Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
صاحب الدابة، وإن لم يأمره يضمن هذه الجملة في الباب الأول من غصب «الواقعات» .
رجل أرسل دابة وكان سائقاً لها، فأصابت شيئاً ضمن السائق، ولو أرسلها إلى جهة، ولم يكن سائقاً لها، فأصابت في وجهها ذلك؛ ضمن صاحبها بخلاف ما إذا أرسل كلباً أو بازياً على صيد، فأتلف شيئاً في حرزه ذلك حيث لا يضمن صاحبها إذا لم يكن سائقاً للكلب إلى الصيد وإرسال الكلب إلى الصيد يخالف إرساله إلى إنسان، فإن من أرسل كلبه إلى إنسان، فأصابه؛ ضمن المرسل، وإن لم يكن سائقاً للكلب؛ قال: فلو أن الدابة لم تذهب إلى وجهها؛ بل انعطفت يميناً وشمالاً، وأصابت شيئاً فلا ضمان على صاحبها إذا كان لها طريق في وجهها ذلك، وإن لم يكن لها طريق في وجهها ذلك، وإنما الطريق له يمين، وشمال لا غير، فانعطف وأصابت شيئاً (فيضمن) صاحبها، وإن وقفت ثم سارت فما أصابت بعد ذلك، فلا ضمان على صاحبها؛ لأن حكم إرساله قد انقطع لما وقف ساعة.
بخلاف الكلب إذا أرسل على صيد، فوقف ساعة، فإن الإرسال لا ينقطع حتى لو أخذ الصيد بعد ذلك رجل، وكذلك إذا أرسل حماره، فدخل زرع إنسان، فأفسده إن ساقها إلى الزرع ضمن، وإن لم يسق بأن لم يكن خلفه إن لم ينعطف عليه يميناً وشمالاً؛ بل ذهب إلى الوجه الذي أرسلها صاحبها، فأصابت الزرع؛ ضمن صاحبها، وإن انعطفت يميناً وشمالاً، فهو على التفصيل الذي قلنا؛ هذه الجملة في شرح ديات شيخ الإسلام؛ في باب جناية الراكب.
وإن وجد الرجل دابة في مربط، فأخرجها، ولم يسقها بعد الإخراج، فأكلها الذئب؛ ضمن قيمتها.
فرق بين هذا، وبينما إذا وجدها في كرمه أو زرعه فأخرجها، ولم يسقها بعد الإخراج، فأكلها الذئب حيث لا يضمن قيمتها، والفرق أن الدابة لا تفسد المربط، فكان في إخراجها عن المربط مضيعاً للدابة لا دافعاً شرها عن نفسه، أما الدابة تفسد الزرع والكرم، فكان الإخراج في هذين الوجهين لدفع ضرر الدابة لا تضييعاً لها، وإن وجد دابة في كرمه أو زرعه فحبسها في منزله فهلكت؛ ضمن قيمتها لصاحبها؛ لأنه ليس له ولاية الحبس، فيصير بالحبس غاصباً مضموناً.
ذكر في «السير الكبير» على سبيل الاستشهاد أن من أخذ جلود دابة لرجل، فدبغها، وفعلها فرواً؛ ينقطع حق المالك عن الجلود، وكان الفرو للعامل وغرم قيمة الجلود لما ملكها. ولو أخذ جلود ميتة وجعلها فرواً؛ ثم دبغها لا ينقطع حق المالك عن العين، ويقوّم الفرو جلداً غير معمول، ويقوم معمولاً، فإن شاء العامل إعطاء قيمة جلده ذكياً غير معمول، وإن شاء باع الفرو فقسم ثمنه على قيمة الجلد ذكياً غير معمول، وعلى قيمته فرواً معمولاً فما أصاب الجلد كان لصاحبه، وما أصاب العمل كان لصاحب العمل.
والفرق بين الجلود الذكية وبين الميتة: أن الصنعة في الذكاة إنما جعلت في جلد يضمن بالغصب والاستهلاك، فأوجبت انقطاع حق صاحب العين عن العين، وفي جلد
стр. 2137
الميتة الصنعة جعلت في جلد لا يضمن بالغصب، والاستهلاك، فلم يوجب انقطاع حق صاحب العين عن العين.
وهذا هو الأصل: أن الصنعة إنما تجعل المصنوع ملكاً للصانع إذا كان المصنوع قبل الصنعة مما يضمن بالغصب والاستهلاك؛ أما إذا كان مما لا يضمن بالغصب والاستهلاك قبل الصنعة، فبالصنعة لا يصير مملوكاً للصانع.
وأصل هذا ما ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» : لو أن رجلاً من أهل الجند وجد في دار الحرب من الخشب المليح، فعمل منه قصاعاً، وأخونة، ثم أخرجها إلى دار الإسلام، فإن للإمام أن يأخذ ذلك منه، ويعطيه قيمة ما زاد الصنعة فيه، وإن شاء باعه، وقسم الخشب على قيمة هذا الخشب غير معمول، وعلى قيمته معمولاً فما أصاب غير المعمول من ذلك، فإنه يرده في القسمة، وما أصاب المعمول حين ذلك، فإنه يرد، ولا يصير المصنوع ملكاً للعامل ولو أخرجت الغنائم إلى دار الإسلام، فأخذ رجل من هذا الخشب المليح، وجعله قصاعاً، وغير ذلك مما وصفنا لك فإنه يضمن قيمة الخشب، وكان المصنوع للذي عمل، لا سبيل للإمام عليه؛ لأن في الفصل الأول الصنعة إنما وجدت في خشب لا يضمن بالغصب والاستهلاك؛ لأن الغنائم لا تضمن بالغصب والاستهلاك في دار الحرب، فلم يوجد انقطاع حق الغزاة عن العين، وفي الوجه الثاني: الصنعة إنما وجدت في خشب يضمن بالغصب والاستهلاك.
إذا ثبت هذا جئنا إلى تخريج مسألة الفرو، فنقول: إنما الخيار للعامل في جلد الميتة؛ لا لصاحب الجلد، وإن كان صاحب العمل صاحب تبع (١٢٣ب٢) وصاحب الجلد صاحب أصل، والخيار ثبت في مثل هذا لصاحب الأصل كما في الثوب االمصبوغ؛ لا لصاحب التبع؛ فذلك لأن صاحب العمل..... كان صاحب تبع ههنا من حيث الحقيقة، فإن الصنعة صارت صفة للجلد، والأوصاف أتباع فمن حيث المعنى صاحب العمل أصل؛ لأن جلد الميتة لم يكن مالاً قبل الصنعة، والدباغة والمالية هي المقصودة من الأعيان لا نفس العين، وإنما صار مالاً بعمله، فصار من حيث المعنى صاحب العمل صاحب أصل، وصاحب الجلد من حيث المعنى صاحب تبع.
والعبرة للمعنى، وإنما اعتبر قيمة الجلد ذكياً؛ لأنه متى اعتبره ميتاً، وجلد الميتة لا قيمة له؛ لا يستحق صاحب الجلد شيئاً، فلهذا اعتبرت قيمته ذكياً.
قال محمد ﵀ في كتاب «الأصل» : إذا غصب الرجل ثوباً من غيره ولبسه، ثم جاء صاحب الثوب ومدّ الثوب والغاصب لم يعلم بذلك، ولم يطلب صاحب الثوب الثوب منه فتخرق الثوب من ذلك، فلا شيء على الغاصب، وكان ينبغي أن يقال: بأنه يضمن الغاصب للمغصوب منه نصف قيمة الخرق؛ لأن الخرق حصل بيد صاحب الثوب، وإمساك الغاصب جميعاً، فإنه لولا إمساك الغاصب بعد مد المغصوب منه كان لا يخرق
стр. 2138
الثوب من يده، وإذا حصل الخرق من فعلهما يجب أن يكون على الغاصب نصف الضمان، كما لو خرقاه جميعاً، وكما لو طلب صاحب الثوب الثوب من الغاصب، فمنعه فمده المغصوب منه الثوب مثله فتخرق الثوب؛ ذكر أن الغاصب يضمن نصف قيمة ما تخرق؛ لأن الخرق حصل بفعلهما والجواب أن الإمساك من الغاصب إن وجد حقيقة بلبس الثوب لم يوجد معنى؛ لأن الغاصب بلبس الثوب قصد ستر نفسه في إمساكه عن المالك، فلم يوجد الإمساك من الغاصب معنى، فبقي التلف كله مضافاً إلى مد المالك؛ بخلاف ما إذا طلب منه المالك وأمسكه؛ لأن هناك وجد الإمساك من الغاصب حقيقة ومعنى.
ولو طلب المغصوب منه الثوب من الغاصب، فمنعه الغاصب عنه، ثم إن المغصوب منه مده مداً شديداً؛ لا يمد مثله، فتخرق الثوب؛ لا ضمان على الغاصب؛ علل فقال: لأنها بمنزلة سكين جاء به وخرقه، فقد أضاف الخرق كله إلى فعل المالك، وهذا مشكل؛ لأنه لولا إمساك الغاصب الثوب لكان لا ينخرق بمد المالك، فكان الخرق مضافاً إلى فعلهما.
ألا ترى أنه لو مد مد مثله كان الخرق مضافاً إليهما حتى كان على الغاصب نصف الخرق، فههنا يجب أن يكون كذلك.
والجواب أن الإمساك قد يتحقق من الغاصب، ولا يكون سبب خرقه، فإن كان قبل المد، ويكون سبب خرقه بأن كان في حال المد، فكان الإمساك في نفسه سبب الخرق من وجه دون وجه، فاعتبر سبب الخرق إذا كان مد المالك مداً يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد، والإمساك جميعاً، ولم يعتبر سبب الخرق إذا كان مداً لا يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد وحده بخلاف المد حيث يضاف الخرق إليه؛ لأن المد سبب الخرق على كل حال، وقيل: الإمساك إنما لا يحصل الخرق؛ لأن المد لا يؤخذ؛ لأن بدون الإمساك يكون أخذاً، ولا يكون مداً، وإذا كان المد متى تحقق بسبب خرق على كل حال، والإمساك سبب الخرق في حال دون حال أضيف الخرق إلى المد على كل حال دون حال، وأضيف الخرق إلى الإمساك في حال دون حال.
ونظير هذا الممسك: الثوب إذا كان (على) صاحب الثوب جاء آخر ومد الثوب مداً (يمد) مثله أو مداً لا يمد مثله ليبديه كان الضمان على الماد، وأضيف الخرق كله إلى المد دون الإمساك، وطريقه ما قلنا.
ذكر شيخ الإسلام في شرح «السير» في باب قصور الغنائم؛ قال مشايخنا: الغاصب إذا ندم على ما صنع، ولم يظفر بالمغصوب منه يمسك المغصوب إلى أن ينقطع مجيء صاحبه، فإذا انقطع طمعه في مجيء صاحبه، يتصدق إن شاء بشرط أن يضمن متى لم يجز صاحبه صدقته؛ قال: والأحسن أن يرفع ذلك إلى الإمام؛ لأن الإمام لتدبيره رأي في أموال الغيب، فالأحسن أن لا يقطع عليه رأيه.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : رجل غصب عبداً أو أجر العبد نفسه،
стр. 2139
وسلم من العمل صحت الإجارة على ما عرف، فإن أخذ العبد الأجر، وأخذ الغاصب الأجر منه وأتلفه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة رضي الله، وقالا: يجب عليه الضمان، وإن كان الأجر قائماً كان للمالك أخذه بالإجماع، هما يقولان: إنه أتلف مال الغير وهو مولى العبد؛ لأنه كسب عبده، وكسب العبد تبع لرقبته فيكون لمالك الرقبة؛ ولأبي حنيفة ﵀: أن الكسب مال المالك؛ لكنه لا عصمة لها في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه صاحب السرقة بعد القطع، وبيان عدم العصمة أن العصمة ثبتت بيد حافظة؛ إما بنفسه أو بيد ثانية، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليس يد المالك.
فإن قيل: يد العبد يد المولى، والكسب في يد العبد، فيصير كأنه في يد المولى؛ قلنا: العبد في يد الغاصب حتى كان مضموناً عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب لم يكن العبد محرزاً وحافظاً نفسه عن الغاصب، فلا يكون محرزاً وحافظاً ما في يده أيضاً.
والجواب أن الإمساك قد يتحقق من الغاصب، ولا يكون سبب خرقه، فإن كان قبل المد، ويكون سبب خرقه بأن كان في حال المد، فكان الإمساك في نفسه سبب الخرق من وجه دون وجه، فاعتبر سبب الخرق إذا كان مد المالك مداً يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد، والإمساك جميعاً، ولم يعتبر سبب الخرق إذا كان مداً لا يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد وحده بخلاف المد حيث يضاف الخرق إليه؛ لأن المد سبب الخرق على كل حال، وقيل: الإمساك إنما لا يحصل الخرق؛ لأن المد لا يؤخذ؛ لأن بدون الإمساك يكون أخذاً، ولا يكون مداً، وإذا كان المد متى تحقق بسبب خرق على كل حال، والإمساك سبب الخرق في حال دون حال أضيف الخرق إلى المد على كل حال دون حال، وأضيف الخرق إلى الإمساك في حال دون حال.
ونظير هذا الممسك: الثوب إذا كان (على) صاحب الثوب جاء آخر ومد الثوب مداً (يمد) مثله أو مداً لا يمد مثله ليبديه كان الضمان على الماد، وأضيف الخرق كله إلى المد دون الإمساك، وطريقه ما قلنا.
ذكر شيخ الإسلام في شرح «السير» في باب قصور الغنائم؛ قال مشايخنا: الغاصب إذا ندم على ما صنع، ولم يظفر بالمغصوب منه يمسك المغصوب إلى أن ينقطع مجيء صاحبه، فإذا انقطع طمعه في مجيء صاحبه، يتصدق إن شاء بشرط أن يضمن متى لم يجز صاحبه صدقته؛ قال: والأحسن أن يرفع ذلك إلى الإمام؛ لأن الإمام لتدبيره رأي في أموال الغيب، فالأحسن أن لا يقطع عليه رأيه.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : رجل غصب عبداً أو أجر العبد نفسه، وسلم من العمل صحت الإجارة على ما عرف، فإن أخذ العبد الأجر، وأخذ الغاصب الأجر منه وأتلفه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة رضي الله، وقالا: يجب عليه الضمان، وإن كان الأجر قائماً كان للمالك أخذه بالإجماع، هما يقولان: إنه أتلف مال الغير وهو مولى العبد؛ لأنه كسب عبده، وكسب العبد تبع لرقبته فيكون لمالك الرقبة؛ ولأبي حنيفة ﵀: أن الكسب مال المالك؛ لكنه لا عصمة لها في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه صاحب السرقة بعد القطع، وبيان عدم العصمة أن العصمة ثبتت بيد حافظة؛ إما بنفسه أو بيد ثانية، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليس يد المالك.
فإن قيل: يد العبد يد المولى، والكسب في يد العبد، فيصير كأنه في يد المولى؛ قلنا: العبد في يد الغاصب حتى كان مضموناً عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب لم يكن العبد محرزاً وحافظاً نفسه عن الغاصب، فلا يكون محرزاً وحافظاً ما في يده أيضاً.
وكذلك قلنا: إن كسب المبيع قبل القبض غير مضمون على البائع بالاتفاق، فكذلك هذا، أو نقول هذا مال الغاصب فيه تأويل الملك، ولا يكون مضموناً عليه، بالإتلاف كمال الابن في حق الأب.
بيانه: أن العبد إذا هلك في يد الغاصب وضمن رقبته للمالك فالأحر يسلم للغاصب أو نقول الأجر بدل منفعة العبد، ولو استهلك الغاصب منفعة العبد بأن استعمله في محل من الأعمال لا يضمن، فكذا إذا استهلك بدلها.
قال في «الجامع الكبير» : رجل غصب من آخر جارية قيمتها ألف درهم غصب من الغاصب رجل وقيمتها يوم الغصب الثاني أيضاً ألف درهم، فأبقت من الغاصب فللأول أن يضمن الثاني قيمتها، وإن لم يضمن المالك الأول؛ لأن القيمة قائمة مقام العين، ولو كانت الجارية حاضرة، وكان للغاصب الأول أن يسترد الجارية للتمكن من إقامة الفعل الواجب عليه، وهو الرد، فكذلك ما يقوم مقام العين، وهو القيمة.
ألا ترى قوله ﵇: «ما أخذت حتى ترد» ، والغاصب الثاني إنما أخذها من الغاصب الأول، فوجب عليه الرد على الغاصب الأول، فإذا عجز عن رد العين، وجب رد القيمة التي هي قائمة مقام العين، فإذا أخذ الغاصب الأول القيمة برىء الثاني عن الضمان؛ لأن الثاني برد الجارية على الأول (١٢٤أ٢) برىء من الضمان، فكذا إذا رد القيمة، تكون القيمة قائمة مقام العين، وتكون القيمة المأخوذة من الثاني مضمونة على الغاصب الأول؛ حتى لو هلكت في يد الغاصب الأول كان للمغصوب منه أن يضمنه قيمتها بالغصب؛ لأن الغاصب الأول لو أخذ الجارية لم تكن أمانة في يده، فكذلك إذا أخذ القيمة، فإذا حضر المالك كان له الخيار؛ إن شاء أخذ من الغاصب الأول القيمة التي أخذها من الغاصب الثاني، وتصير الجارية مملوكة للغاصب الثاني، وإن شاء ضمن
стр. 2140
الأول قيمتها ابتداء بالغصب، وتصير الجارية مملوكة للغاصب الأول من جهة المالك، ثم تصير للغاصب الثاني من جعة الغاصب الأول.
