولى، أما إذا أخذ النخاس الجارية من الطريق، أو ذهب بها من منزل مولاها بغير أمره لا يصدق.
ركب دابة رجل في حال غيبته بغير أمره، ثم نزل عنها وتركها في مكانها، ذكر في آخر كتاب «اللقطة» أن عليه الضمان، وذكر الناطفي في «واقعاته» اختلاف الروايات، قال عنه: والصحيح أنه لا يضمن على قول أبي حنيفة؛ لأن غصب الدابة لا يتحقق من غير النقل، وعن أبي يوسف أيضاً في «المنتقى» أنه لا ضمان، وفي اختلاف زفر ويعقوب عن أبي يوسف أنه يضمن.
وصورة ما ذكر في «المنتقى» : رجل قعد على ظهر دابة رجل، ولم يحولها عن موضعها، وجاء رجل آخر وعقرها، فالضمان على الذي عقرها دون الذي ركب إذا لم تعطب من ركوبه، وإن كان قد جحدها قبل أن تعقر، ومنعها من صاحبها، ولم يخرجها من موضعها، ثم عقرها هذا الآخر فلصاحبها الخيار؛ يضمن أيهما شاء، وقال: وكذلك من أخذ متاع إنسان في دار صاحب المتاع، ثم حجده فهو ضامن، وإن لم يخرجه من الدار، وإن لم يجحد، فلا ضمان عليه إلا إذا هلك من فعله أو أخرجه من الدار، وهذا استحسان.
وفيه عن أبي يوسف أيضاً: رجل دخل منزل رجل وحمل من بيت منه إلى بيت آخر من ذلك المنزل، أو إلى ضمن ذلك المنزل متاعاً، وإنما يسكن المنزل الرجل وغلمانه، فضاع ففي القياس: هو ضامن، وفي الاستحسان: لا ضمان إذا كان هذا الموضع في الحرز مثله، وسئل قاضي القضاة شمس الإسلام الأوزجندي عن إصطبل مشترك بين رجلين لكل واحد منهما فيه بقر، دخل أحدهما الإصطبل وشد بقر صاحبه حتى لا يضرب بقره، فحرن البقر، ويخنق بالحبل ومات قال: لا ضمان عليه إذا لم ينقله من مكان إلى مكان.
السلطان (١١٢ب٢) إذا أخذ عيناً من أعيان رجل، فرهن عند رجل، فهلك عند المرتهن؛ إن كان المرتهن طائعاً يضمن، ويكون للمالك الخيار بين تضمين السلطان والمرتهن، ويبنى على هذا الحال الذي يقال له جابي كبار إذا أخذ شيئاً رهناً وهو طائع يضمن، وكذا الصراف إذا كان طائعاً يضمن، وصار الصراف والجابي مجروحين في الشهادة؛ ذكر الصدر الشهيد في الباب الأول من «وديعة واقعاته» ؛ وقعت قلنسوة من رأس المصلي، فجاءها رجل، فإن نحاها حيث ينالها المصلي لا يضمن، وإن نحاها أكثر من ذلك يضمن.
في «واقعات الناطفي» (و) في «العيون» : رجل دخل منزل رجل بإذنه، وأخذ إناءً من
стр. 2087
بيته بغير إذنه لينظر إليه، فوقع من يده وانكسر فلا ضمان إلا إذا كان نهاه صاحب البيت عن الأخذ قبل ذلك؛ لأنه مأذون في أخذه دلالة، ألا ترى أنه لو أخذ كوزماء، وشرب منه فسقط من يده وانكسر فلا ضمان عليه، ولو أتى سوقياً يبيع أواني من زجاج أو غيره، فأخذ آنية بغير إذنه لينظر إليه فسقط من يده وانكسر ضمن؛ لأنه غير مأذون في أخذه لا نصاً ولا دلالة.
في «فتاوى أهل سمرقند» قدم إلى بياع الخزف وأخذ منه غضارة بإذنه لينظر فيها، فوقعت الغضارة من يده على غضارة أخرى، فانكسرت الغضارات، فلا ضمان عليه في المأخوذة؛ لأنها مأخوذة بإذن ويجب ضمان الباقيات. شرع في الحمام، وأخذ فنجانه وأعطاها غيره، فوقع من يد الثاني وأنكر فلا ضمان على الأول؛ إما أن يكون مستأجراً، أو مستعيراً، وللمستأجر أن يعير، وكذلك للمستعير أن يعير فيما لا يتفاوت الناس فيه.
في «المنتقى» : رجل عنده وديعة لرجل، وهي ثياب، فجعل المودع فيها من ماله، ثم طلبها صاحب الوديعة، فدفع كلها إليه، فضاع ثوب المودع، فصاحب الوديعة ضامن له، قال: ثمة كل من أخذ شيئاً على أنه له، ولم يكن له فهو ضامن.
رجل أضاف رجلاً، فنسي الضيف عنده ثوباً، فأتبعه المضيف بالثوب، فغصب الثوب غاصب في الطريق، قال: إن غصب في المدينة فلا ضمان على المضيف، وإن غصب خارج المدينة فهو ضامن.
في «نوادر ابن رستم» : ضرب رجلاً حتى سقط ومات، ومع المضروب مال.... قال محمد ﵀: الضارب ضامن المال الذي كان مع المضروب، وكذلك يضمن ثيابه التي عليه إذا ضاعت؛ لأنه هو الذي استهلك ذلك كله. تعلق برجل وخاصمه، فسقط عن التعلق به شيء، وضاع ضمنه المتعلق.
في «فتاوى أهل سمرقند» : بعث الرجل رجلاً إلى القصار ليأخذ ثوباً له، فدفع القصار إلى الرسول ثوباً، فضاع الثوب من يد الرسول، وظهر أن الثوب لم يكن للمرسل، وإنما كان لغيره؛ قال: ينظر؛ إن كان الثوب للقصار فلا ضمان على الرسول، وإن كان لغير القصار فرب الثوب بالخيار؛ إن شاء ضمن القصار، وإن شاء ضمن الرسول.
في غصب «المنتقى» : بعث الرجل غيره إلى ما....، فأخذ المبعوث دابة الآمر وركبها، فهلكت الدابة في الطريق؛ إن كان بين الآمر والمبعوث انبساط في أن يفعل مثل ذلك فلا ضمان، وإلا فهو ضامن، في غصب «فتاوى أبي الليث» : ارتهن خاتماً، وجعله في خنصره، فضاع فهو ضامن؛ لأن هذا ليس معتاد، فيصير به غاصباً. في «العيون» : والخنصر اليمنى واليسرى سواء، وهو الصحيح؛ لأن بعض الناس يجعلونه في اليمنى، والبعض يجعلونه في اليسرى، وإن جعله في البنصر فقد ذكر شمس الأئمة السرخسي أنه لا ضمان؛ لأن هذا ليس بلبس معتاد بل هو للحفظ، فلا يصير به غاصباً، وذكر شيخ
стр. 2088
الإسلام أنه ضامن، وسوى بين الخنصر والبنصر، والأول أصح، وإن جعله في خنصره فوق خاتم آخر، فالمروي عن محمد في بعض الروايات أنه لا ضمان، فذكر له عن بعض السلاطين أنه يلبس الخاتم فوق الخاتم، فقال محمد ﵀: يلبسه للختم، أشار إلى أن هذا اللبس ليس للتزين فلا يكون استعمالاً، فلا يكون غصباً، وفي آخر كتاب «اللقطة» : إن الرجل إذا كان معروفاً بلبس خاتمين للتزين فهو ضامن، وإلا فلا يضمن، وإن (كان) سيفاً فتقلده، صار ضامناً، وكذلك إن كان متقلداً سيفاً فتقلد بهذا، وإن كان متقلداً سيفين فتقلد بهذا لا يضمن بالإجماع.
سكران ذاهب العقل دفع ثوبه في الطريق، والسكران نائم في الطريق، جاء رجل وأخذ ثوبه ليحفظه في مكان، فهلك الثوب في يده فلا ضمان، ولو كان الثوب تحت رأسه، والمسألة بحالها ضمن، في «فتاوى سمرقند» : إذا أخذ القلنسوة من رأس رجل فوضعها على رأس رجل آخر، فطرحها الآخر من رأسه فضاعت، فإن كانت القلنسوة بمرأى من غير صاحبها وأمكنه رفعها، وأخذها فلا ضمان على واحد منهما؛ لأنه حصل الرد إلى المالك، وإن كان بخلاف ذلك فصاحب القلنسوة بالخيار؛ إن شاء ضمن الآخذ، وإن شاء ضمن الطارح.
زق انفتح فمر به رجل، فإن لم يأخذه، ولم يدن منه فلا ضمان عليه، وإن أخذه ثم تركه، فإن كان المالك غائباً فهو ضامن، وإن كان حاضراً فلا ضمان، وعلى هذا إذا رأى إنسان ما وقع من كم غيره.
