Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
السلم لا جواز له بدون الأجل بحال من الأحوال، فإنه متى وقع بغير أجل لا ينقلب جائزاً بضرب الأجل، فيكون الإقرار بالسلم لا محالة إقرار بالأجل سواء اعتبر عقداً أو تسليماً، فأما السلم فهو العقد يجوز من غير قبض رأس المال وإنما القبض شرط إيفاء العقد على الصحة، فأمكننا أن نجعل السلم عبارة عن العقد لا عن القبض والتسليم.
الوجه الخامس: إذا جاء المسلم إليه بعد ما تفرقا عن المجلس ببعض رأس المال، وقال وجدته زيوفاً إن صدقه بذلك رب السلم كان له أن يرده على رب السلم، وإن كذبه في ذلك وأنكر أن يكون من دراهمه وادعى المسلم إليه أنه من دراهمه، فهذه المسألة على ستة أوجه:
إما أن يكون المسلم إليه أقر قبل ذلك، فقال: قبضت الجياد، أو قال: قبضت حقي، أو قال: قبضت رأس المال، أو قال: استوفيت الدراهم، وفي هذه الوجوه لتعريفه، لا تسمع دعواه للزيافة حتى لا يستحلف رب السلم؛ لأنه متناقض في دعوى الزيادة؛ لأنه أقر بقبض الجياد فظاهر، وأما في قوله استوفيت الدراهم؛ لأن الاستيفاء عبارة عن تمام الحق، فكأنه قال: استوفيت الدراهم التي هي تمام حقي وتمام حقه في الجياد. وأما إذا قال قبضت الدراهم فالقياس أن يكون القول قول رب السلم؛ لأن المسلم إليه يدعي على رب السلم فسخ القبض، فليرجع عليه بالجياد ورب السلم ينكر، وفي الاستحسان: القول قول المسلم إليه؛ لأن المسلم إليه بدعوى الزيافة منكر قبض حقه، ولم يسبق منه إلا الإقرار بقبض مطلق الدراهم، واسم الدراهم مطلقاً كما يتناول الجياد يتناول الزيوف، ورب السلم يدعي إيفاء الحق فيكون قول المسلم إليه، وأما إذا قال قبضت فالقول قول المسلم إليه فههنا أولى.
وأما إذا قال: وجدتها ستوقة أو رصاصاً، ففي الوجوه لتعريفه لا شك أن لا يقبل قوله وكذلك في الوجه الخامس، وهو: ما إذا قال: قبضت الدراهم بعد ما أقر بقبض الدراهم؛ لأن الستوق والرصاص ليسا من جنس الدراهم بعد ما أقر بقبض الدراهم.
وفي الوجه السادس وهو: ما إذا قال: قبضت يقبل قوله؛ لأنه أقر بمطلق القبض لا بقبض الدراهم، فبدعواه أن ما قبض ستوقة أو رصاص (١٣٣أ٣) لا يكون متناقضاً، وإذا جاء المسلم إليه بدراهم ستوقة أو رصاص وجدها في رأس المال، وقال: هذا نصف رأس المال وقال رب السلم: هو ثلث رأس المال، فالقول قول المسلم إليه، ولو كان زيوفاً أو نبهرجة أو مستحقة واختلفا في مثل ذلك، فالقول قول رب السلم مع يمينه ذكر «القدروي» المسألة على هذا الوجه.
والفرق: وهو أن قبض المستحق والزيوف وقع صحيحاً، وإن كان أحدهما على سبيل النفاذ والآخر على سبيل التوقف، وإنما ينتقض بالرد بعد الحكم بالصحة، فالمسلم إليه يدعي الانتقاض في النصف ورب السلم ينكر فيما زاد على الثلث، فيكون القول قول رب السلم مع يمينه، أما في الستوقة والرصاص القبض لم يقع صحيحاً، ولهذا لو تجوز به لا يجوز، فكان الاختلاف في قدر المقبوض، ورب السلم يدعي زيادة في القبض والمسلم إليه ينكر، فيكون القول قول المسلم إليه مع يمينه.
стр. 2907
الوجه السادس: رجل قال لآخر أسلمت إلي عشرة دراهم في كر حنطة إلا أني لم أقبضها، فإن ذكر قوله إلا أني لم أقبضها موصولاً بكلامه صدق قياساً واستحساناً، وإن ذكر مفصولاً بأن سكت ساعة، ثم قال: إلا أني لم أقبضها، صدق قياساً، ولم يصدق استحساناً، وهذا؛ لأن قوله: إلا أني لم أقبضها بيان تغيير لا بيان تقرير؛ لأن قوله: أسلمت إلي، على جواب الاستحسان صار عبارة عن قوله أسلمت إلي رأس المال، لا عن قوله باشرت معي عقد السلم؛ لأن قوله أسلمت إن صار للعقد حقيقة بسبب الشرع، والاستعمال نفي للقبض حقيقة بالشرع والاستعمال أيضاً وترجح حقيقة القبض بحكم الوضع، فإنه في الأصل موضوع للتسليم لا للعقد.
وإذا ترجح أحد الاحتمالين على الآخر صار الاسم للراجح حقيقة وللآخر مجازاً، وإذا صار هذا الاسم مجازاً للعقد صار قوله عنيت بالعقد إرادة للمجاز، وإرادة المجاز من الكلام يغير الكلام من حيث الحقيقة، ولكنه بيان من حيث إن العرب تتكلم بالحقيقة وتريد المجاز، فهو معنى قولنا: إن هذا بيان تغيير فيصح موصولاً، ثم إذا لم يصدق على جواب الاستحسان ذكر أن القول قول الطالب مع يمينه، وكان ينبغي أن لا يستحلف الطالب على جواب الاستحسان؛ لأن قوله: أسلمت إلي على جواب الاستحسان صار عبارة عن قوله أسلمت إلي رأس المال.
ولو قال: أسلمت إليَّ رأس المال، ثم قال بعد ذلك: لم أقبض، لا يصح دعواه حتى يستحلف الطالب على دعواه؛ لأنه صار مناقضاً في الدعوى كذا ههنا، والجواب إنما لا يصدق في دعوى العقد على طريق الاستحسان؛ لأنه ادعى المجاز من كلامه لا لأنه مناقض؛ لأن المناقضة إنما تثبت بضد ما أقر له من كل وجه بأن قال: قبضت، ثم قال: لم أقبض، وههنا لم يقر بصريح القبض، وإنما أقر بالسلم، وإنه يحتمل العقد مجازاً، وإن كان حقيقة للتسليم لا للعقد، وإذا كان محتملاً للمجاز لا يصير مناقضاً في قوله لم أقبض فيكون دعواه صحيحاً، ومن ادعى دعوى صحيحاً يستحلف خصمه على دعواه هذا إذا قال: أسلمت إليَّ.k
أما إذا قال: دفعت إلي عشرة، أو قال: نقدتني لكني لم أقبضها، قال أبو يوسف: لا يصدق وصل وإن فصل، كما لو قال: قبضت، ثم قال: لم أقبض وقال محمد: يصدق إن وصل، وإن فصل لا يصدق، والمسألة معروفة في كتاب الإقرار.
نوع آخر
منه في شرط الإيفاء والحمل ومسائلها: إذا شرط رب السلم على المسلم إليه أن يوفيه السلم في مصر كذا، ففي أي مكان دفعه إليه من ذلك المصر فله ذلك، وليس لرب السلم أن يكلفه تسليمه في موضع آخر، فقد جوز المسلم من غير بيان مكان الإيفاء في المصر إنما فعل كذلك؛ لأن بتأمن محالها واختلاف أماكنها جعل كمكان واحد حكماً؛ لأن القيمة لا تختلف بتفاوت محال المصر، وإذا كان كذلك صار مكان الإيفاء معلوماً، فجاز السلم، وله أن يوفيه من أي مكان شاء من ذلك المصر؛ لأن المصر لما جعل
стр. 2908
كمكان واحد من حيث الحكم صار كأنه شرط عليها الإيفاء في مكان واحد من حيث الحقيقة، ولو كان كذلك ففي أي ناحية من ذلك المكان أوفاه فله ذلك، وليس لرب السلم أن يعين مكاناً آخر كذا ههنا.