وإن كانت قيمة الجارية يوم الغصب الأول ألف درهم، ويوم الغصب الثاني ألفي درهم، ثم انفقت من يد الثاني، وأخذ الأول من الثاني ألفي درهم، وهلكت في يد الأول؛ لم يكن للمالك أن يضمن الأول ألفي درهم؛ لأن أخذ الألفين قيمة الزيادة المتصلة؛ الحادثة في يد الغاصب، وإنها أمانة عندنا في يد الغاصب، فكذلك ما قام مقامها.
ألا ترى أن الجارية إن كانت حاضرة فاستردها؛ كان الفضل على الألف أمانة عنده، فكذلك إذا أخذ الألف القيمة، فلهذا لا يضمن الفضل، وإنما يضمن قيمتها يوم الغصب ألف درهم، ولو أن المولى حضر والقيمة في يد الغاصب الأول قائمة على حالها، وقد ظهرت الجارية، فالمالك بالخيار؛ إن شاء أخذ جاريته حيث ما وجدت، وإن شاء أخذ القيمة التي أخذها الغاصب الأول من الثاني، وإن شاء ضمن الغاصب الأول قيمتها يوم الغصب، وهذا مشكل من وجهين:
أحدهما: أنه جعل للغاصب الأول سبيلاً من تضمين الثاني، ولم يجعله سبيلاً من تمليك الجارية حتى قال: إن للمولى ولاية أخذ الجارية متى ظهرت، وإن كان الملك ثبت في المضمون ضرورة الاستيفاء.
والثاني: هو أنه جعل للمولى حق تضمين الغاصب الأول بعد ظهور الجارية، والصورة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف.
والجواب عن الإشكال الأول أن نقول بأن الغاصب الأول ليس بنائب عن المالك في التضمين حتى يصير نائباً عنه في تمليك الجارية من الثاني، وكيف يكون نائباً عنه، وإنه فوت عليه اليد كلاً إنما كان للأول تضمين الثاني ليتمكن من إقامة ما عليه من الرد، والاستيفاء من ضرورات الرد؛ أما التمليك ليس من ضروراته كما في المدبر؛ إلا أن عند عدم الوقوف لمكان الجارية الحالة حالة الاستيفاء لا غير، وهو السبيل من ذلك أما بعدما ظهرت الجارية الحالة حالة الاستيفاء، وحال تملك الجارية، وهو منقول من الاستيفاء؛ أما ما ليس بسبيل من تملك الجارية، فكان بمنزلة الفضولي فتوقف على إجازة المالك، فإن أجاز أخذ القيمة، وإن رد كان حقه في استرداد الجارية؛ عرف مكانها لا أنها وصلت إلى مكانها.
قلنا: والمعرفة بمكان الجارية لا تمنع المصير إلى القيمة، فإن اختار المولى أخذ الجارية رجع الغاصب الثاني على الغاصب الأول بالقيمة التي أخذها؛ لأن المعوض استحق من يده، فإن كانت القيمة هلكت في يد الأول ضمن الغاصب الأول ذلك للغاصب الثاني؛ لأن للأول أخذ القيمة بدلاً عن المعوض، فيكون مضموناً عليه؛ كالثمن على البائع، ولا يرجع الغاصب الأول بذلك على المغصوب منه؛ لأن الغاصب الأول ليس بوكيل عن المالك أصلاً، والرجوع بالعهدة حكم الوكالة، وإن كان أخذ المولى من
стр. 2141
الغاصب الأول القيمة التي أخذها من الغاصب الثاني؛ سلمت الجارية للغاصب الثاني لنفاذ التمليك على المالك، وإن ضمن المولى الغاصب الأول قيمة الجارية يوم الغصب الأول سلمت القيمة التي أخذها الغاصب الأول له؛ لأنه تيقن أنه ملكها من وقت الغصب الأول، وإن الثاني غصب ملك الغاصب الأول، فكان الضمان الأول؛ إلا أن الأول يتصدق بأحد الألفين وهو الفضل على القيمة التي أداها إلى المالك، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد؛ أما على قول أبي يوسف؛ لا يتصدق بشيء؛ بل يطيب له؛ لأن شرط الطيب عندهما الملك والضمان، والضمان ههنا، وإن كان واجباً وقت المبادلة فالملك لم يكن، وعند أبي يوسف شرط طلب الضمان لا غير، وقد وجد ذلك ههنا، وأصل المسألة: المودع إذا باع الوديعة، وربح ثم ضمن؛ هل يطيب له الربح؟ فهو على هذا الاختلاف.
قال: وليس للغاصب الثاني أن يطأ الجارية حتى يختار المولى أخذ القيمة التي أخذها الغاصب الأول، ويختار ضمان الغصب الأول؛ لأن الملك قبل ذلك موقوف، والحل لا يثبت بالملك الموقوف، فإن كانت الجارية حاضت حيضة بعدما أخذ الأول القيمة من الثاني قبل أن يختار المولى شيئاً من ذلك، ثم اختار شيئاً من ذلك، لا يجزىء بتلك الحيضة؛ لأن الملك موقوف، والحيضة إذا وجدت بعد ثبوت الملك قبل وجود اليد لا تجزىء بها عن الاستبراء، فإذا حصلت قبل ثبوت الملك؛ لأن لا يجزئ بها كان أولى.
ولو كان الغاصب الأول أقر بقبض القيمة من الغاصب الثاني، فهذا وما لو ثبت أخذ القيمة بإقامة البينة سواء، غير أن بينهما فرقاً من وجه أن في هذه الصورة كان للمولى أن يضمن الثاني، وفيما إذا ثبت ذلك بالبينة ليس للمولى تضمين الثاني.
والفرق: أن حق تضمين الثاني قد ثبت للمالك لكونه غاصب الغاصب؛ إلا أن تضمين الأول الثاني يبطل هذا الحق للمالك، وذلك ههنا إنما ثبت بإقرار الأول، والإقرار حجة قاصرة، فلم يظهر أخذ الأول القيمة من الثاني في حق بطلان حق المالك في تضمين الثاني بخلاف الأول؛ لأن هناك أخذ القيمة ثبت بأمر حجة عامة؛ أما هاهنا بخلافه وكان المعنى فيه، وهو أن الغاصب الأول إنما ملك الاستيفاء ليتمكن من إقامة ما عليه من فعل الرد وصفة الضرورة تندفع بحقيقة الاستيفاء، فلا ضرورة إلى اعتبار الإقرار بالاستيفاء.
وكذلك الجواب فيما إذا قضى القاضي بالقيمة، ثم أقر الغاصب بقبض القيمة، وكذلك لو أقر الأول بقبض الجارية من الثاني، وأقر أنها ماتت عنده لم يقبل قوله حتى كان للمالك أن يضمن الغاصب الثاني في هذه الوجوه كلها لما ذكرنا، ويرجع الغاصب الثاني على الغاصب الأول بالقيمة؛ لأن إقراره بالاستيفاء صحيح في حقه إن لم يصح في حق المالك.
قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضاً: رجل غصب من آخر عبداً، ثم استأجره من المغصوب منه صح؛ لأنه لو اشتراه من المغصوب منه صح، فالإجارة أولى، ويصير
стр. 2142
المستأجر قابضاً له (١٢٤ب٢) بحكم الإجارة بنفس العقد؛ لأن يد الغاصب يد ضمان بقيمة المضمون، ومثل هذا القبض ينوب عن قبض الشراء؛ فأولى أن يقع عن قبض الإجارة، ويبرأ الغاصب من الضمان؛ لأن يد الغاصب بدلت بيد الإجارة، ويد الإجارة يد أمانة، وضمان الغصب مما يحتمل البطلان.
ألا ترى أن المغصوب منه لو أبرأ الغاصب عن الضمان يبرأ، فكذلك إذا أبدلت يد الغصب بيد الأمانة، فإن مات العبد في يد الإجارة مات أمانة لما مر، ويجب على الغاصب الأجر بقدر ما مضى من مدة الإجارة، ويسقط الباقي؛ لأن فيما مضى وجه تسليم المنافع إلى المستأجر بحكم إجارة صحيحة، فإن مضت مدة الإجارة والعبد حي لم يعد مضموناً؛ لأن يد الغصب بدلت بيد الأمانة، فلا يعود إلا بغصب جديد.h
وهو الفقه: وهو أن الغصب تفويت يد المالك على وجه التعدي، وبالإجارة فات معنى التعدي، وبمضي مدة الإجارة لا يعود معنى التعدي؛ فلا يعود حكم الغصب.
ولو أن المغصوب منه أعار العبد من الغاصب صح؛ لأنه إذا آجره منه يصح، فإذا أعاره منه أولى أن يصح، ولا يصير قابضاً له بحكم العارية بنفس العارية بخلاف الإجارة، والفرق: وهو أن الإجارة أوجبت استحقاق المنافع للمستأجر، فيوجب استحقاق اليد تسليماً للمستحق، ويد الغاصب تصلح نائبة عن يد الإجارة، فقامت مقام يد الإجارة أيضاً للماهية المستأجرة، فأما العارية فلا توجب استحقاق المنافع لما عرف، فلا توجب استحقاق اليد، فلم يجب إيفاؤها، فلا تقوم يد الغاصب مقام يد العارية، فلهذا لا يصير قابضاً بنفس العارية، فإذا انتفع به الآن ثبتت يد العارية، وهي يد أمانة، فبطل بها يد الغاصب، فإذا فرغ من العاريةلم يعد غصباً بخلاف الرهن.
والفرق: وهو أن بيد العارية إنما بطلت يد الرهن، وبطل الضمان أيضاً لكون الضمان متعلقاً بحقيقة اليد؛ أما عقد الرهن فهو باق لبقاء حكمه، وهو تمليك اليد والحبس، فإذا بطلت يد العارية عادت يد الرهن، فعاد الضمان المتعلق به، فأما ضمان الغصب يتعلق بقاؤه ببقاء اليد المتعدية، وقد بطل ذلك بيد العارية، فلا يعود، وبالفراغ من العمل، فلا يعود الضمان المتعلق به، ولوأمر المالك الغاصب أن يتبع المغصوب صح، ويصير وكيلاً، ولا يخرج العبد عن ضمانه؛ لأن كونه غاصباً ضامناً لا ينفي كونه وكيلاً.
ألا ترى أن الوكيل بالبيع إذا استعمل المبيع حتى صار ضامناً بقي وكيلاً؛ كذا هنا؛ كان المعنى فيه، وهو أن الأمر يقتضي الائتمار، والائتمار لا يقتضي قيام يد الوكيل، فلا يقتضي أيضاً قيام وصفه، وهو كونه يد أمانة، فإن باعه هلك قبل التسليم، انتقض البيع ولزمته قيمة العبد المغصوب؛ لأن الغصب لا يبطل بمجرد البيع.
فإن قيل البيع بالمبيع صار مضموناً بالثمن في يد الوكيل، وهذا ينفي كونه مضموناً بضمان القيمة؛ لأن ضمان القيمة مع ضمان الثمن لا يجتمعان في عين واحد؛ قلنا تفسير كونه مضموناً بالثمن ليس إلا كونه بحال لو هلك قبل القبض يسقط الثمن عن المشتري،
стр. 2143
وهذا لا ينفي ضمان القيمة على الغاصب، فإن رده المشتري بالعيب إن كان قبل القبض فهو في ضمان الغصب على حاله؛ لأن الغاصب لا يبطل بمجرد البيع، فلا يبطل الضمان المتعلق به، وإن كان الرد بعد القبض لا يعود مضموناً؛ لأن التسليم حصل بأمر المالك؛ لأن الأمر بالبيع أمر بالتسليم، والتسليم إلى المشتري بأمر المالك بمنزلة التسليم من المالك، ولو سلم المالك إلى المشتري برىء الغاصب من الضمان، فكذا إذا سلم الغاصب بأمر المالك، وضمان الغصب متى بطل لا يعود إلا بغصب جديد.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل غصب من رجل جارية، وغصب آخر من رب الجارية عبداً، وتبايعا العبد بالجارية وتقابضا، ثم بلغ المالك فأجازه كان باطلاً؛ لأن الإجازة إنما تلحق العقد الموقوف دون الباطل، وهذا العقد وقع باطلاً؛ لأن البيع تمليك بتملك، وتملك بتمليك، وذلك لا يكون في بيع مال الرجل بماله.
يوضحه: أن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء، ولو أذن المالك لهما في الابتداء بذلك لا ينعقد فكذا إذا فعلها بغير إذن المالك لا يتوقف.
ولو كان مالكهما رجلين فبلغهما فأجازا، كان جائزاً، وصارت الجارية لصاحب الغلام، وعلى غاصب الغلام قيمة الغلام لمولاه، ويصير الغلام لصاحب الجارية، وعلى غاصب الجارية قيمة الجارية لمولاها؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، ولو أذن كل واحد من المالكين في الابتداء بأن قال صاحب الغلام للذي غصبه: اشتر جارية فلان بغلامي هذا، وقال صاحب الجارية لغاصبها: اشتر غلام فلان بجاريتي هذه؛ كان الجواب كذلك؛ وهذا لأن كل واحد منهما صار مشترياً ما في يد صاحبه بما في يده بإبقاء ما في يد صاحبه بما في يده، ولا يتوقف في الشراء؛ لأن شراء الفضولي لا يتوقف على الإجازة؛ بل يتوقف على المشتري إنما التوقف في البيع، ولما كان هكذا صار شراء كل واحد منهما واقعاً لنفسه؛ كأن كل واحد منهما قال لغاصبه: اشترِ لنفسك مملوك فلان بمملوكي، وإنما احتيج إلى الإجازة لنفاذ البيع، فانعقد تصرف كل واحد منهما على أن يد الملك للمشتري في المشترى، ولكن عند إجازة المالك وصار كل واحد منهما مستقرضاً ما غصب حتى يكون البدل على من ثبت له الملك في المبدل.
واستقراض الحيوان، وإن كان لا يجوز إلا أنه إنما لا يجوز إذا حصل قصداً، وههنا حصل في ضمن الشراء، وإنه تصرف مشروع قطعاً فصار هو مشروعاً بشرعيته أيضاً، ولما صار كل واحد منهما مستقرضاً ما غصب والمستقرض فيما ليس من ذوات الأمثال مضمون بالقيمة ووجب على كل واحد من الغاصبين قيمة ما غصب؛ لهذا.
قال فيه أيضاً: رجل غصب من آخر مائة دينار، وغصب آخر من ذلك الرجل ألف درهم، ثم تبايع الغاصب الدنانير بالدراهم، وتقابضا، ثم تفرقا، ثم حضر المالك فأجازه جاز.
فرق بين هذا، وبين الوجه الأول، والفرق: وهو أن ههنا العقد ما وقع على الدراهم، والدنانير بأعيانهما لما عرف من أصلنا: أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في
стр. 2144
عقود المعاوضات، وإنما وقع العقد على مثلهما ديناً في الذمة، فلم يقع العقد على ما لا عين لمالك واحد، فيقع البيع بلا توقف.
ألا ترى أنه لو لم يجز واحد، ولم يتفرقا حتى نقد كل واحد من ماله يجوز، ولا يفسد العقد، وهذا دليل على أن العقد إنما وقع على مثلهما ديناً في الذمة؛ إلا أن كل واحد منهما صار قاضياً ما وجب في ذمته (١٢٥٢) بما غصب فإذا أجازه صار معرضاً، فيلزمه ضمانه بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك العقد وقع على العرضين بأعيانهما؛ لأن العرض يتعين في عقد المعاوضة، فإذا كانا لشخص واحد لم ينعقد العقد على ما مر، والفلوس في هذا نظير الدراهم، والدنانير؛ لأنهما لا تتعين بخلاف العرض.
وقال فيه أيضاً: رجل غصب من آخر جارية، وغصب رجل آخر من المغصوب منه مائة دينار، فباع غاصب الجارية من غاصب الدنانير الجارية بتلك الدنانير، فبلغ المالك فأجازه صح؛ لأن الجارية وإن تعينت في العقد؛ إلا أن الدينار لم يتعين، فلم يقع العقد على مالين لأحد؛ بل وقع على جارية مغصوبة بدنانير في الذمة، فإذا أجازه صحت الإجازة في حق البيع؛ لأن البيع قد توقف، فإذا لحقته الإجازة صح.
وأما نقد الدينار، فلا يصح إما إن كان العقد قبل الإجازة أو بعد الإجازة فإن كان قبل الإجازة عملت الإجازة فيه إذا علم المغصوب منه بأنه نقد من ماله، ويصير هو مقرضاً الدينار من مشتري الجارية، فإن المنقود قائم في يد غاصب الجارية، فهو للمجيز وهو المغصوب منه، وإن هلك في يد غاصب الجارية لا ضمان عليه؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، فظهر أنه حين قبض الثمن، كان وكيلاً ببيع الجارية؛ أميناً في ثمنها، وهلاك المال في يد الأمين لا يوجب عليه ضماناً.
وإن كان النقد بعد الإجازة، فإن لصاحب المال أخذ ماله؛ إن وجده فيبطل النقد، ويلزم المشتري ثمن آخر؛ لأن الإجازة إذا حصلت قبل النقد، فليس ذلك بإذن في النقد؛ لأن النقد لم يكن موجوداً وقت الإجازة، ولا يدري أنه ينقد الدنانير المغصوبة، أو غير ذلك، فلم تعمل الإجازة في حق النقد، وحصل نقد الدنانير بغير إذن صاحبها، فكان له حق القبض إن وجدها قائمة، وإن وجدها هالكة فله الخيار؛ إن شاء ضمن بائع الجارية لكونه غاصب الغاصب، وإن شاء ضمن مشتري الجارية لكونه غاصباً، فإن ضمن المشتري ظهر أنه ملك الدنانير من وقت الغصب السابق، وأنه نقد ملك نفسه، فصح التسليم إلى بائع الجارية، وصار بائع الجارية أميناً في قبض الزيادة وإن اختار تضمين البائع رجع البائع على المشتري؛ لأن ما قبض البائع لم يسلم هنا لما استحق عليه عوضه، فاستوجب الرجوع به على المشتري؛ كما لو كانت الدنانير قائمة بأعيانها، فأخذت من يده، فإذا رجع بها سلم ذلك للبائع.
