← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

كذلك. وفي الاستحسان: الوقف على الصحة؛ لأن أصله وقع صحيحاً للفقراء إلا أن الواقف جعل لفلان المشيئة، فإن شاء ما يصح به الوقف يصح وإلا يبطل مشيئته. نوع آخر إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على أن لفلان أن يعطي من شاء، فمات الواقف قبل أن يجعل فلان الغلة لأحد بطلت مشيئته قياساً؛ لأنه نائب عن الواقف في المشيئة، وموت المنوب عنه يوجب بطلان النيابة، وفي الاستحسان: له المشيئة ما دام حياً؛ لأن ملك الواقف قد زال بنفس الوقف، فلا يمكن أن يجعل فلان نائباً عنه في المشيئة، وإنما هو يصرف للموقوف عليهم، فموت الواقف لا يبطل ولايته كمن وقف وقفاً نصب قيماً، ثم مات الواقف. فإن قال: فلان أعطيتها ولدي ونسلي جاز، وكذلك لو قال: جعلتها لولد الواقف جاز. ولو وضعها فلان في نفسه لم يجز، ولو أعطاها للواقف بطل الوقف بخلاف ما إذا جعل الواقف المشيئة إلى نفسه في إعطاء الغلة، فأعطى نفسه حيث لا يبطل الوقف؛ لأن ذلك لا يكون إعطاء؛ لأن اللفظ لا يتناوله، وهنا يكون إعطاء؛ لأن اللفظ يتناوله، فيتعين الواقف بتعينه، وصار كأن الواقف وقف على نفسه فيبطل ضرورة. ولو قال فلان: جعلتها للأغنياء بطل الوقف؛ لأن تعيينه كتعيين الواقف، وكأن الواقف وقف على الأغنياء، وكذلك لو قال: جعلتها للواقف سنة ثم بعد ذلك للفقراء بطل الوقف كما لو وقف على نفسه ثم بعد ذلك على الفقراء، فإنه لا يصح؛ لأن في السنة لا يكون وقفاً وبعد السنة يكون تعليقاً بالحظر، وإنه لا يجوز. نوع آخر إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على بني فلان على أن لي (أن) أفضِّل من شئت منهم كان ذلك جائزاً، ويكون له أن يفضل من شاء ولو ردَّ المشيئة فقال: لا أشاء، أو مات كانت الغلة بين بني فلان بالسوية، ولو حرم بعضهم ليس له ذلك؛ لأنه جعل لنفسه المشيئة في تفضيل البعض على البعض لا في حرمان. وكذلك لو وقف على بني فلان على أن لفلان أن يفضل من شاء منهم، ولو كان بنوا فلان ثلاث إخوة، فقال: لأحدهم فضله بنصف الغلة فله ثلثا الغلة، والثلث للآخرين؛ لأنه جعل له نصف الغلة خاصة، ولم يتصرف في النصف الآخر بشيء، فبقي بينهم بالتسوية بأصل الوقف، فكان له من ذلك ثلثه وله النصف خاصة، فجملة ذلك الثلثان والثلث للآخرين. ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على أن لي أن أخص من شئت منهم، فهو كما قال: وله أن يخص من يشاء منهم، ولو دفع الكل إلى الكل، القياس: أن لا يجوز عملاً بكلمة (من) . وفي الاستحسان: أنه يجوز، وقد مر جنس هذا. ولو قال: لا أخص واحداً منهم هذه السنة جاز، وكان بينهم بالتسوية بأصل الوقف. ولو قال: لا أشاء أن أخص واحداً

стр. 2312

منهم في حولي صار بينهما بالتسوية. ولو قال: على أن لي (أن) أحرم من شئت منهم، فهو كما قال، وله أن يحرم من شاء منهم. ولو حرم الكل لا يعمل تحريمه قياساً (حصته) لكلمة (من) . وفي الاستحسان: يعمل كما مر. وقيل: هو قياس قول أبي يوسف ومحمد كما ذكرنا من مسألة «الجامع» ، وإذا عمل تحريم الكل استحساناً كان الغلة للفقراء؛ لأن قوله: صدقة موقوفة يقتضي أن يكون للفقراء. ولو قال: حرمتهم سنة يكون تلك السنة للفقراء، ثم بعدها يكون لهم. ولو قال: حرمت فلاناً أو فلاناً فالبيان إليه، وإذا مات لا يكون البيان إلى الورثة. قال هلال: ولا يشبه هذا الوصية، يريد به إذا أوصى بثلث ماله لفلان أو فلان ومات الموصي كان البيان للورثة. قال الفقيه أبو جعفر ﵀: مسألة الوصية على الخلاف: روي عن أبي حنيفة أن الوصية باطلة؛ لأن الموصى له مجهول، وعن أبي يوسف أن الوصية لهما لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، وبهذا الطريق قلنا: إن من أعتق أحد عبديه ومات قبل البيان شاع العتق فيهما. وعند محمد: الوصية صحيحة، والبيان للورثة. وفرق محمد بين الوصية وبين الوقف. والفرق: أن الوقف يزول عن ملك الواقف بنفس الايقاف، فحين مات لم يكن الوقف على ملكه ليخلفه وارثه في الملك، ثم ثبت له البيان بناء عليه. إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على زيد وعمرو ما عاشا، ومن بعدهما على المساكين على أن يبدأ بزيد، فيعطى من غلته في كل سنة ألف درهم، ويعطى عمرو قوته لسنة، فهو جائز على ما قال، فإن فضل بعد ذلك من الغلة شيء كان بينهما، وإن لم تكن غلته لسنة إلا ألف درهم يعطي ذلك زيداً، إذا كان أقل من ألف، فذلك كلها لزيد، فإن مات زيد ثم جاءت غلة سنة يعطى عمرو قوته لسنة، فإن كان الغلة ثلاثة آلاف درهم، وقوت عمرو لسنة ألف درهم وقع إليه ألف درهم، ويكون له تمام نصف الغلة، وذلك خمسمائة (والباقي) للمساكين، فإن لم يمت زيد، ومات عمرو أعطي زيدٌ ألف درهم الذي سمي له وتمام نصف الغلة، ويكون الباقي للمساكين. ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على زيد وخالد وعمرو، يبدأ بزيد فيكون غلة هذه الصدقة له أبداً ما عاش، ثم لعمرو فيكون غلة هذه الصدقة له أبداً ما عاش ينفد ذلك على ما ذكر من تقديم بعضهم، فإذا انقرضوا كانت الغلة للفقراء والله أعلم. الفصل الخامس: الإقرار بالوقف رجل في يده أرض، أقر في صحته أنها صدقة موقوفة، ولم يزد على ذلك جاز إقراره وهو وقف. ويجب أن يعلم بأن قول من الأرض في يده: هذه الأرض وقف إقرار بالوقف، وليس بابتداء وقف، حتى لا يشترط له شرائط الوقف، وهذا لأن قوله: أرضي

стр. 2313

هذه دعوى الأرض (٦ب٣) لنفسه وإنه من تصرف الملاك، واليد عند تصرف الملك دليل الملك، وإذا ثبت الملك له، كان قوله صدقة موقوفة ابتداء وقف، ولا كذلك هذا الأرض، ألا ترى أن من قال لعبد في يده: عبدي حر، كان ابتداء إعتاق؟ ولو قال: هذا العبد حر، كان إقراراً بالعتق، كذا ههنا، قال هلال البصري في «وقفه» : ولا يجعل المقر هو الواقف لها وغيره، وهكذا ذكر الخصاف في «وقفه» ؛ لأن قوله: هذه الأرض صدقة موقوفة يتعرض لأصل الوقف، أما لا يتعرض للواقف، وكما يجوز أن يكون هو الواقف يجوز أن يكون الواقف غيره، فحكمنا بأصل الوقف؛ لأنه لا احتمال فيه ولم نحكم بكونه واقفاً، ولا يكون غيره واقفاً لمكان الاحتمال، قال هلال: إلا أن يشهد الشهود أن هذه الأرض كانت لهذا المقر حين أقر فيجعل المقر هو الواقف، وهو كرجل في يديه عبد، أقر أنه حر وشهد الشهود أن العبد كان له حين أقر بهذا الإقرار جعلت الولاية له، وإن لم يشهدوا بذلك جعلنا العبد حراً باقراره، ولم أحكم له في الولاء بشيء. ذكر الخصاف الأنصاري في «وقفه» : إذا قال: هذه الأرض التي في يدي صدقة موقوفة ويجعل كأنه هو الذي وقفها، ألا ترى أنه لو قال لعبد في يديه: إنه حر كان ولاؤه للمقر وجنايته على عاقلته؟ قال الشيخ الإمام أبو العباس: فعلى قياس هذا: إذا شهد الشهود أن الأرض في يديه هي وقف على الفقراء، ولم يذكروا من وقفها ينبغي أن يحكم أنها وقف من الذي هي في يديه وأنه هو الواقف. قال بعض مشايخنا: قول هلال إلا أن يشهد الشهود أن هذه الأرض كانت لهذا المقر حين أقر، فيجعل المقر هو الواقف مشكل، وهذا لأن الشهادة لا تقبل إلا بعد خصومة صحيحة، وعلى من يصح الخصومة هذا حتى يشهد الشهود أنها كانت في ملك يوم المقر. والجواب: يحتمل أن الخصومة وقعت بعد وفاته بأن كانت قرابته فقراء، فيقيمون البينة حتى يثبت أنه هو الواقف، فيكون صرف الغلة إليهم أولى، أو يحتمل أن في حال حياته تغلب عليها غيره، وزعم أنه هو الواقف، فيحتاج المقر إلى أن يقيم البينة أنه هو الواقف حتى ينزعها من يده والولاية له استحساناً، حتى يقسم الغلة بين الفقراء، ولكن ليس له أن يوصي إلى غيره، وهذا لأن يد المقر على الأرض حجة ظاهراً، إن كان يده هو الواقف كان يده بحصته، وإن كان الواقف غيره فكذلك لأنا نجعل كأن ذلك العين ولاه أمرها، فإن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد، واذا كانت يده محقة من حيث الظاهر، لا يجوز إبطالها عليه الحجة. رجل في يده أرض أقر أنها صدقة موقوفة من قبل فلان فهذا على وجهين: إما يكون الاضافة إلى غيره بحرف من أو بحرف عن، وإما أن يضيفه إلى والده أو إلى رجل أجنبي، وإذا أضافه إلى الأجنبي إما أن يسمي ذلك الرجل بعينه أو لم يسمه بعينه. فأما إذا أضافه إلى والده فإن أضافه إليه بحرف من بأن قال: هذه الأرض صدقة موقوفة من والدي، كان هذا إقراراً بالملك لأبيه لأن كلمة من تستعمل في العرف غالباً

стр. 2314

(للملك) ، فقال: ادن مني فقد قرب الأرض الموقوفة إلى أبيه وتقريب عين من الأعيان إلى إنسان يكون للملك حقيقة؛ لأنه هو المقرب الكامل، فهو معنى قولنا: أقر بالملك لأبيه وأقر بالوقف عليه، فينظر إن كان على الأب دين أو أوصى بوصية وليس له مال آخر، فإنه يباع من الأرض قدر الدين والوصية، فيقضي الدين وينفذ الوصية من الثلث؛ لأن إقرار الوارث في حق الغريم أو الموصى له غير معتبر. ثم في الباقي ينظر هل للميت وارث سواه أو لم يكن، فإن لم يكن بعد إقرار الباقي من الأرض وقفها على الفقراء؛ لأنه أقر على نفسه بحق الفقراء ظاهراً؛ لأن الملك له في الظاهر، ثم ينظر إن لم يدع الولاية لنفسه، فلا ولاية له، وللقاضي أن يولي آخر من شاء، وإن ادعى الولاية قبل قوله استحساناً حملاً لأمره على الصلاح، وأما إذا كان معه وارث آخر فإن أقر الآخر بجميع ما أقرَّ به هذا الوارث كان الجواب كما قلنا، وإن أنكر الوقف كان نصيب المنكر ملكاً له يتصرف فيه كما شاء ونصيب المقر وقف. وأما إذا قال: هذه الأرض صدقة موقوفة عن والدي، فإنه يكون هذا إقراراً بالملك في الأرض لوالده ولا (يكون إقراراً) هو الواقف؛ لأن كلمة (عن) استعمل للتبعيد، ويكون معناه: وقفت هذه الأرض بسبب والدي، ولا (أقر) أنه لوالدي كما يقال: فلان تصدق عن والده كذا وفلان أعتق عن والده بكذا، واذا لم يكن هذا إقراراً بالملك لوالده لا يقبل منازعة وارث آخر أياً كان، ولكن صح إقراره أن الأرض وقف على الفقراء؛ لأنه أقر بما في يده أنه حق الفقراء ولا يجعل الواقف هو ولا غيره على ما مر، وكانت الولاية له استحساناً كما ذكرنا قبل هذا. فأما إذا أضاف الوقف إلى رجل أجنبي، فان ذكر رجلاً معروفاً سماه بعينه وكانت الإضافة بحرف (من) فإن كان ذلك الرجل في الأحياء وكان حاضراً يرجع إليه؛ لأنه أقر بالملك له وشهد عليه بالوقف. فإن صدقه في جميع ذلك (يثبت) بتصادقهما، وإن صدقه في الملك، وكذبه (في الوقفية) يثبت (الملك) بتصادقهما ولم تثبت الوقفية لكون الشاهد واحداً. وإن كان ميتاً، فالأمر إلى ورثته في التصديق والتكذيب على ما ذكرنا، فإن صدقه البعض في جميع ذلك وكذبه البعض في الوقفية، فنصيب المصدق وقف ونصيب الجاحد ملك له يتصرف فيه كما شاء. وأما الولاية ففي حال تصديق الورثة له استحساناً، فإذا صدقه البعض في الوقفية، وكذبه البعض، فلا ولاية له قياساً. قال هلال: وبالقياس نأخذ في هذه الصورة، وكذلك إذا صدقوه في الوقف وكذبه البعض في الولاية فلا ولاية له قياساً، قال: هلال آخذ فيه بالقياس؛ لأن حال تصديقهم إنما أثبتنا له الولاية لانعدام المنازع وقد وجد المنازع هاهنا فلا ولاية له لهذا. قال: إلا أن يشهد شاهدان بالولاية على الجاحدين، وشهادة الوارثين في ذلك مقبولة؛ لأنه لا تهمه في شهادتهما؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما منفعة ولا يدفعان عن أنفسهما غرامة، وإن كانت الإضافة بحرف (عن) فهذا ليس بإقرار بالملك لفلان على نحو ما بينا. وأما إذا كانت الإضافة إلى أجنبي لم يسمه بأن قال: هذه الأرض صدقة موقوفة من

стр. 2315

فلان أو عن فلان صار وقفاً؛ لأنه أقر بما في يده للفقراء، فيصح كما لو لم يضفه إلى أحد، فإن سمى بعد ذلك رجلاً لم يصدق إذا كان مفصولاً وكانت الإضافة بحرف (من) ؛ لأنه لو صدق أدى إلى إبطال حق الفقراء بعد ثبوته؛ لأن ذلك الرجل ينكر الوقف ويعتبر إنكاره؛ لأن المقر بالوقف ما أقر له بالملك في هذه الصورة، والولاية له بعد الإقرار الثاني يريد به إذا كانت الإضافة بحرف (من) ؛ لأن الإقرار الثاني كما لم يعتبر جعل كالسكوت، فلا يصير به ما كان قبله. ولو أقر (٧أ٣) بالوقف وسكت عن ذكر الموقوف عليه ثم ذكره بعد ذلك أن الموقوف عليه فلان وفلان فالقياس أن لايقبل قوله الثاني؛ لأن بالكلام الأول صارت الغلة حقاً للفقراء، فلا يصدق في صرفها إلى غيرهم. وفي الاستحسان يقبل؛ لأن العادة جرت بذكر الأوقاف دون الموقو ف عليه إلا عند الاستثناء وعن الموقوف عليه. ولو أقر أنها صدقة موقوفة على وجه سماها ثم بين بعد ذلك وجهاً آخر لا يقبل قوله الثاني قياساً واستحساناً، ويكون ما بين أولاً لأن في الوجه الأول الحاجة إلى البيان ما بينه، فيقبل قوله في البيان. وفي الوجه الثاني لا حاجة إلى البيان فلا يقبل وهذا أصل كبير في كتاب الإقرار أن البيان إنما يعتبر عند مساس الحاجة إليه. أرض في يدي رجل قال صاحب اليد: هذه الأرض ولايتها للقاضي فلان وهي صدقة موقوفه لم يصح إقراره؛ لأن كما قال: ولايتها للقاضي فلان هذا أقر باليد وبحق التصرف كذلك للقاضي ثم ادعى الانتقال إليه، فلا يثبت ذلك إلا بحجة، ولكن إن كان الوقف العتق يتلوم القاضي في ذلك زماناً، فإن صح أمرها وإلا جوّز إقراره وألزمه قسمة الغلة على نحو ما أقر، قال هلال: أستحسن ذلك حتى لا يؤدي إلى إبطال الوقوف في العتق، ولو قال: هذه الأرض ولايتها (للقاضي والدي) ثم توفي والدي وأوصى إلي وهي صدقة موقوفه على كذا لا يقبل قوله. وكذلك لو قال: هذه الأرض كانت في يد والدي أو قال: كانت في يد فلان، فأوصى بها إليَّ وهي صدقة موقوفة لا يقبل قوله. وكذلك لو قال: كانت في يد فلان وقد أوصى إلي، وكانت في يد فلان آخر قبل ذلك وقد أوصى بها إلى فلان الذي أوصى بها إلي لا يقبل قوله ويؤمر بالتسليم إلى وارث فلان الذي أقر أنها كانت في يده وأوصى إلى ذلك الذي أوصى بها؛ لأنه أقر باليد له ثم شهد بزوال اليد. قال الخصاف في «وقفه» : لو أن رجلاً قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على زيد بن عبد الله وولده وولد ولده ونسله وعقبه أبداً ما تناسلوا ومن بعدهم على المساكين، فقال زيد: إن الواقف جعل هذه الوقف علي وعلى ولدي وولد ولدي وعلى عمرو، فإنه يصدق على نفسه ولا يصدق على غيره، فينظر إلى الغلة عند قسمتها فيقسم على زيد وعلى من كان موجوداً من ولده وولد ولده ونسله، فما أصاب زيداً منها دخل عمرو معه في ذلك، فيكون حصة زيد بين زيد وبين عمرو أبداً ما كان زيد في الأحياًء، فإذا مات زيد بطل إقراره ولم يكن لعمرو حق في هذه الصدقة. وكذلك لو كان الواقف وقفها على زيد ومن بعده على المساكين، فأقر زيد لعمرو على نحو ما بينا كان لعمرو أن يشارك زيداً في غلة

