Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
وفيه أيضاً: عبد بين رجلين؛ غصب رجل أجنبي نصيب أحدهما، ثم الغاصب باعه مع الشريك الآخر جملة من رجل؛ جاز البيع في نصيب المولى، ولم يجز في المغصوب؛ بل يوقف على إجازة المغصوب منه، فلو أجاز المغصوب منه البيع في نصيبه قبل قبض الشريك حصته من الثمن؛ صار الثمن مشتركاً حتى لو قبض أحدهما شيئاً منه؛ كان لصاحبه أن يشاركه فيه؛ لأنه لما التحقت الإجازة بالعقد صار الغاصب بمنزلة الوكيل عن المالك، وبيع الوكيل بيع الموكل.
ولو باعه الوليان معاً بثمن واحد كانا شريكين في الثمن، فههنا كذلك، فإن كان المالك قبض حصته ثم أجاز صاحب البيع؛ لم يكن له أن يشارك الأول فيما قبض، ولم يجعل الإجازة في الانتهاء كما الإذن في الابتداء بخلاف ما إذا كان العاقد واحداً.
والفرق: وهو أن الإجازة توجب الجواز بطريق الاستناد؛ لكن على الصفة التي كانت كأن الصفقة بتلك الصفة، وعند تعدد البائعين إذا قبض المالك بعينه قبل إجازة صاحبه الصفقة قد افترق لافتراق صفة المسمى والإجازة التحقت بصفقة متفرقة، فأوجبت الجواز بطريق الاستناد لكن بطريق الافتراق، فلم يجب القول بالشركة، فأما إذا كان الناقد واحداً، فالصفقة متحدة؛ لأنها لا تحتمل الافتراق لما مر، فعند لحوق الإجازة بالصفقة ثبت الجواز بصفة الاتحاد، فوجب القول بالشركة، وكذلك الرجلان إذا باعا عبداً على أنهما بالخيار ثلاثة أيام، فأجازه أحدهما، ثم أجازه الآخر، ثم قبض أحدهما شيئاً من الثمن شاركه صاحبه فيه، ولو أن الذي أجاز أولاً قبض نصفه، ثم أجاز الآخر لم يشاركه فيما قبض والمعنى مامر، والله أعلم بالصواب.
стр. 2242
كتاب الصيد
هذا الكتاب يشتمل على اثني عشر فصلاً:
١ * في بيان الشرائط، وبيان ما يؤكل من الحيوانات (١٤٥أ٢) وما لا يؤكل.
٢ * في بيان ما يملك (من) الصيد، وما لا يملك.
٣ * في شرائط الاصطياد.
٤ * في بيان الشرائط في الآلة.
٥ * في الشرائط التي في الصيد.
٦ * فيما لا يقبل الذكاة من الحيوان وما يقبل.
٧ * في صيد السمك.
٨ * في الرجل يسمع حس صيد ويرميه ثم يتبين خلافه.
٩ * في الأهلي يتوحش.
١٠ * فيما أبين من الصيد.
١١ * في بيع آلة الاصطياد.
١٢ * في المتفرقات.
стр. 2243
الفصل الأول في بيان ما يؤكل من الحيوانات، وما لا يؤكل
يجب أن يعلم بأن الحيوانات على أنواع: منها ما لا دم له نحو الذباب والزنبور والسمك والجراد وغير ذلك، ولا يحل تناول شيء منها إلا السمك والجراد، غير أن الجراد يحل مات بعلة أو بغير علة، والسمك إذا مات بغير علة لا يحل، وإذا مات بعلة يحل، وسيأتي بيان ذلك بعد هذا؛ إن شاء الله.
وما له دم نوعان: مستأنس ومتوحش، فالذي يحل تناوله من المستأنس بالاتفاق هو الإبل والبقر والغنم والدجاج، وأما الحمار الأهلي، فلحمه حرام، وأما الفرس فلحمه مكروه عند أبي حنيفة كراهة تنزيه عند بعض المشايخ، وكراهة تحريم عند بعضهم هو الصحيح، وعندهما: لا كراهة في لحمه، وأما البغل، فعند أبي حنيفة لحمه مكروه على كل حال، وعندهما كذلك؛ إن كان الفرس نزا على الأتان، وإن كان الحمار نزا على الرمكة، فقد قيل: يكره، وقد قيل: لا يكره، وأما السنور، والكلب، فلحمهما حرام أهلياً كان أو وحشياً.
وأما المستوحش فنوعان: صيد البر، وصيد البحر.
أما صيد البحر: فلا يحل تناول شيء منها إلا السمك.
وأما صيد البر، فالذي لا يؤكل منه كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، والمراد من الناب والمخلب الناب الذي هو سلاح، والمخلب الذي هو سلاح.
بيان الأول: الأسد والذئب والنمر والفهد والضبع والثعلب وما أشبه ذلك، وكرهوا أيضاً الفيل والدب والقرد والضب، وكرهوا أيضاً سباع الهوام، نحو اليربوع وابن عرس والسنجاب والسنور والفيل والدنق، وكرهوا أيضاً جميع الهوام الذي سُكناها في الأرض نحو الفأرة والوزغ والقنفذ وسام أبرص والحباب، وجميع هوام الأرض إلا الأرنب، فإنه يحل أكله.
وبيان الثاني: الصقر والبازي والشاهين والنسر والعقاب وما أشبه ذلك، وأما العقعق والسوداية وما أشبه ذلك مما لا مخلب له من الطير لا بأس بأكله، وعن محمد في «الرقيات» في العقعق: إذا أكل الجيف يكره أكله، وفإذا كان يلتقط الحب لا يكره، وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس بأكل العقعق؛ قال: لأنه يخلط الحب مع الجيف، وإنما يكره من الطير ما لا يأكل الجيف، وما له مخلب.
وأما الغراب الأبقع والأسود فهو أنواع ثلاثة: زرعي يلتقط الحب ولا يأكل الجيف، وإنه لا يكره، ونوع منه لا يأكل إلا الجيف، وهو مكروه، ونوع منه يخلط الحب بالجيف؛ يأكل الحب مرة ويأكل الجيف أخرى، وإنه غير مكروه عند أبي حنيفة، وعند
стр. 2244
أبي يوسف: يكره، و.... تؤكل، وكذلك.... وكذلك الخطاف، وأما الخفاش: فقد ذكر في بعض المواضع أنه لا يؤكل؛ لأن له ناباً.
الفصل الثاني في بيان ما يملك
يجب أن يعلم بأن الصيد إنما: يملك بالأخذ، قال ﵇: «الصيد لمن أخذ» نوعان؛ حقيقي وحكمي، فالحقيقي ظاهر، والحكمي ما هو موضوع الاصطياد؛ قصد به الاصطياد، أو لم يقصد، حتى إن من نصب شبكة، فعُقل بها صيد ملكه صاحب الشبكة؛ قصد بنصب الشبكة الاصطياد، أو لم يقصد؛ لأن صاحب الشبكة صاد الصيد بالشبكة من حيث الاعتبار؛ لأن الشبكة إنما نصبت لأجل الصيد؛ حتى لو نصبها للتجفيف فتعقل بها صيد لا يملكه؛ لأنه لم يصر آخذاً له بالشبكة اعتباراً لما يصيبها بغرض آخر، أو باستعمال ما ليس بموضع للاصطياد؛ إذا قصد به الاصطياد حتى إن نصب فسطاطاً وتعقل به صيد؛ إن قصد بنصب القسطاط الصيد ملكه، وإن لم يقصد به الصيد لا يملكه.
ذكر الحاكم الشهيد ﵀ في «المنتقى» : رجل هيأ موضعاً يخرج منه الماء إلى أرض له ليصيد السمك في أرضه، فخرج الماء من ذلك الموضع إلى أرضه بسمك كبير، ثم ذهب الماء، وبقي السمك في أرضه، أو لم يذهب الماء؛ إلا أنه قلَّ حتى صار السمك يوجد بغير صيد، فلا سبيل لأحد على هذا السمك، وهو لرب الأرض، ومن أخذ منه شيئاً ضمنه، ولو كان الماء كثيراً لا يقدر على السمك الذي فيه لا يصيد فمن اصطاد منه شيئاً فهو له، ولو كان صاحب الأرض حفر بئراً لأمر؛ لا يريد به الصيد لا يصير آخذاً للسمك بوقوعه فيها؛ لا حقيقة ولا حكماً، فيكون لمن أخذه وإذا هيأ موضعاً كذلك، ودخل فيه السمك وصار بحال يوجد من غير صيد؛ صار آخذاً للسمك بدخوله فيه، وصار ملكاً له، فلا يكون لأحد عليه سبيل.
وفيه أيضاً: لو أن صيداً بأرض في أرض رجل، أو ... فيها، فجاء آخر وأخذه، فهو له؛ لأن صاحب الأرض لم يصر آخذاً له بأرضه، فيكون للآخذ، وهذا إذا كان صاحب الأرض بعيداً من الصيد بحيث لا يقدر على أخذه، أو مد يده فالصيد لصاحب الأرض؛ لأنه صار آخذاً له تقديراً يمكنه من الأخذ حقيقة إن لم يصر آخذاً له بأرضه، فيكون للآخذ، وعلى هذا إذا كان صاحب الأرض بعيد أمن الصيد بحيث لا يقدر.....
стр. 2245
حفر بئراً، ولم يقصد به ... الأرض؛ لأنه صار آخذاً له تقديراً، فيمكنه من الأخذ حقيقة إن لم يصر آخذاً له....... ..... الاصطياد فوقع الصيد فيها، فجاء آخر وأخذه إن دنا صاحب البئر من الصيد بحيث لو مد يده يقدر عليه فهو لصاحب البئر.
...... وإذا دخل الصيد دار إنسان، وأغلق صاحب الدار الباب عليه، وصار بحال يقدر على أخذه أحد ... من غير ذكر في «العيون» : أنه إن أراد إغلاق الباب للصيد، ملكه وإن لم يرد تملكه حتى لو أخذه آخر؛ كان الصيد لصاحب الدار في الوجه (١٤٥ب٢) الأول وفي الوجه الثاني: يكون للآخذ.
وفي «المنتقى» : صيد دخل دار رجل فلما رآه أغلق بابه، وصار الصيد لا يقدر على الخروج، وصاحب الدار يقدر على الأخذ من غير اصطياد، فقد صار صاحب (الدار) آخذاً مالكاً له، ولو أغلق الباب، ولم يعلم به؛ لم يصر أحداً مالكاً له حتى لو خرج الصيد بعد ذلك في الفصل الأول، وأخذه غيره لا يملكه، وفي الفصل الثاني، ولم يشترط إغلاق الباب للصيد.
في «المنتقى» : فظن بعض مشايخنا أن رواية «المنتقى» تخالف رواية «العيون» وليس كما ظنوا، فشرط إغلاق الباب، في «المنتقى» ثابت دلالة، فإنه قال في «المنتقى» : فلما رآه أغلق بابه، وإغلاق الباب عند رؤية الصيد لا يكون لأجل الصيد ظاهراً في الأصل.
ومن أخذ صيداً، أو فراخ صيد من دار رجل، أو من أرض رجل، فهو للآخذ إلا أن يحرزه صاحب الدار بالقبض أو بإغلاق الباب ليحرزه؛ بحيث يقدر على أخذه من غير صيد، فحينئذٍ يكون لصاحب الدار دون الآخذ؛ قال مشايخنا: وليس معنى قوله: يقدر على أخذه من غير صيد أنه لا يحتاج في أخذه إلى المعالجة، وإنما معناه أنه يمكن أخذه بقليل المعالجة من غير شبكة، ولا سهم.
ومن مشايخنا من قال: إذا اتخذ داراً، وشجراً لتفرخ الطير فيها فالفرخ له.
في «المنتقى» أيضاً: رجل نصب حباله، فوقع فيها صيد فاضطرب وقطعها، إن فلت فجاء آخر، وأخذ الصيد، فالصيد للآخذ، ولو جاء صاحب الحبال ليأخذه، فلما دنا منه بحيث يقدر على أخذه إن شاء، فاضطرب، وانفلت، فأخذه آخر، فهو لصاحب الحبالة.
والفرق: أن في الفصلين جميعاً لصاحب الحبالة، وإن صار آخذاً للصيد إلا أن في الفصل الأول بطل الأخذ قبل تأكده، وفي الفصل الثاني بطل بعد تأكده.
وكذلك صيد الكلب، والبازي إذا انفلت على هذا التفصيل، وإذا رمى بالبيت فتعلقت به سمكة، ثم انقطع الخيط في الماء قبل أن يخرج السمك، وذهب السمك فأخذه آخر، فهو للآخذ، ولو رمى صاحب البيت السمك خارج الماء في موضع يقدر على أخذها، فاضطربت ووقعت في الماء؛ وذهبت فأخذها آخر، فهي لصاحب البيت، وهو بناء على ما قلنا، ذكر الصدر الشهيد ﵀ مسألة البيت في «واقعاته» .
стр. 2246
في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد: في رجل رمى صيداً، فصرعه فغشي عليه ساعة من غير حرج، ثم ذهب عنه الغيبة، فمضى أو كان طائراً فطار، فرماه رجل آخر فصرعه وأخذه، فهو للآخر.
علل فقال: لأن الأول لم يأخذه حين صرعه، ولما ذهب عنه الغيبة من الرمية الأولى عاد إلى حال الصيد، فقد أخذه الآخر، وهو صيد، وإن أخذه الأول في غشيه ذلك وأخذه الآخر، وهو على تلك الحالة قبل استفلاله وتحامله، فهو للأول منهما الذي رماه، قال: لأنا لا ندري لعله لم يكن يتنقل منها، وإن استقبل قبل أن يأخذه الأول، فقد عاد إلى حاله قبل أن يرميه، وصار صيداً فيكون لمن أخذه، قال: وهو رجل نصب شبكة، فوقع فيها صيد، وصاحب الشبكة غائب، فانفلت الصيد منها، فرماه آخر، فهو للآخر، وإن كان صاحب الشبكة أخذه حين وقع في الشبكة، فهو لصاحب الشبكة.
ثم فرق بين هذه المسألة، وبينما إذا رمى إلى صيد، وجرحه جراحة لا يستطيع معها النهوض، فلبث كذلك ما شاء الله، وبرأ، ثم رماه آخر، فالصيد للأول.
وفي «الأصل» : إذا رمى صيداً فصرعه، رجل فأخذه، فالصيد للذي رماه؛ لأن الأول لما صرعه صار آخذاً، فصار ملكاً له، وهذا يخالف ما ذكر في «المنتقى» وفي «الأصل» أيضاً: لو رمى صيداً فأصابه وأثخنه بحيث لا يستطيع ثم رماه آخر وقتله، فالصيد للأول، وإن كان يتحامل ويطير مع ما أصابه من السهم الأول، فرماه الثاني فقتله فهو للثاني؛ لأن في الفصل الأول صار آخذاً له، ولا كذلك في الفصل الثاني، ولو رمى رجلان صيداً معاً، فأصابه سهم أحدهما مثل صاحبه وأثخنه، فأخرجه من أن يكون صيداً، ثم أصابه سهم الآخر، فهو للذي أصابه سهمه أولاً، فالعبرة في حق الملك لحالة الأصالة؛ لا لحالة الرمي.