وطعن عيسى بن أبان في هذا فقال: ينبغي أن يردها على المغصوب منه؛ لأن القبض الأول كان موقوفاً، فلما ضمن المغصوب منه البائع، وقبض البدل بمنزلة قبض المبدل؛ بطل القبض الأول، وصار الثمن هو الثاني الذي يقبضه البائع من المشتري،
стр. 2145
فينبغي أن لا يسلم للبائع كما لو أخذ العين من يده، ثم رجع على المشتري.
والجواب عن هذا: أن يقال المغصوب منه لما ضمن البائع، ورجع البائع على المشتري صار قرار الضمان على المشتري، وظهر أنه كان مالكاً لما نقد؛ إذ الملك في المضمون؛ إنما يثبت لمن كان قرار الضمان عليه، وظهر أن البائع صار وكيلاً، وأن له حق الرجوع على الموكل بما ضمن؛ لأنه أمينه، وما رجع به البائع على المشتري مال الموكل، فقد ظفر بجنس حقه، فيستوفي بحقه على ما عرف.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل غصب عبداً، فباعه من رجل بخمسمائة إلى سنة، والعبد معروف للمغصوب منه، فقال المغصوب منه للغاصب: إنك قد اشتريت مني هذا العبد بألف درهم حالة وقبضته مني، ثم بعته من هذا الرجل بخمسمائة درهم إلى سنة، وقال الغاصب: ما اشتريته منك قط، ولكنك أمرتني فبعته منه بخمسمائة إلى سنة بأمرك فالعبد قائم عند المشتري، فالعبد سالم للمشتري؛ لأنهم اتفقوا على صحة شرائه ولا ضمان على الغاصب بسبب الغصب؛ لأن تعذر الرد على المالك كان لمعنى من جهته، وهو إقراره بالبيع من الغاصب، ويستحلف الغاصب بالله ما اشتريته؛ لأن المغصوب منه يدعي عليه الثمن بسبب صحيح، وهو ينكر، فإن حلف لا شيء عليه وإن نكل كان عليه الثمن الذي ادعاه المغصوب منه، وإن كان العبد قد مات عند المشتري، وباقي المسألة بحالها؛ فههنا يحلف كل واحد منهما، وعلى دعوى صاحبه أما يحلف الغاصب فلما مرَّ، وأما يحلف المالك بخلاف الفصل الأول.
والفرق وهو: أن الغاصب لا يدعي على المغصوب منه في الفصلين جميعاً إلا الوكالة، إلا أن الوكالة في هذه المسألة حق يلزم المغصوب منه؛ لأن في دعوى الوكالة في هذا الفصل دعوى البراءة عن ضمان القيمة؛ لأن تعذر الرد على المغصوب منه ههنا ما كان لمعنى من جهته، وهو إقراره بالبيع، وإنما كان لأجل الموت، فإن تسبب موت العبد بعجز الغاصب عن الرد على المغصوب منه؛ سواء سبق من المولى الإقرار بالبيع، أو لم يسبق، فكان ضمان القيمة واجباً على الغاصب، فكان بدعوى الوكالة على المالك مدعياً إبراءه نفسه عن ضمان القيمة، والمالك ينكر، فيحلف؛ أما في الفصل الأول دعوى الوكالة لا تلزم المغصوب منه شيئاً؛ لأن ضمان القيمة هناك غير واجب على الغاصب، على ما مر، فلهذا لا يحلف المغصوب منه ثمة؛ أما ههنا بخلافه على ما مر، فإن كان الغاصب وهب هذا العبد من رجل، وسلمه إليه، ثم ادعى أنه فعل ذلك بأمر المغصوب منه، وقال المغصوب منه: بعته منك بألف، ثم وهبته، فهو على التفاصيل التي قلنا في البيع.
ولو كان الغاصب ضرب العبد، فقتله، ثم قال الغاصب: ضربت بأمر المالك، وقال صاحب العبد: لا بل بعته منك فضربت ملك نفسك؛ يحلف الغاصب أولاً، فإن نكل لزمه الثمن، وإن حلف لزمته القيمة لتعذر الرد لمعنى من جهة الغاصب؛ ثم يحلف المالك، فإن نكل بطلت القيمة، وإن حلف، فله قيمته على الغاصب، وهو نظير الهلاك فيما تقدم.
стр. 2146
وقال فيه أيضاً: رجل أقر أنه قطع يد عبد رجل خطأ، وكذبته عاقلته في ذلك؛ يعني أن عاقلة المقر كذبت المقر في إقراره، ثم غصبه رجل من مولاه، فمات عنده، فالمولى بالخيار؛ إن شاء ضمن الجاني قيمته في ماله في ثلاث سنين، وإن شاء ضمن الغاصب قيمته أقطع، في ماله حالاً، وضمن الجاني أرش يده، وهو نصف قيمته في ماله، فإن ضمن الجاني قيمته بإقراره، فإنه يرجع الجاني على الغاصب بقيمة العبد أقطع في ماله؛ علل في «الكتاب» فقال: لأن العبد صار للقاطع بجنايته، وهذا دليل على أن (١٢٥ب٢) ضمان الدم يوجب الملك في المضمون.
ووجه ذلك: وهو أن سبب الضمان هو القطع السابق فيستند الضمان إليه، فثبت الملك من ذلك الوقت، وفي تلك الحالة هو قابل للملك كما في ضمان الغصب، فإنه لا يتقرر إلا عند الهلاك؛ ذلك لما كان عند الغصب السابق أسند إليه، ووقع الملك في المضمون؛ كذا ههنا، ومن المحققين من أصحابنا من قال: لا بل ضمان القتل لا يوجب الملك للضامن في المقتول؛ لأن ضمان القتل يجب مقصوراً على وقت القتل، والقطع السابق إنما يصير قتلاً وقت السراية، فيجب الضمان مقصوراً على حالة القتل، وفي حالة القتل هو غير قابل للملك لكن إن تعذر إثبات الملك في ذاته، أمكن إثباته في بدله وهو الضمان الذي على الغاصب كما قلنا في المدبر إذا غصبه من غاصبة، واختار المولى تضمين الأول؛ كان للأول أن يضمن الثاني، وإن لم يملك الأول بالمدبر بأداء الضمان لكن قبل السبب، وإن لم يعمل في حق المدبر لمكان التعذر، يحل في حق بدله، وهو الضمان الواجب على الغاصب؛ كذا ههنا، ثم أوجب الضمان على الجاني ههنا في ماله؛ لأنه وجب بإقراره، والإقرار حجة قاصرة، وإن كانت الجناية ثابتة بالبينة فهذا وما لو ثبتت الجناية بإقرار الجاني سواء، إلا في فعل واحد، وهو أن ما يجب على الجاني في فصل الإقرار يجب على عاقلته في فصل البينة؛ لأن البينة حجة في حق الناس كافة، فثبتت الجناية في حق العاقلة؛ كما ثبتت في حق غيرها.
رجل غصب من آخر شيئاً وغيبه، فطلب المغصوب منه من القاضي تضمينه؛ ذكر في بعض الكتب أن القاضي يتلوم في ذلك يومين أو ثلاثة رجاء أن يظهر ولا يقضي بالقيمة في الحال.
وذكر في «السير الكبير» : في باب ما لم يبطل فيه سهم الفارس أن القاضي يقضي بالقيمة قبل التلوم؛ قال شيخ الإسلام في شرح «السير» : ما ذكر في «السير» جواب الجواز يعني لو قضى بالقيمة قبل التلوم يجوز، وما ذكر في بعض الكتب جواب الأولوية؛ يعني الأولى أن يتلوم القاضي، ثم يقضي بالقيمة، والله أعلم بالصواب.
وقد تم كتاب الغصب من المحيط بحمد الله تعالى.
стр. 2147
كتاب الوديعة
هذا الكتاب يشتمل على عشر فصول:
١ * في بيان ركن الإيداع، وشرطه، وما يكون إيداعاً بدون اللفظ
٢ * في حفظ الوديعة بيد الغير
٣ *..........
٤ * فيما يكون تضييعاً للوديعة، وما لا يكون، وما يضمن به المودع، وما لا يضمن
٥ * في تجهيل الوديعة
٦ * في طلب الوديعة، والأمر بالدفع إلى الغير
٧ * في رد الوديعة
٨ * فيما إذا كان صاحب الوديعة أو المستودع غير واحد
٩ * في الاختلاف الواقع في الوديعة، والشهادة فيها
١٠ * في المتفرقات
стр. 2148
الفصل الأول في بيان ركن الإيداع، وشرطه، وما يكون إيداعاً بدون اللفظ
قال مشايخنا: ركن الإيداع في حق صيرورة العين أمانة عند الغير قول المالك: أودعتك هذا العين. حتى لو قال هذا الغاصب صار العين أمانة عنده، وإن لم يقبل: حتى لو هلك بعد ذلك عنده من غير صنعه لا ضمان عليه، وفي حق وجوب الحفظ على المودع الركن هو الإيجاب، والقبول؛ وهذا لأن صيرورة العين أمانة عند الغير تلزم الملك، فيتم به وحده، فأما وجوب الحفظ حكم يلزم المودع، فلا بد من قبوله، وشرطه كون العين ماثلاً لإثبات اليد عليه؛ لأن الإيداع عقد استحفاظ، وحفظ الشيء لا يتأتى إلا بعد إثبات اليد عليه؛ ألا ترى أن إيداع الآبق، وإيداع الطير الذي في الهواء لا يصح، وإنما لا يصح لأنه لا يتهيأ للمودع إثبات اليد على هذه الأشياء.
في «المنتقى» : رجل في يديه ثوب قال له رجل: أعطني هذا الثوب، فأعطاه؛ كان هذا على الوديعة؛ لأن الإعطاء جهات فعند الإطلاق يحمل على أقلها، وهو الوديعة، وذكر في كتاب الهبة من «المنتقى» أن قوله: أعطني أعطيتك على الهبة، رجل جاء بثوب إلى رجل، وقال: هذا الثوب وديعة، ولم يقل الآخر شيئاً بل سكت ثم غاب صاحب الثوب، ثم غاب الآخر بعده وترك الثوب هناك، وضاع الثوب هناك، وضاع الثوب، فهو ضامن؛ لأنه قبل دلالة، وكذلك إذا جاء بالثوب ووضع بين يديه، ولم يقل شيئاً؛ وباقي المسألة بحالها، فهو ضامن؛ لأن صاحب الثوب أودع دلالة، وذلك الرجل قبل دلالة، ولو قال الآخر: أنا لا أقبل الوديعة، وباقي المسألة بحالها، فلا ضمان؛ لأن الدلالة إنما تعتبر إذا لم يوجد الصريح بخلافها.
في «فتاوى أهل سمرقند» : رجل دخل بدابته خاناً، وقال لصاحب الخان: أين أربطها؟ فقال: هناك، فربطها، وذهب، ثم رجع، فلم يجد دابته، فقال صاحب الخان: إن صاحبك أخرج الدابة ليسقيها، ولم يكن له صاحب، فصاحب الخان ضامن؛ لأن قول صاحب الدابة لصاحب الخان أين أربطها استحفاظ، وقول صاحب الخان: هناك؛ إجابة إلى الحفظ، فصار مودعاً، فيصير ضامناً بالتضييع.
وكذلك إذا دخل رجل الحمام، وقال لصاحب الحمام أين أضع الثياب؟ فقال صاحب الحمام: ثمة، فوضع، ودخل الحمام، ثم خرج رجل آخر، وأخذ ثيابه، وذهب، فصاحب الحمام ضامن لما قلنا، وإن وضع الثياب بمرأى عين صاحب الحمام، ولم يقل شيئاً، وباقي المسألة بحالها، فهذا على وجهين؛ إما أن لا يكون للحمام ثيابي وهو الذي يقال بالفارسية «جانيه دار» أو يكون «له ثيابي وهو حاضر» ، ففي الوجه الأول الضمان على صاحب الحمام، والحالة هذه استحفاظ لصاحب الحمام، ودلالة وفي الوجه الثاني الضمان على الثيابي دون صاحب الحمام؛ لأن هذا استحفاظ للثيابي دلالة فيضمن الثياب
стр. 2149
ما يضمن المودع إلا إذا نص على استحفاظ صاحب الحمام بأن قال لصاحب الحمام: أين أضع الثياب فحينئذٍ يجب الضمان على صاحب الحمام، وإن كان له ثيابي، وهو حاضر، هذه الجملة في الباب الأول في وديعة «الواقعات» .
وفي غصب «فتاوى أبي الليث» : رجل دخل الحمام، ووضع ثيابه مرأى عين صاحب الحمام ثم خرج، فوجد صاحب الحمام نائماً، وقد سرق ثيابه، فإن نام قاعداً، فلا ضمان، وإن وضع جثته على الأرض، فهو ضامن؛ لأن هذا مودع ترك الحفظ في الوجه الثاني، وفي الوجه الأول لم يترك.
وفيه أيضاً: رجل من أهل المجلس قام وترك كتابه فيه، فذهبوا جملة، وتركوا الكتاب، فضاع الكتاب فالكل ضامنون، (١٢٦أ٢) وإن قام واحد بعد واحد، فالضمان على آخرهم؛ لأن في الوجه الأول الكل حافظون، وفي الوجه الثاني تعين الأخير حافظاً؛ كمن باع قفيز حنطة من قفيزين ثم هلك قفيز يتعين القفيز الباقي.
الفصل الثاني في حفظ الوديعة بيد الغير
إذا دفع الوديعة إلى بعض من في عياله نحو المرأة والابن الكبير الذي هو في عياله، والأب إذا كان في عياله، والأجير، فهلكت لم يضمن استحساناً؛ لأن الدفع إلى هؤلاء حصل بإذن صاحب الوديعة دلالة.
بيانه: أنه لا بد للمودع من الخروج عن منزله لإقامة مصالحه، ولا يمكنه إخراج الوديعة مع نفسه، فتركها في منزله، فإذا تركها في منزله فقد صارت في يد من هو في عياله، فكان صاحب الوديعة راضياً بيد من في عياله من هذا الوجه، فهو معنى قولنا الدفع إلى هؤلاء حصل بإذن صاحب الوديعة.
والمراد من الأجير المذكور في «الكتاب» الأجير الخاص الذي استأجره مشاهرة، أو مشافهة، ويسكن معه.
أما الأجير لعمل من الأعمال والذي يجري عليه نفقته كل شهر، ولا يسكن معه، ويقال بالفارسية: «إجراء أخوار» ، فهو وسائر الأجانب سواء فيضمن بالدفع إليه.
فأما الابن الكبير إذا لم يكن في عياله، والأب أو الأم إذا لم تكن في عياله، فدفع إليه ضمن، والابن الصغير إذا لم يكن في عياله فدفع إليه لا يضمن؛ لأن تدبيره إلى الأب، وإن لم يكن في عياله، ولكن يشترط أن يكون الصغير قادراً على الحفظ.
وفي حق الزوجة لا يشترط المساكنة والنفقة، حتى أن المرأة إذا كانت تسكن في محلة، والزوج يسكن في محلة أخرى، ولا ينفق عليها، فدفع الوديعة إليها، فلا ضمان، والزوجة في حق هذا الحكم بمنزلة الابن الصغير للمعنى الذي ذكرنا، ولو دفعت المرأة الوديعة إلى زوجها فلا ضمان، وإن لم يكن الزوج في عيالها؛ لأنه يسكن معها.
стр. 2150
والعبرة في هذا الباب للمساكنة إلا في حق الزوجة والولد الصغير، للمعنى الذي ذكرنا في المسألة المتقدمة؛ لا للنفقة؛ ألا ترى أنه إذا دفع الوديعة إلى ابنه الكبير الذي يسكن معه، ويترك المنزل عليه، فإنه لا يضمن، وإن لم يكن الابن في نفقته.f
ولو كان له امرأتان، ولكل واحدة منهما ابن من غيره يسكن معها، فهما في عياله لا يضمن بدفع الوديعة إلى ابنيهما، وإذا دفع الوديعة إلى من ليس في عياله؛ إن كان الدفع لضرورة بأن احترق بيت المودع فأخرجها من بيته، ودفعها إلى جاره، فلا ضمان عليه في هذا، وما يشبه هذا استحساناً.
وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصلح: إذا وقع في بيت المودع حريق، فإن أمكنه أن يناولها من في عياله، فناولها أحنبياً ضمن، وإن كان لا يجد بداً من الدفع إلى الأجنبي لا يضمن.
وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الصلح أيضاً: الحريق إذا كان غالباً، وقد أحاط منزل المودع إذا تناول الوديعة جاز أنه لا يضمن استحساناً، وإن لم يكن أحاط بمنزل المودع ضمن هذا إذا كان الدفع لضرورة، وإن كان الدفع لغير ضرورة، فهلك في يد الثاني؛ إن هلك قبل أن يفارق الأول الثاني، فلا ضمان على أحد بلا خلاف، وإن هلك بعدما فارقه الأول، فالأول يضمن بلا خلاف، وأما الثاني ففيه خلاف على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة لا يضمن؛ لأن بهذا الدفع صار المال أمانة في يد الثاني؛ لأن للأول أن يحفظ الوديعة بيد الثاني بحضرته، ولهذا لو هلكت في يد الثاني قبل أن يفارقه الأول؛ لا ضمان على واحد منهما، فهو معنى قولنا: إن المال حصل أمانة في يد الثاني، والأمانة لا تضمن بدون التعدي، ولم يوجد من الثاني التعدي، إنما وجد من الأول حيث فارقه.
