Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
إراقة الدم عرفت فدية بالنص، والنص شرعاً فدية إذ لا قضاء، وإن كان باعها بعدما مضت أيام النحر تصدق بثمنها، فإن باعها بما يتغابن الناس فيه أجزأه، وإن باعها بما لا تتغابن الناس فيه تصدق بالفضل.
الفصل الخامس في بيان ما يجوز في الضحايا وما لا يجوز، وفي بيان المستحب، والأفضل منها
ويجزىء في الأضحية الثني فصاعداً من كل شيء، ولا يجزىء ما دون ذلك كل شيء إلا الجذع من الضأن إذا كان عظيماً، ومعناه أنه إذا اختلط مع المثان يظن الناظر إليه أنه ثني.
ثم الجذع أتى عليه أكثر السنة، وهو سبعة أسهم، وطعن في الثانية، وهو قول أهل الفقه، والثني من الغنم الذي تم عليه سنة وطعن في الثانية، ومن البقر الذي تم له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الإبل الذي تم له خمس سنين، وطعن في السادسة، هذا كله قول أهل الفقه، ولا بأس بالخصي والجماء وهي الشاة التي لا قرن لها ومكسور القرن، والجرباء إذا كانت سمينة، والثولاء وهي التي بها ثؤلول إذا كانت سمينة والتولاء، وهي المجنونة إذا كانت سمينة، والعرجاء إذا كانت تمشي فلا بأس بها، وإذا كانت لا تقوم، ولا تمشي لا يجوز وهو المراد من العرجاء البين عرجها المذكور في الحديث.
قال مشايخنا: إذا كانت تمشي بثلاث قوائم، وتجافي الرابع عن الأرض لا يجوز، وإذا كانت تضع الرابع على الأرض تستعين بها لا أنه تتمايل مع ذلك (١٥٢أ٢) وتضعه وضعاً خفيفاً يجوز، وأما إذا كانت تدفع دفعاً، أو يحمل إذا.... أن يجوز، ولا يجزي العمياء ولا العوراء أو هي ذاهبة إحدى العينين بكماله، ولا التي ليس لها أذنان، أو إحدى الأذنين، ولا مقطوعة الألية، وإن كانت صغيرة الأذن جاز، وروى أسد بن عمرو عن محمد؛ ما لم يخلق لها أذنان يجوز، وفي الضحايا للحسن بن زياد؛ قال أبو حنيفة: جاز إذا خلقت بلا أذنين، وفي «زيادات نوادر هشام» قال أبو حنيفة: إذا كان لها أذنان صغيران يجوز بعد أن تسمى أذناً، وإذا كان لها إلية صغيرة خلقة تشبه الذنب؛ قال محمد: تجزىء، ولم يكن لها ذنب ولا إلية خلقة فقد روي عن أبي يوسف: أنه لا يجوز سواء كان تعتلف أو لا تعتلف.
وإن بقي بعض أسنانها إن كانت تعتلف بما بقي من الأسنان جاز، وما لا فلا، ولا تجزىء العجفاء التي لا تبقى، ولا المريضة البين مرضها، ولا الجلالة التي تأكل الجيف، ولا تأكل غيرها، ولا بأس بالشق في الإذن، والكي، والسمة وهي الثقب في
стр. 2277
الأذن، وروى أبو سليمان عن محمد لا بأس بالمقابلة، وهي التي شق أذنها من خلفها، ولم يصل الشق إلى قدامها، وبالشرقاء، وهي التي قطع من وسط أذنها، فتعدى الخرق إلى الجانب الآخر، وإذا ذهبت بعض العين الواحدة وبعض الذنب، أو بعض....، فإن كان الذاهب كثيراً منع جواز الأضحية، وإن كان الذاهب قليلاً لا يمنع جواز الأضحية، وتكلموا في حد الفاصل بين القليل والكثير، فالزائد على النصف كثير بالإجماع، وأما النصف وظاهر مذهبهما أنه كثير، وأما ما دون النصف فوق الثلث فهو قليل عندهما، وعند أبي حنيفة في ظاهر مذهبه كثير؛ قال أبو يوسف: ذكرت قولي لأبي حنيفة ﵀، فقال: قولي مثل قولك.
ولا بأس بالمهذولة إذا بقي لها بعض اللحم، فإن لم يبق شيء من ذلك لا يجوز، ولا تجزىء الجدعاء وهي مقطوع الأنف، ولا التي قطع ضرعها، ولا التي يبس ضرعها، ومن المشايخ من يذكر هذا الفصل أصلاً، ويقول: كل عيب يزيل المنفعة على الكمال، أو الجمال على الكمال يمنع الأضحية، وما لا يكون بهذه الصفة لا يمنع.
كل عيب يمنع الأضحية، ففي حق الموسر يستوي أن يشتريها كذلك أو يشتريها وهي سليمة، فصارت معتوهة بذلك العيب، ولا يجوز على كل حال، وفي حق المقتر يجوز على كل حال؛ لأن في حق الموسر الوجوب في الذمة صفة الكمال، فلا يتأدى بالناقص، فأما في حق المقتر لا وجوب في الذمة، وإنما يثبت الحق في العين، فيتأدى بالعين على أي صفة ما كانت، وبه ورد الأثر عن نفيع.
وإن أصابها شيء من العيوب في اصطحابها حين اصتحبها للذبح، وذبحها على مكانها جاز استحساناً، وإذا انفلتت ثم أحدق، وذبحت؛ روي عن أبي يوسف في غير رواية «الأصول» : أنها إذا أحدق من فوق ذلك جاز، وإلا فلا وعن محمد: أنه يجوز في الحالين بعد أن تكون التضحية في الأضحية، ولا يجوز شيء من الوحوش، وبقر الوحش وأشباهها، وإن ألفت، وفي المتولد بين الوحشي والأهلي تعتبر الأم إن كانت الأم وحشية لا تجزئ في الأضحية، وإن كانت أهلية تجزئ، وتجزئ في الأضحية؛ لأنه نوع من البقر، والخصي أفضل من الفحل؛ لأنه أطيب لحماً؛ قال الشيخ أبو محمد ... : البقرة أفضل من الشاة في الأضحية إذا استويا في القيمة؛ لأنها أعظم وأكبر، والشاة أفضل من سبع البقرة، وإذا استويا في القيمة، واللحم؛ لأن الشاة أفضل من سبع البقرة، وإن استويا في القيمة، واللحم؛ لأن لحم الشاة أطيب، وإن كان سبع البقرة أكثر لحماً، فسبع البقرة أفضل، والأصل في هذا أنهما إذا استويا في اللحم والقيمة فأطيبهما لحماً أفضل، وإذا اختلفا في القيمة واللحم، والفاضل أولى.
إذا ثبت هذا، فنقول العجل بعشرين، وذلك قيمته أفضل من خصي بخمسة عشر، وإن كان الخصي أطيب لحماً؛ لأن الآخر أكثر؛ قلنا: وإن استويا في القيمة، واللحم،
стр. 2278
فالكبش أفضل، وكذا الكبش والنعجة إذا استويا في القيمة واللحم، فالكبش أفضل، وإن كانت النعجة أكثر قيمة، فهو أفضل، والذكر من الضأن أفضل إذا استويا؛ لأنه أطيب لحماً، والأنثى من البقر أفضل إذا استويا؛ لأنه أطيب لحماً، والأنثى من البعير كذلك، والبقرة أفضل من سبع شياه إذا استويا، وسبع شياه أفضل من البقرة.
في أضاحي الزعفراني: البعير أفضل من البقر؛ لأنه أعظم.
وفي «فتاوى أبي الليث» : شراء الأضحية بثلاثين درهماً شاتان أفضل من شراء واحدة؛ قال: وشراء الواحدة بعشرين أفضل من شراء شاتين بعشرين؛ لأن بثلاثين درهماً توجد شاتان على ما يجب من كمال الضحية في السن والكبر، ولا يوجد بعشرين كذلك حتى لو وجد كان شراء الشاتين أفضل، ولو لم يوجد بثلاثين كذلك كان شراء الواحدة أفضل.
في «فتاوى أهل سمرقند» : الأفضل أن يضحي الرجل بيده إذا قدر، وإن لم يقدر يوصي إلى غيره، وقد صح أن رسول الله ﵇ تولى البعض بنفسه، وولى علياً بعض الباقي، وحكي أن أبا حنيفة فعل بنفسه، ويستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، ويطعم منها غيره، وإن أكل الكل أو أطعم الكل جائزاً واسعاً، ويجوز أن يطعم منه الغني والفقير، ويهب منه ما شاء لغني أو فقير، أو مسلم أو ذمي، ولا بأس بأن يحبس المضحي لحماً، ويدخر كم شاء من المدة، والصدقة أفضل؛ إلا أن يكون الرجل ذا عيال، فإن الأفضل أن يدعه لعياله، ويوسع به عليهم، هذه الجملة في أضاحي الزعفراني.
روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف: في رجل له تسعة من العيال، وهو العاشر، فضحى بعشر من الغنم عن نفسه، وعن عياله، ولا ينوي شاة بعينها؛ لكن ينوي العشرة عنهم وعنه؛ جاز في الاستحسان، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
الفصل السادس الانتفاع بالأضحية (١٥٢ب/٢)
قال: ويكره له أن يحلب الأضحية، ويجز صوفها قبل الذبح، وينتفع به؛ لأن الحلب، والجز يفوّت جزءاً منها، وقد التزم التضحية بجميع أجزائها، فلا يجوز له أن يحبس شيئاً منها، فإن فعل ذلك تصدق بها؛ من أصحابنا من قال بأن هذا في الشاة التي أوجبها، وليست بواجبة كالمقتر إذ اشترى أضحية، فأما الموسر إذا عين أضحية، فلا بأس بالحلب والجز؛ لأن الوجوب لم يتعين بها، وإنما هو واجب في ذمته، ويسقط عنه بالذبح، فقبل الذبح صارت هذه وغيرها سواء.
قال: وإذا ذبحها في وقتها جاز له أن يحلب لبنها أو يجز صوفها، وينتفع به؛ لأن القربة أقيمت بالذبح والقربة، ولا انتفاع بعد إقامة القربة مطلقاً؛ كالأكل، وإن كان في
стр. 2279
ضرعها لبن، وهو يخاف نضح ضرعها فغسله بالماء البارد ليتقلص اللبن، فلا يتأدى به، إلا أن هذا إنما ينتفع إذا كان بقرب من أيام النحر، فأما إذا كان بالبعد فلا تقيد؛ هذا لأن اللبن ينزل.... .... يتعلق، ولكن ينبغي أن يحلبها. ويتصدق باللبن، كالهدي إذا عطبت قبل أن يبلغ محله، فإن عليه أن يذبحها، ويتصدق بلحمها؛ قال البقالي في «كتابه» : وما أصاب من لبنها تصدق بمثله أو قيمته، وكذا الأرواث إلا أن يعلفها بقدرها، ويجوز الانتفاع بجلد الأضحية، وهدي المتعة والتطوع بأن يتخذها فرواً أو بساطاً، أو حراماً، أو غربالاً أو قطعاً وله أن يشتري به متاع البيت كالغربال، والمنخل، والفرو، والكساء، والخف، وكذلك له أن يشتري به ثوباً يلبسه، ولا يشتري به الخل،.....، وكذلك لا يشتري به اللحم، ولا بأس ببيعه بالدراهم ليتصدق بها، وليس له أن يبيعها بالدراهم لينفقه على نفسه، ولو فعل ذلك تصدق بثمنها.
ولو أراد بيع لحم الأضحية ليتصدق بثمنها؛ ليس له ذلك؛ ليس له في اللحم إلا أن يطعم، أو يأكل؛ هكذا ذكر في «الأجناس» .
فصار حاصل الجواب في الجلد أنه لو باعه بشيء ينتفع به بعينه، أو باعه بشيء لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الأضحية: أن الجواب في اللحم كالجواب في الجلد إن باعه بشيء ينتفع به بعينه، أو باعه بشيء لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه.
وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الأضحية: أن الجواب في الجلد إن باعه بشيء ينتفع به بعينه يجوز، ويتأيد هذا القول بما روى ابن سماعة في «نوادره» عن محمد: أنه لو اشترى باللحم ثوباً، فلا بأس بلبسه، وإذا اشترى بقراً أو بعيراً، وأوجبه للأضحية كره له ركوبه واستعماله، وإن فصل ذلك، ونقصه يتصدق بأجره في أضاحي الزعفراني، وإذا اشترى بقرة، وأوجبها أضحية، فولدت ولداً ذبحها، وولدها معها؛ لأن حق التضحية ثبت في الأيام حتى يمنع المالك عن الانتفاع به؛ كما يمنع من الانتفاع به لو رهن أو كاتب، والحق متى ثبت في عين الأم سرى إلى الولد، وإذا سرى الحق إلى الولد وجب ذبح الولد ومن المشايخ من قال: لا يجب عليه أن يذبح الولد والأم؛ لأنه لو ذبحه ذبحه بطريق الأضحية، ولا يجوز التضحية بالولد.
قلنا: هذا هكذا إذا أراد التضحية بالولد مقصوداً، والتضحية ههنا بالولد تجب تبعاً، ويجوز أن يثبت الشيء تبعاً، وإن كان لا يثبت مقصوداً، ومن أصحابنا من قال: ما ذكر من الجواب في «الكتاب» : أنه يذبح الولد مع الأم محمول على الأضحية التي وجبت بالإيجاب بأن كان صاحبها معسراً، فأما إذا اشتراها موسر، فولدت؛ لا يكره ذبح الولد؛ لأن الحق غير متعلق بهذا العين، (فإذا ذبح الولد) ؛ لأن الحق غير متعلق بهذا العين، فإذا ذبح الولد يوم الأضحى قبل الأم، أو بعدها جاز، وإن لم يذبحه، وتصدق به حياً في يوم الأضحى أجزأه؛ هكذا ذكره الزعفراني.
стр. 2280
وعن محمد في «المنتقى» : أنه لو تصدق به حياً في أيام الأضحى فعليه أن يتصدق بقيمته، فإن باع الولد في أيام الأضحى تصدق بثمنه، فإن لم يبعه، ولم يذبحه حتى مضت أيام النحر، فعليه أن يتصدق بالولد مع الأم أكل من الأم، وهل يأكل من الولد؟ ذكر الصدر الشهيد ﵀ في الأضاحي: أنه يأكل في ظاهر الرواية؛ كما يأكل من الأم.
وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يأكل، وذكر شيخ الإسلام ﵀ في شرح كتاب الأضحية ذكر الزعفراني في هذه المسألة في أضاحيه، وقال في موضع: لا يأكل، وفي «الحاوي» : لا يأكل من الولد؛ بل يتصدق به، وإن أكل منه تصدق بقيمة ما أكل، ويتصدق بولدها حياً أحب إليَّ، والله أعلم.
الفصل السابع في التضحية عن الغير، وفي التضحية بشاة الغير عن نفسه
في «فتاوى أبي الليث» : وسئل أبو نصر عمن ضحى وتصدق بلحمه عن أبويه فيجوز. رجل ذبح أضحية غيره بغير أمره صريحاً، ففي القياس هو ضامن لها، ولا يجزىء الآمر عن أضحيته.
وفي الاستحسان لا ضمان، ويجزىء عن أضحية الأمر، ووجه ذلك: أن المالك لما عينها بجهة الذبح صار مستعيناً بكل أحد في التضحية بها في أيام الأضحية دلالة؛ لأن ذلك قد يفوته بمضي الوقت، واعتراض عارض يمنعه عن إقامتها، والإذن دلالة كالإذن صريحاً أطلق المسألة في «الأصل» ، وقيدها في «الأجناس» بما إذا أضجعها صاحب الأضحية.
وعلى هذا لو أن رجلين غلطا، فذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه بأمره دلالة، فيجوز عن كل واحد منهما أضحية، ويأخذ كل واحد منهما مسلوخة من صاحبه، فإن كان قد أكلا اللحم علما.... كل واحد منهما صاحبه ويجزئهما، وإن نسياها بعد ذلك؛ ضمن كل واحد منهما (١٥٣أ٢) لصاحبه قيمة شاته؛ لأن كل واحد منهما إذا لم يجز صنع صاحبه لم يكن إضافة الذبح إليه، فيضمنه الثمن إن شاء، قال: ويتصدق كل واحد بتلك القيمة إن كان قد انقضت أيام النحر؛ لأن العين يجب التصدق بالقيمة، قائماً مقام التصدق بالعين.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل اشترى خمس شياه أيام الأضحية، وأراد أن يضحي بواحدة منها إلا أنه لم يعينها، فذبح رجل واحدة منها يوم الأضحى، بغير أمره بنية أضحية يعني أضحية صاحب الشاة، فهو ضامن؛ لأن صاحبها لم يعينها لما لم يأذن بذبح عينها دلالة.
