Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
سئل الإمام مالك بن أنس ﵁ عن قوم أرادوا الخروج على سلطانهم بجوره، هل يحل لهم ذلك؟ فأجاب، وقال: إن كانوا اثنا عشر ألفاً كلمتهم واحدة وسعهم ذلك، وإن كانوا أقل من اثني عشر ألفاً لا يسعهم ذلك، وكان يستدل بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لن يغلب اثنا عشر ألفاً عن قلة كلمتهم واحدة» ، ونقول إن رسول الله ﷺ أخبر ووعد أن اثني عشر ألفاً لا يغلبون إذا كانت كلمتهم واحدة، ووعد النبي ﵇ حق، وإذا كانوا لا يغلبون بوعد النبي ﵇، والخروج على السلطان لدفع جوره لا يكون سعياً إلى إهلاك أنفسهم فيسعهم ذلك، وإذا كانوا أقل من اثني عشر ألفاً لم يتيقن بغلبتهم، فلو خرجوا ولم يغلبوا يقصدهم السلطان الجائر بالأذى فكانوا ساعين في إهلاك أنفسهم، فلا يسعهم ذلك.
سئل الفقيه أبو بكر عن قراءة القرآن أهو أفضل للمنفعة أو دراسة الفقه؟ قال: حكي عن الفقيه أبي مطيع أنه قال: النظر في كتب أصحابنا من غير سماع أفضل من قيام ليلة.
في آخر «النوازل» ، وعن أبي عاصم أنه قال: طلب الأحاديث حرفة المفاليس، يعني به إذا طلب الحديث، ولم يطلب فقهه.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : يكره الجلوس في المسجد في المصيبة ثلاثة أيام، وفي غير المسجد جاءت الرخصة ثلاثة أيام للرجال، وتركه أحسن.
وفي «النوازل» : لا بأس أن يتخذ في المسجد بيت يوضع فيه البواري لتعامل الناس، وفي كراهية «واقعات الناطفي» : ويكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون فيه موضع اتخذ لذلك، ولا يصلى فيه، وفي «القدوري» : كره أبو حنيفة وأبو يوسف الوضوء في المسجد، وقال محمد: لا بأس به إذا لم يكن عليه قذر، وفي «النوازل» : رجل مرَّ في مسجد ويتخذ منه طريقاً، فإن كان بعذر يجوز، وإن كان بغير عذر لا يجوز، ثم إذا جاز يصلي في اليوم مرة واحدة تحية المسجد، ولا يصلي أكثر من ذلك؛ لأن فيه حرج، وإذا تعلق بثياب المصلي بعض ... في المسجد من البواري والحشيش فأخرجه، فليس عليه أن يرجعه إلى المسجد إذا لم يتعمد ذلك؛ لأن ما في المسجد يخرجه خادمه عيسى، فإذا وقع خارج المسجد لا تجب الإعادة إلى المسجد.
رجل مات وأجلس ولداه على قبره رجلاً يقرأ القرآن؟ تكلموا فيه؛ بعضهم قالوا: يكره، وبعضهم قالوا: لا يكره، والمسألة في الحقيقة بناءاً على أن قراءة القرآن في المقبرة هل تكره؟ والمختار أنه لا تكره، وهل ينفع الميت؟ تكلموا فيه، والأشبه أنه ينفع؛ لأن الأخبار وردت بقراءة آية الكرسي، وسورة الفاتحة، وسورة الإخلاص وغير ذلك، وحكي عن الفقيه أبي بكر الفياض أنه أوصى موصى عند موته بذلك.
وفي «نوادر هشام» قال: سمعت أبا يوسف يقول: رجل اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وأرجع له دانقاً، قال: لا يقبله حتى يقول: أنت في حل أو هو لك.
стр. 2032
سئل محمد بن المقاتل عن رجل سرق (الماء) ، وساقه إلى أرضه وكرمه أنه يطيب له ما خرج بمنزلة رجل غصب شعيراً أو تبناً، وسمن به دابته، فإنه يجب عليه مثل ما غصب، وما زاد في الدابة يطيب له، قال الفقيه أبو الليث: وقد حكي عن بعض الزاهدين أن الماء وقع في كرمه في غير نوبته، فأمر بقطع كرمه، ونحن لا نقول بقطع كرمه؛ لأن فيه إفساد المال، ولكن لو تصدق بنزله كان حسناً أما لا يجب عليه التصدق في الحكم.
سئل الفقيه عن رجل زرع أرض رجل بغير إذنه، فلم يعلم صاحب الزرع حتى استحصد الزرع، فعلم ورضي به، هل يطيب للزارع الزرع؟ قال: نعم، قيل له: فإن قال: لا أرضى، ثم قال: رضيت، هل يطيب له؟ قال: يطيب له أيضاً، قال الفقيه أبو الليث: وهذا استحسان وبه نأخذ.
اختلف العلماء في كراهية تعليق الجرس على الدواب، فمنهم من قال بكراهيته في الأسفار كلها الغزو وغيره في ذلك سواء، وهذا القائل يقول بكراهيته في الحضر، كما يقول بكراهيته في السفر، ويقول أيضاً بكراهية اتخاذ الخلاخل في رجل الصغير، والمعنى في ذلك: أن الشيطان يستأنس ويتلهى بصوته، كما يستأنس ويتلهى بصوت المزامير، وقال محمد في «السير الكبير» : إنما يكره اتخاذ الجرس للغزاة في دار الحرب، وهو المذهب عند علمائنا أن تعليق (الجرس) على الدواب إنما يكره في دار الحرب؛ لأن العدو يشعر بمكان المسلمين، فإن كان بالمسلمين قلة يتبادرون إليهم فيقتلونهم، فإن كان بهم كثرة، والكفار يتحرزون عنهم ويتحصنون، فعلى هذا قالوا: إذا كان الراكب في المفازة في دار الإسلام ويخافون من اللصوص يكره لهم تعليق الجرس على الدواب أيضاً حتى لا يشعر بهم اللصوص، فلا يستعدون لقتلهم وأخذ أموالهم، والذي ذكرنا في الجواب في الجرس، فهو الجواب في الخلال، قال محمد ﵀ في «السير» : فأما ما كان في دار الإسلام فيه منفعة لصاحب الراحلة فلا بأس به، قال: في الجرس منفعة جمة منها؛ إذا ضلّ واحد من القافلة يلتحق بها بصوت الجرس، ومنها أن صوت الجرس يبعد هوام الليل عن القافلة كالذئب وغيره، ومنها أن صوت الجرس يزيد في نشاط الدواب، وهو نظير الحدو، فإنه جوّز؛ لأنه يزيد في نشاط الدواب.
اختلف الناس في ضرب الدف في العرس قال بعضهم: لا بأس لما روي عن عائشة ﵂ (١٠٢أ٢) أن رسول الله ﷺ قال: «أعلنوا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف» وقال محمد بن سيرين: نبئت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا سمع صوتاً أنكره سأل عنه، فإن قالوا: عرس أو ختان أقره، وقال بعضهم: يكره لقوله ﵇: «كل لهو المؤمن باطل إلا ثلاث؛ تأديبه فرسه ورميه عن قوسه وملاعبته مع أهله» قال الفقيه أبو الليث ﵀: الدف الذي يضرب في زماننا هذا مع الصنجات والخلاخلات ينبغي أن يكون مكروهاً، وإنما الخلاف في الذي كان يضرب في الزمن المتقدم.
стр. 2033
قال محمد في «الجامع الصغير» : مسلم باع خمراً، وأخذ ثمنه، وعلى بائع الخمر دين لرجل كره لصاحب الدين أن يقتضي دينه من ذلك، وإن كان البائع نصرانياً فلا بأس به، والوجه في ذلك أن الخمر ليست بمتقومة في حق المسلم، فلم يجز بيعه، ولم يملك ثمنها لا بالعقد ولا بالقبض، بل بقي الثمن على ملك مشتري الخمر، فإذا أخذ صاحب الدين ذلك فقد أخذ ملك المشتري بغير إذنه فلا يجوز، فأما الخمر متقوم في حق الذمي فجاز بيعه، وملك ثمنها، فلو أخذ صاحب الدين ذلك فقد أخذ ملك البائع بأمره فيجوز.
ولا ينبغي أن يتصدق على السائل في المسجد الجامع؛ لأنه إعانة لهم على أذى الناس، وقد قال خلف بن أيوب: لو كنت قاضياً لم أقبل شهادة من يتصدق في المسجد الجامع، وقال الفقيه أبو بكر بن إسماعيل الواهب بفلس يحتاج إلى سبعين فليساً ليصير كفارة له.
الصبرة إذا أصاب طرف منها نجاسة، ولا يعلم ذلك بعينه يعزل منها قفيزاً أو قفزين فعل ذلك، أو أزال ذلك عن ملكه ببيع أو هبة يحكم بطهارة ما بقي من الصبرة لجواز أن المعزول هو الذي أصابته النجاسة، فلا يقضى بنجاسة ما بقي، وقد عرفناه مباح التناول، فلا تثبت الحرمة بالشك.
ولا رواية عن أصحابنا في هذه المسألة، ومشايخنا استخرجوها ... من في «السير» ، وصورتها: أن رجلاً من أهل الذمة دخل حصناً من حصون أهل الحرب قد حاصره المسلمون، ثم إن المسلمين فتحوا الحصن، وأخذوا الرجال، وعلموا يقيناً أن الذمي فيهم، إلا أنهم لا يعرفونه بعينه، وكل واحد منهم يدعي أنه الذمي، فإنه لا يحل للمسلمين قتلهم، ولو قتل واحد من أهل الحصن بعدما دخل فيه الذمي أو مات، أو خرج واحد منهم، فإنه يحل للمسلمين قتلهم؛ لأنه بعدما مات واحد منهم أو قتل أو خرج من الحصن لم يتيقن أن فيهم من هو محرم القتل، لجواز أن محرم القتل قتل أو مات أو خرج، وقد عرفناهم مباح الدم في الأصل، فلا تثبت الحرمة بالشك.
صبي يسمع الأحاديث، وهو لا يفهم، ثم كبر؛ يجوز له أن يروي عن المحدث، وإذا قرىء صك على صبي وهو لا يفهم، ثم كبر لا يجوز له أن يشهد، ألا ترى أن البالغ إذا قرىء عليه صك وهو لا يفهم ما فيه لا يجوز له أن يشهد بما فيه، ولو سمع الأحاديث ولم يفهم معناه جاز له أن يروي.
تعلم علم الكلام والنظر فيه وراء قدر الحاجة منهي.
وتعلم علم النجوم قدر ما يعرف القبلة، ومواقيت الصلاة لا بأس به، وفيما عدا ذلك فهو حرام.
التمويه في المناظرة والحيلة فيها هل يحل أن يتكلمه متعلم مسترشد أو غيره على الإنصاف بلا تعنت لا يحل، وإن كان يكلمه من يدخل ... ويريد أن يطرحه يحل، بل
стр. 2034
يحتال كل حيلة لدفعه عن نفسه؛ لأن دفع.... مشروع بأي طريق يكون الدفع.
قال هشام في «نوادره» : رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفتين بمسامير إلى زيد قلت له: أترى بهذا الحديث بأساً، فقال: لا، فقلت: إن سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأنه تشبه بالرهبان، فقال أبو يوسف: كان رسول الله ﷺ يلبس النعال التي بها شعر، وإنها من لباس الرهبان، فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما يتعلق به صلاح العبد لا يضر، وقد تعلق بهذا النوع من الأحكام صلاح العباد، فإن من الأراضي ما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع من الأحكام.
قال في «الجامع الصغير» : ويكره هذه الخرقة التي تحمل، ويمسح بها العرق، وهكذا ذكر في «القدوري» ، من أصحابنا من قال: الكراهة في الخرقة التي لها قيمة؛ لأن إعداد ما له قيمة لإزالة العرق فيه تضييع لماله، ومنهم من قال بالكراهة على كل حال، وإطلاق لفظ «الكتاب» دل عليه، وإنما كره؛ لأنه بدعة محدثة لم يفعلها النبي ﵊، ولا الصحابة والتابعون ﵃، وإنما كانوا يمسحون العرق بأطراف أثوابهم، ولأن فيه ضرب من التكبر وتشبه بزي الأعاجم، وكذلك الخرقة التي يمخط بها مكروهة، والخرقة التي يمسح بها الوضوء محدثة، ومنهم من طعن في ذلك لتوارث المسلمين ذلك، والحاصل أن من فعل شيئاً من ذلك تكبراً فهو مكروه وبدعة، ومن فعل ذلك لحاجة لا يكره، وهو نظير التربع في الجلوس والاتكاء قد يفعل الرجل نحوه تكبراً فيكره، وقد يفعله لحاجة فلا يكره، وحكي عن الحاكم الإمام أنه كان يكره استعمال الكواغد في وليمة ليمسح بها الأصابع، وكان يشدد فيه، ويزجر عنه زجراً بليغاً، ولا بأس بأن يربط الرجل في إصبعه خاتماً أو خيطاً للحاجة إلى التذكر، فقد صح أن رسول الله ﷺ أمر بعض أصحابه بذلك.
قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: ولا ينتفع من الخنزير بجلده ولا بغيره إلا الشعر للأساكفة، وقال أبو يوسف: يكره بالشعر أيضاً، وقول أبي حنيفة أظهر؛ لأن حاجة الأساكفة إلى شعرها حاجة ماسة إذ غيرها لا يقوم مقامها في إقامة مصلحة الخرز.
قال الفقيه أبو الليث: قد رخص بعض الناس أن يشرب الرجل قائماً، وكرهه بعضهم إلا من عذر وبه نقول.
التضحية بالديك أو بالدجاج في أيام التضحية ممن لا أضحية عليه لعسرته تشبهاً بالمضحين مكروه، ذكره الشيخ الإمام الزاهد الصفار في كتاب «بيان التوحيد» بالفارسية، وقال: هذا من رسم المجوس، روى نصر بن يحيى بإسناد له عن محمد بن الحسن ﵀ أنه ليس للعالم من بيت المال نصيب؛ لأنه وارث الأنبياء، وقد قال الله تعالى في حق الأنبياء: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ (الشورى: ٢٣) وقال تعالى: ﴿إن
стр. 2035
أجري إلا على الله﴾ (يونس: ٧٢) قال: والقراء لهم نصيب من بيت المال.
المرأة في بيت زوجها، والأمة في بيت مولاها لا تطعم ولا تتصدق بالطعام المدخر كالحنطة ودقيقها، فأما بغير المدخر من الطعام تتصدق على....، وإن لم يأذن الزوج والمولى بذلك صريحاً، ويكون ذلك إذن المولى والزوج (١٠٢ب٢) باعتبار العرف والعادة.
الحطب إذا وجد في نهر جار جاز أخذه والانتفاع، وإن كانت له قيمة وقت الأخذ.
الأب إذا احتاج إلى مال ولده، فإن كان في المصر واحتاج لفقره أكل بغير شيء، وإن كان في السفر واحتاج لعدم الطعام لا لفقره، بل هو موسر أكله بالقيمة، وحد اليسار ههنا أن لا تحل له الصدقة.