فإن ادعى المودع الضرورة بأن ادعى أنه وقع الحريق في بيته؛ ذكر «القدوري» : أنه لا يصدق إلا ببينته في قول أبي يوسف، وهو قياس قول أبي حنيفة.
وذكر في «المنتقى» : أنه إن علم أنه قد احترق بيته قبل قوله، وإن لم يعلم لا يقبل قوله إلا ببينته، وفي «القدوري» يقول: إذا حفظ الوديعة في حرز ليس فيه ماله يضمن، والمراد منه حرز غيره؛ لأن الحرز في يد ذلك الغير، فصار الوضع في الحرز كالتسليم إلى ذلك الغير؛ أما إذا استأجر حرزاً لنفسه، وحفظ فيه لم يضمن، وإن لم يكن فيه ماله؛ لأنه بمنزلة بيته.
وسئل نجم الدين: عن خفَّافٍ خرج إلى القرى للاكتساب، فأعطاه رجل خفاً ليصلحه، فوضعه مع رحله في داره، ودخل البلدة، فسرق الخف، قال: إن كان اتخذ داراً ليسكن بأي وجه كان فلا ضمان، وإن كان وضعه في دار رجل لا يسكن هو معه في تلك الدار فهو ضامن؛ لأنه أودع الأمانة أجنبياً من غير ضرورة.
وإذا كان عند امرأة وديعة حضرتها الوفاة فدفعتها إلى جارة لها، فهلكت عندها، فإن لم يكن وقت وفاتها بحضرتها أحد من عيالها فلا ضمان؛ لأنها دفعت الوديعة إلى الأجنبية لضرورة.
стр. 2151
في «فتاوى أبي الليث» وفي هذا الموضع أيضاً: إذا أجر المودع شيئاً من داره من إنسان، ودفع الوديعة إلى هذا المستأجر، فهذا على وجهين: أما إن كان لكل واحد منهما أعني الآجر والمستأجر غلق على حدة، وفي هذا الوجه عليه الضمان؛ لأنه ليس في عياله، ولا بمنزلة من في عياله، وإن لم يكن لكل واحد منهما غلق على حدة، وكل واحد منهما يدخل على صاحبه بغير حشمة فلا ضمان؛ لأنه بمنزلة من في عياله.
وفي هذا الموضع أيضاً: رجل غاب وخلف امرأة، وفي منزله الذي فيه ودائع الناس، ثم رجع وطلب الوديعة، فلم يجدها، فإن كانت المرأة أمينة فلا ضمان على الزوج، وإن كانت غير أمينة، وعلم الزوج بذلك، مع هذا ترك الوديعة فهو ضامن، وعن هذه المسألة قالوا: «ثم بان ثم خونست» فذهب الغلام بودائع الناس، «فالتواكه يتم بأن ضامن شرد» علم أن غلامه سارق، وليس بأمين.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا أودع رجل رجلاً ألف درهم، وقال له: أخبئها في بيتك هذا فخبأها في بيت آخر من داره تلك لا يضمن استحساناً؛ لأنه إنما يراعى من الشروط ما يفيد، وهذا الشرط لا يفيد.
ألا ترى أنه لو قال له: أخبئها في هذا الصندوق الذي في بيتك، فخبأها في صندوق آخر في بيته فضاع لا ضمان، وإن قال: أخبئها في هذه الدار، فخبأها في دار أخرى في محلة أخرى، أو في تلك المحلة، فهو ضامن، وإن كانت الثانية أحرز من الأولى هكذا ذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الوديعة وذلك إذا قال: أخبئها في هذه الدار، ولا تخبئها في الدار الأخرى، وفي «شرح الطحاوي» إذا كانت الدار التي خبأها فيها في الحرز على السواء (١٢٦ب٢) أو كانت هي أحرز، فلا ضمان عليه سواء نهاه عن الخباء فيها (أو لم يفعل)
وفي «نوادر هشام» عن محمد؛ إن كانت الدار الثانية أحرز فلا ضمان، ولم يذكر محمد في مسألة البيتين ما إذا قال: أخبئها في هذا البيت، ولا تخبئها في هذا البيت، فخبأها في هذا البيت المنهي عنه، وذكر شيخ الإسلام في كتاب الوكالة في باب وكالة الصبي أنه يضمن، وفي «شرح الطحاوي:» إن كان البيت الآخر أحرز من المنهي عنه يضمن، وما لا فلا، والجواب في المصرين نظير الجواب في الدارين.
إذا قال للمودع: احفظ الوديعة بيدك، فلا تضعها ليلاً ولا نهاراً، فوضعها وهلكت، فلا ضمان، وإن كان هذا شرطاً مفيداً؛ لأنه لا يمكن اعتباره إذا قال له: احفظ في هذا المصر، أو قال له: لا تخرجها عن هذا المصر، فسافر بها؛ إن كان سفراً له منه بد ضمن، وإن كان سفراً لا بد له منه؛ إن أمكنه حفظ الوديعة في المصر الذي أمر بالحفظ فيها مع السفر بأن كان ترك عبداً له في المصر المأمور به، أو بعض من في عياله، فإذا سافر بها والحالة هذه ضمن؛ لأنه خالف شرطاً مفيداً من غير عذر، وإن لم يمكنه ذلك فسافر، فلا ضمان؛ هذا إذا عين عليه مكان الحفظ، وإن لم يعين عليه مكان الحفظ، ولم ينهه عن الإخراج عن المصر؛ بل أمره بالحفظ مطلقاً، فسافر بها؛ إن كان الطريق مخوفاً يضمن بالإجماع.
стр. 2152
وإن كان الطريق أميناً إن كانت الوديعة شيئاً لا حمل لها ولا مؤنة فلا ضمان؛ لأن الطريق إذا كان آمناً كان صالحاً للحفظ فيه قد حفظ الوديعة في مكان صالح للحفظ، والأمر بالحفظ مطلق، فيدخل هذا النوع من الحفظ تحته.
فإذا كانت الوديعة شيئاً له حمل ومؤنة، إن كان لا بد له من المسافرة بها، بأن كان عجز عن الحفظ في المصر الذي أودعه فيه، فإنه لا يضمن عندهم جميعاً، فأما إذا كان له بد من المسافرة بها، فعلى قول أبي حنيفة: لا ضمان؛ قربت المسافة أو بعدت، وعند محمد يضمن قربت المسافة أو بعدت؛ لأن الأمر بالحفظ يقبل بمكان الوديعة عرفاً وعادة إذا كانت الوديعة شيئاً لها حمل ومؤنة حتى لا يلزم صاحب الوديعة الحمل والمؤنة، وعلى قول أبي يوسف: إن قربت المسافة فلا ضمان، وإن بعدت فهو ضامن.
وإذا دفع الرجل إلى غيره وديعة، وقال له: لا تدفعها إلى امرأتك، فإني أتهمها، أو قال: إلى ابنك، أو قال: إلى عبدك، وما أشبه ذلك، فدفع إليه، فإن كان لا يجد المودع بداً من الدفع إليه بأن لم يكن عيال سواه؛ لم يضمن بالدفع إليه، وإن كان يجد بداً منه فهو ضامن؛ لأنه خالف شرطاً مفيداً؛ لأن من في عياله قد يتفاوتون في الحفظ، ولا ضرورة له في ذلك.
المودع إذا وضع الوديعة في حانوته، فقال صاحبها: لا تضعها في الحانوت، فإنه مخوف، فتركها فيه حتى سرق ليلاً، فهذا على وجهين إن لم يكن له موضع آخر أحرز من الحانوت لا يضمن، وإن كان له موضع آخر أحرز من الحانوت فهو ضامن إذا كان قادراً على الملك.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل دفع إلى رجل مرّاً وقال: اسق به أرضي، ولا تسقِ أرض غيري، فسقى الرجل أرض الآمر، ثم سقى أرض غيره، فضاع المرّ، فهذا على وجهين: إما إن ضاع قبل أن يفرغ من السقي الثاني، أو بعدما فرغ، ففي الوجه الأول يضمن؛ لأنه مودع مخالف، وفي الوجه الثاني لا؛ لأن الساقي أجير أو معين، وكيف ما كان فالمر غير مستأجر ولا مستعار، فإنما هو وديعة، فإذا سقى به أرض غيره، وصار مخالفاً، فإذا هلك قبل أن يفرغ من السقي، فقد هلك في حالة الخلاف، وإذا ترك الاستعمال عاد إلى الوفاق، فيخرج عن الضمان، وحكم الرهن كالوديعة، هذه الجملة في «فتاوى الفضلي» .
وسئل أبو بكر عن أكار لإمرأة قالت له: لا تطرح أنزالي في منزلك، وهو يطرح في منزله في جناية، فهرب من منزله، فرفع السلطان ما كان في منزله؛ قال: إن كان منزله قريباً من موضع البيدر فلا ضمان عليه؛ لأن حجرها ليس بمعتبر؛ لأن حفظ الكدس وتحصينها كان على الأكار، وقد طرحها في موضع أحسن من البيدر، وأخف مؤنة، فلا يكون ضامناً.
سئل الفقيه أبو بكر: إذا قال المضيع للتاجر: ضعها في هذا العدل وأشار إليها،
стр. 2153
فوضعها في الحقيبة؛ قال: لا يضمن وضع الكتاب في يد متوسط، وأمره بأن يسلم الصك إلى غريمه؛ إن دفع الدراهم إليه قبل مضي ثلاثة أشهر، فلم يدفع إليه إلا بعد مضي سنة فجاء الطالب يريد أن يسترد الصك منه؛ قال: إن علم إيفاء حقه قبل المدة أو بعدها؛ يدفع المتوسط الصك إلى المطلوب دون الطالب.
وقال محمد ﵀: في ثلاثة نفر أودعوا رجلاً مالاً، وقالوا: لا تدفع إلى أحد منا حتى نجتمع، فدفع نصيب واحد منهم إليه، قال: ضمن قياساً وبه أخذ أبو حنيفة ﵃، ولم يضمن استحساناً، وبه أخذ أبو يوسف ﵀.
الفصل الرابع فيما يكون تضييعاً للوديعة، وما لا يكون، ومايضمن به المودع، وما لا يضمن
إذا قال المودع: سقطت الوديعة مني أو قال بالفارسية: «بينتاد ازمز» لا يضمن، ولو قال: أسقطت، أو قال بالفارسية: «بيكندم» يضمن؛ هكذا ذكر الفقيه أبو الليث في «فتاويه» ، وينبغي أن لا يضمن بمجرد قوله: «بيكندم» ، أو أسقطت؛ لأن نفس الإسقاط ليس يصلح موجباً للضمان.
ألا ترى أنه لو سقط ثم رفع، أو لم يرفع، ولكن لم يبرح عن ذلك المكان لا يضمن؛ إنما يضمن بالإسقاط، والذهاب عن ذلك الموضع والترك هناك والإسقاط في موضع يضيع كما في الماء، ونحو ذلك يكون ذلك تضييعاً، والذي يؤيد هذا الإشكال أن المودع إذا دفع الوديعة إلى من ليس في عياله، وهلكت الوديعة في يد الثاني قبل أن يفارقه الأول، فإنه لا يضمن الأول بلا خلاف، وإنما يجب عليه الضمان؛ لأن مجرد الإيداع ليس بتضييع، وإنما التضييع الذهاب وترك الحفظ، ولم يوجد بعد. والذي يؤيده أيضاً ما ذكر في «المنتقى» : إذا قال الرجل لقوم: اشهدوا أن فلاناً أودعني كذا وكذا، وإني قد بعت ذلك، وقبضت ثمنه، أو قال له المودع: ما فعلت بوديعتي؟ فقال: بعتها، وقبضت الثمن؛ لا يضمن بذلك ما لم يقل: دفعتها؛ لأن مجرد البيع ليس سبباً للضمان، فكذلك في مسألتنا ينبغي أن لا يجب الضمان بمجرد قوله أسقطت، بل يشترط مع ذلك أن يقول: أسقطت وتركت، أو يقول: أسقطت وذهبت، أو يقول: أسقطت في الماء، أو ما أشبه ذلك.
وفي «فتاوى أبي الليث» : سوقي قام من حانوته إلى الصلاة، وفي حانوته ودائع، فضاع شيء منها لا ضمان عليه؛ لأنه غير مضيع لما في حانوته؛ لأن جيرانه يحفظون هذا إيداعاً من الجيران؛ ليقال: ليس للمودع أن يودع؛ لكن بهذا مودع لم يضيع، وذكر الصدر الشهيد في آخر كتاب الغصب مسألة تدل على الضمان ههنا فتأمل عند الفتوى.
وفي «فتاوى أبي الليث» ولو أن المودع (١٢٧أ٢) قال: وضعت الوديعة من يدي،
стр. 2154
فقمت ونسيتها فضاعت يضمن؛ لأن نسيانه تضييع، ولو قال: وضعت بين يدي في داري والمسألة بحالها ينظر؛ إن كان مالاً لا يحفظ في عرصة الدار، وعرصة الدار لا تعد حرزاً له كصرة الذهب ونحوه، فكذلك. ولو قال: دفنت في داري، أو في كرمي، ونسيت موضعها؛ لم يضمن إذا كان للدار والكرم باب؛ لأنه ليس بمضيع، وإن قال: دفنت في موضع آخر ونسيت مكانها يضمن؛ لأنه تضييع، وكذلك تبين مكان الدفن؛ لكن سرقت الوديعة من المكان المدفون فيه، وإن كان للدار والكرم باب لم يضمن، وإن لم يكن لها باب يضمن.
وفي أول هذا الكتاب إذا وضع الوديعة في مكان حصين فنسي اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يضمن، وقال بعضهم: لا يضمن؛ قال الصدر الشهيد: والمختار أنه إذا قال: وضعت في داري، فنسيت المكان لا يضمن؛ لأن له أن يضع في داره، وإن قال: لا أدري وضعت في داري أو في موضع آخر يضمن؛ لأنه لا يدري أنه وضع في موضع له ولاية الوضع، وقد قيل: إذا كانت الوديعة مدفونة في الدار، وفي الكرم لا يشترط أن يكون لهما باب.
ألا ترى أنه لو سرق المدفون في المغارة يقطع، وإذا لم تكن مدفونة لكن كانت موضوعة؛ إن كانت موضوعة في موضع لا يدخل فيه عليه أحد إلا باستئذان؛ لا يضمن وإن لم يكن له باب.
المودع إذا وضع الوديعة في الجبانة، فسرقت الوديعة ضمن؛ لأنه ضيعها، فإن توجهت السراق نحو المودع، فدفن الوديعة في الجبانة حتى لا تؤخذ من يده، وفر من خوفهم، ثم جاء فلم يظفر بالمكان الذي دفن الوديعة فيه؛ إن أمكنه أن يجعل له علامة، فلم يفعل ضمن، وإن لم يمكنه أن يجعل لذلك علامة، وأمكنه العود بأقرب الأوقات بعد زوال الخوف، فلم يعد وأخرّ ثم جاء فلم يجد الوديعة كان ضامناً، وإن كان رب الوديعة معه يذهبان جملة، فلما تواجد السراق قال له رب الوديعة: ادفنها فدفنها، ثم ذهب السراق، وذهبوا أيضاً بعد ذلك، أو ذهبوا أولاً ثم ذهب السراق، ثم حضروا، فلم يجدوا المدفون؛ لا شك أن المودع لا يكون ضامناً في هذه الصور حيث دفن بأمر المالك.
وأما إذا كان المودع وحده، والمسألة بحالها فالجواب فيه على التفصيل؛ إن ذهب السراق أولاً وتمكن المودع من دفع الوديعة فلم يدفع، وترك ثمة مع الإمكان، فهو ضامن، وأما إذا مكث االسراق ثمة، ولم يمكنه الفرار ثمة، فذهب ثم جاء فلم يجد، فهذا على وجهين: إن جاء على فور ما أمكنه، وزال الخوف فلم يجد لا يكون ضامناً، وإن أخرّ مع الإمكان كان ضامناً استدلالاً بمسألة ذكرها في كتاب الغصب والضمان.
في «فتاوى أهل سمرقند» : أن السفينة إذا خيف غرقها، فرفعوا بعض الحمولات، ووضعوه في ناحية، فضاع شيء من ذلك؛ إن ضاع قبل زوال الخوف لا يكون الرافع ضامناً، وإن ضاع بعد زوال الخوف كان ضامناً؛ لأنه لما زال الخوف وجب عليه إعادتها إلى السفينة، فحيث أخر وقصر كان ضامناً، كذا ههنا.
стр. 2155
الوديعة إذا أفسدتها الفأرة، وقد اطلع المودع على ثقب معروف؛ إن كان أخبر صاحب الوديعة أن ههنا ثقب الفأرة فلا ضمان، وإن لم يخبر بعدما اطلع عليه، ولم يسده ضمن؛ لأنه ضيعها.