وذكر في «المنتقى» : عن محمد لو دخل ظبي دار رجل أو حائطه، أو دخل حمار وحشي دار رجل أو حائطه، فإن كان يؤخذ بغير صيد، فهو لرب الدار، وكذلك الحظيرة للسمك، وهذا الجواب يخالف جواب المسائل المتقدمة، وخالف قول «الأصل» .
وفي «الأصل» : لو أرسل كلبه على صيد، فأتبعه الكلب فحتى أدخله في أرض رجل أو داره؛ كان لصاحب الكلب؛ لأن الكلب إنما يرسل للآخذ فيعتبر بما لو أخذه بيده، وكذلك لو أرسله على صيد وأمره حين أدخل دار رجل أو أرضه، فهو له؛ لأنه لما أخرجه واضطره صار آخذاً له.
وفي القدوري عن أبي يوسف: في رجل اصطاد طائراً في دار رجل، فإن اتفقا على أنه أصل الإباحة، فهو للصائد؛ سواء اصطاده من الهواء، أو على الشجر إن الصيد إنما يملك بالاستيلاء والأخر، ولا يملك بحصوله على حائطه. وشجره فيكون للآخذ، وإن اختلفا فقال رب الدار: كنت اضطر وأنكر الصياد، فإن كان أخذه من الهواء فهو له؛ لأنه
стр. 2247
لا يد لصاحب الدار على الهواء فقد اختلفا فيما لا يد لأحد عليه من قبل، وكان القول قول صاحب الدار، وإن أخذه من داره أو شجره، فالقول قول صاحب الدار؛ لأن يده نائبة على الشجرة، وعلى الحائط، فإذا أخذه من محل هو في يده؛ كان القول قول صاحب اليد، فإن اختلفا في أخذه من الهواء، أو الجدار، فالقول قول صاحب الدار؛ لأن الظاهر أن ما في داره في يده؛ لأن صاحب باعتبار الظاهر.
قال في «الأصل» : ومن اصطاد سمكة من نهر جاري لرجل، فهو للذي أخذه؛ لأن صاحب النهر ما صار محرزاً له؛ بل هو صيد في نهره، فالمحرز له من اصطاد، وكذلك إن كانت أجمة لا يقدر على أخذ صيدها إلا بالاصطياد، فصاحب الأجمة ما صار محرزاً بما حصل فيها من السمك، وإنما المحرز الآخذ، فإن كان صاحب الأجمة..... كذلك حتى خرج الماء، وبقي السمك (١٤٦أ٢) فهو لصاحب الأجمة؛ لأنه صار محرزاً بما صنع، فالسمك على اليبس لا يكون صيداً، فإذا صار بحقله يجب بتمكن من أخذه من غير صيد، فهو محرز، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ من مشايخنا من إلى السمك، وليس قصده السمك، فهو للآخذ، وإن نصب عنه الماء، فإن كان قصده أخذ السمك ينظر؛ إن كان لم يكن أخذه إلا بصيد، فهو للآخذ، وإن أمكن أخذه من غير صيد، فهو لصاحب الحوض، صار آخذاً له.
نوع آخرمن خبر هذه المسائل
في «المنتقى» : داود بن رشد عن محمد: رجل اتخذ كوارات في أرض رجل، فخرج منها عسل كثير، كان ذلك لصاحب الأرض، ولا سبيل لأحد على أخذه؛ قال: ولا يشبه هذا الصيد، وأشار إلى معنى الفرق فقال: الصيد يجيء ويذهب، والبعض يصير وإنما يشبه الطير في هذا النحل نفسه، أو آخذ النحل أخذ كانت له، فأما العسل، فلم يكن صيداً قط، ولا يصير صيداً قط، وعن أبي يوسف إذا وضع رجل كوارة النحل، فتعسلت فيها، فالعسل لصاحب الكوارة.
في «المنتقى» إبراهيم عن محمد: إذا وضع الرجل الشبكة بين يدي قوم، وقال: خذوه، فمن أخذه، فهو جائز لمن أخذه؛ اختلف العلماء في صفته أنه تمليك أو إباحة؛ قال بعضهم: تمليك، ولكن من مجهول يصير معلوماً عند الأخذ، وقال بعضهم: إنه إباحة، قال: وإذا بين فوقع في حجر رجل، أو كم رجل، فأخذه آخر، فهو للذي أخذه؛ هكذا ذكر في «الكتاب» وعلى قياس ما تقدم ينبغي أن يكون الجواب على التفصيل؛ إن بسط هذا الرجل كمه، وذيله ليقع فيه السكر؛ كان السكر له، وليس للآخذ أن يأخذه، ولو أخذه لا يملكه، وإن لم يبسط كذلك، فالسكر لمن أخذه، وهكذا ذكر في المسألة
стр. 2248
على هذا التفصيل في كراهية «فتاوى أهل سمرقند» ، وفي «الأمالي» : عن محمد ﵀؛ رجل سيل ماء في أرضه فلاحة، فمن أخذ من ذلك الماء شيئاً، فلا ضمان عليه فيه، وإذا صار ذلك الماء ملحاً، فلا سبيل لأحد عليه؛ لأنه ما دام ماء، فحكم الشركة فيه ثابت، وبعدما صار ملحاً أيضاً من جنس أرضه واتصل بأرضه أيضاً؛ لا يقدر معه التمييز، فصار محرزاً له.
قال: وفي نهر شق في أرض رجل، فتقدم الطين في أرضه، فصار قدر ذراع، وذراعين، فلا سبيل لأحد على ذلك الطين لما بينا في المسألة الأولى ومن أخذ منه شيئاً ضمنه.
الفصل الثالث في شرائط الاصطياد
يجب أن يعلم أن الاصطياد بثلاثة أشياء؛ الصائد، والآلة، والصيد، وفي كل واحد من هذه الأشياء شرائط.
في الصائد فنقول.
ينبغي أن يكون الصائد من أهل الذكاة، وذلك بأن يعقل الذبح، والتسمية؛ حتى لا يؤكل صيد الصبي، والمجنون إذا كانا لا يعقلان الذبح، والتسمية، ويؤكل صيدهما إذا كانا يعقلان ذلك، يريد به إذا أرسل كلبه أو بازه، أو رمى، فأصاب الصيد وقتله، وأن يكون له ملة التوحيد دعوى واعتقاداً، كالمسلم، أو دعوى الاعتقاد كالكتابي حتى أن المجوسي إذا أرسل، أو رمى إلى صيد فأصابه وقتله لا يحل أكله؛ وهذا لأن الإرسال والرمي ذبح من المرسل والرامي حكماً، فيعتبر بالذبح حقيقة، والإباحة لا تثبت بذبح المجوسي حقيقة؛ لأنه ليس له ملة التوحيد؛ لأنه مشرك يدعي الاثنين فهكذا لا يثبت بذبحه حكماً، وكذلك لا يؤكل صيد المرتد؛ لأنه لا ملة له.
ويشترط مع ذلك أن لا يكون محرماً، وأن لا يكون في الحرم، والتسمية شرط عند الإرسال والرمي لما ذكرنا أن الإرسال ذبح من المرسل والرامي حكماً، والتسمية عند الذبح حقيقة شرط؛ هكذا عند الذبح حكماً، ولا بأس بصيد الأخرس المسلم والكتابي؛ لأن له ملة التوحيد، وملة التوحيد تقام مقام التسمية.
ألا ترى أنها أقيمت مقام التسمية في حق الأخرس أولى، ولو أرسل النصراني، أو رمى وسمى باسم المسيح لم يؤكل.
وكذلك الإرسال شرط عندنا في الكلب والبازي، حتى أن الكلب المعلم إذا انفلت من صاحبه، فأخذ صيداً وقتله لا يؤكل، فإن صاح صاحب الكلب به صيحة بعدما انفلت، وسمى، فإن لم ينزجر بصاحبه، وإن لم يردد طلباً وحرصاً للأخذ فأخذ الصيد وقتله لا يؤكل؛ لأنه لما لم ينزجر بصاحبه صار وجود الصياح منه والعدم بمنزلة، وأما إذا انزجر بصاحبه، وأخذ الصيد وقتله فالقياس: أن لا يؤكل، وفي الاستحسان: أن يؤكل.
стр. 2249
فرق على جواب الاستحسان بين هذه المسألة، وبينما إذا أرسل كلبه، ولم يسم عمداً، ثم زجره وسمى فانزجر وأخذ الصيد لا يحل تناوله.
والفرق: إرساله فعل معتبر في نفسه قد تعلق به حكم، فالحاجة إلى التسمية.... لا يصح..... دونه والزجر دون الإرسال، فأما انبعاث الكلب، فغير معتبر؛ لأنه فعل العجماء.
ألا ترى أنه لم يتعلق به حكم، فالحاجة إلى ابتداء الفعل ههنا في..... فعل معتبر، فإذا انزجر بزجره جعل ذلك بمنزلة ابتداء الإرسال وقد سمى عند ذلك فيحل وعلى الأصل.
ولنا: إذا أرسل المسلم كلبه إلى صيد وسمى، فزجره مجوسي وانزجر، وأخذ الصيد وقتله يؤكل، وبمثله لو أرسل المجوسي أو من بمعناه كلبه، فزجره مسلم، وسمى وانزجر بزجره وقتل الصيد لايؤكل؛ لأن الإرسال دفع معتبر في الفصلين جميعاً حتى تعلق به حكم، فلا يبيح بالانزجار الذي دونه.
وقد ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح كتاب الصيد في مسألة المسلم إذا أرسل كلبه، وزجره مجوسي أنه إنما يؤكل للصيد إذا زجره المجوسي في ذهابه، فأما إذا وقف الكلب عن سير الإرسال، ثم زجره المجوسي بعد ذلك وانزجر لا يؤكل.
....، وكذلك بشرط أن لا يشارك في الإرسال الذمي الذي لا تحل ذبيحته كالمجوسي وتارك التسمية عمداً؛ لأنه يجمع في الصيد سبب الحرمة وسبب الإباحة، وكذلك يشترط أن لا يشتغل بعمل آخر بعد الرمي والإرسال أثر الصيد.
قال في «الكتاب» : إذا توارى الصيد والكلب عن المرسل، ثم وجده بعد وقت، وقد قتله وليس..... عبرة فهذا على وجهين: إما أن لم يترك الطلب حتى وجده ذلك، والكلب عنده وفي هذا الوجه القياس أن لا تؤكل، وفي الاستحسان: تؤكل؛ شرط في «الكتاب» أن يكون الكلب عنده؛ قالوا: وهذا شرط لازم للحل على جواب (١٤٦ب٢) الاستحسان؛ لأن الكلب إذا كان عنده، فالظاهر أنه قتيل الكلب، فأما إذا وجد الصيد ميتاً، والكلب قد انصرف عليه فلا يؤكل قياساً واستحساناً؛ لأنه يحتمل أن القتل حصل بسبب آخر، وأما إذا اشتغل بعمل آخر بعدما أرسل الكلب حتى إذا كان قريباً من الليل طلبه فوجده ميتاً، والكلب عنده، وبه جراحة لا يدري أن الكلب جرحه أو غيره، فقال في «الكتاب» : كرهت؛ لأنه لو لم يترك طلبه ربما وجده حياً فذكاه، فيصير تاركاً الاختياري فيه مع القدرة عليه؛ ولأنه يحتمل أنه بفعل غيره؛ لكن سقط اعتبار هذا الاحتمال ما دام في طلبه فبقي معتبراً إذا ترك طلبه، ثم ذكر في هذا الفصل كرهت أكله، وأراد به كراهة التحريم.
ثم نص عليه شمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وذكر في القدوري
стр. 2250
نصاً: أنه لا يؤكل، وذكر شيخ الإسلام أنه أراد به كراهة التنزيه والأول أصح، وهذا كله إذا وجده وبه جراحة واحدة يعلم أنه جراحة الكلب؛ أما إذا علم بالعلامة أنها جراحة غير الكلب، أو علم أنه جراحة الكلب، وبان بها جراحة أخرى ليست من جراحة الكلب؛ لا يؤكل ترك الطلب أو لم يترك.
وكذلك الجواب في البازي، والصقر من أوله إلى آخره، والجواب في الرمي هكذا إذا رمى سهماً إلى الصيد فأصابه، وتوارى عن بصره، ثم وجده ميتاً، وبه جراحة أخرى سوى جراحة السهم لا يؤكل وإن كان في طلبه، وإن وجده وليس به جراحة أخرى إن لم يشتغل بعمل آخر تؤكل استحساناً، وإن اشتغل بعمل آخر لا يؤكل قياساً واستحساناً، والله أعلم.
الفصل الرابع في بيان الشرائط في الآلة
فنقول: الآلة نوعان: جماد كالمرزاق والسهم والرمح والمعراض وأشباهها.
وحيوان كالكلب ونحوه والصقر والبازي ونحوها، فإن كانت الآلة حيواناً، فمن شرطها أن تكون معلمة؛ قال الله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ (المائدة ٤) ، وقال ﵇: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه كل» الحديث، ولا يكون الكلب معلماً إلا بالإمساك علينا، وترك الأكل، وإن كان مجيؤه إذا دعاه، وإذا أرسله على الصيد يصيد.
فعلامة تعلم الكلب، وما بمنعاه ترك الأكل من الصيد، وكان أبو حنيفة ﵀ لا يحد في ذلك حداً، ولا يوقت وقتاً، وكان يقول: إذا كان معلماً، فَكُلْ وربما كان يقول: إذا غلب على ظن الصائد أنه معلم، وربما كان يقول: نرجع في ذلك إلى قول أهل العلم من الصائدين، فإذا قالوا: صار معلماً، فهو معلم، وروى الحسن عنه إذا ترك الأكل ثلاثاً فهو معلم، وهو قول أبي يوسف ومحمد في ظاهر روايتهما؛ لا يحل الثالث ولنا يحل الرابع، وروي عنهما أيضاً أنه يحل الثالث.
وأما البازي وما بمنعاه فترك الأكل في حقه ليس علامة تعلمه، وأما علامته أن يجيب صاحبه إذا دعاه حتى أن البازي وما بمعناه إذا أكل من الصيد يؤكل صيده قال بعض مشايخنا في البازي: هذا إذا أجاب صاحبه عند الدعوة العامة من غير أن يطمع في اللحم، فأما إذا كان لا يجيب إلا بطمع في اللحم لا يكون معلماً، ولا يحل صيده.
وكذلك الكلب إذا أكل من الصيد خرج من حكم المعلم، وحرم ما عند صاحبه من الصيود قبل ذلك في قول أبي حنييفة، وعندهما لا يحرم الصيود التي أحرزها صاحبها،
стр. 2251
ولم يأكل منها قبل هذا إذا كان العهد قريباً بأخذ ملك الصيود، فأما إذا كان بعيداً بأن أمضى شهراً أو نحوه، وقد قدر صاحبه ملك الصيود لم يجز بلا خلاف.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي: وبه ظهر أن الخلاف في الفصلين، وأجمعوا أن ما لم يحرزه المالك من صيوده أنه يحرم؛ هكذا ذكر شيخ الإسلام.