في «فتاوى أبي الليث» عن خلف بن أيوب، عن محمد بن الحسن ﵏: رجل أدخل دابته في دار رجل، فأخرجها صاحب الدار فضاعت، فلا ضمان عليه، ولو وضع رجل ثوباً في دار رجل، فرمى به صاحب الدار، فضاع فهو ضامن؛ لأن كون الدابة في الدار ضرر لصاحب الدار، فهو بالإخراج يدفع الضرر عن نفسه، ولا كذلك الثوب في الدار.
الفصل الثاني في حكم الغصب
فنقول: للغصب حكمان: أحدهما: وجوب رد العين ما دام على حاله لم يتغير، قال ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترد» والتغير نوعان: قد يكون من حيث الزيادة، وقد يكون من حيث النقصان، وقد يكون بفعل الغاصب، وقد يكون بفعل غيره، وقال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا غصب من آخر ثوباً، فصبغه أحمر أو أصفر فصاحب الثوب بالخيار؛ إن شاء ضمن الغاصب قيمة ثوبه الأبيض، وكان الثوب
стр. 2089
للغاصب، وإن شاء أخذ الثوب وضمن للغاصب ما زاد الصبغ فيه؛ لأن الصبغ مال متقوم للغاصب، قائم في الثوب، ويقدر اتصال منفعة كل واحد منهما إلى صاحبه على الانفراد، فلا بد من ترجيح أحد الجانبين، فرجحان جانب صاحب الثوب؛ لأنه صاحب الثوب؛ (١١٣أ٢) صاحب أصل، وإن شاء ضمنه قيمة الثوب الأبيض، وترك الثوب عليه حتى لا يلزمه زيادة غرم، وهو قيمة الصبغ، وإن شاء أخذ الثوب، وضمن قيمة ما زاد الصبغ فيه، فيصل إلى مالك الثوب عمن حقه، وإلى صاحب الصبغ مالية حقه، وفيه خيار آخر، وهو أن يترك الثوب على حاله، والصبغ على حاله، ويباع الثوب، ويقسم الثمن بينهما على قدر حقيهما.
وإن صبغه أسود، ثم جاء رب الثوب كان له أن يضمن الغاصب، وهو قول أبي حنيفة ﵁، وقال أبو يوسف ومحمد: السواد بمنزلة العصفر، وهذا اختلاف زمان، وقيل: السواد يزيد في قيمة بعض الثياب، وينقص من قيمة البعض، فإن كان المغصوب شيئاً ينقص بالسواد فالجواب ما قال أبو حنيفة ﵁، وإن كان يزيد فالجواب ما قالا، ولم يذكر في «الكتاب» ما إذا نقص عصفر الثوب بأن كان قيمة الثوب ثلاثون فعاد قيمته إلى عشرين، وقد يكون لون عصفر نقصاناً في الثوب.
وروى هشام عن محمد: أنه ينظر إلى قيمة الصبغ في ثوب يزيد فيه، فإن كان قيمته خمسة فلصاحب الثوب أن يأخذ ثوبه، ويأخذ خمسة دراهم؛ لأن صاحب الثوب استوجب على الغاصب عشرة، والغاصب استوجب عليه قيمة الصبغ خمسة، فصارت الخمسة بالخمسة قصاصاً، بقي نقصان الثوب بقدر خمسة بلا جابر، وكذلك السواد على هذا، ولو غصب من آخر ثوباً وقصره؛ كان لصاحب الثوب أن يأخذ الثوب، ولا يضمن للغاصب شيئاً؛ لأنه لم يتصل بالثوب شيء من مال الغاصب.
وإذا غصب سويقاً ولته بسمن ثم حضر المالك فله الخيار؛ إن شاء ترك السويق مع أن السويق من ذوات الأمثال، بعض مشايخنا قالوا: المراد فهو من القيمة المذكورة في «الكتاب» المثل، أو إن كان المراد حقيقة القيمة فهو محمول على ما إذا انقطع السويق، وبعضهم قالوا: إن كان المراد حقيقة القيمة فهو محمول على الرواية التي لا تجوز بيع السويق بمثله، فإن في بيع السويق بمثله روايتان؛ وإن شاء أخذ السويق وضمن سمناً مثل سمن الغاصب.
وإذا غصب ثوباً وقطعه قميصاً، ولم يخطه، فله أن يأخذ ثوبه، وضمنه ما نقصه القطع، وإن شاء ترك الثوب عليه وضمنه قيمته، حتى المسألة تبنى على مسألة أخرى أن من خرق ثوباً لغيره إن كان الخرق فاحشاً، فصاحب الثوب بالخيار؛ إن شاء ترك الثوب عليه، وضمنه جميع قيمة الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان، وإن كان الخرق يسيراً كان المهلك يضمن النقصان لا غير.
واختلف المتأخرون في الحد الفاصل بين الخرق اليسير وبين الفاحش؛ بعضهم قالوا: إن أوجب نقصان ربع القيمة فصاعداً فهو فاحش، وإن كان دون ذلك فهو يسير،
стр. 2090
وقال بعضهم: إن أوجب نقصان نصف القيمة فهو فاحش وما دونه يسير، وبعضهم قالوا: الفاحش ما لا يصلح لثوب ما، واليسير ما يصلح، قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: قالوا: ما ذكر من التحديد من هذه الوجوه الثلاثة لا يصح بدليل مسألة قطع القميص على الوجه الذي قلنا.w
والثوب بعدما قطع قميصاً يصلح للقميص إن كان لا يصلح للفساد أمثاله، والساقط من القيمة أقل من النصف ومن الربع مع هذا اعتبره محمد ﵀ فاحشاً، والصحيح من الحد على ما قاله محمد ﵀ أن الخرق الفاحش ما يفوت بهم بعض العين، وبعض المنفعة بأن فات جنس منفعته، وبقي بعض العين وبعض المنفعة، واليسري من الخرق ما يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يفوت الجودة، ويدخل يسير نقصان في المالية، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: وقد قيل: يرفع في ذلك إلى الخياطين، وأهل الصناعة إن عدوا ذلك نقصاناً فاحشاً فهو فاحش، وإن عدوا ذلك نقصاناً يسيراً (فهو يسير) ، وقال بعضهم: إن كان طولاً فهو فاحش، وإن كان عرضاً فهو يسير؛ قال ﵀: والقول الأول أصح.
جئنا إلى مسألة قطع القميص فنقول: قطع القميص خرق فاحش؛ لأنه يفوت به بعض المنافع، وفي الخرق الفاحش صاحب الثوب بالخيار؛ لأن استهلاك من وجه دون وجه، فإن شاء مال إلى جهة الاستهلاك وضمنه القيمة، وإن شاء مال إلى جهة القيام وضمنه النقصان.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: القطع أنواع ثلاثة: قطع فاحش غير مستأصل للثوب، وهو باتفاق الحكم فيه ما ذكره، وقطع يسير، وهو أن يقطع طرفاً من أطراف الثوب فلا يثبت فيه الخيار للمالك؛ بل يضمنه النقصان، وقطع فاحش مستأصل للثوب، وهو أن يجعل الثوب قطعاً لا تصلح إلا للخرقة، ولا يرغب في شرائه، وروي عن أبي حنيفة ﵁ في هذا الفصل أن للمالك الخيار؛ إن شاء ترك القطع عليه وضمنه القيمة، وإن شاء أخذ القطع ولا شيء له، وعندهما: له أن يأخذ الثوب ويضمنه النقصان.
وهذه المسألة فرع مسألة الديات؛ إذا قطع يدي عبد إنسان قال الشيخ الإمام السرخسي ﵀: والحكم الذي ذكرنا في الخرق في الثوب من تخير المالك إذا كان الخرق فاحشاً، وإمساك الثوب، وأخذ النقصان إذا كان الخرق يسيراً، فهو الحكم في كل عين من الأعيان إلا في الأموال الربوية فإن التعييب هناك فاحشاً كان أو يسيراً، فهو الحكم في كل عين مثلاً كان لصاحبها الخيار بين أن يمسك العين، ولا يرجع على الغاصب بشيء، وبين أن يسلم العين له ويضمنه مثله أو قيمته؛ لأن تضمين النقصان يتعذر؛ لأنه يؤدي إلى الربا، وإذا قطع الثوب قميصاً، أو لم يخطه، فإن خاطه ينقطع حق المالك.
وإذا غصب دابة وقطع يدها أو رجلها فلا خيار للمالك فيها، ويضمنه القيمة ويترك
стр. 2091
الدابة عليه، وكذلك لو كانت شاة أو بقرة، فذبحها أو قطع يدها، أو رجلها كان الجواب كذلك، قال شمس الأئمة الحلواني: ويستوي أن تكون الشاة للغاصب أو غيره وهو الصحيح، فقد روي في رواية أخرى في مأكول اللحم للمالك الخيار، ولم يذكر محمد ﵀ في مسألة (١١٣ب٢) الشاة ما إذا أراد المالك أن يأخذ الشاة بعد الذبح، ولا يضمنه النقصان هل له ذلك؟ وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أن له ذلك، قال شيخ الإسلام: وقد ذكر محمد في كتاب «الغصب» ما يدل على هذا، فإنه قال: ضمن.