وفي «مجموع النوازل» : سئل نجم الدين عمن دفع خفاً إلى خفَّاف ليصلحه، فتركه الخفاف في حانوته، فسرق ليلاً؛ هل يضمن؟ قال: لا إن كان في الحانوت حافظ، أو في السوق حارس، وكان الشيخ الإمام الأجل ظهير الدين ﵀ يفتي بعدم الضمان، وإن لم يكن حافظ، ولا حارس، وقد قيل: يعتبر العرف إن كان العرف فيما بين الناس أنهم يتركون الأشياء في الحوانيت من غير حافظ فيها، ومن غير حارس في السوق، فلا ضمان، وإن كان العرف بخلافه يجب الضمان.
وكذلك قيل: لو ترك باب الدكان مفتوحاً وكان في موضع ذلك عرفهم وعادتهم لا ضمان، وفي بخارى أجري العرف بترك باب الدكان مفتوحاً باليوم، وتعليق شيء على باب الدكان نحو الشبكة وأشباه ذلك، والرواية محفوظة فيما ترك الحائك الثوب الذي ينسج بعضه، والغزل في بيت الطراز، ولم يكن هناك حافظ، ولا حارس في السوق أنه لا ضمان على الحائك.
وفي «فتاوى أبي الليث» : المودع إذا وضع الوديعة في الدار، وخرج والباب مفتوح، فجاء سارق ودخل الدار، وسرق الوديعة، فإن لم يكن في الدار أحد في موضع يسمع الحس؛ لأن هذا....
إذا ربط دابة الوديعة على باب داره وتركها ودخل الدار، فضاعت؛ إن كان بحيث يراها، فلا ضمان، وإن كان بحيث لا يراها ضمن؛ إن كان في المصر، وإن كان في القرى فلا ضمان؛ وهذا لأن العادة في حق أهل القرى أن النسوة يجلسن على باب دورهن فيحفظن ما على باب جارهن، فلم يكن مضيعاً، ولا كذلك في الأمصار، وإن ربطها في الكرم أو على رأس الفالة فذهب، فقد قيل: إن غابت عن بصره، فهو ضامن، وإن لم تغب عن بصره، فلا ضمان.
وقد قيل: إذا كان للكرم باب وحيطان فلا ضمان على كل حال، وقد قيل: يعتبر العرف؛ أو قد مر جنس هذا، المودع إذا جعل دراهم الوديعة في خفه، فسقطت عنه قبل أن يجعلها في الخف اليمنى، فهو ضامن، وإن جعلها في الخف اليسرى فلا ضمان، وقيل: لا ضمان على كل حال؛ لأن العادة جرت بجعل الناس أموالهم في خفافهم، ولا يميزون بين اليسرى واليمنى.
وكذلك إذا ربط دراهم الوديعة في طرف كمه، أو جعلها في الأذن أو في طرف العمامة فلا ضمان؛ لأن الناس في عاداتهم يفعلون كذلك بأموالهم، ويعدون ذلك حفظاً، وكذلك لو شد دراهم الوديعة على منديل، ووضع في كمه، فسرق منه فلا ضمان.
стр. 2156
في «فتاوى أبي الليث» : وإذا جعل الرجل دراهم الوديعة في جيبه، وحضر مجلس الفسق فسرق منه فلا ضمان؛ لأنه يحفظ ماله هكذا، ذكره في «فتاوى النسفي» ، وإن ظن أنه جعلها في جيبه، فإذا هي لم تدخل الجيب، فعليه الضمان.
إذا قال المودع: لا أدري أضيعت الوديعة، أو لم أضيع، يضمن، أو قال: لا أدري أضاعت الوديعة أو لم تضع، فلا ضمان؛ لأن في الوجه الأول لو تحقق ما يزعم يجب الضمان، وفي الوجه الثاني لا يجب.
في «فتاوى أهل سمرقند» : امرأة أودعت صبية من بنات سنة، واشتغلت بشيء فوقعت الصبية في الماء؛ لا ضمان عليها؛ فرق بين هذا وبين الغصب؛ هكذا ذكر المسألة في «فتاوى أبي الليث» ، وفي هذا الجواب نوع نظر، وينبغي إن لم تغب عن بصرها فلا ضمان، وإن غابت (١٢٧ب٢) عن بصرها فهي ضامنة.
إذا نام المودع وجعل الوديعة تحت رأسه، أو تحت جنبه فضاع، فلا ضمان عليه، وكذلك إذا وضعه بين يديه، وهو الصحيح، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب السرقة قالوا: إنما لا يجب الضمان في الفصل الثاني إذا نام قاعداً، أما إذا نام مضطجعاً فعليه الضمان، وقد مر شيء من هذا فيما تقدم، وهذا إذا كان في الحضر، أما إذا كان في السفر، فلا ضمان نام قاعداً أو مضطجعاً.
وفي «فتاوى أبي الليث» : سئل أبو القاسم عمن حمل ثياب الوديعة على دابته، فنزل عن دابته في بعض الطريق، ووضع الثياب تحت جنبه، فسرقت الثياب؛ قال: إن أراد به الترفق فهو ضامن، وإن أراد به الحفظ فلا ضمان، وإن كان مكان الثياب كيس فيه دراهم لم يضمن؛ لأنه لم يجعل ذلك بالدراهم إلا للحفظ.
وفيه أيضاً: إذا كانت الوديعة شيئاً يخاف عليه الفساد، وصاحب الوديعة غائب، فإن رفع المودع الأمر إلى القاضي حتى يبيعه جاز، وهو الأولى، وإن لم يرفع حتى فسد لا ضمان عليه؛ لأن حفظ الوديعة على مقدار ما أمر به.
وفي «الجامع الأصغر:» سئل أبو القاسم عمن عنده وديعة، فرفعها رجل، فلم يمنعه المودع؛ قال: إن أمكنه منعه ودفعه ولم يفعل فهو ضامن، وإن لم يمكنه ذلك لما أنه يخاف من دعاء وضربه فلا ضمان، وذكر شيخ الإسلام في أول وصايا «الجامع:» المودع إذا دل إنساناً على أخذ الوديعة إنما يضمن المودع إذا لم يمنع المدلول من الأخذ حالة الأخذ؛ أما إذا منعه فلا ضمان عليه.
وفي «فتاوى النسفي» : سئل عن مودع ربط سلسلة باب خزانته في الخان بحبل، ولم يقفله، وخرج فسرقت الوديعة؛ قال: إن عد هذا إغفالاً وإهمالاً لا يضمن، وما لا فلا.
وفي «فتاوى الفضلي» : سئل عمن خرج إلى الجمعة، وترك باب حانوته مفتوحاً، وأجلس على باب الدكان ابناً صغيراً، وفي الحانوت ودائع الناس، فسرقت الودائع؛ قال: إن كان الصبي ممن يعقل الحفظ، ويحفظ الأشياء لم يضمن، وإلا فهو ضامن.
وفيه أيضاً: سئل عن مودع غاب عن بيته، فقال له أجنبي: لي في بيتك شيء،
стр. 2157
وأخذ منه المفتاح، فلما رجع إلى بيته لم يجد الوديعة؛ قال: لا ضمان عليه، قيل له: بدفع المفتاح إلى الأجنبي لا يصير عاطياً البيت بما فيه في يده. قال: لا.
وسئل أبو جعفر عرفاً في حانوته وديعة رجل أخذ سلطاني الوديعة من حانوته لنائبه ورهنه عند رجل؛ قال: إن كان المرتهن طائعاً في الارتهان فلصاحب الوديعة أن يضمن السلطاني إن شاء، وإن شاء ضمن المرتهن، ولا ضمان على الجابي إن كان لا يقدر على تمنيع السلطاني، وينبني على هذا الجابي الذي يقال بالفارسية: «باي كار» إذا أخذ شيئاً من بيت إنسان رهناً، وهو طائع يضمن، وكذا إذا أخذ الجباية دراهم وهو طائع يضمن، وكذا الصراف إذا كان طائعاً في أخذ الدراهم يضمن، ويصير الجابي والصراف مجروحين في الشهادة.s
وسئل نجم الدين: عمن عنده وديعة إنسان، وهي ثياب ملفوفة في لفاف، فوضعها تحت رأس ضيف له بالليل كالوسادة، ثم رمى على صاحبها كان كذا وكذا ثوباً، وقد ذهب بعضها؛ قال: ما لم يثبت أنها كانت كذا وكذا، وقد ضاعت منها كذا تلك الليلة، فوضعها تحت رأس الضيف لا يمكن إيجاب الضمان، وبعدما ثبت ذلك لا يمكن إيجاب الضمان بمجرد الوضع تحت رأس الضيف ما دام المودع حاضراً؛ لأنه إذا كان حاضراً، فهو حافظ لها، وليس بمضيع، فإذا غاب الآن يصير ضامناً؛ لأنه ترك حفظها.
وفي «فتاوى أبي الليث» : رجل أودع رجلاً زنبيلاً فيه آلات النجارين، ثم جاء واسترده، وادعى أنه كان فيه قدوماً قد ذهب منه، فقال المودع: قبضت منك الزنبيل، ولا أدري ما فيه، فلا ضمان على المودع، ولا يمين عليه أيضاً؛ لأنه لا يدعي عليه صنعاً
وكذلك إذا كان أودع عند رجل دراهم في كيس، ولم يزن على المودع، ثم ادعى أنه أكثر من ذلك، وقال المودع: قد قبضت الكيس، ولا أدري كم كان فيه فلا ضمان عليه، ولا يمين لما قلنا، قيل: وينبغي أن يحلف، فإن محمداً ﵀ يقول: القول قول الغاصب، والمودع في المقدار مع يمينه.
إذا كانت المرأة تغسل ثياب الناس، فغسلت ثوباً لرجل، وعلقته على حصن سطحها، للتجفيف، فطار الثوب من الجانب الآخر، قيل: هي ضامنة، وقيل على قياس مسألة الطاحونة إذا لم يكن الحصن مرتفعاً تضمن.
في «المنتقى» بشر عن أبي يوسف: إذا جحد الوديعة في وجه عدو يخاف عليها التلف؛ إن أقر ثم هلكت لا يضمنها؛ قال: لأن الجحود في هذه الصورة جهة من جهات الحفظ كذا وقع في بعض نسخ «الكتاب» ، ووقع في بعضها، إذا جحد الوديعة ثم أقر بها، ثم هلكت لم يضمنها.
وفي هذا الكتاب أيضاً رواية الحسن بن زياد عن أبي يوسف: إذا جحد الوديعة في وجه صاحبها يضمن، وإن جحدها لا في وجهه لا يضمن.
وفي «النوادر» عن محمد: أنه لا ضمان إذا لم يواجه صاحبها بالجحود، وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب الوديعة: إذا جحد الوديعة في وجه المالك لا بناء
стр. 2158
اً على طلب المالك بأن قال له المالك: ما حال وديعتي ليشكره على الحفظ، فقال: ليس لك عندي وديعة، فلا ضمان في قول أبي يوسف؛ هذا كله في المنقول.
وأما إذا جحد الوديعة في العقار ذكر شمس الأئمة هذا في «شرحه» أنه لا ضمان في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف الآخر في جميع الوجوه؛ لأن جحود الوديعة بمنزلة الغصب، ومن المشايخ من قال: العقار يضمن بالجحود بلا خلاف؛ قال شمس الأئمة الحلواني في ضمان الجحود، وفي العقار عن أبي حنيفة روايتان.
وفيه أيضاً بشر عن أبي يوسف: رجل استودع رجلاً وديعة فجحدها إياه، ثم أخرجها بعينها، وأقر بها، وقال لصاحبها: اقبضها، فقال صاحبها: دعها وديعة عندك، فضاعت بعد ذلك؛ قال: إن تركها عنده، وهو قادر على أخذها إن شاء فهو بريء، وهي وديعة عنده، وإن كان لا يقدر على أخذها فهو على الضمان الأول؛ يعني به الضمان الثابت بالجحود، فإن الوديعة دخلت في ضمانه، وكذلك إذا قال: اعمل به مضاربة.
في «المنتقى» بشر عن أبي يوسف: إذا قال المودع لصاحب الوديعة وهبت مالي الوديعة وأنكر صاحبها ذلك، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يجحدها، وإن طلبها صاحبها فمنعها عنه؛ ضمن بالمنع.
أودع طستاً عند غيره، فوضع المودع الطست على رأس التنور في بيته، فوقع عليه شيء، فانكسر، فالجواب فيه على التفصيل؛ إن كان وضعه على رأس التنور يغطي به التنور يضمن، وإن كان وضعه كما يوضع في العادة لا لأجل التغطية لا يضمن؛ لأن في الوجه الأول مستعمل، وفي الوجه الثاني لا.
ومن هذا الجنس أودع عند رجل طبقاً؛ فوضع المودع الطبق على رأس الجب، فضاع؛ إن كان الوضع (لا) على وجه الاستعمال لا يضمن.
وطريق معرفة ذلك: أن ينكر أن كان في الجب شيء نحو الماء، والدقيق، أو نحو ذلك مما يغطى رأس الجب لأجله؛ كان استعمالاً، وإن كان خالياً أو كان فيه شيء لا يغطى رأس الجب لأجله لم يكن استعمالاً، وإذا أخذت المرأة ثوب الوديعة، وسترت العجين فهي ضامنة، وهذا استعمال وليس بحفظ.
في «العيون» : الدابة المودعة إذا أصابها شيء، فأمر المودع إنساناً أن يعالجها فعطبت من ذلك (١٢٨أ٢) فصاحب الدابة بالخيار؛ يضمن أيهما شاء، فإن ضمن المستودع لم يرجع هو على الذي عالجها؛ لأنه تبين أنه عالج دابته بأمره، وإن ضمن الذي عالجها هل يرجع هو على المستودع؟.
فالمسألة على ثلاثة أوجه: إما أنه علم أنه دابة المودع، أو لم يكن علم أنها لغيره، أو علم أنها لغيره بأن أخبره أنها ليست بدابتي، ولم أؤمر فيها بهذا.
ففي الوجه الأول: يرجع؛ لأن الأمر قد صح فانتقل الفعل إليه.
وفي الوجه الثاني: كذلك فرق بين هذا، وبين مسألة حفر البئر في الحائط على ما مر ذكرها في كتاب الغصب.
стр. 2159
والفرق: أن موضوع تلك المسألة في الدار، والدار إذا لم يكن الآمر ساكناً فيها؛ لا يعرف أنها في يده لجواز أنها في يد غيره، وانعدم دليل الملك؛ أما الدابة منقولة، واليد على المنقول لا تثبت إلا بالنقل، وإذا لم يوجد النقل من الغير علم أنها ليست في يد الغير، فكان في يد المستودع واليد دليل الملك.
وفي الوجه الثالث: لا يرجع؛ لأن الآمر لا يصح المودع إذا بعث الحمار أو البقر إلى السرح يعتبر في ذلك العرف، والعادة.
الفصل الخامس في تجهيل الوديعة
إذا مات المودع مجهلاً للوديعة ضمنها؛ إما لأن ما بعد الموت حال أخذ الورثة جميع ما كان في يده؛ لأن ظاهر اليد تدل على الملك إلا إن ثبت خلافه ولم يثبت، والمودع يضمن بمثل هذا التمكين؛ وإما لأنه التزم أداء الأمانة، ومن أداء الأمانة الرد عند طلب المالك يضمن كذلك، والبيان عند الموت، ولو ترك الرد عند طلب المالك يضمن، فكذا إذا ترك البيان عند الموت؛ وإما لأنه خلط الوديعة بماله على وجه لا يمكن التمييز، ومثل هذا الخلط يوجب الضمان كما في حالة الحياة، ثم إن المودع إنما يضمن بالتجهل عند الموت إذا لم يعرف الورثة الوديعة بعينها؛ أما إذا عرفت فلا؛ لأن ما ذكرنا من المعاني لا يتأتى إذا عرفت الورثة الوديعة بعينها.
وفي «الأصل» : رجلان جاءا إلى رجل فقال كل واحد منهما: أودعتك هذه الوديعة، فقال المودع: لا أدري أيكما استودعني هذه الوديعة، ولكني أعلم أنها لأحدكما، وليس لواحد منكما على ذلك بينة، فعليه أن يحلف لكل واحد منهما ما أودعه هذه الوديعة بعينها، والمسألة معروفة في كتاب الإقرار، وغرض محمد من إيراد هذه المسألة في كتاب الوديعة بيان حكم الضمان بسبب التجهيل، فقال: إذا أبى أن يحلف لهما، فالقاضي يدفع الوديعة إليهما، ويضمنه قيمة الوديعة بينهما؛ لأنه صار مجهلاً في حق كل واحد منهما، فيصير ضامناً.
وفي كتاب «الأجناس» : إن الأمانات بالموت تنقلب مضمونة إذا لم يبينها؛ إلا في ثلاث مواضع:
أحدها: متولي الأوقاف إذا مات، ولا يعرف حال عليها التي أخذها ولم يبينها، فلا ضمان عليه، وأحاله إلى وقف حلال.
الثاني: السلطان إذا خرج إلى الغزو فغنموا، وأودع بعض الغنيمة إلى بعض الغانمين ومات، ولم يبين عند من أودع لا ضمان عليه، وأحاله إلى «السير الكبير» .
الثالث: أحد المتفاوضين إذا مات وفي يده مال الشركة ولم يبين؛ لا ضمان عليه، وأحاله إلى شركة «الأصل» .
стр. 2160
وفي «الواقعات» : القاضي إذا قبض أموال اليتامى، ولم يبين، فهذا على وجهين: إن وضعه في بيته، ولا يدري أين المال ضمن؛ لأنه مودع مات مجهلاً، وإن دفعها إلى قوم، ولا يتبينهم ولا يدري إلى من دفعها فلا ضمان؛ لأن القاضي ههنا ليس بمودع؛ إنما المودع غيره، وذلك الغير على حاله لم يمت فضلاً من الموت مجهلاً.