قال محمد ﵀: ويفترض على الناس إطعام المحتاج في الوقت الذي يعجز عن الخروج والطلب، وهذه المسألة تشتمل على ثلاثة فصول:
أحدها: أن المحتاج إذا عجز عن الخروج يفترض على كل من يعلم حاله أن يطعمه بمقدار ما يتقوى به على الخروج وأداء العبادات، إذا كان قادراً على ذلك حتى إذا مات ولم يعطه أحد ممن يعلم بحاله اشتركوا جميعاً في المأثم، والأصل فيه قوله ﵇: «ما آمن بالله من بات شبعان وجاره إلى جنبه طاو» وقال ﵇: «أيما رجل مات ضياعاً بين قوم أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله» وكذلك إذا لم يكن عند من يعلم بحاله ما يعطيه، ولكنه قادر على أن يخرج إلى الناس ويخبرهم بحاله فيواسوه، يفترض عليه ذلك، فإن امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا في المأثم، ولكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
الفصل الثاني: إذا كان المحتاج قادراً على الخروج، ولكن لا يقدر على الكسب، فعليه أن يخرج، ومن يعلم بحاله فإن كان عليه شيء من الواجبات فليرده إليه حتماً وإن كان المحتاج يقدر على الكسب فعليه أن يكتسب، ولا يحل له أن يسأل.
الفصل الثالث: إذا كان المحتاج عاجزاً عن الكسب، ولكنه قادر على أن يخرج ويطوف على الأبواب، فإنه يفترض عليه ذلك، حتى إذا لم يفعل ذلك وقد هلك كان آثماً عند الله؛ وهذا لأن السؤال في حق من هو قادر على الكسب (لا يحل)
ثم قال: المعطي أفضل من الآخذ، وهذه المسألة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون المعطي مؤدياً للواجب، والآخذ قادراً على الكسب ولكنه محتاج، فههنا المعطي أفضل بالاتفاق، ولأنه في الإعطاء يؤدي الفرض، والآخذ متبرع في الأخذ، فإن له أن لا يأخذ ويكتسب، ولا شك أن درجة المفترض أعلى من درجة المتبرع.
стр. 2036
والثاني: أن يكون المعطي والآخذ كل واحد منهما شرع، أما المعطي فظاهر، وأما الآخذ بأن يكون قادراً على الكسب، وفي هذا الوجه المعطي أفضل؛ لأن العبادات مشروعة بطريق الابتلاء، ومعنى الابتلاء في الإعطاء أظهر؛ لأن الابتلاء في العمل الذي لا تميل إليه النفس، والنفس تميل إلى الأخذ، ولا تميل إلى الإعطاء.
والثالث: أن يكون المعطي متبرعاً، والآخذ مفترضاً بأن كان عاجزاً عن الكسب، وفي هذا الوجه المعطي أفضل عند أهل الفقه، وقال أهل الحديث؛ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه الآخذ أفضل ههنا.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: إذا كان بالرجل يتلفه ذلك مثل الغدة في العين وغيره، أو كان به حجر فأراد استخراجه، ويخاف منه الموت قال: إن فعل أحد ونجا فلا بأس بأن يفعل.
لا بأس بالاستخبار عن الأخبار المحدثة في البلدة هو المختار لما فيه من المصلحة.
الغني إن أكل مما يتصدق به على الفقراء؛ إن أباح له الفقير ففي حل التناول اختلاف المشايخ، وإن ملكه من الغني لا بأس به بدليل حديث بريرة: «هي لها صدقة ولنا هدية» .
باع الجيران في الحضر أو الرفقة السفر متاع الميت الذي لا وارث له معه، ليصرفوه إلى تجهيزه وتكفينه ودفنه، فلهم ذلك.
في وديعة «العيون» وحكي عن نصر بن يحيى قال: سمعت أبا سليمان الجرجاني، قال: مات غريب عند محمد بن الحسن، فباع محمد بن الحسن كتبه، قال نصير: قلت لأبي سليمان: أكان محمد يومئذٍ قاضياً؟ قال: لا، وحكي أنه مات رقيق لوكيع بن الجراح في سفره، فباع وكيع متاعه وكتبه، وقرأ هذه الآية: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ (البقرة: ٢٢٠) ، وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال في ميت في مسجده جمع أهل المحلة دراهم ليشتروا له بها كفناً فاشتروا له الكفن، وكفنوا به، وفضل من الدراهم فضلة، فإن كان ذلك الميت من قرابتهم أو من جيرانهم؛ قاموا بتكفينه لحق الصحبة أو القرابة، فإن ما فضل من المال ردّ عليهم، فإن (لم) يعرف مال كل واحد منهم فهو منهم جميعاً، وإن لم يردوا عليهم رد على ورثته، وإن لم يرد على ورثته فأحب إليّ أن يصرف إلى ميت فقير من أهل تلك المحلة، فيصرف ذلك إلى كفنه، وإن لم يكن بينهم وبين الميت وراثة ولا كان في جيرانهم وإنما هو غريب نزله الموت فيهم، أو أخرج فوضع عندهم ليكفنوه رأيت أن يصرف ما فضل من الدراهم إلى كفن ميت آخر محتاج.
التحليف بالطلاق والعتاق والأيمان المغلطة، ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» : أن بعض المشايخ رخصوا في ذلك، واختيار الصدر الشهيد الكبير حسام الدين ﵀ أنه
стр. 2037
يفتى بعدم الجواز، فإن بالغ المستفتي يكتب في الفتوى الرأي في ذلك للقاضي، وللرجل أن يدخل الدار التي آجرها، ويسلمها إلى المستأجر لينظر حالها ويرم ما استمر وبإذن المستأجر وبغير إذنه عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة لا يدخل إلا بإذن المستأجر.
في سرقة «الأصل:» امرأة لها أب زمن، وليس للأب من يقوم عليه غير الابنة، والزوج يمنعها من تعاهد الأب، جاز لها أن تعصي الزوج، وتطيع الأب مسلماً كان الأب أو كافرا.
في نكاح «فتاوى أبي الليث» ابن السبيل: إذا تصدق عليه، ثم وصل إلى ماله، والصدقة قائمة لا بأس بأن يتناول من تلك الصدقة، وكذلك الفقير إذا تصدق عليه ثم استغنى، والصدقة قائمة لا بأس بأن يتناول من تلك الصدقة.
لا يجوز حمل تراب ربض المصر؛ لأنه حصن، فكان حق الجماعة، فإن انهدم شيء من الربض ولا يحتاج إليه لا بأس بحمله.
في «فتاوى أبي الليث» : الكرع مكروه، ذكر في فوائد الفقيه أبي جعفر لأمر النبي ﵇.
حكي عن إبراهيم النخعي: أن المصحف يورث، وهو للقارىء من الورثة، والمذهب عندنا أنه يورث كسائر الأموال.
سئل الفقيه أبو جعفر عن قوم قرؤوا قراءة ورد وكبروا بعد ذلك جهراً، قال: إن أرادوا بذلك الشكر لا بأس به، قال: وإن كبروا بعد الصلاة على أثر الصلاة فإنه يكره وإنه بدعه، وإذا كبروا في الرباطات لا يكره إذا أرادوا به إظهار القوة (١٠٣أ٢) والموضع موضع الخوف، وإذا كبروا في مساجد الرباطات، ولم يكن الموضع مخوفاً يكره.u
قال الفقيه أبو جعفر: سمعت شيخي أبا بكر يقول: سئل إبراهيم النخعي عن تكبير أيام التشريق على الأسواق والجهر بها، قال: ذلك تكبير الحوكة، وعن أبي يوسف: أنه يجوز، قال الفقيه: وأنا لا أمنعهم عن ذلك.
لا غيبة لمن يضر الناس يداً ولساناً، قال ﵇: «اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس» روي عن محمد بن الحسن أنه قال في تأويل هذا الحديث: مراد النبي ﵇ أن يكون قصد الذاكر النصيحة حتى لا يتضرر به أحد، وفي هذه الصورة لا إثم عليه، بل على الذاكر، فإذا أكن في صدره أنفة وهتك ستره صار غيبة، وقال ﵇: «الغيبة أشد من الزنا.
قال الفقيه أبو نصر: إذا عرض بسط بحر عام لا يضر بالمارة فذلك مباح له، ولمن شاء من المسلمين أن يأخذه برفع ذلك، وإن جعله وقفاً صار وقفاً، فأما على مذهب
стр. 2038
أصحابنا ليس له ذلك، وحكي أن محمد بن سلمة كان يدني دكاناً على ما به وارثاً البتة، فقيل للشيخ أبي نصر تقول (ما) به؟ قال: لا أبعده عن الصواب،.
وحكي عن أبي نصر أنه قال: كل شيء حازه الإنسان يملكه، كالطعام والماء الذي يحوزه بكوزه، فإن المضطر يقابله بما دون السلاح، وأما في ماء البئر وما أشبهه، فإنه يقابله بالسلاح، وغير السلاح.
وعن أبي يوسف في الرجل إذا طين جدار داره، وأشغل هواء المسلمين، فالقياس: أن لا ينقض ذلك، وفي الاستحسان: لا ينقض ويترك على حاله، وروي عن النصر بن محمد المروزي صاحب أبي حنيفة: أنه كان إذا أراد أن يطين داره نحو السكة، حد منه ثم طينه كيلا يأخذ شيئاً من الهواء.
سئل نصر بن يحيى عن الجذع إذا كان خارجاً من السكة أو متعلقاً بجدار الشريك، فأراد أن ينقض أو يقطع قال: إن كانت السكة نافذة فله أن ينقض، وإذا أراد نقضه لا يؤمر ببنائه، وليس لصاحب الجذع حق القرار، وإن كانت السكة غير نافذة، فإن كان قديماً فلصاحبه حق القرار، وليس للشريك حق النقض، ولو نقض يؤمر بالبناء ثانياً، وإن كان محدثاً فلصاحبه حق النقض، وإذا نقض لا يؤمر بالبناء ثانياً.
غزل الرجل إذا كان على هيئة غزل المرأة يكره.
في صوم شمس الأئمة الحلواني، تنحنح المؤذن عند الأذان والإقامة مكروه.
في «فتاوى أهل سمرقند» يكره أن يتخذ شيئاً من القرآن حتماً لشيء من الصلوات لا يتجاوز عنه إلى غيره، هكذا ذكر في كراهية «شرح الطحاوي» ، قال ثمة: وهذا إذا اعتقد أن غيره لا يجوز، أما إذا لم يعتقد ذلك وعرف أن غيره يجوز، ولكن هذا أيسر عليه، أو قرأه تبركاً بقراءة رسول الله ﵇ لا يكره.
وتكره الإشارة إلى الهلال عند رؤيتها.
في «فتاوى سمرقند» قال: وفي هذا الموضع أيضاً: إذا وجد في المقبرة طريقاً لا بأس أن يمشي فيه إذا لم يقع في قلبه أنه محدث.
رجل أخذ من رجل شيئاً وهرب ودخل في داره لا بأس للمأخوذ منه أن يتبعه، ويدخل داره ويأخذ؛ لأنه موضع الضرورة.
في «فتاوى أبي الليث» رحمه الله تعالى؛ إذا رفع طيناً أو تراباً من طريق المسلمين ففي أيام الأوحال جاز، بل هو أولى، وفي غير أيام الأوحال إن لم يصر كالأرض، وكذلك وإن كان كالأرض، واحتاج الرافع إلى قلعه؛ لا يسعه ذلك إن كان فيه مضرة بالمارة، وفي هذا الموضع أيضاً: أهل قرية ابتلوا بالدياسة بالخمر فلا بأس به.
رجل مشى في الطريق، وكان في الطريق ماء فلم يجد مسلكاً إلا أرض إنسان فلا بأس بالمشي فيه؛ لأن فيه ضرورة، وذكر في «فتاوى أهل سمرقند» : المرور في أرض الغير على التفصيل؛ إن كان لأرض الغير حائط وحائل لا يمر فيها؛ لأن ذلك دليل عدم الرضا من صاحب الأرض بالمرور فيها، وإن لم يكن هناك حائط فلا بأس بالمرور فيها،
стр. 2039
فالحاصل أن المعتبر في هذا الباب عادات الناس.
وفي «واقعات الناطفي» : نهر لرجل في أرض رجل، أراد صاحب النهر أن يدخل الأرض ليعالج نهره ليس له ذلك؛ لأن الأرض ملك الغير، ولكن ينبغي أن يمشي في بطن النهر، وإن كان النهر ضيقاً لا يمكنه المشي في بطنه؛ لا يدخل في الأرض أيضاً، قيل: هذا الجواب على قول أبي حنيفة؛ لأنه لا حريم للنهر عنده، وأما على قولهما للنهر حريم فله أن يمر على الحريم، وقيل: ما ذكر قول الكل، وتأويل المسألة على قولهما أن صاحب النهر باع الحريم من صاحب الأرض.
القيلولة المستحبة هي القيلولة من.... داس الحنطة وداس الشعير.
بساط أو مصلى كتب عليه في النسج الملك لله يكره بسطه، والقعود عليه واستعماله، فلو قطع حرف من حروفه وخيط على بعض الحروف حتى لم تبق الكلمة متصلة لا تسقط الكراهة؛ لأنه بقيت الحروف، وللحروف المفردة حرمة؛ لأن نظم القرآن وأخبار النبي ﵇ بواسطة هذه الحروف، وقد روي أن واحداً من الأئمة رأى الشبان يرمون، وقد كان المكتوب على الهدف: أبو جهل لعنه الله، فمنعهم عن ذلك، ومضى بوجهه، ثم رجع، فوجدهم محوا اسم الله وكانوا يرمون كذلك، فقال: إنما أمنعكم لأجل الحروف.
قيل: الأعونة والسعادة والظلمة في أيام العمرة أفتى كثير من مشايخنا بإباحته، وقد حكي عن الشيخ الإمام الزاهد الصفار: أن الجصاص أورد في «أحكام القرآن» أن من ضرب الضرائب على الناس حل ذمته وكان السيد الإمام الأجل أبو شجاع السمرقندي يقول: يثاب قائلهم، وكان يفتي بكفر الأعونة، وكذلك القاضي الإمام عماد الدين بسمرقند يفتي بكفرهم ونحن لا نفتي بكفرهم.
إذا أدخل الرجل ذكره فم أمرأته فقد قيل: يكره؛ لأنه موضع قراءة القرآن، فلا يليق به إدخال الذكر فيه، وقد قيل بخلافه.
أيضاً السلطان إذا قال للخبازين: بيعوا عشرة أمناء من الخبز بدرهم ومن ينقص عن ذلك فعلت في حقه كذا وكذا، فاشترى رجل من الخباز عشرة أمناء من الخبز بدرهم، ولولا خوف السلطان، فالخباز لا يبيعه عشرة أمناء بدرهم لا يحل للمشتري أكله؛ لأن الخباز في معنى المكره على البيع، فإن أجاز البائع بعد ذلك من اختيار جاز، وحل للمشتري الأكل، فبيع المكره إذا لحقته الإجازة (١٠٣ب٢) من البائع يخرج من أن يكون بمعنى مكره.
في عارية «الواقعات» : رجل أراد أن يستمد عن محبرة غيره فهذا على ثلاثة: أوجه: الأول أن يستأذنه، وفي هذا الوجه له أن يفعل ذلك إلا أن ينهاه، الثاني: أن يعلمه وفي هذا الوجه له ذلك أيضاً إذا لم ينهه؛ لأنه إذا لم ينهه فهو إذن له دلالة، الثالث: إذا
стр. 2040
لم يستأذنه ولم يعلمه، وإنه على وجهين: إن كان بينهما انبساط فله أن يفعل ذلك لمكان الإذن عرفاً، وإن لم يكن بينهما انبساط ليس له أن يفعل؛ لأنه في الإذن عرفاً تودُّد.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : طلبة العلم إذا كانوا في مجلس ومعهم محابر فكتب واحد من محبرة غيره بغير إذنه صريحاً لا بأس به؛ لأنه مأذون دلالة، فإنه لو استأذنه يثقل عليه.