стр. 2281
في «المنتقى» : رجل غصب أضحية غيره، وذبحها عن نفسه، وضمن القيمة لصاحبها أجزأه ما صنع، والذبح يخالف الإعتاق، فإن الغاصب إذا أعتق ثم ملكه بأداء الضمان لا ينفذ.
والفرق: أن عند أداء الضمان يثبت للغاصب الملك مستنداً إلى وقت الغصب السابق، والمستند فائت للحال من وجه، ومن ذلك الوقت من وجه، وكان الملك فيما بين الغصب وأداء الضمان ثابتاً من وجه، ومثل هذا الملك لا يكفي لنفاذ العين، ويكفي لنفاذ القرب أصله المكاتب إذا أعتق، وإذا حضر ونصب بهدي من كسبه، وعن أبي يوسف: أنه لا يجزئه الذبح عن نفسه بأداء الضمان، وفاتته بالإعتاق، وهكذا روى ابن رستم عن محمد؛ هذا إذا ضمن الغاصب قيمتها للمالك، وإن اختار المالك أحدها مذبوحة، فعلى الذابح أن يعيد الذبح بلا خلاف.
ولو كان مكان الغاصب مستودعاً، والباقي بحاله لا يجزئه عن أضحيته؛ أخذها المالك مذبوحة، أو ضمنه قيمتها، ولو كان العيب استحق، فإن ضمنه صاحبه قيمتها، ذكر الزعفراني في أضاحيه أنه يجزيه بلا خلاف، وذكر الناطفي في «أجناسه» فصل الاستحقاق، ونص أنه يجزئه في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
وفي الأضاحي للزعفراني أيضاً: إذا غصب الرجل أضحية الغير ذبحها عن نفسه متعمداً لذلك، فصاحب الأضحية بالخيار؛ إن شاء ضمن الذابح قيمتها، وإن شاء أخذها مذبوحة، وإياها اختار لا يجوز عن صاحبها، وقال محمد بن مقاتل الرازي: إن ضمنه لا يجزئه، وإن أخذها مذبوحة يجزئه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، قال: لأنه قد نواه فلا يضره ذبح غيره لها، وعن نصير فيمن دعا قصاباً ليضحي عنه، فضحى القصاب عن نفسه؛ قال: هي للآمر.
ابن سماعة عن محمد: أمر رجلاً أن يذبح شاة له، فلم يذبحها المأمور؛ حتى باعها الآمر ثم ذبحها، فالمأمور ضامن، ولا يرجع بما ضمن على الآمر علم بالبيع أو لم يعلم؛ أما إذا علم، فظاهر، وأما إذا لم يعلم؛ فلأنه ما ... لأنه حين أمره بالذبح؛ كانت الشاة له.
في «واقعات الناطفي» وفي «الأجناس» ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا أمر الرجل غيره بذبح شاة، وقد كان الآمر باعها، فذبحها المأمور، وهو يعلم بالبيع، فإن للمشتري أن يدفع الثمن ويبيع الرابح، فيضمنه قيمتها، وليس للذابح أن يرجع على الآمر؛ قال: ولو كان لا يعلم بالبيع يمكن للمشتري أن يضمنه القيمة؛ علل فقال: لأنه لو ضمنه كان له أن يرجع على الآمر، فكأنه هو فعل ذلك، فينقض البيع.
في «النوازل» : أسلم غنمه إلى راعٍ، فذبح شاة منها، فقال: ذبحتها، وهي.... وقال صاحب الغنم: ذبحتها، وهي....، فالقول قول الراعي؛ لأنه أنكر سبب الضمان، ولا يحل أكلها؛ لأنه لم يثبت المبيح، وهو الذكاة.
стр. 2282
وفيه أيضاً: اشترى أضحية، وأمر غيره بذبحها، فذبحها، وقال: تركت التسمية عمداً ضمن الذابح قيمة الشاة؛ لأنه جعلها ميتة، فبعد ذلك ينظر إن كان أيام الذبح قائمة يشتري بقيمتها أخرى، ويضحي بها، ويتصدق بلحمها، ولا يأكل، وإن لم تكن باقية تصدق بالقيمة على المساكين.
الفصل الثامن فيما يتعلق بالشركة في الضحايا
الشاة لا تجزىء إلا عن واحد، وإن كانت عظيمة، والبقر والبعير كل واحد منهما يجزىء عن سبعة إذا كانوا يريدون بها وجه الله أتفقت جهات القربة (أو) اختلفت، قال زفر: إذا اختلفت جهات القربة لا يجوز، وإن كان أحدهم يريد اللحم؛ لم يجز عن واحد منهم، والتقدير بالسبع يمنع الزيادة، ولا يمنع النقصان.
وإذا اشترى الرجل بقرة أو بعيراً يريد أن يضحي بها عن نفسه، ثم أشرك فيها ستة بعد ذلك، القياس: أن لا يجزئهم، ويضمن الكل لحماً، وفي الاستحسان: يجزئهم؛ لأن البقرة قائمة مقام سبع شياه، وكذلك الدابة فصار شراؤها بنية الأضحية كشراء سبع شياه، ومن اشترى سبع شياه بنية الأضحية، ثم باع ستاً منها، وضحى بالسابعة، وضحى المشترون بالست جاز عن الكل؛ كذا ههنا، فإذا صار عنه، وعن شركائه هل يلزمه الذبح من الأسباع التي باعها ما بقي الوقت، والتصدق بقيمتها بعد فوات الوقت لم يذكر هذا الفصل في «الكتاب» .
قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده: حكي عن مشايخ بلخ أنهم قالوا: عليه الذبح بنية أسباع بقرة مثل الأولى في القيمة يشتري مع غيره، فذبح أو يشتري ست شياه، ويذبح إن كانت قيمته ست أسباع البقرة غنياً كان أو فقيراً، وهذا لما ذكر بأن شراء البقرة بمنزلة شراء سبع شراء سبع شياه.
ولو اشترى شياه بنية الأضحية، ثم باع شاة منها، فإنه يلزمه الذبح لمثل ذلك غنياً كان أو فقيراً، ما بقي الوقت؛ لأن الغني فيما زاد على شاة واحدة والفقير سواء، والفقير إذا اشترى سبع شياه بنية الأضحية، وباع شاة منها، فإنه يشتري شاة مثلها، ويذبحها ما دام الوقت باقياً، وإن مضى الوقت؛ يتصدق بقيمتهن؛ كذا ههنا؛ قال: ولو فعل ذلك قبل الشراء كان أحسن؛ لأن الاشتراك بعد الشراء خلف في الوعد (١٥٣ب٢) وإنه حرام.
في «مناسك الحسن» لا يسعه إن أشركهم فيها بعد الشراء إلا أن يريد حين الشراء أن يشركهم فيها، فلا بأس بذلك، وعن أبي يوسف لا أرى بأساً فيما إذا نوى حين اشترى أن يشركهم، ولا أحفظ فيه رواية عن أبي حنيفة، ولو لم ينوِ أن يشاركهم، فقد كرهه أبو حنيفة، وهو قول أبي يوسف، وإذا كان الشركاء في البدنة والبقرة ثمانية لا يجزئهم؛ لأن نصيب أحدهم أقل من السبع.
стр. 2283
وكذلك إذا كان الشركاء أقل من الثمانية إلا أن نصيب واحد منهم أقل من السبع بأن مات الرجل، وترك امرأة وابناً وبقرة فضحيا بها يوم العيد، ثم كان نصيب المرأة أقل السبع، فلم يجزىء نصيبها، ولم يجزىء نصيب الابن أيضاً.
وفي الأضاحي للزعفراني: اشترك ثلاثة نفر في بقرة على أن يدفع أحدهم أربع دنانير، والآخر ثلاثة دنانير، والآخر دينار، واشتروا بها بقرة على أن تكون البقرة بينهم على قدر رأس مالهم، وضحوا بها لم يجزىء؛ لأن نصيب أحدهم أقل من السبع، وإن كانت بقرة أو بدنة بين اثنين، فضحيا بها؛ اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضم: لا يجزئهما؛ لأن لكل واحد منهما ثلاثة أسباع، ونصف سبع لا يجوز في الأضحية، فإذا لم يجز البعض لم يجز الثاني، وقال بعضهم: يجوز، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، والصدر الشهيد برهان الأئمة ﵏، وهكذا ذكر محمد الجومسي في مسائله.
وصورة ما ذكره الفقيه الجومسي: إذا اشترك ثلاثة نفر في بقرة على أن يدفع أحدهم ثلاثة دنانير، ونصفاً، وآخر دينارين ونصفاً وآخر دينارين، فاشتروا بها بقرة على أن تكون البقرة بينهم على قدر رأس مالهم، وضحوا بها جازت الأضحية عنهم، ولأحدهم سبعان ونصف سبع، ووجه ذلك: أن نصف السبع، وإن لم يكن أضحية، فهي قربة تبعاً للأضحية، فلا يصير لحماً.
قال في «الأصل» : سبعة اشتركوا في بقرة، أو بدنة ثم مات بعضهم قبل أن ينحروا، فقال ورثته انحروها عنكم، وعن فلان الميت هل يجزئهم؟ القياس: أن لا يجزئهم، وفي الاستحسان: إنه يجزئهم، وعلى هذا القياس والاستحسان أحد الشركاء إذا كان يضحي عن ولده الصغير، أو عن أم ولده.
وطريق الجواز: إن ذبح البقرة من سبعة بنية القربة بمنزلة ذبح شاة؛ لأن جواز ذبح البقرة من سبعة من حيث إن البقرة أقيمت مقام سبع شياه، وإراقة دمها أقيمت مقام سبع إراقات؛ لا من حيث إن كل واحد منهم صار مضحياً بجميع البقرة من حيث إن الإراقة لا تجزأ الجواز عن السبعة، لو كان بهذا الطريق لما اقتصر الجواز على السبعة.
ألا ترى أن القصاص لما وجب على الجماعة بقتل الواحد من حيث إن كان كل واحد جعل قاتلاً كملاً؛ لأن الإراقة لا تتجزىء وجب القصاص على أكثر من السبعة إذا اشتركوا في القتل، وما لم تجزه البدنة عن أكثر من سبعة علم أن طريق الجواز أن البدنة وإراقة دم أقيمت مقام سبع شياه، وسبع إراقات.
ولو اشترى سبعة نفر سبع شياه كل واحد شاة، فضحى أحدهم شاته عن ولده، أو عن أم ولده، أو عن الميت لا يصير الست تطوعاً كذا ههنا، وليس كما لو نوى أحدهم اللحم، أو صار نصيب أحدهم لحماً؛ بأن كان أحد الشركاء كافراً، فإنه لا يجوز عن
стр. 2284
الكل، ولا يجعل ذلك بمنزلة سبع شياه؛ لأن البدنة أقيمت مقام سبع شياه، وسبع إراقات شرعاً إذا أوجدت للإراقة من الكل بنية القربة، وفيما عدا ذلك تكون العبرة للحقيقة، وإنما إراقة واحدة من حيث الحقيقة، فإذاً صار البعض لحماً.
وذكر الزعفراني هذه المسألة في أضاحيه، وجعلها على وجهين؛ إما إن قال الورثة....... الشركاء ضحوا بها عن الميت، وعن أنفسكم، أو لم يقولوا شيئاً، وفي الوجهين جميعاً يجوز عند محمد؛ إلا أن في الوجه الأول لا خيار للورثة، وفي الوجه الثاني لهم الخيار؛ إن شاؤوا أجازوا نصيبهم عن الميت، وإن شاؤوا ضمنوهم، ويجوز عنهم في الوجهين، وعند أبي يوسف؛ إن كان الميت أوجب على نفسه، فقد وجب شاة الورثة إذا ثبت أن.. ولم يوجب لا يجوز شاة الورثة.......... الأضحية عن الميت ابتداءً من غير أن يكون الميت أوجب على نفسه.
سبعة ضحوا بقرة، وأرادوا أن يقسموا اللحم بينهم؛ إن اقتسموها، وزناً يجوز؛ لأن القيمة فيها معنى السبع على هذا الوجه يجوز، وإن اقتسموها جزافاً إن جعلوا مع اللحم شيئاً من السقط نحو الرأس، والأكارع يجوز، وإن لم يجعلوا لا يجوز؛ لأن البيع على هذا الوجه لا يجوز، فإن..... مع هذا، وحللوا الفضل بعضهم لبعض لم يجز.
فرق بين هذا وبينما إذا باع رجل درهم بدرهماً، وأحدهما أكثر وزناً، فحلل صاحبه له حيث يجوز، والفرق: أن تحليل الفضل عنه هبة في فضل اللحم حصلت الهبة في مشاع يحتمل القسمة.
وفي الفضل الثاني: حصلت الهبة في مشاع لا يحتمل القسمة بأن الدرهم الواحد الصحيح لا يحتمل القسمة، وذكر في مسائل الجومسي، وإذا جعلوا اللحم والشحم سبعة أسهم، وقسموا بينهم جزافاً جازت القسمة.
في أضاحي الزعفراني: اشترى سبعة نفر سبع شياه بينهم أن يضحوا بها بينهم، ولم يسم لكل واحد منهم شاة بعينها فضحوا بها؛ كذلك فالقياس: أن لا يجوز.
وفي الاستحسان: يجوز؛ فقوله اشترى سبعة نفر سبع شياه بينهم؛ يحتمل شراء كل شاة بينهم، ويحتمل شراء سبع شياه على أن يكون (١٥٤أ٢) لكل واحد منهم شاة، ولكن لا يعينها، فإن كان المراد هو الثاني، فما ذكر من الجواب باتفاق الروايات؛ لأن كل واحد منهم يصير مضحياً بشاة كاملة، وإن كان المراد هو الأول فما ذكر من الجواب على إحدى الروايتين، فإن الغنم إذا كانت بين رجلين ضحيا بها ذكر في بعض المواضع: أنه لا يجوز.
وفي «النوازل» : شاتان بين رجلين ذبحاها عن نسكهما جاز، وهكذا ذكر القدوري في آخر «كتابه» .
فرق بين هذا وبين عبدي رجلين أعتقاهما عن كفارتهما حيث لا يجوز؛ لأن الجبر على القيمة يجري في الشاة، فأمكن جمع كل واحد منهما في شاة واحدة، ولا كذلك الرقيق.
стр. 2285
الفصل التاسع في المتفرقات
في «النوازل» : رجل ضحى بشاتين قال محمد بن سلمة: لا تكون الأضحية إلا بواحدة، وقال غيره من المشايخ: تكون الأضحية بهما، وبه أخذ الصدر الشهيد في «واقعاته» ، وروى الحسن عن أبي حنيفة لا بأس بالأضحية بالشاة والشاتين، وقد صح أن رسول الله ﵇ كان يضحي كل سنة بشاتين، وضحى عام الحديبية بمائة بدنة.
في «فتاوى الفضلي» : شاة ندت وتوحشت فرماها صاحبها، ونوى الأضحية فأصابها أجزأه عن الأضحية؛ لأنها لم تصر بمنزلة الوحوش بالند، ولو امتنع جواز أضحيته ههنا امتنع لهذه الجهة.
اشترى شاتين للأضحية، فضاعت إحديهما، وضحى بالثانية، ثم وجدها في أيام النحر، أو بعد أيام النحر، فلا شيء عليه؛ سواء كانت هي أرفع من التي ضحى بها أو دون منها، ولو اشترى أخرى للأضحية، ثم ضاعت الأولى، فضحى بالثانية، ثم وجد الأولى، فإن كانت مثل الثانية أو دون فلا شيء عليه، وإن كان أفضل تصدق بفضل ما بينهما في «مسائل الخوميني» .
وفيها أيضاً: إذا قال: لله عليَّ أن أهدي شاة فأهدى بقرة أو جزوراً وضحى ببقرة أو جزور جاز؛ لأنه أدى أفضل مما لزمه، وفيها أيضاً: رجل ضحى شاة تساوي تسعين، ورجل آخر ضحى ببقرة تساوي سبعين، ورجل آخر تصدق بمائة درهم، فأضحية صاحب الشاة أعلى من أضحية صاحب البقرة؛ لأن قيمة الشاة أكبر، فالذي ضحى بقرة أعظم أجراً من الذي تصدق بمائة درهم.
وفيها أيضاً: اشترى شاة للأضحية في أيام النحر وهو فقير، فضحى بها، ثم أيسر في أيام النحر؛ قال الشيخ الفقيه أبو محمد الجوميني: عليه أن يعيد، وغيره من المتأخرين قالوا: لا يعيد وبه نأخذ.