وإن اختلفا فقال رب السلم: شرطت لي أن توفني في محلة كذا، وقال رب السلم: أعطيك في محلة أخرى غير دارك أجبر رب السلم على القبول لما ذكر، وإذا شرط رب السلم أن يوفيه إياه في مكان كذا، فقال المسلم إليه لرب السلم: خذه في غير ذلك المكان وخذ مني الكراء فأخذه جائز ولا يسلم له الكراء أما أخذ التسليم فلأنه استوفى في عين الحق وأما عدم سلامة الكراء؛ لأن المأخوذ صار ملكاً لرب السلم بالأخذ فهذا إذا أخذ الكراء من المسلم إليه، فإنما أخذ الكراء لينقل ملك نفسه، والإنسان بنقل ملك نفسه لا يستوجب الكراء على غيره، وإذا لم يسلم له الكراء كان له الخيار، إن شاء أمسك المقبوض ورد الكراء، وإن شاء رد للمقبوض مع الكراء ليوفيه في المكان المشروط؛ لأنه إنما رضي بقبضه في غير المكان المشروط بشرط أن يسلم له الكراء، فإذا لم يسلم له الكراء، فقد تغير عليه بشرطه فتخير، قالوا: وإنما يتخير إذا كان المقبوض قائماً، وأما إذا هلك لا خيار له؛ لأنه إنما يثبت الخيار لينتقض قبضه، وإنما يمكنه نقض قبضه قبل الهلاك لا بعد الهلاك، فإذا شرط رب السلم على المسلم إليه أن يحمل المسلم إلى منزله بعد ما أوفى في المكان الذي شرط فيه الإيفاء، بأن شرط عليه أن يوفيه السلم في درب سمرقند ببخارى، ثم يحمل إلى منزلة بكلاباد فلا خير في السلم على هذا الوجه؛ لأن بالإيفاء في المكان المشروط بدرب سمرقند يصير المسلم فيه ملكاً لرب السلم، فإذا شرط عليه الحمل إلى كلاباد صار مستأجراً له أو مستعيناً به، فيكون إجارة أو إعارة مشروط في عقد السلم، فيوجب فساد السلم كما في بيع العين، وكما لو اشترى حنطة على أن يطحنها المشتري، فهذا إذا شرط الحمل إلى منزله بعد الإيفاء في المكان المشروط، فأما إذا شرط الحمل إلى منزله ابتداء قبل اشتراط الإيفاء في محلة المصر، لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في «الكتاب» ، وكان الفقيه أبو بكر البلخي ﵀ يقول: يجوز السلم استحساناً،
وكان يقول: اشتراط الحمل إلى منزله واشتراط الإيفاء في منزلة سواء؛ لأن الإيفاء في منزلة لا يتصور بدون الحمل إلى منزله، ولو شرط الإيفاء في منزله ابتداء أليس أنه يجوز استحساناً فكذا إذا شرط الحمل إلى منزله، وكان يقول إنما يفسد السلم باشتراط الحمل إلى منزله إذا كان (١٣٣ب٣) اشتراط الحمل بعد اشتراط الإيفاء في مكان، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني، وروي عن أبي عبد الله البلخي أنه كان يقول: اشتراط الحمل إلى منزله يوجب فساد السلم سواء كان ابتداء بعد شرط الإيفاء في مكان، ويروي ذلك عن أصحابنا ﵏، فإنه يثبت هذه الرواية عنهم، والوجه في ذلك: أن الإيفاء مما يقتضيه عقد السلم، فإنه يجب على المسلم إليه إيفاؤه، واشتراط ما يقتضيه العقد من غير شرط لا يوجب الفساد، فأما لا يقتضي الحمل؛ لأن على المسلم إليه الإيفاء دون الحمل بأن يشتريه المسلم إليه في المكان المشروط ويوفيه من غير حمل، فقد
стр. 2909
شرط في السلم مالا يقتضيه ولأحد المتعاقدين فيه منفعة، فيوجب الفساد، هذا كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيمن اشترى وقر حطب وشرط الحمل إلى منزله لم يجز البيع قياساً واستحساناً؛ لأن البيع لا يقتضي الحمل، ولو شرط الإيفاء في منزله يجزئه استحساناً؛ لأن البيع يقتضي الإيفاء كذا ههنا.
ولو شرط أن يوفيه إياه في منزله بعد ما يوفيه في محلة كذا بأن قال: على أن يوفيني في درب سمرقند، ثم يوفيني بعد ذلك في منزلي بكلاباد، عامة المشايخ على أنه لا يجوز قياساً واستحساناً؛ لأن اشتراط الإيفاء في منزله بعد الإيفاء في مكان لا يتصور إلا بالحمل، ولو شرط الحمل بعد الإيفاء في مكان لا يتصور إلا بالحمل. ولو شرط الحمل بعد الإيفاء أليس أنه لا يجوز استحساناً وقياساً، وكان الفقيه أبو بكر محمد بن سلام ﵀ يقول: يجوز استحساناً؛ لأن بشرط الإيفاء ثانياً يفسخ شرط الإيفاء الأول؛ لأن الموفي لا يتصور إيفاؤه ثانياً، وإذا انفسخ الشرط الأول صار كأنه شرط الإيفاء إلى منزله لا غير هناك يجوز السلم استحساناً كذا ههنا.
وفي «المنتقى» بشر عن أبي يوسف: إذا شرط في السلم حمله إلى موضع كذا، فهو جائز وهو قول أبي حنيفة من أن الطعام في ملك المسلم إليه وضمانه حتى يسلمه بخلاف ما لو شرط؛ لأن اشتراط الحمل لا يتضمن فسخ شرط الإيفاء؛ لأن الموفي يتصور حمله، وإذا لم ينفسخ الشرط الأول بقي شرط الحمل شرط إجارة أو إعارة فيوجب فساد السلم.
ولو شرط أن يوفيه إياه في منزلة ابتداءاً، بعض مشايخنا ﵏ قالوا: المسألة على القياس والاستحسان، القياس: أن لا يجوز، وفي الاستحسان: يجوز، قال الحاكم الشهيد ﵀: هذا القياس والاستحسان فيما إذا لم يبين منزله ولم يعلم المسلم إليه أنه في أي محلة، أما إذا بين أو علم المسلم إليه ذلك يجوز قياساً واستحساناً.
نوع آخر
من هذا الفصل في الإقالة والصلح: يجب أن يعلم بأن الإقالة في السلم جائزة؛ لأن السلم نوع بيع فيجوز إقالته كما يجوز إقالة سائر أنواع البيوع، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقال: «لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك» والمراد أخذ السلم حال قيامه ورأس المال بعد انفساخه، فدل الحديث أن السلم قابل للفسخ والإقالة. ولو أقاله في البعض وأخذ البعض جاز؛ لأنه لو أقاله في الكل يجوز، فيجوز في البعض أيضاً اعتباراً للبعض بالكل.
ولو أبرأ رب السلم المسلم إليه من المسلم فيه، فيجوز بخلاف ما لو أبرأ إليه رب السلم عن رأس المال حيث لا يجوز، والفرق: أن قبض المسلم فيه ليس بمستحق حقاً للشرع بل هو حق العبد، فيصح الإبراء عنه، أما قبض رأس المال مستحق للشرع ليخرج
стр. 2910
العقد من أن يكون ديناً بدين، فلا يصح الإبراء عنه، ومتى صحت الإقالة يجب على المسلم إليه رأس المال إلى رب السلم، فإن أراد رب السلم أن يستبدل برأس المال شيئاً بعد الإقالة لم يجز استحساناً، وبه أخذ علماؤنا الثلاثة ﵏، وأصل المسألة أن الاستبدال برأس مال السلم بعد الإقالة قبل القبض هل يجوز؟ على قول علمائنا الثلاثة ﵏: لا يجوز وهذا استحسان، والأصل فيه قوله ﵇: «لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك» ومتى جوزنا الاستبدال برأس المال بعد الإقالة قبل القبض صار آخذاً عين السلم وعين رأس المال، والمعنى فيه: أن الإقالة في باب السلم قبل قبض رأس المال تمت من وجه من حيث إنها أفادت لرب السلم ملك الرقبة، ولم يتم من وجه من حيث إنها لم تفد لرب السلم ملك التصرف، وملك اليد وحق رب السلم في المسلم إليه يثبت بنفس العقد ويتأكد بتسليم رأس المال، فما لم يقبض رأس المال يكون حقه في المسلم فيه قائماً من وجه، وإذا بقي حقه في المسلم إليه من وجه بدلاً عن رأس المال، وإنه جائز؛ لأنه وجب بسبب فسخ السلم لا بسبب السلم، ويأخذ من وجه بدلاً عن المسلم فيه؛ لأن الإقالة من حيث إنها لا تتم بها لم توجد؛ لأنه لا حكم لها شرعاً من ذلك الوجه، فيصير مستبدلاً بالمسلم فيه من وجه وإنه يجوز، وبرأس مال السلم من وجه وإنه لا يجوز، وقع الشك في الجواز، فلا يجوز بالشك والاحتمال، ولأجل ما ذكرنا من المعنى لم يشترط قبض رأس المال في مجلس الإقالة في باب السلم؛ لأنا إن اعتبرنا حق رب السلم في المسلم فيه من وجه لا يجب، فيصير كما لا يجب قبض المسلم فيه، وإن اعتبرنا حقه في رأس المال فكذلك لا يجب قبض رأس
المال؛ لأنه لم يجب بعقد؛ لأنه وجب بفسخ السلم وفسخ السلم لا يكون سلماً لا في حقها ولا في حق الثالث؛ لأن الفسخ حصل قبل قبض المبيع، فيكون فسخاً في حق الكل.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : رجل أسلم إلى رجل جارية في كر حنطة وقبضها المسلم إليه ثم تقايلا، فماتت الجارية في يد المسلم إليه، فعليه قيمتها يوم قبضها، وإن هلكت الجارية ثم تقايلا جازت الإقالة عليه قيمة الجارية.