فالحاصل: أن أبا حنيفة يحكم بجهله مستنداً فهما يقولان حكمنا بإباحة ما أحرز المالك من صيوده بنوع اجتهاد، فلو نقضنا هذا الحكم نقضناه باجتهاد مثله؛ لأن أكله من الصيد الذي أكل يحتمل أن يكون لجهله، وتركه الأكل فيما مضى كان لسعة لا يعلمه، ويحتمل أن أكله كان لمسألة جوعه، أو لأنه نسي ذلك، وهذا لا يوجب جهله فيما مضى، فرجحنا ما يوجب الحرمة في المستقبل احتياطاً، ولكن لم ينقض ما حكمنا به من الإباحة فيما مضى بالاجتهاد الثاني، بخلاف ما لم يحرزه من الصيود؛ لأنه لم يحكم بإباحة ما لم يحرزه من كل وجه، فأما إنما يحكم بالإباحة بعد خروجه من أن يكون صيداً، وقتل الآخر ليس شيء من؟ من معنى الصيد به باقي وهو أنه في المعلى وأبو حنيفة ﵀ قال: المقصود من إباحة الأكل وإنه لم يوجد، وظهور اجتهاد آخر قبل حصول ما هو المقصود من الإباحة؛ كظهور اجتهاد آخر للقاضي قبل القضاء، وأما ما باع المالك مما ورد من صيوده فلا شك أن على قولهما: لا ينقض البيع فيه، وأما على قول أبي حنيفة فينبغي أن ينقض البيع إذا تصادق البائع، والمشتري على كون الكلب جاهلاً.
قال: ولا يحل صيده بعد ذلك حتى يعلم، وحد تعليمه ما ذكرنا في ابتداء الأمر على الخلاف، وكذلك هذا الخلاف في البازي إذا فر من صاحبه، فدعاه فلم يجبه؛ حتى حكم بكونه جاهلاً إذا أجاب صاحبه ثلاث مرات بعد ذلك على الولاء يحكم بتعلمه عندهما.
ولو شرب الكلب من دم الصيد يؤكل، وإن أخذ الرجل الصيد من الكلب، ثم وثب عليه الكلب، فانتهش منه قطعة، أو رمى صاحبه إليه اليد فأكلها، لم يفسده، وهو على تعلمه؛ لأنه انتهى موجب الإمساك لصاحبه بعد التسليم إليه في الأكل بعد ذلك لا في علم الاصطياد، ولو أن الكلب أكل قبل أن يأخذه صاحبه كرهت أكله لما مر، ولو امتنع الكلب الصيد فانتهش منه قطعة فأكلها، ثم أخذ الصيد بعد ذلك، فقتله، ولم يأكل منه ما لم يؤكل؛ لأن الأكل منه قد وجد في حالة الاصطياد، فلم يكن متمسكاً على المالك، ولو أكل ما انتهش بعده أخذ الصيد وقتله صاحبه منه، فإنه منه يؤكل؛ لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لم يعتبره، فإذا أكل ما بان (١٤٧أ٢) على صيد كثير، وسمى مرة واحدة حالة الإرسال، فقيل: الكل حل أكله وكفاه تسمية واحدة في حق الكل في البازي.
فرق بين هذا وبينما إذا ذبح شاتين بتسمية واحدة، فإنه لا يحل.
والفرق: أن الذبح في باب الكلب يحصل بالإرسال، ولهذا شرط التسمية وقت
стр. 2252
الإرسال، ولهذا تشترط التسمية وقت الإرسال، والإرسال واحد، فعليه تسمية واحدة بمنزلة ما لو رمى سهماً إلى صيد فنفذه وأصاب صيداً آخر، بخلاف ما لو ذبح شاة، ثم ذبح أخرى؛ لأن الثاني صار ذبحاً بغير فعل الأول، فلا بد من تسمية أخرى حتى لو أضجع شاتين، وذبحها بمرة واحدة، فإنه يكفيه تسمية واحدة؛ لأن ذبحهما حصل بفعل واحد، وهذا كله ما دام الكلب في وجه إرساله، فإن انحرف يميناً أو شمالاً ثم أخذ صيداً، فإنه لا يحل أكله؛ لأن هذا الأخذ حصل بغير إرسال؛ لأنه أرسله قبل المشرق وهو قد ذهب إلى المغرب.
وإذا قتل صيداً، وحتم عليه طويلاً، ثم مر به آخر، فأخذه وقتله لم تؤكل؛ لأنه انقطع فور الإرسال، وإذا كمن الفهد في إرساله حتى استمكن الصيد، ثم وثب عليه وقتله، لم يحرم أكله، وكذلك الكلب إذا فعل مثل ذلك؛ لأن قصده من هذا التمكن من الصيد، وهذه عادة ظاهرة في حق الفهد والكلب، فلا ينقطع به حكم الإرسال، أو إذا أرسل بازيه المعلم فوقع على شيء، ثم اتبع الصيد فأخذه وقتله لا بأس بأكله، وتأويله إذا مكث ساعة الكمين حتى لا ينقطع به فور الإرسال؛ أما إذا مكث زماناً طويلاً يكون الإسراع بحيث ينقطع به فور الإرسال؛ لا يؤكل ومن شرطها أن لا لا يشاركها؟ كلب غير معلم غير مرسل حتى لو أرسل كلبه المعلم وشاركه في قتل الصيد؛ كلب آخر غير معلم، يريد به أن يأخذ معه ويخرج معه، فإنه لا يؤكل؛ لأنه اجتمع في الصيد ما يبيح وما يحرم، والاحتراز غير ممكن، فيرجح جانب الحرمة احتياطاً، وإن رد عليه، ولم يخرج هو معه حتى جرحه أو ورد عليه سبع في حد الكلب المعلم، ومات من جرحه، وذكر محمد ﵀ في «الأصل» : أنه يكره أكله؛ قال شيخ الإسلام: لم يرد بهذه الكراهة التحريم، وقال شمس الأئمة الحلواني: أراد بها التحريم، وهو الصحيح.
وإن رد عليه مجوسي حتى أخذه لا بأس بأكله؛ بخلاف ما لو مد المجوسي قوساً إلى صيد وأصابه، فإنه لا يحل أكله، والبازي في هذا نظير الكلب، وإن كان غير المعلم اتبع المعلم..... عليه حتى ازداد طلباً لهذا الصيد؛ لا بأس بأكله، وكذا في البازي، ومن شرطها أن لا يوجد منهما بعد الإرسال، بول..... أوجد ذلك منه، أوطال..... لا يؤكل الصيد، كذلك من شرطها أن يكون جارجاً؛ حتى لو قتله من غير جرح؛ لا يحل ذكر في «الزيادات» وفي «المختصر» لعصام، وأشار في «الأصل» إلى أنه يحل، فإنه قال: أخذ ومثله، ولم يفصل بينهما إذا قتله جرحاً، أو خنقاً.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وأبي يوسف في غير رواية «الأصول» : أنه يحل وإن لم يجرحه، من المشايخ من قال: ما ذكر في «الأصل» قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وما ذكر في «الزيادات» قول محمد، وقيل: ما ذكر في «الأصل» إيجاز، وما ذكر في «الزيادات» إشباع، والصحيح ما ذكر في «الزيادات» وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة:
стр. 2253
أنه إذا كسر عضواً وقتله؛ لا بأس بأكله؛ لأن الكسر جراحة في الباطن، فتصير الجراحة في الظاهر.
هذا كله إذا كانت الآلة حيواناً.
أما إذا كانت الآلة جماداً؛ قال محمد ﵀ في «الأصل» : ولا يحل صيد البندقة والحجر والمعراض والعصا وما أشبهه، وإن جرح؛ لأنه لا يخرق؛ إلا أن يكون شيء من ذلك قد حدده، وحلوله كالسهم، وأمكن أن يرمي به، فإن كان كذلك وجرحه حل؛ وهذا لأن المطلوب بالذكاة تسييل الدم، وذلك يحصل بالخرق والتقطيع، فأما الجرح الذي ينزف في الباطن، ولا يخرق في الظاهر، ولا يحصل تسييل الدم به، فهو معنى الموقوذة والموقوذة حرام بالنص، وفعل الحديد، وغير الحديد في ذلك سواء.
وكذلك لو رمى الصيد بسكين، فأصابه بحده فجرحه يؤكل، وإن أصابه بعرض السكين، أو بمقبض السيف لم يؤكل، والمزراق كالسهم؛ لأنه يخرق، ويعمل في تسييل الدم ما يعمل السهم، وإن حدد مبردة، ورمى بها صيداً حل لحصول بتسييل الدم بحدة الآلة، ثم في كل موضع وجد القطع.... هل يشترط مع ذلك الأداة؟ اختلف المشايخ فيه.
منهم من قال: يشترط، ومنهم من قال: لا يشترط، ومنهم من قال: إذا كانت الجراحة صغيرة يشترط، وإذا كانت كبيرة لا يشترط، ولو رمى صيداً بسهم في سنته وأصاب صيداً آخر، أو أصاب ذلك الصيد، ونفذ منه، وأصاب صيداً آخر وقتله، فذلك كله حلال، وإن عرض السهم ريح أو شجر أو حائط ورده إلى ورائه، أو يمنة أو يسرة، وأصاب صيداً لم يؤكل، وإن لم يرده عن سنته يؤكل، وعن أبي يوسف: أنه وإن رده يمنة أو يسرة يؤكل، ولو عرض للسهم بسهم آخر، فرده عن سنته وأصاب صيداً، وقتله لم يؤكل؛ هكذا ذكر في «الأصل» ، وذكر في «الزيادات» : أنه يؤكل.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: تأويل ما ذكر في «الأصل» : أن الرامي الثاني لم يقصد الرمي إلى الصيد، إنما قصد اللعب، أو تعلم الرمي، أو ترك التسمية عمداً؛ حتى لو قصد الثاني الاصطياد يحل على رواية «الأصل» أيضاً، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» .
ولو كانت الريح شديدة فوقعت السهم في سنته وأصابت الصيد أكل.
الفصل الخامس في الشرائط التي في الصيد
فمن شرط أن لا يشارك في موته سوى جراحة السهم، أو الكلب، أو ما أشبه ذلك، وذلك نحو الرمي من موضع، والوقوع في الماء، وجراحةٍ أخرى يتوهم موته من تلك الجراحة.
стр. 2254
قال محمد في «الأصل» : إذا أصاب السهم، فوقع على السطح أو على الأرض من الهواء أو مات، فإنه يؤكل، وإذا وقع على السطح أو على الجبل، ثم وقع على الأرض لا يؤكل؛ لأنها متردية، والمتردية حرام لجواز أن يكون (١٤٧ب٢) التردي قتله، والأصل أنه متى دخل على الصيد لعل وعسى لا يؤكل، وههنا دخل لعل وعسى لجواز أن يكون التردي قتله، ولو وقع على شيء ومات، فإن كان ذلك الشيء قبل الأرض لا يقتل كالسطح، والآجر المبسوطة يؤكل، وإن كان يقتل منه مثل حد الرمح والقصبة المنصوبة وحد الآجر لا يؤكل؛ لأنه يحتمل أنه قتيل الرمح، والآخر، والاحتراز عنه ممكن، فيجب اعتباره بخلاف ما لو سقط على الأرض حيث يؤكل إن احتمل أنه مات بسبب السقوط على الأرض؛ لأن الاحتراز عن السقوط على الأرض غير ممكن، فيسقط اعتباره، وإذا سقط اعتبار السقوط على الأرض سقط اعتبار السقوط على ما هو بمعنى الأرض قالوا: وهذا إذا كانت الجراحة التي أصابت الصيد جراحة يجوز أن يسلم الصيد منها بأن أصاب رجله أو يده؛ أما إذا كانت جراحة لا يجوز أن يسلم منها إن بقي فيه من الحياة مقدار ما يبقى في المذبوح بعد الذبح كالاضطراب ونحوه؛ لا يحرم بالإجماع؛ لأنه يعلم أنه قتيل الجراحة لا قتيل التردي، وإن بقي فيه من الحياة أكثر من ذلك؛ مقدار ما يعيش نصف يوم أو أكثر؛ لا يحرم عند محمد، وعند أبي يوسف يحرم.
وإذا رمى طائراً ووقع في الماء؛ إن كان الطير مائياً، والجراحة فوق الماء، يعلم قطعاً أنه قتيل الجراحة لا قتيل الماء؛ لأنه يفلس في الماء، وإن كانت الجراحة تحت الماء، أو في صيد الذي فوق الماء، أو تحته يحتمل أن يكون الموت بسبب الماء هنا في الوجوه التي ذكرنا في فصل التردي من الذي يجوز أن يسلم، ويجوز أن لا يسلم من الاتفاق والاختلاف، وذكر شيخ الرسلام المسألة على هذا الوجه في «شرحه» ، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى في «شرحه» إن الطير إذا وقع في الماء؛ لا يؤكل برياً كان أو مائياً، فيتأمل عند الفتوى، ومن شرائطه أن يموت قبل أن يصل الصائد إليه؛ حتى يكون حله بلا شبهة وخلاف، فإنه لو وصل إليه الصائد، وهو حي ففيه كلمات على ما يأتي بيانها بعد هذا إن شاء الله.
ومن شرائطه أن يكون متنفراً متوحشاً، ولا يكون ألفاً كالدواجن من الوحوش.
الفصل السادس فيما لا يقبل الذكاة من الحيوان، وفيما يقبل
وإذا أرسل كلبه إلى صيد، فجرحه الكلب؛ ثم وصل إليه صاحبه وهو حي، أو رمى سهماً إلى الصيد فأصابه فوصل إليه صاحبه وهو حي، فهذه المسألة على وجهين: إن لم يتمكن من الذبح؛ إن كان عدم التمكن لفقد الآلة، فلذلك لا يحل إلا بالذبح؛ قال شيخ الإسلام في «شرحه» وقد روي في غير رواية «الأصول» عن أبي حنيفة، وأبي يوسف أنه يحل، وإن كان عدم التمكن لضيق الوقت بأن بقي فيه من الحياة مقدار ما لا يتأتى فيه الذبح.
стр. 2255
ذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : أنه لا يحل عندنا، وقال الحسن بن زياد ومحمد بن مقاتل: يحل، وهو قول الشافعي، وبه أخذ الصدر الشهيد في «واقعاته» ، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» : أنه إن كان الباقي من الحياة مقدار ما يبقى في المذبوح بعد الذبح يحل؛ قيل: هو قول أبي يوسف ومحمد؛ أما على قول أبي حنيفة لا يحل، وإن كان الباقي من الحياة أكثر مما يكون في المذبوح إلا أنه لا يتأتى فيه الذبح بذلك القدر لا يحل، قيل هذا بلا خلاف.
قال محمد في «الأصل» في باب المتردي: وما أدركت ذكاته، والمتردي، وما أكل السبع فذكيتها حل، وتكلموا في إدراك ذكاته.