وفيه أيضاً: أوصى بأن يضحى عنه، ولم يسم شيئاً، فهو جائز، ويقع ذلك (على) الشاة لأنها هي الأدنى؛ ولأنها هي المتعارف، وإذا أوصى بأن يشترى بجميع ماله، ويضحى بها عنه فمات، ولم يجز الورثة، فالوصية جائزة في قولهم جميعاً، ويشتري بالثلث شاة، ويضحى بها عنه، فلو أوصى بأن يشتري بقرة بعشرين درهماً ويضحى بها عنه، ثم مات وثلث ماله أقل من عشرين، فإنه يضحى عنه على مذهبهما بما أوصى به، وإذا أوصى بأن يشتري له شاة بهذه العشرين درهماً ويضحي عنه، ثم مات فضاع من الدراهم درهم واحد؛ لم تصح عندهما وصحّ عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
إذا وكل إنساناً بأن يشتري له شاة، واستأجر إنساناً بأن يشتري له شاة، واستأجر إنساناً بأن يقودها بدرهم لم يلزم الآمر من اكتراء شيء.
стр. 2286
وكله بأن يشتري له شاة للأضحية، فاعلم بأن الشاة اسم جنس فيتناول الضأن والمعز جميعاً.
وإن وكله إنسان يشتري له ضأناً، فاشترى معزاً، أو كان على العكس لا يلزم الآمر؛ لأن كل واحد منهما اسم نوع.
فالضأن نوع يشمل على الذكر والأنثى، فالذكر منه يسمى كبشاً، والأنثى منه تسمى نعجة.
والمعز نوع آخر يشتمل على الذكر والأنثى، فالذكر منه يسمى تيساً، والأنثى منه تسمى عنزاً، وأحد النوعين لا يدخل تحت اسم النوع الآخر.
اشترى شاة وضحى بها، ثم وجد بها عيباً ينقصها، ولكن لا يخرجها عن حد الضحايا، فله أن يرجع بنقصان العيب على البائع، وإذا رجع ليس عليه أن يتصدق به؛ لأن بالشاة المعيوبة جازت الأضحية، فليس عليه رد ذلك، فإن قال البائع: أنا آخذها مذبوحة، فله ذلك، فإذا أخذها ونقد الثمن، فعلى المشتري أن يتصدق بما استرد من البائع لا حصة نقصان العيب، وإن توى الثمن على البائع فلا شيء عليه، وإن توى البعض ووصل البعض يتصدق منه بما كان من حصة الشاة، ولا يتصدق بقدر حصة نقصان العيب؛ حتى لو كان الثمن عشرة، ونقصان العيب درهم؛ يتصدق بتسعة أعشار ما وصل إليه من الثمن.
إذا ضحى بشاة، ثم غصبها رجل من المضحي، فعلى الغاصب قيمتها مذبوحة، وعلى المضحي أن يتصدق بما يصل إليه من القيمة، وإن تويت القيمة على الغاصب، فلا شيء على.... من القيمة كلها أو بعضها، وهو غني أو فقير يحتمل أن لا يكون عليه شيء؛ لأن في الابتداء كان له أن يهب الأصل للغاصب، وإذا أخذ القيمة لا يجوز له أن يهبها لغيره؛ لأن بعدما قبض القيمة لزمه التصدق بها، وإن كان ضمن والغاصب على أقل من قيمتها ليس عليه أن يتصدق إلا بالقدر الذي يصل إليه، وإن صالحه على شيء مأكول، أو على شيء من متاع البيت يحتمل أن لا يجب عليه التصدق بذلك؛ بل يأكل المأكول، وينتفع بما كان من متاع البيت.
اشترى المعسر شاة، وأوجبها أضحيته، فماتت في أيام النحر وأخرج منها جنين حي فالقياس أن يكون الجنين له يعمل به ما يريد، وفي الاستحسان يتصدق.
وإذا وهب لرجل منه وضحى الموهوب له بها، ثم رجع الواهب فيها ففي ظاهر الرواية من أصحابنا صح رجوعه، وروي عن أبي يوسف: أنه لا يصح، وإذا صح الرجوع (٢١٦ب٢) في ظاهر الرواية جازت الأضحية عن الموهوب له؛ لأن الرجوع من الواهب فيها بمنزلة هبة الموهوب له الشاة المذبوحة من الواهب، وليس على الواهب أن يتصدق بشيء.
стр. 2287
(في «مجموع النوازل» : أربعة نفر اشترى كل واحد منهم شاة لونها وهيئتها واحد، فحبسوها في بيت، فلما فتحوا وجدوا واحدة منها ماتت، ولا يدرى لمن هي، فإنه تباع هذه الأغنام جملة، ويشترى بثمنهما أربع شياه كل واحد منهم أمر صاحبه بذبح كل واحد منهم صاحبه أيضاً حتى يجوز عن الأضحية، والله أعلم بالصواب) .
стр. 2288
كتاب الوقف
هذا الكتاب يشتمل على ستة وعشرين فصلاً:
١ * في الألفاظ التي تجري في الوقف، وما يتم به الوقف وما لا يتم.
٢ * فيما يتعلق بجواز الوقف، وصحته، وشرائط صحته.
٣ * في بيان ما يجوز من الأوقاف وما لا يجوز وهو أنواع: منها في تعليق بالشروط، ومنها في أوقاف المنقول، ومنها فيما يدخل في الوقف من غير ذكر؛ ومنها في الأوقاف المضافة؛ ومنها وقف المحجور.
٤ * فيما يتعلق بالشروط في الوقف وهو أنواع.
٥ * في الإقرار بالوقف.
٦ * في الولاية في الوقف.
٧ * في تصرف القيم في الأوقاف وهو نوعان: أحدهما فيما يرجع إلى عمارة الوقف، والآخر فيما يرجع إلى العقود.
٨ * في الوقف على نفسه وما يتصل به.
٩ * في الوقف على ولده وولد ولده وبنته ونسله، وما يتصل بذلك.
١٠ * في الوقف على فقراء قرابته.
١١ * في الرجل يقف أرضه على قرابته فيجيء رجل فيدعي أنه من قرابته، وفيه الوقف على أقرب الناس منه أو إليه.
١٢ * في الوقف على أهل البيت والآل، والجنس والعصب والجيران، وأشباه ذلك.
١٣ * في الرجل يقف على الفقراء فيحتاج أحد من ولده أو يحتاج هو بنفسه.
١٤ * في الوقف على الموالي والمدبرات وأمهات الأولاد والمماليك.
١٥ * في وقف المريض.
١٦ * في الرجل يقف أرضه على وجوه سماها كيف يقسم الغلة.
стр. 2289
١٧ * في الرجل يقف على قوم فلا يقبلون أو يقبل بعضهم دون بعض، أو يكون بعضهم حياً وبعضهم ميتاً.
١٨ * في الرجل يقف على جماعة ثم يستثني بعضهم بصفة خاصة، وفي الرجل يقف على جماعة موصوفين بصفة فتزول تلك الصفة عن كلهم أو عن بعضهم.
١٩ * في المسائل التي تتعلق بالصك وما فيه.
٢٠ * في المسائل المتعلقة بالدعاوي والخصومات والشهادات في باب الوقف وهو أنواع منها، في المسائل العائدة إلى الشهادة في الوقف.
٢١ * في المساجد، وهو أنواع.
٢٢ * في المسائل العائدة إلى الرباطات والمقابر والخانات والحياًض والطرق والسقايات.
٢٣ * في المسائل العائدة إلى الأشجار التي في المقابر وفي أرض الوقف وغير ذلك.
٢٤ * في المسائل الأوقاف التي يستغنى عنها وما يتصل به من صرف غلة الأوقاف إلى وجوه أخر.
٢٥ * في وقف الكفار.
٢٦ * في المتفرقات.
стр. 2290
الفصل الأول: في الألفاظ التي تجري في الوقف وما يتم به الوقف وما لا يتم
إذا قال: أرضي هذه صدقة محررة مؤبدة حال حياًتي وبعد وفاتي، أو قال: أرضي هذه صدقة مؤبدة في حال حياًتي وبعد وفاتي، أو قال: أرضي هذه صدقة محبوسة مؤبدة أو حبسة مؤبدة حال حياًتي وبعد وفاتي، يصير وقفاً جائزاً لازماً على الفقراء عند الكل، ولو لم يقل حال حياًتي وبعد وفاتي، فالمسألة على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبه على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله.
ولو قال: أرضي هذه صدقة محبوسة، أو قال: حبسته ولم يقل: مؤبدة فإنه يصير وقفاً، في قول عامة من يجيز الوقف، وقال الخصاف وأهل البصرة بأنه: لا يصير وقفاً، ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على المساكين يصير وقفاً بالإجماع، وذهبوا في ذلك إلى أن جواز الوقف معلق بالتأبيد لما نبين بعد هذا إن شاء الله، وما يكون معلقاً بالتأبيد لا يكون إلا بذكر التأبيد نصاً وإنما جاز بذكر المساكين ولم ينص على التأبيد؛ لأن ذكر المساكين ذكر التأبيد؛ لأنهم لا يقطعون أبداً وجه قول العائد أن التأييد كما يثبت بذكر الصدقة؛ لأن الصدقة تثبت مؤبدة؛ لأنها لا يحتمل القسم، ولو قال: أرضي هذه موقوفة، أو قال: داري هذه موقوفة أو قال: أرضي هذه، أو قال: داري هذه، فعلى قول أبي يوسف يكون وقفاً، وقال محمد وهلال لا يكون وقفاً، وكذلك على قول الخصاف وأهل البصرة لا يكون وقفاً؛ لأنه لما لم يصير وقفاً في المسألة الأولى عندهم وقد جمع بين الصدقة والموقوفة؛ فلأن لا يصير وقفاً هنا كان أولى.
وجه قول محمد أن قوله: وقفت أرضي، يحتمل وقفتها على الفقراء فيكون وقفاً تاماً، ويحتمل وقفتها على الأغنياء، فلا يكون وقفاً بالشك، وأبو يوسف يقول: العرف الظاهر فيما بين الناس إنهم يريدون بهذا الوقف على الفقراء وكان مشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف، قال: صدر الشهيد في «واقعاته» ونحن نفتي به أيضاً وكذلك إذا قال: أرضي هذه حرمتها أو حبستها أو قال: هي محرمة أو قال: محبوسة أو قال: حبسته فهو على الخلاف أيضاً، وكذلك إذا قال: أرضي هذه موقوفة محرمة حبس، أو قال: موقوفة حبس محرمة لا تباع ولا توهب ولا تورث فهو على الخلاف أيضاً.
وكذلك لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة أو قال: أرضي هذه وقف أو قال: صدقة محبوسة فهي بلا خلاف * هذا إذا لم يعين إنساناً، فأما إذا عين بأن قال: وقفت أرضي هذه على فلان أو قال: داري هذه موقوفة على فلان أو قال: على ولدي أو قال: على قرابتي وهم يحصون * لا يجوز.
стр. 2291
فرق أبو يوسف بين هذا وبينما إذا لم يعين إنساناً.
والفرق: أنه إذا لم يعين انساناً فالجواز باعتبار أنه وقف على الفقراء ظاهراً بحكم العرف، وإذا عين إنساناً لا يمكن أن يجعل هذا وقفاً على الفقراء هذا إذا عين إنساناً وذكر لفظ الوقف مفرداً، أما إذا ذكر صفة لفظ الصدقة بأن قال: أرضي هذه صدقة على ولدي، كان وقفاً. والغلة لفلان مادام حياً، وإذا مات هو يصرف الغلة إلى الفقراء؛ لأنه لما نص على الصدقة والصدقة لا تكون إلا على الفقراء كان هذا وقفاً على الفقراء، وكان ذكر فلان لتخصيصه بالغلة في الباب الأول من الوقف «الواقعات» ، وعن أبي يوسف أنه إذا عين إنساناً وقال: وقفت أرضي، هي وقف لك، حبستها لك فهو تمليك منه يتم بالتسليم إليه، وفي شروط محمد بن مقاتل ﵀ قال: أبو يوسف جاز الوقف على رجل بعينه وإذا مات الموقوف عليه يرجع إلى ورثة الوقف، وفي «البرامكة» : عن أبي يوسف يجوز الوقف على رجل بعينه، وإذا مات الموقوف عليه يرجع إلى المساكين، فصار في رجوع الوقف إلى ورثة الموقوف عليه روايتان عنه. وكل ذلك يدل على جواز الوقف على رجل بعينه (٢أ٣) وفي الوقف الخصاف إذا قال: جعلت هذه الأرض صدقة موقوفة على فلان وولده وولد ولده وأولاد أولادهم، فإذا سمى من ذلك فهو وقف مؤبد إلى يوم القيامة، قال: ثمة أيضاً وقال أبو يوسف، إذا قال: جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على فلان وولده وولد ولده فهو جائز، لقوله: أبداً.
وفي «المنتقى» قال: أبو يوسف: إذا جعل أيضاً له صدقة موقوفة على ولده جاز ما داموا أحياًء، فإذا انقرضوا رجعت إلى صاحبها إن كان حياً، وإلى ورثته إن كان ميتاً. قال: وليس هذا نظير قوله: أرضي صدقة موقوفة ينفق من عليها على فلان لأنه إذا قال: هي صدقة موقوفة على فلان فإنما أوجبها له خاصة، وإذا قال: هي صدقة موقوفة ولم يقل على فلان، فإنما أوجبها للفقراء، فإذا استثني أن ينفق من عليها، فإنما استثني من صدقة أمضيت فما ذكر في «الواقعات» وفي وقف «هلال» إذا قال: أرضي هذه موقوفة لله تعالى أبداً، كان وقفاً صحيحاً على المساكين؛ لأن معنى قوله: أرضي صدقة أبداً؛ لأن الوقف لله تعالى لا يكون إلا في وقف الأصل ليتصدق بالغلة، وكذلك إذا قال: موقوفة لله من غير ذكر الأبد، وكذلك إذا قال: موقوفة لرحمة الله أو قال: لطلب ثواب الله إذا قال: أرضي هذه صدقة، أو قال: جعلت أرضي هذه صدقة كان هذا نذراً بالتصدق فينبغي أن يتصدق بنفسها أو يبيعها ويتصدق بثمنها، ذكر هلال في وقفه عن أبي حنيفة إذ قال: جعلت أرضي هذه للفقراء، إن كان هذا في تعارفهم وقفاً، وإن لم يكن في تعارفهم وقفاً، يسأل عنه ماذا أراد بقوله جعلتها للفقراء، إن قال: أردت أن تكون وقفاً على الفقراء، تكون وقفاً على الفقراء؛ لأنه نوى ما يحتمل لفظه، وإن أراد به الصدقة، أو لم يكن له نية
стр. 2292
فهو نذر بالصدقة، أمّا إذا نوى الصدقة، فلأنه نوى ما يحتمله لفظه، وأما إذا لم ينوِ، فلأن هذا فكان له بيانه أولى عند الاحتمال، ومتى صارت نذراً كان عليه أن يتصدق بقيمتها كما لو نص عليه.
وإذا قال: أرضي هذه السبيل ولم يزد على هذا، فيه تفصيل: فإن كان هذا الرجل من قوم هذا اللفظ في متعارفهم: وقف، وإن لم يكن من قوم تعارفهم أن هذا وقف، يسأل عنه إن أراد به الوقف فوقف وإن أراد به الصدقة فهو صدقة فيتصدق بعينها أو بثمنها، وذكرنا في المسألة المتقدمة وهو ما إذا قال: جعلت أرضي هذه للفقراء ولم ينوِ شيئاً أنه يكون نذراً ولا فرق بينهما؛ لأنه إذا صار نذراً، فإذا مات يصير ميراثاً عند هذه الجملة في الباب الأول من «الواقعات» . وفي هذا الموضع أيضاً إذا قال: ضيعتي هذه للسبيل، فلم يزد على هذا لم يصر وقفاً، إلا إذا كان القائل في ناحية يفهم أهل تلك الناحية بها الوقف المؤبد بشرائطه؛ لأن المطلق ينصرف إلى المتفاهم فيصير كالتصريح بالوقف وفي هذا الموضع أيضاً إذا قال: اشتروا من غلة داري هذه كل شهر بعشرة دراهم حراً وفرقوا على المساكين صارت الدار وقفاً؛ لأن هذا لفظ يودي معنى الوقف، فصار كما قال: وقفت داري هذه بعد موتي على المساكين.
وفيه أيضاً رجل قال في مرضه: جعلت ترك كرمي وقفاً، وكان فيه تمراً ولم يكن صار الكرم وقفاً وهذا؛ لأن الترك لا يصير وقفاً إلا بوقف الكرم فقال قوله وقفت ترك كرمي منزلة قوله وقفت كرمي بما فيه من الترك، وكذلك لو قال: جعلت غلة كرمي وقفاً وفي «وقف هلال» إذا قال: أوصى بأن يوقف بثلث أرضه بعد وفاته لله تعالى أبداً، كان وصية بالوقف على الفقراء؛ لأن الوقف لله تعالى يكون وقفاً على المساكين فالأمر بالوقف لله يكون أمراً بالوقف على المساكين وفيه أيضاً إذا قال: أرضي هذه موقوفة على وجوه البر أو على وجوه الخير فهو وقف صحيح على المساكين لأن البر عبارة عن الصدقة قال الله تعالى: ﴿أن تبروهم﴾ (الممتحنة: ٨) والخير والبر بمعنى واحد، فصار على تقدير كلامه أرضي هذه صدقة موقوفة.