وفيه أيضاً: استأجر كتاباً ليقرأه، فوجد في الكتاب خطأ إن علم أن صاحب الكتاب يكره إصلاحه لا ينبغي له أن يصلحه؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإن علم أنه لا يكره إصلاحه فإن أصلحه جاز؛ لأنه مأذون دلالة، وإن لم يصلحه فلا إثم عليه؛ لأن الصلاح ليس واجب عليه.
رجل في داره شجرة فرصاً وقد باع أغصانها، وإذا أبقاه المشتري اطلع على عورات الجيران، فقيل ينبغي للجيران أن يرفعوا الأمر إلى القاضي حتى يمنعه عن ذلك، والمختار أن يخبر المشتري الجيران وقت الإيفاء ليستروا أنفسهم، يفعل ذلك في كل يوم مرة أو مرتين؛ لأن هذا جمع بين الحقوق، فإن لم يفعل ذلك إلا أن يرفع الأمر إلى الحاكم، فإن رأى الحاكم المنع منعه.
شوك أو حشيش نبت على القبور؛ إن كان رطباً يكره قلعه، وإن كان يابساً لا يكره؛ لأنه ما دام رطباً يسبح، فربما يكون للميت أنس بتسبيحها، ولا كذلك اليابس منه.
ميت دفن في أرض غيره، فإن شاء رب الأرض أمر بإخراجه وإن شاء سوى القبر مع الأرض وزرع عليه، فله أن يستخلص الظاهر والباطن وحده.
رجل يعمل أعمال البر، ويقع في قلبه أنه ليس بمؤمن، إن وقع في قلبه.... مؤمن..... أو أعماله لا تنفعه؛ لأنه عصى الله فهو مؤمن صالح، وإن وقع في قلبه أنه ليس بمؤمن ولم يعرف الله، واستقر قلبه على ذلك فهو كافر بالله، وإن خطر هذا بقلبه ووجد إنكار ذلك من نفسه فهو مؤمن؛ لأن التحرز عن هذا غير ممكن.
قيل: في الشفقة في الأولاد الشفقة عليهم إذا أراد الأب أن يأمر له بشيء أن يقول: «خوبت أبي بسر فلان كار بشور» ؛ لأنه لو أمره ربما يعلمه الابن فيصير عاقاً، رجل أتى بفاحشة ثم تاب وأناب إلى الله لا ينبغي له أن يخبر الإمام بما صنع لإقامة الحد؛ لأن الستر مندوب.
стр. 2041
كتاب التحري
هذا الكتاب يشتمل على فصول:
١ * في مسائل الصلاة
٢ * في مسائل الزكاة
٣ * في التحري في الثياب والأواني والمساليخ والموتى
٤ * في المتفرقات
стр. 2042
الفصل الأول في مسائل الصلاة
يجب أن يعلم بأن معرفة جهة الكعبة إما بدليل يدل عليها أو بالتحري عند انعدام الدلالة، فمن الدلائل؛ المحاريب المنصوبة في كل موضع؛ لأن ذلك باتفاق من الصحابة ﵃ ومن بعدهم، فإن الصحابة فتحوا العراق، وجعلوا القبلة ما بين المشرق والمغرب، ثم فتحوا خراسان، وجعلوا القبلة ما بين المغربين؛ مغرب الشتاء ومغرب الصيف، وكانوا يصلون إليها، ولما ماتوا جعلت قبورهم إليها أيضاً من غير نكير أحد منهم، وكفى بإجماعهم حجة.
ومن الدليل السؤال في كل موضع؛ لأن أهل كل موضع أعرف بقبلتهم من غيرهم عادة، ومن الدليل النجوم أيضاً على ما حكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: إن أهل الكوفة يجعلون الجدي خلف القفا في استقبال القبلة، ونحن نجعل الجدي خلف الأذن اليمنى، وكان الشيخ الإمام الزاهد رئيس أهل السنة إمام الهدى أبو منصور الماتريدي ﵀ يقول: السبيل في معرفة جهة القبلة أن ينظر إلى مغرب الشمس في أطول أيام السنة فيعينه، ثم ينظر إلى مغرب الشمس في أقصر أيام السنة فيعينه ثم يدع الثلثين على يمينه والثلث على يساره، فيكون مستقبلاً للجهة إذا وجد ذلك الموضع، وعند انقطاع هذه الأدلة فإصابة جهة القبلة بالتحري.
وجملة هذا الفصل على أربعة أوجه:
أحدها: إذا صلى إلى جهة من غير شك ولا تحر ولم يخطر بباله وقت التكبير أن هذه قبلة وليست بقبلة، وفي هذا الوجه إن علم أنه أصاب أو كان أكثر رأيه ذلك يجزئه؛ لأنه لو لم يعلم أنه أصاب أو لم يصب يجزئه؛ لأن الجواز أصل فيما يفعله المسلم العاقل، فلأن يجزئه إذا علم أنه أصاب أو كان أكثر رأيه ذلك كان أولى. وإن علم أنه أخطأ لا يجزئه؛ لأن الجواز في الوجه الأول بنوع ظاهر من حيث إن الجواز أصل فيما يفعله العاقل المسلم، وهذا نوع ظاهر، والثابت بالدليل فوق الثابت بالظاهر، وكذلك إذا كان أكثر الرأي أنه أخطأ؛ لأن أكثر الرأي أقيم مقام العلم في حق العمل، وهذا كله إذا علم أنه أصاب أو أخطأ بعد الفراغ من الصلاة.
فأما إذا علم في خلال الصلاة أنه أصاب القبلة أو كان أكثر رأيه، ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» أنه لا يجوز ويلزمه الاستقبال، وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : أن فيه اختلاف المشايخ، كان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل يقول: لا يجزئه ويلزمه الاستقبال؛ لأن ما ظهر من الحالة في الانتهاء فوق الحالة الماضية؛ لأن التوجه إلى القبلة في الحالة الماضية كان ثابتاً بظاهر الحال وبعدما علم أنه أصاب أو كان أكثر رأيه ذلك فالتوجه إلى القبلة ثابت بالدليل، ولا شك أن الثابت بالدليل فوق الثابت باستصحاب الحال، فإذا كان ما ظهر من الحالة في الانتهاء فوق الحالة
стр. 2043
الأولى لم يمكنه بناء الباقي على ما مضى؛ لأن الأقوى لا يجوز أن يبنى على الأضعف، ألا ترى أن المؤمن إذا قدر على الركوع والسجود في خلال الصلاة والأمي إذ اصار قادراً لا يبني، وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو بكر بن حامد يقول: يجزئه ولا يلزمه الاستقبال؛ لأن صلاته كانت صحيحة في الابتداء لانعدام الدليل المفسد فالتغيير لا تزداد القوة حكماً بخلاف ما بعد الشك؛ لأن هناك صلاته بنيت صحيحة إلا بالتيقن بالأصلية، فإذا شعر أنه أصاب فقد يقوى حاله حكماً فلزمه الاستقبال (١٠٤أ٢) .
أما ههنا بخلاف الوجه الثاني إذا اشتبهت عليه القبلة، فلم يتحر وصلى إلى جهة إن علم أنه أخطأ، أو أكثر رأيه ذلك أو لم يعلم أنه أخطأ أوأصاب لا يجزئه، وإن علم أنه أصاب بجهته هذا كله قبل الفراغ من الصلاة، أما إذا لم يعلم أنه أخطأ أو أصاب إنما لا يجزئه؛ لأن التحري افترض عليه حالة الاشتباه شرطاً لجواز الصلاة، فإذا ترك التحري فقد ترك شرطاً من شرائط جواز الصلاة فلا يجزئه كما لو ترك شرطاً آخر، وإذا ظهر الكلام فيما إذا لم يعلم أنه أخطأ أو أكثر رأيه ذلك من طريق الأولى.
فرق بين هذا وبين المسألة الأولى، فإن في المسألة الأولى: إذا لم يعلم أنه أصاب أو لم يصب، فإنه يجزئه ووجه الفرق: أن في المسألة الأولى لم يصر تاركاً شرطاً من شرائط جواز الصلاة؛ لأن التحري إنما يجب حالة الاشتباه، ولم يشتبه عليه أن القبلة في المسألة الأولى أما ههنا اشتبه عليه أمر القبلة، فافترض عليه التحري شرطاً لجواز الصلاة، فإذا ترك ذلك فقد ترك شرطاً من شرائط جواز الصلاة فإن قيل: لو كان تاركاً شرطاً من شرائط جواز الصلاة لكان لا يجزئه، وإن علم أنه أصاب كما لو تحرى ووقع تحريه على جهة فترك تلك الجهة وصلى إلى جهة أخرى. الجواب: التحري ما افترض لعينه وإنما افترض لغيره، وهو إصابة القبلة؛ لأن التحري طلب، والمقصود من الطلب المطلوب لا عين الطلب، فإذا علم أنه أصاب القبلة تبين أن التحري لم يكن فرضاً عليه؛ لأن ما افترض لغيره لا يبقى فرضاً متى حصل المقصود منه بدونه كالسعي إلى الجمعة لا يبقى فرضاً متى حصل المقصود بدونه؛ بخلاف ما لو تحرى ووقع تحريه على جهة فتوجه إلى جهة أخرى؛ لأن هناك لعينه؛ لأن التوجه إلى الجهة التي وقع عليها التحري افترض لعينه؛ لأن هذه الجهة صارت قبلة له بنص الكتاب كالكعبة حالة العيان، والتوجه إلى الكعبة حالة العيان فرض لعينه فكذا التوجه إلى الجهة التي أدى تحريه. ومن ترك من صلاته ما هو فرض لعينه لا تجوز صلاته، وإن أتى بشيء آخر، كما لو ترك ركوعاً وأتى بثلاث سجدات.
فأما إذا كان أكثر رأيه أنه أصاب، وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة هل يجزئه؟ لم يذكر محمد ﵀ هذا في «الأصل» ، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يجزئه؛ لأن أكثر الرأي أقيم مقام العلم، ولو علم أنه أصاب يجزئه، فكذا هنا.
الدليل عليه: أن محمداً ﵀ سوى بين العلم وأكثر الرأي قبل الفراغ من الصلاة، فقال: لو كان أكثر رأيه أنه صلى إلى القبلة قبل الفراغ من الصلاة يلزمه
стр. 2044
الاستقبال كما لو علم أنه صلى إلى القبلة، ومنهم من قال: لا يجزئه؛ لأن التحري لزمه بيقين، فلا يسقط إلا بيقين مثله، وغالب الرأي لا يوجب علم اليقين فلا يسقط به فرض التحري، وهذا بخلاف ما لو كان أكثر رأيه في الصلاة أنه أصاب، فإنه يلزمه الاستقبال كما لو علم يقيناً؛ لأن أكثر الرأي في الصلاة إما أن يلحق بالعلم أو بالجهل، وبأي ذلك ما ألحقنا يلزمه الاستقبال إن ألحقناه بالعلم، فلأن الحالة الثابتة أقوى من الحالة الماضية، فلا يمكنه البناء على الماضي، وإن ألحقناه بالجهل فلفساد الشروع فأما بعد الفراغ فالتحري كان فرضاً عليه بيقين، فلا يسقط عنه إلا بيقين مثله.
الوجه الثالث: إذا شك وتحرى وصلى إلى الجهة التي وقع التحري عليها، وفي هذا الوجه تجزئه صلاته، وإن علم أنه أخطأ القبلة، وقال الشافعي ﵀: لا تجزئه صلاته، وإذا علم أنه أخطأ القبلة وجه قوله أنه أدى حكماً عن اجتهاده، وقد ظهر خطؤه بيقين فيلزمه الإعادة، كما لو توضأ بماء على ظن أنه طاهر ثم تبين أنه نجس.
وجه قول علمائنا ﵃ حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة وإنه معروف، وإنما مسألة الثوب، وإنا قلنا: القياس في القبلة أن لا يجوز كما في الثوب والماء، إلا أنا تركنا القياس في القبلة بالنص، وماثبت بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره، والنص الوارد في القبلة لا يكون وارداً في الماء والثوب دلالة؛ لأن الصلاة إلى غير القبلة أخف من الصلاة بغير وضوء وفي ثوب نجس؛ لأن التطوع إلى غير القبلة يجوز بالعذر الذي لا تجوز بمثله الصلاة بغير وضوء، ولا في ثوب نجس، فإنه تعذر السير فيما دون السفر يجزئه التطوع إلى غير القبلة، ولا يجزئه بغير طهارة، ولا في ثوب نجس، وإذا كان أخف فالنص الوارد في القبلة بخلاف القياس، ويكون وارداً فيهما دلالة فرد فصل الماء والثوب إلى ما يقتضيه القياس والقياس ما قاله، وهذا إذا كان بعد الفراغ من الصلاة.
فأما قبل الفراغ من الصلاة إذا علم أنه أصاب القبلة فإنه يمضي في صلاته، ولا يستقبل؛ لأن الحالة الثانية مثل الحالة الأولى؛ لأن الجهة التي وقع عليها التحري صارت قبلة بالنص كالكعبة، وإذا كانت الحالة الثانية مثل الأولى لا فوقه أمكنه البناء على الحالة الأولى، ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فلما تحولت القبلة إلى الكعبة تحولوا إليها، وهم في الصلاة وأجزأتهم صلاتهم؟
الوجه الرابع: إذا شك وتحرى، وأعرض عن الجهة التي وقع تحريه عليها وصلى إلى جهة أخرى لا يجزئه في ظاهر رواية أصحابنا، وروى أبو سليمان الجوزجاني عن أبي يوسف أنه يجوز، وجه ظاهر الرواية ما ذكرنا، وجه رواية أبي سليمان أن التوجه إلى الجهة التي وقع تحريه عليها لم يفترض لعينه بل إنها كعبة حقيقة، فإذا أصاب الكعبة بجهة أخرى فقد حصل المقصود من التوجه إلى الجهة التي وقع تحريه عليها فيسقط فرضه التوجه إليها.
ومما يلحق بهذا الفصل إذا صلى إلى الجهة التي وقع تحريه عليها ركعة أو ركعتين، ثم علم أنه أخطأ فعليه أن يتحول إلى جهة الكعبة، ويبني على صلاته، وإذا وقع تحريه
стр. 2045
إلى جهة فصلى إليها ركعة ثم تحول رأيه إلى جهة أخرى؛ يتحول إلى الجهة الثانية، وكذا في الثالثة، والرابعة، والأصل فيه حديث أهل قباء على ما روينا، واختلف المتأخرون فيما إذا صلى ركعة إلى جهة بالتحري، ثم وقع تحريه على جهة أخرى فصلى إليها ركعة، ثم وقع تحريه على الجهة الأولى، فمنهم من قال ينتقل إلى تلك الجهة أيضاً، ومنهم من قال: يلزمه الاستقبال.
ومما يتصل بهذا الفصل معرفة مكان التحري
ذكر في باب صلاة المريض (١٠٤ب٢) من الأصل مسألة تدل على أن التحري في باب القبلة كما جوز خارج المصر يجوز في المصر، وصورتها قوم مرضى في بيت بالليل أمهم واحد وصلى بعضهم إلى القبلة، وبعضهم إلى غير القبلة، وهم يظنون أنهم أصابوا يعني تحروا، فصلاتهم جائزة؛ لأنه يجوز ذلك من الأصحاء حالة الاشتباه فمن المرضى أولى، ووجه الاستدلال بها أن محمداً ﵀ حكم بجواز صلاتهم من غير فصل، بينما إذا كان البيت في المصر أو خارج المصر.