стр. 2316

الوقف ما دام زيد في الأحياء فإذا مات كانت الغلة كلها للمساكين. وكذلك لو أن زيداً أقر أن الواقف وقف هذه الأرض كلها على عمرو وحده، فهو على ما أقر، فإذا كانت الغلة كلها للمساكين. وفيه أيضاً: رجل في يديه أرض أو دار ادعاها رجل عند القاضي إنها له، والذي في يديه يقول: هذه الأرض وقف وقفها رجل حر من المسلمين على المساكين، ودفعها إلي، فإن القاضي يجعل الأرض وقفها على ما أقر به، ولكن لا تندفع الخصومة عن صاحب اليد بذلك، حتى أن المدعي لو قال للقاضي: حلفه ما هذه الأرض لي، فإن القاضي يحلفه، فإن نكل عن اليمين أو أقر بها لهذا الرجل، فالقاضي يضمنه قيمة الأرض ولا يبطل ما مضى به من الوقف، فإن كان الذي في يديه الدار قال: هذه الدار وقف، وقفها رجل حر من المسلمين على فلان وفلان وعلى أولادهم ونسلهم أبداً ما تناسلوا ومن بعدهم على المساكين، وقال هؤلاء الذين أقر المقر أنها وقف عليهم: إن هذه الدار لهذا المدعي، وإنها لم تكن للذي وقفها علينا، قبل قولهم على أنفسهم في غلة الدار، فيكون غلتها للمدعي إن لم يكن لهم أولاد وأولاد أولاد، فإن مات هؤلاء المسمون كانت الغلة للمساكين، فلو أن الذي في يديه الدار بعد ما أقر أنها وقف على فلان وفلان وأولادهم ومن بعدهم على المساكين إن أقر أن الدار للمدعي، ثم إن هؤلاء المسمون حضروا وكذبوا صاحب اليد في إقرار وقف لم يكن بينة على المدعي، كان له أن يستحلف هؤلاء المسمين على دعواهم، فإن أقروا بالدار للمدعي ونكلوا عن اليمين، كان إقرارهم جائزاً على أنفسهم دون أولادهم وأولاد أولادهم والمساكين وكذا لا يجوز على الرقبة. في «فتاوي الفضل» سئل عمن أقر بوقف صحيح، وأنه أخرجه من يده، ووارثه أخرجه من يده، ووارثه يعلم أنه لم يكن أخرجه من يده قال: إقراره على نفسه جائز والوقف صحيح. رجل في يديه دار وأقر الذي في يديه الدار أن هذه الدار وقف وقفها رجل من المسلمين في أبواب البر وعلى المساكين ودفعها إليه وولاه القيام بها، ثم جاء رجل وقدم صاحب اليد إلى القاضي، وقال: أنا وقفت هذا الوقف على هذه الوجوه والسبل ودفعتها إلى هذا ووليته القيام بأمرها، وأراد أن يقضيها من يدي الذي هي في يديه، ينظر إن كان الذي في يديه صدقه أنه هو الذي وقفها، فله أن يقضيها منه، وإن كان هذا الرجل الذي جاء قال: أنا مالك هذه الأرض وما وقفتها وإنما دفعتها إليه وديعة، وصاحب اليد يقول: إنها كانت له، إلا أنه وقفها على هذه الوجوه التي ذكرتها، فإن القاضي لا يقبل قول صاحب اليد لأن هذه الأرض لهذا المدعي؛ لأنه لو قبل قوله صار ملكاً لهذا الرجل فيبطل الوقف فيها. ذكر الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : أن من مات وترك ابنين وفي يد أحدهما ضيعة يدعي أنه وقف عليه من أبيه والابن الآخر يقول: هي وقف علينا، كان

стр. 2317

القول قوله، وهي وقف عليهما هو المختار؛ لأنهما تصادقا على أنها كانت في يد أبيهما فلا ينفرد أحدهما باستحقاقها إلا بالحجة. الفصل السادس: في الولاية في الوقف ذكر هلال ﵀: إذا وقف الرجل أرضه، ولم يشترط الولاية لنفسه ولا لغيره إن الوقف جائز والولاية للواقف، وهكذا ذكر الخصاف في وقفه. قال هلال: وقد قال قوم: إن الواقف لو شرط الولاية لنفسه كانت الولاية له، وإن لم يشترط فلا ولاية له، قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد؛ لأن من أصله أن التسليم إلى القيم شرط صحة الوقف، فإذا سلم لا يبقى له ولاية، وجه هذا القول: أن ولايته كانت بحكم الملك وبالوقف أزال ملكه فتزول ولايته، وجه ما ذكر هلال: أن الواقف أقرب الناس إلى هذا الوقف فيكون أولى بولايته، ألا ترى أن المعتق أولى الناس بالمعتق؛ لأنه أقرب إليه؟ وفي «فتاوي أبي الليث» إذا وقف أرضاً وسلمها (٧ب٣) إلي المتولي ثم أراد أن يأخذها منه، فإن كان شرط في الوقف أن له العزل والإخراج من يد المتولي فله ذلك، وإن لم يكن شرط ذلك، فعلى قول أبي يوسف: له ذلك، وعلى قول محمد: ليس له ذلك بناء على ما قلنا. واذا كان الوقف على الفقراء وشرط الواقف الولاية لنفسه، وكان هو منهما غير مأمون على الوقف، فللقاضي أن ينزعها من يده؛ لأن القاضي نصب ناظراً للفقراء لكل من عجز عن النظر لنفسه بنفسه، وبالوقف زال ملكه وثبت الحق فيه للفقراء، فإذا كان متهماً كان للقاضي أن يخرجه نظراً للفقراء كما له أن يخرج الوصي نظراً للصغار. وكذلك لو ترك العمارة وفي يده من غلته ما يمكنه أن يعمره فالقاضي يجبره على العمارة، فإن فعل وإلا أخرجه من يده. ولو شرط الواقف ولايتها لنفسه وأن ليس للسلطان ولا للقاضي أن يخرجها من يده ويوليها غيره، فهذا الشرط باطل؛ لأنه مخالف لحكم الشرع؛ لأن الشرع أطلق للقاضي إخراج من كان متهماً دافعاً للضرر عن الفقراء. ولو جعل الواقف ولاية الوقف لرجل، كانت الولاية له كما شرط الواقف، ولو أراد الواقف إخراجه كان له ذلك، ولو شرط الواقف أن ليس له إخراج القيم فهذا الشرط باطل؛ لأنه مخالف لحكم الشرع؛ لأن القوامة وكالة والوكالة ليست بلازمة، ولو جعل إليه الولاية في حال حياته وبعد وفاته كان جائزاً فكان وكيلاً في حال حياته وصياً بعد الموت، ولو قال: وليتك هذا الوقف فإنما له الولاية حال حياته لا بعد وفاته.H ولو قال: وكلتك بصدقتي هذه في حياتي وبعد وفاتي فهو جائز، وهو وكيله في حياًته ووصيه بعد وفاته.

стр. 2318

و (إن) لم يشترط الواقف الولاية لأحد وحضره الموت فقال لرجل: أنت وصيي، ولم يزد على هذا فهو وصي في ماله وولده وفيما كان في يده من الوقوف؛ لأنه أطلق الوصاية ولم يخص، ولو أوصي إليه في الوقف خاصة قال محمد: هو وصي في الوقف خاصة على قولنا وقول أبي يوسف، وعلى قول أبي حنيفة: هو وصي في الأشياء كلها، هكذا ذكر هلال، والمشهور أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: هو وصي في الأشياء كلها، وعلى قول محمد: هو وصي فيما خص له، وما ذكر هلال فذاك جواب «النوادر» وهو المذكور في «مختصر الكرخي» ، فأما في «ظاهر الرواية» : فقول أبي يوسف كقول أبي حنيفة، وجه قول محمد: أن الوصي يتصرف بحكم التفويض، فإنما تصرف بقدر ما فوض إليه، ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أن تصرف الوصي ليس بحكم التفويض، ألا ترى أنه لو أوصى إليه ولم يبين مقصوده صح؟ ولو كان تصرفه بحكم التفويض يشترط بيان مقصوده كما في التوكيل، ولكن الموصى به خلافه، وأقامه الموصي مقام الموصى والخلف يعمل الأصل على العموم كالجد لما كان خلفاً عن الأب قائماً مقامه عمل على العموم، وعلى هذا لو أوصى إلى رجل في الوقف، وأوصى إلى آخر في ولده أو أوصى إلى رجل في وقف نفسه وأوصى إلى آخر في وقف آخر بعينه كانا وصيين فيهما جميعاً وسيأتي جنس هذه المسائل في كتاب الوصايا. ولو وقف أرضه وجعل ولايتها إلى رجل، ذكر هلال عن محمد: أن الوصي يشارك القيم في أمر الوقف فكأنه جعل ولاية الوقف إليهما، فالأصل عند محمد هو قول هلال وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: أن الخاص لا يشارك العام فيما وراء ما خص به والعام يشارك الخاص فيما يخصه وهو مقدر فيما وراءه، وعند أبي حنيفة، وأظهر الروايات عن أبي يوسف الوصاية لا تقبل التخصيص، فالعام والخاص فيه سواء. ولو جعل ولاية الوقف بعد وفاته إلى رجلين أحدهما (قبل) ذلك ولم يقبل الآخر، فينبغي للقاضي أن يجعل مع الذي حل رجلاً يقوم مقام الذي لم يقبل، فإن كان الذي حل موضعاً لذلك عند القاضي ووضع ذلك القاضي إليه فهو جائز. ولو قال الواقف: ولاية هذا الوقف إلى الأفضل فالأفضل من ولدي وإذا فضل القبول فالقياس: أن يقيم القاضي غير الأفضل مقام الأفضل مادام الأفضل حياً، فإذا مات الأفضل صرف الولاية إلى من يليه في الفضل، وفي الاستحسان: الولاية لمن يليه في الفضل؛ لأن إباء الأفضل بمنزلة موته، ولو ولى القاضي أفضلهم ثم صار في ولده من هو أفضل منه، فالولاية إليه اعتباراً لشرط الواقف، وإذا استوى الاثنان في الصلاح، فالأعلم بأمر الوقف أولى، ولو كان أحدهما أميناً ورعاً وصالحاً، والآخر أعلم بأمر الوقف فالأعلم أولى بعد أن يكون بحال يؤمن خيانته. ولو جعل الولاية إلى عبد الله حتى يقدم زيد فهو كما قال، فإذا قدم زيد فكلاهما واليان عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يحجر على عبد الله بعد وقد قدم زيد، وعلى قول هلال: تحولت الولاية إلى زيد ولا يبقى عبد الله والياً.

стр. 2319

وإذا جعل الولاية إلى رجل ومات ذلك الرجل حال حياة الواقف، فالأمر في نصب القيم إلى الواقف يقيم من أحب؛ لأن العين في الصدقة الموقوفة، وإن زال عن ملكه حقيقة فهو باقٍ على ملكه حكماً، ألا ترى أنه جعل متصدقاً شرعاً بكل ما يحدث من الغلة كأنها حدثت على ملكه، وجعل هو متصدقاً لها صدقة جديدة؟ فدل أنها مبقاة على ملكه حكماً فيعتبر بما لو كانت مبقاة على ملكه حقيقة وهناك التدبير في التصرف وفي نصب المتصرف إليه لا إلى القاضي كذا ههنا، هكذا ذكر المسألة في «أصل الوقف» وفي «السير الكبير» وقال محمد ﵀: القاضي أولى بنصب قيم آخر، وإن مات القيم بعدما مات الواقف، فإن كان القيم قد أوصى إلى غيره فوصيه بمنزلته، وإن كان لم يوص إلى غيره فولاية نصب القيم للقاضي، ولا يجعل القيم من الأجانب ما دام يوجد من ولد الواقف وأهل بيته من يصلح لذلك لأنه أشفق على الوقف من الأجنبي به، وإن لم يوجد من ولد الواقف وأهل بيته من يصلح لذلك، جعل القيم من الأجانب في هذه الصورة ثم صار فيهم من يصلح لذلك صرفه إليه، كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح كتاب الوقف، وبعض مشايخنا ذكروا في شروحهم: أنه لا يصرف إليه إلا إذا كان الواقف شرط ذلك في الوقف. المتولي إذا أراد أن يفوض إلى غيره عند الموت بالوصية يجوز، بمنزلة الوصي عند الموت، وللوصي أن يوصي إلى غيره، وإذا أراد أن يقيم غيره مقام نفسه (في) وصيته وصحته، لا يجوز إلا إذا كان التفويض إليه على سبيل العموم. الفصل السابع: في تصرف القيم في الأوقاف وهو أنواع: منه (ما) رجع إلى عمارة الوقف: رجل وقف أرضاً له على المساكين وقفاً صحيحاً ولم يذكر عمارتها في غلة هذه الأرض فهذا القيم أو لا من الغلة بعمارتها وما يصلحها (٨أ٣) وما فضل من ذلك يقسم على الفقراء، وهذا لأن العمارة وإن لم تكن مشروطة في الوقف نصاً فهي مشروطة اقتضاء، لأن مقصود الواقف إدرار الغلة مؤبداً على المساكين، وهذا المقصود إنما يحصل بإصلاحها وعمارتها، فهي معنى قولنا: إن العمارة مشروطة اقتضاء ثابت بطريق الضرورة والضرورة تندفع بشرط العمارة من غلة هذه الأرض، فلهذا كانت العمارة في غلة هذه الأرض، فإن كان في أرض الوقف نخلة فخاف القيم هلاكها كان له أن يشتري من غلتها فصلاً فيغرسه، لأن النخل بنسله على امتداد الزمان فتهلك فينقطع ثمرها فكان إبقاؤها بالغرس مكانها حتى يبقى خلفاً عن سلف، وهو نظير الدار الموقوفة كرم ما استرم منه بإدخال خشبته ولبن ونحوها حتى لا يخرب، فإن كانت قطعة من هذه الأرض سبخة لا تنبت شيئاً فيحتاج الي كشح وجهها وإصلاحها حتى تنبت، كان للقيم أن يبدأ من غلة جملة الأرض بمؤنة إصلاح تلك القطعة؛ لأنها إذا صلحت كبرت الغلة فكان أنفع للفقراء.

стр. 2320

قال: إذا أراد القيم أن يبني فيها قرية ليسكن أهلها وحفاظها ويحرز فيها الغلة لحاجته إلى ذلك كان له أن يفعل ذلك، لأن هذا من جملة مصالح الوقف، وهذا كالخان الموقوف على الفقراء إذا احتيج فيه إلى خادم يكشح الخان ويفتح الباب ويسده، فسلم المتولي إلى رجل بعض البيوت بطريق الأجرة له ليقوم بذلك فهو جائز وطريقه ما قلنا كذا ههنا. وإن أراد أن يبني فيها بيوتا يصلها بالإجارة فهذه المسألة في الحاصل على وجهين: إن كانت أرض الوقف متصلة ببيوت المصر يرعب في استئجار بيوتها ويكون غلة ذلك فوق غلة الأرض والنخل كان له ذلك، وإن كان أرض الوقف بعيداً عن المصر، ولا يرغب في استئجار بيوتها بأجرة تزيد منفعتها علي منفعة الزراعة فليس له ذلك والوجه في ذلك أن الواقف ما عين جهة الاستغلال نصاً لكن عين الاستغلال بالزراعة فيجب العمل بهذا الظاهر ما لم يوجد جهة أخرى في حق الفقراء؛ لأنا نعلم قطعاً أن غرض الواقف من الوقف إنفاع الفقراء، ففي الوجه الأول وجدنا جهة أخرى هي أنفع في حق الفقراء من الزراعة، فتركنا هذا الظاهر تحصيلاً لغرض الواقف بأبلغ الوجوه، وقد روي عن محمد ما هو أبعد من هذا، فإنه قال: إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال والقيم يجد بثمنها أرضاً أخرى هي أكثر ريعاً كان له أن يبيع هذه الأرض وثم يشتري بثمنها ما هو أكثر ريعاً، فأما في الوجه الثاني لم نجد جهة أخرى هي أنفع في حق الفقراء من الزراعة، فعملنا فيه بالظاهر، فلم يكن القيم في هذه الصورة مأذوناً بالبناء والاستغلال بالإجارة، فلا يكون له أن يفعل ذلك. وإذا قال: داري هذه صدقة موقوفة على الفقراء على أن سكناها لفلان ما عاش، فإذا مات فلان سكانها لفلان آخر ما عاش، فإذا مات فلان فعلى الفقراء، فهذا وقف صحيح، وإذا صح الوقف واحتيج إلى العمارة (فالعمارة) على من يستحق الغلة كما في الباب الأول إلا أن في الباب الأول المستحق للغلة الفقراء، وهم قوم كثر لا يمكن مطالبتهم بالعمارة، فقلنا: بأن القيم يبدأ من الغلة بالعمارة، وههنا المستحق للغلة شخص معين يمكن مطالبته بالعمارة وهو الأول ما عاش وبعده الثاني، فلا يحبس شيء من الغلة لأجل العمارة بل تصرف كل الغلة إلى الأوقاف ويطالب بالعمارة، وله أن يعمرها من أي مال شاء، وإنما المستحق العمارة بقدر ما يبقى الوقت على الصفة التي وقفه المالك، ولا يطالب بالزيادة إلا أن يرضى فلان بالزيادة فحينئذ يكون تبرعا بالزيادة وله ذلك. ولو كانت الغلة مصروفة إلى الفقراء وكان في زيادة العمارة زيادة في الغلة، ورأى القيم أن يزيد في العمارة لتزيد الغلة، اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا له ذلك وقاسوه بمسألة هذا أن أرضي أوقفت على الفقراء إذا كانت متصلة ببيوت المصر، فأراد القيم أن يبني فيها بيوتاً يستغلها بأجر فله ذلك وفيه صرف الغلة إلى زيادة العمارة من غير ضرورة، ومنهم من قال: ليس له ذلك؛ لأن صرف الغلة إلى العمارة ثبت ضرورة في الزيادة فوجب صرف الغلة إلى مصرفها وهو الفقراء، وهذا لأن المستحق على القيم العمارة بقدر ما تبقى