الفصل الثاني: فيما يتعلق بجواز الوقف وصحته وشرائط صحته
ذكر في «ظاهر الرواية» أن شرط جواز الوقف عند أبي حنيفة الإضافة إلى ما بعد الموت، أو الوصية حتى أو يضيف إلى ما بعد الموت، ولم يوصى به لم يصح. وقال أبو يوسف ومحمد: هذا ليس بشرط، حتى يمنع من بيعه ولا يورث عنه متى مات. وحاصل الخلاف راجع إلى أن تقدير الوقف مادي قال أبو حنيفة: تقديره حبست العين على ملكي، وتصدقت به على المساكين، فلا يصح إذا كانت الثمرة معدومة إلا بطريق الوصية، وعلى قولهما: تقدير الوقف إزالت العين عن ملكي إلى الله تعالى، وجعلته محبوساً في ملكه ومنفعته للعباد، وهذا صحيح، وإن لم يكن موصي، كما في المسجد قال شمس الأئمة السرخي: الإضافة إلى ما بعد الموت أو الوصية عند أبي حنيفة ليست بشرط للجواز، فإن الوقف جائز عنده بدون ذلك، لكنه غير لازم، وإنما يصير لازماً بالإضافة إلى ما بعد الموت، أو بالوصية به وهذا؛ لأن أبا حنيفة يجعل الواقف حابساً العين على ملكه، صارفاً المنفعة إلى الجهة التي سماها، فيكون بمنزلة العارية، والعارية جائزة غير لازمة، ومعنى الجواز جواز صرف الغلة إلى تلك الجهة، وتفسير الوصية به أن يقول: جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة وأوصيت به بعد موتي، فإذا قال ذلك يكون لازماً، حتى لا يملك بيعه قبل الموت ولا يورث عنه، وذكر محمد رحمه في «السير الكبير» إذا أضافه إلى ما بعد الموت يصح عند أبي حنيفة بطريق الوصية لغلة داره لإنسان أو غلة أرضه أو يوصي ذلك للفقراء، وهو كالوصية بالعين وذكر الطحاوي أن الوقف المباشر في مرض الموت عند أبي حنيفة كالمضاف إلى ما بعد الموت، حتى أن الوقف المباشر في مرض الموت يقع لازماً جائزاً على ما ذكره الطحاوي قال شمس
стр. 2293
الأئمة السرخسي رحمه: الصحيح أن المباشر في مرض الموت عنده كالمباشر في الصحة، حتى لا يجوز في ظاهر الرواية من غير الوصية والإضافة إلى ما بعد الموت، وحتى لا يلزم على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه.
وذكر شيخ الإسلام أن الوقف المباشر في مرض الموت إذا لم يكن مضافاً إلى ما بعد الموت عن أبي حنيفة روايتان وجه الرواية التي قال (فيها) : لا يجوز أنه لم يوجد الإضافة إلى ما بعد الموت حقيقة فلا يجوز كالوقوف في حالة الصحة ولم يضف إلى ما بعد الموت وجه الرواية الأخرى أن تصرفات المريض كالمضافة إلى ما بعد الموت، ألا ترى أنه يعتبر بتبرعاته من الثلث فوجدت الإضافة إلى ما بعد الموت اعتباراً. قال ﵀: التسليم إلى المتولي شرط صحة الوقف حتى إن على قوله لو لم يسلم الوقف إلى المتولي لا يزول عن ملكه وله أن يرجع في ذلك، وإذا مات يورث عنه، وقال أبو يوسف: التسليم إلى المتولي ليس شرط ويكتفي فيه بالإشهاد.
وجه قول أبي يوسف: أن الوقف تبرع شرع لإبطال ملك الواقف عن العين (٢ب٣) لا للتمليك، فيصح من غير قبض قياساً على الاختلاف، بيانه: أن التمليك من الله تعالى، لا يتحقق من جهتنا فقصروا؛ لأن ما في أيدينا ملك الله تعالى على الحقيقة ولنا فيه ملك التصرف جاعلاً إلينا إبطال ملك التصرف، لا التمليك من الله، وتقريب ما مر بخلاف الصدقة المنفذة حيث لا يصح بدون القبض؛ لأن ما يثبت لله تعالى في الصدقة، يثبت في ضمن التمليك من الفقير؛ لأن التمليك منه مقصورة، فما يثبت لله تعالى في ضمنه يثبت على سبيل التمليك، وإن كان التمليك منه لا يتحقق ضرورة أن ما يثبت في ضمن الشيء يكون حكمه حكم ذلك الشيء، فأما في الوقف ما يثبت لله تعالى من الحق مقصوداً، إلا في ضمن التمليك من العباد، فإن العين الموقوف لا يصير ملكاً للعباد والتمليك من الله تعالى مقصوداً من العبد لا يتحقق.
وجه قول محمد قوله عليه: لا تجوز الصدقة إلا مقبوضة محوزة من غير فصل،
стр. 2294
والمعني فيه أن الوقف إزالة الملك بطريق التبرع، فيما يكون بالتسليم كما في الصدقة، وهذا لأنه لو تم قبل التسليم فيؤدي إلى أن يصير تبرعه سبباً للزوم ما لم يتبرع به، وكذلك التأبيد شرط عند محمد حتى لو وقف على جهة يتوهم انقطاعها بأن وقف على أولاده لم يجعل آخره للفقراء، لا يصح الوقف عند محمد وعلى قول أبي يوسف التأبيد ليس بشرط، حتى إن في هذه المسألة يجوز الوقف عنده، وإذا ماتوا وانقرضوا يعود إلى ملكه إن كان حياً وإلى ملك ورثته إن كان ميتاً، والخلاف على هذا الوجه مذكور في شرح الطحاوي وفي شرح شمس الأئمة السرخسي رحمهما الله، وقد ذكر محمد رحمه في آخر كتاب الوقف: أن الوقف المؤقت باطل، ولم يذكر فيه خلافاً فيحتمل ذلك على أنه قول محمد: وإن كان على الوفاق فهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، فقد روى الحسن بن مالك عن أبي يوسف: أن الوقف المؤقت باطل، وبعض مشايخنا قالوا: لا خلاف أن التأبيد شرط صحة الوقف، وإنما الخلاف في تلك المسألة في شيء آخر، أن عند أبي يوسف: أن التأبيد يثبت بنفس الوقف من غير اقتران شيء آخر به، وعند محمد لا يثبت التأييد بنفس الوقف ما لم يجعل آخره للمساكين أو الفقراء، ولما كان من مذهب أبي يوسف أن التأبيد يثبت بنفس الوقف، فإذا مات أولاده وانقرض رحمه تصرف الغلة إلى الفقراء.
وهذا القائل يقول ما ذكر في «شرح الطحاوي» وفي «شرح شمس الأئمة السرخسي» : أنه إذا مات أولاده يعود إلى ملكه خطأ وفي «المنتقى» بشر عن أبي يوسف: إذا وقف أرض على ذي الحاجة من ولده وولد ولده ما تناسلوا أبداً فذلك جائز، ولوقفها على فقراء ولده ولم يجعلها لفقراء النسل منهم لم يجز قال: ليس يجوز من الوقف إلا الوقف المؤبد، فإذا كان لقوم خاص لا يجوز الوقف عليهم؛ لأنهم فقراء، وأهل بيته ونسلهم ما تناسلوا فهو جائز، فإن انقرضوا ولم يكن استثني أنه لفقراء المسلمين فإنه يرد على فقراء المسلمين قال: من قبيل أن أصلها صدقة على ذوي الحاجة وقد أخرنا أولهما، وكان الوقف في ذلك على الأبد قال: وليس هذا كالوقف على ولده لا يذكر النسل؛ لأن الوقف على الولد ليس بوقف على الأبد وإذا ذكر النسل فهو وقف أبداً، قال: وكذلك لو وقفه على نفس واحدة ونسلها، فالواحدة والجماعة سواء، وعن الحسن عن أبي يوسف: إذا وقف على ولده ونسله، أو على أولاده وأولاد أولاده أبداً ما تناسلوا في الأخرى سواء في ما ذكرنا، وهو أنه إذا أمكن أن ينقرضوا لم يجز الوقف، وإذا وقف نصف أرض على الفقراء فعلى قول أبي يوسف: يجوز، وعلى قول محمد: لا يجوز.
واعلم أن الشيوع فيما يحتمل القسمة لا يمنع صحة الوقف، بلا خلاف، ألا ترى أنه لو وقف نصف الحمام يجوز: وإن كان كان مشاعا؛ لأنه لا يحتمل القسمة فصار كمية المشاع فيما لا يحتمل القسمة.
وفي الشيوع فيما يحتمل القسمة هل يمنع صحة الوقف؟ ففيه خلاف على قول محمد يمنع، وعلى قول أبي يوسف لا يمنع، وهذه المسالة في الحاصل بناءً، على أن
стр. 2295
القسمة فيما تحتمل القسمة من تمام القبض، وأصل القبض عند أبي يوسف فيما يحتمل القسمة ليس بشرط فكذا تمامه لا يكون شرطاً، وعند محمد أصل القبض فيما يحتمل القسمة شرط فكذا ما يتم به القبض، ولو وقف جميع أرضه أو داره ثم استحق نصفه أو ربعه أو ما أشبهه شائعاً، بطل الوقف فيما بقي عند محمد؛ لأن بالاستحقاق تبين أن ما أوقفه الواقف كان مشاعاً، ووقف المشاع فيما يحتمل القسمة عنده باطل، وهذا بخلاف ما لو استحق شيئ منه بعينه، حيث لا يبطل الوقف في الباقي؛ لأن هناك لا يثبت الشيوع في الباقي؛ لأن المستحق مميز ما بقي، فهو بمنزلة ما لو وقف دارين واستحق أحدهما، ومشايخ بلخ أخذوا بقول محمد.
ذكر في «فتاوى أبي الليث» تفريعاً على قول أبي يوسف فقال: إذا كان أرض بين شريكين وقف أحدهما نصيبه مشاعاً ثم اقتسما فوقع نصيب الواقف في موضع لأخر لا يجب عليه أن يقف ثانياً؛ لأن بالقسمة يتعين الموقوف، وإن أراد الإخبار عن الخلاف نصفه ثانياً، وإن كان الأرض كلها له فوقف بعضها ثم أرادا القسمة.
فالوجه في ذلك: أن يتبع ما بقي ثم يقتسمان؛ لأن القسمة إنما تجري بين اثنين، وإن كان لم يتبع ورفع إلى القاضي ليأمر إنساناً معه جاز؛ لأن هنا القسمة جرت بين اثنين، وإذا قضى القاضي بجواز وقف المشاع ينفذ قضاؤه ويصير متفقاً عليه، كما في سائر المختلفات فإن طلب بعضهم القسمة قال أبو حنيفة: لا يقسم، ويتهاونون، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم وأجمعوا أن الكل لو كان موقوفا على الأرباب فارادوا القسمة لا يقسم في «واقعات الناطفي» وفي «فتاوى أبي الليث» أيضاً.
وصورة ما ذكر في «فتاوي أبي الليث» : رجل وقف ضيعة له على بنيه وأرادا أحدهم قسمتها ليدفع نصيبه مزارعة، قال: قسمة الوقف لا تجوز من أحد وليس لأرباب الوقف أن يعقدوا على الوقف عقد مزارعة، وإنما ذلك إلى القيم.
وإذا كانت الأرض لرجلين فتصدقا بها صدقة موقوفة على الفقراء ودفعاها إلى والٍ يقوم بها كان ذلك جائز؛ لأن مثله في الصدقة النافذة يجوز ففي الموقوفة أولى، وإن تصدق كل واحد منهما بنصفها مشاعاً على حدة صدقة موقوفة، وسلم كل واحد منهما نصفها إلى والٍ على حدة، لم يجز، وإن تصدق كل واحد منهما بنصفه على حدة صدقة موقوفة وجعل الوالي على ذلك رجلاً واحداً، وسلما إليه جميعاً جاز ولو تصدق الواحد بجميع الدار على واحد وسلم النصف مشاعاً ثم سلم الباقي جاز.
وإنما جاء الفرق لأن العبرة في صحة الهبة وفسادها (٣أ٣) في الشائع ليمكن الشيوع وعدمه في القبض وقت ثبوت الحكم لا في العقد كما في الصدقة المنفذة وفي المسألة الأخيرة لم يتمكن الشيوع في القبض وقت ثبوت الحكم لأن الحكم إنما يثبت بقبض جميع المعقود عليه، وما يقبض بعض المعقود عليه؛ لأن العقد على الكل كان واحداً، فكان تمكين الشيوع في القبض، ولم يكن الحال حال ثبوت الحكم ليمكن الثبوت حالة العقد ليس ذلك بمانع، وفي المسألة المتقدمة يمكن الشيوع في القبض وقت ثبوت الحكم؛ لأن نصيب كل واحد منهما جميع المعقود عليه لأنه يفرق العقد منهما.
стр. 2296
وإذا كانت الأرض بين رجلين تصدقا بها على الفقراء صدقة واحدة، وجعل كل واحد منهما والياً فهذا على رجلين إن جعل كل واحد منهما والياً ليقبض نصيبه ونصيب صاحبه بأن قال كل واحد منهما لواليه: وليتك تقبض هذه الأرض، وإن جعل كل واحد منهما والياً ليقبض نصيبه لا غير، لا يجوز؛ لأن في الوجه الأول لم يتمكن الشيوع في القبض حال ثبوت الحكم.p
ذكر الخصاف في «وقفه» تفريعاً على قول أبي يوسف فقال: أرض بين رجلين وقف أحدهما حصته منها وهو النصف، فله أن يقاسم شريكه فيقرر حصة الوقف؛ لأن ولاية الوقف إليه فإن كان الواقف قد مات فلوصيه أن يقاسم الشريك ويقرر حصة الوقف؛ لأن ولاية الوقف قد مات ولوصيه أن يقاسم الشريك وتقرر حصته الوقف.
وإن رجلين كانت بينهما أرض فوقف كل واحد منهما حصته على قوم معلومين فهو جائز، وإن كانا وقفاها جميعاً على وجوه سمياها ثم أرادا قسمتها فلهما ذلك، ويقرر كل واحد منهما ما وقف ويكون في يده يَتَولاها.
ولو أنَّ رجلاً وقف جميع أرضه ثم استحق نصفها شائعاً، وقضى القاضي للمستحق بالنصف وبقي النصف الباقي وقفاً على حاله عند أبي يوسف، كان للواقف أن يقاسم المستحق فيقرر حصة الوقف.
ولو وقف من داره أو أرضه ألف ذراع جاز عند أبي يوسف؛ لأنه يجز ذلك في البيع ففي الوقف أولى، ثم يذرع الأرض والدار فإن كانت ألف ذراع أو أقل كان كلها وقفاً، وإن كانت ألفي ذراع كان الوقف منها النصف، وإن كانت ألف وخمسمائة، كان الوقف منها الثلثان، وإن كان في بعضها نخيل وبعضها لا نخيل فيها، يكون للوقف من حصة النخيل.
رجلان بينهما أرض ودور، وقف أحدهما نصيبه من الأرضين والدور، ثم أراد الواقف أن يقاسم شريكه فله ذلك ويقسم كل أرض وكل دار على حدة، وقال أبو يوسف: إن كان الأصلح للوقف أن يجمع ذلك، جمع إذا كانت الأرض من أراضي قرية واحدة، وليس للواقف أن يأخذ دراهم من الشريك أفضل ما يصير إليه في القسمة لأنه بيع، وإن أعطى الواقف شريكه دراهم أفضل ما صار في يده، جاز ذلك ويكون حصته ما دفع من الدراهم مطلقاً له.
في «فتاوى الفضلي» امرأة وقفت منزلاً في مرضها على بناتها، ثم بعدهن على أولاد من أولادهن أبداً ما تناسلوا فإذا انقرضوا فللفقراء، ثم ماتت من مرضها وخلفت من الورثة ابنتين وأختاً، والأخت لا ترضى بما صنعت، ولا مال لها سوى المنزل، جاز الوقف في الثلث ولم يجز في الثلثين بين الورثة على قدر سهامهم، ويوقف الثلث فما خرج من عليه قسم بين الورثة كلهم على قدر سهامهم يوقف الثلث ما عاشت الابنتان، فإذا ماتتا صرفت الغلة إلى أولادها وأولاد أولادها كما شرطت الواقفة لا حق للورثة في ذلك؛ لأن هذا الوقف وصية بالغلة للابنتين وأولادهما ما تناسلوا، فإذا لم تجز الأخت
стр. 2297
بطلت الوصية للابنتين، وجازت لأولادهما؛ لأن بطلان هذه الوصية من حيث أنها للوارث، إلا أن الوصية لأولادهما بعد موتهما. قال صدر الشهيد في «واقعاته» : هذا التفريع يتأتى على قول أبي يوسف أن وقف المشاع جائز، أما لا يتأتى على قول محمد، وعندي أن هذا التفريع على قول الكل لأن حق الورثة إنما يثبت بعد الموت فإبطالهم في قدر الذي أبطلوا يقتصر على هذه الحالة، ولا يتبين أن ابتدأ الوقف في الجزء الشائع بل يكون هذا شرعاً طارياً وسياتي بيان ذلك في كتاب الهبة إن شاء الله.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل وقف داراً له في مرضه على ثلاث بنات له وليس له وارث غيرهن قال: الثلث من الدار وقف والثلثان مطلق أن يصنعن بهما ما شئن قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا لم يجزن الوقف، فأما إذا أجزن صار الكل وقفاً عليهن قال: صدر الشهيد في «واقعاته» : هذا التفريع إنما يتأتى علي قول أبي يوسف بناء علي أن وقف المشاع عنده صحيح وعندي أن هذا التفريع على الكل على ما بينا.