وفي «الهاروني» : لو أن المستودع لم يمت، ولكن جن جنوناً مطبقاً، وله أموال، فطلبت الوديعة، فلم توجد، وقد آيسوا أن يرجع إليه عقله؛ كانت ديناً عليه في ماله، ويجعل له القاضي ولياً ليقبضها من ماله، ويأخذ بها قيمة الذي يدفع إليه، فإن أفاق المستودع بعد ذلك وقال: ضاعت الوديعة، أو قال: رددتها عليه، وحلف على ذلك رجع بها على الذي دفعها إليه.
وفي «الأجناس» : لو كان المستودع دفع الوديعة إلى امرأته، وقد علم ذلك، ثم مات المستودع أخذت المرأة بها، فإن قالت المرأة: قد ضاعت، أو قالت: قد سرقت، فالقول قولها مع يمينها، ولا ضمان عليها، ولا يصير ديناً على الميت، وإن كان الميت ترك مالاً صارت الألف ديناً فيما ورثت المرأة من الزوج؛ لأنها لما زعمت أنه دفعها إليه، فقد زعمت أنها صارت مضمونة عليه بموته تجهلاً، وزعمها حجة في حقها، وإن لم يعلم أنه دفعها إلى امرأته إلا بقوله بأن قيل له قبل أن يموت: ما فعلت بالألف التي أودعكها فلان، فقال: دفعتها إلى امرأتي، ثم مات، ثم سئلت المرأة فأنكرت أن يكون دفعها إليها، فإنها تحلف ولا شيء عليها، وإن كان الميت ترك مالاً فهي دين فيما ورثت المرأة منها؛ لأنها حين قالت: لم يودعني فقد زعمت أنها عنده على ما ادعى وإنها صارت ديناً عليه، والدين مقدم على الميراث، وزعمها معتبر في حقها.
وفيه أيضاً: إذا قال المضارب قبل أن يموت أودعت مال المضاربة فلاناً الصيرفي، ثم مات، فلا شيء عليه، ولا على ورثة الميت، وإن مات الصيرفي قبل أن يقول شيئاً، ولا يعلم أن المضارب دفعها إلى الصيرفي إلا بقوله: ... على الصيرفي، وإن دفعها إلى الصيرفي ببينته، أو إقرار من الصيرفي، ثم مات المضارب، ثم مات الصيرفي، ولم يبينها كانت ديناً في مال الصيرفي، ولا شيء على المستودع، وإن مات المضارب والصيرفي حيٌّ فقال الصيرفي: رددتها عليه في حقوقه كان القول قوله، ويحلف، ولا ضمان عليه، ولا على الميت، وإن أودع جارية فمات المستودع ولم يبينها، ثم رأوها حية بعد موته، فلا ضمان على المستودع، وإن لم يروها بعد موته فقالت ورثته قد رددناه عليه في حياته أو دبر موته، لا يقبل قولهم في شيء من ذلك؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم الضمان، وتصير قيمتها آخر ما رأوها حية عنده ديناً في ماله، وكذلك العارية والإجارة.
في «الأجناس» أيضاً وفي «النوازل» : إذا مات المستودع فقالت ورثته: قد رد الوديعة في حياته لم يقبل قولهم، والضمان واجب في مال الميت؛ لأنه مات مجهلاً، فإن
стр. 2161
أقام الورثة البينة على إقرار الميت أنه قال في حياته: رددت الوديعة، فلا ضمان؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت عياناً، ولو عاينا إقرار المودع حال حياته بذلك، ثم مات لا ضمان عليه؛ كذا ههنا.
وفي «الواقعات» : إذا اختلف الطالب وورثة المودع في الوديعة، فقال الطالب: (١٢٨ب٢) قد مات ولم يبين، فصار ديناً في ماله، وقالت الورثة: كانت قائمة بعينها، ثم مات المودع، وكانت معروفة ثم هلكت بعد موته، فالقول قول الطالب هو الصحيح؛ لأن الوديعة صارت ديناً في التركة ظاهراً، والورثة يدعون أمراً بخلاف الظاهر، والطالب متمسك بما هو الظاهر.
وذكر في «الجامع الكبير» : مستودع قال لصاحب المال: قد قبضت بعض وديعتك ثم مات، وقال صاحب المال: لم أقبض شيئاً؛ قيل لصاحب المال: لا بد أن تقر بقبض شيء، وتحلف على ما بقي بالله ما قبضت منه ما قالت الورثة؛ لأن إقرار المستودع على صاحب الوديعة بالقبض جائز لكونه موقناً من جهته، فصار إقراره كإقرار صاحب الوديعة.
ألا ترى أن المستودع لو قال لصاحب الوديعة: قبضت جميع وديعتك جاز؛ كما لو أقر صاحب الوديعة بنفسه، ولو أقر صاحب الوديعة بقبض بعض الوديعة، ثم مات المستودع قيل له: بين؛ لأنه أقر بقبض شيء مجهول، فيرجع في البيان إليه، وإذا بين كان القول قوله في البيان كذلك ههنا، وعليه اليمين فيما يدعي الورثة من الزيادة؛ لأن ورثة المستودع صاروا ضامنين تجهيل المورث، والضامن إذا ادعى على صاحب الضمان زيادة قبض كان القول قول صاحب الضمان كما في الغاصب والمغصوب منه، وكذلك إذا قال رب الوديعة: قد قبضت بعض وديعتي، ثم مات المستودع، فالقول قول رب المال فيما قبض؛ لأنه أقر بقبض شيء مجهول، فيرجع في البيان إليه، ويكون القول قوله فيما وراء ذلك؛ لأنه منكر للقبض، والورثة ضامنون بسبب تجهيل المستودع، فكان القول قوله، وكذلك لو قال ذلك بعد موت المستودع؛ لأن المعنى يجمعهما.
في «المنتقى» : رجلان أودعا رجلاً ألف درهم، فمات المستودع، وترك ابناً، فإن ادعى أحد الرجلين أن الابن استهلك الوديعة بعد موت أبيه، وقال الآخر: لا أدري ما حالها، فالذي ادعى على الابن الاستهلاك أبرأ الابن منها حيث زعم أن أباه مات وتركها قائمة بعينها، فاستهلكها ابنه، وادعاء الضمان على الابن يصدق في حق الأب، ولم يصدق في حق الابن حتى لا يقضى له على الابن بشيء، فأما الآخر فله خمسمائة درهم في مال الميت لوجود التجهيل في حقه، ولا يشارك صاحبه فيها.
وفي «الجامع الكبير» : صبي ابن اثني عشر سنة يعقل البيع والشراء؛ وقبض الودائع لكنه محجور عليه؛ أودعه رجل ألف درهم فأدرك ومات ولم يدرِ ما حال الوديعة، فلا ضمان في ماله إلا أن يشهد الشهود أنه أدرك وهي في يده، والحكم في المعتوه نظير الحكم في الصبي إذا أفاق ثم مات، ولم يدرَ حال الوديعة؛ لا ضمان في ماله إلا أن يشهد الشهود أنه أفاق وهي في يده، وإن كان الصبي مأذوناً في التجارة والمسألة بحالها،
стр. 2162
فهو ضامن الوديعة، وإن لم يشهد الشهود أن الصبي أدرك، وهي في يده، ولو مات الصبي بعد البلوغ، ولا يدرى في أي حال هلكت الوديعة لا يقضى بوجوب الضمان، وكذلك في المعتوه إذا كان مأذوناً في التجارة.
ولو أن عبداً محجوراً عليه أودعه رجل، ثم أعتقه المولى، ثم مات ولم يبين الوديعة، فالوديعة دين في ماله، وإن مات وهو عبد فلا شيء على مولاه إلا أن يعرف الوديعة بعينها، فيرد على صاحبها، وإن أذن المولى في التجارة بعدما استودع، ثم مات، فلا ضمان إلا أن يشهد الشهود أنها كانت في يده بعد الإذن، فإذا شهد الشهود بذلك ثم مات وترك مالاً فالوديعة في ذلك المال.
في «المنتقى» : رجل أودع رجلاً بطيخاً أو عنباً وغاب، ثم مات المستودع، ثم قدم المودع بعد مدة يعلم أن تلك الوديعة لا تبقى إلى تلك المدة، فهي دين في مال الميت؛ لأنه لا يعلم باستيفائها بعد الميت، وهذا بناء على ما قلنا إن تجهيل الوديعة عند الموت سبب للضمان.
الفصل السادس في طلب الوديعة، والأمر بالدفع إلى الغير
في «فتاوى الفضلي» : إذا طلب صاحب الوديعة الوديعة، فقال المودع: اطلبها غداً، فلما كان من الغد قال المودع: ضاعت الوديعة، فالقاضي يسأله عن وقت الضياع متى ضاعت قبل قولك: اطلبها غداً، أو بعد ذلك؟ إن قال: قبل ذلك، فهو ضامن؛ لأنه متناقض؛ لأن قوله اطلبها غداً إقرار منه أنه ما ضاع، فإذا قال بعد ذلك: قد كان ضاعت قبل ذلك صار متناقضاً، وإن قال: بعد ذلك فلا ضمان؛ لأنه لا تناقض.
في «مجموع النوازل» : إذا جاء المودع إلى المودع يريد استرداد الوديعة، فقال المودع: لا يمكنني أن أحضرها هذه الساعة، فتركها ورجع فهذا ابتداء إيداع، قال ثمة: لما طلب رد الوديعة فقد عزله عن الحفظ، فخرج من أن يكون مودعاً، وبالترك عنده بعد ذلك صار مودعاً ابتداءاً.
وفيه أيضاً: إذا قال رب الوديعة للمودع: احمل إليَّ الوديعة اليوم، فقال: أفعل ولم يحملها إليه حتى مضى اليوم، وهلكت عنده بعد ذلك، فلا ضمان؛ لأنه لا يجب على المودع نقل الوديعة إلى صاحبها؛ بل مؤنة الرد على رب الوديعة.
وفيه أيضاً: سئل شيخ الإسلام عمن قال لمودعه: إذا جاءك أخي، فادفع إليه وديعتي التي عندك، فجاء أخوه، وطلب الوديعة، فقال المودع: عدْ إليَّ بعد ساعة لأدفعها، فلما عاد إليه قال: إنه قد كان هلك؛ يعني قبل مقالتي: عد إليَّ بعد ساعة، فهو ضامن لمكان التناقض، وهذه المسألة قريبة من المسألة المذكورة في أول هذا الفصل.
وفي «النوازل» : قال صاحب الوديعة للمودع في السر: من أخبرك بعلامة كذا،
стр. 2163
فادفعها إليه، فجاء رجل، وزعم أنه رسول المودع، وأتى بتلك العلامة، فلم يصدقه المودع، ولم يدفعها إليه حتى هلكت الوديعة، فلا ضمان؛ لأنه يتصور أن يأتي غير رسول المودع بتلك العلامة.
رسول المودع إذا جاء إلى المودع، وطلب الوديعة، فقال: لا أدفع إلا إلى الذي جاء بها، فلم يدفعه إليه حتى هلكت؛ ذكر شيخ الإسلام نجم الدين عمر النسفي أنه يضمن، وفيه نظر، فقد ذكر في الكتب في مواضع أن من جاء إلى المودع، وقال: إن فلاناً وكلني بقبض وديعته منك، فصدقه في دعوى الوكالة لا يؤمر بدفع الوديعة إليه، بخلاف ما إذا قال: وكلني بقبض ما له عليك من الدين وصدقه المديون في دعوى الوكالة، فإنه يجبر على دفع الدين إليه.
رجل بعث ثوباً إلى القصار على يدي تلميذه، ثم بعث إلى القصار أن لا تدفع الثوب إلى من جاءك، ينظر: إن كان الذي جاء بالثوب إلى القصار لم يقل للقصار: هذا ثوب فلان بعثه إليك؛ لا يضمن القصار بالدفع إليه، وإن قال: هذا ثوب فلان بعثه إليك، فإن كان الذي جاء بالثوب متصرفاً في أموره، فكذا (١٢٩أ٢) لا يضمن، وإن لم يكن متصرفاً في أموره يضمن بالدفع إليه هكذا قيل، وقد قيل: ينبغي أن يضمن، وإن كان متصرفاً في أموره؛ لأنه لما نهى القصار عن دفع الثوب إليه فقد عزله عن هذا النوع من التصرف، والأول أوجه؛ لأن العزل لا يصح من غير علم المعزول، وليس في وضع المسألة أن الذي جاء بالثوب علم بهذا النهي.
في «الأصل» : إذا أمر صاحب الوديعة المودع أن يدفعها إلى رجل بعينه، فقال: دفعتها، وقال ذلك الرجل: لم أقبضها، وقال رب الوديعة: لم يدفعها، فالقول قول المستودع، ولا ضمان على المدفوع إليه، ويعتبر قول المودع في حق براءته عن الضمان؛ لا في حق إيجاب الضمان على المدفوع إليه.
وفيه أيضاً: أودع رجل رجلاً دراهم، فجاء رجل وقال: أرسلني إليك صاحب الوديعة لتدفعها إليَّ، فدفعها إليه، فهلكت عنده، ثم جاء صاحبها، وأنكر ذلك، فالمستودع ضامن لها، وهل يرجع على الرسول بما ضمن؟ إن صدقه المودع في كونه رسولاً، ولم يشترط عليه الضمان لا يرجع، وإن كذبه في كونه رسولاً مع هذا دفع؛ لو لم يصدقه، ولم يكذبه مع هذا دفع، أو صدقه، ودفع إليه على الضمان رجع، ومعنى الضمان ههنا أن يقول المودع للرسول: أنا أعلم أنك رسول، ولكن لا آمن أن يحضر المالك، ويجحد الرسالة، ويضمنني، فهل أنت ضامن فيما تأخذ مني، فإذا قال: نعم، حصلت الكفالة بدين مستحب مضافاً إلى سبب الوجوب، وإنه جائز، فيرجع المودع على الرسول بحكم الكفالة.
وفي «المنتقى» ابن سماعة عن محمد: رجل أودع رجلاً ألف درهم، ثم قال: إني أمرت فلاناً بقبضها منك، ثم نهيته بمكاني عن ذلك، فقال المودع: فلان أتاني ودفعتها إليه، وقال فلان: لم آته، ولم أقبضها منه، قال المستودع بريء منها.
стр. 2164
وفي «الفتاوى» : سئل أبو بكر عن مودع طلب الوديعة من المستودع، وقد..... فقال المستودع: لا أصل إليها الساعة، فاعتبر على ملك التأخير وقال المستودع: أعتبر علي الوديعة أيضاً، قال: إن لم يقدر المستودع على ردها في تلك الحالة لبعدها أو لضيق الوقت، فلا ضمان، والقول قوله فيه، وإلا ضمن.
وفي «فتاوى النسفي» : أتى عبد رجل بوقر من الحنطة، إلى بيت رجل وهو غائب، فسلمها إلى امرأته، وقال: هذا وديعة مولاي بعثه إلى زوجك، وغابت، فلما أخبرت الزوج بذلك لامها على القبول، وأرسل إلى مولى العبد أن ابعث من يحمل هذا الوقر، فإني لا أقبله، فأجاب إنه يكون عندك أياماً، ثم أحمله، فلا تدفع ذلك إلى عبدي، ثم طلبه المولى، فقال: لا أدفعه إلا إلى العبد الذي حمل إلى بيتي ثم سرق الوقر، فقال: إن صدق صاحب البيت العبد بما قاله العبد ضمن بالمنع، وإن لم يصدقه، أو قال: لا أدري أهو لمولاه، أو هو غصب في يدي العبد، أو وديعة من غيره، وتوقف في الرد ليعلم ذلك لم يضمن بالمنع.
وفي «الفتاوى» : سئل أبو بكر عمن خاصم آخر بألف درهم، وأنكر الآخر، ثم أخرج المدعى عليه ألف درهم، ووضعه في يد إنسان حتى يأتي المدعي بالبينة، فلم يأتِ بالبينة، فاسترد المدعى عليه، فأبى أن يرد عليه، ثم أغاروا على الناحية، ورهنوا بالألف هل يضمن قال: إن وضع المدعي والمدعى عليه عنده؛ فلا يضمن إذ ليس له أن يدفع إلى أحدهما، وإن كان صاحب المال وضعه يضمن بالمنع عنه؛ لأنه صار غاصباً بمنعه عنه.w
الفصل السابع في رد الوديعة
إذا رد المودع الوديعة إلى منزل المودع، أو إلى أحد من في عياله، فهلكت فالمودع ضامن.
وأشار في «الجامع الكبير» : إلى أنه لا ضمان، وإذا ردها بيد من في عياله، فلا ضمان، وإن ردها بيد ابنه، والابن ليس في عياله، فإن كان الابن بالغاً فهو ضامن؛ لأنه ليس له أن يحفظ الوديعة بيده إذا لم يكن في عياله، فلا يكون له الرد بيده، وإن كان الابن غير بالغ فلا ضمان؛ لأنه إذا كان غير بالغ فتدبيره إلى الأب، وإن لم يكن في عياله، والأب يتصرف فيه كما لو كان في عياله.
ألا ترى لو بعث الوديعة على يدي عبده، وقد أمر العبد من غيره؛ لا يضمن.
في «النوازل» قالوا: إذا كان الابن غير بالغ إنما لا يضمن بالرد عليه إذا كان يعقل الحفظ، ويحفظ الأشياء؛ أما إذا كان لا يحفظ، فهو ضامن.