стр. 2321

الأرض موقوفة أو الدار على الصفة التي وقفها المالك ولا ينقص لأنها بصفتها صارت غلتها مستحقة الصرف إلى الفقراء، فأما الزيادة على ذلك فليست بمستحقة عليه والغلة مستحقة للفقراء، فلا يجوز صرف غلة مستحقة إلى جهة غير مستحقة، والدليل عليه أن المتولي لو أراد أن يشتري بالغلة داراً أخرى أو أرضاً أخرى ليضمها إلى الأول، فيستغلها للفقراء ليس له ذلك، فأما بناء البيوت للغلة في أرض الوقف فليس ذلك من باب الزيادة إنما ذلك تبديل جهة الاستغلال إلى جهة خير من الأولى، فأما المستغل واحد والجهتان فيه مختلفان، فكان ذلك بمنزلة أصل العمارة لا بمنزلة الزيادة ولكن الإشكال قائم، فإنه لا ضرورة في صرف الغلة إلى تبديل جهة الاستغلال كما لا ضرورة في الزيادة ههنا. قال: فإن احتاج الوقف إلى العمارة في مسألتنا فلأن الذي شرط له الغلة ما عاش إما للأول، وأما الثاني إلى العمارة فإنه لا يجبر على العمارة لأن في العمارة إتلاف ماله ولكن لو أجر هذا الوقف من غيره بقدر ما ينفق من غلتها في العمارة، فإذا حصلت العمارة تصرف الغلة إليه وهذا لأنه لابد من العمارة كما مر، ويقدر خبرة هذا الرجل على العمارة، فحصلت العمارة في الغلة كما في باب الفقراء، وهذا الذي ذكرنا أنه لو أجر الدار من ماله وأبى البعض قال: من أراد العمارة عمر بحصته ومن أخر حصته وصرفت غلته إلى العمارة إلى أن يحصل العمارة ثم يعاد إليه، ويعتبر لكل بعض حكم نفسه فإن كان الواقف حين شرط الغلة لفلان ماعاش بشرطه على فلان مرمتها وإصلاحها فيها كأن لا بدّ لها منه فالوقف جائز مع هذا الشرط لأن هذا الشرط يقتضيه مطلق العقد، وإنما أورد المسألة بهذا الشرط لنوع أشكال أنه لما شرط له السكنى وشرط عليه المرمة كان بمنزلة الإجارة والأجرة مجهولة فينبغي أن يفسد، والجواب أن مع اشتراط المرمة عليه لا يصير إجارة؛ لأن المرمة لا تصير مستحقة عليه بالشرط، فصار وجود هذا الشرط والعدم بمنزلة، فإن خربت الدار الموقوفة ورمها الذي شرط له السكنى من ماله ثم مات فالبناء (٨ب٣) ميراث لورثته (فيقال لهم) ارفعوا بناءكم، فإن رفعوه ... له أن ملكوه الوقوف عليه بعد ذلك بالقيمة جاز بتراضيهم؛ لأن تمليك مال بمال بالتراضي، وإن أبى أحد الفريقين ذلك لا يجبر عليه؛ لأن الإنسان لا يجبر على البيع والشراء. ونظيره: من غصب ساحة وبنى عليها ثم مات وهناك الجواب كما قلنا فكذا في الوقف، فإن كان المشروط له السكنى أدار حيطان الدار الموقوفة بالآجر وجصصها أو أدخل فيها..... ثم مات ولا يمكن نزع شيء من ذلك إلا بضرر بالبناء، فليس لورثته أخذ شيء من ذلك صيانة لبناء الدار الموقوفة، ولكن يقال للمشروط له السكنى بعده اضمن لورثة الميت قيمة البناء ولك السكنى، فإن أبى أوخرب الدار فصرفت الغلة إلى ورثة الميت فقدر قيمة البناء، فإذا توفر عليه ذلك أعيدت السكنى إلى من له السكنى. واستشهد في «الكتاب» لإيضاح ما ذكرنا بمسألة فقال: ألا ترى أن من عمر داراً

стр. 2322

دخل بغير إذنه لا يخلص مرمتها إلا بضرر بالدار فإنه ليس للذي عمر الدار أن يأخذ مرمتها، ويقال لصاحب الدار: ضمن له قيمة مرمته كذا هنا، إلا أنَّهُ فرّق بين المسألتين أن في مسألتنا من له سكنى الدار إذا رضي أن يأخذ ورثة الميت، أماهم لا يصح رضاهم، وفي تلك المسألة إذا رضي صاحب الدار أن يأخذ الثاني مرمته صح رضاه، وقيل للآجر: خذ مرمتك، والفرق بينهما أن صاحب الدار مالك رقبة الدار، فإذا رضي بلحوق الضرر بملكه عمل رضاه، وفي باب الوقف الموقوف عليهم الفقراء وإنما صار السكنى لهؤلاء باستثناء السكنى بهم من سكنى الفقراء فيكون الضرر برفع البناء عائداً إلى الفقراء فلا يصح رضاه، وإن كان ما رم الأول قبل تجصيص أو تطيين سطوح أو ما أشبهه ثم مات الأول، فليس لورثته أن يرجع بشيء من ذلك على الثاني، لأنها مستهلكة لها، ألا ترى أن رجلاً لو اشترى داراً وجصصها أو طين سطوحها ثم استحقت الدار لا يكون للمشتري أن يرجع على البائع بقيمة الجص وإنما يكون له الرجوع على البائع بقيمة ما يمكن أن يهدمه ويسلم إليه. ومن هذا الجنس ذكر في «فتاوي أبي الليث» : حانوت موقوف على الفقراء وله قيم بنى رجل في هذا الحانوت بناء بغير إذن القيم ليس له أن يرجع بذلك على القيم، فبعد ذلك ينظر إن كان أمكنة رفع ما بنى من غير (أن) يضر بالبناء القديم فله رفعه، وإن لم يمكنه رفع ما بنى من غير أن يضر بالبناء القديم فليس له رفعه ولكن يتربص أن يتخلص ماله إن لم يرض هو بتملك القيم البناء للوقف، وإن اصطلح مع الوصي على أن يجعل البناء للوقف ببدل يجوز لكن ينظر إلى قيمته مبنياً وإلى قيمته منزوعاً، فأيهما كان أقل لا يجاوز ذلك، قال المشروط له السكنى لا يؤاجر كالموصى له بالسكنى؛ لأنه ملك المنفعة بغير بدل. وأما المشروط له الغلة والموصى له بالغلة هل له أن يسكن مكان أبو بكر بن سعيد يقول: لا يسكن. وهكذا ذكر الخصاف في «وقفه» ؛ لأن فيه ضرراً بالميت، فربما يظهر على الميت دين، فتصرف هذه الغلة إلى قضائه وبالسكنى يبطل ذلك، وكان أبو بكر الاسكاف يقول: له أنه يسكن، وقال: ما يسقط من البناء فللقيم أن يبيعه لأن الوقفية زالت حكماً بأن فصار منقولاً، وهذا إذا لم يمكن إعادته إلى موضعه. فأما إذا أمكن أعيد إلى موضعه؛ لأنه من رقبة الوقف؛ لأن الثمن بدل ما سقط، وكذلك ما تناثر من البناء من تراب فللقيم بيعه وصرف ثمنه إلى المرمة، ولا يصرف من ثمن ما أسقط إلى الفقراء؛ لأنه بدل البعض والبعض من جملة تربة الوقف ولا حق للفقراء في تربته، وإنما الحق لهم في غلته ولا يصرف شيء من ذلك للفقراء، وإنما يصرف إلى المرمة وما فضل من ذلك عن المرمة يمسكه القيم إلى وقت الحاجة إلى المرمة، وإن كان المشروط له السكنى قبل الفقراء إنما شرطت له غلة سنة، فليس عليه شيء من العمارة؛ لأن العمارة لا تفيد إلا في السنين المستقبلة، فمنفعتها لا تصل إلى صاحب السنة، وكذلك إذا شرط له غلة سنين، فلا شيء عليه من العمارة، وأما المشروط له الغلة في ثلث سنين يؤخذ بالعمارة؛ لأن منفعة العمارة تعود إليه.

стр. 2323

قال: ويجوز أن يقال في المشروط له غلة سنين إذا حدث صورتين في الوقف يؤمر بعمارة قليلة مقدار ما تبقى الدار الموقوفة إلى السنة الثانية نحو تطيين الحائط الذي أخذ في الخراب قدر ما يمنع السقوط في السنة الثانية ونحو سدر ما والسطوح والحيطان قدر ما يمنع الخراب في السنة الثانية، وإذا خرب أرض الوقف، وأراد القيم أن يبيع بعضاً منها ليرم الباقي بثمن ما باع ليس له ذلك؛ لأنا لو أطلقنا ذلك له أدى إلى أن يبطل الوقف كله، فإنه كلما خرب شيء منها باع بعض الباقي وعمر الباقي إلى أن لا يبقى الوقف، وليس بيع بعض الوقف كبيع بعضه وكبيع نخلة في أرض الوقف قد سقطت؛ لأن التربة أصل في الوقف، ولا يجوز إبطال أحد الأصلين لأجل الأصل الآخر، فأما البناء والنخل منع سبب الاتصال، فإذا سقط سقوطاً لا يمكن إعادته إليه صار منقولاً وزالت الوقفية إلى بدله، فإن باع عن عينه فاحلنا الوقفية إلى بدله. فإن باع القيم شيئاً من البناء لم ينهدم ليهدم او نخلة حية لتقطع فالبيع باطل؛ لأنه ما دام متصلاً بالأصل فالوقفية ثابته له بحكم الاتصال، فإن هدم المشتري البناء أو حرق النخل ينبغي للقاضي أن يخرج القيم عن هذا الوقف؛ لأنه صار خائناً، ولا ينبغي للقاضي أن يأتمن الخائن بل سبيله أن يعزله ثم القاضي إن شاء ضمن له قيمة ذلك البائع وإن شاء ضمن المشتري؛ لأن كل واحد منهما متعد في استهلاك ما استهلك فيضمن كل واحد منهما، فإن ضمن البائع نفذ بيعه، وإن ضمن المشتري بطل بيعه، وهذا عرف في كتاب الغصب. نوع منه: يرجع إلى العقود وإذا وقف داره على الفقراء فالقيم يؤاجرها؛ لأنه استغلال الوقف ولا بد للوقف منه، ويبدأ من غلتها بعمارتها وما فضل يصرف إلى الفقراء، وليس للقيم أن يسكن فيها أحداً بغير أجر؛ لأنه إتلاف منافع الوقف بغير عوض، وإن مات القيم بعد ما أجر لا تبطل الإجارة، وإن كان الواقف هو الذي أجر ثم مات ففيه قياس واستحسان، القياس أن تبطل الإجارة وبه أخذ أبو بكر الإسكاف؛ لأن الواقف بمنزلة المالك ليس لأحد حجره ومنعه، والمالك لو أجره ومات انتقضت الإجارة، وفي الاستحسان لا تنقض الإجارة؛ لأنه أجرها لغيره وهو الفقراء كالوكيل والقيم (٩أ٣) إذا أخذ ثم مات، وهذا لأن الإجارة إنما تنقض بموت المالك؛ لأن الملك بالموت ينتقل إلى الوارث، فلو لم يبطل حصل استيفاء المنافع على ملك غير الأجر، وإنه لا يجوز، وهذا المعنى معدوم ههنا بهذا الطريق لم تنتقض الإجارة بموت الوكيل ولم تنتقض بموت الموكل. وبهذا الطريق قلنا: الوصي إذا أجر دار اليتيم ومات الوصي لا تنقض الإجارة. ولو مات الصبي تنتقض، ولم يذكر القياس والاستحسان في الوكيل بالاستئجار إذا مات؛ لأن الوكيل بالاستئجار حاله كحال الوكيل بشراء العين؛ لأن المنافع لها حكم الأعيان؛ فيصير الموكل كأنه يملك من جهة الوكيل فيكون للوكيل حكم المالك، فأما الوكيل

стр. 2324

بالإجارة فليس له حكم المالك؛ لأن المنافع إنما تتولد من دار هي للموكل فكان على الوكيل في العقد لا غير، وقد فرغ منه. في «واقعات الناطفي» القاضي إذا أجر الدار الموقوفة ثم عزل قبل انقضاء المدة لا تبطل الإجارة؛ لأنه بمنزلة الوكيل عن الفقراء. وفيه أيضاً دار موقوفة أجرها الوصي مدة معلومة ثم مات بعض الموقوف عليهم قبل تمام المدة لا تبطل الإجارة، فالإجارة لا تبطل بموت الموقوف عليه؛ لأنه ليس بمالك الرقبة، إنما حقهم في الغلة ثم ما وجب من الغلة إن مات هذا الميت تصرف إلى ورثته، وما وجب بعد موته فهو لمن بقي. وكذا لو مات بعضهم بعد موت الأول ثم، فهو على هذا القياس وسيأتي تمام ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى. ولا تجوز الإجارة الطويلة على الوقف، ولو احتيج إليها فالوجه في ذلك أن يعقدوا عقوداً مترادفة كل عقد على سنة فيكتب استأجر فلان بن فلان كذا بثلاثين عقدا كل عقد على سنة فيكون العقد الأول لازماً لأنه ناجز، ويكون العقد الثاني غير لازم لأنه مضاف. وإن أجر متولي الوقف داراً موقوفة أو أرضاً موقوفة أكثر من سنة، فإن كان الواقف شرط أن لا يؤاجر أكثر من سنة والناس لا يرغبون في استئجارها سنة وكانت إجارتها أكثر من سنة أدر على الوقف وأنفع لا يجوز إجارته أكثر من سنة؛ لأن شرط الواقف مراعى، فإن كان قد شرط أن يؤاجر أكثر من سنة إلا إذا كان أنفع للفقراء فحينئذ تجوز إجارته أكثر من سنة إذا رأى ذلك خيراً للفقراء، وإن لم يشترط في الوقف أن لا يؤاجر أكثر من سنة، روي عن الفقيه أبي جعفر أنه كان يقول في الدور: لا تؤاجر أكثر من سنة، وهذا لأن المدة إذا طالت أدت إلى إبطال الوقف عسى أنه متى تصرف فيه بتصرف الملاك على طول الزمان، وكل من لقيه يظن أنه متصرف في ملكه، فمتى أنكر المستأجر الوقف وادعى الملك فهؤلاء الذين لقوه يتصرف ويشهدون له بالملك. وأما في الأرض فإن كانت الأرض تزرع في كل سنة مرة فكذلك، وإن كانت تزرع في كل سنتين مرة أو في كل سنين مرة، فيزرع في كل سنة طائفة منها، فينبغي أن يشترط في المدة ذلك القدر الذي يتمكن به المستأجر من زراعة الكل على العادة؛ لأنه لو آجرها سنة والحالة هذه المستأجر يزرع كل الأرض، فيؤدي إلى تخريب الأرض. وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو جعفر البخاري يجيز في الضياع ثلاث سنين؛ لأن مصلحة الوقف في ذلك؛ لأن المستأجر لا يرغب في أقل من ذلك، وكان لا يجيز في غير الضياع أكثر من سنة واحدة، وكان الفقيه أبو الليث يجيز ذلك في ثلاث سنين في الضياع والدار وغيرها. قال الصدر الشهيد في «واقعاته» : المختار أن يفتي في الضياع الجواز في ثلاث سنين إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز، وهذا أمر يختلف باختلاف الموضع واختلاف الزمان، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ يقول: لا ينبغي للمتولي أن يؤاجر أكثر من ثلاث سنين، ولو فعل جازت الإجارة وصحت، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الحيلة التي ذكرناها في الإجارة الطويلة.

стр. 2325

رجل له دار فيها موضع مقدار بيت هو وقف لا يصل إلى الموقوف عليه شيء من غلته، فأراد صاحب الدار أن يستأجره مدة طويلة، فإن (كان) لهذا الموضع سلك إلى الطريق الأعظم لا يجوز لأنه لو جاز يندرس الوقف، وإن (لم) يكن لهذا الموضع سلك إلى الطريق الأعظم (فإنه يجوز) . إذا استأجر أرض وقف ثلاث سنين بأجرة معلومة، هي أجر المثل حتى جازت الإجارة فرخصت أجرتها لا تفسخ الإجارة، وإن ازداد أجر مثلها بعد مضي بعض المدة على رواية «فتاوى سمرقند» بأن لا يفسخ العقد، وعلى رواية «شرح الطحاوي» يفسخ، ويجدد العقد، وإلى وقت الفسخ يجب المسمى لما مضى، ولو كانت الأرض بحال لا يمكن فسخ الإجارة فيها بأن كان فيها زرع لم يستحصد بعد قال: وقت زيادته يجب المسمى بقدره وبعد الزيادة إلى تمام السنة يجب أجر سنة وزيادة الأجر يقيم إذا نهاه عند الكل. هذه الجملة في مزارعه «شرح الطحاوي» حانوت وقف عمارته لآخر، أبى صاحب الوقف أن يؤجره بأجر مثله فهذا على وجهين، أما إن كانت العمارة لو رفعت يستأجر بأكثر مما يستأجر هو وفي هذا الوجه كلف رفع العمارة ويؤاجر من غيره، لأن النقصان عن أجر المثل من غير ضرورة لا يجوز، وأما إن كانت العمارة إذا رفعت لا يستأجر بأكثر مما يستأجر هو وفي هذا الوجه لا يكلف رفع العمارة ويبقى سنة في يده بذلك الأجر؛ لأن فيه ضرورة. في «فتاوي أبي الليث» في وقف الخصاف: إذا أجر الوقف إجارة طويلة إن كان يخاف على رقبتها التلف بسبب هذه الإجارة، فللحاكم أن يبطلها، وكذلك أجرها من رجل يخاف على رقبتها من المستأجر ينبغي للحاكم أن يبطل الإجارة. في «فتاوي أهل سمرقند» خان أو رباط سبيل، أراد أن يخرب يؤاجر وينفق عليه فإذا صار معموراً لا يؤاجر؛ لأنه لو لم يؤاجر يندرس فيه. وفيه أيضاً: قيم على عمارة وقف استأجر أجيراً بدرهم ودانق، وأجر مثله درهم، فاستعمله في عمارة الوقف ونقد الأجرة من مال الوقف يضمن جميع ما نقد لأن الاجارة وقعت له. متولي الوقف إذا أسكن رجلاً بغير أجر ذكر هلال أنه لا شيء على الساكن، وعامة المتأخرين من المشايخ أن عليه أجر المثل سواء كانت الدار معدة للاستغلال أو لم تكن، صيانة للوقف وعليه الفتوى. وكذلك قالوا فيمن سكن دار الوقف بغير أمر القيم وبغير أمر الواقف كان عليه أجر المثل بالغاً ما بلغ، وكذا قالوا في أهل الجماعة: إذا رمموا الوقف حتى لم يصح أو سكنه المرممون يجب أجر المثل سواء كانت الدار معدة للاستغلال أو لم (٩ب٣) تكن. وكذلك قالوا في متولي مسجد باع منزلاً موقوفا على المسجد، فسكنه المشتري ثم عزل القاضي هذا المتولي وولى غيره فادعى هذا الثاني على المشتري المنزل أن البيع