والحاصل: أنه إذا كان يتوهم أن يعيش تقبل الذكاة بلا خلاف حتى لو ذكاه هل يحل، وإن لا يتوهم أن يعيش لكن بقي فيه من الحياة أكثر مما بقي في المذبوح بعد الذبح، قال أبو يوسف ﵀: لا تقبل الذكاة، وقال محمد: تقبل، وإذا بقي فيه من الحياة مقدار ما بقي في المذبوح بعد الذبح كالحركة وشبهها؛ قال أبو يوسف: لا تقبل الذكاة، أبي حنيفة اختلف المشايخ؛ ذكر القاضي الإسبيجابي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي: أنه تقبل، وذكر شيخ الإسلام: أنه لا تقبل، وشيخ الإسلام سوى بين هذا، وبين ما إذا جرحت الكلب أو السهم، وقد بقي فيه من الحياة مقدار ما في المذبوح بعد الذبح، فإنه لا يكون محلاً للذكاة؛ حتى لو أخذه المالك، ولم يذكه حل، وهم فرقوا.
والجواب في الشاة إذا مرضت، وبقي فيها من الحياة مقدار ما بقي في المذبوح بعد الذبح وإذا ضرب البازي الصيد بمنقاره أو مخلبه حتى أثخنه أو جرحته الكلب بمرضاة صاحبه ومات الصيد، عامة المشايخ: على أنه لا يحل أكله، وإذا رمى سهماً إلى صيد، فأصابه، وأثخنه حتى لا يستطيع برؤها ثم رماه، بسهم آخر فأصابه ومات لا يحل أكله.
قال الشيخ الأجل شمس الأئمة الحلواني: هذا إذا علمت أنه مات من الرمية الأولى، وإن رماه بسهم وأصابه، ثم رماه رجل آخر بسهم وأصابه؛ إن لم.... للأول حل، وإن.... للأول إلى أن يبقى فيه من الحياة مقدار ما بقي في المذبوح بعد الذبح؛ نحو الاضطراب، فإن أبان الأول رأسه، وفي هذا الوجه يحل أيضاً.
وإن كان الباقي فيه من الحياة أكثر مما بقي في المذبوح بعد الذبح، فعلى قول أبي يوسف لا يحرم الصيد بالرمي الثاني؛ لأنه لا عبرة لهذه الحياة عنده، وعلى قول محمد يحرم؛ لأن لهذه الحياة عبرة عنده، إذا رمى إلى صيد، وانكسر الصيد بسبب آخر قبل أن يصيبه السهم، ثم أصابه السهم حل؛ لأنه حين رماه كان صيداً، والعبرة في حق الحل لوقت الرمي إلا في مسألة واحدة ذكرها محمد في آخر كتاب الصيد.
وصورتها: الحلال إذا رمى صيداً، والرامي والصيد في الحل، فلم يصل السهم
стр. 2256
الصيد حتى دخل الصيد في الحرم وبسهم على إثره، فأصابه السهم في الحرم، ومات في الحرم والسهم في الحلال لا يؤكل، واعتبر وقت الإصابة؛ أما فيما عداها، فالعبرة لحالة الرمي.
وفي «النوازل» : إذا رمى سهماً إلى صيد، فأصابه، ووقع عند (١٤٨أ٢) مجوسي مقدار تعذر على ذبحه، فمات لا يحل تناوله؛ لأنه قادر على ذبحه بتقديم الإسلام، وإذا وقع عند نائم والنائم بحال لو كان مستيقظاً تعذر على تذكيته فمات؛ روي عن أبي حنيفة: أنه لا يحل؛ لأن النائم عنده كاليقظان في مسائل معدودة من جملتها هذه المسألة عن محمد أنه يحل؛ لأن النائم عنده كالغائب وكالميت، وإن وقع عند صبي لا يعقل الذبح حل، وإن كان يعقل الذبح لا يحل.
في «فتاوى أهل سمرقند» : شق الرجل بطن شاة، وأخرج ولدها، وذبح الولد، ثم ذبح الشاة، فإن كانت الشاة لا تعيش من ذلك يحل؛ لأن في الفصل الأول الشاة مثل الفصل الثاني، وإنه تصح ذكاة شاة ذبحت فلم تتحرك بعد الذبح، ولم يخرج منها الدم، فالمسألة على وجهين: إن علم حياتها وقت الذبح حلت، وذكر الصدر الشهيد المسألة في «واقعاته» من غير ذكر خلاف، وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب الصيد: اختلف المشايخ في هذا الوجه؛ قال: كان الفقيه أبو القاسم الصفار يقول: لا يحل لعدم معنى الذكاة، وهو تسييل الدم النحر، وكان الفقيه أبو بكر الإسكاف يقول: يحل لوجود فعل الذكاة، قال ﵇: «الذكاة ما بين اللبة واللحيين» ، وإن لم يعلم حياتها وقت الذبح، فإن لم يتحرك، ولم يخرج منها الدم لا يحل، وإن تحرك ولم يخرج منها الدم لا يحل، وإن تحرك ولم يخرج منها الدم المسفوح، أو خرج منها الدم المسفوح، ولم يتحرك حل، والله أعلم.
الفصل السابع في صيد السمك
الأصل عندنا في إباحة السمك؛ أن ما مات بآفة يؤكل، وما مات منه بغير آفة لا يؤكل، وإن قتلها شيء من طير الماء أكل؛ لأنها ماتت بآفة، وإن القاها في حب ماء، وماتت؛ فكذلك لأن ضيق المكان آفة، وكذلك إذا جمعها في حظيرة لا يستطيع الخروج منها، وهو يقدر على أخذها بغير صيد فمتن كلهن فلا بأس بأكلهن؛ لأنهن متن لضيق المكان؛ حتى كانت الحالة هذه، وإن كان لا يقدر على أخذهن من غير صيد، فلا خير في أكلهن؛ لأنه لم يظهر لموتهن سبب، ولو ماتت في الشبكة وهي لا تقدر على التخلص
стр. 2257
منها، وأكلت شيئاً مما يلقى في الماء ليس أكل فمات وذلك معلوم، فلا بأس بأكله، وكذلك لو ربطها في الماء وماتت، وكذلك إن جمد الماء بقي في الجمد وماتت.
ولو ماتت بحمى الماء أو برودته ذكر القدوري أنه فيه روايتين، وذكر شيخ الإسلام في غير رواية الأصول: أن على قول أبي حنيفة لا يحل، وعلى قول محمد يحل، وإذا انحسر الماء عنها تؤكل، وإذا انحسر الماء عن بعضها؛ إن كان رأسها في الماء لا تؤكل، وإن كان رأسها خارج الماء تؤكل؛ لأن ذلك سبب موتها، وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» .
وفي «المنتقى» : إذا كان ما على الأرض النصف أو أقل لا تؤكل، وإذا كان ما على الأرض أكثر من النصف تؤكل، وإذا اصطاد سمكة، فوجد في بطنها أخرى أكلهما؛ لأن الأولى ماتت بالأخذ، والثانية لضيق المكان، وهذه المسألة تدل على أنه إذا وجد في بطن السمكة الطافية سمكة أنها تؤكل، وإن ماتت الطافية لا تؤكل، وعن محمد في السمكة توجد في بطن الكلب أنه لا بأس بأكلها؛ يريد إذا لم تتغير؛ لأنها ماتت بسبب، وإذا أضرب بها ضارب، وقطع بعضها لا بأس بأكل ما قطع منها، وإن كان ما قطع مباناً من الحي، والمبان من الحي ميت إلا أن الميت من السمكة حلال إذا ماتت بآفة والمبان من السمكة ميت بآفة، وكذلك لا بأس بأكل الباقي؛ لأنه مات كالسمك يصيده مجوسي؛ لأنه يحل من غير تسمية، فإن المسلم إذا أخذها السمك، وترك التسمية عليه عمداً يحل بدون التسمية؛ المجوسي، وغير المجوسي فيه سواء.
الفصل الثامن في الرجل يسمع حس صيد ويرميه ثم تبين خلافه
قال محمد ﵀ في «الأصل» : ومن سمع حساً ظن أنه حس صيد، فأرسل كلبه عليه، أو رماه، فأصاب صيداً، فإن كان ذلك الحس حس صيد، فلا بأس بتناول ما أصاب؛ يستوي فيه أن يكون الذي سمع حس مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم، فإن كان ذلك الحس حس إنسان، أو حساً من الأهليات؛ لا يكون تناول ما أصابه حلالاً به رمي إلى الحس، والرمي إلى الآدمي والأهليات لا يكون اصطياداً، وحل الصيود يتوقف على الاصطياد، وإن لم يتبين ما كان ذلك الحس لا يحل تناول ما أصاب.
وفي «النوادر» : إذا رمى طائراً، فأصاب طيراً آخر، وذهب ذلك الطير، ولا يدري إن كان أهلياً أو وحشياً، فإنه يحل تناول الطير الذي أصابه، وعن أبي يوسف أنه إذا كان الحس حس خنزير لا يحل تناول ما أصابه؛ بخلاف سائر السباع؛ لأن فعله في الخنزير؛ لا يؤثر شرعاً في جلده، فلا يؤثر فيما أصابه أيضاً؛ بخلاف سائر السباع؛ لأن فعله في سائر السباع يؤثر في طهارة الجلد، فجاز أن يؤثر في إباحة لحم ما أصابه، وإن كان ذلك الحس حس سمكة، فظنه طير الماء، أو كان ذلك الحس حس جلاد فظنه صيداً لم
стр. 2258
يؤكل؛ لأنه لا يقع عليهما الذكاة، فالنية في آكلها وتركه على السواء وعن أبي يوسف: أنه يؤكل؛ لأن المرمي إليه صيد.
وفي «المنتقى» : إذا سمع حساً بالليل، وظن أنه إنسان أو دابة أو حية فرماه، فإذا ذلك الذي سمع حسه صيد، فأصاب سهمه ذلك الصيد الذي سمع حسه، أو أصاب صيداً آخر فقتله لا يؤكل؛ لأنه رماه وهو لا يريد الصيد؛ قال ثمة: ولا يحل الصيد إلا بوجهين: أن يرميه وهو يريد الصيد، وأن يكون ذلك الذي أراده أو سمع حسه، ورمى إليه صيداً؛ سواء كان مما يؤكل أو لا يؤكل، وذكر بعد هذه المسألة في «المنتقى» أيضاً لو سمع حساً، وظنه أنه شيء، فأصاب الحس نفسه، فإذا هو صيد أكل؛ لأن تعيينه في الرمي إليه يسقط حكم قصده، فصار كما لو قصد إلى المجوس (١٤٨ب٢) قال: ولو نظر إلى بعير ناد فرماه فأصاب صيداً يؤكل، وكذلك إذا سمع حسه ورماه وهو يظن أنه صيد، فأصاب صيداً، ولو نظر إلى ظبي مربوط أو بصيد فرماه، وهو يظن أنه صيد، فأصاب ظبياً آخر لم يؤكل، ولو رماه، فأصاب غيره، وقد ذهب المرمي إليه، فلا يدري ألفاً كان، أو غير ألف، فلا بأس بأكل الصيد الذي أصابه؛ لأن الظبي صيد حتى يعلم أنه غير صيد، وأما البعير إذا رماه، وهو يظن أنه ناد فأصاب صيداً، ثم ذهب البعير، ولا ندري أنه ناد أو غير ناد لم يؤكل؛ لأن البعير غير نادٍ في الأصل، فيبقى على الأصل حتى يعلم خلافه.
الفصل التاسع في الأهلي يتوحش
الأصل في هذا أن الإنسي إذا توحش، ووقع العجز عن ذكاة الاختيار يحل بذكاة الاضطرار، به ورد الأثر عن رسول الله ﵇؛ قال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله في البعير، أو البقرة: إذا ندا، فلا يقدر على أخذه؛ قال: إذا علم أنه لا يقدر على أخذه إلا أن يجتمع كذلك جماعة كثيرة من الناس، فله رميه، وهذا على ما يقع في نفس صاحبه، ويستوي في ذلك أن يكون الند في المصر، أو خارج المصر؛ قال: وأما الشاة فليس هكذا؛ إذا كانت في المصر؛ لأن البعير يصول، والبقر تنطح، فأما الشاة فليست كذلك أشار إلى أن في الشاة القدرة على الذكاة الاختيارية ثابتة بحكم الغلبة ما دامت في المصر، وإن كانت الشاة ندت في الصحراء، فذهبت، وظن صاحبها أنه لا يقدر عليها، فله أن يرميها.
وفي «القدوري» : وكل بعير، أو بقرة، أو شاة ندت وصارت كالصيد لا يقدر عليها صاحبها، فإن ذكاتها ذكاة الصيد سواء البعير والبقرة والشاة والصحيح هو الفرق.
وفي «النوازل» : دجاجة لرجل تعلقت بشجرة لا يصل إليها صاحبها فرماها، إن كان يخاف فوتها تؤكل، وإن كان لا يخاف فوتها؛ لا تؤكل.
стр. 2259
وفيه أيضاً: رجل له حمامة طارت منه، فرماها صاحبها أو غيره، فإن كانت لا تهتدي إلى منزلها أصابت الرمية مذبحها، أو موضعاً آخر، وإن كانت تهتدي إن أصابت الرمية المذبح حل أكلها، وإن أصابت موضعاً آخر اختلف المشايخ، ونص محمد ﵀ في «العيون» : أنه لا يحل أكلها، وهكذا ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» .
وكذا ذكر «البقالي في فتاويه» وعلى هذا الظبي؛ إذا علم في البيت فخرج إلى الصحراء، فرماه رجل، فإن أصاب المذبح يحل أكله، وإن أصاب موضعاً آخر؛ لا يحل أكله إلا أن يتوحش، فلا يؤخذ إلا بصيد، وإن أصاب الظلف أو القرن فقتله حل إذا أدماه، وخلصت الرمية إلى اللحم، وكذلك المتردي إليه إذا لم يقدر على إخراجه، ولا على مذبحه، فإن ذكاته ذكاة الصيد.
في «المنتقى» : بعير تردى في بئر فوجأه وجأة يعلم أنه لا يموت منها؛ لا يؤكل، وإن كان شاكاً أكل.
وفيه أيضاً: رجل حمل عليه بعير غيره ليقتله فقتله أكل لحمه؛ إن كان لا يقدر على أخذه، وأراد بذلك ذكاته، وإن لم يرد به ذكوته لا يؤكل، وجعل الصيال بمنزلة الند.
وفي «النوازل» : بقرة تعسر عليها الولادة، فأدخل صاحبها يده وذبح الولد؛ حل أكله، وإن جرحه في غير موضع الذبح إن كان لا يقدر على مذبحه يحل، والله أعلم.
الفصل العاشر فيما أبين من الصيد
قال: إذا قطع من يد شاة قطعة، أو من فخذها لا يحل، وأهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك، فرد عليهم رسول الله ﵇، فقال: « (ما) أبين من الحي، فهو ميتة» ؛ ثم الأصل في جنس هذه المسائل: أنه ينظر إن كان الصيد مما يعيش بدون المبان، فإن المبان منه يؤكل؛ إذا مات من ضربه ورميه والمبان لا يؤكل، وإن كان الصيد لا يعيش بدون المبان يؤكل المبان منه، والمبان جميعاً.