وعن أبي يوسف: أن الرجل إذا كان ضيفاً وكان ليلاً، ولم يجد أحداً يسأل فأراد أن يصلي التطوع جاز له التحري، وذكر شمس الأئمة الحلواني في «شرحه» مسألة الضيف، فقال: إذا كان الرجل ضيفاً في بيت إنسان فنام القوم، فأراد الضيف أن يتهجد بالليل، وكره أن يوقظهم، وذكر أن بعض مشايخنا قالوا: لا يجوز له التحري، وبعضهم قالوا: إن كان يريد إقامة المكتوبة لا يجوز له التحري، وإن كان يريد التهجد بالليل؛ يجوز له التحري، قال شمس الأئمة الحلواني عن مشايخه إن الصحيح أنه لا يجوز التحري في المصر؛ لأنه يتوصل إلى إصابة الجهة بالسؤال، ويجد من يسأله غالباً، والحكم يبنى على الغالب، قالوا: وما ذكرنا في باب صلاة المريض محمول على البيت الذي يكون في الرباط، ولا يكون.. في.... والمرضى مسافرون.
وفي «فتاوى النسفي» : التحري في المسجد في ليلة مظلمة يجوز حتى لو صلى المغرب في المسجد بالتحري، ثم جيء بالسراج وظهر أنه أخطأ القبلة لا يجب عليه الإعادة سواء كان المسجد له محراب أو لم يكن؛ لأن في مس الحائط لطلب المحراب احتمال الضرر، قال: وهذا جواب السيد الإمام أبي شجاع، وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني، وفي النهار لا يجوز.
وفي كتاب التحري: رجل دخل مسجداً لا محراب فيه، وقبلته مشكلة، وفيه قوم من أهله فتحرى هذا الرجل القبلة وصلى، ثم تبين أنه أخطأ فعليه أن يعيد الصلاة، وإن علم أنه أصاب جازت صلاته؛ لأن السؤال من أهله ما افترض لعينه، بل لإصابة القبلة، فإذا أصاب فقد حصل المقصود بدونه فيجوز، ألا ترى أنه قد صلى بعد الشك بدون التحري؛ لأن التحري ما افترض بعينه بل لإصابة الكعبة، فإذا أصاب فقد حصل
стр. 2046
المقصود، قال في كتاب التحري عقيب ذكر هذه المسألة: وهو نظير من أتى حياً من الأحياء ولم يجد ماءً فتيمم وصلى، ثم وجد الماء فإن كان في الحي قوم من أهله ولم يسألهم لا يجوز له التيمم، وإن كان في الحي قوم من غير أهله فلم يسألهم، أو سألهم فلم يخبروه، أو لم يكن بحضرته من يسأله جازت صلاته، وذكر القدوري في «شرحه» عن محمد ﵀ فيمن بان له الخطأ بمكة بأن كان به محبوساً في بيت فاشتبهت عليه القبلة فتحرى، فلم يكن عنده من يسأله أنه لا إعادة عليه قال ثمة: وهو الأقيس؛ لأنه إذا كان محبوساً في بيت وانقطع عنه سائر الأدلة تعين عليه التحري، فقد أتى بما أمر به فيجوز، قال ثمة: وقال أبو بكر الرازي: عليه الإعادة؛ لأنه تيقن بالخطأ بمكة؛ لأن القبلة بمكة مقطوع بها، قال ثمة: وكذلك لو كان بالمدينة؛ لأن القبلة بالمدينة مقطوع بها؛ نصبها رسول الله ﵇ بالوحي بخلاف سائر البقاع.h
الفصل الثاني في مسائل الزكاة
وإذا دفع الرجل زكاة ماله إلى رجل، ولم يخطر بباله عند الدفع أنه غني أو فقير؛ جاز الأداء إلا إذا علم أنه غني، وإن دفع إلى رجل ظن أنه فقير من غير أن يستدل على كونه فقيراً بما جعل أمارة على الفقر، فالجواب فيه كالجواب في الفصل الأول، ومعنى المسألة أنه لم يشك في أمر المدفوع إليه، بل كما رآه وقع في قلبه أنه فقير.
وإن اشتبه عليه حال المدفوع إليه، فدفع إليه بعدما تحرى، ووقع في أكثر رأيه أنه فقير أو أخبره المدفوع إليه أو أخبره عدل آخر أنه فقير، أو رآه في زي الفقراء، أو رآه جالساً في صف الفقراء، أو رآه يسأل الناس، ووقع في قلبه أنه فقير، وفي هذه الوجوه كلها إن علم أنه فقير أو أكثر رأيه أنه فقير، أو لم يعلم شيئاً، أو علم أنه غني، أو كان أكثر رأيه أنه غني؛ جاز في قول أبي حنيفة ومحمد ﵄، وعند أبي يوسف الجواب كذلك إلا في وجه واحد؛ وهو ما إذا علم أنه غني؛ فإن في هذه الصورة: لا يجزئه عن زكاة ماله عند أبي يوسف، قال شيخ الإسلام: وله أن يسترد ما دفع إليه، وهو خلاف الرواية، فالرواية منصوصة عن أبي يوسف أنه لا يملك الاسترداد.
ثم إن محمد ﵀ جمع بين فصول خمسة، بينما إذا أخبره المدفوع إليه أو عدل آخر أنه فقير، أو رآه في زي الفقراء أو جالساً في صف الفقراء، أو رآه يسأل الناس، ووقع في قلبه أنه فقير؛ ذكر هذا الشرط، وهو الوقوع في قلبه أنه فقير فيما إذا رآه يسأل الناس، ولم يذكره في الفصول الأخر، وإنه شرط في الفصول الأخر أيضاً، وهكذا ذكر في «النوادر» بعض الفصول الأخر مع هذا الشرط؛ وهذا لأنه إذا وقع في قلبه صدقه كان بمنزلة التحري.
ثم على قول أبي حنيفة ومحمد: إذا ظهر أن المدفوع إليه غني، وجازت الصدقة عند أبي حنيفة ومحمد هل يحل للقابض؟ اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: لا يطيب،
стр. 2047
وقال بعضهم: يطيب، وقال بعضهم: يرد إلى المعطي على وجه التمليك.
ثم المعطي هل يثاب على ذلك؟ قال بعضهم: يثاب ثواب المجاملة مع الناس والبر بهم، ولا يثاب ثواب الصدقة، واستشهد في «الكتاب» حجة لأبي يوسف في المسألة المختلفة، قال: هو بمنزلة رجل توضأ بماء وصلى، ثم تبين أنه كان غير طاهر، وذكر أن هذا يجزئه ما لم يعلم، فإذا علم عاد، قال شمس الأئمة الحلواني: وتحت هذا اللفظ فائدة عظيمة، فإنه جعل تلك الصلاة مجزئة ما لم يعلم أنها فاسدة في الحقيقة قال ﵀: وكذلك كل صلاة وقعت فاسدة، وهو يظن أنها وقعت جائزة، فمات قبل العلم لم يعاقب، والعبرة لما عنده لا بما عند الله، قال ﵀: ونظيره ما روي عن أبي يوسف فيمن اشترى جاريته وطأها مراراً، ثم استحقت إن وطأها حلال له، ولا يسقط إحصانه؛ لأنه وطئها وعنده أنها ملكه فاعتبر ما عنده، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد: الوطء حرام، إلا أنه لا إثم عليه.
وإذا شك في حال المدفوع إليه فدفع إليه من غير تحر إن ظهر أنه غني، أو وقع في أكثر رأيه أنه غني، أو لم يعلم شيء لا يجوز، وإن ظهر أنه فقير يجوز، وإن وقع في أكثر (١٠٥أ٢) رأيه بعد ذلك أنه فقير اختلف المشايخ فيه، أكثرهم على أنه لا يجوز، وأما إذا اشتبه عليه حال المدفوع إليه، وتحرى ووقع في أكثر رأيه أنه غني، فدفع إليه مع ذلك لا يجزئه ما لم يعلم فقره، وإذا علم أنه فقير اختلف المشايخ فيه على ثلاثة أقاويل: بعضهم قالوا: يجوز إجماعاً، وبعضهم قالوا: لا يجوز إجماعاً، وبعضهم قالوا: عند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز، وعند أبي يوسف يجوز على عكس ما ذكرنا من الاختلاف، قال شمس الأئمة السرخسي: والأصح هو الجواز.
ثم في المسألة المختلفة بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف، لو ظهر أن المدفوع إليه أب الدافع، أو ابنه كان على الخلاف في ظاهر الرواية، وذكر أبو شجاع عن أبي حنيفة أنه لا يجوز، لو ظهر أن المدفوع إليه هاشمي كان على الخلاف في ظاهر الرواية، وذكر في «جامع البرامكة» عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يجوز، وإن ظهر أن المدفوع إليه ذمي، كان على هذا الخلاف في ظاهر الرواية، وذكر أبو يوسف في «الأمالي» عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز، وإن ظهر أنه حربي مستأمن ذكر في «نوادر الزكاة» أنه على هذا الخلاف، وذكر في «جامع البرامكة» عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز، وإن ظهر أنه حربي غير مستأمن لا يجوز عند أبي حنيفة باتفاق الروايات، وإن ظهر أنه عبده لا يجزئه إجماعاً، وإن ظهر أنه مكاتبه فعن أبي حنيفة ﵁ روايتان.
الفصل الثالث في التحري في الثياب، والمساليخ، والأواني، والموتى
إذا كان مع الرجل ثوبان، أو ثياب، والبعض نجس، والبعض طاهر، فإن أمكن التمييز بالعلامة يميز، وإن تعذر التمييز بالعلامة إن كانت الحالة حالة الاضطرار بأن لا يجد ثوباً طاهراً بيقين، واحتاج إلى الصلاة، وليس معه ما يغسل به أحد الثوبين أو أحد
стр. 2048
الأثواب يتحرى، وإن كانت الحالة حالة الاختيار إن كانت الغلبة للنجس أو كانا على السواء لا يتحرى، ثم في حالة الاضطرار إذا وقع تحريه في الثوبين على أحدهما أنه طاهر فصلى فيه الظهر، ثم وقع أكثر رأيه على الآخر أنه هو الطاهر فصلى فيه العصر لم يجزه العصر، فإن لم يحضره تحر أو لم يعلم أن في أحدهما نجاسة حتى صلى في أحدهما الظهر، وفي الآخر العصر، ثم نظر فإذا في أحدهما قذر، ولا يدري أهو الأول أو الآخر، فصلاة الظهر جائزة، وصلاة العصر فاسدة.
وفي «النوادر» : إذا كان أحد الثوبين نجساً فصلى في أحدهما الظهر من غير تحر، وصلى في الآخر العصر، ثم وقع تحريه على أن الأول طاهر قال أبو حنيفة ﵁: هذا لم يصل شيئاً، وقال أبو يوسف: صلاة الظهر جائزة.
وأما الثوب الواحد إذا أصاب طرفاً منه نجاسة مانعة جواز الصلاة، وهي غير مرئية، هل يجوز له أن يتحرى طرفاً منه فيغسله؟ بعض المتأخرين من مشايخنا جوزوا ذلك، وبعضهم قالوا: إذا غسل طرفاً منه من غير تحر وصلى فيه لا يحكم بفساد صلاته، وتأولنا للمشايخ خلاف ما ذكره هشام في «نوادره» عن محمد، فقد ذكر ثمة: أنه لا يجوز التحري في ثوب واحد، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي: ونظير هذه المسألة مسألة أخرى لا يحفظ جوابها أن الحنطة التي تدلس بالخمر فيبول ويروث وتصب بعض الحنطة ويخلط ما أصيب منها بغيرها قالوا: لو عزل بعضها وغسل، ثم خلط الكل أبيح تناولها، وكذلك لو عزل بعضها ووهبه من إنسان أو باعه منه أو تصدق به عليه حل له تناول البقية ويباح للموهوب له، والمشتري والمتصدق عليه تناولها أيضاً.
ونظير هذا مسألة في «النوادر» : رجلان في السفر معهما ثوبان؛ أحدهما طاهر والآخر نجس، فصلى أحدهما في ثوب بالتحري، وصلى الآخر في الثوب الآخر بالتحري؛ تجوز صلاة كل واحد منهما، ولو أم أحدهما، واقتدى به الآخر، فصلاة الإمام جائزة دون صلاة المقتدي.
ونظيره مسألة أخرى: رجلان تلاعبا، فسال من أحدهما قطرة دم، وجحد كل واحد منهما أن ذلك منه، فصلى كل واحد منهما منفرداً، جازت صلاته، ولو اقتدى أحدهما بالآخر لا تجوز صلاة المقتدي.
ومن هذا الجنس مسألة أخرى: ثلاثة نفر تلاعبوا، فسال من أحدهم قطرة دم أو فسى أحدهم أو ضرط، ثم تجاحدوا جميعاً، ثم أم أحدهم في الظهر، والثاني في العصر، والثالث في المغرب، فصلاة الظهر جائزة للكل ولا تجوز صلاة المغرب لإمام الظهر والعصر رواية واحدة، وفي إمام المغرب روايتان؛ وقال أبو القاسم الصفار: تجوز الصلوات كلها.
وإذا تحرى في الثياب ووقع تحريه على أحدهما أنه طاهر، وصلى فيه، ثم تبين أنه أخطأ؛ تلزمه الإعادة بخلاف أمر القبلة.
إذا كان في السفر ومعه أوان بعضها نجسة، وبعضها طاهرة إن كانت الغلبة للطاهرة
стр. 2049
يجوز التحري حالة الاختيار وحالة الاضطرار، للشرب والوضوء جميعاً، وإن كانت الغلبة للنجس أو كانا سواء إن كانت الحالة حالة الاختيار للتحري لا للشرب، ولا للوضوء، وإن كانت الحالة حالة الاضطرار أن يتحرى للشرب بالإجماع، ولا يتحرى للوضوء عندنا، ولكنه يتيمم، فإن توضأ بالماءين إن مسح موضعاً واحداً في المرتين لا يجزئه، وإن مسح موضعين يجزئه.
وههنا مسألة أخرى لا ذكر لها في «المبسوط» : إذا اختلط إناؤه بأواني أصحابه في السفر، وهم غيب، قال بعضهم: يتحرى، ويأخذ آنيته ويتوضأ به بمنزلة طعام مشترك بين جماعة غاب أصحابه واحتاج الحاضر إلى نصيبه، رفع قدر نصيبه، وكذلك رغيفه إذا اختلط بأرغفة صاحبه قال بعضهم: يتحرى، وقال بعضهم: لا يتحرى في الأرغفة ولكن يتربص حتى يجيء أصحابه، وهذا كله في حالة الاختيار، أما في حالة الاضطرار جاز التحري في الأحوال كلها.