إعلم بأن من هذا الجنس أربع مسائل:
إحداها: بيع العرض بالعرض إذا تبايع الرجلان عرضاً بعرض وتقابضا، ثم هلك أحد العرضين بعد الإقالة قبل التسلم بحكم الإقالة بقيت الإقالة على الصحة. ولو تقايلا بعد ما هلك العرضان فالإقالة باطلة.
والثانية: بيع العرض بالدراهم أو دنانير: إذا تبايع الرجلان عرضاً بدراهم أو دنانير وتقابضا، ثم تقايلا بعدما هلكت الدراهم فالإقالة صحيحة، ولو تقايلا بعدما هلكت العرض فالإقالة باطلة. ولو تقايلا وهما قائمان، ثم هلك أحدهما قبل التسليم بحكم الإقالة، إن هلك العرض بطلت الإقالة، وإن هلكت الدراهم بطلت الإقالة على الصحة، وقد ذكر مع العرض بالدراهم أو بالدنانير في فصل الإقالة، ثم الفرق بين فصل بيع العرض بالعرض وبين فصل بيع العرض بالدراهم أو بالدنانير أن الإقالة صحتها تعتمد قيام
стр. 2911
العقد من حيث الحكم؛ لأنها رفع للعقد ورفع العقد إنما يتصور حال قيامه والبيع (١٣٤أ٣) قائم في بيع العرض بالعرض من حيث الحكم قيام أحد العرضين؛ لأن قيام العقد قبل هلاك أحدهما كان بهما لا بأحدهما بعينه بأن يضاف قيام العقد إليه حكماً بأولى من الآخر؛ لأن كل واحد منهما مال حقيقة وحكماً؛ لأن كل واحد عين حقيقة وحكماً، وكل واحد منهما مثمن من وجه، فلا مزية لأحدهما على الآخر، فكان قيام العقد من حيث الحكم بهما جميعاً، وإذا كان قيام العقد حكماً بهما لا بأحدهما بعينه لم يرتفع العقد بهلاك أحدهما على ما عرف أن الثابت بشيئين لا يزول بزوال أحدهما، فبقي العقد بقيام أحدهما، فجازت الإقالة حال قيام أحدهما لقيام العقد بقيام أحدهما كما جازت حال قيامهما، فأما في بيع العرض بالدراهم والدنانير، فقيام العقد حكماً مضاف إلى البيع خاصة لا إلى البيع والثمن جميعاً؛ لأن للمبيع فضل مزية على الثمن، فإن المبيع مال حقيقة وحكماً؛ لأنه عين حقيقة وحكماً، والثمن دين حقيقية وحكماً إن لم يكن مشاراً إليه، وإن كان مشاراً إليه دين حكماً؛ لأن البيع لا يتعلق بعين المشار إليه، وإنما يتعلق بمثله ديناً في الذمة ولهذا جاز الاستبدال قبل القبض قلنا: والدين في الذمة مال حكماً واعتباراً وليس بمال حقيقة، ولهذا قالوا بأن البراءة عن الدين تصح من غير قبول كالطلاق والعتاق ويرتد
بالرد؛ لأنه مال حكماً وهبة العين لا يصح من غير قبول، ولا تتأدى زكاة العين بالدين؛ لأن الدين أنقص من العين، فصار مؤدياً الكامل بالناقص.
وكذلك قالوا فيمن حلف وقال: مالي صدقة على المساكين وله ديون على الناس لا تدخل تحت مطلق اسم المال من غير نية؛ لأنه ناقص في كونه مالاً، وإذا كان للمبيع ضرب مزية على الثمن لا بد من إظهار مزيته، وقد تعذر إظهار مزية المبيع على الثمن في حق انعقاد البيع؛ لأنه لابد لانعقاد البيع من مثمن وثمن، فأظهر مزيته في حق البقاء لما تعذر إظهار مزيته على الثمن في حق الانعقاد، فجعلنا قيام البيع حكماً كله مضافاً إلى المبيع لا إلى الثمن، فإذا هلك المبيع ارتفع البيع وإن بقيت الدراهم والدنانير.
والدليل: على أن بقاء البيع مضاف إلى قيام البيع لا إلى الثمن أنا أجمعنا على أنه لو وجد الثمن زيوفاً حال قيام المبيع فرده واستحق الثمن، فإنه يرجع بمثله ولا ينفسخ البيع. ولو كان قيام البيع مضافاً إليه لمكان ينفسخ البيع برده، كما في بيع العرض بالعرض لو استحق أحد العرضين إذا وجد به عيباً فرده، فإنه ينتقض البيع في الباقي، وفي الثمن لما بقي البيع على حاله علمنا أن قيام العقد مضاف إلى المبيع، فإذا هلك ارتفع البيع فلا يرتفع مرة أخرى بالإقالة.
المسألة الثانية بيع الثمن بالثمن: إذا تبايعا درهماً بدرهم أو ديناراً بدينار أو دراهم بدنانير، وتقايلا بعد هلاك أحد البدلين أو بعدما هلك البدلان لا تصح الإقالة، والفرق: وهو أن في باب الصرف لو تقايلا قبل هلاك البدلين صحت الإقالة بمثل الدراهم والدنانير التي قبضا ديناً في الذمة لا بأعيانهما كان لكل واحد فيهما أن يرد مثل ما قبض، ولا يلزمه رد ما قبض بعينه؛ وهذا لأن الفسخ معتبر بالعقد، والعقد لا يتعلق بأعيانهما وإن
стр. 2912
أشير إليها عندنا، فكذا الإقالة لا تتعلق بأعيانهما لو كانا قائمين صار هلاكهما كقيامهما بخلاف بيع العرض بالعرض؛ لأنهما متى كانا قائمين يتعلق الإقالة بأعيانهما، فمتى كانا هالكين لم يبق شيء من المعقود عليه لما هلك اليد؛ لأن كل واحد من البدلين وجب في الذمة، وقد سقط ذلك بالقضاء، فالإقالة لم تضف معقوداً عليه، فيجب أن لا تصح الإقالة، والجواب عنه أن الدين مما لا يسقط بالقضاء، ألا ترى أن البائع إذا حط عن المشتري بعض الثمن بعد ما قبض الثمن صح مع الحط لإسقاط بعض الثمن، ولو كان الثمن يسقط بالثمن بالقضاء كان لا يصح الحط كما لو حصل الحط بعد الإبراء، وإذا كان كذلك فالدين الواجب في الذمة مما لا يسقط بالقضاء إلا أن الطالب لا يطالب الغريم بعد القضاء؛ لأن المطالبة لا تفيد، فإنه لو طالبه طالبه بما بقي في ذمته طالبه الغريم بما أوجب له في ذمة الطالب؛ لأن الديون تقضى بأمثالها لا بأعاينها، وإذا كان كذلك فما هو المعقود عليه وهو الدين قائم في ذمة كل واحد منهما، فصحت الإقالة باعتبار ما بقي في ذمتهما كما صح العقد باعتبار ما يجب في ذمتهما.
المسألة الرابعة: إذا كان رأس المال عرضاً وهلك العرض، ثم تقايلا السلم صحت الإقالة لقيام المسلم فيه وكان قيام المسلم مضافاً إلى قيام المسلم فيه ديناً، وإن كان المسلم فيه رأس المال إذا كان عرضاً كان عيناً حقيقة وحكماً، وفرق بين فصل السلم وبين بيع العرض بالدراهم، والفرق: أن في بيع العرض بالدراهم المبيع مال حقيقة وحكماً؛ لأنه عين حقيقة وحكماً والثمن دين حقيقة وحكماً أو حكماً لا حقيقة، فكان للمبيع ضرب مزية على (الثمن) والتقريب ما مر، فأما المسلم فيه إن كان ديناً حقيقة فهو عين حكماً؛ لأنه مبيع، ولهذا لم يجز الاستبدال به قبل القبض والمبيع ما يكون عيناً، فكان له حكم العين ورأس المال إن كان عيناً فهو دين حكماً حتى لو افترقا قبل قبض رأس المال بطل السلم، وإن كان رأس (المال) عيناً وجعل كأن الافتراق حصل عن دين بدين فاستويا، فصار قيام العقد مضافاً إليهما كما في بيع العرض بالعرض لا إلى أحدهما بعينه.