الفصل الثالث: في بيان ما جاز من الأوقاف وما لا يجوز
قال هلال في «وقفه» : وقف أرض الجور، وتفسير أرض الجور: الأرض التي جرت لبيت المال بأن لا يقدر صاحبها على زراعتها الى الإمام ليكون منافعها حراً للخراج، وإذا عرفت تفسير الجور فنقول: إن كان الإمام وقف هذه الأرض لا يجوز؛ لأنه لا يملكها وإن وقفها صاحب الجور وهو المالك يجوز؛ لأن الجور لا يوجب زوال الملك، ألا ترى أنه متى قدر صاحبها على زراعتها وطلب من الإمام أن يردها عليه ردها عليه؟
ذكر شيخ الإسلام في شرح «كتاب الوقف» : إن الوقف علي أقرباء الرسول ﷺ جائز، وإن كانت الصدقة لا تحل لهم وفي «المنتقى» عن أبي يوسف إنه يجوز صرف صدقات الوقف إلى الهاشمي إذا سمي في الوقف، وهو دليل جواز الوقف وفي «الجامع الأصغر» أن الوقف على أهل رسول الله ﵇ لا يجوز كالصدّقة قال ثمة: وفي الصدقة، الفريضة والتطوع سواء، وفي «شرح القدوري» أن الصدقة الواجبة كالزكاة والعشور والنذور والكفارات لا يجوز، فأما الصدقة على وجه الصلة والتطوع فلا بأس فصار في الوقف روايتان، وفي صدقة التطوع روايتان أيضاً.
ولو قال: ما لي لأهل بيت النبي ﵇ وهم يحصون، يجوز ويصرف إلي أولاد فاطمة ﵂.
في «فتاوى أبي الليث» : إذا وقف داره على فقراء مكة، أو على فقراء قرية، إن كان
стр. 2298
الوقف في حسابه أو صحته والفقراء يحصون، لا يجوز هذا الوقف؛ لأن الوقف لا يجوز إلا مؤبداً وهذا لم يقع مؤبداً، بجواز أنهم يموتون فينقطع الوقف، وإن كان الفقراء لا يحصون جاز الوقف؛ لأنه وَقَفَ مؤبداً، وإن كان الوقف بعد موته يجوز، سواء كانوا يحصون (أو لا) أما إذا كانوا لا يحصون لأنه وقع موبداً، وإما إذا كانوا يحصون فلأنه إن تعذر تجويزه وصيته، والوصية لقوم يحصون يجوز حتى إذا انقرضوا صار ميراثا عنهم.
قال الصدر الشهيد في «واقعاته» وينبني علي هذه المسألة مسألة أخرى، رجل قال: وقفت ضيعتي هذه علي فقراء قرابتي، وجعل أجره للمسلمين حتى جاز سواء كانوا يحصون أولا يحصون، فأراد القيم أن يفصل بعضهم على البعض فالمسئلة على ثلاثة أوجه: إما إن كان فقراء قرابته وقريته لا يحصون أو يحصون أو أحد الفريقين يحصون والفريق الآخر لا يحصون (٣ب٣) .
ففي الوجه الأول: للقيم أن يجعل نصف الغلة لفقراء القرابة ونصفها لفقراء القرية ثم يعطي لكل فريق من شاء منهم، ويفضل البعض علي البعض كما شاء؛ لأن قصده الصدقة وفي الصدقة الحكم كذلك.
وفي الوجه الثاني: يصرف الغلة إلى الفريقين بعددهم ليس له أن يفضل البعض على البعض؛ لأن قصده الوصية وفي الوصية الحكم كذلك.
وفي الوجه الثالث: يحعل الغلة بين الفريقين أولاً: فيصرف إلي الذين يحصون بعددهم وإلى الذين لا يحصون بينهم واحد لأن الذين يحصون لهم وصية والذين لا يحصون لهم صدقة، والمستحق الصدقة واحد ثم يعطي هذا السهم من الذين لا يحصون من شاء ويفضل البعض على البعض في هذا السهم كما شاء، وهذا التفريع يتأتى علي قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الفقراء عندهما اسم جنس أما لا يتأتى على قول محمد: إن الفقراء عنده اسم جمع، أصل هذا الاختلاف كتاب الوصايا ذكر الخصاف في باب الوقف الذي لا يجوز إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على الناس، فالوقف باطل والأرض على ملك الواقف، وكذلك إذا قال: على بني آدم أو على أهل بغداد، فإذا انقرضوا فهو علي المساكين، فالوقف باطل؛ لأن أهل بغداد لا ينقرضون، وكذلك لو قال: على الزمنى والعميان فالوقف باطل، وذكر الخصاف هذا العميان والزمني في موضع آخر وقال: الغلة تكون للمساكين ولا تكون على العميان والزمنى، وقال لأنه قال: صدقة موقوفة لله تعالى أبداً وكذلك لو قال: وقف على قراء القرآن أو على الفقهاء فهو باطل لأن الغني فيهم والفقير، ولا يحصون، وفي «وقف هلال» : أن الوقف على الزمني والمنقطع صحيح؛ لأنه يتأبدون ويكون للفقراء منهم دون الأغنياء.
قال مشايخنا: الوقف على معلم المسجد يعلم الصبيان فيه لا يجوز؛ لأنه مجهول ولا يشترط، يعني: لا يشترط فقره في الوقف وبعض مشايخنا قالوا: يجوز؛ لأن عامتهم الفقراء والفقير منهم غالب فصار بحكم الغلبة الفقير كالمشروط.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: كان القاضي الإمام رحمه الله
стр. 2299
يقول: وعلى هذا القياس إذا وقف على طلبة علم كورة كذا أو محلة كذا يجوز، وإن لم يشترط فقرهم لأنه عامتهم الفقراء، والفقير فيهم غالب، فصار الفقير كالمشروط قال: الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرح كتاب الوقف» : الحاصل في جنس هذه المسائل أنه متى ذكر مصرفاً فيه تنصيص على الفقر والحاجة، فالوقف صحيح سواء كانوا يحصون أو لا يحصون، قوله سواء كانوا يحصون أو لا يحصون يشير إلى أن التأبيد ليس بشرط وقد ذكرنا قبل هذا بخلافه، ومتى ذكر يستوي فيه الغني والفقير يعني ذكرا بينما ينال الغني والفقير، فإن كانوا يحصون فذلك صحيح باعتبار أعيانهم، يريد به أنه يصح بطريق التمليك، وإن كانوا لا يحصون فهو باطل؛ لأنه لا يمكن تصحيحه وقفاً، لأنه لا يكون قصده الصدقة إذا كان يستوي فيه الغني والفقير، فلو صح صح بطريق التمليك وهم مجهولون؛ ولأن التمليك من المجهول باطل قال: إلا أن يكون في لفظه ما يدل على الحاجة استعمالاً بين الناس لا باعتبار حقيقة اللفظ، كاليتامى فحينئذ إن كانوا يحصون والأغنياء والفقراء فيهم سواء وإن كانوا لا يحصون، فالوقف صحيح ويصرف إلى فقرائهم دون أغنيائهم؛ لأن الاستعمال بمنزلة الحقيقة في جواز تصحيح الكلام باعتباره.
قال الخصاف في «وقفه» : إذا قال: أرضي هذه موقوفة على اليتامى، وكذلك إذا قال على الزمنى، ولو قال: على يتامى بني فلان وهم موات يحصون فهذا باطل، يعني لا يكون وقفاً إما يكون تمليكا منهم، وإن كانوا لا يحصون فهو جائز وهي للفقراء منهم دون الأغنياء، وهذا بناء على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي في «وقف هلال» إذا قال: أرضي هذه موقوفة علي الجهاد أو الغزو أو في أكفان الموتى أو في حفر القبور أو غير ذلك مما يشبهها فذلك جائز؛ لأن هذه الوجوه مما يتأبد فصار الوقف علي هذه الوجوه بمنزلة الوقف على المساكين.
وفي وصايا «المنتقى» ابن سماعة قال: سمعت يقول: إذا أوصى في أكفان موتى المسلمين أو في حفر مقابر المسلمين فهذا باطل، ولو أوصى بثلثه أكفان فقراء المسلمين يجوز، وكذلك في حفر مقابرهم، وذكر ثمة أصلا فقال: الوصية إذا وقفت على الفقراء لا يشترط العينة بخلاف ما إذا وقفت مطلقة.
في «وقف هلال» إذا وقف على ابن السبيل صح؛ لأنهم ينقطعون ويكون لفقراء ابن السبيل دون اغنيائهم كما في اليتامى قال الخصاف: إذا قال: جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أو على زيد أو على قرابتي فالوقف باطل؛ لأنه جعل ذلك على شك، وكذلك لو قال: جعلتها صدقة موقوفة لله أبداً على زيد أو عمرو ومن بعد ذلك على المساكين فهو أيضا باطل، ولو قال: جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على فلان حال حياتي بعد أن الوقف جائز وتكون الغلة لفلان ما دام حياً، فإذا توفي كانت
стр. 2300
الغلة للمساكين؛ لأنه قال: أبداً.
وكذلك إذا قال: على فلان ولم يقل حياته، ولو قال: موقوفة على فلان بعد موتي، سنة فإنها تكون على ما قال سنة، ثم ترجع إلى الورثة؛ لأن هذه وصية، إذا قال: جعلت أرض فلان صدقة موقوفة على الفقراء، فبلغ ذلك صاحب الأرض فأجاز، فإنه يكون وقفاً من قبل مالكها وإليه ولايتها.
سئل الفقيه أبو بكر أيضاً: عمن وقف أرضاً له على مصاحف موقوفة ان يصلح ما يدرس منه قال: الوقف باطل؛ لأن هذا ليس من أوقاف الناس.
في «وقف هلال» : رجل اشترى أرضاً بيعاً جائزاً ووقفها قبل القبض وبعد الثمن فالأمر موقوف، فإن أدى الثمن وقبضها فالوقف جائز، وإن مات ولم يترك مالاً تباع الأرض ويبطل الوقف، قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ.
وهذه بثلاث فصول: العتق والبيع والوقف، فالعتق قبل القبض ينفذ بلا توقف، والوقف بلا خلاف فيه بين أبي يوسف ومحمد، وكان الفقيه أبو نصر محمد بن محمد بن سلام يقول: ينبغي أن يبطل الوقف ولا يتوقف كالبيع، ولكن فرق بينهما هلال.
ووجه الفرق: أن الوقف يشبه العتق من حيث إنه لا يبطل بالشروط الفاسدة، ويشبه البيع من وجه وهو أنه يحتمل القبض بعد رجوعه فلشبهه بالعتق لا يبطل ولشبهه بالبيع لا ينفذ، فقلنا بالتوقف، وهذا الجواب على قول من لم يشترط القبض لصحة الوقف ظاهراً، وعلى قول من يشترط القبض، وهو محمد كان الوقف كالهبة وهب المشتري قبل القبض وسلط الموهوب على القبض صح كذا الوقف.
نوع (٤أ٣) من ذلك في تعليق الوقف بالشرط
ذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا قال أحد إن مت من مرضي هذا فقد وقفت أرضي هذه، لا يصح برأ أو مات، فرق بين هذا وبينما إذا قال: إن مت من مرضي هذا فاجعلوا وقفاً.
والفرق: أن في الفصل الأول: علق الوقف بالشرط وتعليق الوقف بالشرط باطل، وفي الفصل الثاني: علق التوكيل بالشرط وتعليق التوكيل بالشرط صحيح وعلى هذا إذا قال: إن دخلت هذه الدار فقد جعلت أرضي هذه وقفاً لا يصح، ولو قال إن دخلت فاجعلوا أرضي هذه وقفاً صح لما مر، ذكر الخصاف في وقفه: إن كان غداً فأرضي هذه صدقة موقوفة فهو باطل قال: لأنه لم يجعلها وقفاً الساعة، ولو قال: إذا قدم فلان، إذا كلمت فلان، فأرضي هذه صدقة فإن هذا يلزمه وهو بمنزلة اليمين والنذر، فإذا وجد الشرط وجب عليه أن يتصدق بالأرض ويكون وقفاً ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة إن شاء فلان، وقال فلان فذهب فهو باطل.
في «فتاوى أبي الليث» : رجل ذهب له شيء فقال: إن وجدته فلله علي أن أوقف أرضي على أبناء السبيل، فوجدها يجب عليه أن يوقف؛ لأن هذا نذر والوفاء بالنذر
стр. 2301
واجب، فإن وقف فهذا على ثلاثة أوجه، إما إن وقف على الأجانب أو على القرابة التي يجوز إعطاء الزكاة اليها أو على القرابة التي لا يجوز إعطاء الزكاة إليها، في الوجه الأول والثاني، جاز وفي الوجه الثالث، لا؛ لأن صرف الصدقة الواجبة إلى من لا يجوز إعطاء الزكاة إليه لا يجوز، فلو وقف على القرابة التي لا يجوز إعطاء الزكاة إليها فالوقف صحيح، وأما النذر باقي؛ لأنه لم يؤد المنذور، نوع من ذلك في الوقف المنقول يجب أن يعلم أن الوقف المنقول تبعاً للعقار جائز بأن جعل أرضه وقفاً مع العبيد والثيران الذين يعملون فيها ويصير المنقول وقفاً تبعاً للعقار، وأما وقفه مقصوداً، إن كان كراعاً أو سلاحاً يجوز، ونعني بالسلاح السلاح، ونعني بالكراع جنس الخيل والابل، وإن كان ينوي ذلك إن كان شيئاً لم يجز التعارف بوقفه كالنبات والحيوان لا يجوز عندنا، وإن كان يتعارفاً كالفأس والقدوم والحبان ونبات الحبان وما يحتاج إليه من الأواني والقدور في غسل الموتى والمصحف لقراءة القرآن، قال أبو يوسف: لا يجوز، وقال محمد: يجوز وإليه ذهب عامة المشايخ منهم شمس الأئمة السرخسي ﵀. وذكر في شرح كتاب الوقف فقال: ما يتعارفه الناس ليس في عينه نص يبطله، فهو جائز كما في الاستصناع وغير ذلك.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا جعل ظهر دابته أو غلة عبده في المساكين لا يصح، في قول علمائنا ﵏، أما على قول أبي يوسف فلأنه لايرى الوقف في المنقول إلا في الكراع، وأما على قول محمد فلأنه يعتبر العرف ولا عرف في هذه الصورة.
سئل أبو نصر عمن وقف الكتب قال: كان محمد بن سلمة لا يجيز وبصير كان يخبره وقد وقف كتبه وكان الفقيه أبو جعفر يجيز ذلك وبه أخذ، وسئل عمن وقف بقرة علي رباط على أن ما يخرج من لبنها وسمنها يعطى أبناء السبيل قال كان في موضع تغلب ذلك في أوقاته رجوت أن يكون جائزاً ومن المشايخ من قال: بالجواز مطلقاً، قالوا: لأنه جرى التعارف في ديار المسلمين بذلك.
وفي «الواقعات» ذكر هلال البصري في «وقفه» : وقف البناء من غير وقف الأصل وهو الصحيح، وكذلك وقف الكردار بدون وقف الأصل لا يجوز، هو المختار لأن الكردار والبناء منقول ووقفها غير متعارف، وإذا كان الأصل البقعة موقوفة على جهة قرية فبنى عليها أبناؤها على جهة قرية أخرى اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا يجوز؛ لأن جهة القرية إذا اختلفت لا يصير البناء تبعاً للبقعة، ما بيّنَهُ ما إذا كانت البقعة له واستيفاؤها لنفسه، وقال بعضهم: يجوز لأن جهات القرية وإن اختلفت فالأصل القرية يجميعها، واختلاف الجهة لا يوجب اختلاف الحكم بعد إثبات الأصل القرية.
стр. 2302
هذا كما قلنا: في سبعة نفر نحروا بقرة أو بدنة ونوى بعضهم الأضحية وبعضهم هدي المتعة أو القران، وبعضهم جزاء الصيد وبعضهم التطوع جاز لوجود أصل القربات، وبمثله لو نوي بعضهم اللحم لا يجوز، وكذا ههنا.