غصب عصيراً فصار خلاً عنده، ثم جاء المالك كان بالخيار، إن شاء ضمن عصيراً مثل عصيره، وإن شاء أخذ الخل، وبعدما صار خلاً لم يبق فيه شيء من منافع العصير، كالشاة بعد الذبح، ثم أثبت للمالك حق الأخذ إن شاء، فهذا يدل على أن في الشاة المذبوحة له ذلك؛ لأن الذبح والسلخ زيادة، وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: والصحيح أنه ليس له ذلك، أشار إلى أن حق المالك ينقطع بمجرد الذبح، وإنه يخالف ظاهر الرواية.
وفي «المنتقى» : هشام عن محمد ﵀: رجل قطع يد حمار أو رجل حمار وكان لما بقي قيمة فله أن يمسكه، ويأخذ النقصان، ولا يسلم إليه الجلد، فإن كان لجلد الحمار ثمن فله ذلك، وإن كان قتله فليس له ذلك، قال هشام: لأن ذبحه بمنزلة الدباغ.
وفي «النوادر» : إذا قطع أذن الدابة أو بعضه يضمن النقصان، وجعل قطع الأذن من الدابة نقصاناً يسيراً، وكذلك لو قطع ذنبها يضمن النقصان، وعن شريح ﵀: إن قطع ذنب حمار القاضي يضمن جميع القيمة، وإن كان لغيره يضمنه النقصان لا غير.
استهلك قلب فضة إنسان وأحرقه؛ يضمن قيمته مصنوعاً من الذهب؛ لأن الصناعة في مال الربا تضمن مع الأصل بالإتلاف كالجودة، ولا يمكن إيجاب قيمته مصنوعاً من جنسه؛ لأنه ربا ولا يمكن إيجاب مثله مصنوعاً؛ لأنه ليس من ذوات الأمثال، فيتعين إيجاب القيمة مصنوعاً من خلاف الجنس، فإن وجده صاحبه مكسوراً فهو بالخيار؛ لأن الكسر عيب فاحش، وإن رضي به لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح؛ لأنه ربا، وإذا أراد القاضي أن يضمن الغاصب قيمته ضمنه مصنوعاً من الذهب، وكذلك كل إناء مصنوع كسره رجل إن من فضة فعليه الذهب.
وإن كسر درهماً أو ديناراً، فعليه مثله والمكسور للكاسر، قال شيخ الإسلام: قال مشايخنا: هذا إذا كان الكسر ينقص من ضربه، وأما إذا كان الكسر لا ينقص من ضربه ليس له إلا ذلك المكسور؛ لأن ما هو المقصود من الدراهم والدنانير تام بعد الكسر على حاله لم ينقص، وهذا كما قلنا من كسر رغيف إنسان ليس لصاحبه إلا المكسور لما قلنا ههنا، قال شمس الأئمة السرخسي: عليه مثله، وإن شاء صاحبه أخذه، ولم يرجع عليه يشيء، سواء انتقصت ماليته بالكسر أو لم تنتقص.
غصب من آخر جارية شابة، فكانت عنده حتى صارت عجوزاً، فإن لصاحبها أن يأخذها وما نقصها، وكذلك لو غصب غلاماً شاباً، فكان عنده حتى هرم أخذه صاحبه
стр. 2092
وما نقصه، وهذا إذا كان النقصان يسيراً، فإن كان فاحشاً يخير المالك بين الأخذ والترك، وعليه أكثر المشايخ، ولو غصب صبياً فشب عنده، أو نبت شعر وجهه فصار ملتحياً، أخذه صاحبه، ولا يضمنه شيئاً. ولو غصب جارية ناهدة الثديين، فانكسر ثديها عنده ضمن النقصان.
ولو غصب عبداً محترفاً فنسي ذلك عند الغاصب كان ضامناً للنقصان، ولو غصب ثوباً فعفي عنده أو اصفر، أخذه المالك وما نقصه، وهذا إذا كان النقصان يسيراً، فأما إذا كان كثيراً يخير بين الأخذ والترك، وإن كان المغصوب مكيلاً أو موزوناً فعفن عند الغاصب فعليه مثله، وهذا الفاسد للغاصب، وإن شاء أخذ الطعام العفن ولا شيء له، وإنما كان كذلك؛ لأن تضمين النقصان في المكيلات والموزونات يؤدي إلى الربا؛ لأنه يصل إليه مثل وزنه وكيله وزيادة، فتكون الزيادة بإزاء الجودة، والجودة في مال الربا لا قيمة لها بانفرادها، والاعتياض عما لا قيمة له ربا، وفي الثياب لا يكون رباً؛ لأن الزيادة تكون بإزاء الجودة، والاعتياض عن الجودة في الثياب جائز.
غصب فضة وضربها دراهم أو صاغها إناءً، أو غصب ذهباً فضربه دنانير، أو صاغه إناءً؛ قال أبو حنيفة ﵁: لا ينقطع حق المالك بل يأخذ الذهب والفضة، ولا أجر للغاصب، وقال أبو يوسف ومحمد: ينقطع حق المالك، ويعطيه مثل ذهبه، وإن غصب دراهم وسبكها، ولم يضرب منه شيئاً، فإنه لا ينقطع حق المالك بلا خلاف.
فوجه قول أبي يوسف ومحمد: أنه أحدث صنعة متقومة، واستهلك المغصوب من وجه، أما إذا ضربها دراهم؛ لأنه كسرها؛ لأن ضرب الدراهم لا يتأتى إلا بعد الكسر، وأما إذا صاغها إناءً، فلأنه أخرجه من الثمنية؛ لأنه قبل هذا لا يتعين بالتعيين، والآن يتعين.
وأبو حنيفة ﵁ يقول: الاستهلاك لم يوجد، ومجرد الصنعة بدون الاستهلاك من وجه لا يوجب انقطاع حق المالك، وإنما قلنا: لم يوجد الاستهلاك؛ لأن الاستهلاك من وجه بتفويت بعض الأعيان، أو بتفويت جنس المنفعة، وبضرب الفضة دراهم لم يثبت شيء من العين؛ لأن قيام العين في الذهب والفضة بقيام الوزن، والوزن على حاله، ولم يثبت جنس المنفعة؛ لأن منفعتها الثمنية، والثمنية قد ازدادت بالضرب دراهم، وكذلك بجعلها إناءً لم تفت العين، ولم تفت منفعة الثمينة، بل انتقصت مع الثمنية، وبالنقصان لا ينقطع حق المالك.
ولو غصب صفراً وجعل كوزاً انقطع حق المالك، وكان الكرخي ﵀ يقول: هذا إذا كان بعد الصنعة لا يباع وزناً، أما إذا كان يباع وزناً ينبغي أن لا ينقطع حق المالك عند أبي حنيفة ﵁ كما في النقرة، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀: والصحيح أن الجواب مطلق؛ بخلاف النقرة عند أبي حنيفة ﵁.
وإن كسر صاحب الصفر الكوز بعدما ضمن الغاصب قيمة صفرته، أو قبل أن يقضى
стр. 2093
له بالقيمة، قال: عليه قيمة الكوز صحيحاً، ويأخذ الكوز، قال شمس الأئمة الحلواني: ولا يقع المقاصة بين الضمانين؛ لأن ما وجب لصاحب الصفر على الغاصب ضمان المثل؛ لأنه يضمنه مثل وزنه من الصفر، وما وجب للغاصب على صاحب الصفر ضمان القيمة، وهو قيمة الكوز، فكانا من جنسين، فلا تقع المقاصة بينهما، قال في «الكتاب» : إلا أنه يحاسب بما عليه بعض مشايخنا قالوا: مراده من هذا (١١٤أ٢) إذا اصطلحا على شيء، فيكون استبدالاً فيجوز، أما بدون ذلك لا يجوز، لما بينا أن ما وجب لصاحب الصفر على الغاصب ضمان المثل، وما وجب للغاصب على صاحب الصفر ضمان القيمة، وبعض مشايخنا قالوا: تأويله إذا كان المغصوب صفراً ليس له بديل حتى وجب قيمة الصفر، فتقع المقاصة.
غصب من آخر مصحفاً ونقطه فهي زيادة، وصاحبه بالخيار؛ إن شاء أعطاه ما زاد ذلك فيه، وإن شاء ضمنه قيمته غير منقوط، وهذا قول محمد ﵀، وروى العلاء عن أبي يوسف أنه يأخذ بغير شيء، كرجل غصب غلاماً، وعلمه الكتاب.
في غصب «المنتقى» : غصب من آخر كاغدةً وكتب عليها، ذكر شيخ الإسلام أنه ينقطع حق المالك، وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ فيه اختلاف المشايخ، قال ﵀: والصحيح أنه لا ينقطع.
غصب من آخر قطناً وغزله ونسجه، أو غصب غزلاً ونسجه، ينقطع حق المالك، ولو غصب قطناً وغزله ولم ينسجه، ففيه اختلاف المشايخ، والصحيح أنه ينقطع.