وإذا قبض رب السلم رأس المال وتقايلا السلم، ثم اختلفا في مقدار رأس المال، فقال المسلم إليه: كان رأس المال خمسة، وقال رب السلم: لا بل كان رأس المال عشرة، فالقول قول المسلم إليه مع يمينه، ولا يتحالفان فرق بين هذا وبين بيع العين، فإن في بيع العين إذا تقايلا العقد حال قيام العين واختلفا في مقدار الثمن، فإنهما يتحالفان ويفسخ الإقالة فيما بينهما بعد التحالف، والفرق: أن المقصود من التحالف شرعاً الفسخ متى يعود كل واحد منهما إلى رأس ماله، والإقالة في باب السلم لا تقبل الفسخ لا حكماً ولا قصداً، فإنهما لو قالا: نقضنا الإقالة، تنتقض ويعود الأمر إلى ما كان قبل الإقالة، وكذلك إذا هلك العين في يد المشتري قبل التسليم إلى البائع والثمن والدراهم، فإن الإقالة تنتقض ويعود الأمر إلى ما كان قبل الإقالة، فالتحالف يقيد يمر به في الإقالة في بيع العين، فجاز الاشتغال به قياس الإقالة في السلم من الإقالة في بيع العين أن لو تقايلا
стр. 2913
بعد ما قبض رب السلم المسلم فيه قائم في يده، ثم اختلفا في مقدار رأس المال، وهناك يتحالفان أيضاً؛ لأن الإقالة في هذه الحالة تحتمل الفسخ قصداً، ففسخهما الإقالة على ما يقوله بعض مشايخنا وهو الفقيه أبو بكر البلخي ﵀، (١٣٤ب٣) ثم إنما كانت الإقالة في باب البيع قابلة للفسخ ولم تكن الإقالة في باب السلم قابلة للفسخ؛ لأن في باب السلم ما يتأول الإقالة وهو المسلم فيه في ذمة المسلم إليه، فملك المسلم إليه بالإقالة يسقط عنه فلا يمكن تصحيح فسخ الإقالة باعتبار المعقود عليه لو صح صح باعتبار الثمن، فكذا فسخها. فأما في باب البيع ما تتأوله الإقالة وهو المبيع قائم حقيقة فيمكن تصحيح الفسخ باعتبار المعقود عليه حتى لو هلك المعقود عليه بعد ما تقايلا وتقابضا، ثم أراد أن ينقض الإقالة لم يكن له ذلك.
وفي «فتاوي أبي الليث» ﵀: رجل أسلم إلى رجل في كر حنطة، فقال رب السلم للمسلم إليه: أبرأتك من نصف السلم، وقال المسلم إليه: وجب عليه رد نصف رأس المال؛ لأن هنا إقالة في نصف السلم، هكذا قاله أبو نصر محمد بن محمد بن سلام والفقيه أبو بكر الإسكاف، قالا: لأن السلم نوع بيع.
ومن اشترى شيئاً ثم قال المشتري قبل أن يقبض المشتري: وهبت لك نصفه وقبل البائع صار إقالة في النصف بنصف الثمن كذا هنا.
وقال أبو القاسم الصفار: هذا حط ولا يرد شيئاً من رأس المال، قال: وهو بمنزلة حط نصف الثمن في البيع. وفيه أيضاً: وقال أبو نصر فيمن أسلم دراهم في شيء، ثم إن رب السلم (قال:) وهبت ذلك الشيء للمسلم إليه إن قبل المسلم إليه، فعليه أن يرد رأس المال. وقال أبو بكر: ليس عليه الرد والهبة تبرئه من ذلك.
وفي «نوارد ابن سماعة» عن محمد: رجل أسلم إلى رجل ثوباً في كر حنطة ودفعه إليه، ثم ناقضه السلم، فله أن يبيع الثوب منه قبل أن يقبضه ولا يشبه العرض في هذه الدراهم، وهكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف زوائد أحدها: أنه لو باعه من غير المسلم فيه قبل القبض لا يجوز. الثاني: إذا لم يكن مستهلكاً لم يكن له أن يشتري منه قيمته شيئاً قبل أن يقبضه، وهو بمنزلة رأس المال إذا كان دراهم.
وفي «نوادر إبراهيم بن رستم» عن محمد: رجل أسلم إلى رجل عشرة دراهم في كر حنطة وله عليه أيضاً كر إلى سنة، فإقالة السلم على أن يعجل له الكراء لنسبة مال الإقالة جائزة والكراء إلى أجله، وإذا كان السلم حنطة ورأس المال مائة درهم، فصالحه على أن يرد عليه مائتي درهم أو مائة درهم أو خمسون كان باطلاً؛ لأن الصلح عن السلم متى كان غير مضاف إلى رأس المال بيع المسلم فيه، وههنا الصلح غير مضاف إلى رأس المال، فإنه لم يقل مائة وخمسون من رأس مالك وبيع المسلم فيه قبل القبض لا يجوز، فأما إذا قال: صالحتك من السلم على مائة من رأس مالك كان جائزاً، أو كذلك إذا قال على خمسين من رأس مالك كان جائزاً؛ لأن الصلح على رأس المال في باب السلم إقالة السلم قبل القبض جائزة إن كان لا يجوز بيعه.
стр. 2914
بعد هذا اختلف المشايخ في قوله: صالحتك من السلم على خمسين درهماً من رأس مالك أنه يصير إقالة في جميع السلم أو في نصف السلم، وإن قال: صالحتك من السلم على مائتي درهم من رأس المال لا يجوز يريد بقوله: لا يجوز، لا يجوز الزيادة؛ لأن الإقالة في باب السلم على أكثر من رأس المال لا يجوز عندهم جميعاً إلا أنهم لا يجوز الزيادة ويقع الإقالة في باب السلم بعد رأس المال كما في بيع المنقول لو تقايلا على أكثر من الثمن الأول قبل القبض يصح الإقالة بمثل الثمن ولا تثبت الزيادة، هكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» ، وأشار شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» أنه تبطل الإقالة في هذا الوجه أصلاً، هذه الجملة من كتاب الصلح.
وفي بيوع «الأصل» : إذا صالح أحد ربي التسلم مع المسلم إليه على حصة من رأس المال، فالصلح موقوف عند أبي حنيفة ومحمد على إجازة الآخر، فإن أجازا وكانا المقبوض من رأس المال مشتركاً بينهما وما بقي من الطعام مشتركاً بينهما، وإن رد بطل الصلح وبقي حق كل واحد قبل المسلم إليه في الطعام، وهذا إذا أسلما عشرة دراهم مشتركة إلى رجل في كر من طعام، فإن لم يكن العشرة مشتركة بينهما لكن أسلما عشرة دراهم، ثم نقد كل واحد منهما خمسة لم يذكر محمد ﵀ هذا في البيوع، وذكر بعض المشايخ في شرح البيوع أنه يجوز هذا الصلح في حصة المصالح بالإجماع، وبعضهم قالوا: هذا ليس بصحيح، فقد ذكر في صلح «الأصل» هذا الفصل، وذكر فيه قول أبي حنيفة ﵀ على حسب ما ذكر في الفصل الأول، ولم يذكر في شيء من الكتب ما إذا قال أحد ربي السلم عقد السلم بحصته، وقد اختلف المشايخ فيه على ما ذكرنا في الفصل المتقدم، ومسائل الصلح في هذا الباب كثيرة سيأتي بيانها في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى.t
نوع آخر في وجود العيب فيه وخيار الرؤية فيه
قال هشام في «نوادره» : سألت أبا يوسف عن رجل أسلم عشرة دراهم في ثوب فأخذه وقطعه، ثم وجد به عيباً، قال: ليس له أن يرجع بنقصان العيب، قلت: لم؟ قال: ما تقول في رجل له على رجل طعام فقضاه دون طعامه فأكله؟ ثم علم بذلك أنه يرجع بنقصانه، وعنه أيضاً: قالت: سألت محمداً عن رجل أسلم إلى رجل درهمين أحدهما في الحنطة والآخر في الأرز ودفعهما إليه، ثم وجد أحدهما ستوقة قال: إن كان دفعهما إليه معاً فسد نصف الحنطة ونصف الرز، وإن كان دفع إليه كل درهم على حدة، فإن أقاما فالبينة بينة الذي أسلم إليه، وإن لم يقم لهما تحالفا وفسد السلم كله.
وعن إبراهيم بن رستم عن محمد قال: رجل أسلم إلى رجل خمسة دراهم في خمسة أقفرة حنطة وخمسة دراهم في خمسة أقفرة شعير خمسة للحنطة على حدة وخمسة للشعير على حدة، فأصاب درهماً ستوقاً يعني بعدما تفرقا، فقال رب السلم: هو من الحنطة، وقال المسلم إليه: هو من الشعير، فالقول قول رب السلم، وإن تصادقا أنهما لا
стр. 2915
يعلمان من أيهما قال يرد المسلم إليه درهماً آخر على رب السلم وينتقص من كل واحد منهما خمسة.