стр. 2326

باطل وأبطل القاضي البيع وسلم إلى المتولي الثاني، فعلى المشتري أجر مثل هذا المنزل سواء كانت الدار معدة للاستغلال أو لم تكن. وإذا أجر القيم الدار بأقل من أجر المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه حتى لم تجز الإجارة لو سكنه المستأجر كان عليه أجر المثل بالغاً ما بلغ على ما اختاره المتأخرون من المشايخ، وكذلك إذا أجره إجارة فاسدة، إذا أجر القيم دار الوقف من نفسه لا يجوز، كذا ذكر هلال في «وقفه» ، وكذا (لو) أجره من عبده أو مكاتبه لا يجوز كما لو أجره من نفسه على قياس الوكيل إذا أجر من نفسه؛ لأن كل واحد منهما يتصرف بتفويض من جهة غيره. وقيل: ينبغي أن يكون هذا على قياس الوصي إذا باع مال الصبي من نفسه، إن كان فيه منفعة للوقف يجوز عند أبي حنيفة. ولو أجر من ابنه أو أبيه، هو على الاختلاف في الوكيل عند أبي حنيفة لا يجوز، وعندها يجوز، ومن مشايخنا من قال هنا: يجوز وقاسه على المضارب إذا أجر من هؤلاء، فإنه يجوز بلا خلاف، وكذلك الوصي؛ لأنهما عاما التصرف بخلاف الوكيل. ومن مشايخنا من قال: لو فرق إنسان بين المضارب والوصي وبين والي الوقف لأبي حنيفة جاز، فإن والي الوقف ليس بعام الولاية، وإن كان وصياً في الوقف، ألا ترى أنه لا يتجاوز أمر الواقف وشرطه؟ إذا أجر القيم الدار الموقوفة بعرض من العروض جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز إلا بالدارهم والدنانير، وذكر هذه المسألة في الإجارات، وأجاب بالجواز من غير ذكر الاختلاف، والمتأخرون من مشايخنا قالوا: إنما لم يذكر محمد ﵀ الخلاف؛ لأنه لم يكن في الأجرة تعارف في زمنهم، وذكر هلال الخلاف؛ لأنه كان الأجر تعامل كما في الثمن. قال الفقيه أبو جعفر: وفي زماننا في الأجر تعامل كما في الثمن، وبعض مشايخنا قالوا: إنما يجوز في الوقف عند أبي حنيفة ﵀ ما تعارفه الناس أجرة وثمناً في الاجارات والبياعات مثل الحنطة والشعير، فأما العبيد فلا يجوز بالإجماع. والأب والوصي إذا أجر دار اليتيم بعرض يجوز بلا خلاف؛ لأنهما يملكان شراء العرض له، فأما قيم الوقف فشراؤه العرض على الوقف لا يجوز فكان كالوكيل، ثم إذا جاز إجارة الوقف بالعرض على قول من قال بالجواز فالقيم يبيع العرض الذي هو أجره ويجعل في سبيل الوقف. إذا أجر القيم الوقف وشرط المرمة على المستأجر بطلت الإجارة؛ لأن المرمة مجهولة إلا أن يسمي دراهم معلومة ويأمره بأن يصرفها في المرمة، وإذا كان الوقف على معينين فأجر القيم الوقف من الموقوف عليهم جاز؛ لأنه لا حق لهم في الرقبة إنما حقهم في الغلة، فصار في حق الرقبة كالأجانب إلا أنه يسقط حصة المستأجر من الأجر؛ لأنه لو أخذ منه استرد ثانياً فلا يفيد الأخذ. والموقوف عليهم لو أرادوا أن يؤاجروا لا يجوز لما ذكرنا أنه لا حق لهم في الرقبة ولا ملك قال الفقيه أبو جعفر: إذا كان الأجر كله له بأن كان الواقف لا يحتاج إلى

стр. 2327

العمارة كالحوانيت والدور وليس معه شريك في الوقف حينئذ جازت الإجارة، وأما في الأرض إن كان الواقف شرط تقديم العشر والخراج وسائر المؤن وما فضل فللموقوف عليهم فليس لهم إجارته؛ لأن فيه إبطال (لشرط) الواقف البداية بالخراج والمؤن. بيانه: أن إجارة الموقوف عليه إنما تجوز على معنى إجارته ملك نفسه لا على اعتبار إجارته للوقف؛ لأنه ليس بمتول للوقف، وإذا كان جواز إجارته على اعتبار إجارته ملك نفسه لنفسه كان الأجر له ليس فيه خراج ولا شيء فهو على معنى قولنا: إن فيه إبطال شرط الواقف، وأما إذا لم يشترط بداية الخراج والمؤن يجب أن تجوز إجارته ويكون الخراج والمؤنة عليه، وهو نظير ما روي عن أبي يوسف في أرض الوقف إذا كان الموقوف عليهم اثنين أو ثلاثة فتقاسموا وأخذ كل واحد منهم أرضاً يزرعها بنفسه قال أبو يوسف: إن كانت الأرض عشرية جاز منها ما يأتهم، وإن كانت الأرض خراجية لا يجوز قال: لأن العشر صدقة، وما وقف عليهم كالصدقة عليهم، فصارت الجهة في جميع الغلة واحدة فأشبه سكنى الدار. إذا كان الموقوف عليهم نفراً فبدالهم أن يقتسموا وأن يسكن كل واحد منهم ناحية منها على سبيل التهايؤ إذ ليس فيه تعين شرط إذ ليس سبيل العشر أن يبدأ كما يبدأ بالخراج والمؤن، وأما في الأرض الخراجية، فإن عادة الواقفين شرطهم بداية الخراج من الغلات، ونحن لو أخرنا التهايؤ لم يكن الخراج في الغلة، بل يكون في ذمة الموقوف عليهم إذ (الحال) صورة التهايؤ، وأن يخص كل واحد منهم بما يخصه، ولما صار بالمنفعة مختصاً كان المالك، فيكون الخراج في ذمته كالمالك، فيكون فيه تعيين شرط الواقف،؛ لأن الواقف شرط أن يكون الخراج في الغلة. قال الفقيه أبو جعفر ﵀: وقد احتال بعض الصكاكين في زماننا في الصكوك في إجارة الوقف لما كان الفتوى على أن إجارة الوقف لا تجوز في السنين الكثيرة فذكروا في الصك أن الواقف وكل فلان بإجارة هذه الضيعة من فلان كل سنة بكذا وهي ما أخرجه من الوكالة فهو وكيل. وأرادوا بذلك بقاء الوقف في يد المستأجر أكثر من سنة. قال الفقيه أبو جعفر: إلا أنا نبطل هذه الوكالة في الوقف، وإن كان القياس تجويزه تحرياً بإصلاح الوقف كما تبطل الإجارة. وقد اختلف نصير بن يحيى ومحمد بن سلمة في الوكالة بهذه الصفة قال نصير: يجوز، وقال محمد بن سلمة: لا يجوز، قال الفقيه أبو جعفر: إنما اختلفا لاختلافهما في معنى قولهما: مهما عزلتك فأنت وكيلي، قال محمد بن سلمة: معناه كلما عزلتك فأنت وكيلي بالوكالة السابقة، وهذا مخالف للشريعة؛ لأنهما قصدا أن لا يرد على هذه الوكالة العزل، ومن حكم الشرع أن الوكالة يرد عليها العزل. وقال نصير معناه: كلما عزلتك فأنت وكيلي وكالة مشايعه، ولو صرح بهذا يصح؛ لأن الوكالة يصح تعليقها بالشروط، فيصح تعليقها بشرط العزل قال الفقيه أبو جعفر: ونحن نبطل هذه الوكالة في الوقف؛ لأنه أصلح للوقف.

стр. 2328

استأجر أرضاً موقوفة وبنى فيها حانوتاً وسكنها، فأراد غيره أن يزيد في الغلة ويخرجه من الحانوت ينظر إن آجره مشاهرة، فإذا جاء رأس الشهر كان للقيم فسخ الإجارة إذا كانت مشاهرة ينعقد رأس كل شهر، فبعد ذلك ينظر إن كان رفع البناء لا يضر بالوقف رفعه إن شاء؛ لأنه ملكه، وإن كان رفع البناء يضر بالوقف، فبعد ذلك المسئلة على وجهين: إن كان المستأجر يرضى أن يتملك القيم بناء الوقف بقيمته مثبتا أو منزوعاً أيهما كان أقل يملك القيم ذلك، وإن كان لا يرضى (١٠أ٣) لا يتملك؛ لأن تملك ماله بغير رضاه لا يجوز فيبقى إلى أن يتخلص ملكه. في «فتاوى أبي الليث» في «فتاوى الفضلي» : فقير يسكن وقف الفقراء بأجر فترك له بحساب الفقراء ما وجب عليه من الأجر يجوز، فالرواية محفوظة عن علمائنا أن من له حق في مال بيت المال إذا ترك عليه خراج أرضه لمكان حقه في بيت المال جاز، هكذا قال في «فتاوى أبي الليث» . قيم وقف أجر دار الوقف فله أن يحتال بالغلة على مديون المستأجر إذا كان مليئاً، واذا كان أخذ كفيلاً فذاك أولى؛ لانه إذا أخذ كفيلاً فكان المطالب بالأجر اثنان. في آخر إجارات «فتاوى أبي الليث» : إذا باع الأشجار التي في أرض الوقف ثم أجر منه الأرض، فإن باع الأشجار بعروقها دون الأرض يجوز إذا لم تكن الإجارة طويلة؛ لأن الأرض لا تكون مشغولةً بملك الغير فيصح التسليم، وإن باع الأشجار من وجه الأرض لا تجوز إجارة الأرض؛ لأن الأرض مشغولة بملك الغير وهو عروق الأشجار فلا يصح التسليم، وإن كان قد وقع الأشجار منه معاملة سنة أو سنتين أو ما أشبه ذلك، ثم أجر الأرض منه بأجر المثل، فعلى قول أبي حنيفة لا تجوز إجارة الأرض عنده للعاملة غير الجائزة فتبقى الأرض مشغولةً بحق الأجر فلا تجوز الإجارة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله المعاملة جائزة فجازت الإجارة والاحتياط: أن يبيع الأشجار بعروقها ثم يؤاجر الأرض ليكون متفقاً عليه. وإذا أراد أن يستأجر أجراء ليعملوا في أرض الوقف جاز؛ لأن فيه منفعة راجعة إلى الوقف، مزارعة يجوز إذا لم يكن فيه محاباه راجعة إلى الوقف قدر ما لا يتغابن الناس فيها؛ لأنه إن كان البذر من قبل القيم فهو مستأجر العامل ليعمل في الوقف، وإن كان البذر من قبل العامل فقد أجر الأرض منه ببعض الخارج، وكذلك لو دفع ما فيها من النخيل معاملة يجوز، فإن مات القيم قبل انقضاء مدة المزارعة والمعاملة، وإن مات المزارع والمعامل، فإن المزارعة والمعاملة تبطلان. وإن دفع القيم أرض الوقف مزارعة سنين معلومة فهو جائز، إذا كان ذلك أنفع وأصلح في حق الفقراء جوز المزارعة سنين معلومة من غير التقدير بالثلاث، والمعنى الذي لأجله استحسن المشايخ أن لا تجوز الإجارة الطويلة على الوقف هو أن لا يؤدي إلى إبطال الوقف، عسى لا يتأتى في المزارعة يعرف بالتأمل إن شاء الله تعالى. وإذا دفع أرض الوقف مزارعة أو دفع نخيل الوقف معاملة ولا حظّ فيه للواقف لا

стр. 2329

يجوز على الوقف ويصير غاصباً الأرض، فإن سلمت الأرض من النقصان فلا ضمان، وإن نقصت فالضمان واجب إن شاء على الآخذ ولا شيء للموقوف عليهم من الخارج من الأرض، وأما الثمار فهي للموقوف عليهم؛ لأنها تخرج من النخيل ولا شيء للمدفوع إليه من الثمار، إنما حقه في آخر عمله على الدافع في ماله خاصة ولا يرجع به على أحد ذكره هلال في «وقفه» . في «فتاوى أهل سمرقند» أرض وقف بدرعم وهي ناحية من نواحي سمرقند، استأجره رجل من حاكم درعم بدراهم معلومة وزرعها، فلما حصلت الغلة طلب المتولي الحصة من الغلة كما جرى العرف بالمزارعة بدرعم على النصف أو على الثلث، فقال الرجل عليَّ الأجر، كان للمتولي أن يأخذ الحصة؛ لأن تولية القاضي لهذا المتولي إن كان قبل تقليد الحاكم ثم دخل ذلك تحت تقليده إن كان بعد تقليده خرج عن ولاية تلك الأرض فلم يصح إجارته، فإذا زرعها وقد جرى العرف بالمزارعة على النصف أو على الثلث صار كأن المتولي دفعها إليه مزارعة على ذلك. في «فتاوى أبي الليث» : وقف ضيعة له على بنيه، فأراد أحدهم قسمتها ليدفع نصيبه مزارعة، قال: قسمة الوقف لا تجوز من أحد، وليس لأرباب الوقف أن يعقدوا على الوقف عقد مزارعه، وإنما ذلك للقيم. قال: أرض الوقف إذا كانت عشرية دفعها القيم مزارعة ومعاملة فعشر جميع الخارج في نصيب الدافع، وهذا على قول أبي حنيفة، فإن عنده في الإجارة بالدراهم العشر على الأجر كالخراج، وعندها: يجب في الخارج فكذلك في المزارعة؛ لأنه إن كان البذر من قبل رب الأرض، فهو مستأجر للعامل، فالعشر كله عليه، وإن كان البذر من قبل الزارع فالقيم يؤاجر الأرض فكان العشر عليه، وكان ينبغي أن لايجب العشر في أرض الوقف في الحاصل على الفقراء إنما وجب؛ لأن الآخذ مختلف؛ لأن حق أخذ العشر للسلطان، وله فيه حق العمالة، وإنما الوقف، فالقيم هو الذي يتصرف فيه. وهو نظير المال المنذور بالتصدق بها إذا حال الحول عليها يجب الزكاة فيها، فيؤدي صاحب المال الخمسة زكاة ويتصدق بالباقي، وإن كان المصرف في كلا الحقين واحداً. وإذا كانت الدار موقوفة على قوم أحدهما القيم فمات بعضهم قد ذكرنا قبل هذان الإجارة لا تنتقض بموت الموقوف عليه وذكرنا أيضاً أن ما وجب من الأجر قبل موت من مات منهم، فذلك ميراث لورثته وما وجب بعد موته فهو كله للباقين، فإن عجلت الأجرة واقتسمها الموقوف عليهم ثم مات أحدهم فالقياس أن تنقض القسمة ويكون للذي مات حصته من الأجرة مقدار ما عاش؛ لأن المنفعة التي تحدث بعد موته لا يتظهر ملكه ولكنا نستحسن، ولا ينقض القسمة؛ لأن القسمة قد صحت ووقع الملك لكل واحد منهم في نصيبه، فما حدث من السبب المغير في القسمة لا يقدح في القسمة الماضية كرجل مات وترك ألف درهم وعليه لرجل ألف درهم ولرجل ألفان فاقتسما الألف أثلاثاً ثم إن صاحب الألف أبرأ الميت لا تبطل القسمة كذا هنا. قال: وكذلك على هذا الشرط

стр. 2330

تعجيل الأجرة؛ لأن الأجرة كما تملك بالتعجيل تملك باشتراط التعجيل. قال: إذا أجر الدار الوقف سنة بمائة درهم والموقوف عليهم ثلاثة نفر ثم مات أحدهم بعد مضي ثلث (السنة ثم مات الثاني بعد مضي ثلث) آخر من السنة وبقي الثالث، فإن الثلث الأول من الأجرة بين ورثة الميت الأول وبين ورثة الميت الثاني وبين الباقي أثلاثاً، والثلث الثاني بين ورثة الثاني والباقي نصفان والثلث الثالث كله للباقي، فتخرج المسئلة من ثمانية عشر، قال هلال في «وقفه» : إذا احتاجت الصدقة إلى العمارة وليس في يد القيم ما يعمرها، فليس له أن يستدين عليها،؛ لأن الدين لا يجب ابتداء في الذمة وليس للوقف والفقراء.، وإن كان لهم ذمة إلا أن لكثرتهم لا يتصور مطالبتهم فلا يثبت الدين باستدانة القيم إلا عليه لا يملك قضاؤه من غلة هي للفقراء، وعن الفقيه أبي جعفر ﵀ أن القياس هذا، لكن يترك القياس فيما فيه ضرورة نحو أن يكون (١٠ب٣) في أرض الوقف زرع يأكله الجراد ويحتاج القيم إلى النفقة بجميع الزروع أو طالبه السلطان بالخراج جاز له الاستدانة؛ لأن القياس يترك بالضرورة. قال: والأحوط في هذه الضرورات أن يستدين بأمر الحاكم؛ لأن ولاية الحكم أعم في مصالح المسلمين من ولايته، فيكون أنفى لشبهة عدم ثبوت الدين، ألا (أن) يكون بعيداً من الحاكم ولا يمكنه الحضور، فلا بأس بأن يستدين بنفسه. وهذا إذا لم تكن السنة غلة، فأما إذا كانت يصرف القيم الغلة على المساكين ولم يمسك للخراج شيئاً، فإنه يضمن حصة الخراج؛ لأن قدر الخراج وما يحتاج إليه الوقف من العمارة والمؤنة مستثنى من حق الفقراء، فإذا دفع القيم ذلك ضمن، وهذا الذي روي عن الفقيه أبي جعفر مشكل؛ لأنه جمع بين أكل الجراد الزرع وبين الخراج ويتصور الاستدانة في أكل الجراد الزرع مال الفقراء، وهذا الدين إنما يستدان لحاجتهم فأمكن إيجاب الدين في مالهم، فأما في باب الخراج فلا يتصور؛ لأنه إن كان في الأرض غلة فلا ضرورة إلى الاستدانة؛ لأن الغلة تباع ويؤدى منه الخراج، وإن لم يكن في الأرض غلة فليس هنا إلا الرقبة، الوقف ليس للفقراء ولا يستقيم إيجاب دين يحتاج إليه الفقراء في مال ليس لهم، فهذا الفصل مشكل من هذا الوجه إلا أن يكون تصوير المسألة فيما إذا كان في الأرض غلة وكان معه متعذراً للحال وقد طولب بالخراج ثم ما روي عن الفقيه أبي جعفر في الخروج يدل على فضل العمارة أن الوقف إذا كان محتاجاً إلى العمارة وصرف القيم الغلة على الفقراء ولم يمسك للعمارة شيئاً ينبغي أن يضمن. وإذا لم يكن للوقف غلة وقد اشتدت حاجة الوقف إلى العمارة وخيف عليه ضرر بين وقد تحقت الضرورة كما في الزرع بأكل الجراد، وكما في الخراج إذا طولب به، قالوا: وليس قيم الوقف في الاستدانة على الوقف كالوصي في الاستدانة على القيم؛ لأن القيم له ذمة صحيحة وهو ملوم فيتصور مطالبته، ألا ترى أن للوصي أن يشتري لليتيم شيئاً نسيئة من غير ضرورة.