غصب حنطة وطحنها، فقول أبي حنيفة ومحمد فيها معروف، وعن أبي يوسف ثلاث روايات؛ في رواية مثل ما قالا، وفي رواية قال: يزول ملكه، ولكن لا يسقط حقه عنه، وتباع العين في ديّته وهو أحق بذلك من جملة الغرماء إن مات، وفي رواية قال له أن يأخذ الدقيق، ويرأ الغاصب عن الضمان.
غصب دقيقاً وخبزه، أو لحماً فشواه، أو سمسماً فعصره، ينقطع حق المالك في ظاهر رواية أصحابنا، وكذلك إذا غصب ساجة، وجعلها باباً، أو حديدة وجعلها سيفاً، ينقطع حق المالك، ويضمن قيمة الحديدة والساجة، وجميع ذلك للغاصب، وكذلك لو غصب ساجة أو خشبة، وأدخلها في بنائه أو غصب آجراً وأدخله في بنائه أو جصاً..... فعليه في ذلك كله القيمة، وليس للمغصوب منه أن ينقض البناء، ويأخذ الساجة والخشبة، والآجر والجص.
ولو غصب ساجة وبنى عليها لا ينقطع حق المالك، وكان له أن يأخذها، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يحكي عن الكرخي أنه ذكر في بعض كتبه تفصيلاً فقال: إن كانت قيمة الساجة أقل من قيمة البناء، ليس له أن يأخذها، وإن كانت قيمة الساجة أكثر، فله أن يأخذها، وكذا في الساجة إذا كانت قيمتها أقل من قيمة البناء، لا يأخذ
стр. 2094
الساجة، وإذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء له أن يأخذ الساجة، وقال: المراد بما ذكر في «الكتاب» ما قلنا، وزعم أن هذا هو المذهب، قال مشايخنا: وهذا قريب من مسائل حفظت عن محمد ﵀ أن من كان في يده لؤلؤة، فسقطت اللؤلؤة، فابتلعتها دجاجة إنسان ينظر إلى قيمة الدجاجة واللؤلؤة، إن كانت قيمة الدجاجة أقل يخير صاحب اللؤلؤة إن شاء أخذ الدجاجة، وضمن قيمتها للمالك، وإن شاء ترك اللؤلؤة، وضمن صاحب الدجاجة قيمة اللؤلؤة، وكذلك لو أودع رجلاً فصيلاً، فكبر الفصيل حتى لا يمكن إخراجه من البيت إلا بنقض البناء ينظر إلى أكثرها قيمة، ويخير صاحب الأكثر، وستأتي مسألة الدجاجة واللؤلؤة، ومسألة الفصيل بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولم يذكر في «الأصل» ما إذا أراد الغاصب أن ينقض البناء، ويرد الساجة هل يحل له ذلك؟ وهذا على وجهين: إن كان القاضي قضى عليه بالقيمة لا يحل له نقض البناء، وإذا انتقض لم يستطع رد الساجة، وإن كان القاضي لم يقض عليه بالقيمة؛ اختلف فيه المشايخ؛ بعضهم قالوا: يحل وبعضهم قالوا: لا يحل لما فيه من تضييع المال من غير فائدة.
غصب من آخر داراً ونقشها بهذه الأصباغ بعشرة آلاف، ثم جاء صاحب الدار أقول له: إن شئت فخذ الدار، وأعط الغاصب ما زاد الأصباغ فيه، فإن أبى جعلت الدار للغاصب بقيمتها إذا كان يبلغ الأصباغ شيئاً كبيراً، ولم ترتث هكذا روى هشام عن محمد ﵀، واستشهد عليه بدجاجة ابتلعت لؤلؤة؛ قال هشام: سمعت أبا يوسف يقول في هذه المسألة: يقال لصاحب الدار: أعطِ الغاصب ما زاد النقش في دارك، فإن أبى أمر به بقلعه، وضمنه ما نقص القلع.
وفي «القدوري» : غصب من آخر داراً وجصها ثم ردها، قيل لصاحبها: أعطِ ما زاد الجص فيها إلا أن يرضى صاحب الدار أن يأخذ الغاصب جصه، قال هشام: قلت لمحمد ﵀: رجل وثب على باب مقلوع، ونقشه بالأصباغ، قال: سبيله سبيل الدار، قلت: وإن كان نقشه بالنقر وليس بالأصباغ قال: فهذا مستهلك للباب، وعليه قيمته، والباب له، قال: وكذلك لو نقش إناء فضة بالنقر.
قال هشام: وسألت محمداً عن رجل غصب أرضاً، وغرس فيها أشجاراً فَغَلُظَ وبلغ، قال: إن كان قلع الأشجار يفسد الأرض، فصاحب الأرض بالخيار؛ إن شاء أعطاه ما زاد الأشجار في أرضه بالغاً (ما بلغ) وإن شاء أخذه فقلعه وضمنه النقصان، وإن كان قلع الأشجار لا يفسد الأرض ولكن ينقصها شيئاً، فإنه يأخذ الأرض، ويقلع الأشجار ويضمنه النقصان، وليس لصاحب الأرض أن يقول: أنا آخذ الأشجار ولا أقلعها، وأعطيه قيمتها، إنما له أن يعطيه قيمتها إذا كان القلع يفسد الأرض.
غصب خمر مسلم وخللها، قال في «الكتاب» : لرب الخمر أن يأخذها، واختلف المشايخ فيه قال بعضهم: تأويل المسألة ما إذا خللها بشيء لا قيمة له بأن نقل من الشمس إلى الظل أو من الظل إلى الشمس أو ألقى فيه شيئاً يسيراً من الملح أو الخل،
стр. 2095
بحيث لا قيمة له، أما إذا ألقى فيه خلاً أوله قيمة عند أبي حنيفة يصير الخل ملكاً للغاصب، ولا شيء عليه، وأما على قول أبي يوسف ومحمد؛ إن كان ألقى فيه الملح أخذه المالك، وأعطاه ما زاد الملح فيه، وإن كان ألقى فيه الخل فهو بينهما على قدر كيلهما.
ويستوي إن صبت من ساعتها أو بعد حين، وبعض مشايخنا قالوا: إن كان الذي صبَّ فيها خل كثير، حتى صار خلاً من ساعته، فهو كله للغاصب، وإن كان قليلاً، وصار خلاً بعد حين، فهو بينهما على مقدار كيلهما، وبعض مشايخنا قالوا: إن خلله بما ليس له قيمة أخذه مجاناً، وإن خلله بما له قيمة أخذه وأعطاه ما زاد الملح والخل فيه.
وإذا غصب عصيراً فصار خمراً عنده، فله أن يضمنه مثله إن كان في حينه، وقيمته إن كان في غير حينه، ولو أراد أن يأخذ الخمر، ولا يضمنه؛ هل له ذلك؟ اختلف المشايخ فيه، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀. والصحيح أنه ليس له ذلك (١١٤ب٢) وقال بعضهم: له ذلك، وهكذا ذكر الكرخي في «كتابه» عن أبي يوسف.
ثم إذا كان له حق الأخذ على قول هؤلاء؛ لو أراد أن يضمنه النقصان مع ذلك ليس له ذلك، وذكر في «القدوري» عن أبي يوسف: أن من غصب عصيراً فصار عنده خلاً، أو لبناً حليباً، فصار عنده مخيضاً، أو عنباً فصار زبيباً، فالمغصوب منه بالخيار؛ إن شاء أخذ ذلك بعينه، ولا شيء له غيره، وإن شاء ضمنه مثله وسلم ذلك إليه؛ لأنه قد انتقص في يد الغاصب وتعيب ولا يمكن النقصان مع أخذ العين؛ لأن هذه الأعيان تجري فيها الربا، فلم تكن الجودة بانفرادها متقومة، فإذا أخذ العين سقط حق التضمين، وإن شاء ضمنه المثل.
وإذا غصب جلد ميتة ودبغه، إن دبغه بما لا قيمة (له) ، فإنه يأخذه مجاناً، وإن دبغه بما له قيمة أخذه، وأعطاه ما زاد الدباغ فيه. قال القدوري في «كتابه» : هذا إذا أخذ الجلد من ميتة له ودبغه، أما إذا ألقى صاحب الميتةِ الميتةَ في الطريق، فأخذ رجل جلدها، ودبغه بما لا قيمة له، فليس للمالك أن يأخذ الجلد.
وللغاصب أن يحبس الجلد حتى يصل إليه قيمة ماله. ولو أراد صاحب الجلد أن يترك الجلد على الغاصب ويضمنه قيمة الجلد ليس له ذلك، ولو كان المغصوب جلد ذكي كان له ذلك.
قال مشايخنا: هذا الفرق بين جلد الميتة وبين جلد الذكي ذهب إليه الحاكم الشهيد، والجواب في الميتة وفي الذكي واحد، للمالك أن يترك الجلد عليه، ويضمنه قيمة جلده.
وفي «القدوري» : لو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديماً أو وقراً أو جراباً لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل؛ لأنه تبدل الاسم والمعنى بصنع الغاصب، فكان هو أولى. فإن كان الجلد ذكياً، فله قيمته يوم الغصب، وإن كان جلد ميتة فلا شيء له.