وروى بشر (بن) الوليد عن أبي يوسف: في رجل أسلم إلى رجل عشرة دراهم في كر حنطة وخمسة دراهم في كر شعير فأعطاه عشرة للحنطة، ثم أعطاه خمسة للشعير، ثم وجد درهماً ستوقاً، فقال المسلم إليه: هو من دراهم الحنطة، وقال رب السلم: هو من دراهم الشعير، قال: إن كان المسلم إليه أقر بالاستيفاء، فالقول قول رب السلم، وإن لم يكن أقر بالاستيفاء فالقول قوله، فإن تصادقا أنهما لا يدريان من أيهما هو، قال: يكون نصفه من العشرة ونصفه من الخمسة، فينتقص عشر الحنطة ونصف عشر الشعير؛ لأنه في الحنطة لم يوجد قبض رأس المال، وفي حصة الشعير لم يوجد قبض نصف عشر رأس المال، وإن كان أعطاه خمسة عشر في صفقة واحدة، فإنه ينتقص ثلثا عشر الحنطة وثلث خمس الشعير. (١٣٥أ٣) .
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل أسلم إلى رجل عبداً في كر حنطة وبجارية للمسلم إليه ودفع عبده وقبض الجارية من غير رؤية، ثم نظر إليها فردها بخيار الروية، فإن ذلك جائز ويرجع إليه من عنده بحصته الجارية، ويجوز منه حصة الكراء السلم.
وفي «المنتقى» : رجل أسلم إلى رجل عشرة دراهم في ثوب موصوف مسمى، ودفع رب السلم الدراهم وقبض الثوب فوجد به عيباً، ثم حدث عند القابض عيب، قال أبو حنيفة ﵀: لا يرجع بالنقصان؛ لأنه لا يأخذ ثوبه وبعض رأس ماله؛ لأنه يكون اعتياضاً عن الجودة، وإنه ربا. وقال محمد ﵀: أما ما يقبض فهو سلم، فلا يجوز أن يأخذ الثوب ودراهم العيب، ولها إذا قبضه فهو الثوب الذي وقع عليه البيع، فصار بمنزلة البيع إن وجد به عيباً رده وإن حدث عنده عيب آخر ولم يستطع رده رجع بنقصان العيب الذي وجده، وكذلك لو كان كر حنطة مكان الثوب، ألا ترى أنه يبيعه مرابحة على ما أسلم فيه، ولو لم أجعله بيعاً حتى قبضه وجعلته ديناً اقتضاه، فما كان له أن يبيعه مرابحة. قال ثمة: وينبغي له في قياس قول أبي يوسف أن يرد قيمة الثوب معيناً ويرجع بسلمه إلى الثوب ويرد مثل الكر معينا، ويرجع بسلمه في الكر كما قال في ألف اقتضاها وعلم بعد ما أنفقها أنها كانت زيوفاً، وسيأتي بعض مسائل هذا الفصل في الوكالة إذا وكل الرجل غيره أن يسلم له عشرة دراهم في كر حنطة كان التوكيل صحيحاً؛ لأنه وكل بما يملكه بنفسه ويجري فيه النيابة، والتوكيل بمثله صحيح كالتوكيل بشراء العين وكالتوكيل بالبيع، بيانه: أن الحال لا يخلو إما أن يكون رأس المال عيناً أو ديناً، فإن كان عيناً فقد أمره بالتصرف في عين مملوك له من حيث الإزالة عن ملكه إلى غيره بعوض يحصل له وهو بملك ذلك بنفسه، فيملك الأمر به. وإن كان رأس المال ديناً بأن كان دراهم، فقد أمره بإيجاب رأس المال في ذمته ورب السلم يملك إيجاب رأس المال ديناً في ذمته ملكه، فيملك الأمر به كما لو وكله بالشراء.
стр. 2916
فرق بين هذا وبينما إذا وكل رجلاً بقبول السلم بأن قال: خذ لي عشر دراهم في طعام مسمى، فإن التوكيل لا يصح حتى إذا قبل الوكيل السلم يصير قابلاً لنفسه حتى يكون رأس المال له، وله منفعة من الموكل بقبول السلم توكيل بما لا يملك الموكل بنفسه بقضية الأصل؛ لأن قبول السلم بيع ما ليس عنده وبيع ما ليس عند الإنسان مما لا يملكه الموكل بنفسه، فكان القياس: أن لا يجوز لو قبل الموكل بنفسه كما في بيع العين إذا باع ما لا يملك، لكن عرفنا ذلك بالنص، فإن النبي ﵇ رخص في السلم، والرخصة وردت في بيع ما ليس عنده لا في الأمر ببيع ما ليس عنده، ففي الأمر ببيع ما ليس عنده تكون العبرة للقياس، والقياس يأبى جواز الأمر ببيع ما ليس عنده بخلاف التوكيل بالشراء حيث يصح وإن لم يكن الثمن في ملكه؛ لأن الشراء بما ليس عند الإنسان جائز على موافقة القياس، فكان الأمر به جائزاً على موافقة القياس أيضاً إذا ثبت أن التوكيل بالسلم جائز، فالوكيل هو الذي يطالب بتسليم المسلم فيه عند محل الأجل وهو الذي يسلم رأس المال؛ لأنه هو العاقد وحقوق العقد ترجع إلى العاقد عند علمائنا الثلاثة، ثم إن كان الوكيل نقد دراهم الموكل أخذ المسلم فيه ودفعه إلى الموكل، وإن كان نقد دراهم نفسه، ولم يدفع إليه الذي وكله شيئاً يرجع بما نقد على الموكل، وكان ينبغي أن لا يرجع؛ لأنه أمره بالسلم أما ما أمره بالنقد قلنا: الوكيل مضطر في هذا النقد؛ لأن حقوق حق الوكيل وإنما يبقى قبض المسلم فيه حقاً له؛ لأن السلم يفسد حينئذ، فكان مضطراً في هذا النقد لإحياء حق نفسه، ومن قضى دين غيره مضطراً كان له الرجوع بما قضى على المقضي عنه. وإذا عقد الوكيل السلم، ثم أمر الموكل بأداء رأس المال وذهب الوكيل، فقد بطل السلم.
وكذلك لو كان الذي عليه السلم وكل رجلاً يقتضي رأس المال وذهب عن مجلس العقد، ولم يوجد وإذا خالف الوكيل بالسلم فأسلم في غير ما أمره الموكل بالسلم فيه كان للموكل أن يضمن الوكيل دراهمه، وإن شاء ضمن المسلم إليه؛ لأن الوكيل لما خالف نقد العقد على الوكيل؛ بالسلم وكيل بشراء العين، والوكيل بشراء العين إذا خالف نقد العقد عليه، فكذا هذا وإذا نقد العقد على الوكيل قاضياً دين نفسه من دراهم الموكل، فصار غاصباً وصار المسلم إليه غاصب الغاصب، فإن ضمن الوكيل بقي السلم صحيحاً على الوكيل، وطريق بقائه صحيحاً بتضمين الوكيل، وإن بطل ذلك التسليم فقد وجد تسليم آخر في ذلك المجلس من حيث الحكم والاعتبار؛ لأن الدراهم في يد المسلم إليه وإنها مضمونة على المسلم إليه نفسه، فثبوت قبضه عن قبض السلم، فكأنه وجد تسليم آخر من حيث الحكم بعدما بطل الأول في المجلس، ألا ترى أن قبض الغاصب ينوب عن قبض الشراء؟ فكذا ههنا.
وإن ضمن السلم إليه إن ضمنه وهما في المجلس يعني الوكيل والمسلم إليه ونقد
стр. 2917
الوكيل دراهم أخر، فالسلم جائز؛ لأنه لما ضمن المسلم إليه فقد انتقض قبضه، وصار كأنه لم يقبض رأس المال في أول المجلس وقبضه في آخر المجلس، وإن ضمنه بعدما تفرقا عن المجلس، فإن أسلم بطل؛ لأنه قد انتقض وصار كأنه لم يقبض رأس المال أيضاً حتى تفرقا عن المجلس.