стр. 2331

وفي «فتاوى أبي الليث» قيم وقف طلب منه الجنايات والخراج وليس في يده من مال الوقف شيء، فإن أراد أن يستدين، فهذا على وجهين: إن أمره الواقف بالاستدانة فله ذلك، وإن لم يأمره بالاستدانة فقال: اختلف المشايخ فيه قال الصدر الشهيد: والمختار ما قاله الفقيه أبو الليث إنه إذا لم يكن من الاستدانة بد يرفع الأمر إلى القاضي حتى يأمره بالاستدانة ثم يرجع في الغلة؛ لأن للقاضي هذه الولاية. وفي «واقعات الناطفي» المتولي إذا أراد أن يستدين على الوقف ليجعل ذلك في ثمن البذر إن أراد ذلك بأمر القاضي فله ذلك بلا خلاف؛ لأن القاضي يملك الاستدانة على الوقف فيملك المتولي ذلك أيضاً بإذن القاضي، وإن أراد ذلك بغير أمر القاضي ففيه روايتان. متولي الوقف إذا رهن الوقف بدين لا يصح؛ لأن فيه تعطيل منافع الرهن، فإن سكن المرتهن فيه فعليه أجر المثل بالغاً ما بلغ سواء كان معداً للاستغلال أو لم يكن نظراً للوقف. وقد ذكرنا جنس هذه المسألة فيما تقدم. في «فتاوي أبي الليث» : أرض موقوفة في يدي أكار وكان فيه قطن فسرق القطن فوجده الأكار في منزل رجل فأخذ صاحب المنزل وخاصمه، فقال صاحب المنزل: ضمنت لك أن أعطيك مائة من القطن أيحل للقيم أن يأخذ ذلك؟ فهذا على ثلاثه أوجه: إما أن يعلم أن صاحب المنزل يعطي خوفاً من هتك الستر، أو أن يعلم أنه سرق ذلك المقدار أو أكثر أو أقر بذلك، أو علم أنه سرق لكن مما يعطي، ففي الوجه الأول: لا يجوز له أن يأخذ؛ لأنها رشوة، وفي الوجه الثاني جاز؛ لأنه أخذ بناء عليه، وفي الوجه الثالث لا يجوز إلا مقدار ما يعلم يقيناً أنه سرق؛ لأن الدين لم يكن فإذا وقع الشك فيه لا يثبت. وفي «فتاوى سمرقنديان» : أكار تناول من مال الوقف فصالحه المتولي على شيء، فهذا على وجهين: أما إن كان الأكار غنياً أو فقيراً، ففي الوجه الأول: لا يجوز الحط من مال الوقف، وفي الوجه الثاني: يجوز إذا لم يكن فيه غبن ظاهر. وفي «فتاوى أبي الليث» : أرض وقف خاف عليها القيم من سلطان أو وارث أن يغلب عليها، يبيعها ويتصدق بثمنها، وكذا كل قيم خاف شيئاً من ذلك فله أن يبيع ويتصدق بالثمن. قال الصدر الشهيد: والفتوى على أن لا يبيع؛ لأن الوقف بعد ما صح بشرائطه لا يحتمل البيع. في «فتاوى أهل سمرقند» : شجرة وقف في دار وقف خربت الدار ليس للمتولي أن يبيع الشجرة ويعمر الدار لكن يكرى الدار ويعمرها ويستعين بالأجر على عمارة الدار لا بالشجرة؛ لأنه إذا باع الشجرة لا تبقى. وإذا أجر الدار نبقى كلها. في «فتاوي الفضلي» : الأشجار الموقوفة إن كانت مثمرة لم يجز بيعها إلا بعد القلع؛

стр. 2332

لأنها بمنزلة البناء الموقوف، وبيع بناء الوقف لا يجوز قبل الهدم، ويجوز بعد الهدم، وكذا باب الوقف لا يجوز بيعه إلا بعد الرفع كذا هذا، وإن كانت الأشجار غير مثمرة جاز بيعها قبل القلع؛ لأنها بمنزلة الغلة وقد مر مسألة الشجرة قبل هذا من غير تفصيل. وفي «فتاوى أبي الليث» : قرية وقف على أرباب مسمين في يدي المتولي، باع المتولي ورق أشجار التوت جاز؛ لأنه بمنزلة الغلة، فلو أراد المشتري قطع قوائم الشجرة يمنع؛ لأنها ليست بمبيعة، ولو امتنع المتولي من بيع المشتري عن قطع القوائم كان ذلك حسابه منه. في «فتاوى أبي الليث» : متولي الوقف إذا اشترى بغلة الوقف ثوباً ودفعه إلى المساكين لا يجوز ولكن يعطي الدراهم؛ لأن المشترى وقع للقيم بقي حق المساكين في الدراهم. ومما يتصل بهذا الفصل: ما ذكر الخصاف في «وقفه» قال: قلت في رجل وقف وقفاً صحيحاً وجعل ولايتها إلى رجل وجعل إليه القيام بأمرها في حال حياته، وبعد وفاته (جعل) لهذا الرجل من غلة هذا الوقف في كل سنة مالاً معلوماً، لقيامه بأمر هذا الوقف فما الذي يجب على هذا الرجل القيم من العمل؟ قال: ليس ذلك على ما يتعارفه الناس من القيام عمارة الضيعة واستغلال ذلك وبيع غلاته وينفق ما يجتمع من غلاته في الوجوه التي سبلها فيه، أرأيت إن لم يباشر الرجل هذا بنفسه؟ قال: إنما يكلف من هذا ما يجوز أن يفعله مثله، ولا ينبغي أن يقصر في ذلك، وأما ما كان يفعله الوكلاء والأجراء فليس ذلك عليه، ألا ترى أنه لو جعل ذلك إلى امرأة أكان عليها ما يعمله الوكلاء؟ فإن حدث بهذا القيم علة مثل خرس أو عمى أو ذهاب عقل أو الفالج هل يكون هذا الأجر قائماً له؟ قال: إذا دخل علة من ذلك شيء يمكنه مع ذلك الكلام والأمر والنهي والأخذ فالأجر قائم، فإن تعطل عن الحفظ والتدبير قطع عنه الأجر، قلت: فما تقول إن طعن عليه في الأمانة، فرأى الحاكم أن يدخل معه غيره في الوقف أو رأى الحاكم إخراج الوقف من يده وتسليمه إلى غيره، قال: أما الإخراج (١١أ٣) من يد هذا الرجل، فليس ينبغي أن يكون ذلك إلا لجناية ظاهرة، فإذا صح ذلك أو استحسن إخراج الوقف من يده قطع عنه ما أجرى له الواقف، وإن رأى أن يدخل معه آخر ويكون له بعض هذا المال فلا بأس بذلك، وإن كان هذا المال الذي سمى قليلاً ضيقاً فرأى الحاكم أن يجعل للرجل الذي أدخل معه رزقاً من غلة الوقف، فلا بأس بذلك.، فإن كان الواقف جعل له للقيام بأمر هذا الوقف مالاً معلوماً في كل سنة، وكان المال الذي سماه الواقف لهذا الرجل أكثر من أجر مثله على القيام به فهو جائز، ولا ينظر في هذا إلى أجر مثله، قلت: وإن كان الواقف جعل لهذا الرجل القيم في كل سنة مالاً، وجعل له أن يوكل بالقيام بأمر هذا الوقف في حياته، ويجعل لمن يوكله من هذا المال في كل سنة....... قال: هذا

стр. 2333

جائز، فإن وكل فيه وكيلاً وجعل في ذلك المال شيئاً فله إخراج الوكيل والاستبدال، فإن وكل القيم وكيلاً في حياته، أو جعله وصيه في ذلك بعد وفاته، وجعل المال الذي جُعِل له أو بعضه، ثم إن القيم الذي كان جعله الواقف جن جنوناً مطبقاً، أو ذهب عقله من أذى أو غير ذلك، قال: تبطل الوكالة التي كان جعلها إليه ويبطل المال وكذلك الوصية تبطل إلى من أوصى إليه ويبطل المال ويرجع ذلك إلى غلة الوقف، فإن جعل القيم في كل سنة مالاً ولم يشترط للقيم أن يجعل هذا المال لغيره، قال: وليس لهذا القيم أن يوصي بهذا المال ولا شيء منه إلى غيره أن يوصي بالقيام بأمر هذا الوقف. ولو زال عقله سنة وعجز عن القيام به ثم رجع إليه عقله وصح، يعود إلى ما كان من القيام بأمر هذا الوقف، وإن صح عند الحاكم أن هذا القيم لا يصلح للقيام بأمر هذا الوقف فأخرجه وجعل مكانه آخر ثم جاء حاكم فادعى أن الحاكم الذي كان قبل ذلك، إنما أوصى عن القيام بأمر هذا الوقف حتى له القيام بذلك، فإن صح عند هذا الحاكم أنه موضع لذلك رده، وأجرى ذلك المال له من غلة هذا الوقف. ولو أن القاضي أخرج هذا القيم بوجه من الوجوه وأقام غيره مقامه، فينبغي للقاضي أن يجري لهذا الرجل شيئاً بالمعروف ورد الباقي إلى غلة الوقف، فإن كان الواقف أراد أن يكون هذا المال جارياً لهذا القيم، فإن أخرجه القاضي لم يبطل عنه ذلك المال ينبغي أن يشترط في وقفه أن هذا المال جار لهذا القيم أبداً ولا يقول لقيامه بأمر الوقف، فيكون ذلك كله (له) . في «فتاوي أبي الليث» : رجل وقف على مواليه وقفاً صحيحاً، ومات الواقف (والوقف) في يد القيم، وجعل له عشر غلاته في الوقف. طاحونة في يدي رجل بالمقاطعة، لا حاجة لها إلى القيم وأصحاب الطاحونة يقضون عليها لا يجب عشر غلة الطاحونة؛ لأن بمنزلة الأجير، والأجير مستحق الأجر بإزاء العمل فلا عمل له في الطاحونة. في «مجموع النوازل» : متولي وقف بتقليد القاضي امتنع عن العمل في ذلك بنفسه ولم يرفع الأمر إلى القاضي ليعزله ويقيم غيره مقامه، هل يخرج عن كونه متولياً؟ قال نجم الدين ﵀: فإن امتنع عن القاضي ما على المتغلبين زماناً ولم يقبضه هل يأمر بذلك؟ قال نجم الدين: لا، فإن هرب بعض المتغلبين بعدما اجتمع عليه مال كثير من حق القتالة هل يضمن المتولي؟ قال نجم الدين: لا. الفصل الثامن: في الوقف على نفسه وما يتصل به إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على نفسي قال هلال: لا يجوز؛ لأن الواقف لو شرط لنفسه أن يأكل من غلته على قول أبي يوسف: يجوز، على ما مر، وليس عن محمد

стр. 2334

رواية ظاهرة في هذه الصورة، واختلف المشايخ على قوله. بعضهم قالوا: لا يجوز عنده؛ لأن عنده الإخراج عن يده والتسليم إلى متولٍ شرط، وإذا كان الوقف على نفسه كان المتولي قابضاً للواقف فكأنه لم يخرج من يده. وبعضهم قالوا على قول محمد يجوز فقد ذكر محمد في آخر كتاب الوقف إذا وقف على أمهات أولاده يجوز، والوقف على أمهات الأولاد كالوقف على نفسه. وكان الفقيه أبو بكر الإسكاف يجيز أن يشترط لنفسه الأكل، فيقول: على أن آكل منها ولا يجيز الوقف على نفسه، وكان يقول: الوقف على نفسه خرج مخرج الفساد فبطل، وشرط الأكل لنفسه خرج بعد خروج الوقف على وجه الصحة، فوجه قول أبي يوسف: أن قوله أرضيَّ صدقة موقوفة وقف صحيح تام على الفقراء فبفوات معنى الصدقة في الاستثناء لا يبطل أصل الوقف كما لو قال: أرضيَّ هذه صدقة موقوفة على فلان، وجه قول هلال: أن الإنسان لا يكون متصدقاً على نفسه كما لا يكون واهباً من نفسه؛ لأن كل واحد منهما تمليك والتمليك من نفسه لا يتصور، فذهب معنى القربة فينبغي الحبس مطلقاً، ومَاْلُه يكون محبوساً عليه قبل الوقف، فلا معنى للاستغلال بالحبس على نفسه بخلاف الغني؛ لأن التمليك منه متصور، وفيه نوع قربة ولكن دون قربة الفقراء؛ فأما هنا فأصل التمليك لا يتصور. وكان ينبغي على قول هلال أن يلغي ذكر نفسه ويجعل وقفاً على الفقراء كما لو قال: أرضي صدقة موقوفة على الموتى، فإنه يكون وقفاً صحيحاً على الفقراء، ويلغوا ذكر الموتى، والفرق بينهما على قول هلال أن الميت في نفسه ليس من أهل التمليك، فلغت الإضافة إليه، أما نفسه من أهل التمليك في الجملة ولكن تمليكه من نفسه لا يتصور، فمن حيث إنه أهل التمليك في الجملة اعتبرت الإضافة، ومن حيث إن تمليكه من نفسه لا يتصور لا تعتبر الإضافة، عند الوقف. فإذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على أمهات أولادي، أو قال: على عبيدي فالوقف باطل، وهذا إنما يتأتى على قول هلال؛ لأن الوقف على أمهات أولاد والعبيد كما (لو) وقف على نفسه، ولو قال: أرضيَّ هذه صدقة موقوفة عليَّ ومن بعدي على فلان كان باطلاً، وكذلك إذا قال: صدقة موقوفة على فلان ثم من بعده عليَّ كان باطلاً على قول هلال، بخلاف ما إذا قال: أرضي صدقة موقوفة عليَّ وعلى فلان حيث يصح نصفه وهو حصة فلان؛ لأن في الفصل الأول أثبت الغلة كلها لفلان في زمان ولنفسه في زمان، وشرط الكل لنفسه في زمان مبطل الوقف، وفي هذه المسألة ما أثبت الغلة كلها لنفسه في زمان بل أثبت الحصة بين نفسه وبين فلان في الغلة في جميع الأزمان. ولو أفرد الوقف على نفسه لا يصح ولو أفرد على غيره يصح، فإذا جمع بينهما كان بينهما وكان لكل واحد حكم نفسه. وكذلك إذا قال: صدقة موقوفة على نفسي وولدي ونسلي كان الوقف كله باطل؛ لأن حصة النسل مجهولة وهذا على قول هلال أيضاً.

стр. 2335

الفصل التاسع: في الوقف على ولده وولد ولده ونسله وما يتصل بذاك إذا وقف الرجل أرضه على ولده ومن بعده على المساكين وقفاً صحيحاً، فإنما يدخل تحت الوقف الولد الموجود يوم وجود الغلة سواء كان موجوداً (١١ب٣) يوم الوقف أو وجد بعد ذلك وهذا قول هلال. وبه أخذ مشايخ بلخ، وقال يوسف بن خالد السمتي: يدخل تحت الوقف الولد الموجود يوم الوقف، وأراد بهذا الوجود: الخلق، على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، قال: لأن الحق إنما يملكه في الوقف يوم الوقف بدلالة أن الواقف لا يقدر على الرجوع منه على قول مجيزي الوقف، ولا يملك إدخال غيرهم عليهم ويعتبر شرط يوم الوقف فصار يوم الوقف كيوم موت الموصي في الوصية. ومن أوصى لولد عبد الله، ننظر إلى ولد عبد الله يوم موت الموصي في الوصية كذلك ههنا. ووجه قول هلال أن الموقوف عليه لا يملك الرقبة، بل يملك الغلة، والغلة معدومة يوم الوقف والمعدوم لا يملك، وإنما يملك الموجود، فصار في حق الموقوف عليه يوم وجود الغلة كيوم موت الموصي في حق الموصى له وفي حق الواقف رقبة الوقف تزول عن ملكه يوم الوقف فروعي شرطه يوم يزول ملكه. ولو قال: على ولدي وعلى من يحدث لي من الولد، فإذا انقرضوا فعلى المساكين، فالجواب عليه كالجواب في الفصل الأول، وهو أنه ينظر إلى ولده يوم وجود الغلة؛ لأن قوله وعلى من يحدث لي من الولد شرط لو لم يذكر لكان معتبراً، فإنه لو حدث له ولد بعد الوقف قبل الغلة يشاركهم، فإذا شرط كان الشرط تأكيداً لمقتضاه لا تغييراً. (ولو) قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد وليس له ولد، فإنه يجوز، فإذا أدركت الغلة قسمت على الفقراء، فإن أحدث له ولد بعد ذلك فلاحظ له من هذه الغلة؛ لأن أوان استحقاق هذه الغلة سبق حدوث هذا الولد، ولكن الغلة التي توجد بعد ذلك تصرف إلى هذا الولد ما بقي، فإذا لم يبق له ولد صرفت الغلة إلى الفقراء؛ لأن قوله صدقة موقوفة تكون وقفاً على الفقراء، وذكر الولد لاستثناء الغلة من الفقراء فصار كأنه قال: أرضي موقوفة على الفقراء إلا أنه إن حدث لي ولد فغلتها له ما بقي، فإن ولدت امرأته الحرة أو أم الولد الولد بعد مجيء الغلة لأقل من ستة أشهر يشركهم هذا الولد في هذه الغلة؛ لأنه كان موجوداً وقت مجي الغلة. وإن جاءت لستة أشهر فصاعدا لم يشركهم؛ لأن استحقاقهم ثابت ظاهراً، ووجوده في ذلك الوقت مشكوك فيه لجواز أنه حدث من بعد، فلا تثبت مزاحمته بالشك، ولو كان له أمة فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم وجدت الغلة فادعاه يثبت نسبه منه، ويكون ابنه ولا يدخل في هذه الغلة، ويدخل فيما يأتي بعد ذلك من الغلات، ولا يصدق على هذا الرجل على أن يدخل مع أولاده الذين استحقوا هذه الغلة ولد لا يعرف إلا بقوله، فإن مات الواقف ساعة جاءت الغلة فجاءت امرأته بولد ما بينها وبين سنتين من الساعة