وأما إذا وقف البناء علي الجهة التي كانت البقعة وقفاً يجوز ويصير تبعاً للبقعة كما لو وقف البناء والعرصة جميعاً على جهة واحدة، فأما إذا غرس شجرة ووقفها إن غرسها في الأرض غير موقوفة فلأن إن وقفها وموضعها من الأرض صح تبعاً للأرض بحكم الاتصال، وإن وقفها دون أصلها لم يصح وإن كانت في أرض موقوفة فوقفها على تلك الجهة جائز.
وإن وقفها على جهة أخرى فعلى الاختلاف الذي مر وهذا لأن الشجرة نظير البناء من حيث إن إقامتها بالأرض وهي تبع للأرض بحكم الاتصال كالبناء.
ذكر الخصاف في «وقفه» إذا وقف أرضاً ومعها رقيق يعملون فيها، فينبغي أن يسمى الرقيق في الوقف، ويبين عددهم، وكذلك بقر ينبغي أن يسمى البقر ويبين عددهم، وينبغي أن يشترط في الصدقة أن نفقة الرقيق والبقر من غلة الأرض وإن لم يشترط نفقتهم من غلة الأرض فان ضعف بعض الرقيق عن العمل، فان له أن يبيعه ويشتري بثمنه غلاماً فكأنه لم يجد بثمنه غلاماً مكانه، فأراد أن يزيد في ذلك من غلة الأرض فلا بأس بذلك؛ لأن ذلك من عمارة الأرض وكذلك الحكم في الدواب وآلات الزراعة إذا وقف مع الأرض، ولولاة الصدقة أن يعملوا ذلك.
وفي «وقف الأنصاري» وكان من أصحاب زفر إذا وقف الدراهم أو الطعام أو ما يكال أو يوزن أنه يجوز ويدفع الدراهم مضاربة ويتصدق بفضلها في الوجه الذي وقف عليه وما يكال ويوزن يباع ويدفع ثمنه مضاربة فعلى هذا القياس إذا قال: هذا الكر من الحنطة وقف على شرط أن يقرض الفقراء الذين لا بذر لهم أن يزرعوها لأنفسهم، ثم وجد منهم بعد إدراك قدر القرض، ثم يقرض لغيرهم من الفقراء أبداً على هذا السبيل فهذا جائز.
قال: ومثل هذا كثر في الجبال التي في ناحية رماوند. وفيه أيضاً ان وقف الأكسية جائز، وتدفع الأكسية إلى الفقراء، فينتفعون بها في أوقات لبسها في الشتاء ثم يردونها إلى القيم.
وسئل أبو نصر عمن وقف داراً وفيها حمامات يطرن ويرجعن، قال: يدخل في وقفه الحمامات الأهلية. في «فتاوى أبي الليث» وفيه أيضاً: لو وقف برج حمام أرجو أن يكون جائزاً؛ لأن الحمامات وإن كانت منقولة إلا أنها تصير وقفاً تبعاً للبيت، كما لو وقف ضيعة بما فيها من الثيران والعبيد، وكذلك لو وقف بيتاً فيه كوارات العسل يجوز، ويصير النحل وقفاً تبعاً للبيت، ويجب أن يكون تأويل هذه المسألة أن يوقف البيت والبرج بما فيه من النحل والحمام كما في وقف الأرض مع العبيد والثيران.
стр. 2303
وقف كراسة على مسجد لقراءة أو على أهل المسجد المسجد جائز، والوقف على أهل المسجد إن كانوا يحصون يجوز أيضاً.
وفي «وقف (٤ب٣) الحسن بن زياد» إذا اشترى مصاحف وجعلها في المسجد الحرام أو في غيره من المساجد وقفاً مؤبداً لأهل ذلك المسجد ولجيرانه ولمارة الطريق ولابن السبيل ليقرؤون فيها جائز في قول أبي يوسف.
نوع منه فيما يدخل في الوقف من غير ذكر
ذكر الخصاف في «وقفه» : إذا وقف الرجل أرضاً في صحة على وجوه سماها ومن بعدها على الفقراء، فإنه يدخل في الوقف البناء والنخيل والأشجار، وذكر القاضي الإمام شمس الأئمة محمود الأوزجندي ﵀ في شرح كتاب «الوقف» لهلال: أن الشجر الذي لا ثمرة له ولا غلة ففي دخوله في وقف الأرض روايتان، وأما الثمر هل يدخل في وقف الأشجار؟ ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح كتاب الرهن: ذكر هلال عن محمد أنه يدخل، وعلل فقال: لا صحة للعقد إلا بعد دخوله، فيدخل ضرورة وكما رهن في رهن قال ﵀: وأكثر مشايخنا أنه لا يدخل وهكذا ذكر الخصاف.
وإن وقف الأرض واستثنى الأشجار التي فيها لا يجوز الوقف؛ لأنه صار مستثنياً الأشجار بمعنى أضيعها، فيصير الداخل تحت الوقف مجهولاً.
وأما الزرع هل يدخل في وقف الارض؟ حكي عن الفقيه أبي بكر ﵀: إن لم يكن للزرع قيمة يوم الوقف دخل، وإن كان له قيمة لا يدخل مالم يذكر، وذكر هلال: أنه لايدخل من غير فصل، وهكذا ذكر الخصاف قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ.
قال الخصاف: ولو كان فيها بقلٌ أو رياحين لا يدخل في الوقف، فما كان يقطع في كل سنة لا يدخل في الوقف، وما كان يقطع في كل سنتين أو ثلاث يدخل، والشرب لا يدخل إلا إذا ذكر الأرض بحقوقها أو بكل قليل وكثير هو لها.
وأما الرطاب فما كان من رطبة قد طلعت فهي للواقف، وما كان يقطع من أصول ذلك فهو داخل في الوقف، وكذلك الباذينجان والقطن إلا أن يكون شجرة القطن يجز في كل سنة، فإن كان كذلك لا يدخل.
وبصل العنبر والزعفران يدخل في الوقف، السكّر لا يدخل لأنه يقطع في كل سنة، فهو كالزرع وشجر الورد والياسمين يدخل في وقف الأرض، والرحا في الضيعة، رحاء الماء ورحاء اليد في ذلك على السواء، وكذلك الدواليب يدخل والدالية لا تدخل وفي وقف الدار إذا لم تكن الدار بحقوقها ولا بكل قليل ولا كثير، هو لها فيها ومنها من حقوقها يدخل. ما كان يدخل في بيع الدار وفي وقف الحمام يدخل قدر الحمام، وفي وقف الحوانيت يدخل ما كان يدخل في بيعها. وصواني الدباسين وقدور الدباغين لا يدخل في الوقف سواء كان في البناء أو لم يكن.
стр. 2304
نوع منه في الأوقاف المضافة
سئل الخصاف عمن قال: جعلت ضيعتي * وحددها * صدقة موقوفة لله تعالى بعد سنة من هذا الوقت على المساكين هل تكون هذه الضيعة بعد مضي السنة وقفاً؟ قال: لا أحفظ عن أصحابنا في هذا شيئاً، وعندي أنه لا تكون هذه الضيعة وقفاً.
وإذا أوصى لرجل بغلة بستانه لرجل عشر سنين، ومات فجعل ابنه هذا البستان وقفاً صحيحاً بعد مضي هذه العشر سنين فهو جائز وهو وقف. وكذلك إن قال للموصي: قد جعلت هذا البستان وقفاً بعد مضي هذه السنتين، وهو يخرج من ثلثه فهو جائز، ولو أن رجلاً آجر ضيعة له سنين، ثم إنه جعلها بعد ذلك صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على سبيل سماها، ثم بعد ذلك على المساكين، قال: ليس لصاحب الأرض أن يبطل ما عقد عليه من الإجارة وكانت الضيعة وقفاً على ما جعلها عليه من الوقف الذي وقفها.
ولو أن رجلاً رهن ضيعة له من رجل، ثم أنه وقفها وقفاً صحيحاً فإذا افتكها الرهن، فالوقف جائز نافذ، وإن لم يصلها حتى مضى سنة أو سنتين، لا يبطل الوقف، حتى لو افتكها بعد ذلك كان وقفاً، فإن مات صاحب الضيعة في فصل الإجارة والرهن قبل الافتكاك، ففي فصل الرهن: إن كان له مال غير الضيعة أدى الدين من ماله وكانت الضيعة وقفاً، وإن لم يكن له مال غير هذه الضيعة بيعت الضيعة في الدين ويبطل الوقف، وأما في فصل الإجارة، فالإجارة تنتقض بموت الآجر أو المستأجر، وكانت الضيعة وقفاً.
وإذا اشترى ضيعة على أن البائع بالخيار، فوقفها ثم أجاز البايع البيع لم يجز الوقف والله أعلم.
نوع منه في بيان ما لا يجوز من الأوقاف
بلغني في الواقف: رجل حجر عليه القاضي لسفهه أو لدين عليه، فوقف أرضاً له لم يجز لأنه إنما حجر عليه القاضي لئلا يبذر ماله ولا يخرجه عن ملكه، وفي «الفتاوى» صبي محجور عليه وقف أرضاً له، قال الفقيه أبو بكر: وقفه باطل إلا بإذن القاضي، وقال الفقيه أبو القاسم: وقفه باطل وإن أذن له القاضي، لأنه تبرع فصار كالهبة والصدقة.
الفصل الرابع: فيما يتعلق بالشروط في الوقف
إذا وقف أرضه وشرط الكل لنفسه أو البعض ما دام حياً وبعده للفقراء، فالوقف باطل عند محمد وهلال الرازي، وقال أبو يوسف: الوقف صحيح ذكر الخلاف على هذا الوجه في مواضع كثيرة، فأبو يوسف يعتبر الابتداء بالانتهاء لأنه يجوز الوقف على وجه
стр. 2305
يتوهم انقطاعها، وإذا انقطعت عادت الغلة إليه، فكذلك في الابتداء يجوز أن يقدم نفسه على غيره في الغلة، وهذا لأن معنى التقرب لا يزول بهذا، قال: عليه نفقة الرجل على نفسه صدقة، وقد صح برواية زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﵇: «كان يأكل من صدقته» وأراد به الصدقة الموقوفة.
ولا يحل للواقف الأكل من الوقف إلا وأن يشترطه لنفسه شيئاً من ذلك، دل أنه كان يشترط لنفسه شيئاً، وجه قول محمد: أن معنى التقرب في الوقف بإزالة الملك واشتراط كل الغلة أو بعضها لنفسه يمنع زوال الملك فيمنع صحة الوقف ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، وعليه الفتوى ترغيباً للناس في الوقف.
ذكر الفقيه أبو جعفر: إنه لو شرطه لنفسه أن يأكل من الغلة يجوز عند محمد، وكذلك لو شرط الغلة لإمامه فهو كان كإشراطها لنفسه، ولو شرط بعض الغلة لأمهات أولاده في حال وقفه ومن يحدث منهن بعد ذلك، وسمى لكل واحدة منهن كل سنة شيئاً معلوماً في حال حياًته، وبعد وفاته فهو جائز بلا خلاف، أما على قول أبي يوسف فلأنه لو شرط بعض الغلة لنفسه حال حياًته يجوز فهاهنا أولى، وأما على قول محمد فمشكل لأنه لا يجوز اشتراط الغلة لنفسه حال حياًته واشتراطها لأمهات أولاده حال حياًته بمنزلة اشتراطها، والوجه في ذلك لا بد من (أن يكون) صحيح، هذا الشرط بعد وفاته لأنهن يعتقن بموته فاشتراطها لهن كاشتراطها لسائر الأجانب فيجوز ذلك في حال حياته أيضاً، تبعاً لما بعد الوفاة، وهذا كما قال أبو حنيفة في أصل الوقف إذا كان قال: وقفت أرضي هذه حال حياتي وبعد وفاتي يصير (٥أ٣) لازما للحال وكان لزومه في الحال تبعاً لما بعد الموت، وكذلك إذا سمي ذلك لمدبريه لأنهم يعتقون بموته كأمهات الأولاد، بخلاف العبيد والإماء على قول محمد. وإذا وقف وقفاً موبداً واستثنى لنفسه أن ينفق من غلة هذا الوقف على نفسه وعياله وجهه ما دام حياً، حتى جاز الوقف والشرط جميعاً عند أبي يوسف، فإذا انقرضوا صارت الغلة للمساكين، ولو وقف وقفاً على فلان أو على أقربائه بأعيانهم، جاز ماداموا أحياًء، فإن انقرضوا رجع اليه إن كان حياً، والى ورثته إن كان ميتاً هكذا في «الأجناس» .
وأشار إلى الفرق فقال في المسألة الثانية: أوجب الصدقة لهذا خاصة، فإذا مات لا ينتقل إلى غيره، وفي المسألة الأولى أجعلها صدقة موقوفة على الفقراء فقد مضت المسألة ثم أدخل الاستثناء رجعت إلى المساكين، وإذا وقف وقفاً وشرط لنفسه أن يأكل ويؤكل من أحب ما دام حياً، ثم من بعده على ولده وولد ولده ونسلهم أبداً ما تناسلوا، فإذا انقرضوا فهو على المساكين، فهو جائز عند أبي حنيفة، ولم يكن ذلك وصية للولد؛ لأن الولد يأكل من مال الله، ألا ترى أنه لو وقف على أولاده وأولاد أولاده أبداً ما تناسلوا وجعل آخره للفقراء يجوز ذلك هنا ذكره في «الأجناس» .
стр. 2306
وفي «فتاوى أهل سمرقند» إذا وقف وقفاً وشرط لنفسه أن يأكل ما دام حياً، ثم مات وعنده معاليق وزبيب من هذا الوقف لأن المستثني يرد إلى الوقف لأن المستثنى هو الأكل، وقد تعذر، ولو كان عنده حرير ذلك الوقف يكون ميراثاً عنه لورثته ولا يرد إلى الوقف، والفرق: أنه ليس للأوصياء أن يجيزوا ما خرج من البر فإذا خرج فقد فعل ما ليس له ذلك فملكه فيصير ميراثاً لورثته، وللأوصياء أن يتجددوا المعاليق والزبيب، فقد فعل ما له ذلك، فلم يملكه فلم يصير ميراثاً لورثته فيرد إلى الواقف أن يكون هو المتولي، فعلى قول أبي يوسف: الوقف والشرط صحيحان، وعلى قول محمد وهلال: الشرط والوقف باطلان. وهذا بناء على ما تقدم أن التسليم إلى المتولي ليس بشرط لصحة الوقف عند أبي يوسف ﵀، وعند محمد شرط.
ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» : إذا شرط في أصل الوقف أن يستبدل به أرضا أخرى إذا شاء ذلك، فيكون وقفاً مكانها، فهو جائز عند أبي يوسف، يعني الوقف والشرط، وكذلك إذا شرط أن يبيعه ويستبدل بثمنه مكانه، وعند محمد وهلال: الوقف جائز والشرط باطل؛ لأن هذا الشرط لا يؤثر في المبيع من زوال الملك والوقف يتم ذلك ولا يتقدم به معنى التأبيد أصل الوقف فيتم الوقف بشروطه، ويبقى الاستبدال شرطاً فاسداً فيكون باطلاً في نفسه، وإن شرط في الوقف أن له بيع ذلك ولم يشترط الاستبدال بثمنه ما يكون وقفاً مكانه قال محمد: الوقف باطل، وعن أبي يوسف أن الوقف جائز والشرط باطل ذكره الخصاف في وقفه.
ولو شرط أن يبيعها ويستبدل بثمنها أرضا فاستبدل بثمنه داراً أو عقاراً، ذكر الخصاف هذه المسألة في باب واحد في موضعين فقال في أوله: ليس له ذلك وفي أخرى قال: له ذلك. ولو اشترط لنفسه أن يبيعها وأن يستبدل بثمنها ولم يقل غير هذا، فهو باطل لأنه لم يقل ويستبدل بثمنه ما يكون وقفاً مكانه، ثم إذا جاز الوقف وشرط البيع والاستبدال بالثمن فباعه ما يتغاين الناس فيه فالبيع باطل، وإذا جاز البيع واشترى بثمنها أرضاً أخرى تكون وقفاً على شروطها، وليس له أن يبيع الثانية إلا إذا شرط ذلك في أصل الوقف، وإن باع الأرض وقبض الثمن وهلك في يده فلا ضمان، ويكون الثمن عنده أمانة، وليس له أن يبيع الأرض إلا بالدارهم في قول أبي يوسف، فإن باعها فردت عليه بعيب بعد القبض بقضاء أو غير قضاء أو بإقالة تعود وقفاً كما كانت وليس له أن يبيع الأرض بعد الإقالة، إلا أن يكون اشترط ذلك في الوقف، وإن باعها واشترى بثمنها مكانها أرضاً أخرى ثم ردت عليه الأولى بيعت بقضاء فإنه تعود كما كانت، وتكون الثانية له يصنع بها ما بدا له، فإن استحقت الأرض التي باعها من يد المشتري فالأرض الثانية لم يصنع بها ما شاء، ولا تكون وقفاً من قبل أن التي استحقت كان وقفه باطل.
