Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
صاحب الشعير يضرب بشعير غير مخلوط بالحنطة، وإن لم يتفقا على شيء، فالخيار لصاحب الكثير إن كان الشعير أكثر، فالخيار لصاحب الشعير يأخذ المخلوط، ويضمن لصاحب الحنطة قيمة حنطته مخلوطاً بالشعير، وإن كانت الحنطة أكثر، فالخيار لصاحب الحنطة.
وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف برواية ابن سماعة في رجل عنده ألف درهم وديعة لرجل فأقرضه إياها، أو قال: هي قضاء لما لك علي بأن كان للمودع على صاحب الألف ألف درهم، فلم يرجع إلى منزله ليقبضها حتى ضاعت، فهي من مال المودع، فلم يقبضها.
أصل المسألة: أن قبض الوديعة لا ينوب عن قبض الضمان، والقبض بجهة القرض، وبجهة الاقتضاء قبضُ ضمان.
استهلك الوديعة إنسان كان للمودع أن يخاصم المستهلك في القيمة؛ ذكره شمس الأئمة السرخسي في كتاب «الوكالة» : في باب الوكالة بقبض الوديعة والعارية: رجل أودع رجلاً صك ضيعة، والصك ليس للمودع، ثم جاء من كان الصك باسمه، وادعى ملك تلك الضيعة والشهود الذين بدلوا خطوطهم أبوا الشهادة حتى رأوا خطوطهم في الصك، فالقاضي يأمر المدعي المودَع حتى يرى الصك من الشهود ليروا خطوطهم، ولا يدفع الصك إلى المدعي، هكذا حكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوي، وعليه الفتوى.
ذكر شيخ الإسلام في أول شرح الشفعة: رجل أجلس عبده في حانوته، وفي الحانوت ودائع، فسرقت الودائع، ثم وجد المولى بعضها في يد عبده، وقد أتلف البعض، فباع المولى الغلام، فهذا على وجهين: إما إن كان للمودع بينة على ذلك، أو لم يكن، فإن كان للمودع بينة على ذلك، فهو بالخيار؛ إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع وباعه في دينه؛ لأنه ظهر أن المولى باع المديون، وإن لم يكن له بينة، فله أن يحلف مولاه على علمه، فإن حلف لم يثبت، وإن نكل فهذا على وجهين: إن أقر المشتري بذلك، أو أنكر؛ إن أقر بذلك فهذا وما لو ثبت بالبينة سواء، وإن أنكر ليس له أن ينقض البيع، ويأخذ الثمن من المولى؛ لأن الدين ظهر في حق المولى أمّا ما ظهر في حق المشتري.
في «فتاوى أبي الليث» : استودع رجلاً ألف درهم، ثم غاب رب الوديعة، ولا يدري أحي هو أم ميت، فعليه أن يمسكها حتى يعلم موته، ولا يتصدق بها بخلاف اللقطة. إذا كانت الوديعة إبلاً أو بقراً أو غنماً، وصاحبها غائب، وأنفق عليها المودع بغير أمر القاضي، فهو متطوع؛ لأنه أنفق على دابة الغير بغير أمره، وبغير أمر من يلي عليه، وإن رفع الأمر إلى القاضي سأله البينة على كون العين وديعة عنده، وعلى كون المالك غائب، فإن أقام بينة على ذلك؛ إن كانت الوديعة شيئاً يمكن أن يؤاجر، وينفق عليه من غلتها؛ أمره القاضي بذلك، وإن كانت الوديعة شيئاً لا يمكن أن يؤاجر، فالقاضي يأمره بأن ينفق عليه من ماله يوماً أو يومين أو ثلاثة، رجاء أن يحضر المالك، ولا يأمره
стр. 2172
بالإنفاق زيادة على ذلك، بل يأمره بالبيع، وإمساك الثمن.
والحاصل: أن القاضي يفعل بالوديعة ما هو أصلح، وأنظر في حق صاحبها، وإن كان القاضي أمره بالبيع في أول الوصاية جاز، وما أنفق المودع على الوديعة بأمر القاضي، فهو دين على صاحبها يرجع عليه إذا حضر؛ غير أن في الدابة يرجع بقدر قيمة الدابة، وفي العبد يرجع بالزيادة على قيمته؛ لأن الإنفاق على العبد كان بحق العبد، وبحق المولى حفظاً للمالية عليه فلئن كان لا يرجع بالزيادة على القيمة بحق المولى؛ لأنه لا حفظ في حق الزيادة يرجع باعتبار حق العبد؛ لأن الأمر باعتبار حق العبد قد صح، ولهذا يجبر المولى على الإنفاق على العبد بحقه، فأما في الدابة الأمر بالإنفاق صح حفظاً للمالية على المولى؛ لا لحق الدابة.
ألا ترى أن المولى لا يجبر على الإنفاق على الدابة، وفي الزيادة على القيمة لا حفظ، فلهذا لا يرجع بالزيادة، وإن لم يدفع الوديعة إلى القاضي حتى اجتمع من ألبانها شيء كثير له ثمن، وهو يخاف فساده، أو كانت الوديعة أرضاً فأخرجت ثمرة فخاف فسادها، فباع ذلك بغير أمر القاضي، فإن كان في المصر، أو في موضع يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك الشيء، فهو ضامن، وإن كان في موضع لا يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك الشيء، فهو ليس ضامن؛ لأن بيعه في الوجه الأول ليس يحفظ؛ بخلاف الوجه الثاني. (١٣١أ٢)
ألا ترى أنه لو باع في المفازة ما يتسارع إليه الفساد من مال الغير يجوز بيعه ولا ضمان، وإن لم يكن مأموراً بالحفظ من جهته فلا يجوز بيعه ههنا، وقد أمر بالحفظ أولى، فإن كان في المصر، ولم يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبيع، أو كان في المفازة، فلم يبع حتى فسد لا يضمن.
في وديعة «فتاوى أبي الليث» في «العيون» : رجل استقرض من رجل خمسين درهماً، فأعطاه ستين، فأخذ العشرة ليردها، فهلكت في الطريق يضمن خمسة أسداس العشرة؛ لأن ذلك القسط قرض، والباقي وديعة.
وفيه أيضاً: رجل استقرض من رجل عشرين درهماً، فأعطاه مئة، وقال: خذ منها عشرين قرضاً والباقي عندك وديعة ففعل؛ يعني أخذ العشرين منها، وصرفها إلى حاجته، ثم أعاد العشرين من المائة، ثم دفع إليه رب المال أربعين درهماً، وقال له: اخلطها بتلك الدراهم ففعل، ثم ضاعت الدراهم كلها؛ لا يضمن الأربعين ويضمن نفقتها، أما النفقة؛ فلأن العشرين قرض والقرض مضمون، وما جاء من العشرين ملك المستقرض، وقد خلطها بالوديعة، فصار مستهلكاً للوديعة، فأما الأربعون فقد خلطها بإذن صاحب المال.
في غصب «فتاوى أبي الليث» : دفع إلى آخر عشرة دراهم، وقال: خمسة منها هبة لك، وخمسة وديعة عندك، واستهلك القابض منها خمسة، وهلكت الخمسة الباقية يضمن سبعة ونصف؛ لأن الهبة فاسدة؛ لأنها هبة المشاع، والمقبوض بحكم الفاسد مضمونة، فالخمسة التي هلكت نصفها أمانة، ونصفها مضمونة، فيجب ضمان نصفها، وذلك
стр. 2173
درهمان ونصف، والخمسة التي استهلكها كلها صارت مضمونة بالاستهلاك، فيضمن سبعة دراهم ونصف لهذا، ولو قال: ثلاثة من هذه العشرة لك، والسبعة الباقية سلمها إلى فلان، فهلكت الدراهم في الطريق يضمن الثلاث؛ لأنها كانت هبة فاسدة، ولو كان ذلك وصية من الميت لم يضمن شيئاً؛ لأن وصية المشاع جائزة، ولا يضمن في المسألتين جميعاً.
في «المنتقى» إبراهيم بن رستم عن محمد: رجل له على رجل مائة درهم، فدفع المطلوب إلى الطالب مائتي درهم، وقال: هذا مالك فخذها فأخذها فضاعت، والآخذ لا يعلم كم هي؛ قال أبو حنيفة: لا شيء عليه، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه مائة درهم، فالكلام لأبي حنيفة ظاهر، وأما الكلام لهما: أن إحدى المائتين مقبوض بجهة اقتضاء الدين، والمقبوض بجهة الشيء يلحق بحقيقة ذلك الشيء؛ عرف ذلك في موضعه، والمقبوض بحقيقة الاقتضاء مضمون؛ لما عرف أن الديون تقضى بأمثالها، فكذا المقبوض بجهة اقتضاء الدين.
وذكر بعد هذه المسائل مسائل هشام عن محمد: رجل له على رجل ألف درهم دين، أعطاه ألفين، وقال: ألف منها قضاء من حقك، وألف تكون وديعة، فقبضها، وضاعت، وقال: هو قابض حقه، ولا يضمن شيئاً؛ لأن في هذه الصورة القبض بجهة الاقتضاء حصل بقدر الألف لا غير.
وفيه أيضاً: رجل له على رجل ألف درهم، فقال: ابعث بها مع فلان، فضاع من يد الرسول، فضاع من مال المديون، وهذا بناءاً على أن يد الرسول يد المديون؛ لأن اختيار الرسول إليه؛ لأن يبعث مال نفسه، ويقول رب الدين: ابعث بها على يد فلان؛ لا يلزمه البعث على يديه، فهو معنى قولنا: إن يد الرسول يد المديون، فلهذا كان الهلاك على المديون.
في «فتاوى النسفي» : أمة أسرت شيئاً من مال اكتسبته في بيت المولى، وأودعته عند رجل، فهلكت في يده، فللمولى أن يضمن المودع؛ لأنها مال المولى أودعته بغير إذن المولى، فكان المودع مودع الغاصب، فيضمن، والله أعلم بالصواب. تم كتاب الوديعة بحمد الله تعالى.
стр. 2174
كتاب العارية
هذا الكتاب يشمل على عشر فصول:
١ * في بيان شرط جواز الإعارة، وبين نوعها وصفتها
٢ * في الألفاظ التي تنعقد بها العارية
٣ * في التصرفات التي يملكها المستعير في المستعار والتي لا يملك
٤ * في خلاف المستعير
٥ * في تضييع العارية ما يضمنه المستعير، وما لا يضمن
٦ * في رد العارية
٧ * في استرداد العارية، وما يمنع من استردادها
٨ * في الاختلاف الواقع في هذا الباب، والشهادة فيه
٩ * في المتفرقات
стр. 2175
الفصل الأول في بيان شرط جواز الإعارة، وبيان نوعها وصفتها
أما بيان شرطها فنقول: شرط جواز الإعارة كون العين قابلة للانتفاع به مع بقاء العين، وكونه قابلاً لتمليك بمنافعه بعوض بعقد الإجارة حتى كان إعارة الدراهم والدنانير والفلوس قرضاً؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بهذه الأشياء مع بقاء العين، فيقدر العمل بحققة الإجارة في هذه الأشياء؛ لأن الإجارة شرعت لتمليك المنفعة مع بقاء العين على ملكه، فيجعل كناية عن عقد آخر، وأمكن جعله كناية عن القرض؛ لأن العارية متى تحققت كان من حكمها رد العين.
والقرض يوجب أداء المثل قائماً مقام العين، وهذا إذا حصل إعارة الدراهم والدنانير مطلقة، أما إذا عين في الإعارة انتفاعاً يتأتى مع بقاء العين لا يكون قرضاً؛ بل يكون عارية، وذلك يجوز أن يعير من صيرفي دراهم ليحمل بها في حانوته وليصير بها ستمئة، ذكر هذه الزيادة شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب العارية، ويجب أن يكون الحكم في إعارة جميع ما يكال أو يوزن هكذا.
وقال الفقيه أبو بكر فيمن قال لآخر: أعرتك هذه القصعة من الثريد، فأخذها، وأكلها، فعليه مثلها، أو قيمتها بناءً عل ما قلنا إن الإعارة ما لا يمكن الانتفاع مع بقاء العين قرض، قال الفقيه أبو الليث: الجواب هكذا إذا لم يكن بينهما مباسطة، أو دلالة الإباحة ونحوها.
وفي «العيون» : من أخذ رقعة يرقع بها قميصه، أو خشبة يدخلها في بنائه، أو آجرة فهو ضامن؛ لأن هذا ليس بعارية؛ بل هو قرض؛ هذا إذا لم يقل: لأردها عليك؛ أما إذا قال: لأردها عليك فهو عارية، وتصح الإعارة من غير بيان الوقت والمكان، وما يحمل على الدابة؛ لأن جهالة هذه الأشياء في الإعارة لا تفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم؛ لأنها لا توجب التسليم، وعند ذلك للمستعير أن ينتفع بالدابة من حيث الحمل والركوب؛ كما ينتفع بدابة نفسه في قليل المدة وكثيرها.
وأما بيان نوعها فهي نوعان: مطلقة ومؤقتة؛ نحو أن يقول في الإعارة شهراً، أو يقول: إلى مكان كذا، أو يقول: يحمل عليها كذا، ففيما كانت مطلقة يجب إجراؤها على إطلاقها، أو فيما كانت مقيدة يجب رعاية القيد فيه.
وأما بيان صفتها، فنقول: صفتها أنها غير لازمة، وللمعير أن يرجع فيها متى شاء؛ لأن الإعارة تبرع بالمنفعة، فلا تكون لازمة قبل قبضها؛ كالتبرع بالعين، وما لم يستوف من المنفعة في المستقبل لم يتصل بها القبض، ومن صفتها أنها ترتفع لمجرد النهي، ويبطل بموت أحدهما أيهما مات.
стр. 2176
الفصل الثاني في الألفاظ التي تنعقد بها العارية
تنعقد العارية بلفظ التمليك؛ حتى أن (١٣١ب٢) من قال لغيره: ملكتك منفعة داري هذه شهراً؛ جعلت لك سكنى داري هذه شهراً؛ كانت عارية، وكذلك إذا قال: داري لك سكنى كانت عارية؛ لأن قوله لك: يحتمل تمليك العين، وتمليك المنفعة، وقوله سكنى يكون تفسيراً لذلك المحتمل، وكذلك إذا قال: عمرتي سكنى كانت عارية لما قلنا، وإذا استعار من آخر أرضاً على أن يبني فيها ويسكنها ما بدا له، فإذا خرج فالبناء لصاحب الأرض، فهذا لا يكون إعارة؛ بل يكون إجارة فاسدة؛ وهذا لأن الإعارة تمليك المنافع بغير عوض، ولما شرط البناء لرب الأرض، فقد شرط العوض، وهذا هو معنى الإجارة، والعبرة للمعاني دون الألفاظ؛ ألا ترى أن من قال لغيره: وهبت لك هذه الدار بألف درهم بيعاً، واعتبر المعنى دون اللفظ؛ كذا ههنا.
الفصل الثالث في التصرفات التي يملكها المستعير في المستعار والتي لا يملك
ليس للمستعير أن يؤاجر المستعار من غيره، وإذا آجر صار ضامناً، وكان الأجر له، ويتصدق به في قول أبي حنيفة ومحمد، وله أن يعير من غيره؛ سواء كان شيئاً يتفاوت الناس في الانتفاع أو لا يتفاوت؛ إذا كانت الإعارة مطلقة، ولم يشترط على المستعير أن ينتفع بنفسه، فأما إذا شرط على المستعير أن ينتفع بنفسه، فله أن يعيرها فيما لا يتفاوت الناس في الانتفاع، وليس له أن يعير فيما يتفاوت الناس في الانتفاع به.
هذا إذا استعار من آخر ثوباً ليلبسه المستعير بنفسه، أو دابة ليركبها المستعير بنفسه، فليس له أن يلبس غيره، وأن يركب غيره؛ لأنه شرط لبسه وركوبه، وهذا شرط مفيد في حق المالك؛ لأن الناس يتفاوتون في اللبس والركوب.
ولو استعار داراً ليسكنها المستعير بنفسه؛ فله أن يسكنها غيره، وإن شرط سكنى المستعير؛ لأن هذا شرط غير مفيد؛ لأن الناس لا يتفاوتون في السكنى، ولو استعار ثوباً للبس ولم يسم اللابس، أو استعار دابة للركوب ولم يسم الراكب، فله أن يلبس ويركب غيره عملاً بإطلاق العقد، فإن ألبس غيره في هذه الصورة، أو أركب غيره، ثم ركب بنفسه أو لبس بنفسه، أو ركب بنفسه، ثم أركب غيره؛ ظاهر ما ذكر شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام خواهر زاده، أنه لا يضمن.