стр. 2336

التي جاءت فيها الغلة شرك الأولاد في الغلة؛ لأن المتوفى عنها زوجها إذا جاءت بولد ما بينها وبين سنتين وقت الوفاة يثبت النسب على ما عرف في كتاب الطلاق فإن عاش بعد إدراك الغلة من الوقت ما يمكنه الوصول إلى أهله فمات فجاءت امرأته بولد ما بينها وبين سنتين من وقت إدراك الغلة لاحق لهذا الولد في هذه الغلة لعلمها بوجوده حين مجيء الغلة، ولو كان الموت قبل مجيء الغلة بيوم أو بيومين ثم جاءت بولد ما بينها و (بين) سنتين من وقت الموت كان لهذا الولد حصته، في هذه الغلة؛ لأن الموت لو كان وقت مجيء الغلة كان للولد حصته فإذا كان قبله أولى؛ لأنه أدلُّ على وجود الولد عند الغلة، وكان النسب ثابتاً فلهذا يستحق. ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على ولدي الذين يسكنون البصرة، فالغلة لساكني البصرة من ولده دون غيرهم فيثبت الاستحقاق لولده بصفة أن يكون ساكن البصرة، فتعلق الاستحقاق بالولادة وسكنى البصرة جميعاً، ويعتبر ساكني البصرة يوم وجود الغلة على ما مر من ولده، ولو قال: أرضي صدقه موقوفة على ولدي العور والعميان، فالوقف لهم خاصة دون غيرهم؛ لأنه علق الاستحقاق بصفة العور وصفة العمى فيتعلق بهما. ويعتبر العور والعميان من ولده يوم الوقف لا يوم الغلة. وكذلك إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على أصاغر ولدي، يعني ولدي الصغار، فالوقف للصغار دون الكبار، ويعتبر الاستحقاق من كان صغيراً وقت الوقف لا وقت الغلة، وأما العور والعميان فلأن العور والعمى وصف لازم لا يزول، وقد ذكره لزيادة التعريف، فجرى مجرى اسم العلم، ولو ذكر باسم العلم بأن قال: أرضي صدقة موقوفة على فلان ولدي اختص فلان بالاستحقاق من جملة أولاده، فلو ولد بعد ذلك له ولد آخر وسماه بذلك الاسم لم يشارك الثاني الأول في الاستحقاق، فكذلك في العور والعمى. وأما الصغر، وإن كان مما يزول بالكبر ولكنه يزول زوالاً لا يعود بخلاف الفقراء وساكني البصرة؛ لأن الفقر يزول عن الإنسان ويعود، فتارة يستغني، فلم يكن الثبوت تاماً ولا الزوال. وكذلك السكنى. فصار الحاصل أن الاستحقاق إذا كان ثابتاً بصفة لا تزول أو تزول ولكنها لا تعود بعد الزوال، يعتبر في الاستحقاق قيام تلك الصفة وقت مجي الغلة، فعلى هذا الأصل يدور جنس هذه المسائل. إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على ولد فلان، وليس لفلان ولد لصلبه وله ولد الولد يريد به ولد الابن كانت لولد الابن. ولو كان لفلان ولد لصلبه وولد الولد فلا شيء لولد الولد. وكذلك هذا في ولد الواقف وولد ولده، وهذا؛ لأن اسم الولد عند الاطلاق يتناول ولد الصلب ولا يتناول ولد الولد؛ لأن المطلق من الأسامي يتناول المطلق من المسميات، وولد الانسان مطلقاً ولد لصلبه؛ لأنه يولد منه بلا واسطة، أما ولد الولد يولد منه بواسطة فكان ولداً مقيداً. والمقيد لا يدخل تحت المطلق إلا لدليل، ففيما إذا لم يكن له ولد لصلبه وجد دليل، وهو صيانة تصرفه؛ لأنه إذا لم يكن له ولد لصلبه لو لم يحمل

стр. 2337

على ولد الابن يلغوا تصرفه، ومثل هذا الدليل لم يوجد فيما إذا كان له ولد لصلبه. إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على ولدي انصرف إلى البطن الأول يريد به ولد صلبه ولا يشارك البطن الثاني البطن الأول يريد بالبطن الثاني ولد الابن، فما دام واحد من البطن الأول فالغلة له، وإن لم يبق واحد من ذلك البطن فالغلة للفقراء ولا يصرف إلى البطن الثاني، فإن لم يوجد البطن الأول ووجد البطن الثاني وهو ولد الابن، فالغلة للبطن الثاني ولا يشاركه من دونه من البطون، وجعل الحال في حق ما بين البطن الثاني ومن دونه من البطون كالحال في حق ما بين البطن الأول والثاني ولو عدم البطن الأول والثاني ووجد البطن الثالث والرابع ومن دونه اشترك البطن الثالث ومن دونه من البطون، وإن كثرن البطن (١٢أ٣) الثالث قد فحش بعده كالبطن الرابع والخامس، ألا ترى أنك إذا نسبت إلى الأب الأعلى بذكر الوسائط، فتقول ولد ولد ولد فلان فتذكر ثلاثة أباء والثلاث جمع صحيح؟ فثلاث إلى النسبة بعيد والبعيد إذا فحش يتعلق الحكم بنفس الانتساب، كما لو أوصى لبني تميم، أو لبني هاشم، أو لأولاد أبي بكر انصرف إلى منتسبهم، ويستوي فيه من بعدت ولادته ومن قربت كذا ههنا، فأما في البطن الثاني فالبعد غير متفاحش، ألا ترى أنك إذا نسبته إلى الأب الأعلى بذكر واسطتين؟ فتقول هذا ولد ولد فلان فلا يتعلق الحكم بنفس الانتساب؟ وكل جواب عرفته في الوقف على ولده فهو الجواب في الوقف على ولد فلان. ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على ولدي وولد ولدي اختص به البطن الأول، و (لو) لم يذكر غيره اختص به البطن الأول، فإذا ذكرهما اختصا به، لو قال: على ولدي وولد ولدي فالقياس أن يختص به البطون الثلاث كما قلنا في البطنين. وفي الاستحسان إن اشترك البطون كلها، وإن سفلوا، لما ذكرنا أن البعد إذا فحش يعتبر مجرد النسبة ويسقط اعتبار الأقرب. وإذا وقف أرضه على ولده وليس له ولد لصلبه وله ولد الابن صرفت الغلة إلى ولد الابن، فإن وجد له ولد لصلبه بعد ذلك صرفت الغلة المستقبلة إلى الولد لصلبه؛ لأن كل غلة تدرك، فإنما ينظر إلى مستحقها وقت الإدراك، ولا ينظر إلى ما مضى لما مر، فإذا وجد وقت الإدراك من سماه الواقف، صرفت الغلة إليه سواء كان موجوداً يوم الوقف أو حدث بعده. ألا ترى أن من جعل أرضه صدقة موقوفة على ولده وليس له ولد صرفت الغلة إلى الفقراء؟ فإن حدث له بعد ذلك ولد صرفت الغلة المستقبلة إليه كذا ههنا. إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على بني وله ابنان فصاعداً استحقا جميع الغلة، وإن حصل الإيجاب بلفظ الجمع؛ لأن في المثنى معنى الجمع من وجه يضم الواحد إلى الواحد، ألا ترى أن في باب الوصية أعطى المثنى حكم الجمع؟ وكذا في الوقف نظير الوصية، ولو لم يكن له إلا ابن واحد، كان للابن نصف الثلث والنصف الآخر للفقراء، ألا ترى أن من أوصى بثلث ماله لبني فلان وليس لفلان إلا ابن واحد كان للابن نصف الثلث؟ والثلث الآخر يكون لورثة الموصي وليس اسم الابن كاسم الولد، فإنه إذا وقف

стр. 2338

على ولده وله ولد واحد كان جميع الغلة له، ولو كان له أولاد قسمت الغلة بينهم؛ لأن الولد بصيغته اسم وجدان وبمعناه اسم جنس؛ لأن معنى الولادة يعم الجنس واحداً كان أو جماعة فيصح صرفه إلى الواحد بصيغته وإلى الجمع بمعناه بخلاف قوله بني؛ لأنه اسم جمع بصيغته وبمعناه حتى لو قال: أرضي صدقة موقوفة على ابني وله ابن واحد كان له جميع الغلة؛ لأن الابن اسم وجدان بصيغته، فإنما أوجب الغلة للواحد. ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على بني وله بنون وبنات قال هلال: هم جميعاً في الوقف سواء؛ لأن البنين والبنات عند الاجتماع تسمى بنين، وهكذا ذكر الحصاف في «وقفه» ، ورواية عن أبي حنيفة وعن يوسف بن خالد السمتي فيمن أوصى بثلث ماله لبني فلان وله بنون وبنات فالثلث لهم جميعاً وهم فيه سواء، فكذا الوقف. قال هلال: وروى يعقوب عن أبي حنيفة أن ذلك للبنين دون البنات، علل فقال: ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: هذه المرأة من بني فلان؟ بعض مشايخنا على أن مسألة روايتان عن أبي حنيفة وبعضهم وفق بين الروايتين، فقال: ما روي أنه يدخل فيه البنين والبنات مجعول على ما إذا كان فلان أب قبيلة، كبني تميم، وما روى أنه لا يدخل فيه البنات، مجعول على ما إذا كانوا بني أب يحصون، وقد أشار في التعليل إلى ما قلنا، حيث قال: لا يحسن أن يقال: هذه المرأة من بني فلان، وهذا إنما يستقيم فيما إذا كانوا بني أب يحصون صح ذلك، فإنه يستقيم أن يقال: هذه المرأة من بني تميم، ونحوه. روي عن أبي يوسف في الوصي، فإنه قال: الثلث للبنين دون البنات، إلا في كل أب يحسن أن يقال هذه المرأة من بني فلان مثل فخذ أو قبيلة. ولو قال: على بني وليس له بنون وله بنات فالغلة للفقراء ولا شيء للبنات؛ لأن اسم البنين لا يتناول البنات المفردات، وكذلك إذا قال: على بنات وله بنون فالغلة للفقراء ولا شيء للبنين، ولو كان الوقف باسم الولد دخل فيه البنون والبنات؛ لأن الولد اسم مشتق من الولادة، وهذا المعنى يوجد في الفريقين. ولو قال: على ولدي وليس له ولد لصلبه، وإنما له ولد الولد دخل فيه ولد الابن بلا خلاف وقد مر هذا، وهل يدخل فيه ولد البنت؟ ذكر هلال أنه لا يدخل، وهكذا ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» .h وفي شروط «الخصاف» أن ولد البنت يدخل في هذا، الوقف فصار في المسألة روايتان وفي كتاب الحج على أهل المدينة لمحمد بن الحسن ﵀ في قوله ولد الولد أنه يدخل فيه ولد الابنة عند أصحابنا ﵏، وفي «مسائل علي الرازي» جمعها في الحسابيات: إذا وقف على أولاده وأولادهم دخل فيه ولد الابن وولد الابنة. وفي «السير الكبير» : إذا استأمنوا على أولادهم دخل فيه ولد الابن، وهذا؛ لأن ولد الولد حقيقة اسم لابن ولده وولده، وابنته ولده، فمن ولديه ابنته، يكون ولد ولده حقيقة بخلاف ما لو استأمنوا على أولادهم؛ لأن أولاد الرجل في الحقيقة من ولدهم هو ومن حيث الحكم من يكون منسوباً إليه بالولادة، وذلك أولاد الابن دون أولاد البنات.

стр. 2339

وإذا وقف على نسله دخل فيه ولد الابن وهل يدخل فيه ولد الابنة؟ ذكر هلال أن فيه روايتين عن أصحابنا، وإذا وقف على ولده ونسله وله أولاد الصلب وأولاد الأولاد، وإن بعدت ولادتهم، فأولاد الصلب يدخلون تحت اسم الولد وتحت اسم النسل، وأولاد الأولاد يدخلون تحت اسم النسل، ولواقف على ولده ونسله وليس له ولد لصلبه، وإنما له ولد الولد دخل ولد الولد في الوقف باسم الولد والنسل، فإن حدث له ولد لصلبه دخل في الوقف أيضاً باسم الولد والنسل. ولو قال: على ولدي المخلوقين ونسلي، دخل الولد الحادث لصلبه في الاستحقاق بلفظ النسل إلى نفسه والولد الحادث من نسله، بخلاف ما إذا قال: على ولدي المخلوقين ونسلهم حيث لا يدخل في الاستحقاق ما حدث له من ولد الصلب؛ لأنه أضاف الاستحقاق في حق أولاده لصلبه إلى المخلوقين، والمعدوم لا يكون مخلوقاً، وفي حق النسل أضاف الاستحقاق إلى النسل المضاف إلى أولاده. وكذلك إذا قال: على ولدي المخلوقين وعلى أولادهم لا يدخل في الاستحقاق من حدث له (٢١ب٣) ولد لصلبه ولو قال: على ولدي المخلوقين وأولاد أولادهم ونسلهم دخل أولاد المخلوقين فيه وأولادهم أبداً ما تناسلوا، وهذا؛ لأن قوله: أولاد أولادهم، إن كان خاصاً في أولاد الأولاد، فالنسل عام، فيدخل في الاستحقاق أولاد أولاد الأولاد بالنسل، ولو قال: على ولدي المخلوقين وأولاد أولادهم وسكت؛ لم يكن لولد ولده شيء؛ لأنه يثبت الاستحقاق لأولاده القيام ولأولاد أولادهم، فلا يكون لولد الولد شيء. ولو قال: على عبد الله وزيد وعمرو ونسلهم دخل عبد الله في الاستحقاق وزيد وعمرو وأولادهم أبداً ما تناسلوا؛ لأنه نص على الأصول الثلاثة وعلى نسل المضاف إليهم. ولو قال: على عبد الله وزيد وعمرو ونسله دخل في الاستحقاق عبد الله وزيد وعمرو ومن حصل من أولاد عمرو خاصة؛ لأنه ذكر النسل بطريق الكناية عن واحد منهم والكناية تنصرف إلى أقرب المكني ذكراً وأقربهم هنا عمرو. ولو قال: على عبد الله وزيد وعمرو ونسلهما دخل في الاستحقاق عبد الله وزيد وعمرو ودخل أولاد زيد وعمرو؛ لأنه ذكر النسل بطريق الكناية عن اثنين، فينصرف إلى اثنين وهما عمرو وزيد، وعلى هذا القياس يخرج جنس هذه المسائل. ولو قال: على ولد عبد الله وعلى ولد زيد، وليس لزيد ولد كانت الغلة كلها لولد عبد الله، وهو نظير الوصية، فإن من أوصى بثلثه لولد عبد الله ولولد زيد وليس لزيد ولد كان الثلث كله لولد عبد الله. ولو قال: على بني فلان ثم من بعدهم على المساكين وليس لفلان إلا ابن واحد، فله نصف الغلة. ولو قال: على ولد فلان ثم من بعدهم على المساكين، وليس لفلان إلا ولد واحد، فالغلة كلها له، وقد مر جنس هذا فيما تقدم. ولو قال: على ولدي وولد ولدي الذكور، فإنه يدخل في الاستحقاق بنوه وبنو بنيه

стр. 2340

وبنو بناته، وهذا على الرواية التي قال: ولد البنت يدخل في هذا الباب، فقد جعل قوله الذكور راجعاً إلى الولد الأول والثاني ذكراً، ولم يجعل راجعاً إلى الولد الآخر ذكراً، وإن كان الولد الآخر ذكراً أقرب إلى لفظ الذكور إذ لو جعل كذلك دخل في الوقف البنون والبنات من صلبه؛ لأن البنين والبنات من ولده، ولم تدخل البنات في هذا الوقف، وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من ذكر الذكور تعريف المستحقين، والمستحقون الولد وولد الولد، فيرجع نعت الذكور إليهم، كأنه قال: على ولدي الذكور وعلى الذكور من ولد ولدي. ولو قال: على ولدي وأولاد الذكور من ولد ولدي كان هذا وقفاً على البنين والبنات من بنيه؛ لأن الذكور هنا مضاف إليهم والمضاف إليهم في أولاد أولادهم إلا ما دون المستحقين. إذا قال في صحته: جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبداً على ولدي وولد ولدي وأولاد أولادهم ونسلهم أبداً ما تناسلوا، فإنه يدخل في هذه الصدقة كل ولد كان له يوم وقف هذا الوقف، وكل ولد يحدث له بعد هذا الوقف قبل حدوث الغلة وولد الولد أبداً، ومن مات منهم قبل حدوث الغلة سقطت حصته، ومن مات بعد ذلك استحق سهمه ويكون ذلك لورثته، والبطن الأعلى والبطن الأسفل في ذلك على السواء، إلا إذا قال في وقفه: على أن يبدأ في ذلك بالبطن الأعلى منهم، ثم بالبطن الذي يلونهم.، فإن قال على هذا الوجه، فمات البطن الأعلى وبقي ولده كانت الغلة كلها لهذا الباقي وحده دون البطن الذي يليه. المحيط البرهانى وإن قال: على أن يبدأ بالبطن الأعلى من الذين يلونهم على أن ذلك بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فجاءت الغلة والبطن الأعلى ولا أنثى معهم، أو إناث لا ذكور معهن، فذلك كله بينهم على السواء، وهذا بخلاف الوصية، فإن من أوصى بثلث ماله لولد زيد بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وكان لزيد ثلاث بنين، فالثلث بينهم يقسم عليهم، وعلى بنت لو كانت معهم، فما أصاب الابنة من الثلث يرد على ورثه الموصي؛ لأن ما يبطل من بالوصية يعود إلى التركة ويكون ميراثاً والوقف لا يكون كذلك. وإن قال: على ولدي وولد ولدي أبداً ما تناسلوا ولم يقل بطناً بعد بطن، لكنه قال: كلما مات أحد كان نصيبه من هذه الغلة لولده، فالحكم قبل موت بعضهم ما ذكرنا أن الغلة تكون لجميع ولده وولد ولده ونسله بينهم بالسوية. وإن مات بعض ولد الواقف لصلبه وترك ولدا ثم جاءت الغلة، فالغلة تقسم على عدد القوم على الولد وولد الولد، وإن سفلوا، وعلى الذي مات من ولد الصلب، فما أصاب الميت من الغلة كان ذلك لولده ويصير لولد هذا الميت سهمه الذي جعله له الواقف وسهم والده. وهذا بخلاف الوصية.، فإن قال: أوصيت لفلان بألف درهم، وأوصيت بثلثي لقرابتي وكان الموصى له بألف من قرابته، فإنه ينظر إلى ما يصيبه من الثلث إذا كان من القرابة وما يصيبه من الألف من جملة الثلث، فيعطى الأكثر من ذلك ويعطى من وجه واحد ولا يجمع ذلك له.