إذا كان للرجال مساليخ؛ بعضها ذبيحة، وبعضها ميتة إن أمكن التمييز بالعلامة يميز في الوجوه كلها، ويباح التناول، وإن تعذر التمييز بالعلامة، فإن كانت الحالة حالة الاضطرار ويعني به أنه لا يجد كسرتيّن واضطر إلى الأكل يتناول بالتحري على كل حال، وإن كانت الحالة حالة الاختيار، فإن كانت الغلبة للحرام أو كانا سواء لم يجز التناول بالتحري، وإن كانت الغلبة للحلال يتناول بالتحري، وليس هذا كالمطلقة ثلاثاً إذا اختلطت بغيرها من الإماء، والغلبة للحلال فإن هناك لا يطأ واحدة منهن بالتحري، ولو متن إلا واحدة لا يطؤها (١٠٥ب٢) والزيت إذا اختلط به ودك الميتة إن كانت الغلبة للحرام أو كانا على السواء لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه، وإن كانت الغلبة للزيت لا يحل الأكل، ويحل ما عداه من الاستعمال، ودبغ الجلد به والبيع شرط أن يبين عنده.
إذا اجتمع موتى المسلمين وموتى الكفار، فإن أمكن التمييز بالعلامة تميز، وإن تعذر التمييز بالعلامة؛ إن كانت الغلبة للمسلمين يغسلون ويكفنون، ويدفنون في مقابر المسلمين، وإن كانت الغلبة للكفار لم يصل عليهم ويغسلون ويكفنون ويدفنون في مقابر المشركين، وإن كان سواء فكذلك الجواب لا يصلى عليهم، ويدفنون في مقابر المشركين، قيل: عند أبي يوسف يدفنون في مقابر المسلمين، وقال الفقيه أبو جعفر: تجد لهم مقبرة على حدة.
الفصل الرابع في المتفرقات
رجل أم قوماً في ليلة مظلمة، فتحرى القبلة، فصلى إلى المشرق، وتحرى من خلفه، وصلى بعضهم إلى القبلة، وبعضهم إلى دبر القبلة، وكلهم خلف الإمام، ولا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم، وهذا إذا كان عند كل واحد منهم أن وجه الإمام إلى هذا
стр. 2050
الجانب الذي إليه وجهه، ولم يتقدم على الإمام، أما إذا كان عند واحد منهم أن وجه الإمام إلى جهة أخرى، أو هو تقدم على إمامه لا تجوز صلاته، أما إذا كان عنده أنه تقدم على إمامه فظاهر، وأما إذا كان عنده أن وجه إمامه إلى جانب آخر، فلأنه زعم فساد صلاة إمامه لما أنه زعم أنه ترك القبلة، وهذا بخلاف ما لو صلوا في جوف الكعبة، فإنه تجوز صلاة الكل من كان وجهه إلى الجانب الذي إمامه إليه، ومن كان وجهه إلى جانب آخر؛ لأن هناك أحد لم يزعم فساد صلاة الإمام لما أنه ترك القبلة؛ لأن كل جهة حق بيقين، أما ههنا الجهات كلها ليست بحق بيقين بل الحق جهة واحدة، ولهذا أمر بالتحري، ولو كانت كل جهة حقاً لما احتيج إلى التحري، إنما الحق عند كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وما عند صاحبه خطأ، وكثير من مسائل التحري ذكرناها في أول كتاب الاستحسان فلا نعيده.
قال محمد ﵀ في «السير الكبير» : ولا يخرج الرجل إلى الجهاد وله أم أو أب إلا بإذنه؛ إلا في النفير العام، وهذا استحسان، وإن كان أبواه كافرين أو أحدهما، وكرها له ذلك، أو كره الكافر؛ فليتحر في ذلك، فإن وقع تحريه على أنه إنما كره لما يلحقه من المشقة لأجل ما يخاف عليه من القتل، فإنه لا يخرج من غير إذنهما، وإن وقع تحريه على أنه إنما كرهه كراهة أن يقاتل مع أهل دينه وملته يخرج بغير إذنهما، وإن لم يقع تحريه على شيء بل شك في ذلك، ومعناه استواء الظنين، لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في «الكتاب» ، قالوا: وينبغي أن لا يخرج؛ لأن طاعة الوالدين على الولد واجب بيقين وقع الشك في سقوطها، فلا يسقط بالشك، واستدلوا بما ذكر محمد ﵀ في «السير» في باب طاعة الوالي: أن الإمام إذا أمر الجند بشيء وشكوا أنهم ينتفعون به أو يتضررون، وتساوى الظنان أن عليهم أن يطيعوا الأمير؛ لأن طاعة الأمير واجب بيقين وقع الشك في سقوطه فلا يسقط بالشك.
وفي «مجموع النوازل» : إذا اشتبهت عليه القبلة في مفازة، فتحرى ووقع تحريه على جهة، فأخبره عدلان أن القبلة إلى جهة أخرى، فإن كانا مسافرين لا يلتفت إلى قولهما؛ لأنهما يقولان عن اجتهاد، ولا يجوز للمجتهد ترك اجتهاده باجتهاد غيره، أما إذا كانا من أهل ذلك الموضع لا يجوز له إلا أن يأخذ بقولهما؛ لأن خبرهما فوق اجتهاده.
وفيه أيضاً: رجل صلى في مفازة بالتحري، فاقتدى رجل به، ولم يتحرَ المقتدي، ثم ظهر أن الإمام أصاب القبلة؛ جازت صلاتهما، وإن ظهر أنه أخطأ لم تجز صلاة المقتدي، وجازت صلاة الإمام؛ لأن تحري الإمام لا يصير تحرياً للمقتدي، فصار المقتدي مصلياً بغير تحر عند اشتباه القبلة فلا يجوز. وفيه أيضاً: قوم صلوا في مفازة بالتحري؛ وفيهم مسبوق ولاحق، فلما فرغ الإمام من الصلاة قاما يقضيان، فظهر الخطأ في القبلة أمكن للمسبوق إصلاح صلاته دون اللاحق؛ لأن المسبوق فيما يقضي ينفرد، وللمنفرد أن ينتقل إلى ما تحول رأيه إليه بخلاف اللاحق؛ لأنه في الحكم كأنه خلف الإمام، فليس له أن يخالف الإمام في الجهة.
стр. 2051
رجلان خرجا إلى المفازة، فجاء أوان الصلاة فتحريا، ووقع تحري كل واحد إلى جهة غير جهة صاحبه، فافتتح كل واحد منهما الصلاة منفرداً بالتحري، ثم بدا لأحدهما في وسط الصلاة أن يتحول إلى جهة صاحبه فتحول واقتدى به، فإن استقبل التكبير جاز، وما لا فلا.
في متفرقات شمس الأئمة الحلواني: الأعمى إذا صلى ركعة إلى غير القبلة فجاء رجل وسواه، وأقامه إلى القبلة واقتدى به، إن وجد الأعمى وقت الافتتاح من يسأل عنه لا تجوز صلاة الإمام، ولا صلاة المقتدي، وإن لم يجد من يسأل تجوز صلاة الإمام؛ لأنه معذور، ولا تجوز صلاة المقتدي؛ لأن في زعمه أن أول صلاة الإمام إلى غير القبلة والله أعلم. تم كتاب التحري من المحيط البرهاني بحمد الله تعالى.
стр. 2052
كتاب اللقيط
هذا الكتاب يشتمل على خمس فصول:
١ * في بيان حاله، ووصفه وما يستحب فيه وما يفترض
٢ * في بيان أحكامه
٣ * في بيان من يلي عليه
٤ * في دعوى نسب اللقيط ورقه
٥ * في تصرفات اللقيط بعد البلوغ
стр. 2053
الفصل الأول في بيان حاله، ووصفه وما يستحب فيه وما يفترض
الفصل الأول: في بيان حاله، ووصفه وما يستحب فيه وما يفترض، المذهب لعلمائنا ﵃ في اللقيط أنه حر إما باعتبار الدار؛ لأن الدار دار أحرار، أو باعتبار الأصل، فإن الأصل في الآدمي الحرية، والعبرة في حق الدين على رواية كتاب اللقيط من «الأصل» للمكان لا للواجد حتى لو وجد في مكان الكافرين يحكم بكفره سواء كان الواجد مسلماً أو كافراً، وعلى بعض رواية كتاب الدعوى من «الأصل» العبرة للواجد، وعلى بعض رواية كتاب الدعوى من «الأصل» ، وكتاب العتاق العبرة لما يوجب الإسلام أيما كان، وفي «المنتقى» : يعتبر الزي حتى إنه إذا كان عليه زي أهل الشرك يحكم بكفره وحده يعتبر دين الواحد
ونقول الملتقط: إذا كان ذمياً (١٠٦أ٢) وزي اللقيط مشكل، فادعاه نصراني، فهو ابنه، وهم على دينه ولا ينظر في ذلك إلى الموضع الذي وجده فيه إن كان مسجداً أو غيره، ورفعه أفضل من تركه لما في تركه من ترك الترحم على الصغير، وقد قال ﵇: «من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا، فليس منا» قالوا: وهذا إذا كان يخاف عليه لا محالة بأن وجده واقعاً في الماء أو بين يدي سبع يفترض عليه الأخذ، وإذا جاء الملتقط باللقيط إلى القاضي، فطلب من القاضي أن يأخذه منه، فللقاضي أن لا يصدقه في ذلك بدون بينة يقيمها على أنه لقيط؛ لأنه منهم، فلعله ولده أو بعض من يلزمه نفقته، واحتال بهذه الحيلة ليدفع النفقة عن نفسه، وإذا أقام البينة على ذلك، فالقاضي يقبل من غير خصم حاضر، إما لأن هذه بينة قامت لكشف الحال، أو لأنها غير ملزمة، والخصم في مثل هذا ليس بشرط.
وإذا قبل القاضي منه إن شاء قبض اللقيط منه، وإن شاء لم يقبضه منه، ولكنه يوليه ما تولى ويقول: قد ألزمت حفظه، فأنت وما ألزمت، وليس لك أن تلزمني ما لم ألتزمه، وهذا إذا لم يعلم القاضي عجزه عن حفظه، والإنفاق عليه، فأما إذا علم فالأولى أن يأخذ منه نظير اللقيط، وإذا أخذ منه يضعه على يدي عدل ليحفظه، فإن جاء الأول بعد ذلك وسأل من القاضي أن يرده عليه، فالقاضي بالخيار؛ إن شاء رده عليه، وإن شاء لم يرد، وهذا بخلاف ما لو التقط لقيطاً فجاء آخر وانتزعه من يده، ثم اختصما، فالقاضي يدفعه إلى الأول؛ لأن في الفصل الأول الملتقط أسقط يده باختياره، وصار حاله كحال غيره من الناس في طلب الرد عليه، ولا كذلك الفصل الثاني.
وإذا وجد العبد لقيطاً، ولم يعرف ذلك إلا بقوله، وقال المولى: كذبت بل هو عبدي، فالقول قول المولى إن كان العبد محجوراً، وإن كان مأذوناً فالقول قول العبد؛ لأن العبد بقوله هذا اللقيط في يدي يخبر بسقوط حق مولاه عنه؛ لأنه العبد المحجور لا
стр. 2054
قول له في إسقاط حق المولى عما في يده، ألا ترى أنه لو أقرَّ على نفسه بدين لا يسقط به حق المولى عما في يده بخلاف المأذون.
الفصل الثاني في بيان أحكامه
شهادة اللقيط بعدما أدرك جائز إذا كان عدلاً وحكم جنايته، والجناية عليه كحكم غيره من الأحرار؛ لأنا حكمنا بحريته باعتبار الظاهر، ويحد قاذفه في نفسه، ولا يحد قاذفه في أمه؛ لأن أمه في صورة الزانيات؛ لأن الولد لا يعرف له والد، ولا كذلك نفسه، وميراثه للمسلمين، وعقله ونفقته في بيت مال المسلمين، وإذا وجد مع اللقيط مال فذلك المال له لسبق يده إليه، ونفقته في ذلك بأمر القاضي، وللملتقط أن ينفق عليه منه، وقيل: ينفق بعد أمره أيضاً، وهو مصدق في نفقة مثله، وكذلك إذا وجد على دابة فالدابة له، وعن محمد ﵀ في «النوادر» أن اللقيط إن كان بحال يستمسك على الدابة، ولا يشد عليها فالدابة له، وإن كان لا يستمسك على الدابة، وشد عليها، فالدابة لا تكون له.
الفصل الثالث في بيان من يلي عليه
الولاية على اللقيط للإمام: قال ﵇: «السلطان ولي من لا ولي له» ولا يجوز للملتقط عليه عقد نكاح ولا عقد بيع ولا شراء؛ لأن هذه التصرفات تعتمد الولاية، ولا ولاية للملتقط على اللقيط، إنما له حق الحفظ والتربية، لكونه منفعة محضة في حق اللقيط، وبهذا السبب لا تثبت الولاية، وإن وجد مع اللقيط مال، وأمر القاضي الملتقط بالإنفاق عليه من ذلك المال فما اشترى له من طعام أو كسوة فذلك جائز؛ لأن القاضي لما أمره أن ينفق عليه من ذلك المال فقد أمره بأن يشتري له ما يحتاج إليه من الطعام والكسوة، والقاضي يملك ذلك بنفسه، فيملك الملتقط أيضاً بأمره، وإذا قتل اللقيط خطأ تجب الدية على عاقلة القاتل، وتكون لبيت المال.
وإن قتل هذا فصالح الإمام القاتل على الدية جاز، ولو عفى عن القاتل لا يجوز، ولو أراد أن يقتل القاتل فلا يمكن عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف، وإنما كان له استيفاء القصاص في قولهما؛ لأن القصاص في الأصل شرع بملك الحياة على ما قال الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة: ١٧٩) وذلك بطريق الزجر، حتى إذا تفكر الرجل
стр. 2055
في نفسه أنه لو قتل غيره يقتل، ينزجر عن قتله، فيكون حياة لهما جميعاً، وذلك موجود في اللقيط، فكان للإمام أن يستوفي القصاص، وإن شاء مال إلى الدية؛ لأنه مجتهد فيه، وليس له أن يعفو؛ لأنه نصب لاستيفاء حقوق المسلمين لا لإبطالها.
وإذا أنفق الملتقط على اللقيط من مال نفسه؛ إن أنفق بغير أمر القاضي فهو في ذلك متطوع، وإن أنفق بأمر القاضي إن كان القاضي أمره بالإنفاق على أن يكون ديناً عليه؛ فإن ظهر له أب كان للملتقط حق الرجوع على أبيه، وإن لم يظهر له أب فله حق الرجوع عليه إذا كبر، وبناءً عليه ذكر شيخ الإسلام أن في المسألة روايتان، وذكر شمس الأئمة السرخسي ووجهه: أن مطلق الأمر بالإنفاق محتمل يحتمل أن يكون للتحبب والترغيب في إتمام ما شرع فيه من التبرع، وإنما ينقطع هذا الاحتمال بالأمر على أن يكون ديناً عليه.d
وإذا بلغ اللقيط وصدق الملتقط فيما ادعى من الإنفاق عليه رجع عليه بذلك، وإن كذبه كان القول قول اللقيط، وعلى الملتقط البينة، كأنه يدعي ديناً لنفسه على اللقيط، وهو ينكر، وفي «المنتقى» : لو جعل الإمام ولاء اللقيط للملتقط جاز؛ لأنه قضاء في فصل مجتهد فيه، فإن من العلماء من قال بأن الملتقط يشبه المعتق من حيث أنه اختاره كالمعتق والله أعلم.