وإذا دفع الرجل إلى رجل دراهم ليسلمها له في الحنطة، ثم الوكيل أسلم إلى رجل، فهذه المسألة على وجوه: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر، فالعقد للآمر، وإن نواه لنفسه عقد العقد بدراهم مطلقة، فإن تصادقا أنه نواه لنفسه فهو لنفسه، وإن نقد دراهم للآمر بعد ذلك، وهذا لأن الوكيل بالسلم لا يصير محجوراً عن السلم لنفسه؛ لأنه وكيل بشراء شيء بغير عينه، والوكيل بشراء شيء بغير عينه لا يصير محجوراً عن الشراء لنفسه؛ لأن ما هو مقصود الآمر من الأمر لا يفوت؛ لأن مقصود الآمر تحصيل ما سمى ويمكن تحصيل ما سمى الأمر إن لم يصر الوكيل محجوراً عن الشراء لنفسه إذا كان ما سمى الموكل بغير عينه، وإذا لم يصر محجوراً عن الشراء لنفسه ملك الشراء لنفسه وللآمر، فأي ذلك نوى، فقد نوى ما يملك فصحت نيته إذا ثبتت نيته بتصادقهما، وأما إذا تكاذبا في النية فقال الموكل: نويت لي، وقال الوكيل: نويت لنفسي يحكم بالنقد إن نقد الوكيل من مال نفسه كان السلم للوكيل، وإن نقد من مال الموكل كان السلم للموكل هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» ، بعض مشايخنا قالوا: ما ذكر محمد ﵀ قول أبي يوسف، فأما في قول محمد: فالسلم يقع للوكيل ولا يحكم بالنقد، كما لو (١٣٥ب٣) تصادقا أنه لم يحضره نية؛ لأنه جعل الوكيل عاملاً لنفسه في الحالين جميعاً، وبعضهم قالوا: لا بل المذكور في «الكتاب» قولهم بحكم النقد حال التكاذب بلا خلاف، فعلى قول هذا القائل يحتاج محمد ﵀ إلى الفرق بين حالة التكاذب وبينما إذا تصادقا أنه لم تحضره النية وهو الأصح، والفرق: أن في حالة التكاذب استويا في الدعوى والإنكار الوكيل ادعى أنه نوى لنفسه والموكل أنكر ذلك، والموكل ادعى أنه نواه له، وأنكر الوكيل ذلك، فقد استويا في الدعوى والإنكار، وفي مثل هذا يحكم الحال كما في مسألة الطاحونة، وما في حالة التصادق لم يوجد منهما الدعوى والإنكار، فلم يجب تحكيم الحال، وجعلنا السلم واقعاً للوكيل؛
لأن الأصل في عمل الحر أن يكون له إلا إذا نص بخلافه.
وأما إذا تصادقا أنه لم تحضره النية، فقد اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما، قال محمد: لا يحكم النقد ويجعل السلم واقعاً للوكيل؛ لأن الأصل في عمل الحر أن يكون له إلا إذا نص على خلافه ولم ينص، فوقع العقد للوكيل، وبعدما وقع للوكيل لا ينتقل إلى الموكل النقد من ماله. وقال أبو يوسف: يحكم في هذا النقد؛ لأن هذا العقد صالح لكل واحد منهما لما ذكرنا أن الوكيل يملك مباشرة هذا العقد لنفسه كما يملك مباشرته للوكيل، فيحكم النقد إذا عزفته النية عملاً لأمر على الصلاح حتى لا يصير غاصباً دراهم الآمر متى عقد لنفسه.
стр. 2918
نوع آخر
من هذا الفصل في المتفرقات: إذا أسلم في القطن لا يعطي فيه الورام كما في البيع اتفق عليه مشايخ زماننا؛ لأن الورام في البيع أمر عرفي، ولا عرف في السلم.
بشر عن أبي يوسف في «الإملاء» : رجل أسلم إلى رجل عبداً في كر حنطة، ودفع إليه العبد، ثم إن المسلم إليه باع العبد من رجل وسلمه إلى المشتري، ثم إن المشتري وجد بالعبد عيباً ورده على المسلم إليه بغير حكم، ثم إن رب السلم مع المسلم إليه أرادا أن يتقايلا السلم. والمسألة على وجهين: إن قال رب السلم للمسلم إليه: رد علي وأبرأتك من المسلم، أو قال: أبرأتك من السلم بهذا العبد، أو قال: أقلني السلم بهذا العبد، فهذا كله باطل. وهذا كرجل قال لغيره: بعني مالك علي من السلم بكذا، وإن قال: أقلني السلم ولم يذكر العبد، أو قال: أبرئني من السلم وخذ رأس مالك، ولم يذكر العبد ففعل، فقد انتقض السلم وله قيمة العبد (وللمسلم) رأس ماله.
وفي «فتاوي أبي الليث» ﵀: رجل باع من آخر عبداً بثوب موصوف في الذمة إن ضرب للثوب في الذمة أجلاً جاز، وإن لم يضرب الأجل لا يجوز؛ لأن الثوب لا يجب في الذمة إلا سلماً ولا سلم بدون الأجل. ولو افترقا قبل قبض العبد لا يبطل العقد؛ لأن هذا العقد اعتبر سلماً في حق الثوب بيعاً في حق العبد، ويجوز أن يعتبر في عقد واحد حكم عقدين كما في الهبة بشرط العوض، وكما في قوله: إن أديت إلي ألفاً، فأنت حر، اعتبر فيه حكم اليمين وحكم المعاوضة.
الفصل الثالث والعشرون: في القروض
هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضاً:
الفصل الثالث والعشرون: في القروض
هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضاً:
نوع منه
في بيان ما يجوز استقراضه وما لا يجوز: كل شيء يكال أو يوزن نحو الحنطة والشعير والسمسم والتمر والزبيب جاز استقراضه، الأصل فيه أن ما هو من ذوات الأمثال ويكون مضموناً على الغاصب والمستهلك بالمثل استقراضه (جائز) ؛ لأن المقبوض بحكم القرض مضمون بالمثل من غير زيادة ولا نقصان مما يكون من ذوات الأمثال نحو المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، يمكن اعتبار المماثلة المشروطة في القرض فيه فيجوز استقراضه، وما لا يكون من ذوات الأمثال نحو الحيوان واللآلئ والجواهر والأكارع والرؤوس لا يجوز استقراضه؛ لأن طريق معرفة القيمة الحزر، وبه لا تثبت
стр. 2919
المماثلة المعتبرة في القرض، وهي المماثلة من غير زيادة ولا نقصان كما لا يثبت به المماثلة المشروطة في أموال الربا، واستقراض الثياب لا يجوز؛ لأنها ليست من ذوات الأمثال حقيقة، وإنما صارت من ذوات الأمثال شرعاً في باب السلم حتى جاز السلم فيها بشرط مخصوص، والأجل لا يثبت في القرض، فلم يكن من ذوات الأمثال في القرض لا حقيقة ولا شرعاً. وقال أبو حنيفة: لا يجوز إقراض الخبز ولا (استقراضه) لا عدداً ولا وزناً، وهذا على أصله مستقيم؛ لأن عنده لما لم يجز السلم في الخبز لمكان التفاوت أولى أن لا يجوز القرض؛ لأن باب القرض أضيق من باب السلم، ألا ترى أنه لا يجوز إقراض الثياب ويجوز السلم في الثياب.
وقال أبو يوسف في رواية مثل قول أبي حنيفة، وعن ابن أبي مالك عن أبي يوسف أنه قال: لا بأس به وزناً قال ابن أبي مالك: سألت أبا يوسف عن استقراض الخبز مرة، قال: لا بأس به وعليه أفعال الناس جارية، قال ابن أبي مالك: وهذا قوله المعروف، وذكر في بعض المواضع عن محمد أنه يجوز عدداً ولا يجوز وزناً، قال: لأن العادة جرت باستقراضها عدداً لا وزناً والقياس يترك بالعادة.
وذكر في «المنتقى» عن محمد: أنه جوز قرض الخبز عدداً، وقال: بلغنا ذلك عن إبراهيم النخعي، قال ثمة أيضاً: قال محمد: الوزن في قرض الخبز من الدناءة والعدد أحب إلي.
ويجوز استقراض الجوز كيلاً؛ لأنه يكال مرة ويعد أخرى ولهذا جاز السلم فيه كيلاً، ويجوز استقراض الكاغد عدداً؛ لأنه عددي متقارب، كذا ذكره الصدر الشهيد في «واقعاته» . واستقراض الباذنجان عدداً يجوز ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀ في أول شرح الغصب، ويجوز استقراض اللحم وزناً، رواه إبراهيم عن محمد، والذي روي عنه: من أقرض رجلاً عشرة أرطال لحم الغنم، قال: هو جائز وإنه مشكل على مذهبه؛ لأن اللحم عنده من ذوات القيم حتى إن من أتلف على آخر لحماً يضمن قيمته، هكذا ذكر محمد ﵀ في بيوع «الجامع» في الرواية. ونص فخر الإسلام علي البزدوي ﵀ في شرح «الجامع» أنه من ذوات الأمثال، قال ﵀: وتأويل ما ذكر محمد أنه يضمن بالقيمة إذا كان في موضع لا يوجد له المثل، وذكر بعض المشايخ في شرح «الجامع الصغير» : أن اللحم من ذوات الأمثال يضمن بالمثل في ضمان العدديات، ويجري بثمنيته الربا وأشار إليه الطحاوي في كتابه، فإنه قال: كل ما يكون موزوناً فهو مثلي.