стр. 2165
إذا قال المستودع لصاحب الوديعة: بعثت بها إليك مع رسولي، وسمى بعض من في عياله؛ بأن قال: مع ابني، أو قال: مع عبدي وما أشبهه؛ كان القول قوله؛ لأن له أن يرد بيد هؤلاء، كما له الرد بنفسه، ولو ادعى الرد بنفسه كان القول قوله، فكذا إذا ادعى الرد بيد هؤلاء، ولو قال: رددتها بيد أجنبي ووصلت إليك، فأنكر ذلك صاحب المال، فهو ضامن إلا أن يقر به رب الوديعة، أو يقيم المودع بينة على ذلك؛ لأنه ليس له الرد بيد الأجنبي، فإذا ادعى ذلك، فقد أقر بسبب الضمان، فقوله: وصل إليك ادعاء يبرئه عن الضمان، فلا يصدق إلا بحجة، والحجة إقرار رب الوديعة، أو البينة، فإن قال: بعثت بها إليك مع هذا الأجنبي، أو قال: استودعتها إياه، ثم ردها عليَّ، فضاعت عندي لا يصدق على ذلك إلا بحجة؛ لأنه أقر بسبب الضمان وادعى ما يبرئه، هذه المسائل في «الأصل» .
في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد: في رجل أودع رجلاً ألف درهم، فاشترى بها، ودفعها إليه، ثم استردها بهبة أو شراء وردها إلى موضعها برىء، فقد روى إبراهيم عن محمد إذا قضاها غريمه بأمر صاحب الوديعة، ثم وجدها زيوفاً فردها إليه، فهلكت ضمن حالاً، فقال: لأن له أن يستعملها في الذي يشارك كسائر أملاكه وههنا ليس له صرفها في منافعه، فهي عنده كالوديعة، فالتعليل على هذا الوجه مذكور في «الكتاب» يعني قوله في فصل القضاء من الوديعة صار مقرضاً الدراهم الوديعة منه، وصار المودع قابضاً دين نفسه، وصار مثل تلك الدراهم ديناً لصاحب الوديعة في ذمة المودع، فإذا ردت الدراهم على المودع، فقد عادت الدراهم إلى ملكه، فإذا هلكت؛ هلكت ضمن ماله؛ أما في فصل الشراء الدراهم لم تصر مملوكة للمودع، ووجب ردها بعينها؛ لأنها في حكم المغصوبة، فإذا ردها إلى مكانها فقد أتى بالمستحق عليه، فيبرأ عن الضمان.
في «الأصل» : إذا كانت الوديعة دراهم، أو دنانير، أو شيئاً من المكيل، والموزون، فأنفق المودع طائفة منها في حاجة نفسه؛ كان ضامناً لما أنفق منها، ولم يصر ضامناً لما بقي منها، فإن جاء بمثل ما أنفق، وخلطه صار ضامناً لجميع ما أنفق بالإتلاف، وما بقي من الخلط قالوا: وهذا إذا لم يجعل على ماله علامة حين خلط بمال الوديعة، أما إذا جعل لا يضمن إلا ما أنفق، وإن كان قد أخذ بعض الوديعة لينفقه في حاجته، ثم بدا له، فرده في مكانه، فضاع، فلا ضمان عليه.
واختلف (١٢٩ب٢) المشايخ في تخريج المسألة؛ بعضهم قالوا: لا يضمن أصلاً، وقال بعضهم: ضمن، ثم برىء بالرد إلى مكانه، وهو الصحيح؛ وهذا لأن الدفع بنية الإنفاق أخذ لنفسه، وإن أخذ لنفسه بسبب الضمان؛ لأنه خلاف كما لو كان ثوباً فلبسه، أو كان دابة، فركبها.
والدليل عليه: أن الدفع بنية البيع سبب الضمان حتى لو دفع ليبيع، وباع، وضمن القيمة نفذ البيع من جهته، وإنما ينفذ البيع إذا استند الملك إلى ما قبل البيع، وإنما لا يستند الملك إلى ما هو سبب الضمان.
стр. 2166
الفصل الثامن فيما إذا كان صاحب الوديعة أو المستودع غير واحد
قال في «الأصل» : رجلان أودعا دراهم أو دنانير، أو ثياباً، أو دفاً أو عبيداً، فجاء أحدهما، وطلب حصته، والآخر غائب، قال أبو حنيفة ﵁: ليس للمودع أن يدفع إليه حصته، وقال أبو يوسف ومحمد: يدفع إليه حصته، ولا تكون قيمته جائزة على الغائب.
وضع المسألة في الدفع في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» : وضعها في الأخذ فقال: ليس للحاضر أن يأخذ حصته من المودع عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما له ذلك، فقد جمع في «الكتاب» من المكيل والموزون والعبيد والثياب، وأجاب عقيب الكل بجواب واحد، فقال: ليس للمودع أن يدفع إلى الحاضر حصته عند أبي حنيفة وعندهما يدفع، فمن مشايخنا من قال بأن الخلاف في الكل واحد.
ألا ترى أن محمداً لم يفصل في «الكتاب» بين المكيل، والموزون، وغيرهما، ومنهم من قال: الخلاف في المكيل، والموزون خاصة، فأما في الثياب والعبيد فليس للمودع أن يدفع إلى الحاضر حصته بلا خلاف، وهو الأشبه بالصواب؛ وهذا لأنا نعتبر يد المودع بيد المودع، وغير المكيل، والموزون لو كان في يد المودعين، وغاب الآخر لا يكون للحاضر أن يأخذ نصيبه من ذلك بالإجماع، فكذلك إذا كان في يد المودع.
في «المنتقى» : لو دفع المودع نصفها، ثم ملك ما بقي، وحضر الغائب؛ قال أبو يوسف: إن كان الدفع بقضاء، فلا ضمان على أحد بكون المسألة مجتهدة، وإن كان بغير قضاء فإن شاء الذي حضر أتبع الدافع بنصف ما دفع، ويرجع به الدافع على القابض، وإن شاء أخذ من القابض نصف ما قبض، ولو أراد أحد الرجلين أن يقيم البينة على المودع، أن الوديعة كلها له لا تسمع بينته، وكذا لو أراد أن يقيم البينة على إقرار صاحبه وقت الإيداع أن الوديعة كلها له؛ لا تسمع بينته، ولو أن المودع في هذه الصورة ادعى هلاك الوديعة، أو أخذ ظالم منه، فقال أحد المودعين: قد بقي في يدك شيء من الوديعة كان له أن يحلفه على ذلك بلا خلاف، فأبو حنيفة ﵁ إن كان لا يرى استرداد الوديعة لأحدهما يرى حق الاستحلاف لأحدهما.
في «فتاوى النسفي» : وإذا كانت الوديعة عند رجلين من ثياب أو غير ذلك، فاقتسماها، وجعل كل واحد منهما نصفها في بيته، فهلك أحد النصفين أو كلاهما فلا ضمان، وإن أودعاها عند رجل فهلكت ضمناها، والحكم في المستنصفين والوصيين، والعدلين في الرهن هكذا، وإن ترك أحدهما كل الوديعة عند صاحبه إن كان شيئاً لا يحتمل القسمة لا يضمنان، وإن كان شيئاً يحتمل القسمة أجمعوا على أن المدفوع إليه لا يضمن، فأما الدافع فقد اختلفوا فيه.
قال أبو حنيفة ﵁: يضمن نصف الوديعة وما لا، لا يضمن شيئاً، وذكر
стр. 2167
شيخ الإسلام في شرح كتاب «الوديعة» بعد هذه المسألة بمسائل، فيما إذا كانت الوديعة شيئاً يحتمل القسمة إذا رضيا أن يكون المال عند أحدهما إلى أن يحضر صاحب المال جاز، ولم يذكر فيها خلافاً، وذكر أيضاً إذا كانت الوديعة شيئاً لا يحتمل القسمة، فإنهما يقسمان من حيث الرهان.
في «المنتقى» : رجلان أودعا عند رجل ألف درهم، فقال أحدهما للمودع: ادفع إلى شريكي مائة درهم، فدفعها وضاعت البقية قال: ما أخذ فهو من مال الآخذ حتى لا يرجع عليه شريكه بشيء، وكذلك إذا قال: ادفع إليه مئتين أو ما أشبه ذلك ما لم ينته إلى النصف، ولو قال: ادفع إليه النصف، فهو من الكل؛ حتى لو ضاع الباقي رجع عليه شريكه بنصف ما أخذ، ولو قال: ادفع إليه حصته، فدفع، فهو من حصته حتى لو هلك الباقي لا يرجع عليه شريكه بشيء، أما إذا قال: ادفع إليه مائة، أو ما أشبهها؛ فلأن المائة اسم المفروز المعين فقد أمره بإعطاء شيء مفرز إلى صاحبه، والمفرز ليس حق صاحبه، فيضمن الآمر به أمراً بإفراز نصيب صاحبه، وصاحبه لما أخذه، فقد رضي بذلك الإفراز فتم الإفراز فصار قابضاً حقه من كل وجه، فأما النصف، فهو اسم للشائع؛ لا اسم المفرز، فقد أمره بإعطاء النصف من النصيبين بشرط أن يسلم له النصف الباقي، ولم يسلم لما ضاع الباقي، فكان له أن يرجع عليه بنصفه.
وفيه أيضاً: رجلان بينهما ألف درهم وضعاها عند أحدهما، ثم قال أحدهما لصاحبه: خذ نصيبك منها، فأخذ، وضاع النصف الباقي، فالنصف الذي أخذ صاحبه يكون بينهما؛ قال: لأنه لا يكون مقاسماً لنفسه؛ قال: وإن كان ضاع النصف الذي أخذ سلم الباقي للشريك؛ قال: لأنه احتبس عند الأخذ مالية النصف على وجه لا يملك رده، فهو بمنزلة ما لو أكل النصف المأخوذ، وهناك يتعين النصف الباقي للشريك؛ كذا ههنا.
الفصل التاسع في الاختلاف الواقع في الوديعة، والشهادة فيها
في «المنتقى» بشر عن أبي يوسف: رجل ادعى قبل رجل وديعة، وجحده المودع، فأقام المدعي البينة على دعواه، وأقام المودع بينة على المدعي أنه قال: ما لي على فلان شيء، قال: إن كان مدعي الوديعة يدعي أن الوديعة قائمة بعينها عند المودع، فهذه البراءة لا تبطل حقه؛ لأنها ما دامت عنده، فليس له عليه إنما له عنده.
وفيه أيضاً: رجل قال: لفلان عندي ألف درهم وديعة، ثم قال بعد ذلك: قد ضاعت قبل إقراري، فهو ضامن، ولو قال: كان له عندي ألف درهم وضاعت، فالقول قوله، ولا ضمان، ولو قال: له عندي ألف درهم وديعة، فقد ضاعت، ووصل الكلام صدقته استحساناً، وصار تقدير هذه المسألة كانت له عندي ألف درهم وضاعت، إذا قال المودع: ذهبت الوديعة، ولا أدري (١٣٠أ٢) كيف ذهبت؛ كان القول قوله مع اليمين
стр. 2168
فلا ضمان؛ لأنه لو اقتصر على قوله: ذهبت، كان القول قوله مع اليمين؛ لأنه أمين أخبر بما هو محتمل، فكذا إذا قال: ذهبت، ولا أدري كيف ذهبت؛ لأنه عسى ذهبت على وجه لا يعلم بنفسه بأن ذهب، وهو نائم أو غائب؛ قال شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب الوديعة، واختلف المتأخرون فيما إذا قال: ابتداءاً لا أدري كيف ذهبت فمنهم من قال هو ضامن؛ لأنه جهلها بما قال بخلاف ما إذا قال: ذهبت، ولا أدري كيف ذهبت؛ لأنه بقوله ذهبت يخبر بهلاكها وهذا القدر يكفيه، فلا يغيره بعد ذلك، ولا أدري كيف ذهبت، ومنهم من قال: لا يضمن، وهو الأصح؛ لأن أصل الذهاب معلوم من هذا اللفظ لا محالة، وإنما التجهيل في كيفية الذهاب والإخبار بأصل الذهاب يكفي في البراءة عن الضمان.
في «النوازل» : إذا قال المودع: ذهبت الوديعة من منزلي، ولم تذهب من مالي هي قبل قوله مع اليمين؛ لأنه أمين أخبر بما يتصدق مع اليمين. إذا أقام رب الوديعة البينة على الإيداع بعدها جحد المودع، وأقام المودع بينة على الضياع، فهذه المسألة على وجهين:
الأول: أن يجحد المودع الإيداع بأن يقول للمودع: لم يودعني، وفي هذا الوجه المودع ضامن وبينته على الضياع مردودة، سواء شهد الشهود على الضياع قبل الجحود، أو بعد الجحود، أما إذا شهدوا بالهلاك بعد الجحود؛ لأن بالجحود صار المودع ضامناً، وهلاك المضمون في يد الضامن بقدر الضمان لا أن يسقطه، فأما إذا شهدوا على الهلاك قبل الجحود، فإن البينة إنما تقبل بعد دعوى صحيحة، ودعوى الهلاك من المودع بعدما أنكر أصل الإيداع لا تصح لمكان التناقض.
والوجه الثاني: أن لا يجحد الإيداع وإنما يجحد الوديعة بأن قال: ليس لك عندي وديعة، ثم أقام بينة على الضياع؛ إن أقام بينة على الضياع بعد الجحود، فهو ضامن؛ لأن بهذه البينة يثبت هلاك المضمون، وإن أقام بينة على الضياع قبل الجحود، فلا ضمان؛ لأن بهذه البينة يثبت هلاك الأمانة، وإن أقام البينة على الضياع مطلقاً، ولم يتعرضوا لما قبل الجحود، ولما بعد الجحود، فهو ضامن؛ لأنه يحتمل الهلاك بعد الجحود، وعلى هذا التقدير لا يسقط الضمان فلا يسقط الضمان بالشك.
وفي «القدوري» : إذا قال المودع للقاضي: حلف المودع ما هلكت قبل جحودي؛ حلفه القاضي؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول الذي هو إقرار، ويحلفه على العلم؛ لأن هذا تحليف على أمر وقع في يد الغير، فإذا قال المودع: قد أعطيتكها، ثم قال بعد أيام: لم أعطكها، ولكنها هلكت، فهو ضامن، ولا يصدقه فيما قال؛ إما لأنه لما قال: أعطيتكها فقد أقر أنه ليست عنده وديعة، فإذا قال بعد ذلك: هلكت عندي، فقد أقر أنه كانت عنده وديعة حين قال: ليست عندي، فثبت جحوده بالكلام الثاني، وإنه سبب ضمان؛ أو لأنه تكلم بكلامين، لا يمكن الجمع بينهما، فينتقض كل واحد منهما بصاحبه، فبقي ساكتاً ممتنعاً من الرد بعد الطلب، وإنه سبب
стр. 2169
الضمان، وعلى هذا إذا ادعى الهلاك أولاً، ثم قال: أو قد رددتها عليك؛ لا يصدق، وهو ضامن لما ذكرنا من المعنى الثاني.
وفي «المنتقى» : رجل أودع عند رجل وديعة، فقال المودع: ضاعت منذ عشرة أيام، وأقام صاحب الوديعة بينة أنها كانت في يده منذ يومين، فقال المودع: وجدتها، فضاعت قبل ذلك منه. رجل قال لغيره: قد استودعتني ألف درهم فضاعت، وقال ذلك الغير: كذبت ما استودعتك إنما غصبتها، أو قال: أخذتها بغير أمري، فلا ضمان عليه بخلاف ما إذا قال: أخذتها وديعة، وقال صاحب المال: لا بل أخذتها بغير أمري، فالقول قول صاحب المال، ومدعي الوديعة ضامن.
والفرق: أن في المسألة الثانية أقر بسبب الضمان، وهو الأخذ؛ ثم ادعى ما يبرئه فلا يصدق في دعواه؛ كما لو قال لغيره: أكلت مالك بإذنك، وقال صاحب المال: لا بل أكلت بغير إذني، أما في المسألة الأولى ما أقر بالأخذ؛ لأن الإيداع بدون الأخذ متصور بأن يضع المال بين يديه، ويقول: احفظه، ولو قال صاحب المال: أقرضتكها، وقال ذلك: لا بل أخذتها وديعة، فالقول قول مدعي الوديعة؛ لأنهما اتفقا عل أن الأخذ كان بإذن المالك، والأخذ بإذن المالك لا يكون سبب ضمان إلا باعتبار عقد ضمان، فالمالك يدعي عقد الضمان، ومدعي الوديعة منكر ذلك؛ بخلاف المسألة الأولى؛ لأن هناك ما اتفقا أن الأخذ كان بإذن المالك.
رجل له عند رجل ألف درهم وديعة، وله على المودع ألف درهم دين، فدفع المودع إليه ألف درهم، ثم اختلفا بعد ذلك بأيام، فقال رب المال: أخذت الوديعة والدين عليك على حاله، وقال المودع: لا بل أعطيتك القرض، وقد ضاعت الوديعة، فالقول قول المودع؛ لأنه لا عبرة لاختلافهما في الألف المردودة؛ لأنها وصلت إلى المالك أنى كانت، وإنما اختلافهما في الألف الهالكة فالمالك يدعي فيها الأخذ قرضاً، والمدعى عليه يدعي الأخذ وديعة، وفي هذا القول قول مدعي الوديعة لما مر.
رجل أودع عند رجل وديعة فغاب رب الوديعة، ثم قدم، وطلب الوديعة، فقال المودع: أمرتني أن أنفقها على أهلك وولدك، وقد أنفقتها عليهم، ورب الوديعة يقول: لم آمرك بذلك، فالقول قول رب الوديعة والمودع ضامن؛ لأنه أقر بسبب الضمان، وادعى ما يبرئه، فلا يصدق في دعواه إلا بحجة.