مثال الأول: إذا قطع فخذه فأبانها.
مثال الثاني: إذا قطع الرأس؛ وهذا لأنا إنما عرفنا حرمة المبان بالحديث الذي روينا، والحديث يتناول المبان الحي المطلق، والمطلق ينصرف إلى الكامل، فتناول الحي صورة ومعنى، فإذا كان المبان الفخذ أو ما أشبه ذلك فيما يعيش الصيد بدونه، فهو مبان من الحي حقيقة، ومعنى.
وإذا كان المبان رأس أو ما أشبهه، فهذا مبان من الحي صورة ومن الميت معنى؛ لأنه لا يبقى بعد مثل هذا القطع إلا قدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح، وذلك القدر من
стр. 2260
الحياة غير معتبر شرعاً، وكان مباناً من الميت، فلا يدخل تحت الحديث.
قال: ولو ضرب صيداً، وسمى فأبان طائفة من الرأس؛ إن كان المبان يقل عن نصف الرأس؛ لا يؤكل المبان؛ لأنه يتوهم بقاء الصيد حياً بعد قطع هذا المقدار، وإن كان المبان نصف الرأس، وأكثر يؤكل المبان؛ لأنه لا يتوهم بقاؤه حياً بعد قطع هذا المقدار، وإن قطع شيئاً منه من موضع يتوهم أن يعيش الصيد بدون ذلك المقطوع، إلاأنه لم يبينه، فهذا على وجهين: إن كانت الإبانة على وجه تحتمل الإلتئام والإندمال يؤكل كله، وإن كان على وجه لا يحتمل الإلتئام والإندمال بأن تعلق المبان بجلدة كان ذلك بمنزلة ما قد بان منه؛ لأن في الوجه الأول لم توجد الإبانة لا حقيقة ولا حكماً، والميت هو المبان من الحي، وفي الوجه الثاني: وجدت الإبانة معنى، وإن لم توجد صورة والعبرة للمعنى، وعلى هذا يخرج جنس هذه (١٤٩أ٢) المسائل.
في «الواقعات» : رجل ذبح الشاة، وقطع الحلقوم والأوداج؛ إلا أن الحياة فيها، فقطع إنسان بضعة منها يحل أكل تلك البضعة منها؛ لأن هذا ليس بمبان من الحي؛ لأن ما بقي فيها من الحياة غير معتبر أصلاً.
الفصل الحادي عشر في بيع آلة الاصطياد
قال شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب الصيد: إن الصحيح من المذهب أن المعلَّم، وغير المعلم إذا كان بحيث يقبل التعليم؛ سواء في حكم البيع.
حتى قال في «النوازل» : لو باع الجرو جاز بيعه؛ لأنه يقبل التعليم؛ قال: وإنما الذي لا يجوز بيعه العقور الذي لا يقبل التعليم، وذكر شمس الأئمة فصل الكلب الجاهل في موضعين؛ ذكر في أحد الموضعين أن الكلب مع جهالته لو كان عقوراً لا نص فيه، وقد اختلفوا فيه؛ منهم من قال: له قيمة، وذكر في الموضع الآخر أن بيع الجاهل العقور جائز في ظاهر الرواية.
وفي «النوادر» : أنه لا يجوز بيعه، وأما كلب المزابل ذكرت في ظاهر الرواية: أنه لا بأس بأكل ثمنه، وعن محمد في «النوادر» أنه قال: لا يحل من الكلب المزابل.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وكذلك الأسد إذا كان يقبل التعليم، ويصطاد به جاز بيعه، وإن كان لا يقبل التعليم؛ لا يجوز بيعه، قال: والفهد والبازي يقبلان التعليم على كل حال، فجاز بيعهما كذلك، فأما بيع السنور الذي ينتفع به، فجائز بالاتفاق، وعبارة شمس الأئمة الحلواني أن السنور له ثمن عندنا إذا تمول، ذكر في باب الصيد أن من قتل كلباً معلماً أو بازياً؛ معلماً لغيره، فعليه قيمته كذلك، وكذلك إذا قتل هرة غيره، وكل ما ذكرنا أنه يجوز بيعه يجب الضمان بإتلافه وهبة المعلم من الكلاب، ووصيته جائزة بالإجماع.
стр. 2261
الفصل الثاني عشر في المتفرقات
البازي المعلم إذا أخذ صيداً، وقتله، ولا يدري مآل حال البازي أرسله إنسان أو لا، لا يؤكل، وكذلك الكلب على هذا، ويكره لحم الإبل الجلالة، والعمل عليها، وتلك حالها التي تعتاد أكل الجيف ولا يخلط ويكون ميتاً، وإنما كره الاستعمال كيلا يتأذى الناس بروائحها، فأما ما تخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه لا يظهر ذلك في لحمه فلا بأس بأكل لحمه والعمل عليها.
ألا ترى إلى ما ذكر محمد ﵀ في «النوادر» : لو أن جدياً غذي بلبن خنزير، فلا بأس بأكله؛ لأن ذلك لا يؤثر في لحمه، ولا يتغير به، وعلى هذا لا بأس بأكل الدجاج، وإن كان يقع على الجيف؛ لأنها تخلط، فلا يتغير لحمه، ولا ينتن، والحكم يدور على هذا المعنى.
وما ذكر في «الكتاب» : أن الدجاج يحبس، فذلك في الذي لا يأكل إلا الجيف، فأما الذي يأكل الجيف وغيره، فالحبس فيه ليس بشرط، ثم قال: يحبس أياماً، وقد اختلفت الروايات عن أصحابنا ﵏؛ منهم من قال: ثلاثون يوماً، ومنهم من قال: عشرون، ومنهم من قال: عشرة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الإبل تحبس أربعون، والبقر عشرون، والشاة عشرة، والدجاج ثلاثة، وهكذا روي عنهم في «النوادر» ، وروي عن أصحابنا في الإبل عشرون، وفي البقر عشرة، وفي الشاة ثلاثة، وفي الدجاج يوم، وقال بعضهم: في كل ذلك أيام.
والأصح أنها تحبس إلى أن تزول عنها الرائحة المنتنة، وإليه أشار في «الأصل» حيث قال: حتى تزول عنها الرائحة الكريهة، ثم ذكر في «الأصل» الأكل والعمل عليها، ولم يذكر البيع، وذكر في «النوادر» بيعها، وهبتها ما دام تلك حالها.
وعن محمد في الجدي يغذى بلبن الحمار مرة أو مرتين أنه لا يكره، فإذا كثر كره؛ حتى يعلف مدة يحدث فيه مثل هذا السمن، وروي أنه لا يكره؛ لأنه يتغير، ويجب أن تكون مسألة الجدي غذي بلبن الخنزيرعلى الروايتين أيضاً، وذكر الحسن في الشاة تشرب خمر أو ما فيه بول أنه يكره ذبحها ساعته حتى تحبس ثلاثة أيام، وذكر الطحاوي خلافه، الجنين إذا خرج حياً، ولم يكن من الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه، فمات؛ يؤكل، هكذا ذكر في الصيد إذا أصابه السهم، وأدركه صاحبه، ولم يتمكن من ذبحه لضيق الوقت؛ عن شمس الأئمة السرخسي: أنه لا يحل عندنا؛ فعلى قياس تلك المسألة ينبغي أن لا يحل هذا أيضاً.
في «المنتقى» : قال محمد ﵀: في الجنين إذا لم يتم خلقه لا يؤكل، وإن تم
стр. 2262
أكل؛ أشعر، أو لم يشعر.
وفي «النوازل» أيضاً: رجل له شاة حامل، فأراد ذبحها، فإن تقاربت الولادة يكره ذبحها؛ لأنه تضييع ما في بطنها من غير زيادة فائدة؛ لأنه تقارب الولادة، وهذا التفريع إنما يتأتى على قول أبي حنيفة.
في «العيون» : رجل اشترى سمكة في خيط مشدود في ماء قبضها المشتري ثم ناول الخيط البائع، وقال: احفظ لي، فجاءت سمكة أخرى، فابتلعت الجائية المشدودة، والجواب فيها أن الجائية للبائع؛ لأنه هو الذي صادها، وتخرج السمكة المشدودة والمشتراة من بطنها، وتسلم إلى المشتري من غير ضمان، وإن نقصها الابتلاع؛ لأن هذا نقصان حصل بعد القبض؛ حتى لو لم يقبض المشتري والباقي بحاله، فيخير المشتري إن نقصها الابتلاع.
المسألة الثانية: إذا ابتلعت المشتراة المشدودة الجائية، وفي هذه المسألة هما جميعاً للمشتري لما قلنا.
وفيه أيضاً: أرسل كلبه على صيد فأخطأه، ثم عرض له صيد آخر، فقتله؛ يؤكل، وإن فاته الصيد، فرجع، فعرض له صيد آخر، فقتله؛ لا يؤكل؛ لأن الرجوع نقض الإرسال، والإرسال شرط حل الأكل.
في «مجموع النوازل» : وجد حيوان رأسه ووجهه يشبه السبع، وشعره وقوائمه تشبه الشاة هل يؤكل؟ قال: يلقى بين يديه لحم، وكلأً؛ فإن تناول اللحم لا يؤكل، وإن تناول الكلأ يؤكل.
ويكره الاصطياد للتسلي، وأن (١٤٩ب٢) يأخذه حرفة وأخذ الطير بالليل؛ لا بأس، والنهي محمول على الندب، ونحن نقول: الأولى أن لا يفعل، والله أعلم بالصواب.
стр. 2263
كتاب الذبائح
هذا الكتاب يشتمل على أربعة فصول:
١ * في بيان أهلية الذابح
٢ * في صفة الذكاة
٣ * فيما يذكي به
٤ * فيما يتعلق بالتسمية على الذبح.
стр. 2264
الفصل الأول في بيان أهلية الذابح
فنقول: أهل الذبح من له ملة التوحيد دعوى واعتقاداً كالمسلم، أو دعوى لا اعتقاداً كالكتابي ويستوي أن يكون الكتابي حربياً، أو ذمياً لعموم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ (المائدة: ٥) ، وذبيحة الأخرس حلال؛ لأنه عاجز عن التسمية بحكم الخرس، فيعتبر بالعجز بحكم الكتابي، وذبيحة الصبي الذي يعقل ويضبط حلال، وقوله يضبط معناه يضبط شرائط الذبح من فري الأوداج، وقوله يعقل تكلموا في معناه؛ قال بعض مشايخنا معناه يعقل التسمية، وقال بعضهم: معناه أن يعلم أن الحل بقطع الحلقوم، والأوداج.
الفصل الثاني في صفة الذكاة
اعلم بأن الذكاة نوعان؛ إجباري حالة القدرة، وذلك في اللبلة، وما فوق ذلك إلى اللحيين هذا هو لفظ «القدوري» ، وفي «الجامع الصغير» لا بأس بالذبح في الحلق كله أسفله وأوسطه وأعلاه، وفي «فتاوى أهل سمرقند» : قصاب ذبح الشاة في ليلة مظلمة، فقطع أعلى من الحلقوم، أو أسفل منه يحرم أكلها؛ لأنه ذبح في غير المذبح، هو الحلقوم، فإن قطع البعض، ثم علم يقطع مرة أخرى الحلقوم قبل أن يموت بالأول.
فهذا على وجهين: إما إن قطع الأول بتمامه، أو قطع شيئاً منه، ففي الوجه الأول: لا يحل، وفي الوجه الثاني: يحل.
وذكاة اضطراري إلى حال عدم القدرة، وهي الحرج في أي مكان كان، ثم في حالة القدرة إذا قطع الحلقوم والمري وأودجين فقد أتم الذكاة، وإن قطع الأكثر من ذلك حل أكله، واختلفت الروايات في تفسير ذلك؛ روى الحسن عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف الأول: أنه إذا قطع الثلاث من الأربعة أي ثلث ما قطع فقد قطع الأكثر، رجع أبو يوسف الأول أنه إذا قطع الثلاث من الأربعة أي ثلث ما قطع، فقد قطع الأكثر، رجع أبو يوسف عن هذا، وقال: يشترط قطع الحلقوم والمري، وأحد الودجين، وعن محمد: أنه يعتبر قطع الأكثر عن كل واحد من هذه الأشياء الأربعة.
وفيه أيضاً: أنه إذا قطع الحلقوم والمري، والكثير من كل ودجين يحل، وما لا فلا؛ قال مشايخنا: وهو أصح الجوابات، وإذا ذبح الشاة من قبل القفا، فإن قطع الأكثر من هذه الأشياء لا يحل، ويكره هذا الفعل؛ لأنه خلاف السنة، وفيه زيادة إيلام وإن نحر الشاة، أو ذبح الإبل جاز، لحصول ما هو المقصود، وهو تسييل الدم المسفوح، والسنه خلافه.
стр. 2265
وإذا ضرب شاة بالسيف، وأبان رأسها حلت، وذلك الفعل مكروه، وإذا ذبحها متوجهة إلى غير القبلة حلت، ولكن يكره.
الفصل الثالث فيما يذكى به
وما ذبح بسن أو ظفر مبروح، فهو ميتة، ولا بأس بأكله إذا كان مبروعاً، ولكن يكره الذبح به، وما أفرى الأوداج وأنهر الدم فلا بأس بالذبح به حديداً كان أو قصباً للحديث المعروف.
الفصل الرابع فيما يتعلق بالتسمية على الذبيح
إذا سمى على الذبيح بالفارسية يجوز، وإذا قال مكان التسمية: الله أكبر، أو قال: سبحان الله، أو قال: الحمد لله، فإن أراد به التسمية يحل، وإن أراد به التسبيح والتحميد والتكبير؛ لا يحل، وإن قال: اللهم اغفر لي، اللهم تقبل مني؛ لا يحل.
قال «البقالي» : والمستحب أن يقول: باسم الله والله أكبر، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح كتاب الصيد المستحب أن يقول: بسم الله؛ الله أكبر بدون الواو؛ قال: ومع الواو يكره؛ لأنه يقطع بغير التسمية، وإذا ذبح شاة وسمى، فهذا على ثلاثة أوجه:
إما إن لم يكن له نية أو أراد التسمية على الذبح وفي هذين الوجهين حل الذبح، وإن أراد غير التسمية على الذبيح؛ لأنه لم يأت بالمأمور به والمأمور به التسمية على الذبيح، وإذا ذكر التسمية بدون ذكر الهاء إن أراد به التسمية على الذبيح، ويكون ترك الهاء على سبيل الترخيم، وإنه مسموع من كلام العرب، وإن لم يرد به التسمية لا يحل؛ هاتان المسألتان في «النوازل» .