وفي «نوادر هشام» عن أبي يوسف أنه قال: (لا) خير في قرض الحنطة والدقيق بالوزن، وكذلك التمر وإن كان حيث يوزن، قال هشام ﵀: قلت لمحمد: التمر عندنا بالري وزناً فما تقول فيمن أقرضه بالوزن، قال: لا يصلح ذلك؛ لأن أصله كيل، وعن محمد أيضاً: أنه قال: لا يجوز الحنطة أن تقرض وزناً، فإن أخذه وأكله قبل أن
стр. 2920
يكتاله، فالقول قول المستقرض أنه كذا كذا قفيزاً. وفي «الأصل» : (١٣٦أ٣) إذا استقرض الدقيق وزناً لا يرده وزناً، وعن أبي يوسف رواية أخرى: أنه يجوز بيع الدقيق واستقراضه وزناً إذا تعارف الناس ذلك أستحسن فيه.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : فإذا كانت الدراهم ثلثها فضة وثلثاها صفر، فاستقرض رجل منها عدداً وهي جارية بين الناس عدداً، فلا بأس به وإن لم تجر بين الناس إلا وزناً لم يجز استقراضها إلا وزناً؛ لأن الصفر إذا كان غالباً تكون العبرة للصفر، وتكون الفضة ساقطة الاعتبار وكون الصفر موزوناً، فأثبت بالنص فتكون العبرة موزوناً ما ثبت بالنص لما فيه لتعامل الناس، فمتى تعاملوا بيعها وزناً يكون موزوناً، فلا يجوز استقراضها إلا وزناً، ومتى تعاملوا بيعها عدداً كان عددياً، فلا يجوز استقراضها إلا عدداً، فقد أسقط محمد ﵀ اعتبار الفضة في القرض إذا كانت مغلوبة، ولم يسقط اعتبارها في حق البيع حتى لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة إلا على سبيل الاعتبار، إنما فعل هكذا؛ لأن القرض أسرع جوازاً من البيع؛ لأن القرض مبادلة صورة، تبرع حكماً؛ لأن رد المثل في القرض أقيم مقام رد العين حكماً، والربا إنما يتحقق في البيع دون القرض، فاعتبرت الفضة المغلوبة في البيع ولم تعتبر في القرض لهذا.
وإن كانت الدراهم ثلثاها فضة وثلثها صفراً لا يجوز استقراضها إلا وزناً، وإن تعامل الناس التبايع بها عدداً؛ لأن الفضة إذا كانت غالبة بمنزلة ما لو كان الكل فضة ولكنها زيف، ولو كان كذلك لم يجز استقراضها إلا وزناً وإن تعامل الناس بها عدداً، فههنا كذلك.
وإن كانت الدراهم نصفها فضة ونصفها صفراً لم يجز اعتبار استقراضها إلا وزناً؛ لأنه لم يسقط اعتبار واحد منهما؛ لأن إسقاط اعتبار واحد منهما حال كونه مغلوباً ولم يوجد، فوجب اعتبارهما لم يجز الاستقراض في حق الفضة إلا وزناً، فإذا تركوا ذلك بطل الاستقراض في الفضة، فبطل في الصفر ضرورة، ويجوز استقراض الجمد وزناً؛ لأن الناس تعارفوا وزناً.
نوع آخر منه
قال محمد ﵀ في كتاب الصرف: إن أبا حنيفة كان يكره كل قرض جر منفعة قال الكرخي: هذا إذا كانت المنفعة مشروطة في العقد بأن أقرض عادلية صحاحاً أو ما أشبه ذلك، فإن لم تكن المنفعة مشروطة في العقد، فأعطاه المستقرض أجود مما عليه، فلا بأس به، وكذلك إذا أقرض الرجل رجلاً دراهم أو دنانير ليشتري المستقرض متاعاً بثمن غال فهو مكروه، وإن لم يكن شراء المتاع مشروطاً في القرض، ولكن المستقرض اشترى من المقرض بعد القرض متاعاً بثمن غال فعلى قول الكرخي: لا بأس به. وذكر الخصاف في «كتابه» وقال: ما أحب له ذلك، وذكر شمس الأئمة الحلواني أنه حرام؛ لأن هذا قرض جر منفعة؛ لأنه يقول: لو لم أشتره منه طالبني بالقرض في الحال. وذكر محمد ﵀ في كتاب الصرف: أن السلف كانوا يكرهون ذلك، إلا أن الخصاف لم
стр. 2921
يذكر الكراهة إنما قال: لا أحب له ذلك، فهو قريب من الكراهة لكنه دون الكراهة، ومحمد لم ير بذلك بأساً، فإنه قال في كتاب الصرف: المستقرض إذا أهدى للمقرض شيئاً لا بأس به من غير فصل، فإنه دليل على أنه رفض قول السلف.
قال شيخ الإسلام خواهرزاده ﵀: ما نقل عن السلف محمول على ما إذا كانت المنفعة وهي شراء المتاع بثمن غال مشروطة في الاستقراض، وذلك مكروه بلا خلاف، وما ذكر محمد ﵀ محمول على ما إذا لم تكن المنفعة والهدية مشروطة في القرض وذلك لا يكره بلا خلاف، هذا إذا تقدم الإقراض في البيع.
فأما إذا تقدم البيع على الإقراض وصورة ذلك: رجل طلب من رجل أن يعامله بمائة دينار، فباع المطلوب عند المعاملة من الطالب ثوباً قيمته عشرون ديناراً بأربعين ديناراً، ثم أقرضه ستين ديناراً حتى صار للمقرض على المستقرض مائة دينار وحصل للمستقرض ثمانون ديناراً، ذكر الخصاف أن هذا جائز، وهذا مذهب محمد بن مسلمة إمام بلخ، فإنه روي أنه كان له سلع، فكان إذا استقرض إنسان منه شيئاً كان يبيعه أولاً سلعة بثمن غال ثم يقرضه بعض الدنانير إلى تمام حاجته، وكثير من المشايخ كانوا يكرهون ذلك، وكانوا يقولون: هذا قرض جر منفعة. ومن المشايخ من قال: إن كانا في مجلس واحد يكره، وإن كانا في مجلسين مختلفين لا بأس به؛ لأن المجلس الواحد لجمع الكلمات المتفرقة، فكأنهما وافقا معاً فكانت المنفعة مشروطة في القرض. وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني يفتي بقول الخصاف، ويقول: محمد بن سلمة كان يقول هذا ليس بقرض جر منفعة بل هذا بيع جر منفعة وهو القرض.
وأما هدية المستقرض: إن كانت الهدية مشروطة في الاستقراض فهو حرام، ولا ينبغي للمقرض أن يقبل، فإن لم تكن الهدية مشروطة في الاستقراض، وعلم أنه أهدى إليه لا لأجل الدين أو لأجل الدين، ذكر شيخ الإسلام ﵀: أنه لا بأس بقبولها، والتورع عنه أولى، وهكذا حكي عن بعض مشايخنا.
بعد هذا قالوا: إذا كانت المهاداة تجري بينهما قبل القرض بسبب القرابة والصداقة أو كان المستقرض معروفاً بالجودة والسخاوة، فهذا قائم مقام العلم أنه أعطاه لا لأجل الدين فلا يتورع عنه، وإن لم يكن شيء من ذلك، فالحال حال الإشكال، فيتورع عنه حتى يتبين أنه أهدي لا لأجل الدين، ومن قال: بالكراهة في مسألة البيع يقول بالكراهة ههنا أيضاً، ومحمد لم ير به بأساً من غير تفصيل.
وأما دعوة المستقرض قال محمد: ولا بأس بأن يجيب دعوة رجل له عليه دين، قال شيخ الإسلام خواهرزاده: (إلى) هذا جواب الحكم، فأما الأفضل أن يتورع عن الإجابة إذا علم أنه لأجل الدين أو أشكل عليه الحال.
قال شمس الأئمة الحلواني: ما ذكر محمد ﵀ محمول على ما إذا كان يدعوه قبل الإقراض، أما إذا كان لا يدعوه قبل الإقراض أو كان يدعوه في كل عشرين يوماً وبعد الإقراض جعل يدعوه في كل عشرة أيام أو زاد في الباحات، فإنه لا يحل
стр. 2922
ويكون مسيئاً.
وإذا أرجح في بدل القرض ولم يكن الرجحان مشروطاً في القرض فلا بأس به، روي أن رسول الله استقرض من رجل دراهم وأرجح وقال: «أنا كذلك بريء» .
قال مشايخنا ﵏: والرجحان على ضربين: إن كان يدخل تحت الوزنين لا بأس به وإن كان لا يدخل تحت الوزنين فهو على ثلاثة أقسام: أما إن كانت الدراهم مكسرة أو كانت صحاحاً لا يضرها الكسر، وفي هذين الوجهين لا يجوز؛ لأنه تعذر اعتبارها زيادة على بدل القرض؛ لأنه يكون ربا وتعذر اعتبارها هبة؛ لأنها هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، وأما إن كانت (١٣٦ب٣) الدراهم صحاحاً يضرها الكسر، وفي هذا الوجه ينظر إن كان الرجحان زيادة يمكن تمييزها بدون الكسر بأن كان يوجد فيها درهم خفيف يكون مقدار الزيادة لا يجوز، وإن كان الرجحان زيادة لا يمكن تمييزها بدون الكسر يجوز بطريق الهبة، ويكون هذا هبة المشاع فيما يحتمل القسمة.