ونص فخر الإسلام علي البزدوي في شرح «الجامع الصغير» : أنه يضمن، وهل له أن يودع؟ اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: ليس له أن يودع، وإليه أشار في كتاب الوديعة، فإنه قال ثمة: إذا رد المستعير الدابة على يدي أجنبي فضاعت ضمن، ولو ملك الإيداع لما ضمن.
стр. 2177
وإليه أشار في «السير الكبير» أيضاً في باب من يرضخ له من الأولاد وغيره، وقال بعضهم: له أن يودع، وهو اختيار مشايخ العراق، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، والصدر الشهيد برهان الأئمة، وإليه أشار محمد في آخر عارية الأجناس هؤلاء قالوا: ما ذكر في كتاب الوديعة تأول، وتأويله أن الإعارة قد انقطعت فبقي المستعير مودعاً، والمودع لا يملك الإيداع بالاتفاق، ولكن هذا التأويل غير صحيح على ما هو موضوع المسألة في «السير الكبير» فينظر ثمة ذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الديات في باب قبل باب..... للمستعير أن يربط الدابة في الدار المستعار؛ لأن ذلك من جملة السكنى، فهلكة المستعير كالمستأجر، ذكر الصدر الشهيد في الباب الأول من «واقعاته» : أن من أعار رجلاً شيئاً، وقال له: لا تدفع إلى غيرك، فدفع فهلك عنده فهو ضامن؛ لأنه دفع بغير إذنه، هكذا قاله أبو جعفر، قال الصدر الشهيد: مراده من هذه المسألة مال لا يختلف الناس في الانتفاع به، أما المال الذي يختلف الناس في الانتفاع يضمن بالدفع إلى غيره، وإن لم يقل له المالك لا تدفع إلى غيرك، وما ذكر الصدر الشهيد مستقيم فيما إذا كانت العارية مقيدة بشرط على المستعير أن ينتفع به بنفسه، أما إذا كانت الإعارة مطلقة لا يضمن المستعير بالدفع إلى غيره إذا لم يقل له المالك لا تدفع إلى غيرك، وإن كان مالاً يختلف الناس في الانتفاع به، وقد ذكرنا ذلك في أول الفصل.
الفصل الرابع في خلاف المستعير
استعار من آخر دابة ليحمل عليها شيئاً، فحمل عليها غير ذلك، فهذه المسألة على أربعة أوجه:
الأول: أن يحمل عليها غير ما سماه المالك، إلا أنه مثل ما سماه المالك في الضرر على الدابة من جنسه؛ بأن استعار ليحمل عشرة مخاتم من هذه الحنطة فحمل عليها عشرة مخاتم من حنطة أخرى، أو ليحمل عليها حنطة نفسه، فحمل عليها حنطة غيره، وفي هذا الوجه لا ضمان عليه؛ لأن هذا التقييد لم يعتبر إذ لا فائدة فيه.
الثاني: إذا خالف في الجنس بأن استعار ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة، فحمل عليها عشرة أقفزة شعير فهلكت لا ضمان عليه استحساناً؛ لأن هذا أقل ضرراً بالدابة، فأما إذا حمل عليها أكثر من عشرة مخاتم من الشعير؛ إلا أنه في الوزن مثل الحنطة؛ ذكر شمس الأئمة السرخسي أنه يضمن مطلقاً، وذكر الشيخ الإمام الزاهد شيخ الإسلام: أنه لا يضمن استحساناً، وهو الأصح؛ لأن ضرر الشعير مثل ضرر الحنطة في حق الدابة عند
стр. 2178
استوائهما وزناً؛ لأنه يأخذ من موضع الحمل من الدابة أكثر مما تأخذه الحنطة، فصار ذلك داخلاً في الإذن.
الثالث: إذا خالف إلى ما هو أضر بالدابة؛ بأن استعارها ليحمل عليها حنطة، فحمل عليها آجراً أو حديداً أو لبناً مثل وزن الحنطة فهو ضامن؛ لأن هذا يأخذ من ظهر الدابة أقل، فكان أدق على الدابة، فيكون أضر بالدابة، وكذا إذا حمل عليها في هذه الصورة قطناً أو تبناً أو حطباً أو تمراً؛ لأن هذا يأخذ ما وراء موضع الحمل، وذلك أضعف فيكون أضر بالدابة.
الرابع: أن يخالف في أن استعارها ليحمل عليها عشرة مخاتم حنطة، فحمل عليها خمسة عشر مختوماً، فهلكت الدابة، وفي هذا الوجه يضمن ثلث قيمتها، وهذا بخلاف ما إذا استعار ثوراً ليطحن به عشرة مخاتم حنطة، فطحن أحد عشر حيث يضمن جميع قيمة الدابة.
وموضع الفرق: أول كتاب العارية من شرح شمس الأئمة السرخسي، وهذا إذا كانت الدابة تطيق حمل خمسة عشر مختوماً، فإن كانت لا تطيق يصير متلفاً لها، فيضمن جميع قيمة الدابة، أخذ المستعير في مكان آخر ضمن، وإن كانا في المسيل مثل الطريق المشروط؛ لأن الطرق متفاوتة في السهولة والصعوبة، في الخشونة واللين، فكان خلافاً إلى شر.
استعار دابة ليركبها هو، فحمل مع نفسه (١٣٢أ٢) رجلاً وهلكت الدابة؛ ضمن النصف، ولا يعتبر الثقل، والخفة كما يعتبر في حق الأحمال؛ قالوا: وهذا إذا كانت الدابة تطيق حمل رجلين، فأما إذا كانت لا تطيق حمل رجلين؛ ضمن الكل.
إذا استعار الدابة من آخر ليركبها إلى مكان معلوم، وأخذ بها في طريق آخر، فعطبت؛ هل يضمن؟ فهذا على وجهين: إن ذهب بها إلى ذلك المكان في طريق لا يسلكه الناس، فهو ضامن، وإن كان طريقاً مسلوكاً لا يضمن؛ وذلك لأنه لما استعارها للذهاب إلى المكان المسمى، ولا يمكنه الذهاب إليه إلا بطريق؛ لأنه من إدخال الطريق تحت الإذن، فأدخلنا تحت الإذن الطريق المسلوك باعتبار العرف، والعادة لا غير المسلوك، وإذا أدخل تحته المسلوك صار كأنه نص على ذلك، فقال: اذهب إلى مكان كذا في طريق يسلكه الناس، ولو نص على هذا إذا ذهب بها في طريق لا يسلكه الناس، يصير ضامناً، فإذا ذهب بها في طريق يسلكه الناس لا يضمن، فكذا هذا.
وفي «فتاوى» شمس الإسلام محمود الأوزجندي: إذا سلك طريقاً ليس هو طريق الجادة، وهو الذي يقال بالفارسية: يريبه يضمن.
استعار دابة ليركبها في حاجة مسماة إلى ناحية من نواحي الكوفة، فأخرجها إلى الفرات ليسقيها، والناحية التي استعارها إليه من غير ذلك المكان، فهلكت، فهو ضامن لها؛ لأنه أخرجها في ناحية لم يؤذن له في الإخراج إليها أصلاً من غير ضرورة؛ لأنه يمكنه سقيها بالإخراج في الناحية التي أذن له بالركوب فيها، فيصير متعدياً ضامناً.
стр. 2179
استعار من آخر ثوراً ليكرب أرضه، وعين الأرض، فكرب أرضاً أخرى غير تلك الأرض، وعطب الثور، فهو ضامن؛ لأنه خالف شرطاً مفيداً؛ لأن الأراضي يتفاوت كرابها من حيث الصعوبة، والسهولة تفاوتاً فاحشاً، وإذا استعار دابة إلى مكان مسمى، فجاوز المستعير ذلك المكان، ثم عاد إليه، فهو ضامن لها حتى يردها على المالك قبل هذا إذا استعارها إلى ذلك المكان ذاهباً لا جائياً، فأما إذا استعارها ذاهباً وجائياً، فإذا أتى ذلك المكان المسمى يبرأ عن الضمان؛ وهذا لأنه إذا استعار ذاهباً لا جائياً، فإذا بلغ ذلك المكان انتهى العقد، فإذا جاوزه دخل العين في ضمانه، فإذا عاد إليه فقد عاد إلى الوفاق.
ألا ترى أن المودع إذا خالف، ثم عاد إلى الوفاق، والعقد منتهٍ بأن كان مؤقتاً لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك، فكذا هذا، فأما إذا استعار ذاهباً وجائياً، فإذا عاد إلى ذلك المكان، فقد عاد إلى الوفاق، فالعقد باق، فيبرأ عن الضمان؛ كالمودع إذا عاد إلى الوفاق والعقد باق، فهذا القائل يسوي بين المودع وبين المستعير، وبين المستأجر إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق، ويقول ببراءة الكل عن الضمان.
ومن المشايخ من قال في مسألة العارية: لا يبرأ عن الضمان ما لم يردها على أن المالك سواء استعارها ذاهباً وجائياً، أو ذاهباً لا جائياً، وهذا القائل يقول بأن المستعير والمستأجر إذا خالفا، ثم عادا إلى الوفاق لا يبرأان عن الضمان بخلاف المودع إذا خالف، ثم عاد إلى الوفاق، والقول الأول أشبه، والتفصيل الذي ذكرنا في مسألة العارية مذكور في الشروط و «النوادر» ، وإليه أشار محمد في عارية «الأصل» ، وبه أخذ الشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀.
الفصل الخامس في تضييع العارية ما يضمنه المستعير، وما لا يضمن
إذا كان على دابة بإجارة أو عارية، فنزل عنها في السكة، ودخل المسجد ليصلي، فخلى عنها فهلكت، قال: هو ضامن لها، وكذلك إذا أدخل الحمل بيته، وخلى عنها في السكة فهلكت، فهو ضامن لها، من مشايخنا من قال: هذا إذا لم يربطها بشيء، أما إذا ربطها لا يضمن؛ لأنه متعارف، ومنهم من قال: يضمن على كل حال، وإطلاق محمد يدل عليه، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب العارية؛ وهذا لأنه لما دخل المسجد أو البيت، وتركها خارج المسجد أو البيت، ألا ترى أنه لو سرق سارق في هذه الحالة لا يقطع.
قال محمد في «الكتاب» : ولو كان يصلي في صحراء، فنزل عن الدابة وأمسكها فانفلتت منه، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يترك حفظها، فهذه المسألة دليل على أن المعتبر
стр. 2180
أن لا يغيبها عن بصره.
وفي «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد: استعار دابة، أو استأجرها إلى المقابر يشيع جنازة فركبها ثم رجع، فدفع بها إلى إنسان ليصلي، فسرقت، فلا ضمان على المستعير ولا على المستأجر، وصار الحفظ بنفسه في هذا الوقت مستثنى عن العقد.
وفي «فتاوى الفضلي» : عن محمد فيمن استعار دابة فحضرت الصلاة، فدفعها إلى غيره ليمسكها فضاعت، قال: إن كان شرط في العارية ركوب نفسه ضمن، وإلا فلا يضمن؛ لأن في الأول لا يملك الإعارة، وفي الثاني يملك، ومن ملك الإعارة يملك الإيداع.
وفيه أيضاً: رجل استعار ذهباً، فقلد صبياً، فسرق، فهذا على وجهين؛ إما إن كان الصبي يضبط ما عليه، أو لا، ففي الأول: لا يضمن؛ لأنه لم يضيع، وفي الوجه الثاني: يضمن؛ لأنه لم يضيع.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : امرأة استعارت من امرأة سراويل لتلبسه، وهي تمشي، فزلقت رجلها، فتخرق السراويل؛ لا ضمان عليها؛ لأنه لا صنع لها فيه.
وفيه أيضاً: رجل استعار ثوراً من رجل على أن يعيره ثوره يوماً، ثم جاء ليستعير ثوره وكان الرجل غائباً، فاستعار من امرأته، فدفعت إليه، فذهب به إلى الأرض فضاع ضمن؛ لأنه قبض بغير إذن المالك.
وفي «فتاوى أبي الليث» : رجل استعار من رجل بقراً، فاستعمله، ثم تركه في المرج، فضاع، فهذا على وجهين: إما إن علم أن المعير يرضى بكونه فيها يرعى وحده كما هو عادة بعض أهل الرساتيق، أو لم يعلم ذلك عنه؛ بأن كانت العادة مشتركة، ففي الوجه الأول لا يضمن؛ لأنه تركه في المرج بإذنه، وفي الوجه الثاني يضمن؛ لأنه تركه بغير إذنه.
وفيه أيضاً: رجل طلب من رجل ثوراً عارية، فقال له المعير: أعطيك غداً، فلما كان الغد أخذ المستعير الثور بغير إذنه، واستعمله، ومات في يد المستعير؛ ضمن؛ لأنه أخذ بغير إذنه، ولو رده فمات عنده لا ضمان عليه؛ لأنه بالرد برىء عن ضمانه، وفي «مجموع النوازل» : إنه لا ضمان على المستعير، وإن مات في يده قبل الرد على المالك.
دخل الحمام واستعمل القصاع، فوقعت من يده وانكسرت، فلا ضمان، وكذا إذا أخذ كوز الفقاع، فسقط وانكسر فلا ضمان؛ لأنه عارية في يده، ولم يوجد منه التعدي.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : امرأة أعارت شيئاً بغير إذن الزوج؛ إن أعارت من متاع البيت مما يكون (١٣٢ب٢) في أيديهن عادة فضاع فلا ضمان؛ لأنها أعارت بإذن الزوج.
وفي «الأصل» : إذا كانت العارية مؤقتة بوقت، فأمسكها بعد الوقت، فهو ضامن لها، ومن مشايخنا من قال: هذا إذا انتفع به بعد مضي المدة، فأما إذا لم ينتفع به فلا ضمان، ومنهم من قال: يضمن على كل حال.
وفرق هذا القائل بين العارية، وبين الوديعة، فإن الوديعة إذا كانت مؤقتة بوقت،
стр. 2181
فأمسكها المودع بعد مضي الوقت، وهلكت في يده لا يضمن ما لم ينتفع به، وكذلك المستأجر إذا أمسك المستأجر بعد مضي المدة لا يضمن ما لم ينتفع به، والفرق: أن الرد على المستعير، فكأنه قال له صاحب العارية: ردها علي بعد مضي اليوم، فإذا لم يرد صار مانعاً العارية بعد الطلب، فيصير ضامناً؛ بخلاف المودع والمستأجر، ويستوي فيه أن تكون العارية مؤقتة نصاً أو دلالة، حتى قيل: إن من استعار من آخر قدوماً ليكسر به حطباً، فكسر الحطب، وأمسكه حتى هلكت؛ ضمن.
إذا ربط المستعير الحمار على الشجر بالحبل الذي عليه، فوقع الحبل في عنقه، ومات؛ لا يضمن المستعير.
هكذا حكى فتوى شمس الإسلام محمود الأوزجندي: رجل استعار من رجل دابة، فنام المستعير في المفازة، ومقودها في يده، فجاء إنسان وقطع المقود وذهب بالدابة؛ لا ضمان عليه، ولو مد المقود من يده وأخذ الدابة، وهو لم يشعر بذلك ضمن؛ لأن في الوجه الأول: غير مضيع، وفي الوجه الثاني: مضيع؛ إذا نام بصفة أمكن مد المقود من يده هكذا ذكر في «فتاوى أبي الليث» قال الصدر الشهيد في «واقعاته» : ويجب أن يكون تأويله إذا نام مضطجعاً؛ أما إذا نام جالساً لا؛ لأنه لو نام جالساً، والمقود ليس في يده لا يعد مضيعاً، فإنه نص أن المودع إذا نام جالساً، فسرقت الوديعة؛ لا ضمان عليه، والمودع والمستعير في هذا الأمر سواء؛ نص على التسوية شمس الأئمة السرخسي في كتاب وديعة السرقة.
قالوا: فإنما يجب الضمان بالنوم مضطجعاً إذا كان في الحضر؛ أما إذا كان في السفر، فلا، وعلى هذا إذا وضع المستعار بين يديه، ونام قاعداً؛ لا ضمان عليه، وإن نام مضطجعاً يضمن؛ إذا كان في الحضر.
وقد وقعت في زماننا: أن رجلاً استعار مراً ليسقي به أرضه، ففتح النهر ووضع المر تحت رأسه، ونام مضطجعاً كما هو عادة أهل الرستاق، فسرق منه، فأفتوا أنه لا يضمن، ولو وضع المستعار تحت رأسه، أو تحت جنبه، ونام عليه مضطجعاً؛ لا يجب الضمان.