ولو قال: بسم الله وباسم فلان، فقد اختلف المتأخرون فيه؛ قال إبراهيم بن يوسف: يصير ميتة، وبه أخذ الصدر الشهيد في «واقعاته» ، وقال محمد بن سلمة: لا يصير ميتة، فأما إذا ذكر بدون الواو يريد أن يضحي عن فلان لا يصر ميتة وهذا الفصل
стр. 2266
منقول عن الفقيه أبي بكر؛ إلا أن المنقول عنه بالفارسية بسم الله يتام فلان، وعلى هذا إذا قال: بسم الله، واسم محمد ﷺ ، ولو قال: بسم الله، ومحمد رسول الله، وقال: بسم الله، أو قال: بسم الله محمد رسول الله؛ إن قال بالرفع يحل، وإن قال بالخفض لا يحل؛ هكذا ذكر في «النوازل» ، وقال بعضهم: هذا إذا كان يلحن النحو ويلحن به في كلامه، وقال بعضهم: على قياس ما روى محمد أنه لا يرى الخطأ في النحو معتبراً في باب الصلاة، ونحوها لا يحرم الذبح.
ولو قال: بسم الله، وصلى الله على محمد، أو قال: صلى الله على محمد بدون الواو؛ حل الذبح، ولكن يكره ذلك.
وفي «البقالي» : حل الذبح إن رافق التسمية الذبح، وقيل: أراد بذكر محمد ﷺ الاشتراك في التسمية؛ لا يحل، وإن أراد الشرك بذكر محمد ﵇ يحل الذبح، ويكره ذلك.
ويكره أن يدعو بعد التسمية قبل الذبح بالتقبل وغيره؛ نحو قوله: بسم الله؛ اللهم تقبل مني، أو يقول: من فلان، أو يقول: اللهم اغفر لي؛ لأن الواجب (١٥٠أ٢) تجريد التسمية، ولم يجرد التسمية، وأما إذا دعا قبل التسمية أو دعا بعد الذبح فلا بأس به، ورد الأثر عن رسول الله ﷺ وإذا أراد أن يذبح عدداً (من) الذبائح لم تجزئه التسمية الأولى عما بعدها، ولوا أرسل كلبه على صيد وسمى أو رمى سهماً وسمى فأصاب صيوداً في فور الإرسال فإنه يحل الأكل، والفرق ما ذكرنا في كتاب الصيد.h
وإذا أضجع شاة ليذبحها وأحد السكين وسمى ثم ألقى تلك السكين وأخذ أخرى وذبح بها حل، ولو أخذ سهماً وسمى ثم وضع ذلك السهم ورمى بتلك التسمية.
والفرق بينهما أن التسمية في ذكاة الاختيار مشروعة على الذبح لاعلى الآلة والذبح لم يتبدل بما صنع إنما تبدلت الآلة، وأما في ذكاة الاضطرار فالتسمية شرعت على الآلة، فإن النبي ﵇ قال لعدي بن حاتم: «وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل، وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل لأنك سميت على كلبك» .
فقد شرط التسمية على الآلة وهو الكلب، وإذا ثبت في الكلب ثبت في السهم؛ لأن السهم نظير الكلب من حيث إنه آلة يعمل منفصلاَ عن صاحبه، وإذا كانت التسمية مشروعة في ذكاة الإضطرار على الآلة والآلة قد تبدلت صار بدل الآلة في ذكاة الإضطرار كبدل الذبح في ذكاة الاختيار فإن أضجع شاة ليذبحها وسمى فلم تقطع السكين فرماها وأخذ أخرى وذبحها بتلك التسمية لا يجوز فهاهنا كذلك.
وإذا أضجع شاة ليذبحها وسمي عليها ثم كلم إنساناً أو شرب ماء أو حدَّ سكيناً أو أكل لقمة وما أشبه ذلك من عمل لم يكثر حلت بتلك التسمية، وإن طال الحديث وكثر العمل كرهت أكلها وليس في ذلك يقدير بل ينظر فيه إلى العادة.
стр. 2267
إن استكثر الناس في العادة يكون كثيراً وإن كان يعد قليلاً فهو قليل، ثم ذكر في هذا الفصل لفظة الكراهة وقد اختلف المشايخ فيها.
وفي «أضاحي الزعفراني» : إذا حدد السكين وقطع بتلك التسمية من غير فصل..... إذا قل أو كثر.
وفيه أيضاً: إذا سمى ثم انفلتت الشاة أو نفرت من يده وقمامت من مضجعها ثم أعادها إلى مضجعها انقطعت تلك التسمية. وفيه إذا ذبح الذابح وسمى صاحب الأضحية أو غيره لم يجز.
стр. 2268
كتاب الأضحية
هذا الكتاب يشمل على تسعة فصول:
١ * في بيان وجوب الأضحية ومن تجب عليه ومن لاتجب.
٢ * في وجوب الأضحية بالنذر وما هو في معناه.
٣ * في وقت الأضحية.
٤ * فيما يتعلق بالمكان والزمان.
٥ * في بيان ما يجوز في الضحايا وما لا يجوز وفي بيان المستحب والأفضل فيها.
٦ * في الانتفاع بالأضحية.
٧ * في التضحية عن الغير وفي التضحية بشاة الغير عن نفسه.
٨ * فيما يتعلق بالشركة في الضحايا
٩ * في المتفرقات
стр. 2269
الفصل الأول في بيان وجوب الأضحية ومن لا تجب (عليه)
قال القدووي في «شرحه» : الأضحية واجبة عند أصحابنا إلا في إحدى الروايتين عن أبي يوسف فإنها سنة.
وشرط وجوبها اليسار عند أصحابنا ﵏، والموسر في ظاهر الرواية من له مائتا درهم، أو عشرون ديناراً، أو شيء يبلغ ذلك سوى مسكنه ومتاع مسكنه ومتاعه ومركوبه وخادمه في حاجته التي لا يستغني عنها، فأما ما عدا ذلك من متاعه أو رقيقه أو ... أو متاع..... أو لغيرها فإنها.... في داره.
وفي «الأجناس» إن جاء يوم الأضحى وله مائتا درهم أو أكثر ولا مال غيره فهلك ذلك لم تجب عليه الأضحية، وكذلك لو نقص عن المائتين، ولو جاء يوم الأضحى ولا مال له ثم استفاد مائتي درهم فعليه الأضحية، وإن كان له عقار ومستغلات ملك اختلف فيه:
المتأخرون من مشايخنا في اعتبار الدخل أوقيمة العقار مائتي درهم، فالزعفراني والفقيه علي الرازي اعتبرا قيمتها، وأبو علي دقاق وغيره اعتبروا الدخل، واختلفوا فيما بينهم، قال أبو علي الدقاق: إن كان يفضل من ذلك قوت سنة فعليه الأضحية، ومنهم قال قوت شهر فمتى فضل من ذلك قدر مائتي درهم فصاعداً فعليه الأضحية.
ومنهم قال: إن كان غلتها تكفيه ويكفي عياله فهو موسر وإن كان لا تكفيه ولا تكفي عياله فهو معسر، وإن كان العسار وقع عليه، ينظر إن قد وجب له في أيام النحر أكثر من مائتي درهم فعليه الأضحية وإلا فلا أضحية عليه، وروى ابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة أنه لا تجب الأضحية إلا على من له مائتا درهم فصاعداً فعلى هذه الرواية سوى بين غنى النصاب وبين غنى الأضحية، وعلى ظاهر الرواية فرق.
والمرأة تعتبر موسرة بالمهر إذا كان الزوج مليئاً عندهما، وعلى قول أبي حنيفة الآخر لا تعتبر موسرة بذلك، قيل: هذا الاختلاف بينهم في المعجل الذي يقال بالفارسية دستمان، فأما المؤجل الذي يسمى كابتن فالمرأة لا تعتبر موسرة بذلك بالإجماع.
وفي «الأجناس» : وإن كان عنده حنطة قيمتها مائتا درهم يتجر بها، أو ملح قيمتها مائتا درهم، أو قصار عنده صابوت أو أشنان قيمتها مائتا درهم فعليه الأضحية.
стр. 2270
وإن كان له مصحف قيمته مائتا درهم وهو ممن يحسن أن يقرأ فيه فلا أضحية عليه سواء كان يقرأ منه أو يتهاون ولا يقرأ ولا يستعمله، وإن كان لا يحسن أن يقرأ فيه فعليه الأضحية.
وإن كان له ولد صغير حبس المصحف لتسلمية إلى الأستاذ فعلمه فعليه الأضحية، وكتب المعلم والحديث مثل مصحف القرآن في هذا الحكم، وإن كان الرجل غنياً وله أولاد صغار وليس للأولاد مال فليس عليه أن يضحي عن أولاده في ظاهر الرواية.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أن عليه ذلك، وقد قيل أيضاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف عليه ذلك وعند محمد وزفر ليس عليه ذلك.
وإن كان للأولاد مال فذكر شمس الأئمة السرخسي قال بعض مشايخنا: على الأب والوصي أن يضحي عنه من ماله عند أبي حنيفة (١٥٠أ٢) قال ﵀: والأصح أنه ليس عليه ذلك؛ لأن القربة إنما تقع بإراقة الدم، والتصدق بعده تطوع، وذلك لا يجوز في مال الصغير، والصغير ربما لا يمكنه أن يأكل الجميع، والبيع متعذر فلهذا لم يجب، وذكر شمس الأئمة الحلواني: أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف يجب في ماله، وإن ضحى عنه الأب ضمن؛ قال القدوري في «شرحه» : والصحيح أن يقال بأنه يضحي عنه، ويأكل الصبي منه ما يمكنه، ويباع بالباقي ما ينتفع بعينه على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وذكر الصدر الشهيد في شرح الأضاحي: عليه أن يضحي من ماله، وعند محمد وزفر ليس عليه ذلك، فإن فعل الأب أو الوصي ذلك ضمن، وروى الحسن عن أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ضمن الأب أو الوصي ذلك، فعلى قول محمد وزفر على ما رواه الحسن يجب الضمان، وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: فالأب لا يضمن بلا خلاف على كل حال، وفي الوصي اختلف المشايخ؛ بعضهم قالوا: إن كان الصبي يأكل فلا ضمان على الوصي، وإن كان لا يأكل، فعليه الضمان.
وفرق هذا القائل بين الأب والوصي من حيث إن تصرف الوصي إنما ينفذ على الصغير إذا كان للصغير فيه نفع ظاهر، وإنما يكون نفعاً ظاهراً إذا كان الصبي يأكل.
أما تصرف الأب، فإنما لا ينفذ إذا كان ضاراً ولا ضرر ههنا.
ومنهم من قال: لا ضمان على الوصي على كل حال؛ كما لا ضمان على الأب، قال ﵀، وعليه الفتوى.
ومن كان موسراً في أحد أيام النحر، فلم يضح حتى افتقر قبل مضي أيام النحر سقطت عنه الأضحية، وكذلك إذا أنفق حتى انتقص النصاب، وإن افتقر بعد مضي أيام النحر لم يسقط عنه التصدق بثمن الشاة.
وكذلك لو كان موسراً في أيام النحر، فلم يضح حتى مات قبل مضي أيام النحر؛ سقطت عنه الأضحية حتى لا يجب عليه الإيصاء، ولو مات بعد مضي أيام النحر لم يسقط عنه التصدق بقيمة الشاة؛ حتى لزمه الإيصاء به، أشار إلى أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت كما في الصلاة، وعن أبي حنيفة في الموسر: إذا ولد له في أيام النحر يضحي عنه ما لم تمض أيام النحر بناءً على ما قلنا: الوجوب بآخر الوقت، وعلى أهل السواد الأضحية بخلاف الجمعة وصلاة العيد؛ لأن المصر هناك شرط، ولا كذلك في الأضحية.
стр. 2271
ولا أضحية على المسافر، وإن كان له أولاد بعضهم معه، وبعضهم في المصر، فليس عليه أن يضحي عن الأولاد الذين معه، وعليه أن يضحي عن المقيمين في المصر، وهذا على الرواية التي توجب الأضحية على الأب عن الولد الصغير، واعتبر حال من يضحى عنه لا حال المضحي في «القدوري» .
في «المنتقى» : إذا اشترى شاة، وضحى بها، فسافر في أيام الأضحية قبل أن يضحي بها، فله أن يبيعهاعلل فقال: لأنه صار في حال سقطت عنه الأضحية؛ أشار إلى أن الوجوب بآخر الوقت، وهو في آخر الوقت مسافر، ولا أضحية على المسافرين.
الفصل الثاني في وجوب الأضحية بالنذر، وما هو في معناه
أجمع أصحابنا ﵏: أن الشاة تصير واجبة الأضحية بالنذر بأن قال: لله علي أن أضحي هذه الشاة، وأجمعوا على أنها لا تصير واجبة الأضحية بمجرد النية، بأن نوى أن يضحي هذه الشاة ولم يذكر بلسانه نيته، وهل تصير واجبة الأضحية بالشراء بنية الأضحية؛ قال: إن كان المشتري غنياً لا تصير واجبة الأضحية باتفاق الروايات كلها؛ حتى لو باعها، واشترى أخرى، والثانية شر من الأولى جاز، ولا يجب عليه شيء.
وإن كان المشتري فقيراً ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في شرح كتاب الأضحية أن في ظاهر رواية أصحابنا تصير واجبة للأضحية.
وروى الزعفراني عن أصحابنا: أنها لا تصير واجبة وإلى هذا أشار شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» ، وذكر شمس الأئمة الحلواني في «شرحه» : أن في ظاهر رواية أصحابنا لا تصير واجبة الأضحية، وذكر الطحاوي في «مختصره» : أنها تصير واجبة، وأما إذا صرح بلسانه وقت الشراء أنه اشتراها ليضحي بها، فقد ذكر شمس الأئمة الحلواني أنها تصير واجبة.
ذكر الزعفراني في أضاحيه: رجل اشترى أضحية، فأوجبها للأضحية فضلت عنه، ثم اشترى مثلها، وأوجبها أضحية، ثم وجد الأولى قال: إن كان أوجب الأخرى إيجاباً مستأنفاً، فعليه أن يضحي بهما، وإن كان أوجبها بدلاً عن الأولى، فله أن يذبح أيهما شاء، ولم يفصل بين الغني والفقير.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : الفقير إذا اشترى أضحية، فسرقت، فاشترى أخرى مكانها، ثم وجد الأولى، فعليه أن يضحي بهما، فرق بينه وبينما إذا كان غنياً، والفرق: أن الوجوب على الفقر بالشراء، والشراء يتعدد، فيتعدد الوجوب، والوجوب على الغني بإيجاب الشرع، والشرع لم يوجب الأضحية إلا واحدة.
وفيه أيضاً: الفقير إذا اشترى أضحية، فضلت، فليس عليه أن يشتري مكانها أخرى، ولو كان غنياً، فعليه ذلك؛ لأن الوجوب على الفقير بالشراء، والشراء يتناول هذا
стр. 2272
العين فوجب التضحية بهذه العين، فسقط الوجوب بهلاكه؛ أما الوجوب على الغني فبإيجاب الشرع، والشرع لم يوجب التضحية بهذه العين، فلا يسقط الوجوب بهلاكه.
وإذا اشترى أضحية وباعها حتى جاز البيع في ظاهر رواية أصحابنا، ثم اشترى مثلها، وضحى بها، فإن كانت الثانية مثل الأولى أو خير منها جاز، ولا يلزمه آخر، وإن كانت الثانية شراً من الأولى، فعليه أن يتصدق بفضل الثمنين؛ قال شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : من أصحابنا من قال: هذا إذا كان الرجل فقيراً (١٥١أ٢) فأما إذا كان غنياً ممن يجب (عليه) الأضحية، فليس عليه أن يتصدق بفضل القيمة؛ لأن في حق الغني الوجوب عليه بإيجاب الشرع، فلا يتعين بتعينه في هذا المحل.