الفصل الرابع في دعوى نسب اللقيط ورقه
إذا ادعى الملتقط نسب اللقيط فالقياس أن لا تصح دعوته لمكان التناقض، فإنه زعم أنه التقط وابنه لا يكون لقيطاً، ولأن هذا إقرار على اللقيط فإنه يلزمه أحكام النسبة، والإقرار على الغير لا يصح، وفي الاستحسان: تصح دعوته؛ لأن هذا إقرار على نفسه من وجه من حيث أنه يلزمه نفقته، ويجب عليه أن يحفظه، أو إن كان إقراراً على اللقيط فهو إقرار عليه (١٠٦ب٢) بما ينفعه من كل وجه، وبالالتقاط ثبت وبهذه الولاية، وما يقول بأنه متناقض قلنا: نعم، ولكن فيما طريقه طريق الخفاء، فقد يشتبه على الإنسان حال ذلك الصغير، ويظن أنه لقيط، ثم يتبين له بعد ذلك أنه ولده، فإن ادعاه رجل آخر، فالمسألة على القياس والاستحسان أيضاً، وهذا قياس أحق؛ لأن المدعي يريد أن يأخذه من يد اللقيط، ويبطل عليه ما ثبت من الحق.
وإذا مات اللقيط، وادعى رجل أنه ابنه لا تصح دعوته، فعلى جواب الاستحسان فرق بين حالة الحياة، وبين ما بعد الموت؛ لأن في حالة الحياة إنما صحت دعوته؛ لأنه أقر بما ينفع اللقيط من كل وجه، وهو النسب، وبالموت استغنى عن النسب، ففي كلامه دعوى الميراث فلا يصدق إلا بحجة، ولو ادعى الملتقط أن اللقيط عبده لم يصدق على ذلك؛ لأنا حكمنا بحريته ظاهراً فلا يبطل ذلك لمجرد قوله.
ولو ادعى رجل أنه ابنه من امرأته هذه أو من أمته هذه وصدقته المرأة أو الأمة فهو
стр. 2056
ابنهما، فقد شرط تصديق الزوجة والأمة، أما تصديق الزوجة فظاهر؛ لأنه أقر عليها بما يلزمها من حقوق النسب، وإقرار الإنسان على زوجته لا يصح إلا بتصديقها، وأما تصديق الأمة فلأنه وإن أقر على مملوكه ولكن بما يلزمها في الحال وبعد الحرية، فإن حقوق النسب كما يلزمها في الحال، يلزمها بعد الحرية، وإقرار المالك على مملوكه بما يلزمها بعد الحرية لا يصح إلا بتصديق المملوك.
ولو ادعاه عبد أنه ابنه من امرأته هذه، وهي أمة وصدقته المرأة، وصدقها المولى وقال: هو عبدي؛ ثبت النسب، وكان اللقيط مملوكاً لولي الأمة، وهذا قول أبي يوسف؛ لأن من ضرورة ثبوت النسب من الأمة أن يكون مملوكاً، وعند محمد ﵀ هو حر؛ لأنا حكمنا بثبات نسبه؛ لأنه ينفعه، وليس في إبطال الحرية الثانية من حيث الظاهر نفع بل فيه ضرر، فثبت نسبه من الرجل، ولا يجعل ابن امرأته هذه.
فلو ادعت امرأة اللقيط أنه ابنها وهي حرة أو أمة لن تصدق على ذلك إلا ببينة، فإن أقامت امرأة واحدة على أنها ولدته قبل ذلك منها إذا كانت عدلة حرة؛ أطلق الجواب ولم يفصل، بينما إذا كان لها زوج؛ لأنها تحمل النسب على فراش الغير، أما إذا لم يكن لها زوج فلا تحتاج إلى البينة، وهي والرجل سواء، ومن المشايخ من أجرى المسألة على إطلاقها، وقال: الحكم في حقها ثبت بحقيقة الولادة وللقابلة وقوف عليها، فلا بد من إقامتها لقبول قولها، فأما في جانب الرجل الحكم منقطع عن الحقيقة، وعلق بالسبب الظاهر، فكان قوله مقبولاً.
فلو ادعى اللقيط ذمي فالقياس على الاستحسان الذي ذكرنا في المسألة أنه لا يصدق، وفي الاستحسان يصدق، ويثبت نسبه منه ويكون مسلماً، ووجه ذلك: أن إثبات النسب يقع، وإثبات التبعة في الدين ضرر، فالنفع ينفصل عن الضرر، فحصلنا النفع ونفينا الضرر.
وفي «المنتقى» : الحسن عن أبي حنيفة ويقبل على الملتقط المسلم الشهود، النصارى لمسلم أو نصراني في قولهم جميعاً، يريد به إذا كان الملتقط مسلماً، فادعى مسلم أو نصراني أنه ابنه، وأقام على ذلك شهود نصارى يقبل منه، قال أبو الحسن: هذا الجواب مستقيم فيما إذا كان الملتقط ديناً غير مستقيم، فيما إذا كان الملتقط مسلماً؛ لأنها توجب استحقاق الملتقط، وشهادة أهل الذمة لاستحقاق الله على المسلمين لا تقبل، قيل: أيضاً هذا الجواب يأتي على طريق القياس؛ لأن على طريق الاستحسان النسب ثابت بالدعوة بدون الثلاثة فلا حاجة إلى الثلاثة.
وإن ادعاه رجلان ثبت النسب منهما، ولو سبق أحدهما بالدعوة فهو للسابق، ولا تقبل دعوى الآخر بعد ذلك، إلا أن يقيم الآخر بعد ذلك بينة أنه ابنه؛ لأن السبق في الدعاوي لا يقاوم البينة، وإن ادعاه امرأتان فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يثبت النسب من واحدة منهما؛ لأن ثبات النسب من جانبهما على حقيقة الولادة، واجتماع المرأتين على ولادة ولد واحد لا يكون بخلاف جانب الرجل؛ لأن الحكم في حقه منقطع عن الحقيقة، مبني على السبب وهو الفراش، وأما على قول أبي حنيفة فالنسب ثبت من
стр. 2057
المرأتين، ولكن لا بد له من حجة عند التعارض والتنازع، والحجة شهادة امرأة واحدة على رواية أبي حفص حتى أنه إذا قامت كل واحدة منهما امرأة ثبت النسب، فهو على رواية أبي حفص وعلى رواية أبي سليمان: الحجة شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فإن أقاما ذلك ثبت منهما، وما لا فلا.
وإذا ادعاه الملتقط ورجل آخر فالملتقط أولى، وإذا ادعا اللقيط رجلان كل واحد منهما يدعي أنه ابنه ووصفه أحدهما بعلامات في جسده، وأصاب النسب الآخر قضي للذي وصف، وجعل إصابة الوصف علامة صدقه في دعوته، وإن لم يصب واحد منهما فهو ابنهما، ولو وصفا فأصاب أحدهما دون الآخر قضي للذي أصاب، وكذلك لو قال أحدهما: هو غلام، وقال الآخر: هو جارية يقضى للذي أصاب، ولو تفرد رجل بالدعوة وقال: هو غلام، فإذا هو جارية، أو قال: هو جارية، فإذا هو غلام لا يقضى له أصلاً.
ولو ادعاه رجل أنه ابنه من هذه المرأة الحرة، وادعى آخر أنه جده، وأقاما البينة قضي للذي ادعى البنوة، وإن ادعى أحدهما أنه ابنه من هذه المرأة الحرة، وادعى الآخر أنه ابنه من هذه المرأة الأمة قضي للذي ادعا النسب من المرأة الحرة، ولو أقام كل واحد منهما بينة أنه ابنه من هذه المرأة الحرة عين كل واحد منهما امرأة أخرى؛ قضي بالولد بينهما، وهل يثبت نسب الولد من المرأتين؟ فعلى قول أبي حنيفة يثبت، وعلى قولهما لا يثبت، وإذا ادعى نسبه رجلان وَوَقّتَ بينة كل واحدة منهما، فإن عرف أن الصبي على أحد الوقتين قضي له، وإن كان سن الصبي مشكل يحتمل أن يكون على كل واحد من الوقتين فعلى قول أبي يوسف ومحمد يسقط التاريخ، ويقضى بينهما باتفاق الروايات، فأما على قول أبي حنيفة ﵁ فقد ذكر شيخ الإسلام أنه اختلفت الروايات على قول أبي حنيفة ﵁، ذكر في رواية أبي حفص ﵁ أنه يقضي بينهما، وذكر في رواية أبي سليمان (١٠٧أ٢) أنه يقضى لأسبقهما تاريخاً، وذكر شمس الأئمة الحلواني ذكر في عامة الروايات أنه يقضى بينهما، وذكر في بعض الروايات أنه يقضى لأسبقهما تاريخاً، قال محمد ﵀: والصحيح ما ذكر في عامة الروايات.
وفي «القدوري» : ادعى اللقيط مسلم وذمي؛ قضي للمسلم؛ لأن منفعة الصبي فيه أكثر، وكذلك إذا شهد للمسلم ذميان، وشهد للذمي مسلمان قضي للمسلم؛ لأن شهادة كل واحد من المدعيين حجة على صاحبه واستويا فكان المسلم أولى، وفي «الأصل» : إذا التقطه ذميين وتنازعا في كونه عبداً لأحدهما قضي به للمسلم والله أعلم.
الفصل الخامس في تصرفات اللقيط بعد البلوغ
اللقيط إذا والى الملتقط أو رجلاً آخر بعدما أدرك جاز، وهذا إذا لم يتأكد ولاؤه أثبت المال، فأما إذا تأكد بأن حق حمايته وغفل عنه ببيت المال لا تجوز موالاته، وإذا
стр. 2058
بلغ كافراً وقد وجد في مصر من أمصار المسلمين يجبر على الإسلام.... ولا يفيد استحساناً؛ لأنا حكمنا بإسلامه تبعاً للمكان، وكل من حكم بإسلامه تبعاً للمكان، وكل من حكم بإسلامه تبعاً إذا بلغ كافراً يجبر على الإسلام، ولكن لا يعقل استحساناً كالولد المولود بين المسلمين إذا بلغ كافراً، وإذا أقر بالرق لغيره في ذلك كان عبداً له، قالوا: وهذا إذا لم تتأكد حريته بقضاء القاضي عليه بما لا يقضى به إلا على الأحرار كالحد الكامل أو القصاص في الطرق أو ما أشبه ذلك، أما إذا تأكد حريته بقضاء القاضي لم يقبل إقراره بالرق بعد ذلك.
وإذا تزوج امرأة بعدما أدرك أو استدان ديناً أو بايع إنساناً أو كفالة أو وهب هبة أو تصدق بصدقة، أو وهب هبة، أو تصدق بصدقة وسلمها له كانت عنده، أو دبره، أو أعتقه ثم أقر أنه لفلان لم يصدق على إبطال شيء من ذلك، وكذلك في سائر التصرفات، وإذا كان اللقيط امرأة، وتزوجت بزوج، ثم أقرت بالرق لإنسان، وصدقها المقر له فهي أمة للمقر له، ولكن النكاح بينها وبين زوجها على حاله إذ ليس من ضرورة القضاء برقها بطلان النكاح؛ لأن الرق لا ينافي النكاح ابتداءاً وبقاءاً، بخلاف ما إذا أقرت أنها أثبتت أبنة زوجها، وصدقها الأب في ذلك حيث يبطل النكاح؛ لأن الجزئية تنافي النكاح ابتداءاً وبقاءاً، فإذا ثبتت الجزئية انتفى النكاح، ولو أعتقها المقر له لا خيار لها؛ لأن إقرارها بالرق لم يصر في حق الزوج، والأصل في ذلك أن لكل حكم يلحق الزوج فيه ضرر لا يمنكه دفعه عن نفسه، فإنها لا تصدق في إقرارها الرق في حق ذلك الحكم، وفي كل ما يمكنه دفع الضرر عن نفسه يكون مصدقه في حقها، حتى إذا طلقها ثنتين ثم أقرت بالرق يملك مراجعتها ولا يضر طلاقها ثنتين بإقرارها بالرق؛ لأن الزوج يتضرر بذلك على وجه لا يمكنه دفعها عن نفسه، ولو كان طلقها واحدة وأقرت بالرق بعد ذلك؛ صار طلاقها ثنتين؛ لأنه تمكن من دفع الضرر عن نفسه بأن يراجعها ثم يمسكها ولا يطلقها، وعلى هذا القياس يخرج جنس هذه الأحكام، والله أعلم بالصواب. تم كتاب اللقيط من المحيط البرهاني بحمد الله تعالى وحسن توفيقه.
стр. 2059
كتاب اللقطة
هذا الكتاب يشتمل على أربعة فصول:
١ * في أخذ اللقطة والانتفاع بها وتملكها
٢ * في تعريف اللقطة، وما يصنع بها بعد التعريف
٣ * فيما يضمن الملتقط، وفيما لا يضمن إذا هلكت اللقطة في يد الملتقط
٤ * في الخصومة في اللقطة، والاختلاف فيها، والشهادة
стр. 2060
الفصل الأول في أخذ اللقطة والانتفاع بها وتملكها
يجب أن يعلم بأن التقاط اللقطة على نوعين: نوع من ذلك يفترض وهو ما إذا خاف ضياعها، ونوع من ذلك لا يفترض وهو ما إذا لم يخف ضياعها ذلك ينافي أخذها، أجمع عليه العلماء، فاختلفوا فيما بينهم أن الترك أفضل أو الرفع، ظاهر مذهب أصحابنا أن الرفع أفضل؛ لأنه لو لم يرفع هو ربما تصل إليها يد خائنة، وبعض المتقدمين قالوا: الترك أفضل؛ لأن صاحبها يطلبها في المكان الذي سقطت منه، فإذا تركها وصل إليها يد المالك، ومن العلماء من قال: إن كان..... .... يأمن على نفسه الخيانة، فالرفع أفضل، وإن كان فاسقاً لا يأمن على نفسه الخيانة فالترك أفضل، ثم ما يجده الرجل......... .... أن صاحبه لا يطلبه كالنورة في مواضع مختلفة، وكقشور الرمان في مواضع متفرقة، وفي هذا الوجه له أن يأخذها وينتفع بها................ وجدها في يده بعدما جمعها، فله أن يأخذها، ولا يصير ملكاً للآخذ، هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده، وشمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب اللقطة وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» في المسائل المنثورة من «كتاب الحظر» والإباحة.
ووجه ذلك: أن إلقاء هذه الأشياء إذن بالأخذ، وإباحة الانتفاع بها عادة وليس تمليك؛ لأن التمليك من المجهول لا يكون، والإباحة لا تزيل ملك المبيح، والمباح لم ينتفع به على حكم ملكه، فإذا وجدها صاحبها في يده فقد وجد عين ملكه، فكان له الأخذ، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب اللقطة أنه ليس للمالك أن يأخذها من يده بعدما جمعها أو احتجزها وتصير ملكاً للآخذ، وكذلك الجواب في التقاط السنابل، فإن كان الرامي قال حالة الرمي: فليأخذه من يشاء، لا يكون للرامي أن يأخذ بعد ذلك من الأخذ بلا خلاف، وتأويل هذا؛ إذا قال: لأقوام معلومين ذكره الفقيه أبو الليث في فتاويه في كتاب «الهبة والصدقة» أما إذا لم يقل ذلك لأقوام معلومين؛ يكون للرامي أن يأخذه من الآخذ.
وذكر في كتاب البيوع من «فتاوى أبي الليث» : رجل رمى ثوبه لا يجوز لأحد أن يأخذه إلا إذا قال وقت الرمي: فليأخذه من أراد، وتأويله ما ذكرنا، وهذا الذي ذكرنا من التأويل في المسألتين اختيار الفقيه أبي الليث، وبعض مشايخنا قالوا: ليس للرامي أن يأخذ بعد ذلك، وإن لم يقل الرامي ذلك لأقوام (١٠٧ب٢) معلومين، ويستدل هذا القائل بقوله ﵇ حين نحر بدنة «من يشاء اقتطع» ومعلوم أن هذا لم يختص بقوم معلومين، بل يتناول الكل.