في «الأصل» : جاء رجل إلى المستعير، وقال: إني استعرت من فلان هذا الذي هو عارية عندك من جهته، وأمرني أن أقبضه منك، فصدقه المستعير، ودفعه إليه، فضاعت الوديعة في يده، ثم جاء المالك، وأنكر أن يكون أمره بذلك، فالقول قول المالك، والمستعير ضامن؛ لأنه دفع مال المالك إلى غيره، وإنه سبب الضمان يوجبه الأصل، إلا إذا كان بإذن المالك، ولم يثبت الإذن ههنا لما أنكر المالك ذلك.
فإن قيل: لماذا لا يجعل هذا إعارة من المستعير الأول من غيره حتى لا يجب عليه الضمان.
قلنا: إذا أعار المستعير من غيره إنما لا يضمن؛ لأنه يقيم يده مقام يد نفسه، وههنا تسليمه إلى الثاني لم يكن بهذا الطريق.
ألا ترى أن ثمة لو أراد المستعير استرداده من يد الثاني له ذلك، وفي الفصل
стр. 2182
الثاني: لو أراد المستعير استرداده من يد الثاني ليس له ذلك، وإذا طلب المعير العارية فمنعها المستعير عنه، فهو ضامن وهذا ظاهر، وإن لم يمنعه منه، ولكن قال لصاحبه: دعه عندي إلى غدٍ ثم أرد عليك فرضي بذلك، ثم ضاع لا ضمان عليه؛ لأنه أعاره مرة أخرى؛ هكذا ذكر المسألة في «الأصل» ، وذكر في «فتاوى أبي الليث» هذه المسألة في صورة أخرى، فقال: إذا قال المستعير: نعم أدفع، وفرط في الدفع حتى مضى شهر، ثم سرق من المستعير؛ جعلها على وجهين:
الأول: أن يكون المستعير عاجزاً عن الرد وقت الطلب، وفي هذا الوجه لا ضمان.
والوجه الثاني: أن يكون المستعير قادراً على الرد وقت الطلب، وإنه على وجوه ثلاثة؛ إما إن نص المعير على السخط، أو لم ينص على السخط، والرضا، وفي هذين الوجهين يجب الضمان، وإما إن نص على الرضا وقال: لا بأس به، وفي هذا الوجه لا ضمان، ويكون هذا منه ابتداءاً إعارة، وإذا أرسل الرجل رسولاً إلى غيره، وهما ببخارى استعير له دابة منه إلى بيوت سكنه، فذهب الرسول إلى صاحب الدابة، وقال: إن فلاناً يقول: أعرني دابتك إلى سمرقند، فدفعها إليه، فجاء الرسول بالدابة إلى المستعير، ودفعها إليه؛ ثم بدا للمستعير أن يركبها إلى سمرقند، وهو لا يشعر بما كان من قول الرسول، فركبها، وهلكت الدابة تحته، فلا ضمان؛ لأنه ركبها إلى سمرقند بإذن المالك.
فإن قيل: المستعير لم يحضر يسمع إذن المالك بالركوب إلى سمرقند، والإذن السماع لا يصح.
قلنا: لا بل سمع اعتباراً حيث سمع رسوله، ولو ركبها إلى....... وباقي المسألة بحالها، فهو ضامن؛ لأنه ركبها بغير إذن المعير.
رجل استعار من رجل ثوراً يساوي خمسين درهماً، فقرنه مع ثور يساوي مائة، فعطب ثور العارية، فهذا على وجهين: إن كان الناس يفعلون مثل ذلك عادة يعني يقرنون ثوراً يساوي خمسين بثور يساوي مائة، فلا ضمان لوجود الإذن به دلالة عرفاً، وإن كانوا لا يفعلون مثل ذلك، فهو ضامن في «فتاوى أبي الليث» .
وفيه أيضاً: رجلان يسكنان في بيت واحد؛ كل واحد منهما زاوية فاستعار واحد منهما من صاحبه شيئاً، فطالبه المعير بالرد، فقال المستعير: وجدتها في الطاق الذي في زاويتك، وأنكر المعير، فإن كان البيت في أيديهما لا ضمان عليه؛ لأنه إن لم يثبت الرد لكن لم يصر المستعير مضيعاً بالوضع في الطاق، فلا يضمن.
سئل أبو بكر ﵁: عن معير الكتاب طلب رد الكتاب عليه، وأنعم له فذهب ثم أخبره بالضياع، قال: إن كان المستعير يرجو وجوده ولم ييأس عنه لم يضمن، وإن كان آيساً عن وجوده، ووعده في رده ثم أخبره أنه كان ضائعاً، فعليه الضمان، وهذا
стр. 2183
التفصيل خلاف ما ذكر محمد، فقد ذكر أنه إذا وعد له الرد ثم أخبره بالضياع قبل ذلك، فلا ضمان.
وفيه أيضاً: بعث الرجل أجيره إلى رجل ليستعير منه دابته، فأعارها وعليها عنانه فسقطت العنان إن سقطت العنان بعنف الأجير، فهو ضامن، وإلا فلا ضمان.
وفيه أيضاً: استعار من آخر ثوباً.... ويقال بالفارسية: «خواره» ، فضاع السير من ... ، فلا ضمان على المستعير إذا لم يترك حفظه.
وفيه أيضاً: سئل نصير عمن استعار حماراً إلى الطاحونة، فأدخله في المربط الذي هناك، ووضع على الباب خشباً كيلا يخرج الحمار، فسرق، قال: إن استوثق وثيقه لا يقدر الحمار على الذهاب، فلا ضمان؛ لأنه غير مضيع.
وفي «الجامع الأصغر» : امرأة استعارت ملاءة (١٣٣أ٢) فوضعتها داخل الدار، والباب مفتوح، فصعدت السطح، فلما نزلت لم تجد المرأة الملاءة؛ قيل: لا ضمان عليها، وقيل: هي ضامنة.
العبد المحجور إذا استعار من آخر شيئاً واستهلكه، فهذا على الخلاف المعروف فيما إذا كان مودعاً واستهلكه، عبد محجور عليه أعار عبداً محجوراً عليه شيئاً، فاستهلكه المستعير منه (و) استحق المستعار رجل فله الخيار؛ إن شاء يضمن أيهما شاء؛ لأن الأول غاصب، والثاني غاصب الغاصب، فإن ضمن الثاني لا يرجع على الأول؛ لأنه ضمن بسبب القبض، وفي القبض عامل لنفسه.
ألا ترى أنه لو كان الثاني حراً لا يرجع على أحد بشيء، وإن ضمن الأول فلمولاه أن يرجع بما ضمن على الثاني بخلاف الحر؛ وذلك لأن الحر بالضمان يملك المستعار؛ حيث إنه أعار ملك نفسه، والعبد إذا ضمن، فالملك يثبت لمولاه، فيصير الأول معيراً ملك مولاه، والعبد إذا أعار ملك مولاه، وهلك في يد المستعير؛ كان للمولى أن يضمن المستعير.
وفي «مجموع النوازل» : رجل باع من رجل حصيراً، وأعاره حماره حتى يحمله عليه، وقال له عذاره، ومشية لا يحل عينه فقال: أفعل؛ فلما سار ساعة خلى عن عذاره، وأسرع في المشي فسقط، فانكسر، فعليه ضمان الحمار.
وفيه أيضاً: إذا استقرض القروي ثوراً فأعار عليه الأتراك فلا ضمان على المستقرض قال: لأن هذا عارية، فإن من عادة أهل القرى أنهم يستقرضون الثور؛ بعضهم من بعض يوماً أو ما أشبه ذلك، وينتفعون به؛ ثم يردونها، ويدفعون ثور أنفسهم بعد ذلك إلى صاحب الثور لينتفع هو بالثور الثاني حسب انتفاع الأول بالثور الأول؛ ثم يرده على صاحبه، فهذا في معنى العارية فيها.
وقول محمد في «الكتاب» : إن استقراض الحيوان يوجب الضمان فذلك فيما دفع
стр. 2184
إليه حيواناً استهلكه وينتفع به، ثم يدفع إليه حيواناً آخر مكانه، فيأخذه المستقرض للتملك دون الانتفاع، ورد عينه بعد ذلك.
الفصل السادس في رد العارية
قال محمد في «الأصل» : إذا رد المستعير الدابة مع عبده أو بعض من في عياله، فلا ضمان عليه؛ كما في الوديعة، وهذا هو العرف في الظاهر فيما بين الناس أن المستعير بعدما فرغ من الانتفاع يرد العارية على يدي غلامه أو بعض من في عياله، وإن ردها على عبد صاحب الدابة عبد القوم عليها، وتعاهدها يبرأ عن الضمان، وأراد به ضمان الرد لا ضمان العين؛ لأن ضمان العين لم يجب بعد؛ أما ضمان الرد واجب، فانصرفت البراءة إلى ما كان مضموناً عليه، ولو هلكت الدابة بعد ذلك في يد العبد لا يضمن ضمان العين؛ قال شمس الأئمة السرخسي: وهذا استحسان.
والقياس: أن يضمن كما لو رد الوديعة على يدي من في عيال صاحب الوديعة، والفرق على جواب الاستحسان العرف، فإن الظاهر فيما بين الناس أن سائس الدابة هو الذي يسلم الدابة إلى المستعير عند الإعارة، وهو الذي يسترد منه عند الفراغ عن الحاجة، ومثل هذا العرف لا يوجد في الوديعة، فإن صاحب الوديعة يتولى: أخذها، وإنما أودعها؛ لأنه لم يرضَ بكونها في يدي من في عياله؛ قال شيخ الإسلام: وعلى قياس ما ذكر في العارية يجب أن يقال بأن الغاصب إذا رد المغصوب على عبد المغصوب منه عبداً يقوم على الدابة أنه يبرأ عن الضمان، فأما إذا رد المستعير الدابة على عبد لا يقوم عليها، ولا يحفظها؛ هل يبرأ عن ضمان الرد؛ ذكر شيخ الإسلام وقال: يجب أن لا يبرأ كما في الغاصب إذا رد الدابة المغصوبة على عبد لا يقوم عليها، فإنه لا يبرأ عن ضمانها، وهل يضمن ضمان العين إذا ضاع في يده لم يذكر محمد هذه المسألة ههنا صريحاً، وذكر شمس الأئمة السرخسي ما يدل على أنه يضمن.
فإنه قال في المستعار: لو كان عقد لؤلؤة، فردها على عبد يقوم على الدواب فهو ضامن ما لم تصل إلى المالك.
وهكذا ذكر في «المنتقى» أيضاً: فإنه قال: إذا كانت العارية عقد لؤلؤة فردها على عبدٍ لا يقبض مثله مثلها إنه يضمن، وذكر شيخ الإسلام: أن هذه المسألة تكون على القياس والاستحسان؛ القياس: أن يضمن، وفي الاستحسان: لا يضمن؛ كما لو ردها إلى منزله أو ربطها، وضاع ثمة يضمن قياساً ولا يضمن استحساناً؛ لأن المنزل في يد المولى حكماً، فالرد إلى منزله أو الربط يكون رداً على المالك حكماً، فكذا العبد الذي لا يقوم على الدابة في يد المولى حكماً، فكان الرد عليه كالرد على المولى.
وأشار محمد ﵀ بعد هذه المسألة بمسائل إلى أنه لا يضمن قياساً
стр. 2185
واستحساناً، فقد قال: إذا رد المستعير الدابة، فلم يجد صاحبها ولا خادمه، فربطها في دار صاحبها على معلفها فضاعت؛ لا يضمن استحساناً، فقد شرط الاستحسان عدم صاحبها وخادمه مطلقاً من غير فصل بين خادم يقوم عليها، أو لا يقوم عليها، فهذا إشارة إلى أنه إذا ردها إلى عبد لا يقوم عليها إنه لا يضمن قياساً واستحساناً؛ هذا هو الكلام في العارية.
وأما الكلام في الوديعة، فقد ذكرنا في كتاب الوديعة: أن المودع إذا رد الوديعة على عبد صاحبها أنه ضامن من غير فصل، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب العارية: أن الجواب في الوديعة كالجواب في العارية، وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب العارية: أن المودع ضامن على كل حال؛ كما ذكرنا في كتاب الوديعة، وهكذ ذكر القدوري في «شرحه» ، والفقيه أبو الليث في «فتاويه» .
الفصل السابع في استرداد العارية، وما يمنع من استردادها
ذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى» عن محمد؛ فيمن استعار من آخر أرضاً ليزرعها، فأعارها إياه، وأذن له في ذلك إلى أن أدرك زرعه فزرعها ثم أراد صاحبها أن يأخذها قبل أن تستحصد، فالمزارع بالخيار؛ إن شاء قلع الزرع، وإن شاء كانت الأرض عليه بأجر مثلها إلى أن يستحصد الزرع؛ وهذا لأن المزارع محق في الزراعة؛ لأنه زرع بإذن رب الأرض، فيجب مراعاة حقه في الزرع؛ كما يجب مراعاة حق رب الأرض في الأرض، وذلك بترك الأرض في يد صاحب الزرع إلى وقت إدراك الزرع بالإجارة أو أن صاحب الزرع قلع الزرع؛ لأنه فيه قطع حق صاحب الأرض عن منفعة الأرض مدة معلومة بعوض مع مراعاة حق المزارع في الزرع من كل وجه، وذكر محمد هذه المسألة في «المبسوط» ، وذكر فيها القياس والاستحسان.
القياس: أن يكون لصاحب الأرض أن يخرج الأرض من يد المستعير؛ سواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة، وفي الاستحسان: أن لا يخرج الأرض من يده.
وذكر في «المنتقى» : ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن زرع أرض غيره لنفسه بإذن صاحب الأرض، ثم أراد رب (١٣٣ب٢) الأرض أن يخرج الأرض من يده بعدما زرعها ليس له ذلك حتى يستحصد الزرع؛ لأن التغرير بالمؤمن حرام، فإذا استحصد الزرع ذكر في بعض روايات «المبسوط» أن صاحب الأرض يأخذ الأرض مع الأجر، ولم يذكر هذا في بعض الروايات وكان الفقيه أبو إسحاق الحافظ يقول: إنما يجب الأجر لصاحب الأرض إذا أجر الأرض منه صاحب الأرض أو القاضي، فأما بدون ذلك لايجب الأجر؛ لأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد.
وعبارة «المنتقى» وإن شاء المزارع كانت الأرض عليه بأجر مثلها، ولم يشترط إجارة رب الأرض، والقاضي.
стр. 2186
وعبارة شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : إنه يترك الأرض في يد المزارع بأجر المثل من غير اشتراط إجارة رب الأرض. أو القاضي، وإن أبى المزارع أن تكون الأرض في يده بأجر المثل وكره قلع الزراع أيضاً، وأراد أن يضمن رب الأرض قيمة الزرع، وقال: زرعي متصل بأرضك، فأشبه الصبغ المتصل بثوبك، فلي أن أضمنك قيمته كما في الصبغ؛ لم يذكر هذه المسألة في «الأصل» ، وذكر في «المنتقى» في موضع أن له ذلك إلا إن رضي رب الأرض أن يترك الزرع في أرضه حتى يستحصد أو يكون ذلك منه وفاءً بالشرط الذي شرط في عقد العارية، فلا يلزمه شيء آخر، وقال في موضع آخر: ليس للمزارع أن يضمن رب الأرض قيمة الزرع.
قال في «المنتقى» : وإن أراد رب الأرض أن يعطي المزارع بذره ونفقته ويخرج الأرض من يده، ويكون الزرع له؛ يعني لرب الأرض، ورضي المزارع به، فإن كان لم يطلع من الزرع شيء لا يجوز، وإن كان الزرع قد خرج جاز؛ لأن المزارع يصير بائعاً الزرع، وبيع الزرع قبل أن يخرج لا يجوز بلا خلاف، وبعد أن يخرج فيه كلام، وأشار ههنا إلى الجواز.
ولو استعار داراً ليبني فيها بناءً، أو أرضاً ليغرس فيها نخلاً ففعل ثم أراد رب الدار والأرض أن يخرجه، فله ذلك؛ سواء كانت العارية مطلقة، أو مؤقتة ولا يضمن صاحب الدار والأرض قيمة البناء والأشجار؛ إن كانت العارية مطلقة عند علمائنا، ويضمنها إن كانت العارية مؤقتة، وأراد إخراجه قبل الوقت؛ هكذا ذكر المسألة في «الأصل» ، وذكر في «المنتقى» عن أبي حنيفة أن عليه قيمة البناء سواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة، فصار في العارية المطلقة عن أبي حنيفة روايتان.