ألا ترى أنها لو هلكت بقيت الأضحية عليه، فإذا كان ما ضحى به محلاً صالحاً لم يلزمه شيء آخر، وأما الفقير، فليس عليه أضحية شرعاً، وإنما لزمه بالتزامه في هذا المحل بعينه، ولهذا لو هلكت لم يلزمه شيء آخر، فإذا استفضل لنفسه شيئاً مما التزمه كان عليه أن يتصدق به؛ قال الشيخ: والأصح عندي أن الجواب فيهما سواء؛ لأن الأضحية، وإن كانت واجبة على الغني في ذمته، فهو متمكن من تعيين الواجب في المحل، فيتعين بتعيينه في هذا المحل من حيث قدر المالية؛ لأنه تعيين، وإن كان لا معنى من حيث فراغ الذمة.
رجل أوجب على نفسه عشر أضحيات؛ قالوا: لا يلزمه إلا اثنان؛ لأن الأمر جاء بالاثنين؛ هكذا ذكر في «النوازل» قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : والظاهر أنه يجب؛ لأنه أوجب على نفسه ما لله تعالى من جنسه واجب، في «الحاوي» : ذكر هشام في «نوادره» عن محمد: إذا نذر ذبح شاة لا يأكل منها الناذر، ولو أكل فعليه قيمة ما أكل.
وفي «أضاحي» الزعفراني: إذا قال: لله علي أن أضحي شاة في أيام النحر، فإن كان موسراً، فعليه أن يضحي بشاتين؛ إلا أن يعني بالإيجاب، وما يجب عليه؛ لأن النذر إيجاب، والإيجاب ينصرف إلى غير الواجب ظاهراً.
ألا ترى أن من قال: لله تعالى عليَّ حجة كان عليه حجتان: حجة الإسلام، وما أوجبه على نفسه إلا إذا عني بالإيجاب ما هو واجب عليه؛ كذا ههنا، فإن كان فقيراً فعليه شاة، فإن أيسر كان عليه شاتان؛ ما أوجب بالنذر وما أوجب عند اليسار كذا ههنا.
الفصل الثالث في وقت الأضحية
وقت الأضحية ثلاثة أيام؛ اليوم العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر من ذي الحجة، فإذا غربت الشمس من اليوم الثاني عشر لا تجوز الأضحية بعد ذلك، وأفضلها أولها.
стр. 2273
قال علي: يصح النحر ثلاثة أيام، أفضلها أولها؛ قال في «الأجناس» : أول وقت الأضحية لأهل السواد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وفي أهل المصر عند فراغ الإمام من صلاة العيد يوم النحر، وآخر وقت الذبح يستوي فيه أهل السواد وأهل المصر، قال ثمة أيضاً: والوقت المستحب لذبح الأضحية في حق أهل السواد بعد طلوع الشمس، وفي حق أهل المصر، بعد خطبة الإمام، ولو ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة جاز، ذكر في «إملاء» محمد بن الحسن عن أبي حنيفة: ولو ذبح بعد أن يتشهد الإمام قبل أن يسلم جاز عن أضحيته وقد أساء، وقيل: إن شهد الإمام قبل أن يسلم جاز عن أضحيته وقد أساء، وقيل: أن يتشهد الإمام لا يجوز، وفي «الحاوي» : لو ذبح بعدما تشهد الإمام قبل أن يسلم لا يجوز، وفي رواية: يجوز وقد أساء؛ قال ثمة: لم يجزئه عندنا، وعند الحسن: يجزئه.
وفي «الأجناس» : لو صلى الإمام صلاة العيد على غير وضوء ولم يعلم به حين ذبح الناس جاز من أضحيتهم سواء علموا قبل تفرق الناس أو بعد تفرقهم، ومتى علم الإمام ذلك، ونادى بالصلاة ليعيدها فمن ذبح قبل أن يعلم ذلك * يعني نداء الإمام * أجزأه، ومن ذبح بعد العلم إن ذبح قبل الزوال لا يجوز، وإن ذبح بعد الزوال جاز؛ لأن مضي وقت الإعادة.
في «الواقعات» : إذا أخر الإمام يوم العيد الصلاة ينبغي للناس أن يؤخروا التضحية إلى وقت الزوال؛ لأن قبل ذلك الصلاة مرجوة، فإن فاتت الصلاة إما سهواً، وإما عمداً جاز لهم التضحية في هذا اليوم، فإن خرج الإمام إلى الصلاة من ال.... ومن بعد فضحى الناس قبل أن يصلي الإمام أو بعدما صلى جاز؛ لأن الشمس إذا زالت في اليوم الأول فات الوقت المسنون، وإنما يصلي الإمام في اليوم الثاني والثالث على وجه القضاء فلا يظهر ذلك في حق التضحية.
في «الأجناس» : أدرك أهل المصر صلاة العيد بتعيين أو بعدم الأمر من قبل السلطان؛ لا تجوز الأضحية إلا بعد الزوال، وفي اليوم الثاني والثالث تجوز قبل الزوال، وفي «الحاوي» قيل: لا تجوز في اليوم الثاني والثالث أيضاً لا بعد الزوال، قال صاحب «الحاوي» : قال القاضي الإمام علي السغدي ﵀: القول الأول أشبه جمع بينما إذا كان..... الواحد فيها أنه لا تجوز الأضحية في هذا اليوم إلا بعد الزوال.
وفي «الواقعات» : لو أن بلدة وقعت فيها فتن ولم يبق فيها والٍ ليصلي بهم صلاة العيد، فضحوا بعد طلوع الفجر جاز؛ لأن البلدة في هذا الحكم صارت كالسواد.
في الأضاحي للزعفراني: إذا وقعت فتنة في المصر، ولم يكن فيها إمام من قبل السلطان يصلي بهم صلاة العيد؛ القياس: أن يكون وقت الأضحية لهم بعد طلوع الفجر، وفي الاستحسان: بعد زوال الشمس.
стр. 2274
وفيه أيضاً: لو ذبح أضحيته بعد زوال الشمس من يوم عرفة، فيما يرى أنه يوم عرفة، ثم تبين أنه يوم النحر؛ جازت عن الأضحية؛ لأنه تبين أنه ضحى في وقته، ولو ذبح قبل الصلاة، وهو يرى أنه يوم التحريم تبين أنه اليوم الثاني أجزاه عن الأضحية أيضاً لما ذكرنا، إذا استخلف الإمام من يصلي بالضعفة في المسجد الجامع، وخرج بنفسه إلى الجبانة مع الأقوياء فضحى رجل بعدما انصرف أهل المسجد قبل أن يصلي أهل الجبانة؛ القياس: أنه لا يجوز، وفي الاستحسان في الأصل، وإن ضحى بعدما فرغ أهل الجبانة قيل في هذه الصورة يجوز قياساً، واستحساناً، وقيل: القياس والاستحسان فيهما واحد.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذا إذا ضحى رجل من الفريق الذي صلى، فأما إذا ضحى رجل من الفريق الذي لم يصلِّ، فلم تجز أضحيته قياساً، واستحساناً.
وفي الأضاحي للزعفراني: إذا ضحى رجل من الناحية الأخرى جاز، وذكر القدوري: لو استخلف الإمام من يصلي بضعفة الناس في المصر، فصلى بضعفة الناس في المصر (١٥١ب٢) فصلى أحد المسجدين أيهما كان؛ جازت الأضحية، ولم يذكر القياس، والاستحسان، ولا تجوز التضحية في الليلة الأولى من أيام النحر، ويجوز في الليلة الثانية والثالثة، فلم تجعل الليلة الأولى ههنا تبعاً للنهار الآتي، إنما فعل كذلك رفقاً بالناس حتى لا يفوتهم الحج لو وقفوا في الليلة الأولى من يوم النحر.
في «واقعات الناطفي» : إذا وقع الشك في يوم الأضحى فأحب أنه لا يؤخر الذبح إلى يوم الثالث؛ لأنه يحتمل أن يقع في غير وقته، فإن أخر فأحب إلي أن يتصدق بذلك كله ولا يأكل، ويتصدق بما هو ثمن المذبوح؛ لأنه وقع في غير وقته؛ لا يخرج عن العهدة؛ إلا بذلك، ولو اشترى أضحيته في اليوم الثالث، والمسألة بحالها ليس عليه شيء؛ لأنه وقع للاحتمال في الوجوب.
في «النوازل» : الإمام إذا صلى العيد يوم عرفة فضحى الناس، فهذا على وجهين؛ إما أن يشهد عنده شهود على هلال ذي الحجة، أو لم يشهدوا.
ففي الوجه الأول: جازت الصلاة والتضحية؛ لأن التحرز عن هذا الخطأ غير ممكن، والتدارك أيضاً غير ممكن غالباً، فحكم بالجواز صيانة لجمع المسلمين، ومتى جازت الصلاة جازت التضحية ضرورة.
وفي الوجه الثاني: لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة إلى التجريد فيما لم تجز الصلاة لا تجوز التضحية، فمتى لم تجز لو ضحى الناس في اليوم الثاني، وهو أول يوم النحر، فهذا على وجهين:
إما أن صلى الإمام في اليوم الثاني أو لم يصلِّ، ففي الوجه الأول: لم يجز؛ لأنه ضحى قبل الصلاة في يوم هو وقت الصلاة، وفي الوجه الثاني: المسألة على قسمين؛ إما أن ضحى قبل الزوال، أو بعد الزوال، فإن ضحى قبل الزوال، فإن كان يرجوا أن الإمام يصلي لا يجزئه، وإن كان لا يرجو يجزئه، وفي الوجه الثاني يجزيه؛ هذا كله إذا تبين أنه يوم عرفة؛ أما إذا لم يتبين لكن شكوا فيه، ففي الوجه الأول، وهو ما إذا شهدوا به عنده
стр. 2275
لهم أن يضحوا من الغد؛ من أول الغد؛ لأنه لو تبين كان لهم ذلك، فهذا أحق، وفي الوجه الثاني، وهو ما إذا لم يشهدوا عنده الاحتياط أن يضحوا من الغد بعد الزوال؛ لأن رجاء الصلاة إنما تنقطع من الغد بعد الزوال.
الفصل الرابع فيما يتعلق بالمكان، والزمان
قال القدوري: لو أن رجلاً من أهل السواد دخل المصر لصلاة الأضحى، وأمر أهله أن يضحوا عنه؛ جاز أن يذبحوا عنه بعد طلوع الفجر؛ قال محمد ﵀: أنظر في هذا إلى موضع الذبح دون المذبوح عنه، ولو كان الرجل بالسواد، وأهله بالمصر لم يجز ذبح الأضحية عنه إلا بعد صلاة الإمام، وهكذا روي عن أبي يوسف.
وروي فيها أيضاً: أن الرجل إذا كان في مصر، وأهله في مصر آخر، فكتب إليهم أن يضحوا عنه، فإنه يعتبر مكان الذبيحة، فينبغي أن يضحوا بعد صلاة الإمام في المصر الذي يذبح فيه، وروي عن أبي الحسن أنه قال: لا تجوز التضحية حتى يصلى في المصرين جميعاً احتياطاً، وإذا أراد المصري أن يتعجل اللحم في يوم الأضحى ينبغي أن يأمر بإخراج الأضحية إلى بعض هذه.... فيصح هناك قبل الصلاة، فيجوز اعتباراً لمكان الأضحية.
ذكر الفضلي في «فتاويه» : وإذا مضى أيام النحر، فقد فاته الذبح؛ لأن الإراقة إنما عرفت في زمان مخصوص، ولكن يلزمه التصدق بقيمة الأضحية، إذا كان ممن يجب عليه الأضحية، فإن كان أوجب شاة بعينها، أو اشترى ليضحي بها، فلم يفعل حتى مضت أيام النحر تصدق بها حية؛ لأنه تعذر إقامة القربة من حيث الذبح لفوات الوقت، والتصدق في باب الأضحية، فإن لم يكن ركناً، ولكن له مدخل فيه، وإنه قربة معقولة، فيجعل أصلاً عند تعذر إقامة القربة بالذبح، فوجب التصدق، ولا يجوز الأكل منها؛ لأن فعل التصدق.d
... أصلاً في هذا الباب، والصدقات للفقراء دون الأغنياء، فإن باعها تصدق بثمنها؛ لأن الثمن بدل عنها، فيلزمه التصدق به عند وقوع العجز عن التصدق بعينها بالبيع.
وفي الأضاحي للزعفراني: إذا اشترى أضحية، فأوجبها، ثم باعها، ولم يضح ببدلها حتى مضى أيام النحر؛ تصدق بقيمته التي باع، فإن لم يبعها حتى مضت أيام النحر؛ تصدق بها حية، فإن ذبحها، وتصدق بلحمها جاز، فإن كان قيمتها حية أكثر تصدق بالفضل، ولو أكل منها شيئاً غرم قيمته؛ لأنه فوت المبدل، فيجب عليه البدل، فإن لم يفعل ذلك كله حتى مضت أيام النحر فضحى بها عن العام الأول؛ لم يجزئه؛ لأن
стр. 2276
إراقة الدم عرفت فدية بالنص، والنص شرعاً فدية إذ لا قضاء، وإن كان باعها بعدما مضت أيام النحر تصدق بثمنها، فإن باعها بما يتغابن الناس فيه أجزأه، وإن باعها بما لا تتغابن الناس فيه تصدق بالفضل.
الفصل الخامس في بيان ما يجوز في الضحايا وما لا يجوز، وفي بيان المستحب، والأفضل منها
ويجزىء في الأضحية الثني فصاعداً من كل شيء، ولا يجزىء ما دون ذلك كل شيء إلا الجذع من الضأن إذا كان عظيماً، ومعناه أنه إذا اختلط مع المثان يظن الناظر إليه أنه ثني.
ثم الجذع أتى عليه أكثر السنة، وهو سبعة أسهم، وطعن في الثانية، وهو قول أهل الفقه، والثني من الغنم الذي تم عليه سنة وطعن في الثانية، ومن البقر الذي تم له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الإبل الذي تم له خمس سنين، وطعن في السادسة، هذا كله قول أهل الفقه، ولا بأس بالخصي والجماء وهي الشاة التي لا قرن لها ومكسور القرن، والجرباء إذا كانت سمينة، والثولاء وهي التي بها ثؤلول إذا كانت سمينة والتولاء، وهي المجنونة إذا كانت سمينة، والعرجاء إذا كانت تمشي فلا بأس بها، وإذا كانت لا تقوم، ولا تمشي لا يجوز وهو المراد من العرجاء البين عرجها المذكور في الحديث.