стр. 2061
ونوع آخر
يعلم أن صاحبه يطلبه كالذهب والفضة، وسائر العروض وأشباهها، وفي هذا الوجه له أن يأخذها ويحفظها، ويعرضها حتى يوصلها إلى صاحبه، وقشور الرمان والنوى إذا كانت مجمعة فهي من النوع الثاني؛ لأن صاحبها لما جمعها فالظاهر أنه ما ألقاها إنما سقطت منه، فكانت من النوع الثاني، وفي «غصب النوازل» إذا وجد جوزة ثم أخرى ثم أخرى؛ حتى بلغت عشراً، وصار لها قيمة، فإن وجدها في موضع واحد فهي من النوع الثاني بلا خلاف، وإن وجدها في مواضع متفرقة، فقد اختلف المشايخ فيه، قال الصدر الشهيد: والمختار أنها من النوع الثاني بخلاف النوى، وقشور الرمان، ورمي هذه الأشياء إباحة للانتفاع، ولا كذلك الجوز، قيل: إلا إذا وجدها تحت أشجار الجوز في الخريف، فقد تركها صاحبها عند اجتناء الثمار وجمعها، صح له أن يأخذ وينتفع بها؛ لأنه تركها تحت الأشجار في هذا الوقت لانتفاع الناس بها معتاد.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» الحطب الذي يوجد في الماء لا بأس بأخذه والانتفاع به وإن كان له قيمة، وكذلك التفاح والكمثرى إذا وجد في نهر جاري لا بأس بأخذه والانتفاع به وإن كثرت.
إذا مر في أيام الصيف بثمار ساقطة تحت الأشجار، فهذه المسألة على وجوه: إن كان ذلك في الأمصار لا يسعه التناول منها إلا أن يعلم أن صاحبها قد أباح ذلك له نصاً أو دلالة بالعادة؛ لأنه لا عادة ههنا في الإباحة، وإن كان في الحائط، والثمار مما يبقى كالجوز ونحوه لا يسعه الأخذ إلا إذا علم الإذن، وإن كانت الثمار مما لا يبقى تكلم المشايخ فيه؛ منهم من قال: لا يسعه أن يأخذ ما لم يعلم أن صاحبها قد أباح ذلك، ومنهم من قال: لا بأس به ما لم يعلم النهي إما صريحاً أو دلالة، وهو المختار، وإن كان ذلك في الرساتيق الذي يقال بالفارسية «مرا ست» ، وكان ذلك من الثمار التي تبقى لا يسعه الأخذ إلا إذا علم الإذن، وإن كان ذلك من الثمار التي لا تبقى يسعه الأخذ بلا خلاف ما لم يعلم الآخذ النهي، وهذا الذي ذكر بأكله إذا كانت الثمار ساقطة تحت الأشجار، أما إذا كانت على الأشجار والأفضل أن لا يأخذ من موضع إلا بالإذن؛ إلا إذا كان موضعاً كثير الثمار يعلم أنه لا يشق عليهم ذلك فيسعه الأكل، ولا يسعه الحمل.
في «واقعات الصدر الشهيد» : حمل..... من السقاية إلى منزله يكره ولا يحل، وفي «فتاوى أهل سمرقند» : امرأة رفعت ملاء امرأة، تركت ملائها عوضاً، ثم جاءت المرأة التي أخذت ملائها، وأخذت ملاء المرأة الآخرة ليس لها أن تنتفع بها، وطريق ذلك أن تتصدق بهذه الملاء على ابنتها إن كانت فقيرة على نية أن الثواب لصاحبتها إن رضيت، ثم تهب الابنة الملاءة منها فيسعها الانتفاع بها؛ لأنها بمنزلة اللقطة، ولا يحل الانتفاع ابتداءاً إن كانت غنية، ويحل إن كانت فقيرة، وكذلك الجواب
стр. 2062
في المكعب إذا سرق وترك عوضاً، وفي «فتاوى أبي الليث» : إذا كان في المقبرة حطب يجوز للرجل أن يحتطب منها، هكذا ذكر في «العيون» وهذا إذا كان يابساً، فأما إذا كان رطباً يكره كذا ذكر في «فتاوى أبي الليث» ؛ لأنه ما دام رطباً يسبّح، وربما يكون للميت أنس بتسبيحها، ولهذا قلنا: بيع الحشيش الرطب بلا حاجة لا يستحب؛ لأنه ما دام رطباً يسبح.
في «شرح القدوري» في كتاب الحظر والإباحة عن أبي يوسف: في رجل ألقى شاة ميتة فجاء آخر وأخذ صوفها كان له أن ينتفع به، ولو جاء صاحب الشاة بعد ذلك كان له أن يأخذ الصوف منه، ولو سلخها ودبغ جلدها ثم جاء صاحبها كان له أن يأخذ الجلد، ويرد ما زاد الدباغ فيه.
في «واقعات الناطفي» : إذا أسقط في الطريق في أيام الصبغ فيها القز ورق الشجر، إلى أن ينتفع بورقه كالثوب وأشباهه، فليس له أن يأخذه، وإن أخذه ضمنه؛ لأنه مملوك منتفع، وإن كان ورق شجر لا ينتفع به له أن يأخذ، في «فتاوى الفضلي» المزارع إذا التقط السنابل بعدما حصد الزرع وجد، كان له خاصة؛ لأنه لو لم يلتقطها المزارع لم يلتقطها رب الأرض، وكان مباح التملك، فإن كان الأرض لليتامى يجوز، إن ترك السنابل إن كانت السنابل بحيث لو استؤجر على جمع ذلك أمراً يبقى للصبي بعد موت الأجير شيء ظاهر لا يجوز تركه، قال: وهو كثوب خلق رماه صاحبه فرفعه غيره كان له، وقد ذكرنا مسألة الثوب قبل هذا، وفي «مزارعة النوازل» ..... بقيت فيها فانتهبها الناس، قال الفقيه أبو بكر: إذا تركها أهلها ليأخذها من يشاء من ذلك لا بأس به، وهو نظير من يرفع زرعه، ويترك عنه السنابل، فالتقطها غيره لا بأس به كذا ههنا، في «النوازل» ما يجمع لله في................. الذي هو حر من الأوقية هل يطيب لهم؟ إن كان بحال يسيل الدهن من خارج الأوقية لا من داخلها يطيب؛ لأن ما هو خارج الأوقية فليس بمستتر، أو كان الدهن يسيل من داخل الأوقية أو من الداخل والخارج، أو لا يعلم، فإن زاد الدهان لكل واحد من المشتري شيئاً طاب له ما ينظر، وإن لم يزد لا يطيب ويتصدق به، ولا ينتفع به إلا أن يكون محتاجاً؛ لأن سبيله سبيل اللقطة، والحكم في اللقطة هذا على ما يتبين إن شاء الله تعالى.
قوم أصابوا بعيراً مذبوحاً في طريق البادية إن لم يكن قريباً من الماء، ووقع في الظن أن صاحبه فعل ذلك؛ لأنه أباحه للناس فلا بأس بالأخذ والأكل، وفي «العيون» وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا أذن فيها صاحبها جاز الأخذ في الأصل، في كراهية «فتاوى أهل سمرقند» رجل له دار يؤاجرها، فجاء إنسان بإبله فأناخ في داره، واجتمع من ذلك بعير كثير، قال: إن ترك صاحب الدار ذلك على وجه الإباحة، ولم يكن من دابة أن.... وكل من أخذ هو أولى، وإن كان من رأي صاحب الدار أن.... فصاحب الدار أولى؛ (١٠٨أ٢) لأنه أعد الدار للاحتراز.
стр. 2063
وفي «نوادر هشام» في سرقين الدابة في الخان إذا ذهب صاحبها فهي لمن أخذها؛ لا لصاحب الخان، وفي «دعوى الفضلي» رجل قاطع داراً شيئاً معلومة، وسكنها، فاجتمع فيها سرقين كثيرة، وقد جمع المقاطع، فهي لمن هذا مكانه، وإن لم يفعل ذلك أحد، فهي لمن سبقت يده إليها بالأخذ والرفع، وكان القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ يقول: هي لمن سبقت يده إليها بالرفع على كل حال، وكان لا يعتبر تمدي المكان حتى قال: إذا ضرب حائطاً، وجعل موضعاً يجتمع فيه الدواب فسرقينها لمن سبقت يده إليها، بخلاف ما إذا.... مكاناً لأجل الصيد؛ لأن هناك ما اعترض على فعله لحل معتبر من غيره؛ لأنه لا عبرة لفعل الصيد، وههنا اعترض على فعله فعل معتبر من غيره، وهو إدخال صاحب الدواب الدواب في هذا المكان.
وفي «فتاوى أبي الليث» : سئل أبو نصر عن الغنم يجتمع في مكان فيجمع من ذلك بعر كثير في آخره التقطها قال: إن كان أرباب الغنم جمعوا ذلك، أو نصبوا مرابض لغنمهم ليجتمع بعرها، أو كانوا يشحون على ذلك لا يجوز لأحد أن يأخذ ذلك من غير إذنهم، وإن لم يكن شيء من ذلك فلا بأس بالأخذ منه، وفي «دعوى الفضلي» : ساحة فضاء يطرح فيها أصحاب السكة التراب والسرقين والرماد ونحوه، حتى اجتمع من ذلك شيء كثير، فإن كان أصحاب السكة طرحوها على معنى الرمي بها وكان صاحب الساحة هيأ الساحة لذلك، فهي لصاحب الساحة، وإن لم يكن هيأ الساحة لذلك فهي لمن سبقت يده إليها بالرفع، وكان القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي يفتي لمن سبقت يده إليها على كل حال.
وفي «فتاوى أبي الليث» : رجل له فرخ حمام اختلط بها حمام أهل لغيره لا ينبغي له أن يأخذه، وإن أخذه يطلب صاحبه؛ لأنه في معنى الضالة واللقطة؛ فإن فرخ عنده، فإن كان الأم غريباً لا يتعرض لفرخه، وإن كان الأم لصاحب البرج والغريب ذكر، فالفرخ له؛ لأن الفرخ والبيض متولد من الأم، فيكون لصاحب الأم، فإن لم يعرف أن في برجه غريب لا شيء على صاحب البرج إن شاء الله تعالى، وفي «شرح العبد» لشمس الأئمة السرخسي أن من اتخذ برج حمام، وأوكرت حمامات الناس فيها، فما يأخذ من فراخها لا يحل له؛ إلا إذا كان فقيراً، فيحل له أن يتناول لحاجة، وإن كان غنياً ينبغي أن يتصدق بها على فقير، ثم يشتريها منه بشيء.d
وفيه أيضاً: رجل أخذ حمامة في المصر يعلم أن منها لا يكون وحشة فعليه أن يعرفها، وفيه أيضاً ومن أخذ بازياً أوشبهه في سواد أو مصر، وفي رجليه سير، أو خلاخل وهو يعرف أن له أهل، فعليه أن يعرفه، فيرده على أهله، فإنه يتعين ثبوت يد الغير عليه؛ لأنه لا يخرج من القفص مع الخلاخل والسير، فأما إذا انفلت من يد صاحبه، أو أرسله وأياً ما كان لا يزيل ملك صاحبه عنه، فكان بمنزلة اللقطة، وكذلك إذا وجد ظبياً في عنقه قلادة.
стр. 2064
الفصل الثاني في تعريف اللقطة، وما يصنع بها بعد التعريف
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الأخذ، ويقول: أخذتها لأردها، فإن فعل ذلك ثم لم يعرفها بعد ذلك كفى، ومن المشايخ من قال: يأتي على أبواب المساجد وينادي، وقد ذكر محمد ﵀ في «الكتاب» : يعرفها حولاً، ولم يفصل بين القليل والكثير، عن أبي حنيفة ﵁ روايتان: روى الحسن عنه في «المجرد» : إن كانت مائتي درهم فما فوقها يعرفها حولاً، وإن كان أقل من مائتي درهم إلى عشرة يعرفها شهراً، وإن كانت أقل من عشرة يعرفها ثلاثة أيام، وروى محمد عنه إن كانت عشرة فما فوقها يعرفها حولاً، وإن كانت أقل من عشرة يعرفها على حسب ما يرى، وروى الحسن عن أصحابنا: إن كانت مائتي درهم فصاعداً يعرفها حولاً، وإن كانت عشرة فصاعداً يعرفها شهراً، وإن كانت ثلاثة فصاعداً يعرفها عشرة، وإن كانت درهماً فصاعداً يعرفها ثلاثة، وإن كانت دانقاً يعرفها يوماً، وإن كان دون ذلك نظر ثمنه و....... ونصبها في كف فقير.
والفقيه أبو جعفر كان يقول: إذا بلغ مالاً عظيماً بأن كان كيساً فيه ألف درهم أو مائة دينار يعرف ثلاثة أحوال، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يحكي عن الشيخ الإمام أنه كان يروي عن محمد يعرف اللقيطة ثلاث سنين قل أو كثر، كان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي يقول: شيء من هذا ليس بتقدير لازم، بل يبني الحكم على غالب الرأي، ويعرف القليل والكثير أن يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطالب بعد ذلك، وفي «المنتقى» : قدر مدة التعريف في السنور، والطائر بيوم.
ثم على قول من قدر مدة التعريف بحول أو أكثر؛ اختلف المشايخ فيه؛ بعضهم قالوا: يعرفها كل جمعة، وبعضهم قالوا: كل شهر، وبعضهم قالوا: كل ستة أشهر، وهذا كله إذا كانت اللقطة شيئاً يبقى، وأما إذا كانت شيئاً لا يبقى إلى أن ينتهي إلى وقت يخشى عليها الفساد، ثم بعدما مضى مدة التعريف لو لم يظهر لها طالب يدفعها إلى الإمام، هكذا ذكر في «النوازل» ، ولم يذكر في «المبسوط» أن الملتقط يدفعها إلى الإمام، قال في «المنتقى» : قال أبو يوسف والحسن: له أن يأمر غيره ويعطيها حتى يعرفها عنه إذا أعجز عن التعريف بنفسه، وإن مات في يده فلا ضمان على أحد في ذلك، ثم إذا دفعها إلى الإمام كان الإمام بالخيار، إن شاء قبل منه، وإن شاء لم يقبل، فإن قبل فهو بالخيار؛ إن شاء عجل تصدقها على الفقراء، وإن شاء أقرضها من رجل موثوق مليء، وإن شاء دفعها مضاربة، والحاصل أن الإمام نصب ناظم الفعل ما رآه أصلح في حق صاحب اللقطة.
وإذا ردها على الملتقط فالملتقط بالخيار إن شاء أمسكها وأدام الحفظ فيها حتى
стр. 2065
يظهر له طالب، وإن شاء تصدق بها على أن يكون الثواب لصاحبها، وإن شاء باعها، وإن لم يكن دراهم أو دنانير، وأمسك ثمنها، فإن تصدق وحضر صاحبها فله الخيار؛ إن شاء بعد التصدق والثواب له، وإجازته الصدقة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء، وإن شاء لم يجز الصدقة، وعند (١٠٨ب٢) عدم الإجازة إن كانت قائمة في يد الفقير أخذها منه، وإن كانت هالكة كان له الخيار؛ إن شاء ضمن الفقير، وإن شاء ضمن الملتقط، فإن قيل: كيف يضمن الملتقط وقد تصدق بإذن الشرع؟ قلنا: الشرع ما ألزمه التصدق، إنما أذن له في ذلك، ومثل هذا الإذن يسقط الإثم ما لا يسقط عصمةً يثبت حقاً للعبد كالإذن في الرمي إلى الصيد، حتى حكي عن القاضي الإمام أبي جعفر يقول: ما ذكر في «الكتاب» محمول على ما إذا تصدق بغير أمر القاضي، فأما إذا تصدق بأمر القاضي فليس للمالك أن يضمن الملتقط.