وفيه أيضاً: لو غصب خمراً وخللها، ثم استهلكها، فعليه خل مثله؛ لأنه صار خلاً
стр. 2096
على ملك مالكه. وإذا غصب تراباً ولبّنة، أو جعله آنية، فإن كان له قيمة، فهو مثل الحنطة إذا طحنها، وإن لم يكن له قيمة فهو له، ولا شيء عليه من الضمان؛ لأن الضمان إنما يقام مقام العين عند تقومه، وفي كل موضع ينقطع حق المالك، فالمغصوب منه أحق بذلك الشيء من بين سائر الناس حتى يستوفي حقه، فإن ضاع ذلك ضاع من مال الغاصب، ولا يكون هذا بمنزلة الرهن، هكذا ذكر في «المنتقى» . وفي «القدوري» أن المغصوب منه يكون أسوة للغرماء في الثمن، ولا يكون أخص بشيء من ذلك.
وفي «المنتقى» : ابن سماعة في «نوادره» عن محمد: رجل هشم طستاً لرجل، وهو مما يباع وزناً، فرب الطست بالخيار؛ إن شاء أمسك الطست، ولا شيء له، وإن شاء دفعه وأخذ قيمته وكذلك كل إناء مصنوع. وإن كان مما لا يباع وزناً كالسيف، فكسره رجل كان عليه ما نقصه، فإن جاء آخر، واستهلك السيف المكسور كان عليه حديد مثله، قال من قبل أنه يجوز للرجل أن يبيع سيفاً بدراهم وحديد مثل السيف، ولا يجوز أن يبيع طستاً يباع وزناً بدراهم وصفر مثل وزن الطست. قال في «المنتقى» أيضاً: وإذا باع الرجل شيئاً من غيره، ثم إن البائع فعل بعض ما وصفنا كل شيء كان الغاصب فيه مستهلكاً، ولم يكن للمغصوب منه أن يأخذه، فكذا ليس للمشتري أن يأخذه، وكل شيء لم يكن الغاصب فيه مستهلكاً، وكان للمغصوب منه أن يأخذه، فللمشتري أن يأخذه.
وفي «العيون» : غصب من آخر عبداً قيمته خمسمائة فخصاه فصار يساوي ألف درهم، نص عن محمد أن صاحب الغلام بالخيار؛ إن شاء ضمنه قيمته يوم الخصاء خمسمائة، وإن شاء أخذ الغلام، ولا شيء له، وقال بعض المشايخ: يقوم الغلام بكم يشترى للعمل قبل الخصاء، ويقوم بعد الخصاء فيرجع بفضل ما ينتهي، قال الصدر الشهيد حسام الدين ﵀: وهذان الجوابان خلاف ما حفظنا في المسائل المختلفة، فالمحفوظ فيها أن صاحب الغلام بالخيار؛ إن شاء ترك الغلام على الغاصب، وضمنه قيمته بخمسمائة، وإن أراد أخذ العبد يقوم العبد قبل الخصاء للعمل، ويقوم بعد الخصاء للعمل، فيرجع بنقصان ما بينهما؛ لأن هذه الزيادة حدثت بناء على رغبات فاسدة فيتأمل عند الفتوى، هذا كله بيان أحد حكمي الغصب.
جئنا إلى بيان الحكم الآخر، وهو وجوب الضمان حال عجز الغاصب عن رد العين، فنقول: المغصوب نوعان: مثلي الكيل والوزن الذي ليس في تبعيضه ضرر، والعددي المتقارب كالبيض والجوز والفلوس الرائجة، وما أشبه ذلك من العدديات التي لا تتفاوت أفراده وغير مثلي كالذرعيات والحيوان والعدديات المتفاوتة، والوزن الذي يضر تبعيضه، فإن كان غير مثلي فهلك في يد الغاصب بآفة سماوية أو بفعل الغاصب، أو بفعل غيره وجب عليه قيمته يوم الغصب، وإن كان مثلياً وجب عليه مثله إلا إذا وقع العجز عن رد المثل، وذلك بالانقطاع عن أيدي الناس، فحينئذٍ يصار إلى القيمة.
стр. 2097
ثم إن عند أبي حنيفة تعتبر القيمة يوم القضاء والخصومة، وعند أبي يوسف تعتبر قيمته يوم الغصب، وعند محمد تعتبر قيمته في آخر يوم كان موجوداً وانقطع، ثم إن مشايخنا استثنوا من الموزونات الناطف المبرز، والدهن المربى فقالوا بضمان القيمة فيهما؛ لأن الناطف يتفاوت بتفاوت البزر، وكذلك الدهن المربى.
وإن كان المغصوب مثلياً فلقيه في بلد آخر والمغصوب قائم في يده والقيمة في هذا البلد مثل القيمة في بلد الغصب أو أكثر منها، فالمغصوب منه يأخذ المغصوب، وليس له أن يطالبه بالقيمة، وإن كان سعره في هذه البلد أقل من سعره في بلد الغصب فالمغصوب منه بالخيار؛ إن شاء أخذه في هذا البلد بقيمته في بلد الغصب، وإن شاء انتظر؛ لأنه يأخذ العين.w
وإن كان يصل إليه عين حقه ولكن مع ضرر لحقه من قبل الغاصب، فكان له أن لا يلتزم الضرر، ويطالبه بقيمة ذلك البلد، وإن شاء انتظر بخلاف ما إذا وجده في البلد الذي غصب فيه، وقد انتقص السعر حيث لا يكون له الخيار؛ لأن النقصان ما حصل بفعل الغاصب بل هو مضاف إلى قلة رغبات الناس، فأما إذا نقله إلى بلد آخر، فالنقصان مضاف إلى فعل الغاصب. وهذه الجملة في «القدوري» .
ومن هذا النوع مذكور في «المنتقى» وصورته: غصب من آخر دواء بالكوفة وردها عليه بخراسان (١١٠أ٢) فإن كانت قيمتها بخراسان أقل من قيمتها بالكوفة فالمغصوب منه بالخيار؛ إن شاء أخذها، وإن شاء أخذ قيمتها بالكوفة، وإن كانت قيمتها بخراسان مثل قيمتها بالكوفة أمر المغصوب منه بأخذها؛ قال: وكذلك الخادم، وكل ماله حمل ومؤنة إلى ذلك الموضع قال: وكذلك ما كان..... إلا الدراهم والدنانير، فإنه يأخذها حيث وجدها، وليس له أن يطالبه بالقيمة؛ لأنها الأثمان التي تجري عليها بياعات الناس، ومعناه أن معنى الثمنية لا يختلف باختلاف الأماكن، فلا يطالبه لغيره، وإن شاء أخر المطالبة؛ لأنها حقه.
وإن كان المغصوب مثلياً، وقد هلك في يد الغاصب، فإن كان السعر في المكان الذي التقيا مثل السعر في مكان الغصب، أو أكثر يدين برد المثل، وإن كان السعر في هذا المكان أقل، فهو بالخيار؛ إن شاء أخذ قيمة العين حين غصب، وإن شاء انتظر؛ لأنه إذا رد في المكان الذي طالبه به يستضر به، فإن اختلاف القيمة في المكانين لأجل الحمل والمؤنة، فصار كما لو كانت العين قائمة، ونقلها إلى بلدة أخرى، فكان بالخيار؛ إن شاء أخذ القيمة، وإن شاء انتظر، وإن كانت القيمة في مكان الخصومة أكثر، فالغاصب بالخيار؛ إن شاء أعطى مثله، وإن شاء أعطى قيمته حيث غصب؛ لأن المالك لا يستحق إلا الرد في مكان الغصب، فلو ألزمناه تسليم المثل ههنا يستضر الغاصب، فإنه أدركته زيادة قيمة لا يستحق المغصوب منه، وفي التأخير إلى العود إلى مكان الغصب إضرار
стр. 2098
بالمغصوب منه، فقلنا: فإنه يسلم القيمة في مكان الغصب إلا أن يرضى المغصوب منه بالتأخير، وإن كانت القيمة في المكانين سواء كان للمغصوب (منه) أن يطالب بالمثل؛ لأنه لا ضرر على واحد منهما، هذه الجملة في «القدوري» .
وفي «المنتقى» : غصب من آخر كراً من طعام يساوي مائة، ثم صار يساوي مائة وخمسين، ثم انقطع عن أيدي الناس، وعز وارتفع، وصار لا يقدر على مثله، وصار يساوي مائتين، ثم استهلكه الغاصب، فللمغصوب منه أن يضمنه مائتي درهم قيمته يوم استهلكه؛ لأنه حين انقطع من أيدي الناس صار بمنزلة عرض لا مثل له غصبه رجل فزادت قيمته، ثم استهلكه، فله أن يضمنه قيمته يوم استهلكه إن شاء، ولو كان غصب الكر، وهو يساوي مائتين، ثم صارت قيمته مائة وخمسين، ثم انقطع من أيدي الناس، ثم صارت قيمته مائة، ثم استهلكه الغاصب، فللمغصوب منه أن يضمنه قيمة مائة وخمسين آخر ما كان موجوداً في أيدي الناس، وليس له أن يضمنه أكثر من ذلك.