وجه ما ذكر في «المنتقى» : أن البناء للدوام، وقد أذن له في ذلك فبالإخراج يصير غاراً، فلدفع الغرور أوجبنا القيمة. وجه ما ذكرنا في «الأصل» : أن الثاني معير، وليس بغرور؛ لأنه بنى هذا البناء معتمداً على إذنه مع علمه أن البناء بهذا الإذن على الجواز دون اللزوم، وأما إذا كانت العارية مؤقتة، وأراد إخراجه قبل الوقت يغرم قيمة البناء والأشجار قائماً يوم الاسترداد باتفاق الروايات؛ لأن التوقيت غير محتاج إليه لتصحيح العارية، وإنما فائدته ضمان تبعية البناء إلى هذا الوقت، وضمان قيمة البناء إن أخرجه قبل الوقت، وإنما يعتبر قيمة البناء قائماً؛ لأن القلع والنقض غير مستحق عليه قبل الوقت ولهذا يضمن له، وإذا لم يكن القلع مستحقاً عليه كان حقه في بناء قائم بغير الاسترداد، فيعتبر قيمته.
كذلك هذا إذا أراد صاحب الأرض إخراجه قبل الوقت، وإن مضى الوقت، فصاحب الأرض يقلع عليه الأشجار والبناء، ولا يضمن شيئاً عندنا؛ لأن القلع بعد الوقت مشروط يقتضي ذكر الوقت فيعتبر بما لو كان مشروطاً نصاً؛ قال: إلا أن يضر القلع بالأرض، فحينئذٍ صاحب الأرض يتملك البناء، والأغراس بالضمان، ويعتبر في الضمان قيمته مقلوعاً؛ لأن القلع مستحق عليه بعد الوقت؛ بخلاف ما لو أراد إخراجه قبل الوقت حيث يضمنه قيمته قائماً؛ لأن النقض والقلع هناك غير مستحق عليه، فكان حق
стр. 2187
المستعير في البناء القائم، وفي الأشجار القائمة.
في «النوازل» : رجل استعار من رجل داراً، وبنى فيها حائطاً بالتراب، ويقال بالفارسية: باجنره، واستأجر الأجراء بعشرين درهماً، وكان ذلك بغير إذن رب الدار، ثم إن صاحب الدار استرد الدار منه، فليس للمستعير أن يرجع بما أنفق؛ لأنه فعل بغير إذنه، وهل له أن ينقض الحائط؟ إن كان قد بناه من تراب من صاحب الأرض، فليس له ذلك؛ لأنه لا يفيد؛ لأن بالهدم يعود تراباً، والتراب حق صاحب الدار، والله أعلم.
الفصل الثامن في الاختلاف الواقع في هذا الباب، والشهادة فيه
قال محمد ﵀ في «الأصل» : رجل استعار من رجل دابة ليركبها إلى حمام أعس فجاوز بها إلى حمام أعس ثم رجع إلى حمام أعس أو إلى الكوفة، والدابة على حالها، ثم عطبت الدابة، فقال رب الدابة: قد خالفت، ولم تردها إلى الموضع الذي أذنت لك، فقال المستعير: قد خالفت فيها، ثم رجعت بها إلى الموضع الذي أذنت لي، فلا ضمان عليَّ، فالقول قول رب الدابة، والمستعير ضامن؛ لأنه أقر بالسبب الموجب للضمان، وهو المجاوزة عن المكان المسمى، ثم ادعى ما يبرئه، وهو العود، فلا يصدق إلا بحجة، فإن أقام البينة أنه قد ردها إلى الكوفة، أو إلى الموضع الذي أخذها إليه، ثم نفقت بعدما ردها، قال: هو ضامن لها حتى يرجعها إلى صاحبها، وتأويله أنه استعارها إلى ذلك المكان ذاهباً جائياً، ومتى كان كذلك كان ضامناً؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة، ولو عاينا أنه عاد إلى المكان المشروط؛ فإنه لا يبرأ؛ لأنه عاد إلى الوفاق، فالعقد منتهٍ، فلا يبرأ عن الضمان، فأما إذا كان ذاهباً وجائياً يبرأ عن الضمان متى أظهر البينة أنه عاد إليه كما لو تمت معاينته، ولو تمت معاينته برىء؛ لأنه عاد إلى الوفاق، والعقد قائم، فيبرأ عن الضمان.
إذا قال: أعرتني دابتك وهلكت، وقال المالك: غصبتها مني، فلا ضمان عليه إن لم يكن ركبها، وإن كان قد ركبها، فهو ضامن، ولو قال: أعرتني، وقال المالك: ركبها وهلكت من ركوبه، فالقول قول الراكب، ولا ضمان عليه.
وفي «القدوري» : وإن اختلف المعير والمستعير في الأيام أو في المكان أو فيما يحمل عليه، فالقول قول رب الدابة مع يمينه؛ لأن الإذن من جهته مستفاد، فكان القول قوله.
وفيه أيضاً: وإذا تصرف المستعير، وادعى أن المعير أذن له وجحد المعير، فهو ضامن؛ إلا بقوم البينة على الإذن؛ لأن سبب الضمان قد تحقق، فإذا ادعى الإذن، فقد ادعى المسقط، فلا يفضل إلا بحجة.H
(١٣٤أ٢)
وفي «المنتقى» : رجل قال لغيره: أعرتني هذه الدار، أو هذه الأرض لأبنيها، أو
стр. 2188
أغرس فيها ما بدا لي من النخل أو الشجر، فغرستها هذا النخيل، وبنيتها هذا البناء، وقال المعير: أعرتك الدار والأرض وفيها هذا البناء والأغراس، فالقول قول المعير؛ لأن البناء والأغراس بحكم الاتصال صار وصفاً للأرض بمنزلة أوصاف الحيوان.
وإن أقاما البينة، فالبينة بينة المعير أيضاً؛ لأن الإعارة لا تكون إلا بعد سابقة الاستعارة، فالمعير ببينته أثبت استعارته الأرض مع البناء والأغراس، وباستعارة الأرض مع البناء والإغراس يصير مقراً بالبناء والإغراس.
الفصل التاسع في المتفرقات
رد المستعار على المستعير، ورد المستأجر على الآجر، والعبرة لما يعود ويحصل.
فالحاصل للآجر بدل المنفعة، وللمستأجر المنفعة، وبدل المنفعة عين فكان خيراً من المنفعة، فكان مؤنة الرد عليه.
والحاصل للمستعير المنفعة، والمعير لا شيء له، فإنما يعود إليه ملكه لا غير، فكان المستعير أسعد حالاً، فكان مؤنة الرد على المستعير ذكره الصدر الشهيد في باب من المسائل المتفرقة من كتاب الإجارة، وفي «الواقعات» نفقة العبد المستعار على المستعير، وكسوته على المعير؛ لأن بقاء المنفعة الحالية بالنفقة، والمنفعة تعود إلى المستعير، ولا كذلك الكسوة.
قال أبو نصر: لو أن رجلاً استعار من رجل عبداً فطعام العبد على المستعير، ولو أن مولى العبد أعاد العبد فطعامه على المعير؛ قال الفقيه أبو الليث: يعني إذا قال مولى العبد: خذ عبدي، واستخدمه من غير أن تستعيره، فإن هذا بمنزلة الوديعة، فطعامه على مولاه.
في «المنتقى» : إذا قال لغيره: أعرني ثوبك، فإن ضاع فأنا له ضامن، فلا ضمان عليه، وهذا الشرط باطل؛ لأنه يخالف قضية التبرع، وكذلك هذا الحكم في سائر الأمانات؛ نحو الودائع وغيرها.
وفيه أيضاً: بشر عن أبي يوسف في المستعير إذا خرج بالدابة، أو الثوب من المصر، فاستعمله، فهو ضامن، وإن خرج به ولم يلبس، ولم يركب؛ ضمن في الدابة، ولم يضمن في الثوب؛ معنى المسألة استعار ثوباً، أو دابة في المصر حتى تقيد الإذن بالاستعمال في (المصر) لما أن الاستعمال خارج المصر يخالف الاستعمال في المصر، ثم خرج بهما عن المصر إن استعمل الثوب والدابة، فهو ضامن، وإن لم يستعملهما ففي الثوب لا ضمان؛ لأنه حافظ له خارج المصر؛ كما هو حافظه في المصر؛ بخلاف الدابة؛ لأنها بمجرد الخروج، صارت عرضة للنفور، فيكون إخراجها إتلافها معنى فيضمن لها.
стр. 2189
وفيه أيضاً: ذكر المعلى في «نوادره» عن أبي يوسف: في رجل استعار محملاً أو فسطاطاً، وهو في مصر، فسافر به؛ لا يضمن، وإن استعار سيفاً أو عمامة، وسافر به ضمن، والفرق: أن الاستعارة، وإن وجدت في المصر؛ إلا أن الفسطاط والمحمل يستعملان خارج المصر عادة، فصار عادتهما إذناً بالمسافرة بهما، ولا كذلك السيف، والعمامة.
وفيه أيضاً: استعار من رجل فرساً ليغزو عليه أربعة أشهر، ثم لقيه المعير بعد شهرين في بلاد المسلمين، وأراد أخذه، فله ذلك، وإن لقيه في بلاد الشرك في موضع لا يقدر على كراء وعلى شراء ليس له أن يأخذه دفعاً للضرر عن المستعير، ويكون على المستعير، أجر مثل ذلك الفرس من ذلك الموضع الذي طلبه منه صاحبه دفعاً للضرر من الطرفين.
ونظير هذه المسألة: رجل استعار من آخر أمة ترضع ابناً له، فلما تعود الصبي وصار لا يرضع إلا منها؛ قال المعير: اردد عليَّ أمتي، فليس له ذلك، وله أجر مثل جاريته إلى أن يفطم الصبي، وكذلك إذا استعار من آخر زقاقاً وجعل فيها زيتاً فأخذه في صحراء، فليس له أن يأخذ الزقاق وله أجر مثلها إلى موضع يجد فيها زقاقاً فيحول زيته.
وفيه أيضاً: إبراهيم عن محمد رجل قال لرجل: أعرني دابتك فرسخين، أو قال: إلى فرسخين، قال: له فرسخان ذاهباً وجائياً، فتصير أربعة فراسخ، وكذلك كل عارية تكون في المصر؛ نحو تشييع الجنازة وأشباهها، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا لمكان العرف الظاهر فيما بين الناس، والقياس أن يكون هذا على الذهاب خاصة، ولا يكون له أن يرجع عليها.
استعار من آخر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فبعث الدابة مع وكيل له ليحمل عليها الحنطة، فحمل الوكيل حنطة نفسه مثلها لا يضمن. في كتاب الشركة في باب خصومة المتفاوضين استعارة الشيء للرهن من غيره جائز، وإنه معروف، والاستعارة ليؤاجر من غيره جائز؛ ذكر شيخ لإسلام في شرح كتاب المزارعة في باب اختلافهما في الزراعة.
وذكر في «فتاوى أبي الليث» : أن والد الصغير ليس له أن يعير متاع ولده الصغير، وذكر شمس الأئمة الحلواني في أول شرح الوكالة: أن للأب أن يعير ولده الصغير، وذكر شمس الأئمة الحلواني، وهل له أن يعير مال ولده الصغير؟ بعض المتأخرين من مشايخنا قالوا: له ذلك، وعامة المشايخ على أنه ليس له ذلك.
صبي استعار من صبي شيئاً كالقدوم، ونحوه، فأعطاه، وكان الشيء لغير الدافع، فهلك في يده؛ إن كان الصبي الأول مأذوناً لا يجب على الثاني شيء، وإنما يجب على الأول؛ لأنه إذا كان مأذوناً صح الدفع منه، فكان التلف حاصلاً بتسليطه، وإن كان الشيء
стр. 2190
للأول لا يضمن الثاني أيضاً لما قلنا، وإن كان الأول محجوراً عليه ضمن هو بالدفع، ويضمن الثاني بالأخذ منه، ويكون الأول غاصباً، والثاني غاصب الغاصب.
استعار من آخر شيئاً، فدفع ولده الصغير المحجور عليه المستعار إلى غيره بطريق العارية، فضاع يضمن الصبي الدافع، وكذا المدفوع إليه؛ لأن كل واحد منهما غاصب في حقه.
أعار من آخر شيئاً وهلك في يد المستعير، ثم استحقه مستحق فله الخيار؛ يضمن أيهما شاء، فإن ضمن المعير، فليس له أن يرجع على المستعير؛ لأنه تبين أنه أعار ملك نفسه، وإن ضمن المستعير، فكذلك لا يرجع على المعير؛ لأن المستعير في القبض عائد لنفسه، فإنما يضمن بسبب عمل لنفسه، فلا يرجع به على غيره.
في «الجامع الأصغر» : أرض بين جماعة؛ أذن واحد منهم للباقين أن يبنوا فيها قصوراً، فبنوا ثم أراد الآذن أن يهدم بناء قصر منها؛ كان لهم منعه، وله أن يأخذهم برفع قصورهم بناء على ما قلنا: إن العارية غير لازمة، والله أعلم. تم كتاب العارية.
стр. 2191
كتاب الشركة
هذا الكتاب يشتمل على ثمانية فصول
١ * في بيان أنواع الشركات، وشرائطها، وحكمها
٢ * في الألفاظ التي تصح الشركة بها والتي لا تصح
٣ * في المفاوضة
٤ * في العنان
٥ * في الشركة بالوجوه
٦ * في الشركة بالأعمال
٧ * في تصرف أحد الشريكين في الدين المشترك
٨ * في المتفرقات
стр. 2192
الفصل الأول في بيان أنواع الشركات، وشرائطها، وحكمها
فأما بيان أنواعها فنقول: شركة العقود أنواع ثلاثة: شركة بالمال، وشركة بالوجوه، وشركة بالأعمال، وكل ذلك على وجهين؛ مفاوضة وعنان، وشرط جواز هذه الشركات كون المعقود عليه عقد الشركة قابلاً (١٣٤ب٢) للوكالة؛ لأن المقصود من هذه العقود الشركة في التصرف، والشركة في التصرف إنما تثبت إذا صار كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في التصرف، فيشترط كون ما عقدا عليه عقد الشركة قابلاً للوكالة لهذا.
ثم الشركة إذا كانت بالمال لا تجوز عناناً كان أو مفاوضة؛ إلا إذا كان رأس مالهما من الأثمان التي لا تتعين في عقود المبادلات؛ نحو الدراهم والدنانير، فأما ما يتعين في عقود المبادلات نحو العروض، فلا تصح الشركة بها سواء كان ذلك رأس مالهما أو رأس مال أحدهما، وإنما لا تصح الشركة بالعروض لما أشار إليه في «الكتاب» : أن رأس المال مجهول، ومعناه أن العروض ليست من ذوات الأمثال، وعند القسمة لا بد من تحصيل رأس المال أولاً ليظهر الربح، فإن كان رأس المال عروضاً فتحصيله عند القسمة يكون بطريق الحزر والظن، فلا يثبت اليقين به، ولمعنى آخر أن كل واحد من الشريكين يصير وكيلاً عن صاحبه بالتصرف، فإذا كان رأس المال عروضاً صار كل واحد موكلاً صاحبه ببيع متاعه على أن يكون له بعض ربحه، وذلك لا يجوز؛ لأن الوكيل بالبيع يكون أميناً ليكون هذا ربح ما لم يضمن في حقه، وإنه لا يجوز، وإذا كان رأس المال دراهم أو دنانير؛ صار كل واحد منهما موكلاً صاحبه بالشراء بماله على أن يكون له بعض الربح وذلك جائز؛ لأن الوكيل بالشراء يكون ضامناً للثمن في ذمته، فيكون هذا ربح ما قد ضمن وإنه جائز.
ويشترط مع ذلك أن يكون رأس المال عيناً، إما حاضراً في المجلس، أو غائباً عن المجلس؛ مشاراً إلى مكانه؛ حاضراً عند الشراء.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» ، والشيخ أبو الحسن القدوري: أن من دفع إلى رجل ألف درهم، وقال: أخرج من عندك ألفاً مثل هذه الألف واشتر بها وبع، فما ربحت من شيء فهو بيننا، ففعل المأمور كذلك، فهو جائز، وإن لم يكن المال حاضراً في مجلس العقد، ولا مشاراً إلى مكانه، واكتفي بوجوده عند الشراء.
وأما التبر من الذهب والفضة، فقد جعله في كتاب الشركة من «الأصل» بمنزلة العروض، فلم تجز الشركة بها، وفي صرف «الأصل» جعله بمنزلة الأثمان فجوز الشركة بها.
قال شمس الأئمة السرخسي: والحاصل: أن المعتبر في هذا العرف، ففي كل بلد
стр. 2193
جرى التعامل بالمبايعة بالتبر، فهو بمنزلة الأثمان لا يتعين في العقود، وتجوز الشركة به، وفي كل بلد لم يجز التعامل بالمبايعة بالتبر، فهو بمنزلة العروض يتعين في العقود، ولا تجوز الشركة به.