وسئل شمس الإسلام محمود الأوزجندي عمن وقف على أولاده وقال لهم: إن عجزتم عن أمساكه فبيعوه قال: لو كان هذا شرطاً في الوقف كان الوقف باطلاً، وهذا يجب أن يكون قول محمد، أما على قول أبي يوسف يجوز الوقف ويبطل الشرط على ما ذكرنا قبل هذا.
стр. 2307
وإذا شرط الخيار لنفسه في الوقف ثلاثة أيام فعلى قول أبي يوسف بن خالد: الوقف جائز والشرط باطل، محمد يقول: الوقف صحته تعتمد تمام الرضا، ألا ترى أنه لا يصح مع كره؟ واشتراط الخيار يمنع تمام القبض، ألا ترى أن في الصرف والسلم لا يتم القبض مع شرط الخيار؟ وأبو يوسف يقول: الوقف يتعلق به اللزوم ويحتمل الفسخ ببعض الأسباب، واشتراط الخيار للفسخ، فيصح شرط الخيار فيه كما في البيع فان قال: أبطل الخيار، لا ينقلب الوقف جائزاً عند محمد، ذكره هلال في وقفه.
إذا شرط الولاية لنفسه في عزل القوام والاستبدال بهم من يده إلى يد المتولي، جاز نص عليه في «السير الكبير» لأن هذا الشرط لا يحل لشرائط. لو وقف ولم يشترط الولاية لنفسه، وأخرجه من يده، قال محمد ﵀: الولاية للقيم، وليس للواقف أن يعزله، وكذا لو مات وله وصي فلا ولاية لوصيه، والولاية للقيم قال أبو يوسف: لا ولاية للواقف.
وله أن يعزل القيم في حياته، وإذا مات الواقف بطل ولاية القيم عنده صحيح بدون التسليم إلى المتولي، كأن المتولي كالوكيل عنه فينعزل بموته إلا إذا جعله قيماً في حال حياته وبعد وفاته فحينئذٍ يصير وقفاً، وعند محمد التسليم إلى المتولي شرط صحة الوقف فلا يكون المتولي كالوكيل عنه فلا يملك عزله في «فتاوى أبي الليث» ﵀: ما هو قريب من هذه المسألة وصورتها: إذا أخرج الوقف من يده وسلمه إلى المتولي، ثم أراد إخراجه من يده إن كان شرط في أصل الوقف أن له الإخراج من يد القيم فله أن يخرجه من يده؛ لأن شرط الوقف مراعى، وإن لم يشترط ذلك في أصل الوقف (ليس له) أن يخرجه من يده عند أبي يوسف خلافاً لمحمد.
قلنا: ذكر الخصاف في «وقفه» مسائل: على قول أبي يوسف فقال: إذا كتب في صك الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يملك ثم قال في آخر الكتاب: وعلى أن لفلان بيع ذلك، والاستبدال بثمنه ما يكون وقفاً، فله أن يبيع ويستبدل؛ لأن العبرة للآخر والآخر ناسخ للأول، وإن قال في أول الكتاب: على أن لفلان بيع ذلك، فليس له أن يبيع، ألا ترى أن رجلاً لو اشترى داراً بمائة دينار وكتب في أول الشراء الخيار وفي أخره أنه لا خيار لفلان فيما اشترى؟ فما سمى ووصف في هذا الكتاب أن الشراء جائز وقد أبطل الخيار، وإذا شرط في الوقف أن يبيعه وأن يجعل ثمنه في وقف أفضل منه، حتى جاز الشرط والوقف عند أبي يوسف (٥ب٣) فله أن يبيعه، وذكر الأنصاري في «وقفه» : أنه لا يبيع إلا بإذن الحاكم، قال الأنصاري أيضاً: وينبغي للحاكم إذا رفع إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن له في البيع إذا رآه أحوط لأهل الوقف، فإن باعها واشترى بثمنها أرضاً كان وقفاً، وليس له أن يبيع الأرض إلا أن يشترط ذلك في أصل الوقف ذكره هلال في «وقفه» ، ولو شرط في أصل الوقف أن يبيع الوقف ويجعل ثمنه للمساكين لم يجز هذا الشرط ذكره الأنصاري في «وقفه» ، وذكر الخصاف في وقفه لو شرط أن يبيعها ويصرف ثمنها إلى ما يرى من أبواب الخير فالوقف باطل، وإن شرط في أصل الوقف أن يبيعه ولم
стр. 2308
يبعه، لا يجوز لمن ولد بعده أن يبيعه.
في «وقف الأنصاري» إذا وقف ضيعته على أن له أن يبيعها ويصرف ثمنها إلى حاجة قال: أبو نصر الوقف جائز والشرط باطل، وعن أبي القاسم نحوه، وقال أبو بكر الإسكاف: الوقف باطل، قال الصدر الشهيد: وهو المختار؛ لأنه ينعدم فيه التأبيد، وكذلك لو حبس فرساً أو سلاحاً وجعله وقفاً عشرين سنة، ثم هي مردودة إلى صاحبها لما قلنا.
في «فتاوى أبي الليث «وفي «سر العيون» : حبس فرساً في سبيل الله عشر سنين ثم هي مردودة على صاحبها فهو باطل، وعن أبي يوسف بن خالد السمتي أستاذ هلال أن الوقف جائز والشرط باطل، وكذا في الوقف على شرط أن يبيعه، كما قال أبو القاسم وأبو نصر.
وفي «فتاوى أبي الليث» إذا جعل فرسه للسبيل على أن يمسكه مادام حياً إن أراد الإمساك ليجاهد عليه له ذلك؛ لأنه لو لم يشترط ذلك له أن يجعل السبيل إمساكه ليجاهد وإن أراد الإمساك لينتفع به غير الجهاد لم يكن له ذلك، وصح جعله للسبيل. في «فتاوى أبي الليث» .
نوع آخر
لو أن رجلاً وقف أرضاً على قوم ثم من بعدهم على المساكين وشرط في الوقف أن له أن يزيد من رأى زيادة من أهل هذا الوقف وله أن ينقص من رأى نقصانه منهم وإن يدخل فيهم من رأى إدخاله ويخرج من رأى إخراجه فهو جائز على هذا الشرط فإن يزاد أحدهم منهم شيئاً على ما سمي له وأخرج منهم أحداً أو أدخل أحد أهل له بعد ذلك، أن ينقص من رأى من بعضه أو يخرج من كان أدخله.
قال الخصاف في «وقفه» : إذا فعل ذلك مرة فليس له أن يصر بعد ذلك، فإذا أراد أن يكون له ذلك أبداً ما عاش يزيد وينقص ويدخل ويخرج مرة قال: يشترط ذلك ويقول في وقفه ومن زاد فلان شيئاً من غلة هذه الصدقة على ما جعله فله أن ينقصه بعد ذلك ومن نقضه فلأن شيئاً عما جعله من غلة هذه الصدقة فله أن يزيده بعد ذلك، ومن أخرجه عن هذه الصدقة، فله أن يدخل فيها بعد ذلك، ومن أدخل في هذه الصدقة، فلا يخرجه عنها بعد ذلك، هي ما رأى يفعل ذلك كله برأيه وبحصته على شبهه أبداً ما كان حياً رأياً بعد رأي ومشيئه بعد مشيئة، وإن اشترط الواقف هذه الاشياء لإنسان ما دام حياً فله ذلك، وإن اشترط لوالي هذه الصدقة من بعده ولم يشترط لنفسه.
قال الخصاف: اشترط ذلك لوالي الصدقة اشتراط لنفسه، وله أن يفعل ذلك ما كان
стр. 2309
حياً، فإذا مات كان لوالي هذه الصدقة أن يفعل ما شرط له، وكذلك لو اشترط لوالي هذه الصدقة من بعده أن له أن يبيع هذه الصدقة، وما رأى منها وإن اشترى بثمن ذلك يكون وقفاً على ما سبيله له فهو جائز واشتراط ذلك لوالي الصدقة اشتراط لنفسه ولكل واحد منهما أن يفعل ذلك ولكن الوالي يفعل ذلك بعدما مات الواقف، وإن اشترط لوالي هذه الصدقة ما دام الواقف حياً، فهذا له ولوالي الصدقة ما دام الواقف حياً، فإن مات الواقف فليس للوالي أن يفعل ذلك، وإن اشترط الواقف أن يقضي دين من عليه فذلك جائز، وكذلك إذا قال: إن مت وعلي دين يؤدى من غلة هذه الصدقة بقضاء ما علي من الدين، فإذا قضى كانت غلة هذه الصدقة بعد ذلك جارية على ما سبيلها فذلك جائز، ولو شرط أن له يعني للواقف أن ينفق على نفسه وولده ويقضي دين من عليه، فإذا حدث به حدث الموت كانت غلة هذه الضيعة لفلان بن فلان وولده وولد ولده ونسله وعقبه أو بدأ بما جعل لفلان وآخر ما يجعل لنفسه.
قال الخصاف ﵀ تقديمه وتأخيره سواء على مذهب أبي يوسف، وهو جائز على ما اشترطه.
نوع آخر
إذا قال: أرضي صدقة موقوفة أبداً على أن أضع عليها حيث شئت جاز، وله أن يضع عليها حيث شاء فإن وضع في المساكين، أو في الحج أو في إنسان بعينه فليس له أن يرجع عنه، وكذلك لو قال: جعلتها لفلان أو أعطيتها فلاناً فلا يرجع عنه، ولو وضعها في فريق بعد فريق جاز؛ لأن المشيئة عامة، ولو وضعها في نفسه بطل الوقف، وهذا إنما لا يتأتى على قول هلال وهذا؛ لأن الوضع قد يكون عند نفسه وقد يكون عند غيره فنفسه محل الوضع كما أن غيره محل الوضع، فإذا وضع في نفسه فهو محل أو التحق بالتعيين في الابتداء وصار كما لو شرط الوضع في ابتداء الوقف وهناك يبطل الوقف على قول هلال فهنا كذلك بخلاف ما لو قال: على أن أعطي عليها من سبب أو أدفع إلى نفسه لا يكون فلم يتناول العقد نفسه فلغى الدفع والاعطاء إلى نفسه لما لم يتناول العقد، وبقي الوقف صحيحا على ما كان.
ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على أن لي أن أعطي عليها من شئت من ولدي، فالوقف صحيح وله أن يعطي من شاء من ولده؛ لأن ابتداء الوقف عليهم صحيح، ويجوز إعطاء الوقف أياً منهم. ولو أراد أن يعطي عليها جميع ولده لا يجوز؛ لأن حرف من للتبعيض، فيترك واحداً منهم. وفي الاستحسان: يجوز إذ لا يراد بمثل هذا الكلام التبعيض، وإنما يراد به إثبات الخيار لنفسه بين إعطاء الواحد وبين إعطاء الكل كما في قوله: كل من طعامي ما شئت، قال الفقيه أبو جعفر: القياس المذكور في المسألة قول أبي حنيفة، والاستحسان قولهما بناء على مسألة «الجامع» إذا قال لغيره: أعتق عبيدي من شئت، طلق من نسائي من شئت.
стр. 2310
نوع آخر
إذا قال: أرضي صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على أن أعطي عليها من شئت من الناس، فهو جائز، وليس له أن يعطي نفسه. وإن قال بعد ذلك: جعلت عليها لفلان ما عاش، فذلك جائز ويصير كأنه سماه عند الوقف وشرط له ذلك، فإن قال بعد ذلك: حولتها عن فلان وجعلتها لفلان ليس له ذلك؛ لأن مشيئته قد انقطعت عن غلة هذا الوقف ما دام فلان حياً؛ لأن تعيينه قد صح في هذه الحالة، والتحق بالتعيين في ابتداء العقد.
وهو نظير ما لو قال: أوصيت بثلث مالي إلى فلان يعطيه من شاء، فقال: فلان بعد موت الموصي: شئت أن أعطيه فلاناً، ثم قال بعد ذلك: أعطيته فلاناً آخر ليس له ذلك كذا هاهنا، فإن مات من جعل له الغلة ما عاش عادت المشيئة إلى الواقف؛ لأن جعل المشيئة إلى نفسه عاما في جميع ما يخرج الله تعالى من الغلات، وإنما قطع المشيئة في بعض الغلات وهو ما يوجد في حال حياة فلان، فتكون مشيئة باقية فيما وراءه. وإن مات الواقف قبل أن يجعل الغلة لواحد من الناس كانت الغلة للفقراء؛ لأنه لما قال في صدر الكلام: صدقة موقوفة قد جعلها للفقراء، وبقوله: على أن أعطي عليها من شئت، أستثنى عن حق الفقراء وبموته بطل الاستثناء، فعادت إلى الفقراء.
ثم يدخل في هذا الوقف (الفقراء) والأغنياء بخلاف ما إذا وقف على الأغنياء، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الأغنياء لا انقراض لهم، فلا يتصور أن للفقراء فيه حقاً بحال وإنهم مجهولون و (هذه) الجهة ليست بقربه، وفي مسألتنا يتصور أن يكون للفقراء حق بأن يعطي الفقراء.
ولو جعل غلتها لفلان سنة جاز وله أن يجعلها بعد ذلك لمن شاء، وإن جعل غلتها لرجلين فالغلة بينهما ما شاء، فان مات أحدهما فللحي نصف (٦أ٣) الغلة ولو قال: جعلت غلتها لولدي صح كما لو وقف عليه في الابتداء.
ولو قال: جعلت عليها لأهل الدنيا الفقراء والأغنياء فالقياس أن يكون الوقف باطلاً، وفي الاستحسان: الوقف صحيح والجعل باطل، وله المشيئة على حالها لأن أصل الوقف للفقراء وإنه جائز، إلا أنه استثنى الغلة لمشئية نفسه، فإذا لم تصح المشيئة بقي الوقف على حاله والمشيئة على حالها كأنه لم يشأ أصلاً، ولو أوصى بثلث ماله وقال: فلان يعطي من شاء فذلك جائز، فإن اختار أن يضع عند ابن الميت، فإن أجاز سائر الورثة جاز، وإن أبوا بطل وعاد الثلث إلى الورثة، وليس له المشيئة بعد ذلك؛ لأن تعيين الوصي، وإنه قائم مقام الموصي كتعيين الموصي.n
ولو كان الموصي أوصى لوارثه لا يجوز، فكذا إذا عين الوصي وارثه للوصية.
ولو وقف في مرضه على أن يعطي فلانٌ غلتها من شاء، فاختار الوصي أن يضع ذلك في ولد الميت لا يجوز؛ لأن الوقف في المرض وصية وتعيين (الوصي كتعيين) الموصى، فكأن الواقف أوصى لولده، ويبطل الوقف قياساً كما في الوصية؛ لأن تعيين الوصي كتعيين الموصي في الوقف، فكأن الموصي وقف على ولده في المرض فهذا
стр. 2311
كذلك. وفي الاستحسان: الوقف على الصحة؛ لأن أصله وقع صحيحاً للفقراء إلا أن الواقف جعل لفلان المشيئة، فإن شاء ما يصح به الوقف يصح وإلا يبطل مشيئته.
نوع آخر
إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على أن لفلان أن يعطي من شاء، فمات الواقف قبل أن يجعل فلان الغلة لأحد بطلت مشيئته قياساً؛ لأنه نائب عن الواقف في المشيئة، وموت المنوب عنه يوجب بطلان النيابة، وفي الاستحسان: له المشيئة ما دام حياً؛ لأن ملك الواقف قد زال بنفس الوقف، فلا يمكن أن يجعل فلان نائباً عنه في المشيئة، وإنما هو يصرف للموقوف عليهم، فموت الواقف لا يبطل ولايته كمن وقف وقفاً نصب قيماً، ثم مات الواقف.
فإن قال: فلان أعطيتها ولدي ونسلي جاز، وكذلك لو قال: جعلتها لولد الواقف جاز. ولو وضعها فلان في نفسه لم يجز، ولو أعطاها للواقف بطل الوقف بخلاف ما إذا جعل الواقف المشيئة إلى نفسه في إعطاء الغلة، فأعطى نفسه حيث لا يبطل الوقف؛ لأن ذلك لا يكون إعطاء؛ لأن اللفظ لا يتناوله، وهنا يكون إعطاء؛ لأن اللفظ يتناوله، فيتعين الواقف بتعينه، وصار كأن الواقف وقف على نفسه فيبطل ضرورة.
ولو قال فلان: جعلتها للأغنياء بطل الوقف؛ لأن تعيينه كتعيين الواقف، وكأن الواقف وقف على الأغنياء، وكذلك لو قال: جعلتها للواقف سنة ثم بعد ذلك للفقراء بطل الوقف كما لو وقف على نفسه ثم بعد ذلك على الفقراء، فإنه لا يصح؛ لأن في السنة لا يكون وقفاً وبعد السنة يكون تعليقاً بالحظر، وإنه لا يجوز.