وذكر ابن رستم عن محمد في «نوادره» إذا أحرق كدس رجل إن كان البر إذا كان في السنبل أقل قيمة منه إذا كان خارجاً فعليه القيمة، وإن كان خارجاً أكثر قيمة، فعليه بر مثله وعليه وفي الحل القيمة.
وفيه أيضاً: رجل غصب كدساً فداسه، ثم أقام المغصوب منه قال: لا يقضى له بالبر كله، وبقيمة الحل؛ لأنه غيره عن حاله، فهو كبر طحنه. وفيه أيضاً: عن محمد رجل غصب من آخر حنطة، فلا شيء على الغاصب؛ لأنه لا قيمة لها، فقيل: لو أن رجالاً غصبوا حبة حبة، فبلغ ذلك قفيز حنطة، قال أبو يوسف: قوم.... ما له قيمة، ضمنتهم قيمته، فإذا جاء برجل بعد رجل لم أضمنهم شيئاً؛ لأن كل إنسان إنما غصب منه ما لا قيمة له، ولو كانت في حبة حنطة قيمة، ما حل لأحد أن يلتقط النوى، وكان عليه أن يعرفها؛ لأنه لقطة. وإذا استهلك المغصوب، وضمنه القاضي القيمة ينظر؛ إن كان ذلك الشيء يباع في السوق بالدراهم (يقوم بالدراهم) ، وإن كان يباع بالدنانير يقوم بالدنانير، وإن كان يباع بهما، فالقاضي مخير.
في شرح كتاب الصرف في باب الغصب الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف: رجل غصب بيضة وأتلفها فعليه مثلها، وهذا آخر قوله، وكان قوله الأول القيمة. في «المنتقى» ، وفيه أيضاً بشر عن أبي يوسف: رجل غصب شاة وحلبها ضمن قيمة لبنها، وإن غصب جارية، فأرضعت ولداً له لا يضمن قيمة اللبن، وحكاه في موضع آخر من هذا الكتاب، عن أبي حنيفة ﵁.
وفيه أيضاً هشام عن محمد رحمهما الله قال أبو حنيفة ﵁: رجل غصب من آخر لحماً، واستهلكه، فعليه قيمته، وفيه كلمات أخر عرفت في كتاب البيوع، استهلك سرقين إنسان يجب عليه القيمة؛ لأنه ليس بمثلي؛ لأنه لا يكال ولا يورث إنما يحمل أوقاراً فيضمن بالقيمة؛ ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن رد مثل
стр. 2099
المغصوب ومثل المستهلك في الموضع الذي وجب المثل يجب في موضع الغصب والاستهلاك، وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن ضمان الجناية لا تجب في موضع الجناية، وإنما يجب في موضع الخصومة.
استهلك ثوباً لرجل وجاء بقيمته، فقال رب الثوب: لا أريدها، ولا أجعلك في حل، فللغاصب أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يجبره على القبول، وإن لم يرفع الأمر إلى الحاكم، ووضع القيمة في حجره يبرأ وإن وضعه بين يديه لا يبرأ.
الفصل الثالث فيما لا يجب الضمان باستهلاكه
كسر بيضة أو جوزة لغيره، فوجد داخلها فاسداً، فلا ضمان عليه؛ لأنه ظهر أنه ما استهلك مالاً، وكذلك لو كسر درهم إنسان، ثم ظهر أنه ستوق، فلا ضمان عليه لما قلنا. إذا أفسد تأليف حصير إنسان، فإن أمكن إعادته كما كان أمرناه بالإعادة؛ لأنه قادر على رده كما أخذ، فصار كمن غصب سلمة إنسان.... ..... ......... يؤمر بإعادة التركيب؛ لأن الإعادة ممكنة فيؤمر بالإعادة، وإن لم يمكنه الإعادة كما كان سلم له المقبوض، وضمن قيمة الحطب صحيحاً؛ لأنه عجز عن الرد كما أخذ فيصار إلى القيمة.
وإذا حل شراك نعل غيره، فإن كان النعل من النعال التي يستعملها العامة لا شيء عليه؛ لأنه لا مؤنة في إعادة شراكه، وإن كان النعل غريباً فإن كان لا ينقص سيره، ولا يدخله عيب لو أعيد يؤمر بالإعادة، ولا يضمن شيئاً، وإن كان ينقص سيره، ويدخله عيب لو أعيد يضمن النقصان.
وفي «واقعات الناطفي» : نزع باب دار إنسان عن موضعه أو حل سرج إنسان، أو جاء إلى ثوب ... الحائك، نسجه فنشره حتى أعاده إلى الحالة الأولى، فكل ما كان مؤلفاً، فنقض تأليفه، فالجواب فيه على الحق كما ذكرنا (١١٥ب٢) في النعلين والحصير.
في «النوازل» هدم جدار رجل، ثم بناه الهادم قبل أن يضمن القيمة؛ إن بناه كما كان فلا ضمان عليه؛ لأنه أعاد الأول كلاً، فصار كمن فتق مخيط إنسان، ثم خاطه إذا دخل على صاحب، دكانه بإذنه فعلق بثوبه شيء مما في دكانه، فسقط لا يضمن،
стр. 2100
هكذا ذكر في «واقعات الناطفي» وتأويله الصحيح: أن السقوط لم يكن بفعله ويده.
دفع إلى خياط كرباساً ليخيط له قميصاً، فخاط قميصاً فاسداً، وعلم صاحب الثوب بالفساد، فلبسه مع ذلك، فلا ضمان؛ لأنه لبسه مع العلم رضاءً بالفساد، ويعلم عن هذه المسألة كثير من المسائل.
إذا ذبح شاة إنسان لا يرجى حياتها ضمن، والراعي والبقار في مثل هذا لا يضمن، هكذا ذكر الصدر الشهيد في الباب الأول من شركة «واقعاته» .
وجواب محمد ﵀ في «الأصل:» أن الراعي يضمن، وهو القياس في المسألة في باب إجارة الراعي، فالصدر الشهيد ﵀، فرق بين الراعي والبقار وبين الأجنبي، فضمن الأجنبي، ولم يضمن الراعي والبقار، والفقيه أبو الليث ﵀ سوى بينهما فقال: لا يضمن الأجنبي كما لا يضمن الراعي لوجود الإذن بالذبح في هذه الحالة في حق الكل.
وكذلك الجواب في البعير؛ لأن الذبح في هذه الحال لإصلاح اللحم، وأما في الحمار والبغل، فلا يذبح؛ لأن ذبحهما ليس لإصلاح اللحم، وفي الفرس أيضاً لا يذبح؛ لأن ذبحه ليس لإصلاح اللحم عند أبي حنيفة ﵁؛ لأن كراهته كراهة تحريم عنده وهو الصحيح.
إذا رفع التراب من أرض الغير إن لم يكن للتراب قيمة في ذلك الموضع إن انتقص الأرض برفعه ضمن النقصان، وإن لم ينتقص فلا شيء عليه، فلا يؤمر بالكثير، وإن قال به بعض العلماء، وإن كان للتراب قيمة في ذلك الموضع ضمن قيمته تمكن في الأرض أو لم يتمكن.
في «أدب القاضي» للخصاف في آخر باب اليمين: الصراف إذا غمز الدراهم وكسرها ضمن، إلا إذا قال المالك: اغمز، في غصب «العيون» ، وكذلك دفع إليه قوساً، وقال له: أده فمده فهده، وانكسر؛ يضمن إلا إذا قال له مدة في هذه الموضع أيضاً.
وفي صرف «المنتقى» : عن أبي يوسف في الصيرفي إذا انتقد الدراهم بإذن صاحبها فغمز درهماً فانكسر، قال أبو حنيفة ﵁: لا ضمان، وقال أبو يوسف: إن كان الناس إنما يعرفون الدراهم بالغمز فلا ضمان.
والمختار للفتوى أن صاحب المال إن أمره بالغمز فلا ضمان، وإن لم يأمره بالغمز، فإن كان الناس إنما يعرفون الدراهم بالغمز، فلا ضمان عليه أيضاً، ويثبت الإذن بالغمز دلالة إذا كانت الحالة هذه إذا طبخ لحم غيره بغير إذنه ضمن، ولو جعل صاحب اللحمِ اللحمَ في القدر ووضع القدر على الكانون ووضع تحتها الحطب، فأوقد النار وطبخ، فإنه لا يضمن استحساناً، ومن هذا الجنس مسائل أحدها هذه.
المسألة الثانية: إذا طحن حنطة غيره بغير أمره ضمن، ولو أن صاحب الحنطة جعل الحنطة في الدورق، وربط عليه الحمار في آخر، وساق الحمار فطحن لا يضمن.
المسألة الثالثة: إذا رفع جرة غيره بغير أمره فانكسر يضمن، ولو أن صاحب الجرة رفع الجرة فأمالها إلى نفسه، فجاء إنسان وأعانه على الرفع فانكسر فيما بين ذلك، لا يضمن.