فأما الفلوس فالمشهور من قول أبي حنيفة: أن الشركة والمضاربة بها لا تجوز، وعن محمد وزفر: تجوز، محمد وزفر يقولان: إن الفلوس ما دامت رائجة، فهو بمنزلة النقود، وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: الرواج من الفلوس عارض باصطلاح الناس، وذلك يتبدل ساعة فساعة، فلو جوز بالشركة بها أدى إلى جهالة رأس المال عند قسمة الربح إذا كسدت تلك الفلوس؛ لأن رأس المال عند قسمة الربح يحصل باعتبار المالية؛ لا باعتبار العدد، ومالية الفلوس تختلف بالرواج والكساد.
وأما الشركة بالمكيلات والموزونات فقيل: الخلط في جنس واحد في الجنسين المختلفين قبل الخلط وبعد الخلط لا يجوز بالاتفاق، وأما بعد الخلط في جنس واحد، وفي المعدودين إذا اتفقا في المقدار على قول أبي يوسف: لا تصح الشركة، ويكون المخلوط بينهما شركة ملك حتى لو تصرفا وربحا، فالربح بينهما على قدر الملك، وقال محمد: تصح الشركة والربح بينهما على الشرط، فكلام أبي يوسف ظاهر، إن قبل الخلط إنما لا تجوز الشركة؛ لأنها تتعين بالتعيين، وهذا المعنى لا تبطل بالخلط، وما يتعين بالتعيين لا يصلح أن يكون رأس ماله الشركة.
ومحمد ﵀ يقول: بأن المكيلات والموزونات عرض من وجه، ثمن من وجه، ألا ترى أن الشراء بها ديناً في الذمة يصح، وإنه حكم الثمن ويتعين في العقود بالتعيين، وإنه حكم العروض، فمن حيث إنه عرض لم يجز الشركة بها قبل الخلط في الجنس الواحد، ومن حيث إنه ثمن جوز الشركة بها بعد الخلط؛ وهذا لأن باعتبار الشبهين تحقق إضافة عقد الشركة إليها، فيتوقف ثبوته على ما يفوتها، وهو الخلط؛ لأن بالخلط تثبت شركة الملك لا محالة، فتتأكد شركة العقد أيضاً، وفي الجنسين المختلفين: إنما لا تصح الشركة على قول محمد بعد الخلط؛ لأن عقد الشركة عنده يثبت بعد الخلط باعتبار المخلوط، فعند اختلاف الجنس المخلوط ليس من ذوات الأمثال.
ألا ترى أن متلفه يضمن القيمة دون المثل؛ لأنه لا مثل له، فلا يكون الجنس واحداً فالمخلوط من ذوات الأمثال، فيمكن تحصيل رأس مال كل واحد منهما وقت القسمة باعتبار المثل، فأما إذا كان الجنس واحداً فالمخلوط من ذوات الأمثال، فيمكن تحصيل رأس مال كل واحد منهما وقت القسمة باعتبار المثل في الجنس المختلف إذا عملا بذلك؛ إن كانا لم يخلطا أخذ كل واحد رأس ماله كراً مثل كره، وإن كانا قد خلطا، فالثمن يقسم بينهما على قدر قيمة طعام كل واحد منهما يوم خلطاه مخلوطاً، وإنما اعتبر قيمتها يوم الخلط؛ لأن قسمة الثمن بينهما باعتبار الخلط، فيعتبر القيمة يوم الخلط، وإنما اعتبر قيمتها مخلوطاً؛ لأن استحقاق الثمن بمقابلة البيع، والمبيع دخل في البيع مخلوطاً، وإن كان أحدهما يزيده الخلط ضرراً، فإنه يضرب بقيمته يوم يقتسمون غير مخلوط.
стр. 2194
ومعنى المسألة: أن قيمة الشعير تزداد إذا خلط بالحنطة، وقيمة الحنطة تنقص إذا اختلطت بالشعير، فصاحب الشعير يضرب بقيمة الشعير غير مخلوط، وصاحب الحنطة يضرب بقيمة الحنطة مخلوطة؛ لأن الزيادة في الشعير حصلت من مال صاحب الحنطة، فلا يستحق صاحب الشعير الضرب بتلك الزيادة، والنقصان في الحنطة حصل بفعل رضي به صاحب الحنطة، وهو الخلط، وقيمة ملكه عند البيع ناقص، فلا يستحق الضرب إلا بذلك القدر، وطعن عيسى بن إبان في الفصلين جميعاً فقال: قول محمد في الفصل الأول: يعتبر قيمة متاع كل واحد منهما يوم خلطاه، وفي الفصل الثاني: يعتبر قيمة متاع كل واحد منهما يوم يقتسمون غلط، والصحيح: أنه يعتبر قيمة متاع كل واحد منهما يوم وقع البيع؛ لأن استحقاق الثمن بالبيع، وهكذا ذكر محمد في «المنتقى» ، ومما ذكر في «المنتقى» : أن في المسألة روايتين.
وإن أراد تجويز الشركة بالعروض فالحيلة في ذلك أن يبيع كل واحد منهما نصف عروض نفسه بنصف عروض صاحبه حتى صار مال كل واحد منهما مشتركاً بينهما شركة ملك، ثم يعقدان عقد الشركة بعد ذلك إن شاءا مفاوضة، وإن شاءا عياناً، وتصير العروض رأس مال الشركة، والعروض بعدما صار مشتركاً بينهما شركة ملك يصلح رأس مال الشركة، (١٣٥أ٢) وإن كان قبل ذلك لا يصلح.
وكذلك إذا كان لأحدهما دراهم، وللآخر عروض ينبغي أن يبيع صاحب العروض نصف عروضه بنصف دراهم صاحبه، ويتقابضان به مشتركان؛ إن شاءا مفاوضة، وإن شاءا عياناً؛ هكذا ذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الشركة قبل باب بضاعة المفاوض.
وفي «المنتقى» هشام عن محمد: عبد بين رجلين اشتركا فيه شركة مفاوضة أو عيان فهو جائز.
وفيه أيضاً: رجل له طعام، ورجل له طعام، فاشتركا عليهما، وخلطاهما وأحدهما أجود من الآخر، فالشركة في هذا جائزة والثمن بينهما نصفان؛ قال: من قبل أن هذا أشبه البيع معنىً لخلطهما على أنه بينهما. وقال في موضع آخر في هذا الكتاب: يقسم الثمن بينهما على قدر قيمة الجيد والرديء.
ولو كان رأس مال أحدهما دراهم، ورأس مال الآخر دنانير؛ جازت الشركة عند علمائنا الثلاثة عناناً كان أو مفاوضة في المشهور، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المفاوضة لا تجوز، وهكذا روي عن أبي يوسف، وعند زفر والشافعي لا تجوز الشركة أصلاً عناناً كان أو مفاوضة.
وهذا بناءً على أن عند زفر الخليط شرط صحة الشركة، فلا يصح بمالين لا يختلطان، وعندنا الخلط ليس بشرط لصحة الشركة، فيصح بمالين لا يختلطان؛ هذا كله بيان شرائط جواز الشركة بالمال عناناً كان أو مفاوضة.
ثم تختص المفاوضة بزيادة شرائط، فمن جملة ذلك التنصيص على المفاوضة حتى إنهما إذا لم يتلفظا بلفظ المفاوضة كانت الشركة عناناً؛ هكذا عن أبي حنيفة؛ قال شمس
стр. 2195
الأئمة السرخسي في «شرحه» : تأويل هذا أن أكثر الناس لا يعرفون جميع أحكام المفاوضة قائماً مقام ذلك كله، فإن (كان) المتعاقدان يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى المفاوضة وإن لم يصرحا بلفظها؛ لأن العبرة للمعنى دون اللفظ.
ومنها: أن تكون عامة في عموم التجارات؛ إليه أشار محمد في «الكتاب» وذكر شيخ الإسلام في آخر باب شركة المفاوضة أنها لا تجوز في نوع خاص أيضاً.
ومنها: أن يكون كل واحد منهما من أهل الكفالة؛ بأن كانا بالغين عاقلين حرين؛ لأن حكم هذه الشركة صيرورة كل واحد منهما من أهل الكفالة بأن كانا بالغين عاقلين حرين؛ لأن حكم هذه الشركة صيرورة كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه فيما يلحقه من ضمان التجارات فيهما على ما يتبين بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن رأس مالهما على السواء من حيث القدر؛ إن كانا من جنس واحد ونوع واحد، وإن كانا من جنسين مختلفين نحو الدراهم والدنانير، أو كانا من جنس واحد؛ إلا أنه اختلف نوعهما؛ نحو المكسور مع الصحاح؛ يشترط مع ذلك التساوي في القيمة، وإنما شرطنا التساوي في رأس المال في هذه الشركة عملاً بقضية لفظ المفاوضة، فإن المفاوضة مشتقة من المساواة، وعن هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية: إن المفاوضة لا تجوز إذا كانا من رأس مال أحدهما دراهم، والآخر دنانير؛ لأن المساواة بين الدراهم، والدنانير إنما تكون بالقيمة.
وطريق معرفة ذلك بالحزر والظن، وفي ظاهر الرواية يجوز؛ لأن الجنس واحد من حيث المعنى.
ولو كان لأحدهما دراهم بيض، وللآخر سود، وبينهما فضل فيه لم تصح المفاوضة في المشهور من الرواية، وعن أبي يوسف أنه يجوز؛ لأنه لا قيمة للجودة في الأموال الربوية عند مقابلتها بجنسها.
ومن جملة ذلك: أن يستويا في الربح، وأن لا يكون لكل واحد منهما من المال الذي يجوز عليه عقد الشركة سوى رأس المال الذي شارك به صاحبه ابتداءً، وإنها على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ثم إذا صحت الشركة بالمال، فإن كان مفاوضة صار كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه فيما يلزمه من ضمان التجارات، وما يجوز أن يكون واجباً بالتجارة، وما يشبه ضمان التجارة، ويصير كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه فيما وليه صاحبه من التجارات، فيكون مخاصماً فيما وليه صاحبه بحكم الوكالة، فيكون مخاصماً منه بحكم الكفالة، ويصيران في جميع أحكام التجارة بمنزلة شخص واحد، وإنما فعلنا هكذا لما ذكرنا أن اللفظ يقتضي التساوي فيجب اعتبار التساوي في جميع ما يجب لهما وعليهما فيما يجوز أن يكون داخلاً تحت الشركة.
وإن كانت الشركة عناناً يصير كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في عقود التجارات، ولا يكون كل واحد وكيلاً عن صاحبه في استيفاء ما وجب بعقد صاحبه.
стр. 2196
والحاصل: أن في هذه الشركة حقوق العقد ترجع إلى العاقد لا غير، ولا يصير كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه حتى لا يؤخذ كل واحد منهما بما لزم صاحبه؛ هذا كله بيان شرائط الشركة بالمال وحكمها.
جئنا إلى الشركة بالوجوه، فصورتها أن يشترك اثنان ولا مال لهما في نوع خاص، أو في الأنواع كلها على أن يشتريا ويبيعا، وما رزق الله تعالى من شيء فهو بينهما فهذه الشركة جائزة عندنا، وإنما سميت هذه الشركة شركة الوجوه؛ لأنه إنما يشتري بالنسيئة من له وجاهة عند الناس.
وطريق جواز هذه الشركة: أن يجعل كل واحد منهما في التصرف من وجهه وكيلاً عن صاحبه فيقع المشترى مشتركاً بينهما؛ ألا ترى أنه قال: اشتر هذه العين على أن تكون بيننا كان ذلك جائزاً؛ كذا ههنا، وهذه الشركة قد تكون مفاوضة، وقد تكون عناناً، فشرط المفاوضة أن يكونا من أهل الكفالة، وأن يكون الملك في المشترى ههنا نصفين، وثمن المشترى عليها نصفان، وأن يتساويا في الربح، وأن تكون عامة إلا على قول شيخ الإسلام، والتلفظ بلفظ المفاوضة على التأويل الذي ذكره شمس الأئمة السرخسي على ما مر، والعنان بينهما يجوز مع اشتراط التفاضل في ملك المشترى، وينبغي أن يشترط الربح في هذه الشركة على قدر اشتراط ما لهما في المشترى؛ حتى لو تفاضلا في ملك المشترى، واشترطا التساوي في الربح بينهما، أو كان على العكس لا يجوز هذا الشرط، ويكون الربح بينهما على قدر ما شرطا الملك بينهما؛ وهذا لأن اشتراط الربح لأحدهما أكثر مما شرط له من نصيبه من الملك اشتراط الربح من غير ملك ولا ضمان، والربح إنما يستحق بالملك؛ كما في رب المال في باب المضاربة، أو بالضمان كالاستلام إذا تقبل العمل وألقاه على تلميذه بأقل من ذلك الأجر الذي يقبل العمل به؛ يطلب له الفضل، وإنما يطلب له الضمان أما بدون ذلك لا يصح الربح؛ ألا ترى أن من قال لغيره: اعمل في مالك على أن لي بعض الربح لا يجوز.
فإن قيل: يجوز أن يكون فضل بالربح لفضل العمل والربح يستحق بالعمل، ألا ترى أن المضارب يستحق الربح، وإنما يستحقه بالعمل.
قلنا: إنما يستحق الربح بالعمل إذا كان العمل في مال معلوم؛ كذا في المضارب، ولم يوجد ههنا.m
في «المنتقى» : إذا أراد الرجلان أن يشتركا شركة مفاوضة، ولأحدهما دار أو خادم أو عرض، وليس للآخر شيء، واشتركا شركة مفاوضة فيعملان ذلك بوجوههما، ولم يسميا شيئاً من العروض التي لأحدهما في شركتهما كانت (١٣٥ب٢) الشركة جائزة، وهي مفاوضة، والعروض لصاحبها خاصة، وهذه شركة وجوه، وكذلك إذا كان لأحدهما تبر ذهب غير مضروبة، وباقي المسألة بحالها.
جئنا إلى الشركة بالأعمال، وهي نوعان: صحيحة، وفاسدة، فالصحيحة منها أن يشترك اثنان على أن يتقبلا الأعمال من الناس، ويعملان بأبدانهما، فما رزق الله تعالى
стр. 2197
من شيء فهو بينهما، فهذه الشركة جائزة، وقد تكون هذه الشركة مفاوضة عند استجماع شرائطها على ما ذكرنا، وقد تكون عناناً.
وطريق جواز هذه الشركة: أن يجعل كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه بتقبل العمل له، والتوكيل بتقبل العمل له جائز، ولأجل هذا المعنى قلنا: تصح هذه الشركة اتفقت أعمالهما، بأن اشترك قصاران أو خياطان أو اختلفت بأن اشترك خياط وحناط، وقال زفر: إن اختلفت أعمالهما لا تصح؛ لأن كل واحد منهما عاجز عن العمل الذي تقبله صاحبه، فإن ذلك ليس من عمله، فلا يحصل ما هو المقصود من عقد الشركة، ولكننا نقول: جواز هذه الشركة من حيث التوكيل بتقبل العمل، والتوكيل بتقبل العمل صحيح ممن يحسن ذلك العمل، وممن لا يحسن؛ وهذا لأنه لا يتعين على المتقبل إقامة العمل بنفسه بل له أن يقيم بأعوانه وأجرائه، وكل واحد منهما غير عاجز عن ذلك، وفي العنان من هذه الشركة يجوز شرط التفاضل في المال المستفاد بالعمل مع اشتراط التساوي في العمل، وإنما يصح اشتراط التفاضل في المال المستفاد بالعمل إذا شرطا التفاضل في العمل؛ وهذا لأن استحقاق الكسب باشتراط العمل والتقبل دون نفس العمل.
ألا ترى أنه لو عمل أحدهما دون الآخر كان الأجر بينهما على ما اشترطا، ويصير العامل كالمعين لصاحبه على إيفاء ما صار مستحقاً عليهما من العمل بعقد الشركة إذا ثبت أن استحقاق الأجر بتقبل العمل، فإنما يستحق كل واحد منهما من الأجر بقدر ما عليه من العمل، ثم في شركة التقبل إذا لم يتفاوضا لكن اشتركا شركة مطلقة، فدفع رجل إلى أحدهما عملاً، فله أن يأخذ بذلك العمل أيهما شاء، ولكل واحد منهما أن يطالب بأجرة العمل، وإلى أيهما دفع برىء بمنزله المتفاوضين عند أبي حنيفة ﵁ استحساناً، قال هشام: أخبرنا محمد بذلك وهو قول محمد، وكذلك قول أبي يوسف.