قال مشايخنا: إذا كانت تمشي بثلاث قوائم، وتجافي الرابع عن الأرض لا يجوز، وإذا كانت تضع الرابع على الأرض تستعين بها لا أنه تتمايل مع ذلك (١٥٢أ٢) وتضعه وضعاً خفيفاً يجوز، وأما إذا كانت تدفع دفعاً، أو يحمل إذا.... أن يجوز، ولا يجزي العمياء ولا العوراء أو هي ذاهبة إحدى العينين بكماله، ولا التي ليس لها أذنان، أو إحدى الأذنين، ولا مقطوعة الألية، وإن كانت صغيرة الأذن جاز، وروى أسد بن عمرو عن محمد؛ ما لم يخلق لها أذنان يجوز، وفي الضحايا للحسن بن زياد؛ قال أبو حنيفة: جاز إذا خلقت بلا أذنين، وفي «زيادات نوادر هشام» قال أبو حنيفة: إذا كان لها أذنان صغيران يجوز بعد أن تسمى أذناً، وإذا كان لها إلية صغيرة خلقة تشبه الذنب؛ قال محمد: تجزىء، ولم يكن لها ذنب ولا إلية خلقة فقد روي عن أبي يوسف: أنه لا يجوز سواء كان تعتلف أو لا تعتلف.
وإن بقي بعض أسنانها إن كانت تعتلف بما بقي من الأسنان جاز، وما لا فلا، ولا تجزىء العجفاء التي لا تبقى، ولا المريضة البين مرضها، ولا الجلالة التي تأكل الجيف، ولا تأكل غيرها، ولا بأس بالشق في الإذن، والكي، والسمة وهي الثقب في
стр. 2277
الأذن، وروى أبو سليمان عن محمد لا بأس بالمقابلة، وهي التي شق أذنها من خلفها، ولم يصل الشق إلى قدامها، وبالشرقاء، وهي التي قطع من وسط أذنها، فتعدى الخرق إلى الجانب الآخر، وإذا ذهبت بعض العين الواحدة وبعض الذنب، أو بعض....، فإن كان الذاهب كثيراً منع جواز الأضحية، وإن كان الذاهب قليلاً لا يمنع جواز الأضحية، وتكلموا في حد الفاصل بين القليل والكثير، فالزائد على النصف كثير بالإجماع، وأما النصف وظاهر مذهبهما أنه كثير، وأما ما دون النصف فوق الثلث فهو قليل عندهما، وعند أبي حنيفة في ظاهر مذهبه كثير؛ قال أبو يوسف: ذكرت قولي لأبي حنيفة ﵀، فقال: قولي مثل قولك.
ولا بأس بالمهذولة إذا بقي لها بعض اللحم، فإن لم يبق شيء من ذلك لا يجوز، ولا تجزىء الجدعاء وهي مقطوع الأنف، ولا التي قطع ضرعها، ولا التي يبس ضرعها، ومن المشايخ من يذكر هذا الفصل أصلاً، ويقول: كل عيب يزيل المنفعة على الكمال، أو الجمال على الكمال يمنع الأضحية، وما لا يكون بهذه الصفة لا يمنع.
كل عيب يمنع الأضحية، ففي حق الموسر يستوي أن يشتريها كذلك أو يشتريها وهي سليمة، فصارت معتوهة بذلك العيب، ولا يجوز على كل حال، وفي حق المقتر يجوز على كل حال؛ لأن في حق الموسر الوجوب في الذمة صفة الكمال، فلا يتأدى بالناقص، فأما في حق المقتر لا وجوب في الذمة، وإنما يثبت الحق في العين، فيتأدى بالعين على أي صفة ما كانت، وبه ورد الأثر عن نفيع.
وإن أصابها شيء من العيوب في اصطحابها حين اصتحبها للذبح، وذبحها على مكانها جاز استحساناً، وإذا انفلتت ثم أحدق، وذبحت؛ روي عن أبي يوسف في غير رواية «الأصول» : أنها إذا أحدق من فوق ذلك جاز، وإلا فلا وعن محمد: أنه يجوز في الحالين بعد أن تكون التضحية في الأضحية، ولا يجوز شيء من الوحوش، وبقر الوحش وأشباهها، وإن ألفت، وفي المتولد بين الوحشي والأهلي تعتبر الأم إن كانت الأم وحشية لا تجزئ في الأضحية، وإن كانت أهلية تجزئ، وتجزئ في الأضحية؛ لأنه نوع من البقر، والخصي أفضل من الفحل؛ لأنه أطيب لحماً؛ قال الشيخ أبو محمد ... : البقرة أفضل من الشاة في الأضحية إذا استويا في القيمة؛ لأنها أعظم وأكبر، والشاة أفضل من سبع البقرة، وإذا استويا في القيمة، واللحم؛ لأن الشاة أفضل من سبع البقرة، وإن استويا في القيمة، واللحم؛ لأن لحم الشاة أطيب، وإن كان سبع البقرة أكثر لحماً، فسبع البقرة أفضل، والأصل في هذا أنهما إذا استويا في اللحم والقيمة فأطيبهما لحماً أفضل، وإذا اختلفا في القيمة واللحم، والفاضل أولى.
إذا ثبت هذا، فنقول العجل بعشرين، وذلك قيمته أفضل من خصي بخمسة عشر، وإن كان الخصي أطيب لحماً؛ لأن الآخر أكثر؛ قلنا: وإن استويا في القيمة، واللحم،
стр. 2278
فالكبش أفضل، وكذا الكبش والنعجة إذا استويا في القيمة واللحم، فالكبش أفضل، وإن كانت النعجة أكثر قيمة، فهو أفضل، والذكر من الضأن أفضل إذا استويا؛ لأنه أطيب لحماً، والأنثى من البقر أفضل إذا استويا؛ لأنه أطيب لحماً، والأنثى من البعير كذلك، والبقرة أفضل من سبع شياه إذا استويا، وسبع شياه أفضل من البقرة.
في أضاحي الزعفراني: البعير أفضل من البقر؛ لأنه أعظم.
وفي «فتاوى أبي الليث» : شراء الأضحية بثلاثين درهماً شاتان أفضل من شراء واحدة؛ قال: وشراء الواحدة بعشرين أفضل من شراء شاتين بعشرين؛ لأن بثلاثين درهماً توجد شاتان على ما يجب من كمال الضحية في السن والكبر، ولا يوجد بعشرين كذلك حتى لو وجد كان شراء الشاتين أفضل، ولو لم يوجد بثلاثين كذلك كان شراء الواحدة أفضل.
في «فتاوى أهل سمرقند» : الأفضل أن يضحي الرجل بيده إذا قدر، وإن لم يقدر يوصي إلى غيره، وقد صح أن رسول الله ﵇ تولى البعض بنفسه، وولى علياً بعض الباقي، وحكي أن أبا حنيفة فعل بنفسه، ويستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، ويطعم منها غيره، وإن أكل الكل أو أطعم الكل جائزاً واسعاً، ويجوز أن يطعم منه الغني والفقير، ويهب منه ما شاء لغني أو فقير، أو مسلم أو ذمي، ولا بأس بأن يحبس المضحي لحماً، ويدخر كم شاء من المدة، والصدقة أفضل؛ إلا أن يكون الرجل ذا عيال، فإن الأفضل أن يدعه لعياله، ويوسع به عليهم، هذه الجملة في أضاحي الزعفراني.
روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف: في رجل له تسعة من العيال، وهو العاشر، فضحى بعشر من الغنم عن نفسه، وعن عياله، ولا ينوي شاة بعينها؛ لكن ينوي العشرة عنهم وعنه؛ جاز في الاستحسان، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
الفصل السادس الانتفاع بالأضحية (١٥٢ب/٢)
قال: ويكره له أن يحلب الأضحية، ويجز صوفها قبل الذبح، وينتفع به؛ لأن الحلب، والجز يفوّت جزءاً منها، وقد التزم التضحية بجميع أجزائها، فلا يجوز له أن يحبس شيئاً منها، فإن فعل ذلك تصدق بها؛ من أصحابنا من قال بأن هذا في الشاة التي أوجبها، وليست بواجبة كالمقتر إذ اشترى أضحية، فأما الموسر إذا عين أضحية، فلا بأس بالحلب والجز؛ لأن الوجوب لم يتعين بها، وإنما هو واجب في ذمته، ويسقط عنه بالذبح، فقبل الذبح صارت هذه وغيرها سواء.
قال: وإذا ذبحها في وقتها جاز له أن يحلب لبنها أو يجز صوفها، وينتفع به؛ لأن القربة أقيمت بالذبح والقربة، ولا انتفاع بعد إقامة القربة مطلقاً؛ كالأكل، وإن كان في
стр. 2279
ضرعها لبن، وهو يخاف نضح ضرعها فغسله بالماء البارد ليتقلص اللبن، فلا يتأدى به، إلا أن هذا إنما ينتفع إذا كان بقرب من أيام النحر، فأما إذا كان بالبعد فلا تقيد؛ هذا لأن اللبن ينزل.... .... يتعلق، ولكن ينبغي أن يحلبها. ويتصدق باللبن، كالهدي إذا عطبت قبل أن يبلغ محله، فإن عليه أن يذبحها، ويتصدق بلحمها؛ قال البقالي في «كتابه» : وما أصاب من لبنها تصدق بمثله أو قيمته، وكذا الأرواث إلا أن يعلفها بقدرها، ويجوز الانتفاع بجلد الأضحية، وهدي المتعة والتطوع بأن يتخذها فرواً أو بساطاً، أو حراماً، أو غربالاً أو قطعاً وله أن يشتري به متاع البيت كالغربال، والمنخل، والفرو، والكساء، والخف، وكذلك له أن يشتري به ثوباً يلبسه، ولا يشتري به الخل،.....، وكذلك لا يشتري به اللحم، ولا بأس ببيعه بالدراهم ليتصدق بها، وليس له أن يبيعها بالدراهم لينفقه على نفسه، ولو فعل ذلك تصدق بثمنها.
ولو أراد بيع لحم الأضحية ليتصدق بثمنها؛ ليس له ذلك؛ ليس له في اللحم إلا أن يطعم، أو يأكل؛ هكذا ذكر في «الأجناس» .
فصار حاصل الجواب في الجلد أنه لو باعه بشيء ينتفع به بعينه، أو باعه بشيء لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الأضحية: أن الجواب في اللحم كالجواب في الجلد إن باعه بشيء ينتفع به بعينه، أو باعه بشيء لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه.
وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الأضحية: أن الجواب في الجلد إن باعه بشيء ينتفع به بعينه يجوز، ويتأيد هذا القول بما روى ابن سماعة في «نوادره» عن محمد: أنه لو اشترى باللحم ثوباً، فلا بأس بلبسه، وإذا اشترى بقراً أو بعيراً، وأوجبه للأضحية كره له ركوبه واستعماله، وإن فصل ذلك، ونقصه يتصدق بأجره في أضاحي الزعفراني، وإذا اشترى بقرة، وأوجبها أضحية، فولدت ولداً ذبحها، وولدها معها؛ لأن حق التضحية ثبت في الأيام حتى يمنع المالك عن الانتفاع به؛ كما يمنع من الانتفاع به لو رهن أو كاتب، والحق متى ثبت في عين الأم سرى إلى الولد، وإذا سرى الحق إلى الولد وجب ذبح الولد ومن المشايخ من قال: لا يجب عليه أن يذبح الولد والأم؛ لأنه لو ذبحه ذبحه بطريق الأضحية، ولا يجوز التضحية بالولد.
قلنا: هذا هكذا إذا أراد التضحية بالولد مقصوداً، والتضحية ههنا بالولد تجب تبعاً، ويجوز أن يثبت الشيء تبعاً، وإن كان لا يثبت مقصوداً، ومن أصحابنا من قال: ما ذكر من الجواب في «الكتاب» : أنه يذبح الولد مع الأم محمول على الأضحية التي وجبت بالإيجاب بأن كان صاحبها معسراً، فأما إذا اشتراها موسر، فولدت؛ لا يكره ذبح الولد؛ لأن الحق غير متعلق بهذا العين، (فإذا ذبح الولد) ؛ لأن الحق غير متعلق بهذا العين، فإذا ذبح الولد يوم الأضحى قبل الأم، أو بعدها جاز، وإن لم يذبحه، وتصدق به حياً في يوم الأضحى أجزأه؛ هكذا ذكره الزعفراني.
стр. 2280
وعن محمد في «المنتقى» : أنه لو تصدق به حياً في أيام الأضحى فعليه أن يتصدق بقيمته، فإن باع الولد في أيام الأضحى تصدق بثمنه، فإن لم يبعه، ولم يذبحه حتى مضت أيام النحر، فعليه أن يتصدق بالولد مع الأم أكل من الأم، وهل يأكل من الولد؟ ذكر الصدر الشهيد ﵀ في الأضاحي: أنه يأكل في ظاهر الرواية؛ كما يأكل من الأم.
وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يأكل، وذكر شيخ الإسلام ﵀ في شرح كتاب الأضحية ذكر الزعفراني في هذه المسألة في أضاحيه، وقال في موضع: لا يأكل، وفي «الحاوي» : لا يأكل من الولد؛ بل يتصدق به، وإن أكل منه تصدق بقيمة ما أكل، ويتصدق بولدها حياً أحب إليَّ، والله أعلم.
الفصل السابع في التضحية عن الغير، وفي التضحية بشاة الغير عن نفسه
في «فتاوى أبي الليث» : وسئل أبو نصر عمن ضحى وتصدق بلحمه عن أبويه فيجوز. رجل ذبح أضحية غيره بغير أمره صريحاً، ففي القياس هو ضامن لها، ولا يجزىء الآمر عن أضحيته.
وفي الاستحسان لا ضمان، ويجزىء عن أضحية الأمر، ووجه ذلك: أن المالك لما عينها بجهة الذبح صار مستعيناً بكل أحد في التضحية بها في أيام الأضحية دلالة؛ لأن ذلك قد يفوته بمضي الوقت، واعتراض عارض يمنعه عن إقامتها، والإذن دلالة كالإذن صريحاً أطلق المسألة في «الأصل» ، وقيدها في «الأجناس» بما إذا أضجعها صاحب الأضحية.
وعلى هذا لو أن رجلين غلطا، فذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه بأمره دلالة، فيجوز عن كل واحد منهما أضحية، ويأخذ كل واحد منهما مسلوخة من صاحبه، فإن كان قد أكلا اللحم علما.... كل واحد منهما صاحبه ويجزئهما، وإن نسياها بعد ذلك؛ ضمن كل واحد منهما (١٥٣أ٢) لصاحبه قيمة شاته؛ لأن كل واحد منهما إذا لم يجز صنع صاحبه لم يكن إضافة الذبح إليه، فيضمنه الثمن إن شاء، قال: ويتصدق كل واحد بتلك القيمة إن كان قد انقضت أيام النحر؛ لأن العين يجب التصدق بالقيمة، قائماً مقام التصدق بالعين.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل اشترى خمس شياه أيام الأضحية، وأراد أن يضحي بواحدة منها إلا أنه لم يعينها، فذبح رجل واحدة منها يوم الأضحى، بغير أمره بنية أضحية يعني أضحية صاحب الشاة، فهو ضامن؛ لأن صاحبها لم يعينها لما لم يأذن بذبح عينها دلالة.
следующие страницы →