стр. 2341

ولو قال: على ولدي وولد ولدي ونسلهم وأولادهم أبداً ما تناسلوا على أن يبدؤوا في ذلك بالبطن الأعلى ثم بالبطن الذين يلونهم إلى آخره بطناً بعد بطن، فكلما حدث الموت على واحد منهم وترك ولدا كان نصيبه من الغلة لولده وولد ولده ونسله أبداً ما تناسلوا على أن يقدم الأعلى، وكلما حدث الموت على واحد منهم ولم يترك ولداً ولا ولد ولد ولا نسلاً ولا عقباً كان نصيبه من هذه الصدقة مردودة إلى أصل هذه الصدقة، فقسمت الغلة سنين على البطن الأعلى فمات البعض بعد ذلك وترك ولداً وولد ولد، فإن الغلة تقسم على أولاد الواقف من كان موجوداً وقت الوقف، من حدث بعد ذلك، فما أصاب الأحياء من ذلك أخذوه، وما أصاب الموتى كان لولد من مات منهم على ما شرط الواقف من تقديم البطن الأعلى اعتباراً لشرط الواقف. ولو لم يترك الميت من البطن الأعلى ولداً لصلبه، وإنما ترك ولد ولد، فإن نصيب الميت من الغلة لولد ولده وهو من البطن الثالث، وكذلك إن كان أسفل من الثالث؛ لأن الواقف كذا شرط، وإن كان عدد البطن الأعلى عشرة أنفس، فمات منهم اثنان ولم يتركوا ولدا ولا ولد ولد فتنازعت الأربعة الباقون من البطن الأعلى وولد الابنين الميتين قسمت الغلة يوم يأتي على هؤلاء الأربعة وعلى الميتين الذين تركا أولاداً كان ذلك لأولادهما وسقط سهام الأربعة الموتى الذين تركا أولاداً كان ذلك لأولادهما وسقط سهام الأربعة الموتى الذين لم يتركوا أولاداً هذه المسألة وأجناسها في وقف الخصاف في باب قبل باب الوقف. ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة للمساكين على أن يبدأ ولدي لصلبي فيجري غلة هذا الوقف عليهم، ثم بعدهم على أولادهم ونسلهم، فإنه تكون الغلة لولده وولد ولده على ما شرط، ثم على المساكين. وكذلك إذا قال: غلة صدقتي هذه للمساكين لا تخرج عنهم، وقال مع هذا: وعلى أن يجري غلة هذه (٣١أ٣) الصدقة على قرابتي ما بقي منهم أحد، فإن غلة هذه الصدقة تكون لقرابته أبداً، ثم من بعدهم على المساكين. ولو قال: على أن تكون غلتها لعبد الله بن جعفر ولولد زيد أبداً ما بقي منهم أحد، فإذا انقرضوا، فهي على المساكين، فإن الغلة تقسم على عدد ولد زيد وعلى عبد الله، فإن كان ولد زيد خمسة يقسم على ستة أسهم، وعلى هذا القياس جنس هذه المسائل في هذا الباب أيضاً. إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة بعد وفاتي على ولدي وولد ولدي ونسلي ثم مات، فإن الوقف على ولده لصلبه لا يجوز؛ لأن الوصية للوارث لا تجوز، وعلى ولد ولده تجوز؛ لأنهم لا يرثونه ولا يكون الكل لهم ما دام ولد الصلب حياً؛ لأنه لم يجعل الكل لهم فيقسم الغلة في كل سنة على عدد رؤوس ولد الصلب وعلى عدد رؤوس ولد الولد، فما أصاب ولد الولد فهو لهم وقف، وما أصاب ولد الصلب، فهو ميراث بين جميع الورثة حتى يشاركهم الزوج والزوجة وغيرهما؛ لأن الميراث لا يختص به بعض الورثة دون البعض، فإن مات بعض ولد الصلب، فالغلة تقسم على عدد رؤوس ولد الولد

стр. 2342

وعلى الباقي من ولد الصلب، فما أصاب الباقي من ولد الصلب يكون بين جميع ورثة الميت الأحياء والأموات، كل من كان حياً منهم عند موت الواقف لما ذكرنا أن ولد الصلب إنما يستحق ذلك بطريق الإرث، فلا ينصرف ثبوته، بل يكون لكل من كان وارثاً عند موت الواقف، ثم من مات منهم تكون حصته لورثته، فمن كان ولد ولد الصلب للميت يستحق لوجهين ما يصيبه بالقسمة يستحقه بالوقف، وما يصيب أبوه يستحق بالإرث من جهة ابنه الفصل العاشر: في الوقف على فقراء قرابته إذا قال: أرضي هذه صدقة على فقراء قرابتي، أو قال: على فقراء ولدي ثم من بعدهم على المساكين، فهذا الوقف صحيح والمستحق للغلة من كان فقيرا يوم مجيء الغلة عند هلال، وبه نأخذ. ولو قال: على من افتقر من قرابتي، فهذا على من افتقر بعد الغناء، وعند محمد وقال غيره: هذا من كان فقيراً يوم مجيء الغلة سواء كان فقيراً من الأصل أوكان غنياً ثم افتقر كقوله: على من احتاج من قرابتي، فهو على من كان محتاجاً من الأصل أو كان غنياً ثم احتاج، وكقوله: على من يسكن البصرة من قرابتي يعتبر سكناه بالبصرة يوم مجيء الغلة سواء كان ساكناً بالبصرة من الابتداء أو لم يكن ساكناً، وإنما سكن الآن ثم من له المسكن لا غير أو كان له مسكن وخادم، فهو فقير في حق الزكاة والوقف. وكذلك إذا كان له مع ذلك ثياب كفاف لا فضل فيها، وكذلك إذا كان مع ذلك متاع البيت ما لا غنى عنه؛ لأن هذه الأشياء من جملة ما (لا) بد منه، وإن كان له مائتا درهم أو عشرين مثقال ذهب، فلا حظ له من الوقف؛ لأنه غني، ألا ترى أنه وجب عليه الزكاة، وإن كان له فضل من متاع البيت أو الثياب، وذلك الفضل يساوي مائتي درهم فصاعدا فهو غني لا يحل له الزكاة ولا الوقف، وإن كان له مسكنان أو خادمان والمسكن الفاضل والخادم الفاضل يساوي مائتي درهم فهو غني في حق خدمة الزكاة والوقف، وإن لم يكن غنياً في حق وجوب الزكاة، وهذا مذهب أصحابنا ﵏. وإن كان له أرض تساوي مائتي درهم وليس تخرج له ما يكفيه قال أبو يوسف: هو غني لا يعطي من الزكاة والوقف، وهو قول هلال، وقال محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل الرازي: هو فقير، وقال الفقيه أبو جعفر: إذا كان لا يخرج من الغلة ما يكفيه لنقصان في الأرض فهو فقير، وإن كان نقصان الغلة بقاء هذه الأرض وقصوره في القيام عليها فهو غني، فإن كان له مال غائب عنه أو كان على الناس ديون وهو لا يقدر على أخذه حل له الزكاة والوقف، وإن كان يقدر على الاستقراض، فالاستقراض له خير من متولي الزكاة والوقف ومع هذا لوصل الزكاة والوقف والحالة هذه لا يكره؛ لأنا جعلنا

стр. 2343

مال الغائب والدين الذي لا يقدر على أخذه كأن لم يكن له مال، وهو يقدر على الاستقراض فلم يستقرض وأخذ الزكاة والوقف أليس انه لا يكره كذا هنا. والفقير الكسوب لا بأس أن يأخذ من غلة الوقف، وإن كان لا يحل له الزكاة؛ لأن باب الوقف واسع، ألا ترى أنه لا يجوز أخذ الزكاة لفقراء بني هاشم، ويجوز لهم أخذ غلة الوقف إذا سموا في الوقف، وإن كان له دين على مفلس فهو فقير، وإن كان على مليء وهو مقر به فهو غني، وإن كان منكراً وله نية فكذلك، وإن لم يكن له نية فهو فقير. ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على فقراء قرابتي وفيهم رجل فقير يوم مجيء الغلة فاستغنى قبل أن يأخذ حصته فهذه حصته؛ لأن الملك قد وجب له يوم مجيء الغلة. ألا ترى أن من مات بعد مجيء الغلة قبل أخذ نصيبه لا يبطل نصيبه، وإنما لا يبطل لما قلنا، فإن ولدت امراة من قرابته ولداً بعد مجيء الغلة لأقل من ستة أشهر فلا حصة لهذا الولد في هذه الغلة؛ لأن الاستحقاق بصفة الفقراء مع صفة القرابة، وصفة الفقر غير ثابتة للحمل؛ لأن الفقر هو الحاجة ولا حاجة للحمل إلى شيء، وإنما يثبت له صفة الفقر بالانفصال عن الأم فهو كواحد من قرابته كان غنياً يوم مجيء الغلة ثم افتقر بعد ذلك لا يستحق من هذه الغلة شيئاً كذا ههنا. ولو قال: على من كان فقيراً من نسل فلان، وليس في نسل فلان إلا فقير واحد، فله جميع الغلة؛ لأن كلمة (من) جهة تصلح كناية عن الجماعة وعن الواحد، قال الله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ (الأنعام: ٢٥) ذكر الاستماع بلفظة الوحدان ثم قال: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾ (الأنعام: ٢٥) يفقهوه بخلاف ما لو قال: على فقراء بني فلان أو قال: على فقراء آل فلان، وليس فيهم إلا فقير واحد، فله نصف الغلة؛ لأنه نص على صيغة الجمع هنا وأقل ما ينطلق عليه اسم الجمع في هذا الباب المثنى، فصار موجباً لهذا الواحد نصف الغلة. إذا قال: أرضي صدقة موقوفة على فقراء ولد عمر بن الخطاب ﵁ وقف رجل آخر أرضه على مثل ذلك وفي أولاد عمر فقراء فأي الغلتين أدركت فهي لهم، وإن أدركت إحدى الغلتين فأصاب كل واحد منهم تلك مائتا درهم فصاعداً ثم أدركت الغلة الأخرى وعندهم ذلك فلا حقَّ لهم في الأخرى؛ لأن صفة الفقر قد بطلت قبل مجيء الغلة الأخرى، ولو أدركت الغلتان معاً كانتا لهم، وإن كان يصيب كل واحد رجل منهم من كل غلة ما يصير به غنياً؛ لأن صفة الفقر قائمة عند الغلتين وهو نظير ما (لو) أوصى رجلان كل واحد منهما بثلث ماله لفقراء ولد عمر بن الخطاب ﵁، فوقع على الرجلين بيت وماتا قبلت كل واحد منهما لفقراء ولد عمر، وإن كان كل واحد منهما يغنيهم. كذلك لو كان الواقف رجلاً واحداً وقد وقف وقفين أرضين في وقتين كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا كان الوقف من رجلين إخوان الأب والأم وقفا على فقراء قرابتهما، فجاء بفقير واحد من القرابة ينظر إن كانا وقفا أرضاً مشتركاً بينهما (١٣ب٣) يعطى هذا الفقير قوت واحد،؛ لأن هذا وقف واحد.

стр. 2344

وإن وقف كل واحد أرضاً على حدة يعطى من كل واحد على حدة، والمراد من القوت في جنس هذه المسائل الكفاية، فإن كان الوقف أرضاً يعطى كفاية سنة بلا إسراف ولا تقتير؛ لأن غلة الأرض إنما يحصل بالسنة، وإن كان الوقف حانوتاً يعطى كفاية شهر،؛ لأن غلة الحانوت يحصل كل شهر، وإذا وقف على فقراء قرابته، فجاء رجل يدعي الغلة ويدعي أنه قريب الواقف، وإنه فقير كلف إقامة البينة على القرابة وعلى أنه فقير محتاج إلى هذا الوقف، وليس له أحد يلزمه نفقته، والقياس أن لا يكلف إقامة البينة على الفقر؛ لأن الأصل الفقر؛ لأنه خلق عديم المال استحساناً. وقلنا: يكلف إقامة البينة على ذلك؛ لأن الاستحقاق بالفقر الأصلي بالظاهر واستصحاب الحال، وإنه لا يصلح حجة للاستحقاق، ثم شرط مع إقامة البينة على الفقر إقامة البينة على أنه ليس له أحد يلزمه نفقته؛ لأنه يعتبر غنياً ببقاء المنفق في حق حكم الوقف، وفيه كلمات كثيرة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، فإن أقام البينة على أنه فقير محتاج إلى هذا الوقف، وليس له أحد تلزمه نفقته أدخله القاضي في الوقف، واستحسن هلال أن لا يدخله حتى يسأل عنه في السر، قال مشايخنا: وإنه حسن، وقال أيضاً إن الخامسة على ما قلنا، ويسأل القاضي في السر أيضاً، ووافق خبر السر البينة أنه فقير، وليس له أحد تلزمه نفقته، فالقاضي لا يدخله في الوقف حتى يستحلف بالله مالك مال، وأنك فقير. قال مشايخنا: وإنه حسن أيضاً؛ لأن مال الغير لا يقف عليه غيره في الحقيقة وهو يعلم ذلك، فيستحلف عليه، وكذلك يستحلف على قول هلال بالله مالك أحد تلزمه نفقتك، وإنه حسن أيضاً، وهكذا ذكر الخصاف في وقفه. وإن شهد شاهدان على فقره وأخبره عدلان في السر أنه غني، فخبر الغنى أولى؛ لأنه مثبت، ولأن المخبر عن الغني يعلم الآخر قال هلال: والخبر في هذا الباب والشهادة سواء؛ لأن هذا ليس بشهادة على الحقيقة بل هو خبر، وإن شهد الشهود أنا لا نعلم له أحداً تلزمه نفقته يكتفي به ولا يكلف الشاهدان بقطع القول بأنه ليس له أحد ينفق عليه كما في الميراث إذا شهدوا أنا لا نعلم له وارثاً غيره يكتفي به ولا يكلف الشاهدان بقطع القول أنه ليس له وارث غيره. وإذا أراد الرجل إثبات قرابة ولده وفقره في الوقف، فله ذلك إن كان صغيراً؛ لأنه له ولاية عليهم، ووصي الأب في هذا بمنزلة الأب، فإن لم يكن لهم أب ولا وصي الأب ولهم أم أوأخ أو عم أو خال، فلهؤلاء إثبات قرابة الصغير في حجره استحسانا؛ لأن هذا محض منفعة في حق الصغير فصار كقبول الهبة، ولهؤلاء قبول الهبة على الصغير في حجره إلا أن بين قبول الهبة وبين إثبات القرابة نوع فرق، فإن غير الأب يقبل الهبة على الصغير، وإن كان الأب حياً، ولا يثبت قرابة الصغير وفقره إذا كان الأب حياً. والفرق أن الهبة ربما تفوت لو انتظر مجيء الأب بأن يرجع الواهب عما أوجب أو يقوم من يجلسه، فيبطل الهبة لو انتظر حضور الأب، وهنا لو انتظر حضور الأب لا يفوت على الصغير شيء؛ لأن الأب إذا حضر يثبت قرابة الصغير وفقره في الأزمنة الماضية،

стр. 2345

فيستحق الغلات الماضية، ثم إن كانت الأم أو العم أو الأخ موضعاً لوضع الغلة في أيديهم فما قبض الصغير من الغلة يدفع إليهم ويؤمرون بالإنفاق عليه، وإن لم يكن موضعاً لذلك يوضع في يدي رجل ثقة يؤمر بالنفقة عليه. في «النوازل» : إذا وقف على فقراء قرابته، فأراد بعض الفقراء من قرابته أن يحلف البعض بأنهم أغنياء إن ادعوا عليهم دعوى صحيحة بأن ادعوا عليهم مالاً يصيرون به أغنياء كان لهم أن يحلفوهم؛ لأنهم ادعوا عليهم معنى لو أقروا بذلك يلزمهم، فإن كان القيم يمثل إليهم، فأراد هؤلاء أن يحلفوا القيم بالله ما يعلم أن هؤلاء أغنياء ليس لهم ذلك؛ لأن القيم لو أقر بذلك لم يلزم أولئك شيء، فإذا أنكروا لا يستحلف. وإذا ثبت الرجل قرابته وفقره عند قاضى ثم جاء يطلب وقفاً آخر لا يكلف إعادة البينة على الفقر؛ لأنه ثبت فقره في وقف، ومن كان فقيراً في وقف كان فقيراً في كل وقف. وكذلك لو أثبت قرابته من الواقف في وقفه ثم جاء يطلب وقف أخيه لا يكلف إعادة البينة على القرابة إذا كان الثاني أخ الأول لأبيه وأمه؛ لأنه إذا كان أقرب أحد الأبوين كان قرب الأخ الآخر ضرورة. وكذلك لو جاء أخ المقضي له لأبيه وأمه لا يكلف إعادة البينة على القرابة من الواقف؛ لأن ذلك ثابت ضرورة بثبوت قرابة الأول، وكذلك لو أثبت رجل في وقف أنه من بني العباس لا يحتاج إلى إثبات نسبه في وقف آخر وكذلك على هذا سائر القرابات. ولو أقام رجل بينة عند القاضي أن القاضي الذي كان قبله قضى بقرابته وفقره قبل هذا ثم استحقت الغلة (قبلت) ، وإن طالت المدة في القياس؛ لأن الفقر قد ثبت فنحن على ذلك حتى يحدث غيره استحسنا، وقلنا: إن القاضي يسأله إعادة البينة إذا طالت المدة على أنه فقير، وهذا لأن الإنسان لا يبقى على حالة واحدة زماناً طويلاً هذا هو الظاهر، وإنما يعتبر الفقر في كل سنة عند حدوث الغلة، فمن كان فقيراً قبله استحق تلك الغلة، ومن افتقر بعد ذلك لا يستحق من تلك الغلة إنما يستحق من غلة أخرى.m فإذا قضى القاضي أنه فقير ثم جاء بعد ذلك بطلت الغلة وهو غني وقال إنما استغنيت بعد حدوث الغلة، وقال شركاؤه: لا، بل استغنى قبل حدوث الغلة، فالقياس أن يكون القول قوله؛ لأنا عرفنا فقره، فكان الغنى في حقه حادثاً فحال به على أقرب الأوقات، وفي الاستحسان: القول قول الشركاء ويجعل المال حكماً على ما مضى على ما عرف في كثير من المسائل. ولو لم يكن القاضي (قضى) بفقره، فجاء بطلت الغلة ويدعي أنه فقير وقال الشركاء: إنه غني وأرادوا استحلافه فلهم ذلك، ويحلفه القاضي بالله ها هو القوم غني عن الدخول في هذا الوقف مع فقرائهم وعن أخذ شيء من عليه، وإذا شهد الشهود على فقره، وكان ذلك بعد حدوث الغلة لم يدخل في تلك الغلة، وإنما يدخل في الغلة الثانية إلا أن يوقنوا فقره وكان الفقر قبل حدوث الغلة فحينئذ ثبت حقه في تلك الغلة. ولو أن رجلاً أثبت فقره عند القاضي في وقف، فجاء رجل وعليه دين وأراد حبسه