نوع آخر
إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على بني فلان على أن لي (أن) أفضِّل من شئت منهم كان ذلك جائزاً، ويكون له أن يفضل من شاء ولو ردَّ المشيئة فقال: لا أشاء، أو مات كانت الغلة بين بني فلان بالسوية، ولو حرم بعضهم ليس له ذلك؛ لأنه جعل لنفسه المشيئة في تفضيل البعض على البعض لا في حرمان.
وكذلك لو وقف على بني فلان على أن لفلان أن يفضل من شاء منهم، ولو كان بنوا فلان ثلاث إخوة، فقال: لأحدهم فضله بنصف الغلة فله ثلثا الغلة، والثلث للآخرين؛ لأنه جعل له نصف الغلة خاصة، ولم يتصرف في النصف الآخر بشيء، فبقي بينهم بالتسوية بأصل الوقف، فكان له من ذلك ثلثه وله النصف خاصة، فجملة ذلك الثلثان والثلث للآخرين.
ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على أن لي أن أخص من شئت منهم، فهو كما قال: وله أن يخص من يشاء منهم، ولو دفع الكل إلى الكل، القياس: أن لا يجوز عملاً بكلمة (من) . وفي الاستحسان: أنه يجوز، وقد مر جنس هذا.
ولو قال: لا أخص واحداً منهم هذه السنة جاز، وكان بينهم بالتسوية بأصل الوقف. ولو قال: لا أشاء أن أخص واحداً
стр. 2312
منهم في حولي صار بينهما بالتسوية.
ولو قال: على أن لي (أن) أحرم من شئت منهم، فهو كما قال، وله أن يحرم من شاء منهم. ولو حرم الكل لا يعمل تحريمه قياساً (حصته) لكلمة (من) . وفي الاستحسان: يعمل كما مر. وقيل: هو قياس قول أبي يوسف ومحمد كما ذكرنا من مسألة «الجامع» ، وإذا عمل تحريم الكل استحساناً كان الغلة للفقراء؛ لأن قوله: صدقة موقوفة يقتضي أن يكون للفقراء. ولو قال: حرمتهم سنة يكون تلك السنة للفقراء، ثم بعدها يكون لهم.
ولو قال: حرمت فلاناً أو فلاناً فالبيان إليه، وإذا مات لا يكون البيان إلى الورثة. قال هلال: ولا يشبه هذا الوصية، يريد به إذا أوصى بثلث ماله لفلان أو فلان ومات الموصي كان البيان للورثة. قال الفقيه أبو جعفر ﵀: مسألة الوصية على الخلاف: روي عن أبي حنيفة أن الوصية باطلة؛ لأن الموصى له مجهول، وعن أبي يوسف أن الوصية لهما لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، وبهذا الطريق قلنا: إن من أعتق أحد عبديه ومات قبل البيان شاع العتق فيهما. وعند محمد: الوصية صحيحة، والبيان للورثة. وفرق محمد بين الوصية وبين الوقف. والفرق: أن الوقف يزول عن ملك الواقف بنفس الايقاف، فحين مات لم يكن الوقف على ملكه ليخلفه وارثه في الملك، ثم ثبت له البيان بناء عليه.
إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على زيد وعمرو ما عاشا، ومن بعدهما على المساكين على أن يبدأ بزيد، فيعطى من غلته في كل سنة ألف درهم، ويعطى عمرو قوته لسنة، فهو جائز على ما قال، فإن فضل بعد ذلك من الغلة شيء كان بينهما، وإن لم تكن غلته لسنة إلا ألف درهم يعطي ذلك زيداً، إذا كان أقل من ألف، فذلك كلها لزيد، فإن مات زيد ثم جاءت غلة سنة يعطى عمرو قوته لسنة، فإن كان الغلة ثلاثة آلاف درهم، وقوت عمرو لسنة ألف درهم وقع إليه ألف درهم، ويكون له تمام نصف الغلة، وذلك خمسمائة (والباقي) للمساكين، فإن لم يمت زيد، ومات عمرو أعطي زيدٌ ألف درهم الذي سمي له وتمام نصف الغلة، ويكون الباقي للمساكين.
ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على زيد وخالد وعمرو، يبدأ بزيد فيكون غلة هذه الصدقة له أبداً ما عاش، ثم لعمرو فيكون غلة هذه الصدقة له أبداً ما عاش ينفد ذلك على ما ذكر من تقديم بعضهم، فإذا انقرضوا كانت الغلة للفقراء والله أعلم.
الفصل الخامس: الإقرار بالوقف
رجل في يده أرض، أقر في صحته أنها صدقة موقوفة، ولم يزد على ذلك جاز إقراره وهو وقف. ويجب أن يعلم بأن قول من الأرض في يده: هذه الأرض وقف إقرار بالوقف، وليس بابتداء وقف، حتى لا يشترط له شرائط الوقف، وهذا لأن قوله: أرضي
стр. 2313
هذه دعوى الأرض (٦ب٣) لنفسه وإنه من تصرف الملاك، واليد عند تصرف الملك دليل الملك، وإذا ثبت الملك له، كان قوله صدقة موقوفة ابتداء وقف، ولا كذلك هذا الأرض، ألا ترى أن من قال لعبد في يده: عبدي حر، كان ابتداء إعتاق؟ ولو قال: هذا العبد حر، كان إقراراً بالعتق، كذا ههنا، قال هلال البصري في «وقفه» : ولا يجعل المقر هو الواقف لها وغيره، وهكذا ذكر الخصاف في «وقفه» ؛ لأن قوله: هذه الأرض صدقة موقوفة يتعرض لأصل الوقف، أما لا يتعرض للواقف، وكما يجوز أن يكون هو الواقف يجوز أن يكون الواقف غيره، فحكمنا بأصل الوقف؛ لأنه لا احتمال فيه ولم نحكم بكونه واقفاً، ولا يكون غيره واقفاً لمكان الاحتمال، قال هلال: إلا أن يشهد الشهود أن هذه الأرض كانت لهذا المقر حين أقر فيجعل المقر هو الواقف، وهو كرجل في يديه عبد، أقر أنه حر وشهد الشهود أن العبد كان له حين أقر بهذا الإقرار جعلت الولاية له، وإن لم يشهدوا بذلك جعلنا العبد حراً باقراره، ولم أحكم له في الولاء بشيء.
ذكر الخصاف الأنصاري في «وقفه» : إذا قال: هذه الأرض التي في يدي صدقة موقوفة ويجعل كأنه هو الذي وقفها، ألا ترى أنه لو قال لعبد في يديه: إنه حر كان ولاؤه للمقر وجنايته على عاقلته؟ قال الشيخ الإمام أبو العباس: فعلى قياس هذا: إذا شهد الشهود أن الأرض في يديه هي وقف على الفقراء، ولم يذكروا من وقفها ينبغي أن يحكم أنها وقف من الذي هي في يديه وأنه هو الواقف.
قال بعض مشايخنا: قول هلال إلا أن يشهد الشهود أن هذه الأرض كانت لهذا المقر حين أقر، فيجعل المقر هو الواقف مشكل، وهذا لأن الشهادة لا تقبل إلا بعد خصومة صحيحة، وعلى من يصح الخصومة هذا حتى يشهد الشهود أنها كانت في ملك يوم المقر.
والجواب: يحتمل أن الخصومة وقعت بعد وفاته بأن كانت قرابته فقراء، فيقيمون البينة حتى يثبت أنه هو الواقف، فيكون صرف الغلة إليهم أولى، أو يحتمل أن في حال حياته تغلب عليها غيره، وزعم أنه هو الواقف، فيحتاج المقر إلى أن يقيم البينة أنه هو الواقف حتى ينزعها من يده والولاية له استحساناً، حتى يقسم الغلة بين الفقراء، ولكن ليس له أن يوصي إلى غيره، وهذا لأن يد المقر على الأرض حجة ظاهراً، إن كان يده هو الواقف كان يده بحصته، وإن كان الواقف غيره فكذلك لأنا نجعل كأن ذلك العين ولاه أمرها، فإن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد، واذا كانت يده محقة من حيث الظاهر، لا يجوز إبطالها عليه الحجة.
رجل في يده أرض أقر أنها صدقة موقوفة من قبل فلان فهذا على وجهين: إما يكون الاضافة إلى غيره بحرف من أو بحرف عن، وإما أن يضيفه إلى والده أو إلى رجل أجنبي، وإذا أضافه إلى الأجنبي إما أن يسمي ذلك الرجل بعينه أو لم يسمه بعينه.
فأما إذا أضافه إلى والده فإن أضافه إليه بحرف من بأن قال: هذه الأرض صدقة موقوفة من والدي، كان هذا إقراراً بالملك لأبيه لأن كلمة من تستعمل في العرف غالباً
стр. 2314
(للملك) ، فقال: ادن مني فقد قرب الأرض الموقوفة إلى أبيه وتقريب عين من الأعيان إلى إنسان يكون للملك حقيقة؛ لأنه هو المقرب الكامل، فهو معنى قولنا: أقر بالملك لأبيه وأقر بالوقف عليه، فينظر إن كان على الأب دين أو أوصى بوصية وليس له مال آخر، فإنه يباع من الأرض قدر الدين والوصية، فيقضي الدين وينفذ الوصية من الثلث؛ لأن إقرار الوارث في حق الغريم أو الموصى له غير معتبر.
ثم في الباقي ينظر هل للميت وارث سواه أو لم يكن، فإن لم يكن بعد إقرار الباقي من الأرض وقفها على الفقراء؛ لأنه أقر على نفسه بحق الفقراء ظاهراً؛ لأن الملك له في الظاهر، ثم ينظر إن لم يدع الولاية لنفسه، فلا ولاية له، وللقاضي أن يولي آخر من شاء، وإن ادعى الولاية قبل قوله استحساناً حملاً لأمره على الصلاح، وأما إذا كان معه وارث آخر فإن أقر الآخر بجميع ما أقرَّ به هذا الوارث كان الجواب كما قلنا، وإن أنكر الوقف كان نصيب المنكر ملكاً له يتصرف فيه كما شاء ونصيب المقر وقف.
وأما إذا قال: هذه الأرض صدقة موقوفة عن والدي، فإنه يكون هذا إقراراً بالملك في الأرض لوالده ولا (يكون إقراراً) هو الواقف؛ لأن كلمة (عن) استعمل للتبعيد، ويكون معناه: وقفت هذه الأرض بسبب والدي، ولا (أقر) أنه لوالدي كما يقال: فلان تصدق عن والده كذا وفلان أعتق عن والده بكذا، واذا لم يكن هذا إقراراً بالملك لوالده لا يقبل منازعة وارث آخر أياً كان، ولكن صح إقراره أن الأرض وقف على الفقراء؛ لأنه أقر بما في يده أنه حق الفقراء ولا يجعل الواقف هو ولا غيره على ما مر، وكانت الولاية له استحساناً كما ذكرنا قبل هذا.
فأما إذا أضاف الوقف إلى رجل أجنبي، فان ذكر رجلاً معروفاً سماه بعينه وكانت الإضافة بحرف (من) فإن كان ذلك الرجل في الأحياء وكان حاضراً يرجع إليه؛ لأنه أقر بالملك له وشهد عليه بالوقف. فإن صدقه في جميع ذلك (يثبت) بتصادقهما، وإن صدقه في الملك، وكذبه (في الوقفية) يثبت (الملك) بتصادقهما ولم تثبت الوقفية لكون الشاهد واحداً.
وإن كان ميتاً، فالأمر إلى ورثته في التصديق والتكذيب على ما ذكرنا، فإن صدقه البعض في جميع ذلك وكذبه البعض في الوقفية، فنصيب المصدق وقف ونصيب الجاحد ملك له يتصرف فيه كما شاء. وأما الولاية ففي حال تصديق الورثة له استحساناً، فإذا صدقه البعض في الوقفية، وكذبه البعض، فلا ولاية له قياساً. قال هلال: وبالقياس نأخذ في هذه الصورة، وكذلك إذا صدقوه في الوقف وكذبه البعض في الولاية فلا ولاية له قياساً، قال: هلال آخذ فيه بالقياس؛ لأن حال تصديقهم إنما أثبتنا له الولاية لانعدام المنازع وقد وجد المنازع هاهنا فلا ولاية له لهذا. قال: إلا أن يشهد شاهدان بالولاية على الجاحدين، وشهادة الوارثين في ذلك مقبولة؛ لأنه لا تهمه في شهادتهما؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما منفعة ولا يدفعان عن أنفسهما غرامة، وإن كانت الإضافة بحرف (عن) فهذا ليس بإقرار بالملك لفلان على نحو ما بينا.
وأما إذا كانت الإضافة إلى أجنبي لم يسمه بأن قال: هذه الأرض صدقة موقوفة من
стр. 2315
فلان أو عن فلان صار وقفاً؛ لأنه أقر بما في يده للفقراء، فيصح كما لو لم يضفه إلى أحد، فإن سمى بعد ذلك رجلاً لم يصدق إذا كان مفصولاً وكانت الإضافة بحرف (من) ؛ لأنه لو صدق أدى إلى إبطال حق الفقراء بعد ثبوته؛ لأن ذلك الرجل ينكر الوقف ويعتبر إنكاره؛ لأن المقر بالوقف ما أقر له بالملك في هذه الصورة، والولاية له بعد الإقرار الثاني يريد به إذا كانت الإضافة بحرف (من) ؛ لأن الإقرار الثاني كما لم يعتبر جعل كالسكوت، فلا يصير به ما كان قبله.
ولو أقر (٧أ٣) بالوقف وسكت عن ذكر الموقوف عليه ثم ذكره بعد ذلك أن الموقوف عليه فلان وفلان فالقياس أن لايقبل قوله الثاني؛ لأن بالكلام الأول صارت الغلة حقاً للفقراء، فلا يصدق في صرفها إلى غيرهم. وفي الاستحسان يقبل؛ لأن العادة جرت بذكر الأوقاف دون الموقو ف عليه إلا عند الاستثناء وعن الموقوف عليه.
ولو أقر أنها صدقة موقوفة على وجه سماها ثم بين بعد ذلك وجهاً آخر لا يقبل قوله الثاني قياساً واستحساناً، ويكون ما بين أولاً لأن في الوجه الأول الحاجة إلى البيان ما بينه، فيقبل قوله في البيان. وفي الوجه الثاني لا حاجة إلى البيان فلا يقبل وهذا أصل كبير في كتاب الإقرار أن البيان إنما يعتبر عند مساس الحاجة إليه.
أرض في يدي رجل قال صاحب اليد: هذه الأرض ولايتها للقاضي فلان وهي صدقة موقوفه لم يصح إقراره؛ لأن كما قال: ولايتها للقاضي فلان هذا أقر باليد وبحق التصرف كذلك للقاضي ثم ادعى الانتقال إليه، فلا يثبت ذلك إلا بحجة، ولكن إن كان الوقف العتق يتلوم القاضي في ذلك زماناً، فإن صح أمرها وإلا جوّز إقراره وألزمه قسمة الغلة على نحو ما أقر، قال هلال: أستحسن ذلك حتى لا يؤدي إلى إبطال الوقوف في العتق، ولو قال: هذه الأرض ولايتها (للقاضي والدي) ثم توفي والدي وأوصى إلي وهي صدقة موقوفه على كذا لا يقبل قوله. وكذلك لو قال: هذه الأرض كانت في يد والدي أو قال: كانت في يد فلان، فأوصى بها إليَّ وهي صدقة موقوفة لا يقبل قوله. وكذلك لو قال: كانت في يد فلان وقد أوصى إلي، وكانت في يد فلان آخر قبل ذلك وقد أوصى بها إلى فلان الذي أوصى بها إلي لا يقبل قوله ويؤمر بالتسليم إلى وارث فلان الذي أقر أنها كانت في يده وأوصى إلى ذلك الذي أوصى بها؛ لأنه أقر باليد له ثم شهد بزوال اليد.
قال الخصاف في «وقفه» : لو أن رجلاً قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على زيد بن عبد الله وولده وولد ولده ونسله وعقبه أبداً ما تناسلوا ومن بعدهم على المساكين، فقال زيد: إن الواقف جعل هذه الوقف علي وعلى ولدي وولد ولدي وعلى عمرو، فإنه يصدق على نفسه ولا يصدق على غيره، فينظر إلى الغلة عند قسمتها فيقسم على زيد وعلى من كان موجوداً من ولده وولد ولده ونسله، فما أصاب زيداً منها دخل عمرو معه في ذلك، فيكون حصة زيد بين زيد وبين عمرو أبداً ما كان زيد في الأحياًء، فإذا مات زيد بطل إقراره ولم يكن لعمرو حق في هذه الصدقة.
وكذلك لو كان الواقف وقفها على زيد ومن بعده على المساكين، فأقر زيد لعمرو على نحو ما بينا كان لعمرو أن يشارك زيداً في غلة
следующие страницы →