المسألة الرابعة: من حمل على دابة غيره بغير أمره حتى هلكت الدابة يضمن، ولو حمل المالك على دابته شيئاً ثم سقط في الطريق فجاء إنسان وحمل بغير إذنه، فهلكت الدابة لا يضمن.
стр. 2101
المسألة الخامسة: إذا ذبح أضحية غيره بغير إذنه؛ إن ذبح في غير أيام الأضحية لا يجوز، ويضمن الذابح، وإن ذبح في أيام الأضحية يجوز، ولا يضمن؛ لأن الإذن ثابت دلالة في هذه المسائل، والدلائل يجب اعتبارها ما لم يوجد الصريح بخلافه، هذه جملة ذكرها الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام ﵀ في باب ما لا يجزىء في الأضحية.
ومن جنس هذه المسائل: ذكر محمد ﵀ في شرح المزارعة في باب قبل باب المزارعة التي يشترط فيها المعاملة أن من أحضر فعلة لهدم حائط فجاء آخر، وهدم بغير إذنه لا يضمن استحساناً، وصار الأصل في جنس هذه المسائل أن كل عمل لا يتفاوت فيه الناس ثبتت الاستعانة بكل واحد من آحاد الناس دلالة، فأما إذا كان عملاً يتفاوت فيه الناس لا تثبت الاستعانة بكل واحد من آحاد الناس، كما لو علق الشاة بعد الذبح للسلخ فجاء إنسان وسلخ بغير إذنه ضمن، ذكره ﵀ هذا الأصل.
في الباب أيضاً: القصاب إذا اشترى شاة، فجاء إنسان وذبحها، فهذا على وجهين: أما إن ذبحها بعدما أخذه القصاب، وشد رجلها، أو قبل ذلك، ففي الوجه الأول: لا يضمن، وفي الوجه الثاني: يضمن. نزع غريم رجل من يده يعزر لكن لا ضمان عليه.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: دابة لرجل دخلت زرع إنسان، فأخرجها صاحب الزرع، فجاء ذئب وأكلها، إن أخرجها ولم يسقها بعد ذلك، فلا ضمان عليه، عليه أكثر المشايخ، وهو المختار للفتوى، وإن ساقها بعد ذلك أكثر مشايخنا على أنه يضمن سواء ساقها إلى مكان بأن عليها من زرعه، أو أكثر من ذلك، وعليه الفتوى.
وكذلك الراعي إذا وجد في بادوكه بقرة لغيره، فطردها قدر ما تخرج من بين بادوكه لا يضمن، وإن ساقها بعد ذلك يضمن، فأما إذا وجد بقرة في زرعه، فأخبر صاحبها، فأخرجها صاحبها، فأفسدت الدابة الزرع إن أمر صاحب الزرع صاحب الدابة بالإخراج لا يضمن صاحب الدابة شيئاً هذه الجملة في الباب الأول من غصب «الواقعات» .
المزارع إذا دفع البقر الذي دفعه إليه رب الأرض مع البذر، والأرض مزارعة إلى الراعي، فضاع لا ضمان على أحد. في غصب «فتاوى (أهل) سمرقند» إذا منع صاحب الزرع عن السقي حتى فسد الزرع؛ لم يكن عليه ضمان الزرع في «واقعات الناطفي» .
الفصل الرابع في كيفية الضمان
في «المنتقى» : بشر بن الوليد عن أبي يوسف في رجل خرق طيلساناً ثم رماه، قال أقومه صحيحاً وأقومه مخروقاً فأضمنه فضل ما بينهما، وعنه أيضاً: رجل حفر بئراً في ملكه، فطمها رجل بترابها، قال: أقومها محفورة، وغير محفورة، فأضمنه فضل ما بينهما، وإن طرح فيها تراباً أجبرته على أن يخرجه، وإن كانت في الصحراء، فإن لم يخرج الماء (١١٦أ٢) فليس عليه من طمها شيء، وإن أخرج الماء، فقد استحقها؛ لأنه
стр. 2102
بئر عطن، فهو ضامن لفضل ما بينهما.
إذا مزق دفاتر حساب إنسان، فاستهلكها ولم يدر ما أخذ وما أعطى، يضمن للمالك قيمة دفاتر الحساب، وهو أن ينظر بكم يشترى ذلك.
في غصب «فتاوى أهل سمرقند» وهو نظير ما ذكر في «فتاوى أبي الليث» : أن من حرق صك إنسان، يضمن قيمة الصك مكتوباً على قول أكثر المشايخ، ولا ينظر إلى المال؛ لأن الإتلاف صادف الصك، أما ما صادف المال.
في «المنتقى» : هشام عن محمد قال: عند المفتين باطل؛ لأنه لو صبه إنسان لمسلم لم أضمنه، فقيل له: يقول أبو حنيفة فيمن صب سكراً لمسلم أيضمن قيمته أو مثله، قال: قيمته إذا كسر بربط إنسان أو طنبور إنسان أو دفه أو ما أشبه ذلك من الآلات الملاهي فعلى قولنا: لا ضمان عليه، وعلى قول أبي حنيفة: يجب الضمان؛ لأن هذه الأشياء صالحة للانتفاع بجهة أخرى سوى اللهو بأن يجعل ظرف الأشياء، فيضمن قيمتها من هذا الوجه لا من حيث كونه طنبوراً أو بربطاً.
وذكر في «الجامع الصغير» : أن على قول أبي حنيفة يضمن؛ إلا إذا فعل بإذن الإمام، قال القاضي الإمام صدر الإسلام في شرح «الجامع الصغير» والفتوى على قولهما لكثرة الفساد فيما بين الناس، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي في «الجامع الصغير» أيضاً: أن قول أبي حنيفة قياس، وقولهما استحسان، قال صدر الإسلام ثمة: ثم عند أبي حنيفة: إذا وجب الضمان يجب الضمان على وجه الصلاحية بغير التلهي على أي وجه يمكن الانتفاع بذلك وعلى هذا الخلاف النرد والشطرنج؛ لأنه يمكن أن يجعل هذه الأشياء..... وفي «القدوري» يقول في مسألة الطنبور والبربط أنه يضمن قيمته خشباً منحوتاً، وفي «المنتقى» يقول: يضمن قيمته خشباً ألواحاً.
هشام قلت لمحمد ﵀: إذا أحرق باباً منحوتاً عليه تماثيل منقوشة، قال: في قولي: يضمن قيمته غير منقوش بتماثيل، فإن كان صاحبه قطع رؤوس التماثيل ضمن قيمته منقوشاً بمنزلة منقوش شجر، قلت: لو أحرق بساطاً فيه صورة رجال، قال: ضمن قيمته مصوراً؛ لأن البساط يوطأ.
قلت: إذا هدم بيتاً مصوراً بهذه الأصباغ تماثيل الرجال والطير قال: أضمنه قيمة البيت، والأصباغ غير مصورة، وإن قتل جارية مغنية ضمن قيمتها غير مغنية، إلا أن يكون الغناء نقصاً فأقومها على ذلك سواء وإن كانت الجارية حسن الصوت؛ إلا أنها لا تغني، فهو على حسن الصوت، والحمامة إذا كانت تقرقر، والفاختة إذا كانت تقرقر تعتبر قيمتها مقرقرة، والحمامة إذا كانت تجيء من بعيد، لا تعتبر قيمتها على ذلك.
والفرس إذا كان يسبق عليه، فهو على السابق قيمته، وفي الحمامة إذا كانت طائرة تعتبر قيمتها غير طائرة، وكذلك كل شيء يكون بغير تعليم.
стр. 2103
غصب من آخر أرضاً وزرعها، وانتقصت الأرض بسبب الزراعة، فعلى الغاصب نقصان الأرض، واختلف المشايخ في طريق معرفة النقصان، قال بعضهم: ينظر بكم تؤاجر هذه الأرض قبل الزراعة، وبكم تؤاجر بعد الزراعة، فمقدار التفاوت نقصان الأرض، وقال بعضهم: ينظر بكم تشترى هذه الأرض قبل الزراعة، وبكم تشترى بعد الزراعة فمقدار التفاوت نقصان الأرض، قال شمس الأئمة السرخسي: والقول الأول أقرب إلى الصواب.
قطع شجرة من دار رجل بغير أمره، فرب الدار بالخيار؛ إن شاء ترك الشجرة على القاطع، وضمنه قيمة الشجرة قائمة، وطريقة معرفة ذلك أن تقوم الدار مع الشجرة، ويقوم الدار بدون الشجرة، فيضمن فضل ما بينهما. وإن شاء أمسك الشجرة، ويضمنه قيمة النقصان قائماً وطريقة معرفة ذلك: أن يقوم الدار مع الشجرة، وبغير الشجرة أصلاً، فتفاوت ما بينهما قيمة الشجرة، ثم ينظر إلى ذلك وإلى قيمة الشجرة مقطوعة ففضل ما بينهما قيمة نقصان القطع، حتى لو كان قيمة الشجرة مقطوعة وغير مقطوعة على السواء، لا شيء عليه.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀ وفي «مجموع النوازل» من قلع شجرة من بستان رجل أو من داره فاستهلكها، فعليه نقصان الدار والبستان، ومن قلع شجرة من أرض رجل، فعليه قيمة الحطب، جاء إلى تنور راش وقد سخنت بقصب فصب فيه الماء، ننظر إلى قيمة التنور كذلك وإلى قيمته غير مسجور فيضمن فضل بينهما، وكذلك بئر الماء إذا بال فيها إنسان على هذا.