стр. 2346

عند القاضي، فقال القاضي: إنك قد قضيت لفقري فلا تحبسني، فالقاضي لا يجيبه إلى ذلك؛ لأن فقر الوقف دون إعدام الدين، فإن من كان له سكن وخادم وثياب البدن يستحق الوقف، وفي الدين مثل هذا لا يكون معدماً، ولو ثبت إعدامه في الدين، فجاء يطلب الوقف، فالقاضي لا يكلفه البينة على الفقر؛ لأن الإعدام فوق الفقر وثبوت الأعلى يغني عن إثبات الأدنى، وإذا شهد القرابة بعضهم لبعض في الوقف لا يقبل إذا شهد كل فريق لصاحبه؛ لأنهم يثبتون مالاً مشتركاً، وإن كان الشهود (١٤أ٣) أغنياء شهدوا لرجل من قرابتهم بقرابته وفقره ذكر الخصاف في «وقفه» في باب الوقف على فقراء قرابته أنهم إذا لم يجروا إلى أنفسهم منفعة بشهادتهم، ولم يدفعوا عن أنفسهم بذلك مضرة قبلت شهادتهم في (ذلك) ذكر هو في باب قبل هذا الباب متصل به لو شهد رجلان من صحب قرابتهما لرجل أنه قرابة الواقف وفسروا قرابته أن ذلك جائز، فإن لم يعدل شهادتهما فرد القاضي شهادتهما، فللذي شهدا له بقرابة الواقف أن يدخل معهما فيما يصل إليهما من مال الواقف، ويشاركهما في ذلك. ذكر هلال في «وقفه» : إذا شهد رجلان أجنبيان بقرابة رجل من الواقف، وشهد قومان بفقره قبلت شهادتهما من غير تفصيل. قال هلال ﵀ في وقفه: لو أقر رجل من القرابة أنه كان غنياً ثم جاء يطلب الوقف. وقال: أنا فقير، وإنما افتقرت قبل حدوث الغلة لا يقبل قوله، وإن كان فقيراً للحال؛ لأنا قد علمنا غناه ولم نعلم فقره بعد ذلك قبل حدوث الغلة مجرد قوله ولا يجعل الحال حكماً؛ لأن تحكيم الحال عمل بنوع ظاهر، والظاهر لا يستحق به شيء. وإن شهد الشهود أنه أتلف ماله قبل حدوث الغلة استحق الغلة، وإن قالوا:.... أو أبهم القاضي بالتلجئة لا يعطيه إذا كان لم تلجئه تصل يده إليه. وإذا كانت امرأة فقيرة ولها زوج غني لا تعطى من الوقف؛ لأن نفقتها على زوجها والزوج إذا كان فقيراً يعطى من الوقف، وإن كانت امرأته غنية لا نفقة للزوج على المرأة، فلا يعد غنياً إذا كان أقربه ولد كبير لا زمانة به وهو فقير، ولهذا الولد أولاد صغار فقراء، فإنه لا يعطي أولاد الولد من الوقف؛ لأن أفرض نفقتهم في مال جدهم، وأما أبوهم وهو ولد القريب لصلبه، فله حظ له في الوقف؛ لأنه لا نفقة على ابنه؛ لأنه كبير لا زمانة به. وإذا كان للرجل ابن غني وهو فقير لا يعطى من الوقف؛ لأن نفقته على ابنه. ثم الأصل في جنس هذه المسائل إن كان من وجبت نفقته على غيره بالإجماع يعد غنياً يعني من وجب عليه نفقته في حكم الوقف كالوالدين والمولودين، وكل من كان في وجوب نفقته اختلاف لا يعد غنياً يعني من وجب عليه نفقته في حكم الوقف هذا هو عبارة بعض المشايخ، وعبارة بعضهم أن كل من وجب نفقته في مال إنسان وله أن يأخذ ذلك من غير قضاء ولا رضا ويقضي القاضي بالنفقة في ماله حال غيبته ومنافع الأملاك متصلة

стр. 2347

بينهما حتى لا يقبل شهادة أحدهما لصاحبه يعد غنياً يعني المنفق في حكم الوقف، وذلك كالوالدين والمولودين والأجداد، وكل من وجب نفقته في مال غيره بفرض القاضي ولا يأخذ النفقة من ماله إلا بقضاء أو رضا، والقاضي لا يقضي بالنفقة في ماله في حال غيبته ومنافع الأملاك متميزة حتى يقبل شهادة أحدهما لصاحبه لا يعد غنياً يعني المنفق في حق حكم الوقف، وذلك كالإخوة وسائر المحارم، على هذا الأصل تدور المسائل. الفصل الحادي عشر: في الرجل يقف أرضه على قرابته قسمت الغلة على قرابته على عدد رؤوسهم الصغير والكبير والغني والفقير فيه سواء؛ لأن اسم القرابة يتناولهم على السواء والاستحقاق بهذا الاسم، فإن جاء رجل يدعي أنه من قرابة الواقف، فإن كان الواقف حياً فهو خصمه يثبت عليه قرابته منه؛ لأن الوقف والغلة في يده، فالمدعي يدعي عليه لنفسه حقاً فيما في يده ويمنعه عنه، فينتصب خصماً له، وإن كان الواقف ميتاً فخصمه وصيه الذي الوقف في يده وجعله فيما عليه لما ذكرنا، ولأن القيم قائم مقام الميت بإقامة الميت إياه مقام نفسه، فينتصب خصماً للمدعي كالميت. وإن كان له وصيان أو أكثر فادعى على أحدهم جاز، ولا يشترط اجتماعهم ولا يكون وارث الميت خصماً للمدعي في ذلك إلا أن يكون متولياً، وكذلك أرباب الوقف لا يكون خصماً للمدعي أما أرباب الوقف؛ لأنه لا ملك لهم إنما لهم مجرد الحق؛ ألا ترى أن المرتهن لا ينتصب خصماً لمن يدعي غير الرهن، وإنما لا ينتصب؛ لأنه لا ملك له في غير الرهن، وأما الوارث فلأنه لا ملك له في عين الوقف ليس في يديه، فإن حضر القيم وجاء بشاهدين شهدا على أنه قريب هذا الواقف، فالقاضي لا يقبل شهادتهما حتى شهدا بنسب معلوم، فيشهدا أنه ابنه أو أخوه لأبيه وأمه أو لأبيه أو لأمه، والجواب في هذا نظير الجواب في فصل الميراث إذا شهد الشهود بوراثة رجل، وكذلك على هذا إذا وقف على نسله، فجاء رجل يدعي أنه من نسل الواقف، فأقام على ذلك بينة لا يقبل شهادتهم ما لم يثبتوا أنه ولده لصلبه أو ولد ابنه أو ولد ابنته أو ما أشبه ذلك، فإن فسروا القرابة، وقالوا: لا نعلم له قريباً آخر سوى هذا القريب، فالقاضي يعطيه الغلة، وإن لم يقولوا ذلك فالقاضي يتأنى ويتلوم زماناً، فإن طال ذلك ولم يظهر له قريب آخر قال: أستحسن أن أعطيه الغلة وآخذ منه كفيلاً، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ منه كفيل كما في الميراث، فإن قال الشهود: له قرابة غيب، فالقاضي يفرز أنصباءهم، فإن قال الشهود: لا ندري عددهم كم هم ينبغي للقاضي أن يقول لهم: احتاطوا ولا تشهدوا إلا بما تتيقنوا به فتقولوا لا نعلم له قرابة أخرى سوى كذا وكذا، وإن أقام يدعي القرابة شاهدين شهدا أن فلانا القاضي قضى أن هذا قريب الواقف، وإنه من قرابته قال هلال: ينبغي للقاضي أن يسألهما عن تفسير القرابة، فإن فسروا قرابة يستحق بها الوقف

стр. 2348

أعطاه وإلا فلا يعطيه شيئاً، وإن لم يفسر الشهود وقد ماتوا أو غابوا، فالقاضي يسأل المدعي ويستفسره القرابة، فإن ذكر قرابة لا يستحق بها الغلة لا يعطيه شيئاً، إن ذكر قرابة يستحق بها يعطيه وليس هذا بقضاء للقاضي الأول؛ لأن القاضي الأول قضى بكونه قريب الواقف فقط، ولا ينقض هذا القضاء، ولكن ليس كل قريب يستحق الوقف حتى لو قضى القاضي له بالغلة أو قضى بأنه موقوف عليه، فإن القاضي الثاني يمضية ويعطيه الغلة. وإن لم يفسر المدعي القرابة أيضاً أو كان صبياً قال هلال: القاضي يعطيه الغلة ويحمل قضاء القاضي الأول على الصحة وعلى أنه قضى بقرابة يستحق بها، وقاسه على مسألة ذكرها محمد ﵀ في «الزيادات» : أن (من) يدعي الميراث إذا أقام بينة عند القاضي أن قاضي بلد كذا قضى بأني وارث فلان الميت، ولم يزد الشهود على هذا، فهذا القاضي يجعله وارث الميت ويحمل قضاء القاضي الأول على الصحة كذا هنا، هذا جملة ما أورد هلال في «وقفه» . وذكر الخصاف في «وقفه» أن شهود المدعي إذا شهدوا أن قاضي بلد كذا قضى أن هذا قريب الواقف أستحسن أن أجيز هذا وأحمله على الصحة ولم يذكر سؤال الشهود ولا سؤال المدعي، قال الفقيه أبو جعفر: وعندي أنه لا يقضي له بالغلة وليس هذا مسألة «الزيادات» ؛ لأن الوراثة متى تثبت يستحق بها الإرث على كل حال، فأما القرابة متى تثبت قد يستحق بها الغلة وقد لا يستحق (١٤ب٣) فلا تكون القرابة نظير الوراثة. رجل أثبت قرابته عند القاضي وقضى القاضي بها ثم جاء آخر وادعى أنه قريب الواقف، فلم يجد الوصي، فأراد أن يخاصم المقضي له الأول، فإن كان الأول قد أخذ شيئاً من الغلة فهو خصم للثاني، وإن لم يكن أخذ شيئاً من الغلة لم يكن خصماً للثاني، سواء قدمه إلى القاضي الذي قضى به للأول أو قدمه إلى قاض آخر، وهذا الاستحسان ذهب إليه هلال. والقياس أنه إذا قدمه إلى القاضي للأول أن يجعل خصماً كما في مسألة الوصية بالثلث إذا أقام شهوداً أن الميت أوصى له بالثلث وقضى القاضي له بذلك، فأعطاه شيئاً من التركة، فجاء رجل وادعى أن الميت أوصى له بثلث ماله فلم يجد الوارث قدم هذا الموصى له، فهو خصم للثاني؛ لأنه يدعي شيئاً فيما في يده، وإن كان الأول لم يأخذ شيئاً من التركة، فإن قدمه الثاني إلى قاض آخر لا يكون خصماً له، وإن قدمه إلى القاضي الأول جعله خصماً له، يجب أن يكون الجواب في القرابة كذلك. استحسن هلال وفرق بين المسألتين، ووجهه أن الموصى له شريك الوارث، فإذا قدمه إلى قاض علم بكونه شريك الوارث صار كما لو قدم الوارث، فأما الموقوف عليه ليس شريك الوارث والثاني لا يدعي على الأول شيئاً إنما يدعي على الواقف أنه قريبه والموقوف عليه ليس بنائب عن الواقف فلهذا لا يكون خصماً. ولو أن رجلاً أثبت قرابته من الواقف وفسر القرابة وقضى القاضي له بالغلة جاء آخر وأقام بينة أنه ابن المقضي له الأول، فإنه يقضي له بالغلة ولا يحتاج أن يفسر قرابته من الواقف؛ لأن الأول أثبت قرابته من الميت، فإذا أثبت الثاني أنه ابن الأول كان ابن

стр. 2349

الأول بتلك القرابة ضرورة، وكذلك لو كان المقضي له الأول امرأة وباقي المسألة بحاله. وإن أقام الثاني بينة أنه أخ المقضي له لابنه، فالقاضي إن قضى الأول بقرابته من قبل أبيه قضى للثاني، وإن قضى للأول بقرابته من قبل أمه كان الثاني أجنبياً عن الواقف، وعلى هذا يخرج جنس هذه الشهادة وشهادة ابني الواقف أن هذا الرجل قريب وَالدِنا مع تفسير القرابة مقبولة؛ لأنه لا تهمه في هذه الشهادة. ولو ادعى قوم أنهم قرابة الميت وشهد بالقرابة بعضهم لبعض بأن شهد ابنان لابنين منهم أنهما قرابة الواقف لا يقبل شهادتهم؛ لأن كل فريق شهد للفريق الآخر بما له فيه شركة؛ لأن ما (من) جزء من أجزاء المال يثبت لأحد الفريقين إلا وللفريق الآخر فيه من الشركة، وإن كان القاضي قضى بشهادة الشاهدين الأولين ثم شهد المقضي لهما للشاهدين لا يقبل شهادتهما للشاهدين الأولين؛ لأنها لو قبلت تقع الشركة بين المشهود لهما وبين الشاهدين، وشهادة الشاهدين للأول ماضية على حالهما؛ لأنها تأكدت بالقضاء، فلا تبطل، بخلاف الفصل الأول، وهو ما إذا لم يقض القاضي بشهادة الشاهدين الأولين حيث لا يقبل شهادتهم جملة؛ لأن هناك شهادة واحد أحد الفريقين لم يتأكد، أما هنا بخلافه. وإذا وقف أرضه على قرابته فجاء رجل وادعى أنه من قرابته وأقر الواقف بذلك وفسر القرابة وقال: هذا ممن وقفت عليه، فإن كان للواقف قرابة معروفون لا يصح إقراره؛ لأن الوقف قد ثبت للمعروفين، فهو بهذا الإقرار يريد إبطال حق المعروفين في البعض، فلا يصدق كالمريض إذا أقر أن هذا أخي أو عمي وله ورثة معروفون، فإنه لا يصح إقراره كذا ههنا، وهذا إذا كان الإقرار من الواقف بعد عقد الوقف، فأما إذا أقر بذلك في عقد الوقف بأن قال في عقد الوقف: هذا ممن وقفت عليه قبل ذلك منه؛ لأن حق الغير لم يثبت بعد فلم يكن هذا الإقرار مبطلاً حقاً على أحد بخلاف ما إذا كان الإقرار من الواقف (بعد) عقد الوقف، أما إذا لم يكن له قرابة معروفون فالقياس أن لا يصح إقراره؛ لأن الحق قد ثبت للفقراء فلا يقبل قوله في تنقيص حقهم وفي الاستحسان يقبل قوله؛ لأن الحق لم يثبت لشخص بعينه، وهو نظير المريض إذا لم يكن له ورثة معروفون، فقال لرجل: هذا أخي لأبي وأمي صح إقراره، وإن كان فيه إبطال حق يثبت المال، والمعنى ما ذكرنا أن الحق أثبت لشخص بعينه، وإذا عرفت الجواب في إقرار الوقف بالقرابة ينبني عليه مسألة الشهادة على إقرار الوقف بالقرابة، ففي كل موضع صح إقراره قبلت الشهادة على إقراره. قال: وإذا وقف على ولده ونسله ثم أقر رجل أنه ابنه، فإنه لا يصدق في الغلات الماضية؛ لأنها صارت حقاً للمعروفين ويصدق في الغلات المستأنفة؛ لأن النسب يثبت بإقراره فعند الاستحقاق هو وسائر الورثة على السواء في النسب. وإذا وقف على قرابته وجاء رجل يدعي أنه من قرابته وأقام بينة فشهدوا أن الواقف كان يعطيه مع القرابة في كل سنة شيئاً، لا يستحق بهذه الشهادة شيئاً وكذلك لو شهدوا أن

стр. 2350

قاضي فلان كان يدفع إليه مع القرابة في كل سنة شيئاً فلا يكون دفع القاضي حجة يحتمل أن القاضي قضى على بعض قرابة الواقف بإقراره له. ومما يتصل بهذا الفصل معرفة قرابة الواقف الذين يستحقون الوقف: قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أبيه، وكل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أمه المحرم وغير المحرم، والقريب والبعيد، والجمع والفرد في ذلك سواء، فإذا وقف على قرابته أو ذي قرابته أو على أقربائه أو على ذوي قرابته دخل هؤلاء تحت الوقف عندهما. وقال أبو حنيفة: إن حصل الوقف بلفظ الوحدان نحو قوله: على قرابتي على ذي قرابتي دخل تحت الوقف من كان أقرب إلى الواقف من محارمه، وإن حصل الوقف بلفظ الجمع نحو قوله: على ذي قرابتي على أقربائي يعتبر مع ما ذكرنا الجمع حتى ينصرف اللفظ إلى المثنى فصاعداً، وتكلم المشايخ في معنى قوله أقصى أب له في الإسلام قال بعضهم: معناه أقصى أب أسلم وقال بعضهم: معناه أقصى أب أدرك الإسلام أو لم يسلم، وثمرة هذا الاختلاف يظهر في العلوي إذا وقف على قرابته، فعلى قول من يشترط إدراك الاسلام أول أب أدرك الاسلام أبو طالب، فيدخل تحت الوقف أولاد عقيل وأولاد جعفر وأولاد علي، على قول من شرط نفس الإسلام أول أب أسلم علي، فيدخل تحت الوقف أولاد علي ولا يدخل أولاد عقيل وأولاد جعفر. وقال هلال: القرابة إلى ثلاثة آباء، فمن انتسب إلى واحد من الآباء الثلاث يدخل في الوقف وما لا فلا وقال قوم: القرابة إلى أربع آباء، وإنما اعتبر أبو يوسف ومحمد أقصى أب له في الإسلام؛ لأنه لا وجه إلى صرف الوقف إلى القرابة العامة؛ لأنه (١٥أ٣) يدخل تحت الوقف من كان في الجاهلية؛ لأن جميع الناس أقرباؤه؛ لأن الناس كلهم أولاد آدم ونوح ﵉، فلو دخلوا تحت الوقف لا يصيب كل واحد منهم شيئاً منتفعاً، ونحن نعلم أن قصد الواقف إنفاع الموقوف عليه، أما لو اعتبرنا أقصى أب في الإسلام يصيب كل واحد منهم شيئاً منتفعاً، فلهذا اعتبرنا ذلك، وإنما سوينا بين القريب والبعيد والمحرم؛ لأن الاستحقاق باسم القريب وهذا اسم يتناول الكل، وإنما سوينا بين الجمع والفرد؛ لأن الاستحقاق باسم القرابة والقريب، وإنه اسم جنس، واسم الجنس ينصرف إلى الواحد مع احتمال الجمع، وأما أبو حنيفة ﵀ إنما اعتبر الجمع فيما إذا حصل الإنفاق بلفظه الجمع، عملاً بحقيقة اللفظ، وإنما اعتبر القرابة المحرمة للنكاح؛ لأن مقصود الواقف صلة القرابة، فالظاهر أنه يريد به قرابته بفرض وصلها، وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب؛ لأن القرابة سبعة من القرب فمن كان أقرب كان أولى يصرف اللفظ إليه. بيان جملة ما ذكرنا إذا كان للواقف عمان وخالان وقد حصل الإنفاق بلفظ الجمع، فعلى قول أبي حنيفة الغلة للعمين؛ لأنه يعتبر الأقرب فالأقرب، وقرابة العم أقرب من قرابة الخال، ولهذا كان الميراث للعم دون الخال، واسم الجمع ينطلق عليهما، وعندهما: الغلة للعمين والخالين أرباعاً؛ لأنهما لا يعتبران الأقرب لما ذكرنا أن اسم القرابة يتناول الكل.
следующие страницы →