وإن كان الملتقط محتاجاً له فله أن يصرف اللقطة إلى نفسه بعد التعريف؛ لأن الصرف إلى فقير آخر والصرف إلى نفسه سواء، وإن كان غنياً فليس له أن يصرفها إلى نفسه، وإن باع القاضي اللقطة أو باع الملتقط بأمر القاضي، ثم حضر صاحبها وهي قائمة في يدي المشتري كان لصاحبها الخيار؛ إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء أبطل البيع وأخذ عين ماله؛ لأن هذا بيع صدر لا عن ولاية، فيتوقف على إجازة المالك، وإن كانت قد هلكت، فالمالك بالخيار؛ إن شاء ضمن البائع، وعند ذلك هذا البيع من جهة البائع في ظاهر الرواية، وبه أخذ المشايخ، وفي رواية أخرى يبطل البيع، وبه أخذ بعض المشايخ.
وفي الوديعة: إذا باعها المودع، وسلمها إلى المشتري فهلكت في يد المشتري، ثم إن المالك ضمن البائع لم ينفذ البيع باتفاق الروايات، هكذا ذكر شيخ الإسلام في شرحه، وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : أن بيع المودع ينفذ من جهته كبيع الملتقط، وأشار إلى المعنى الجامع فقال: الملتقط حين دفعها ليبيعها بغير إذن القاضي صار ضامناً لها فيستند ملكه إلى تلك الحالة فينفذ بيعه، وإن شاء ضمن المشتري قيمتها، ورجع بالثمن على البائع، وجعل استرداد القيمة من يده بمنزلة استرداد العين من يده، في وديعة «فتاوى أهل سمرقند» : غريب مات في دار رجل، وليس له وارث معروف، وخلف من المال ما يساوى في دراهم، وصاحب الدار فقير، فأراد أن يتصدق بها على نفسه، فله ذلك؛ لأنه في معنى اللقطة.
الفصل الثالث فيما يضمن الملتقط، وفيما لا يضمن إذا هلكت اللقطة في يد الملتقط
فهذا على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يأخذها ليردها على المالك، ويشهد عند الأخذ شاهدين أنه إنما أخذها ليردها على المالك، وفي هذا الوجه لا ضمان؛ لأن أخذها ليردها على المالك مندوب
стр. 2066
إليه شرعاً، فلا يصلح سبباً للضمان.
الوجه الثاني: إذا أخذها لنفسه، وأقر بذلك، وفي هذا الوجه هو ضامن؛ لأنه منهي عن الأخذ لنفسه، فيصير غاصباً ضامناً.
الوجه الثالث: إذا ادعا أنه أخذها ليردها على المالك إلا أنه لم يشهد على ذلك، ولكن صدقه أنه أخذها ليردها على المالك وضمنها لا ضمان، وإن كذبه المالك في ذلك، وادعى أنه أخذها لنفسه فعند أبي يوسف القول قول الملتقط مع يمينه؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لأن الظاهر مباشرة ما هو حلال، والحلال من الأخذ ههنا الأخذ للرد على المالك، وعند أبي حنيفة ومحمد القول قول صاحب اللقطة؛ لأن الأصل في عمل الحر أن يكون لنفسه ما لم يوجد دليل يدل على العمل للغير، وذلك الدليل ههنا الإشهاد، فإذا ترك الإشهاد لم يوجد دليل العمل لغيره، فعمل به يتضمنه الأصل.
وإن أشهد أنه التقط لقطة أو ضالة، أو قال: عندي لقطة فمن سمعتموه يطلب لقطة فدلوه عليَّ، فلما جاء صاحبها قال: قد هلكت فهو مصدق، ولا ضمان عليه؛ لأنه تبين بصدر الكلام أنه أخذه للرد، وأنه أمين فيها، وقول الأمين في دعوى الهلاك مقبول، ولا يضره أن يسمي جنسها ولا صنعتها في التعريف؛ لأن ترك تسمية ذلك لتحقيق الحفظ على المالك حتى لا يسمع ذلك إنسان فيدعيها لنفسه، ويرفع الأمر إلى قاضي يرى الاستحلاف لمصيب العامة، وفيه خلاف ظاهر، على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولو وجد لقيطان أو ثلاثة وقال: من سمعتموه ينبذ لقطة فدلوه عليَّ، فهذا تعريف للكل ولا ضمان إن هلكت الكل عنده، في «فتاوى أهل سمرقند» وجد لقطة في طريق أو مفازة، ولم يجد أحداً يشهده عليه عند الأخذ، قال: يشهد إذا ظفر بمن يشهده عليه، فإذا فعل ذلك لا يضمن؛ لأنه ليس في وسعه أكثر من هذا، وإن وجد من يشهده ولم يشهد حتى جاوزه ضمن؛ لأنه ترك الإشهاد مع القدرة عليه، وإذا التقط لقطة ليعرضها ثم ردها إلى مكانها الذي وجدها فيه فلا ضمان عليه لصاحبها، وإن هلكت قبل أن يصل إليها صاحبها أو استهلكها غيره؛ لأن الأخذ ليردها على مالكها لا يصلح سبباً للضمان، والرد إلى مكانه لا يصلح سبباً للضمان والرد إلى مكانه لا يصلح سبباً، فامتنع وجوب الضمان.
قال الحاكم الشهيد في «إشاراته» : إن ما ذكر في الكل محمول على ما إذا أعادها بعدما حولها ضمن، وإليه ذهب الفقيه أبو جعفر، وروي عن محمد أنه إذا مشى خطوتين، أو ثلاثة خطوات ثم ردها، ووضعها في الموضع الذي أصابها فيه يبرأ من الضمان، فلا يعتبر هذا القدر من التحويل، وإن كان أخذها لنفسه ثم ردها إلى مكانه فهو ضامن لها؛ لأنه صار ضامناً بالأخذ، والضمان متى وجب لا تقع البراءة منه إلا بالرد على المالك، والإعادة إلى موضعه ليس برد على المالك، وهو نظير ما لو غصب من آخر دابة، ثم ردها على مالكها فلم يجده، وربطها على مكانها.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: أنه إذا ردها إلى مكانها من غير أن يذهب بها فلا ضمان من غير فصل، بينما إذا أخذها لنفسه أو أخذها ليعرفها، وإذا ذهب بها؛ ثم ردها
стр. 2067
إلى مكانه ضمن على كل حال، وقيل: إذا اعتمد مع الإشهاد أنه يأخذ لنفسه فهو ضامن فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا اعتمد التعريف مع ترك الإشهاد فلا ضمان، وقيل: هذا التفصيل فيما إذا أخذها لنفسه، أما إذا أخذها ليعرفها فلا ضمان من غير تفصيل كما ذكر في «الكتاب» .
الفصل الرابع في الخصومة في اللقطة، والاختلاف فيها، والشهادة
في «المنتقى» ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل التقط لقطة، وضاعت منه ثم وجدها في يد رجل آخر فلا خصومة بينهما، قال: وليس الملتقط في (١٠٩أ٢) هذا كالمستودع، والفرق وهو: أن المستودع مأمور في الحفظ من جهة المالك نصاً، ولا يتهيأ له الحفظ إلا باسترداد فكان مأموراً من جهة المالك بالاسترداد والخصومة ولا كذلك الملتقط.
إذا وجد الرجل لقطة وهي دراهم أو دنانير فجاء رجل وادعى أنها له، وسمى وزنها وعددها ووعاءها وأصابها، فلم يصدقه الملتقط فعلى قول مالك يجبر الملتقط على دفعها إليه، وعلى قول علمائنا لا يجبر، بل يخير إن شاء دفعها، وإن شاء أبى حتى يقيم البينة؛ لأن إصابة العلامة محتمل في نفسه قد يكون جزافاً، وقد يعرف الإنسان ذلك في ملك غيره، وقد يسمع من مالكه عند طلبه، والمحتمل لا يكون حجة للإلزام، فإن دفعها إليه أخذ منه كفيلاً نظراً منه لنفسه، فلعله يأتي مستحقها، فيضمنها إياه، ولا يتمكن من الرجوع على هذا الأخذ؛ لأنه يخفي شخصه فيحتاط بأخذ الكفيل.
وإن صدقه دفعها إليه، ولم يذكر محمد ﵀ في «الأصل» أنه إذا أبى هل يجبر على الدفع، وقد اختلف المشايخ فيه؛ بعضهم قالوا: لا يجبر، وقاسه على ما إذا كان في يد رجل وديعة فجاء رجل، وقال: إني وكيل المودع في استرداد الوديعة منك، فصدقه لا يجبر على الدفع إليه؛ لأنه أقر بحق القبض في ملك الغير فكذا هذا، وبعضهم قالوا: يجبر على الدفع بخلاف مسألة الوديعة.
والفرق في مسألة الوديعة: الملك لغير الذي حضر ظاهر في الوديعة، فأما في اللقطة ليس لغير الذي حضر ملك ظاهر، ثم إذا دفعها إليه في هذه الصورة في آخر، وأقام بينة أنها له إن كان العين قائماً في يد القابض يقضى بالعين للمدعي، وإن كان هالكاً كان للمدعي خياراً في التضمين، فإن ضمن القابض فالقابض لا يرجع على الملتقط، وإن ضمن الملتقط، فالملتقط هل يرجع على القابض؟ ذكر هذه المسألة في كتاب اللقطة في موضعين، قال في موضع: يرجع، وقال في موضع: لا يرجع، ومن المشايخ من وفق بين الروايتين، والأصح أن في المسألة روايتان؛ والاعتماد على رواية الرجوع.
وإذا وجد شاة أو بقرة أو بعيراً وحبسها، وأنفق عليها في مدة التعريف، ثم جاء
стр. 2068
رجل وأقام بينة أنها له لم يرجع بما أنفق، إلا إذا كان الإنفاق بأمر القاضي، وإذا رفع الأمر إلى القاضي، فالقاضي لا يأمره بالإنفاق ما لم يقم بينة أنه التقطها نظراً للمالك، وقدمنا نظيره قبل هذا، فإن قال: لا بينة لي، فالقاضي يقول له: أنفق عليها إن كنت صادقاً، فإن كان صادقاً يرجع، وإن كان كاذباً لا يرجع.
قالوا: إذا كانت اللقطة شيئاً يخاف عليها الهلاك متى لم ينفق عليها إلا أن يقم البينة فالقاضي يقول له: أنفق عليها إن كنت صادقاً، فإن أقام بينة عند القاضي أمره بالإنفاق يومين أو ثلاثة، بعد هذا إن كانت اللقطة شيئاً يمكن إجارتها مؤاجرة ينفق عليها من أجرها، وإن كانت شيئاً لا يمكن إجارتها باعها القاضي بنفسه، أو أمر الملتقط بالبيع، وأعطى الملتقط من الثمن ما أنفق بأمره، وإن لم يبعها حتى جاء صاحبها، وأقام بينة قضى به القاضي له، وقضى عليه بما أنفق الملتقط، وكان للملتقط أن يحبسها منه حتى يعطيه ما أنفق، وهذا لا يشكل فيما إذا أمر بالإنفاق على أن يكون ديناً على صاحبها إذا لم يشترط ذلك، فظاهر ما ذكر في هذا الكتاب يقتضي الرجوع، قال شيخ الإسلام: يجب أن يكون في المسألة روايتان على نحو ما بينا في اللقيط.
في «المنتقى» إذا قال الرجل: وجدت لقطة وضاعت في يدي، وقد كنت أخذتها لأردها على مالكها، وأشهدت بذلك،، وكان الأمر كما قال من الأخذ للرد على المالك والإشهاد بذلك، إلا أن صاحبها يقول: ما كانت لقطة، وإنما وضعتها بنفسي لا يرجع واحد، فإن كان في موضع ليس يقربه أحد، أو كان في طريق، فالقول قول الملتقط إذا حلف أنها ضاعت عنده، وإن كان لا يدري ما قصتها ضمن الملتقط، وإن قال صاحبها: أخذتها من منزلي، فقال الملتقط: أخذتها من الطريق ضمن، وإن وجدها في دار قوم أو في منزلهم أو في نار فارغة ضمن، إذا قال صاحبها: وضعتها لأرجع فآخذها، والأصل في ذلك كله أن أخذ مال الغير سبب لوجوب الضمان، بعضه الأصل إلا إذا كان الأخذ على وجه الحفظ بأن يكون في الطريق، أو يكون في مكان لا يكون يقربه أحد؛ لأنه يعوض التوى، والتلف إذا كان بهذه الصفة، فكان الأخذ للرد على المالك، والحالة هذه من باب الحفظ، فما لم يعلم ذلك أعمل فيه بعض الأصل.
وفي «الأصل» إذا قال المالك: أخذت مالي غصباً، وكان الملتقط يقول: كانت لقطتة، وقد أخذتها لك، فالملتقط ضامن من غير تفصيل، وإذا كانت اللقطة في يدي مسلم، فادعاها رجل فأقام عليه الثلاثة وأقر الملتقط بذلك أو لم يقر ولكن قال: لا أردها عليك إلا عند القاضي فله ذلك، وإن مات في يده عند ذلك فلا ضمان، في «المنتقى» : وإذا كانت اللقطة في يد مسلم ادعاها رجل، وأقام على ذلك شاهدين كافرين لا تقبل هذه الشهادة، وإن كانت في يدي كافر، وباقي المسألة بحالها، فكذلك قياساً؛ لأني أدري بعلمها بكل مسلم.
وفي الاستحسان: تقبل الشهادة؛ لأن المستحق بهذه الشهادة في الحال اليد وإنها للكافر، وأما الكل فكما يتوهم أن تكون للمسلم يتوهم أن تكون للكافر، فيعارض
стр. 2069
الموهومان فيسقط اعتبارهما وتثبت العبرة لليد، وإن كان في يد كافر ومسلم لم تجز شهادتهما على واحد منهما قياساً، وفي الاستحسان جازت الشهادة على الكافر، وقضي بما في يد الكافر لما قال في «المنتقى» بشر عن أبي يوسف ﵀: سارق دفع إلى رجل متاعاً فينبغي للمدفوع إليه أن يتصدق به إذا لم يعرف صاحبه، وإن عرف صاحبه ردَّه عليه، ولا يدفعه إلى السارق، ولا ينبغي له ذلك، ألا ترى أنه لو وصل إلى أخذه بقي له أن يأخذه، ويرده على المالك، وهو ما جوز في ذلك، فكيف يدفعه إلى السارق بعدما وصل إليه، والله أعلم بالصواب.
стр. 2070
كتاب الإباق
هذا الكتاب يشتمل على ست فصول:
١ * في أخذ الولد، وما يصنع به بعد الأخذ
٢ * في بيان مقدار الجعل
٣ * فيمن يستحق الجعل ومن لا يستحق
٤ * في بيان وجوب الضمان على راد الآبق
٥ * في الاختلاف الواقع في الإباق
٦ * في التصرفات في الآبق
следующие страницы →