قال أبو الفضل في «المنتقى» وكذا روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف من قوله وقول أبي حنيفة، وزاد فيه إذا جنت يد أحدهما، فالضمان عليهما يأخذ صاحب العمل أيهما شاء بجميع ذلك، فقد اعتبرت هذه الشركة مفاوضة في حق هذه الأحكام مع أنهما لم يتفاوضا، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا ﵏؛ لأن هذه الشركة مقتضية للضمان، فإن ما يتقبله كل واحد منهما مضمون على الآخر، ولهذا يستحق الأجر بسبب نفاذ تقبله عليه، فأجروها مجرى المفاوضة في حق ضمان العمل واقتضاء البدل، وفيما عدا ذلك لم يثبتوا معنى المفاوضة في حق ضمان العمل حتى قالوا: إذا أقر أحدهما بدين من ثمن صابون، أو أشنان مستهلك، أو أجر أجير، أو أجرة تثبت لمدة مضت لم يصدق على صاحبه إلا ببينته، وسيأتي بيان هذا الأحكام، والفرق بين المفاوضة والعنان فيما بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا أقعد الصانع معه رجلاً في دكانه يطرح عليه العمل بالنصف جاز استحساناً لتعامل الناس ذلك من غير نكير منكر؛ ولأن بالناس حاجة إلى ذلك، فالعامل قد يدخل بلدة لا يعرفه أهلها، ولا يأمنونه على متاعهم، وإنما يأمنون على متاعهم صاحب الدكان
стр. 2198
الذي يعرفونه، وصاحب الدكان الذي لا يسرع على العامل بمثل هذا في العادة، ففي تجوز هذا العقد تحصيل غرض الكل، فإن العامل يصل إلى عوض عليه، وصاحب الدكان يصل إلى عوض منفعة دكانه، والناس يصلون إلى منفعة عمل العامل، ويطيب لرب الدكان الفضل؛ لأنه أقعده في دكانه، أو أعاره متاعه وربما يقيم صاحب الدكان بعض العمل كالخياط يتقبل المتاع، ويلي قطعه يدفع إلى آخر بالنصف؛ قال شمس الأئمة السرخسي: هذا العقد نظير عقد السلم من حيث إنه رخص فيه لحاجة الناس كالسلم، وقال الصدر الشهيد في شرح كتاب الشركة: طريق الجواز أن يجعل كأنهما اشتركا في التقبل والعمل، ثم يتقبل أحدهما ويعمل الآخر، فعلى هذا القول لو قال صاحب الدكان أنا أتقبل، ولا تتقبل أنت وأطرح عليك لتعمل بالنصف لا يجوز، وكذلك قال أبو حنيفة في الخياط يتقبل المتاع ويلي قطعه، ثم يدفعه إلى الآخر بالنصف يجوز، وكذا في سائر الصناع، قال: ولو تقبل التلميذ جاز، ولو عمل صاحب الدكان جاز أيضاً.
وأما الفاسدة من هذه الشركة: أن يشتركا في الاحتطاب، والاحتشاش وطلب الكنوز، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تملك بالأخذ من المباحات وهذا يبنى على الأصل الذي تقدم أن من شرط جواز الشركة أن يكون ما عقد عليه عقد الشركة قابلاً للوكالة، والتوكيل بهذه الأنواع لا يجوز، وبقبول الأعمال من كل صانع يعمل بالأجرة يجوز التوكيل، فلهذا جاز ذلك النوع، ولم يجز هذا النوع، وإنما جاء الفرق بين النوعين في صحة التوكيل وعدم صحته؛ لأن التوكيل أمر بالتصرف، فإنما تصح إذا حصل الأمر فيما هو ملك الموكل كما في بيع شيء من ماله، وكذا في شراء شيء له؛ لأن الشراء إيجاب في ذمته، وذمة خالص ملكه، وفي شركة التقبل كل واحد أمر صاحبه بإيجاب بعض العمل في ذمته، فيضمن الآمر، وفي أخذ المباحات لم يوجد الأمر بالتصرف في ملكه، فلم يصح الأمر.
الفصل الثاني في الألفاظ التي تصح الشركة بها والتي لا تصح
قال محمد ﵀: إذا اشتركا بغير مال على أن ما اشتريا اليوم فهو بينهما، وخصا صنفاً أو لم يخصا فهو جائز، وكذلك إذا قالا هذا أشهر، وكان ينبغي أن لا يجوز إذا لم يبينا جنس ما يشتريانه في الصفة أو مقدار البدل؛ لأن مبنى الشركة على الوكالة، ومن وكل رجلاً بأن يشتري له شيئاً بهذه الدراهم؛ لا يجوز ما لم يبين الجنس والصفة، أو مقدار الثمن.
والجواب: أن الشركة في معنى وكالة فوض إلى الوكيل الرأي فيما يشتري بأن يقول له: اشترِ لي اليوم ما شئت وذلك جائز، فكذا الشركة، وإنما قلنا: إن الشركة بهذه الصفة التي ذكرنا؛ لأن المقصود من الشركة طلب الربح، وإنما يحصل بهذا المقصود إذا صار الرأي مفوضاً إلى كل واحد منهما في التصرف، وإذا جازت هذه الشركة هل يتوقت
стр. 2199
بالوقت المذكور حتى لا يبقى بعد مضي الوقت؟ لم يذكر محمد هذا الفصل في «الأصل» ، وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه مؤقت، وضعف الطحاوي هذه الرواية.
وقال: نص في كتاب وكالة «الأصل» أن من وكل رجلاً ليشتري له عبداً اليوم، أو ليبيع له عبداً اليوم إن الوكالة لا تتوقت باليوم، وغيره من المشايخ صححوا هذه الرواية وقالوا: ما ذكر في الشركة تصير (١٣٦أ٢) رواية في الوكالة، وما ذكر في الوكالة تصير رواية في الشركة، فصار في المسألة روايتان على قول هؤلاء وهو الصحيح.
ولم يذكر محمد في «الأصل» ما إذا لم يذكر لفظة الشركة، ولكن قال أحدهما للآخر: ما اشتريت اليوم من شيء، فهو بيني وبينك ما حكمه وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يصح؛ إلا إذا ذكر لفظة الشركة، أو ما يدل على الشركة؛ بأن قال: ما أشتري اليوم وما اشتريت، فهو بيني وبينك، أما بدون ذلك لا يجوز ما لم يكن الرأي مفوضاً إلى الوكيل بأن قال: إذا اشتريت ما رأيت اليوم، أو ما شئت اليوم، فهو بيننا.
وروى أبو سليمان عن محمد أنه يجوز، وتثبت الشركة بهذا القدر؛ لأنهما ذكرا حكم الشركة إن لم يذكرا عقد الشركة، والعقد يصير مذكوراً بذكر حكمه ألا ترى أنهما لو ذكرا الشراء من الجانبين يجوز، وإن لم يذكرا الشركة لما ذكرا حكمة الشركة.
وجه ما روي عن أبي حنيفة: أنهما لم يذكرا الشركة، ولم يذكرا حكمة الشركة على الخصوص؛ لأن حكمة الشركة على الخصوص أن يصير كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه، ولم يذكرا ذلك، فلم تثبت الشركة لا نصاً ولا اقتضاء فبقيت وكالة، والوكيل بشراء شيء مجهول الجنس لا يجوز ما لم يكن الرأي مفوضاً إليه بخلاف ما لو ذكرا شراءهما؛ لأنهما ذكرا ما هو حكم الشركة على الخصوص فثبتت الشركة اقتضاءً بذكر الحكم، والشركة جائزة وإن كان المشترى مجهول الجنس.
قال: وكذلك إذا لم يذكرا للشركة وقتاً بأن اشتركا على أن ما اشتريا فهو بينهما؛ لأنهما لما جعلا ما يشتريه كل واحد منهما بينهما علم أنهما أرادا الشركة؛ لأن الوكالة في العادة لا تقع من الطرفين، والشركة لا تفتقر إلى تسمية ما يشتريانه، ولا إلى ذكر الوقت بخلاف الوكالة؛ إذا فوض الرأي إلى الوكيل مطلقاً فيما يشتريه منه؛ إلا أن يقول: ما اشتريت من شيء لي فهو جائز حيث لا بد فيها من ذكر الوقت؛ نحو أن يقول: اليوم، أو شهر كذا، ويذكر مبلغ الثمن، أو نوع ما يشتريه كالبر والدقيق؛ لأن هذه الوكالة، وإن جرت مجرى الشركة بتفويض الرأي فيه إلى الوكيل حتى احتملت الجهالة؛ إلا أنها وكالة مطلقه، ومن حكم الوكالة الخصوص حتى إن من قال لغيره: وكلتك في هذا المال؛ كان وكيلاً بالحفظ؛ لأنا لو جوزناها مطلقة من غير تخصيص؛ جعلناها شركة من كل وجه، وإنها ليست بشركة من كل وجه، فقلنا: إذا وقت المدة، أو سمى النوع أو الثمن، فقد ظهر معنى الخصوص من وجه، فيجوز وإن أطلق لا يجوز.
стр. 2200
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: في رجلين قالا: ما اشترينا من شيء فهو بيننا نصفان، فهو جائز وذكر عين هذه المسألة في موضع آخر من «المنتقى» عن أبي يوسف وقال: إذا قالا: أردنا بهذا الكلام الشركة فهو جائز وإلا فهو باطل.
وفيه أيضاً: الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵁ في رجل قال لآخر: ما اشتريت من أصناف التجارة فهو بيني وبينك فقبل ذلك صاحبه فهو جائز، وكذلك إذا قال: اليوم، وما اشترى ذلك اليوم كان بينهما نصفان، وكذلك لو قال كل واحد منهما لصاحبه ولم يؤقتا، وكذلك إذا قال: ما اشتريت من الدقيق، فهو بيني وبينك، وليس لواحد منهما أن يبيع حصة صاحبه مما اشترى إلا بإذن صاحبه؛ لأنهما اشتركا في الشراء لا في البيع، ولو قال: إن اشتريت اليوم عبداً، فهو بيني وبينك، وليس لواحد منهما أن يبيع حصة صاحبه مما اشترى إلا بإذن صاحبه؛ لأنهما اشتركا في الشراء لا في البيع، ولو قال: إن اشتريت اليوم عبداً، فهو بيني وبينك فالشركة باطلة، ولو قال: عبداً خراسانياً فهو جائز.
وفيه أيضاً: بشر بن الوليد عن أبي يوسف: رجل قال لآخر: ما اشتريت من شيء فهو بيني وبينك، فقال: نعم، قال: هذه الشركة غير مسماة ولا معلومة، وإن قال: ما اشتريت اليوم من شيء فهو بيني وبينك فهذا جائز، وكذلك إن وقت سنة، وإن لم يوقت وقتاً إلا أنه وقت من المشترى مقداراً بأن قال: ما اشتريت من الحنطة إلى كذا فهو بيني وبينك، فهذا جائز، وإن سمى صنفاً من البيوع ولم يبين فيه وقتاً من الأيام ولا بين المقدار، فقال: ما اشتريتَ من الحنطة من قليل أو كثير فهو بيني وبينك، ولم يؤقت ثمناً، فإن هذا لا يجوز، وكذلك الدقيق والأشياء كلها، وكذلك إذا قال: ما اشتريتَ في وجهك هذا فبيني وبينك، وقد خرج في وجه، أو قال بالبصرة، فهو باطل حتى يؤقتا ثمناً أو بيعاً أو أياماً.
إذا قال الرجل لغيره: اشترِ عبد فلان بيني وبينك، فقال المأمور: نعم، ثم ذهب وأشهد وقت الشراء أنه اشترى لنفسه خاصة، فالعبد بينهما على الشركة؛ لأنه وكيل من جهة الآمر في نصف العبد، والوكيل لا يعزل نفسه بغير علم الموكل، وقال أبو حنيفة في «المجرد» : إذا أمره بشرائه فسكت، ولم يقل: نعم ولا لا، حتى قال عند الشراء: أشترِيه لنفسي يكون له، ولو قال: اشهدوا أني أشتريه لفلان كما أمرني، ثم اشتراه، فإن اشتراه وسكت عند الشراء، ثم قال بعد الشراء: اشتريتها لفلان الآمر؛ كان لفلان إذا كان سالماً، ولو قال ذلك بعدما حدث به عيب لم يقبل قوله إلا أن يصدقه الآمر.
ولو أن رجلاً أمر رجلاً أن يشتري له عبد فلان بينه وبينه، فقال المأمور: نعم، ثم لقيه رجل آخر، فقال: اشترِ عبد فلان بيني وبينك، فقال: نعم، ثم اشتراه المأمور، فهو بين الآمرين، ولا شيء للمأمور من العبد؛ لأن الأول أمره بشراء نصف العبد له، وصار المأمور بحال لا يملك شراء ذلك النصف حال عينه الآمر ما بقيت الوكالة، فلا يملك الشراء لغيره من طريق الأولى، فانصرفت الوكالة الثانية إلى النصف الآخر الذي يملك
стр. 2201
الوكيل الشراء لنفسه، ولغيره تصحيحاً للوكالة الثانية فصار النصف الآخر مستحقاً للثاني والنصف الأول كان مستحقاً للأول، فخرج المأمور من البين قالوا: وهذا إذا قبل الوكالة من الثاني بغير محضر من الأول، فأما إذا قبل الوكالة بمحضر من الأول؛ يكون العبد بين الآمر الثاني، وبين المأمور نصفين، وهكذا ذكر في «المنتقى» ؛ وهذا لأنه لما قبل الوكالة والوكيل يملك عزل نفسه حال حضرة الموكل، ولا يملك ذلك حال غيبته.
ولو لقيه ثالث بعد ذلك، وقال له: اشترِ عبد فلان بيني وبينك فاشتراه؛ كان العبد بين الأولين ولا شيء للثالث؛ قال في «العيون» : وهذا إذا قبل الوكالة من الثالث بغير محضر من الأول والثاني، فإذا قبلها بمحضر من الأول والثاني، فالعبد بين الثالث والمشتري، ولا شيء للأول ولا للثاني.
في «المنتقى» : قال هشام: سألت محمداً يقول في رجل أمرتهُ امرأة أن يشتري ثوباً موصوفاً بعشرين درهماً بيني وبينه، على أن انقد بالدراهم، فهو جائز وهو بينهما، والشرط باطل.
فيه أيضاً: إبراهيم عن محمد: رجل قال لرجل: اشترِ جارية فلان بيني وبينك على أن أبيعها أنا؛ قال: الشرط فاسد، والشركة جائزة، قال: وكذلك كل شرط فاسد في الشركة، ولو قال: على أن تبيعها؛ كان هذا جائزاً، وهي شركة بينهما يبيعانها على تجارتهما.
في «المنتقى» : قال هشام: سمعت أبا يوسف يقول (١٣٦ب٢) في رجل ليس له شيء تعال معي عشرة آلاف، فخذها شركة تشتري بيني وبينك، قال: هو جائز، والربح والوضيعة عليهما.
ومما يتصل بهذا الفصل
إذا اشترى الرجل شيئاً، فقال له آخر: أشركني فيه، فأشركه؛ هذا بمنزلة البيع، فإن كان قبل أن يقبض الذي اشترى لم يصح؛ لأن الشركة تقتضي التسوية، فمعنى قوله: أشركك فيه سويتك بنفسي فيه، وذلك تمليك النصف منه معنى قولنا: إنه بمنزلة البيع، وبيع المنقول قبل القبض لا يجوز، وإن كان ذلك بعد القبض، فإن عرف مقدار الثمن جاز، وإن لم يعرف فهو بالخيار؛ إذا عرف من أصحابنا من يقول: البيع فاسد بجهالة الثمن، فإذا صار معلوماً يرتفع الفساد، ومنهم من قال: البيع صحيح؛ لأن الثمن معلوم في نفسه، وإن لم يعرفه المشتري، فهو كشراء ما لم يره يصح؛ لأنه معلوم في نفسه، وإن لم يعرفه المشتري، ولو قبض النصف دون النصف فأشرك فيه رجلاً لم يجز فيما لم يقبض، وجاز فيما قبض، وله الخيار لتفرق الصفقة عليه.
رجلان اشتريا عبداً، أو أشركا فيه رجلاً، فهذه المسألة على وجهين؛ إما إن أشركاه على التعاقب بأن قال له أحدهما: أشركتك في العبد، ثم قال له الآخر مثل ذلك، وفي هذا الوجه كان نصف العبد لذلك الرجل، ولكل واحد من الموليين ربعه، وإن أشركاه معاً بأن قالا جملة: أشركناك في هذا العبد كان للرجل ثلث العبد استحساناً، ولو
стр. 2202
أشركه أحد الرجلين في نصيبه، ونصيب صاحبه، وأجاز صاحبه كان لذلك النصف، وإن لم يجز، فله نصف نصيب المشترك، وهو الربع؛ لأن اشتراكه في نصيبه نفذ في الحال، وفي نصيب الشريك يوقف على الإجازة، وعند الإجازة يصير مشتركاً في نصيبه، فكان كل واحد منهما أشركه في نصيبه بعقد على حدة.
وعن أبي يوسف في «النوازل» : أن للرجل ثلث العبد إن أجاز شريكه، وإن لم يجز، فله سدس العبد من نصيب المشرك.