في «واقعات الناطفي» ، وفي جنايات «فتاوى أهل سمرقند» : فتح رأس تنور إنسان حتى برد، فعليه قيمة الحطب مقدار ما يسجر به التنور، ويمكن أن يقال: ينظر بكم يستأجر التنور المسجور يبيع به من غير أن يسجره، فيضمن ذلك القدر، أو ينظر إلى أجرته مسجوراً أو غير مسجور، فيضمن تفاوت ما بينهما.
الفصل الخامس في خلط الغاصب مال رجلين أو رجل، أو مال غيره بماله، أو اختلط أحد المالين بالآخرين من غير خلط
قال محمد ﵀ في «الأصل» : غصب من آخر حنطة، وغصب من آخر شعيراً، وخلطهما؛ ضمن لكل واحد منهما مثل ما غصب منه، ولم يذكر في «الكتاب» أن المخلوط لمن يكون، واعلم بأن الخلط يكون على نوعين:
خلط لا يتأتى معه التمييز كخلط اللبن باللبن، والحنطة بالحنطة وفي هذه الصورة يكون المخلوط ملكاً للخالط، ويتقرر حق المالك في المثل عند أبي حنيفة ﵁، ولكن لا يحل للخالط الانتفاع بالمخلوط، قبل أداء البدل وعلى قول أبي يوسف
стр. 2104
ومحمد: للمالك الخيار؛ إن شاء ضمنه مثل حقه، وإن شاء شاركه في المخلوط، وأجمعوا على أنه لو غصب دهن جوز وخلط بدهن بزر أن المخلوط يصير ملكاً للخالط.
وخلط يتأتى معه التمييز، وهو على نوعين: نوع يحتاج فيه إلى كلفة، ومشقة للتميز كخلط الحنطة بالشعير، والجواب في هذا النوع عندهما كالجواب في النوع الأول في ظاهر الرواية، وبه أخذ بعض المشايخ، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن قوله في هذا النوع كقولهما، وبه أخذ بعض المشايخ، وإليه أشار في كتاب الغصب في أول كتاب الوديعة فإنه قال: إذا كان الخالط أجنبياً، ولا يظفر به فلهما أن يبيعا، وأن يكون لهما حق البيع إذا كان مشتركاً بينهما.
أما إذا كان ملك الخالط لا يمكنهما البيع، من المشايخ من قال: ما ذكر من الجواب في تلك المسألة قول أبي يوسف ومحمد، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، أما على ظاهر رواية أبي حنيفة ﵁ (١١٦ب٢) لا يكون لهما حق البيع، ومنهم من قال: ما ذكر ثمة قول الكل وهو الأصح، والعذر لأبي حنيفة على ظاهر الرواية أن حق البيع لهما في تلك الصورة ما كان باعتبار أن المخلوط لم يصر ملكاً للخالط، بل باعتبار أن المخلوط، وإن صار ملكاً للخالط فحقهما لم ينقطع عنه بل يتوقف تمام الانقطاع على وصول البدل إليهما.
ألا ترى أنه لا يحل للخالط الانتفاع بالمخلوط ما لم يؤدِّ البدل إليهما، وإذا بقي حقهما قلنا إنه يباع المخلوط لإبقاء حقهما كالمبيع يباع عند تعذر استيفاء الثمن من المشتري لعينه كذا ههنا. ومن المشايخ من قال على قول أبي حنيفة ﵁ في هذا الخلط قياس واستحسان، القياس: أن يصير المخلوط ملكاً للخالط، وفي الاستحسان: لا يصير.
ونوع لا يحتاج إلى التمييز فيه إلى كلفة ومشقة كخلط البيض بالسود، والدراهم بالدنانير، وفي هذا النوع لا يجب الضمان على الخالط، ولا يصير المخلوط ملكاً للخالط بالإجماع.
في «المنتقى» : قال هشام: سألت محمداً ﵀ عن رجل غصب من رجل ألف درهم، وخلطهما درهماً من ماله، قال: مذهب أبي يوسف في هذا أن دراهم الخالط إذا كان أكثر، فهو مستهلك ضامن للدراهم المغصوبة، وإن كان دراهم الخالط أقل، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه دراهم، وإن شاء شاركه في المخلوط بقدر دراهمه قلت: فإن كانا سواء، فما مذهب أبي يوسف؟ فقال: لا أدري، وأما في قولنا: المغصوب منه بالخيار على كل حال؛ إن شاء ضمن الغاصب دراهمه، وإن شاء كان شريكاً فيها.h
وفيه أيضاً هشام عن محمد: إذا كان مع رجل سويق، ومع رجل آخر سمن أو زيت فاصطدما فانصب زيت هذا أو سمنه في سويق هذا، فإن صاحب السويق يضمن لصاحب السمن أو الزيت مثل كيل زيته أو سمنه؛ لأن صاحب السويق استهلك سمن هذا، ولم يستهلك صاحب السمن سويق هذا؛ ولأن هذا زيادة في السويق.
стр. 2105
وإن كان مع أحدهما سويق، ومع الآخر نورة، فاصطدما فانصب سويق هذا في نورة هذا، فإن شاء صاحب السويق أخذ سويقه ناقصاً، وأعطى الآخر مثل نورته، وإن شاء ضمن صاحب النورة مثل كيل سويقه، وسلم له سويقه، وضمن صاحب السويق لصاحب النورة مثل كيل نورته؛ لأن كل واحد منهما جانٍ، وإن فعل ذلك غريب وذهب، فليس لصاحب النورة على صاحب السويق شيء؛ لأن النورة لم تزد في سويقه بل نقصه، والسويق لصاحب السويق.
وفي «القدوري» صب ماء في طعام فأفسده، وزاد في كيله، فلصاحب الطعام أن يضمنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء، وليس له أن يضمنه طعاماً مثله، وكذا لو صب ماء في دهن أو زيت؛ لأن الطعام المبتل والدهن الذي صب في الماء لا مثل له، فيغرم القيمة، ولا يجوز أن يغرم مثل كيله قبل صب الماء؛ لأنه لم يكن منه غصب مقدم؛ حتى لو غصب ثم صب عليه الماء فعليه مثله.
وفي «المنتقى:» عن محمد ﵀ رجل معه دراهم ينظر إليها، فوقع بعضه في دراهم رجل، فاختلط، كان ضامناً لها؛ قال: لأن هذا جناية منه، وإن لم يتعمد.
نوع منه
ذكر في «فتاوى أبي الليث:» دجاجة ابتلعت لؤلؤة رجل؛ ينظر إلى قيمة اللؤلؤة، وإلى قيمة الدجاجة أيهما أكبر يخير صاحبها؛ إن كانت قيمة اللؤلؤة أكثر يقال لصاحبها: إن شئت فأعط قيمة الدجاجة واذبحها، وإن شئت فتربص إلى أن تخرج اللؤلؤة منها.
وإن كانت قيمة الدجاجة أكثر؛ يقال لصاحبها: إن شئت فأعط قيمة اللؤلؤة، وإلا فاذبح الدجاجة، وهكذا الجواب في الأترجة إذا دخلت في قارورة الإنسان وكبرت، ولو أدخل رجل أترجة رجل في قارورة رجل، فكبرت الأترجة فلا خيار لأحد، وضمن الفاعل لصاحب الأترجة قيمة الأترجة، ولصاحب القارورة قيمة القارورة، وتكون الأترجة والقارورة له بالضمان.
وفيه أيضاً: شجرة قرع نبتت في أرض رجل، فصارت في حب رجل، وانعقدت فيه حتى عظمت، ولم يتمكن إخراجها إلا بكسر الحب أو القرع؛ ينظر إلى أكثرهما قيمة يقال لصاحبه: أد قيمة الآخر وتملكه وإن باعا الحب والقرع جاز، ويضرب كل واحد منهما من الثمن بقيمة سلعته.
وفي كتاب الحيطان: دخل قرن الشاة في قدر ... وتعذر إخراجه، ينظر أيهما كان أكثر قيمة من الآخر، فيؤمر صاحب أكثرهما قيمة بدفع قيمة الآخر إلى صاحبه، ويتملك مال صاحبه، ويكون مخيراً بعد ذلك يتلف أيهما شاء، وكذلك إذا كان للمستأجر حب في الدار المستأجرة لا يمكن إخراجه إلا بهدم شيء من الحائط؛ ينظر أيهما أكثر قيمة، ما ينهدم من الحائط بإخراج الحب، أو الحب.
следующие страницы →