وهذه المسألة دليل على أن من كان له عند آخر ألف درهم وديعة، وعلى رب الوديعة دين ألف درهم، فدفع المودع الألف إلى صاحب الدين بغير أمر صاحب الوديعة أنه يضمن، وهذا أفضل؛ اختلف المشايخ فيه كان الحاكم الإمام أبو إسحاق.... يقول: لا يضمن، وغيره من المشايخ كانوا يقولون بالضمان، وهذه دليل على الضمان؛ لأن نفقة الأصل تصير ديناً بقضاء القاضي، وقد أوجب محمد ﵀ الضمان على
стр. 2170
المودع بلا تفصيل، إذا مات صاحب الوديعة، فالورثة خصماء المودع في دعوى الوديعة، ويجبر المودع على دفعها إلى الورثة.
فرق بين هذا وبين العبد إذا أودع، وغاب لا يكون للمولى أن يأخذ حتى يحضر العبد؛ إلا إذا علم أن الوديعة من أملاك المولى أو من أكساب العبد، وإذا قال رب الوديعة: أودعتك عبداً أو أمة، قال المودع: ما أودعتني إلا أمة، وقد هلكت، فأقام رب الوديعة على ما ادعى بينة ضمن المستودع قيمة العبد، قال شيخ الإسلام: إنما يقبل القاضي شهادتهم (١٣٠ب٢) ويقضي بقيمة العبد إذا وصفوا، ونعتوا للقاضي، والقاضي يعرف مقدار قيمة مثل ذلك العبد، وإن لم يعرف سأل المدعي حتى يقيم بينة على مقدار قيمة العبد، فأما إذا لم يصفوا العبد، وإنما شهدوا أنه أودعه عبداً، فالقاضي لا يقبل شهادتهم؛ لأنهم شهدوا لمجهول لا يمكن القضاء به، وعلى قياس ما ذكرنا في كتاب الغصب إن المدعي إذا أقام البينة أنه غصب منه جارية تقبل هذه البينة، ويثبت الغصب بها في حق الحبس؛ لا في حق القضاء بالجارية ينبغي أن تقبل هذه البينة، ويثبت الغصب في حق الحبس لا في حق القضاء بالعبد.
وإذا ادعى المودع الرد أو الهلاك، وادعى المالك الاستهلاك، فالقول قول المودع، وإن أقاما البينة، فالبينة أيضاً بينة المودع كبينته.
في «الجامع» : في باب من الاختلاف في المرابحة، ورأس المال؛ قال الصدر الشهيد ﵀: ويجوز أن لا تقبل البينة ههنا أصلاً، وسيظهر الفرق بين المسألتين بالتأمل إن شاء الله تعالى.
الفصل العاشر في المتفرقات
إذا هلكت الوديعة في يد المودع؛ يستوي فيه الهلاك بأمر يمكن الاحتراز عنه أولا يمكن التحرز؛ لأن الهلاك مما يمكن التحرز عنه يعني العيب في الحفظ وصفة السلامة عن العيب إنما يصير مستحقاً في المعاوضات دون التبرع، والمودع متبرع.
إذا كانت الوديعة دراهم، فاختلط بدراهم المودع على وجه تيسر التمييز لا يصير المخلوط مشتركاً بينهما، فإن اختلطت على وجه تعذر التمييز صار المخلوط مشتركاً بينهما، وإن خلطهما بعض من في عيال المودع، وكان الخلط على وجه تعذر التمييز أو كان الخلط على وجه يتعسر التميز بأن خلط حنطة الوديعة بشعير المودع صار الخالط ضامناً، وحكم المخلوط ما في كتاب الغصب، فإن لم يظفر بالخالط، فقال أحدهما آخذ المخلوط، وأغرم لصاحبي مثل ما كان له، فرضي به صاحبه جاز؛ لأن صاحبه لما رضي صار بائعاً نصيبه منه، وهو قادر على تسليمه، فيجوز بخلاف ما لو باع من غيره، وإن اتفقا على البيع يباع المخلوط، ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمة الشعير والحنطة، إلا أن
стр. 2171
صاحب الشعير يضرب بشعير غير مخلوط بالحنطة، وإن لم يتفقا على شيء، فالخيار لصاحب الكثير إن كان الشعير أكثر، فالخيار لصاحب الشعير يأخذ المخلوط، ويضمن لصاحب الحنطة قيمة حنطته مخلوطاً بالشعير، وإن كانت الحنطة أكثر، فالخيار لصاحب الحنطة.
وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف برواية ابن سماعة في رجل عنده ألف درهم وديعة لرجل فأقرضه إياها، أو قال: هي قضاء لما لك علي بأن كان للمودع على صاحب الألف ألف درهم، فلم يرجع إلى منزله ليقبضها حتى ضاعت، فهي من مال المودع، فلم يقبضها.
أصل المسألة: أن قبض الوديعة لا ينوب عن قبض الضمان، والقبض بجهة القرض، وبجهة الاقتضاء قبضُ ضمان.
استهلك الوديعة إنسان كان للمودع أن يخاصم المستهلك في القيمة؛ ذكره شمس الأئمة السرخسي في كتاب «الوكالة» : في باب الوكالة بقبض الوديعة والعارية: رجل أودع رجلاً صك ضيعة، والصك ليس للمودع، ثم جاء من كان الصك باسمه، وادعى ملك تلك الضيعة والشهود الذين بدلوا خطوطهم أبوا الشهادة حتى رأوا خطوطهم في الصك، فالقاضي يأمر المدعي المودَع حتى يرى الصك من الشهود ليروا خطوطهم، ولا يدفع الصك إلى المدعي، هكذا حكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوي، وعليه الفتوى.
ذكر شيخ الإسلام في أول شرح الشفعة: رجل أجلس عبده في حانوته، وفي الحانوت ودائع، فسرقت الودائع، ثم وجد المولى بعضها في يد عبده، وقد أتلف البعض، فباع المولى الغلام، فهذا على وجهين: إما إن كان للمودع بينة على ذلك، أو لم يكن، فإن كان للمودع بينة على ذلك، فهو بالخيار؛ إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع وباعه في دينه؛ لأنه ظهر أن المولى باع المديون، وإن لم يكن له بينة، فله أن يحلف مولاه على علمه، فإن حلف لم يثبت، وإن نكل فهذا على وجهين: إن أقر المشتري بذلك، أو أنكر؛ إن أقر بذلك فهذا وما لو ثبت بالبينة سواء، وإن أنكر ليس له أن ينقض البيع، ويأخذ الثمن من المولى؛ لأن الدين ظهر في حق المولى أمّا ما ظهر في حق المشتري.
في «فتاوى أبي الليث» : استودع رجلاً ألف درهم، ثم غاب رب الوديعة، ولا يدري أحي هو أم ميت، فعليه أن يمسكها حتى يعلم موته، ولا يتصدق بها بخلاف اللقطة. إذا كانت الوديعة إبلاً أو بقراً أو غنماً، وصاحبها غائب، وأنفق عليها المودع بغير أمر القاضي، فهو متطوع؛ لأنه أنفق على دابة الغير بغير أمره، وبغير أمر من يلي عليه، وإن رفع الأمر إلى القاضي سأله البينة على كون العين وديعة عنده، وعلى كون المالك غائب، فإن أقام بينة على ذلك؛ إن كانت الوديعة شيئاً يمكن أن يؤاجر، وينفق عليه من غلتها؛ أمره القاضي بذلك، وإن كانت الوديعة شيئاً لا يمكن أن يؤاجر، فالقاضي يأمره بأن ينفق عليه من ماله يوماً أو يومين أو ثلاثة، رجاء أن يحضر المالك، ولا يأمره
стр. 2172
بالإنفاق زيادة على ذلك، بل يأمره بالبيع، وإمساك الثمن.
والحاصل: أن القاضي يفعل بالوديعة ما هو أصلح، وأنظر في حق صاحبها، وإن كان القاضي أمره بالبيع في أول الوصاية جاز، وما أنفق المودع على الوديعة بأمر القاضي، فهو دين على صاحبها يرجع عليه إذا حضر؛ غير أن في الدابة يرجع بقدر قيمة الدابة، وفي العبد يرجع بالزيادة على قيمته؛ لأن الإنفاق على العبد كان بحق العبد، وبحق المولى حفظاً للمالية عليه فلئن كان لا يرجع بالزيادة على القيمة بحق المولى؛ لأنه لا حفظ في حق الزيادة يرجع باعتبار حق العبد؛ لأن الأمر باعتبار حق العبد قد صح، ولهذا يجبر المولى على الإنفاق على العبد بحقه، فأما في الدابة الأمر بالإنفاق صح حفظاً للمالية على المولى؛ لا لحق الدابة.
ألا ترى أن المولى لا يجبر على الإنفاق على الدابة، وفي الزيادة على القيمة لا حفظ، فلهذا لا يرجع بالزيادة، وإن لم يدفع الوديعة إلى القاضي حتى اجتمع من ألبانها شيء كثير له ثمن، وهو يخاف فساده، أو كانت الوديعة أرضاً فأخرجت ثمرة فخاف فسادها، فباع ذلك بغير أمر القاضي، فإن كان في المصر، أو في موضع يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك الشيء، فهو ضامن، وإن كان في موضع لا يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك الشيء، فهو ليس ضامن؛ لأن بيعه في الوجه الأول ليس يحفظ؛ بخلاف الوجه الثاني. (١٣١أ٢)
ألا ترى أنه لو باع في المفازة ما يتسارع إليه الفساد من مال الغير يجوز بيعه ولا ضمان، وإن لم يكن مأموراً بالحفظ من جهته فلا يجوز بيعه ههنا، وقد أمر بالحفظ أولى، فإن كان في المصر، ولم يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبيع، أو كان في المفازة، فلم يبع حتى فسد لا يضمن.
في وديعة «فتاوى أبي الليث» في «العيون» : رجل استقرض من رجل خمسين درهماً، فأعطاه ستين، فأخذ العشرة ليردها، فهلكت في الطريق يضمن خمسة أسداس العشرة؛ لأن ذلك القسط قرض، والباقي وديعة.
وفيه أيضاً: رجل استقرض من رجل عشرين درهماً، فأعطاه مئة، وقال: خذ منها عشرين قرضاً والباقي عندك وديعة ففعل؛ يعني أخذ العشرين منها، وصرفها إلى حاجته، ثم أعاد العشرين من المائة، ثم دفع إليه رب المال أربعين درهماً، وقال له: اخلطها بتلك الدراهم ففعل، ثم ضاعت الدراهم كلها؛ لا يضمن الأربعين ويضمن نفقتها، أما النفقة؛ فلأن العشرين قرض والقرض مضمون، وما جاء من العشرين ملك المستقرض، وقد خلطها بالوديعة، فصار مستهلكاً للوديعة، فأما الأربعون فقد خلطها بإذن صاحب المال.
في غصب «فتاوى أبي الليث» : دفع إلى آخر عشرة دراهم، وقال: خمسة منها هبة لك، وخمسة وديعة عندك، واستهلك القابض منها خمسة، وهلكت الخمسة الباقية يضمن سبعة ونصف؛ لأن الهبة فاسدة؛ لأنها هبة المشاع، والمقبوض بحكم الفاسد مضمونة، فالخمسة التي هلكت نصفها أمانة، ونصفها مضمونة، فيجب ضمان نصفها، وذلك
стр. 2173
درهمان ونصف، والخمسة التي استهلكها كلها صارت مضمونة بالاستهلاك، فيضمن سبعة دراهم ونصف لهذا، ولو قال: ثلاثة من هذه العشرة لك، والسبعة الباقية سلمها إلى فلان، فهلكت الدراهم في الطريق يضمن الثلاث؛ لأنها كانت هبة فاسدة، ولو كان ذلك وصية من الميت لم يضمن شيئاً؛ لأن وصية المشاع جائزة، ولا يضمن في المسألتين جميعاً.
في «المنتقى» إبراهيم بن رستم عن محمد: رجل له على رجل مائة درهم، فدفع المطلوب إلى الطالب مائتي درهم، وقال: هذا مالك فخذها فأخذها فضاعت، والآخذ لا يعلم كم هي؛ قال أبو حنيفة: لا شيء عليه، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه مائة درهم، فالكلام لأبي حنيفة ظاهر، وأما الكلام لهما: أن إحدى المائتين مقبوض بجهة اقتضاء الدين، والمقبوض بجهة الشيء يلحق بحقيقة ذلك الشيء؛ عرف ذلك في موضعه، والمقبوض بحقيقة الاقتضاء مضمون؛ لما عرف أن الديون تقضى بأمثالها، فكذا المقبوض بجهة اقتضاء الدين.
وذكر بعد هذه المسائل مسائل هشام عن محمد: رجل له على رجل ألف درهم دين، أعطاه ألفين، وقال: ألف منها قضاء من حقك، وألف تكون وديعة، فقبضها، وضاعت، وقال: هو قابض حقه، ولا يضمن شيئاً؛ لأن في هذه الصورة القبض بجهة الاقتضاء حصل بقدر الألف لا غير.
وفيه أيضاً: رجل له على رجل ألف درهم، فقال: ابعث بها مع فلان، فضاع من يد الرسول، فضاع من مال المديون، وهذا بناءاً على أن يد الرسول يد المديون؛ لأن اختيار الرسول إليه؛ لأن يبعث مال نفسه، ويقول رب الدين: ابعث بها على يد فلان؛ لا يلزمه البعث على يديه، فهو معنى قولنا: إن يد الرسول يد المديون، فلهذا كان الهلاك على المديون.
في «فتاوى النسفي» : أمة أسرت شيئاً من مال اكتسبته في بيت المولى، وأودعته عند رجل، فهلكت في يده، فللمولى أن يضمن المودع؛ لأنها مال المولى أودعته بغير إذن المولى، فكان المودع مودع الغاصب، فيضمن، والله أعلم بالصواب. تم كتاب الوديعة بحمد الله تعالى.
стр. 2174
كتاب العارية
هذا الكتاب يشمل على عشر فصول:
١ * في بيان شرط جواز الإعارة، وبين نوعها وصفتها
٢ * في الألفاظ التي تنعقد بها العارية
٣ * في التصرفات التي يملكها المستعير في المستعار والتي لا يملك
٤ * في خلاف المستعير
٥ * في تضييع العارية ما يضمنه المستعير، وما لا يضمن
٦ * في رد العارية
٧ * في استرداد العارية، وما يمنع من استردادها
٨ * في الاختلاف الواقع في هذا الباب، والشهادة فيه
٩ * في المتفرقات
стр. 2175
الفصل الأول في بيان شرط جواز الإعارة، وبيان نوعها وصفتها
أما بيان شرطها فنقول: شرط جواز الإعارة كون العين قابلة للانتفاع به مع بقاء العين، وكونه قابلاً لتمليك بمنافعه بعوض بعقد الإجارة حتى كان إعارة الدراهم والدنانير والفلوس قرضاً؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بهذه الأشياء مع بقاء العين، فيقدر العمل بحققة الإجارة في هذه الأشياء؛ لأن الإجارة شرعت لتمليك المنفعة مع بقاء العين على ملكه، فيجعل كناية عن عقد آخر، وأمكن جعله كناية عن القرض؛ لأن العارية متى تحققت كان من حكمها رد العين.
والقرض يوجب أداء المثل قائماً مقام العين، وهذا إذا حصل إعارة الدراهم والدنانير مطلقة، أما إذا عين في الإعارة انتفاعاً يتأتى مع بقاء العين لا يكون قرضاً؛ بل يكون عارية، وذلك يجوز أن يعير من صيرفي دراهم ليحمل بها في حانوته وليصير بها ستمئة، ذكر هذه الزيادة شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب العارية، ويجب أن يكون الحكم في إعارة جميع ما يكال أو يوزن هكذا.
وقال الفقيه أبو بكر فيمن قال لآخر: أعرتك هذه القصعة من الثريد، فأخذها، وأكلها، فعليه مثلها، أو قيمتها بناءً عل ما قلنا إن الإعارة ما لا يمكن الانتفاع مع بقاء العين قرض، قال الفقيه أبو الليث: الجواب هكذا إذا لم يكن بينهما مباسطة، أو دلالة الإباحة ونحوها.
وفي «العيون» : من أخذ رقعة يرقع بها قميصه، أو خشبة يدخلها في بنائه، أو آجرة فهو ضامن؛ لأن هذا ليس بعارية؛ بل هو قرض؛ هذا إذا لم يقل: لأردها عليك؛ أما إذا قال: لأردها عليك فهو عارية، وتصح الإعارة من غير بيان الوقت والمكان، وما يحمل على الدابة؛ لأن جهالة هذه الأشياء في الإعارة لا تفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم؛ لأنها لا توجب التسليم، وعند ذلك للمستعير أن ينتفع بالدابة من حيث الحمل والركوب؛ كما ينتفع بدابة نفسه في قليل المدة وكثيرها.
وأما بيان نوعها فهي نوعان: مطلقة ومؤقتة؛ نحو أن يقول في الإعارة شهراً، أو يقول: إلى مكان كذا، أو يقول: يحمل عليها كذا، ففيما كانت مطلقة يجب إجراؤها على إطلاقها، أو فيما كانت مقيدة يجب رعاية القيد فيه.
وأما بيان صفتها، فنقول: صفتها أنها غير لازمة، وللمعير أن يرجع فيها متى شاء؛ لأن الإعارة تبرع بالمنفعة، فلا تكون لازمة قبل قبضها؛ كالتبرع بالعين، وما لم يستوف من المنفعة في المستقبل لم يتصل بها القبض، ومن صفتها أنها ترتفع لمجرد النهي، ويبطل بموت أحدهما أيهما مات.
следующие страницы →