ووجهه: أن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، ولو أشركه أحدهما في كل العبد بإذن صاحبه كان للرجل ثلث العبد كذا ههنا.
رجل اشترى عبداً وقبضه، فقال له رجل: أشركني فيه ففعل، ثم لقيه آخر، فقال مثل ذلك، فإن كان الثاني يعلم بمشاركة الأول، فله ربع العبد، وإن كان لا يعلم، فله نصف العبد، وللأول النصف، وخرج المشتري من البين؛ لأنه إذا لم يعلم بمشاركة الأول يكون طالباً للاشتراك في جميع العبد، وإذا علم يكون طالباً الاشتراك في نصيبه خاصة، وقال أبو حنيفة ﵁ في «المجرد» : وللثاني ربع العبد علم بمشاركة الأول أو لم يعلم.
وإذا اشترى رجل نصف العبد وقبضه، فقال له رجل: أشركني فيه، وهو يرى أنه اشترى الكل ففعل، فله جميع النصف الذي اشتراه المشتري، وإن كان يعلم أنه اشترى النصف فله النصف، وهو بناء على ما قلنا في المسألة المتقدمة.
ولو أن رجلاً في يديه حنطة يدعيها، فأشرك رجلاً في نصفها، فلم يقبض حتى احترق نصف الطعام، فإن شاء المشرك أخذ نصف ما بقي، وإن شاء ترك، وكذلك البيع في هذا الوجه؛ لأن الشركة والبيع وقعا على نصف الطعام، فما هلك يهلك على الحقين، وما بقي يبقى على الحقين، وله الخيار؛ إذا كان قبل القبض لتفرق الصفقة عليه، ولو استحق نصف الطعام؛ اختلف الشركة والبيع، وكان البيع على النصف الباقي، وكان الاشتراك في نصف ما لم يستحق، فيكون ذلك النصف بينهما؛ لأن بالاستحقاق تبين أن الطعام كان مشتركاً، والشركة تقتضي التساوي، وإنما يتحقق التساوي إذا كان الباقي بينهما بخلاف البيع؛ لأن البيع لا يقتضي التساوي، فانصرف إلى النصف الباقي.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: أن الشركة والبيع سواء، وله النصف كملاً في الشركة والبيع جميعاً. وقال أبو حنيفة في رجل قال لآخر: اشترِ هذا العبد وأشركني فيه، فقال: نعم، ثم اشتراه فهو بينهما، وكذلك قال أبو يوسف، وهذا استحسان.
اشترى عبداً بألف وقبضه، ثم قال لرجل: قد أشركتك، فلم يقل الرجل شيئاً حتى قال لآخر: أشركتك فيه، ثم قالا: قد قبلنا، فالعبد بينهما لكل واحد منهما النصف، وخرج المشتري من البين بمنزلة ما لو قال رجل لرجل: بعتك نصف عبدي هذا بخمسمائة، فلم يقل الرجل شيئاً؛ حتى قال لآخر: بعتك نصف عبدي هذا بخمسمائة، فقالا: قد قبلنا؛ كان لكل واحد منهما نصف العبد بخسمائة.
اشترى حنطة، وأعطى على طحنها درهماً، ثم أعطى على خبزها درهماً، فأشرك
стр. 2203
رجلاً في الخبز أعطاه المشترك نصف ثمن الحنطة، ونصف النفقة، وكذلك هذا في القطن وغزله وحياكته وفي السمسم وعصره، ولو كان هو الذي طحن وخبز، أو غزل ونسج، ولم يعطه عليه أجراً، وباقي المسألة بحالها، فعليه نصف الثمن لا غير، ولا شيء عليه لعمله في «المنتقى» .
الفصل الثالث في المفاوضة
هذا الفصل يشتمل على أنواع
نوع منهافيما يوجب بطلانها بعد صحتها
إذا اشتريا بأحد المالين شيئاً، ففي القياس تبطل المفاوضة؛ لأن المشترى صار بينهما نصفان، والآخر مختص بملك رأس المال؛ لأن رأس مال كل واحد منهما قبل الخلط باقٍ على ملكه، فتنعدم المساواة.
وفي الاستحسان: لا تبطل المفاوضة؛ إما لأن المساواة لم تنعدم؛ لأن الآخر إن ملك نصف المشترى، فقد صار نصف الثمن مستحقاً عليه لصاحبه؛ ولأنه وإن انعدمت المساواة فالتحرز عنه غير ممكن عادة، فإنهما قل ما يجدان شيئاً واحداً يشتريانه بمالهما، فلا بد من أن يكون الشراء بأحد المالين سابقاً كما لو كان رأس مالهما على السواء يوم الشركة حتى صحت المفاوضة؛ صار في أحدهما فضل قبل أن يشتريا بأن ازدادت قيمة أحد النقدين بعد عقد المفاوضة قبل الشراء؛ انتقضت المفاوضة؛ لأن عقد الشركة ليس لازم فلقائه حكم الابتداء إن لم يتم المقصود، وأما لم يتم المقصود، وإنما لم يتم المقصود بالشراء، فتحول الزيادة قبل الزيادة بمنزلة الزيادة وقت العقد.
وبهذا الطريق قلنا: لو ورث أحد المتفاوضين ما يصلح أن يكون رأس مال الشركة؛ تبطل المفاوضة.
قال محمد ﵀: وهذا إذا اشترى بأحد المالين وزاد الآخر؛ لأن المقصود لم يتم فيما لم يشتره، فصار كأن الزيادة كانت موجودة في الابتداء، وإن حصل الفضل بعد الشراء بالمالين، فالمفاوضة على مالهما؛ لأن المقصود قد حصل بالشراء وتأتي عقد الشركة، وكذلك إذا وقع أخذ المشترى بأحد المالين، وزاد الذي وقع الشراء به بعد ذلك لا تنقض المفاوضة لما قلنا.
وإذا هلك أحد المالين قبل الشراء انتقضت الشركة؛ لأنه يأتي على ملك صاحبه، فإذا هلك فقد فات محل العقد، فيبطل العقد، فإن اشترى الآخر بعد ذلك بماله ذكر هذه المسألة في «الأصل» : في بعض المواضع أن المشترى له خاصة، وذكر في بعض المواضع أن المشترى مشترك بينهما، وذكر هذه المسألة في شرح القدوري (١٣٧أ٢)
стр. 2204
وجعلها على وجهين: إما أن يشترطا في عقد الشركة أن كل ما يشتريه واحد منا، فهو بيننا، وفي هذا الوجه كان المشترى مشتركاً بينهما، ولكن شركة ملك، فأما إن لم يشترطا في عقد الشركة أن كل ما يشتريه كل واحد منهما فهو بيننا.
وفي هذا الوجه كان المشترى لصاحب المال خاصة؛ قال شمس الأئمة السرخسي: في شركة ما ذكر في «الأصل» في بعض المواضع: أن المشترى له خاصة محمول على ما إذا أطلقا عقد الشركة، ولم يشترطا أن ما يشتريه كل واحد منا فهو بيننا، وما ذكر في بعض المواضع أن المشترى مشترك بينهما؛ محمول على ما إذا شرطا في عقد الشركة أن كل ما يشتريه كل واحد منا فهو مشترك بيننا بما ذكره القدوري؛ وهذا لأنهما إذا شرطا في عقد الشركة أن ما يشتريه كل واحد منا فهو بيننا، فهلاك أحد المالين إن بطلت الشركة لم تبطل الوكالة، فيكون المشترى بينهما، ولا كذلك إذا أطلقا عقد الشركة.
وإن هلك واحد من المالين حتى اشتريا شيئاً بأحد المالين، ثم هلك الآخر هلك على مال صاحبه، وانتقضت الشركة في الهالك، ويكون المشترى مشتركاً بينهما؛ لأن الشركة كانت قائمة حتى اشتريا بأحد المالين، وصار المشترى مشتركاً بينهما، فلا ينتقض ذلك بهلاك المال الآخر بعد ذلك؛ بعد هذا قال أبو الحسن: المشترى مشترك بينهما شركة ملك حتى لا ينعقد بيع أحدهما في جميعه؛ لأن المشترى مشتركاً بينهما شركة عقد؛ فانتهت الشركة نهائياً فلا يتعين هذا الحكم بهلاك المال الآخر بعد ذلك.
وإن أنكر أحد المتفاوضين المفاوضة انفسخت المفاوضة؛ هكذا ذكر شيخ الإسلام في أول باب خصومة المفاوضين المفاوضة انفسخت المفاوضة بينهما، ويجب أن يكون الحكم في جميع الشركات هكذا، فإذا فسخ أحد الشريكين الشركة، ومال الشركة أمتعة صح الفسخ بخلاف المضاربة؛ هكذا ذكر في «الأصل» .
وذكر الطحاوي: أنه لا يصح الفسخ، وجعلها بمنزلة المضاربة، وهذا إذا فسخ بحضرة صاحبه، فأما إذا فسخ بغيبة صاحبه، ولم يعلم صاحبه بالفسخ لا يصح الفسخ؛ سواء كان رأس المال أمتعة أو كان دراهم، ولو مات أحد الشريكين انفسخت الشركة علم الشريك بموته أو لم يعلم، ولو كان الشركاء ثلاثة؛ مات واحد منهم حتى انفسخت الشركة في حقه؛ لا ينفسخ في حق الباقين، وإذا قال أحد الشريكين لصاحبه: لا أعمل من كسب الشركة، فهذا بمنزلة قوله: فاسختك الشركة.
وفي «المنتقى» : ثلاثة نفر متفاوضين، غاب أحدهم، وأراد الآخران الفسخ، فليس لهما ذلك دون الغائب، ولا ينتقض بنقض العقد دون البعض، وإن ورث أحد المتفاوضين ما تصح به الشركة، كالدراهم والدنانير، وصارت في يده؛ بطلت المفاوضة، وإن ورث عروضاً أو ديوناً لم تبطل المفاوضة ما لم يقبض الديون، وإن أجر أحدهما عبداً له خاصة، أو باع لا تبطل المفاوضة ما لم يقبض الأجر؛ وهذا لأن المفاوضة ليست بملازمة، وما ليس ملازم من العقود، فلدوامه حكم الابتداء، فصارت المفاوضة في حالة الدوام كالمفاوضة في الابتداء المشتركة، ثم المفاضلة في العقود في ابتداء العقد يمنع
стр. 2205
انعقاد المفاوضة، فيمنع بقاؤها والمفاضلة في العروض والديون لا يمنع ابتداؤها، فلا يمنع بقاؤها، وفي كل موضع فات فيه شرط من شروط المفاوضة، وذلك ليس بشرط في العنان؛ كانت الشركة شركة عنان؛ لأن المفاوضة أعم من العنان، فيجوز إثبات العنان بلفظ المفاوضة.
نوع منه فى تصرف أحد المتفاوضين في مال المفاوضة
قال محمد ﵀: لكل واحد من المتفاوضين أن يشتري بجنس ما في يده حتى إذا كان في يده مكيلاً أو موزوناً، فما اشترى بذلك الجنس جاز، وإن اشترى بما ليس في يده من ذلك الجنس، فإن اشترى بالدراهم أو بالدنانير، وليس في يده دراهم ولا دنانير؛ كان المشترى خاصاً للمشتري، ولا يجوز شراؤه على الشركة، ولو جاز ذلك صار مستديناً على شريكه، وهو لا يملك ذلك إلا بإذن شريكه إذ لو ملك ذلك يزيد مال الشركة على مال انعقدت به الشركة، والشريك لم يرضَ بذلك، فأما إذا كان في يده من جنس ذلك، فهو ليس باستدانة، وروي عن أبي حنيفة: إذا كان في يده دنانير، فاشترى بدراهم جاز؛ لأنها كالعقد الواحد، فكأنه اشترى بجنس ما في يده.
وفي «الأصل» : لأحد المتفاوضين أن يكاتب عبداً من تجارتهما، وله أن يأذن له في التجارة، أو في الغلة، أما الإذن في التجارة وأداء الغلة؛ فلأنه من جملة التجارة، وأما الكتابة فلأنها اكتساب مال، ولهذا ملكه الأب، والوصي في مال اليتيم، واكتساب المال داخل تحت المفاوضة كالتجارة، وليس له أن يعتق عبداً من تجارتهما على مال؛ لأن العتق على مال ليس بتجارة، ولا هو اكتساب مال؛ لأن الملك يزول ببدل في ذمته فيفلس وله أن يزوج أمة من تجارتهما، وليس له أن يزوج عبداً من تجارتهما، على مال؛ لأن العتق على ما ليس بتجارة وبتزويج الأمة اكتساب المال بخلاف تزويج العبد، وإن زوج أمة من تجارتهما عبداً من تجارتهما لا يجوز استحساناً عند علمائنا الثلاثة، وكذلك المكاتب إذا زوج عبداً من كسبه أمة من كسبه؛ لا يجوز استحساناً، وكذلك إذا زوج أمة اليتيم من عبد اليتيم استحساناً، وله أن يشارك رجلاً شركة عنان ببعض مال، ويجوز عليه وعلى شريكه سواء كان بإذن شريكة، أو بغير إذن شريكه.
في «المنتقى» عن محمد: إذا شارك شركة مفاوضة بغير محضر من صاحبه؛ كان عناناً لا مفاوضة، وإن فعل ذلك بحضرة شريكه وشريكه لا يرضى فهذه مفاوضة بين الأولين، والذي فاوض منهما مفاوض للذي فاوضه، وإن شاركه شركة مفاوضة، وكانت عناناً، وليس له أن يفاوض؛ هكذا ذكر شيخ الإسلام في أول باب بضاعة المفاوض، وذكر شمس الأئمة السرخسي في هذا الباب، وله أن يفاوض، وذكر بعد هذا، وقال أبو يوسف: لا يجوز للمفاوض أن يفاوض.
في «المنتقى» : عن أبي يوسف في متفاوضين شارك أحدهما رجلاً شركة عنان في الرقيق، فهي جائزة، وما اشترى هذا الشريك من الرقيق فنصفه للمشتري، ونصفه بين
стр. 2206
المتفاوضين نصفين، ولو أن المفاوض الذي لم يشارك اشترى عبداً كان نصفه لشريك شريكه، ونصفه بين المفاوضين؛ لأن شركة أحد المفاوضين جائز عليهما، ويجوز له أن يرهن مال المفاوضة بدين على المفاوضة إن الرهن إيفاء.
وكذلك لو رهن متاعاً من خاصته، مباعاً بدين المفاوضة، ولم يكن متبرعاً، ويرجع على شريكه بنصف الدين؛ إن كان الرهن قد هلك في يد المرتهن، ولو كان الدين على أحد المفاوضين خاصة من مهر امرأته أو أرش جنايته، ورهن بذلك مالاً من تجارتهما؛ كان ذلك جائزاً عليه وعلى شريكه؛ حتى لم يكن لشريكه أن يسترده من يد المرتهن، وإذا هلك الرهن في يد المرتهن؛ رجع عليه شريكه بنصف الدين، ولا يرجع بالزيادة (١٣٧ب٢) على قدر الدين؛ لأن الزيادة على قدر الدين أمانة، ولأحد المتفاوضين أن يودع، وإن كان الدين من تجارتهما على رجل فارتهن به أحدهما رهناً، فهو جائز سواء كان هو الذي يلي المبايعة أو صاحبه؛ لأن الارتهان استيفاء، وكل واحد من المتفاوضين وكيل عن صاحبه في استيفاء الدين الواجب بتجارته، ولأحد المتفاوضين أن يدين مال المفاوضة، وأن يغذي الطعام التهنئة من مال المفاوضة، وأن يدعوا إليه استحساناً؛ يريد بقوله يدعوا إليه أن يتخذ دعوة، وإنما كان ذلك له؛ لأنه من صنع التجارة، والتجار لا يجدون بداً منه.
ألا ترى أن العبد المأذون يملك ذلك، ولا يقدر في الدعوة تقديراً، وقد قال: إن المكاتب يتصدق بما دون الدرهم، فمن مشايخنا من قال: التقدير في الصدقة تقدير في الضيافة، ومنهم من فرق بينهما، فقال: التصدق بما دون الدرهم ممكن، فأما اتخاذ الضيافة والإهداء قد لا يتهيأ بما دون الدرهم ممكن، فقد تقع الحاجة إلى الإهداء إلى جماعة، وإلى اتخاذ الدعوة لجماعة، فكان التقديرمفوضاً إلى العرف فيما يعده التجار فيما بينهم تبرعاً لا يملكه المفاوض، ثم إنما يتملك الإهداء بالمأكول من الفاكهة واللحم والخبز، ولا يملك الإهداء بالذهب والفضة؛ لأنا إنما دخلنا الإهداء في الشركة لعرف التجار، وعرفهم في إهداء المأكول، ثم ذكر اللحم في «الكتاب» ، ولم يفصل بين المشوي والنيء، فمن مشايخنا من قال: أراد به المشوي؛ إلا أن محمداً ﵀ أطلق، ولم يقيد.
وإذا أعار أحد المتفاوضين دابة من المفاوضة من رجل، فركبها المستعير، ثم اختلفا في الوضع الذي ركبها إليه، وقد عطبت الدابة، فقال أحدهما: إما المعير، وإما شريكه: إنه جاوز الوقت، وقال الآخر: إنه لم يتجاوز، وكانت الإعارة إلى هذا المكان، فلا ضمان على المستعير؛ لأن قول أحدهما فيما دخل تحت المفاوضة كقولهما، ولو قالا: إن الإعارة كانت إلى هذا المكان؛ لا ضمان على المستعير؛ كذا ههنا، ولأحد المتفاوضين أن يودع مال المفاوضة؛ لأنه من توابع التجارة، فإذا ادعى المودع أنه قد ردها إليه، أو إلى صاحبه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه مسلط على الرد على كل واحد منهما، فإنه كما يقوم أحدهما مقام صاحبه في الإيداع فكذا في الاسترداد، فإن جحد الذي ادعى عليه ذلك لم يضمن لشريكه بقول المودع؛ لأن يقول المودع يثبت الدفع إليه
стр. 2207
في حق براءة المودع عن الضمان؛ لا في حق إيجاب الضمان على المدفوع إليه، ولكن يحلف بالله ما قبضه؛ لأن شريكه يدعي عليه ضمان نصيبه بجحوده القبض.
قال: ولو مات أحدهما، ثم ادعى المستودع أنه كان دفعها إلى الميت منهما، فلا ضمان على المودع؛ لأنه بقي أميناً، وقول الأمين في رد الأمانة مقبول، وإن ادعى أنه دفعها إلى ورثة الميت منهما فكذبوه، وحلفوا على دعواه، فهو ضامن للنصف حصة الحي من ذلك؛ لأن في نصيب الميت كان له حق الدفع إلى ورثته، فأما ليس له أن يدفع نصيب الحي إلى ورثة الميت؛ لأن ورثة الميت خلفا الميت في حقه خاصة، وليس لأحدها أن يفوض شيئاً من مال المفاوضة في ظاهر الرواية، قالوا: وينبغي أن يكون له الإعراض بما لا خطر للناس فيه.
وذكر الحسن أن على قول أبي حنيفة لأحد المتفاوضين أن يقرض مال المفاوضة من رجل من به، وله أن يبضع، وأن يدفع المال، مضاربة؛ روى الحسن عن أبي حنيفة أنه ليس له أن يدفع المال مضاربة، فإن أبضع أحدهما، ثم تفرق المفاوضان أي تقاسما المفاوضات، ثم استحال المستبضع بالبضاعة شيئاً، فإن علم بتفرقهما، فالمشترى للمبضع وحده، فإن لم يعلم بتفرقهما؛ كان المشترى للمبضع ولشريكه؛ لأن الإبضاع توكيل، وصح ذلك من أحدهما عليهما، والافتراق عزل منهما إياه، وحكم العزل قصداً لا يثبت في حق الوكيل قبل علمه.
قال القدوري: ولأحد المتفاوضين أن يسافر بالمال بغير إذن شريكه، وهو الصحيح من مذهب أبي حنييفة، ومحمد، وروي عن أبي حنيفة أنه ليس له ذلك، وهو قول أبي يوسف، وروي عن أبي يوسف: أنه يفرق بين ما له حمل ومؤنة وبينما لا حمل له ولا مؤنة، ثم إذا سافر على قول من جوز المسافرة، أو أذن له الشريك بذلك، فله أن ينفق على نفسه في كرائه ونفقته وطعامه، وإدامه من جملة رأس المال، وروى ذلك الحسن عن أبي حنيفة، فإن ربح حسب النفقة في مال الشركة للعرف الظاهر فيما بين التجار في الإنفاق من مال الشركة إذا كان السفر لأخذ مال الشركة.
نوع فيتصرف أحد المتفاوضين في عقد صاحبه، وفيما وجب بعقد صاحبه
إذا أقال لأحدهما في بيع باعه الآخر جازت الإقالة عليهما، وكذلك إذا أقاله أحدهما في سَلَم باشره صاحبه؛ لأن الإقالة بمعنى البيع في تحصيل الربح، فإن الربح قد يحصل بالعقد مرة، وبالإقالة أخرى، فإذا نفذ عقد أحدهما على صاحبه، فكذا الإقالة.
وإذا باع أحد المتفاوضين شيئاً بالنسيئة ومات فليس للآخر أن يطالب المشتري بشيء؛ لأنه لو طالبه بحكم الشركة؛ لأنه ليس بعاقد، والشركة قد انقطعت بالموت، ولكن لو دفع نصف الثمن إليه برىء استحساناً؛ لأنه ملكه، ألا ترى أن المشتري لو دفع الثمن إلى الموكل برىء منه استحساناً، كذا ههنا.
стр. 2208
ولو باع أحد المتفاوضين شيئاً من تجارتهما، ثم إن البائع وهب الثمن من المشتري، أو أبرأه منه؛ جازت في قول أبي حنيفة ومحمد، ويضمن نصيب شريكه، وقال أبو يوسف: يصح في حصته خاصة كالوكيل الخاص إذا وهب الثمن من المشتري، أو أبرأه منه جاز في نصيبه، ولم يجز في نصيب صاحبه إجماعاً، وإذا أخرّ أحد المتفاوضين ديناً وجب لهما جاز تأخيره في نصيبه وفي نصيب صاحبه بالإجماع؛ سواء وجب الدين بعقد المؤخر، أو بعقد صاحبه، أو بعقد لها؛ لأن التأخير من توابع التجارة لا تجد التجارة بداً منه، وقد جعل فعل أحدهما في التجارة كفعلهما، فكذا في توابع التجارة.
ذكر في «المنتقى» : وإذا كان على أحد المتفاوضين دين إلى أجل، فأبطل أحدهما الأجل بطل وحل المال عليها جميعاً. ولو مات أحدهما حل على الميت حصته، ولم تحل حصة الآخر؛ لأن بموت أحدهما بطلت المفاوضة، فإنما حل المال على الميت بعد انتقاض المفاوضة.
وفيه أيضاً: المعلى عن أبي يوسف: إذا كان لرجل على المتفاوضين مال، فأبرأ أحدهما عن صحته، فهما يبرأان جميعاً من المال كله، وإذا اشترى أحدهما شيئاً من تجارتهما، فوجد الآخر به عيباً؛ كان له أن يرده؛ كما وجد الشراء منه حقيقة، وكذلك لو باع أحدهما شيئاً من شركتهما، ثم وجد المشتري به عيباً؛ كان للمشتري أن يردها بالعيب على الشريك الآخر؛ لأن البيع وجد من الآخر حكماً.
ولو وكل أحد المتفاوضين رجلاً أن يشتري له جارية بعينها، أو بغير عينها بثمن مسمى، ثم إن الآخر نهى الوكيل عن ذلك فنهيه جائز؛ لأن عزل الوكيل من جميع التجارة كالتوكيل، ثم فعل أحدهما (١٣٨أ٢) في التوكيل كفعلهما، فكذا في العزل، فإن اشتراها الوكيل بعد ذلك، فهو مشترٍ لنفسه؛ لأن الوكالة قد بطلت بعزل أحدهما إياه، وإن لم ينهه عن ذلك حتى اشتراها كان مشترياً لهما جميعاً ويرجع بالثمن على أيهما شاء، وكذلك لو وكل أحدهما بأدائه فللآخر إخراجه، ولو أجر أحد المتفاوضين عبداً من تجارتهما كان للشريك الآخر أن يطالب المستأجر بالأجر لما ذكرنا أن فعل أحدهما فيما هو تجارة بمنزلة فعلهما، وللمستأجر أن يطالب الشريك الآخر بتسليم العبد؛ لأن التسليم مضمون على الآجر بعقد التجارة، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما يلزمه بعقد التجارة.
وإن آجر أحدهما عبداً له خاصة من الميراث لم يكن للآخر أن يطالب المستأجر بالأجر؛ لأن فعل أحدهما إنما جعل كفعلهما فيما هو من شركتها؛ ألا ترى أنه لو باع هذا العبد لم يكن للآخر أن يأخذ الثمن كذا ههنا؛ إذا باع أحد المتفاوضين شيئاً من متاع المفاوضة، ثم افترقا، ولم يعلم المشتري بافتراقهما؛ كان له أن يدفع جميع الثمن إلى أيهما شاء؛ لأن المشتري صار وكيلاً من جهة العاقد بتسليم جميع ما عليه إلى شريكه حالة المفاوضة، وافتراقهما عن المفاوضة عزل له عن ذلك، فلا يعمل بدون عمله، وإن علم بذلك لم يكن له أن دفع جميع الثمن إلا إلى العاقد، ولو دفع إلى الشريك الآخر برىء عن النصف دون النصف.
стр. 2209
ولو وجد المشتري بالعبد عيباً لم يرده إلا على العاقد؛ لأن الرد على الآخر حال قيام المفاوضة، وقد انقطعت المفاوضة، فإن خاصم المشتري البائع في العيب حال قيام المفاوضة، ورد عليه؛ وقضي له بالثمن، أو بنقصان العبد عند تعذر الرد، ثم افترقا؛ كان له أن يأخذ به أيهما شاء؛ لأن هذا دين لزم أحدهما حال قيام الشركة، وصار الآخر مطالباً بحكم الكفالة، فلا يبطل حق صاحب الدين بالمفاوضة، ولو استحق العبد بعد الافتراق، وقد كان بعد الثمن كله قبل الافتراق، فللمشتري أن يرجع بالثمن على أيهما شاء؛ بخلاف الرد، فإن الرد بالعيب إذا حصل بعد المفارقة يرجع المشتري بالثمن على البائع، ولا يرجع على الشريك الآخر.
والفرق: أن في الاستحقاق تبين أن الثمن كان واجباً قبل الافتراق؛ لأنه قبض ما ليس له قبضه، وما يجب على أحدهما جعل المفارقة يطالب الآخر به بعد المفارقة أما بالرد لا يتبين أن الثمن كان واجباً قبل المفارقة، وإنما يجب بعد المفارقة على أحدهما، فلا يطالب به الشريك الآخر، والله أعلم.
نوع منه فى ما يلزم كل واحد من المتفاوضين بحكم الكفالة عن صاحبه
وإذا أقر أحد المتفاوضين بدين التجارة جاز إقراره عليه وعلى شريكه، وللمقر له أن يطالب أيهما شاء المقر بحكم إقراره، والشريك بحكم الكفالة، وكذلك ما يلزم أحدهما من دين في عقد التجارة؛ كالشراء والبيع والاستئجار، ويلزم صاحبه بحكم الكفالة، وكذلك البيوع الفاسدة، فأما ما يلزم أحدهما من دين في عقد التجارة ضمان غصب أو استهلاك أو خلاف في وديعة أو عارية؛ لزم شريكه من قول أبي حنيفة ومحمد وكذا الإقرار بذلك، وقال أبو يوسف: لا يلزم الشريك؛ لأن هذا ضمان وجب بسبب الجناية، فشأنه ضمان الجناية على الآدمي، ثم ما وجب على أحد المتفاوضين من ضمان الجناية على الآدمي عمداً أو خطأً لا يؤاخذ به شريكه، فكذا ههنا.
وأبو حنيفة ومحمد ﵄ يقولان: بأن ضمان الغصب يجري مجرى ضمان التجارات، فإنه يثبت الملك في المضمون ببدل وكذلك ضمان المستهلكات، ومن هذا الوجه صح إقرار العبد المأذون، والصبي المأذون، والمكاتب بذلك، وكل واحد منهما؛ كفيلاً عن صاحبه في ضمان التجارات بخلاف ضمان الجناية؛ لأنه لا يفيد الملك في المضمون، فلم يكن من جنس ضمان التجارة إلا إقرار الضمان على الغاصب، وعلى المستهلك حتى لو أدى شريك الغاصب لك من خالص ملكه، رجع بجميعه على الغاصب، وإن أدى من مال الشركة رجع بنصفه على الغاصب؛ لأن منفعة الغصب حاصلة للغاصب على الخصوص وهو إثبات اليد، والمتمكن من الانتفاع بخلاف الشراء الفاسد، فإن هناك إقرار الضمان لا يكون على المشتري خاصة، بل يكون عليهما؛ لأن منفعة الشراء الفاسد وهو الملك حاصلة لهما.
ولوكفل أحدهما بمال من غيره؛ فذلك لازم لشريكه في قول أبي حنيفة، وقال أبو
стр. 2210
يوسف ومحمد: لا يلزم الشريك؛ لأن الكفالة تبرع؛ ولهذا لا يصح من المأذون والمكاتب، وإذا حصل من المريض يعتبر من الثلث، وكل واحد منهما ليس بكفيل عن صاحبه في التبرعات، ولأبي حنيفة أن الكفالة تبرع ابتداءً؛ يعني حالة الوقوع؛ إلا أنها متى وقعت وصحت تنقلب مفاوضة.
ألا ترى أن الكفيل يرجع بما يؤدي على المكفول عنه؛ إذا كفل بأمره ولكونها تبرعاً وقوعاً لم يصح من العبد والصبي، وإذا وقعت وصحت وقت الفراغ عن اعتبار معنى المفاوضة، فتلزمه بحكم الكفالة، ولوكفل أحدهما بنفس لم يوجد بذلك شريكه في قولهم جميعاً؛ لأنه لا يظهر معنى المفاوضة فيها.
وإذا تزوج أحد المتفاوضين امرأة لا يؤاخذ شريكه بالمهر؛ لأن النكاح ليس بتجارة ولا اكتساب، فلا تظهر الكفالة في حقه، وكذلك لو صالحها عن نفقتها لا يلزم الشريك، من ذلك شيء كفل أحد المتفاوضين عن رجل بمهر أو أرش جناية، فهو بمنزلة كفالة بدين آخر؛ لا يؤاخذ به شريكه في قول أبي يوسف ومحمد وفي قول أبي حنيفة؛ يؤاخذ به؛ لأن الواجب على المفاوض في هذه الصورة بسبب الكفالة؛ لا بسبب الجناية والنكاح، والكفالة عنده مفاوضة.
ولو أقر أحد المتفاوضين لمن لا تقبل شهادته له بدين؛ بأن أقر لأبيه أو لابنه أو لأمته، أو ما أشبه ذلك، لم يصح إقراره في حق شريكه في قول أبي حنيفة، وعندهما يجوز إقراره لعبده، ومكاتبه على شريكه، وإنما لا يصح لما قلنا من التهمة، وإذا افترق المتفاوضان، ثم قال أحدهما: كنت كاتبت هذا العبد في الشركة؛ لم يصدق على ذلك في حق الشريك؛ لأنه أقر بما لا يملك إنشاءه للحال، ولكن يصدق في حق نصيبه، ويجعل في حق الشريك كأنه أنشأ الكتابة للحال، ولشريكه أن يرده دفعاً للضرر عن نفسه، ولكن بعدما يحلف على علمه؛ لأنه لو أقر بما أقر به شريكه فكاتباً، فإذا أنكر يستحلف، وإن قال: أعتقت هذا في الشركة؛ صح إقراره في نصيبه، ولكن لا يشتغل بتحليف الآخر ههنا؛ لأنه لو أنشأ العتق في حال حق الشريك؛ لا ينفذ إقراره في نصيب شريكه، فكذا إذا أقر بعد الافتراق بخلاف الكتابة.
رجل سلم ثوباً إلى خياط ليخيط بنفسه، وللخياط شريك في الخياطة (١٣٨ب٢) شركة مفاوضة، ثم افترقا؛ لم يكن لرب الثوب أن يأخذ الشريك الآخر بالخياطة؛ لأنه لو أخذ أخذ بحكم الكفالة، والكفالة ههنا لا تصح؛ لأن هذه كفالة بخياطة رجل بعينه، وهذا بخلاف ما لو يشترط عليه أن يخيطه بنفسه، ثم افترقا، فإنه يؤاخذ الشريك الآخر بالخياطة؛ لأن الكفالة بمطلق الخياطة جائزة فلا تستقم مطالبة الآخر بعد الافتراق بحكم الكفالة.Y
قال شيخ الإسلام في تعليل المسألة الأولى: ولهذا لم يكن لرب الثوب أن يطالب الشريك الآخر بالخياطة حال قيام المفاوضة، فبعد الافتراق أولى، وذكر شمس الأئمة السرخسي: أن لصاحب الثوب أن يطالب بالعمل منهما كشخص واحد، ولكل واحد
следующие страницы →