وإذا أقرضه بالكوفة بشرط أن يوفيه بالبصرة لا يجوز؛ لأنه قرض جر منفعة؛ لأن المستقرض يكفيه خطر الطريق ومؤنة الحمل، وعلى هذا السفاتج التي يتعامل بها التجار، فإنهم يقرضون فيما بينهم ويكتب المستقرض للمقرض سفتجة إلى مكان، فإن كان ذلك شرطاً في القرض فهو مكروه؛ لأنه قرض جر منفعة، فإنه يسقط عن المقرض مؤنة الحمل وخطر الطريق، وإن لم يكن ذلك مشروطاً في القرض فلا بأس به.
وفي «المنتقى» إبراهيم عن محمد: رجل قال لآخر: أقرضني ألفاً على أن أعيرك أرضي هذه تزرعها ما دامت الدراهم في يدي، فزرع المقرض لا يتصدق بشيء وأكره له هذا.
نوع آخر منه
إذا استقرض فلوساً فكسدت، فإن على قول أبي حنيفة يرد عينها إن كانت قائمة، ومثلها إن كانت هالكة، وأما على قول أبي يوسف فقد ذكر بعض مشايخنا في شرح كتاب الصرف: أن المشايخ اختلفوا فيه على قولهما، قال بعضهم: يرد عينها وإن كانت هالكة فعليه قيمتها، وقال بعضهم: عليه قيمتها على كل حال. وفي «المنتقى» ما يدل على هذا القول، فقد ذكر ثمة: أنه إذا استقرض فلوساً، فعليه مثلها في قول أبي حنيفة، وقال محمد: عليه قيمتها يوم سقطت زاد في رواية إبراهيم عن محمد فعليه قيمتها في آخر ما فسدت بساعة قليلة قبل أن تكسد، وقال يعقوب: عليه قيمتها يوم استقرض، فقد ذكر القيمة على قولهما من غير فصل بينما إذا كانت قائمة أو هالكة على قولهما.
والفلوس المغصوبة إذا كسرت، فإن كانت قائمة رد عينها بالإجماع، وإن كانت هالكة، فعلى الاختلاف الذي مر.
وهذه المسألة في الحاصل فرع لمسألة أخرى في كتاب الغصب، أن من غصب من
стр. 2923
آخر رطباً وهلك عنده أو استهلكه، ثم انقطع أوان الرطب، قال أبو حنيفة ﵀: عليه قيمته من الفضة يوم الخصومة، وقال أبو يوسف: عليه قيمته من الفضة يوم الغصب، وقال محمد: عليه قيمته من الفضة يوم الانقطاع.
وجه كونها فرعاً لتلك المسألة: أن الواجب على المستقرض رد مثل ما قبض وعلى الغاصب كذلك، وقد حصل قبض الفلوس وهي رائجة، فيجب رد مثلها من ذلك الضرب رائجة، وقد عجز عن تسليمها رائجة بالكساد، كما أن غاصب الرطب عجز عن تسليم الرطب بالانقطاع إلا أن غاصب الرطب عجز عن رد الأصل، ومستقرض الفلوس عجز عن رد الصفة وهي كونها رائجة.
وإذا صارت هذه المسألة بناء على تلك المسألة لو أوجبنا القيمة على قول أبي حنيفة وجب اعتبار القيمة يوم الخصومة ههنا كما وجب اعتبار القيمة يوم الخصومة ثمة، قلنا: إيجاب قيمتها من الفضة يوم الخصومة لا يفيد؛ لأن قيمتها كاسدة وعينها سواء بل إيجاب العين كاسدة أعدل من قيمتها فأوجبنا المثل على قوله ولم نوجب القيمة لهذا، وعلى قولهما لما وجب اعتبار قيمتها رائجة إما يوم الاستقراض وإما في آخر يوم كانت رائجة كان إيجاب القيمة من الفضة أعدل من إيجاب عينها كاسدة فيؤول الكلام إلى تلك المسألة، فإن اصطلحا على شيء يداً بيد، فهو جائز؛ لأن الواجب في الذمة على قولهما القيمة من الفضة، وعلى قول أبي حنيفة الفلوس، وأياً ما كان فالاستبدال به جائز بعد أن يكون الافتراق عن عين بدين، والجواب في العدلي على ما ذكرنا من غير تفاوت. وكثير من المشايخ كانوا يفتون بقول محمد ﵀، وبه كان يفتي الصدر الكبير برهان الأئمة، والصدر الشهيد حسام الدين، وبعض مشايخ زماننا أفتوا بقول أبي يوسف ﵀ وقوله أقرب إلى الصواب في زماننا.
وفي بيوع «الأمالي» : رجل استقرض من آخر شيئاً من الكيلي أو الوزني وانقطع عن أيدي الناس، قال: يجبر المقرض على التأخير حتى يدرك الحديث عند أبي حنيفة؛ لأن الانقطاع عن أيدي الناس يجري مجرى الهلاك، ومن مذهب أبي حنيفة ﵀ أن الحق لا ينقطع عن الغير بهلاك العين على ما عرف في موضعه. وإذا بقي الحق في العين، ولوجود العين غاية معلومة يجبر على التأخير إلى وقت وجوده ليصل إليه عين حقه، أكثر ما فيه أن في التأخير ضرب ضرر للمقرض إلا أن في أخذ غير الحق ضرراً للمستقرض، وهذا الضرر فوق ضرر التأخير، فكان أولى بالدفع.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: في رجل استقرض من آخر شيئاً من الفواكه كيلاً أو وزناً، فلم يقبضه المقرض حتى انقطع، فهذا لا يشبه الفلوس إذا كسدت؛ لأن هذا مما لا يوجد، فهذا يجبر صاحبه على تأخيره إلى أن يجيء الحديث إلا أن يتراضيا على قيمته. قال: وهذا في الوجه مثل رجل استقرض من رجل طعاماً من بلد الطعام فيه رخيص، فالتقيا في بلد الطعام فيه غال، فأخذه الطالب بحقه، فليس له أن يحبسه ويؤمر المطلوب بأن يوثق له حتى يعطيه إياه في البلد الذي استقرضه فيه.
стр. 2924
نوع آخر منه
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: إذا أخذ المقرض المستقرض في بلدة أخرى، فإن شاء أخذه حتى يؤديه في الموضع الذي استقرضه، وإن شاء أخذه بقيمة ذلك الموضع ههنا، وإن أبى المستقرض أن يعطيه القيمة أجبر عليه. وروى إبراهيم عن محمد: رجل استقرض من آخر طعاماً بالعراق، فأخذه المقرض بمكة، قال أبو يوسف: عليه قيمته يوم أقرضه، وقال محمد: عليه قيمته بالعراق يوم اختصما، وليس عليه أن يرجع معه إلى العراق ويأخذ طعامه.
في «القدوري» : إذا استقرض دراهم بخارية والتقيا في بلدة لا يقدر على البخارية، فإن كان ينفق في ذلك البلد، فإن شاء صاحب الحق أجله قدر المسافة ذاهباً وجائياً ويستوثق منه، وإن كان في بلدة لا ينفق وجب القيمة.
وروى بشر عن أبي يوسف: رجل أقرض رجلاً طعاماً أو غصبه إياه وله حمل (و) مؤنة، والتقيا في بلدة أخرى الطعام فيها أرخص، فإن أبا حنيفة قال: يستوثق له من المطلوب حتى يوفيه طعامه حيث أقرضه أو غصبه، قال أبو يوسف: إن تراضيا عليه فحسن وأيهما طلب القيمة أجبرت الآخر عليه وهي القيمة في البلد الذي استقرض أو غصب على حال يوم أقضي، والقول في ذلك قول المطلوب، فإن كان الغصب قائماً في يديه بعينه أجبره على أخذه ولا أجبره على القيمة.
نوع آخر
رجل أقرض رجلاً ألف درهم وقبضها المستقرض، ثم إن المقرض قال للمستقرض: اصرف الدراهم التي عليك بالدنانير، فإن عين له شخصاً بأن قال له مع فلان، ففعل جاز على المقرض بالإجماع، وإن لم يعين شخصاً ففعل، قال أبو حنيفة قال: لا يجوز على المقرض و (قال: لا يجوز) . أصل المسألة: إذا قال رب الدين للمديون أسلم ما لي عليك (٣٧أ٣) في كر حنطة ولم يعين المسلم إليه، فإن أراد الطالب أن يأخذ الدنانير من المستقرض باختياره جاز ذلك، وهذا عندهم جميعاً، أما عند أبي يوسف ومحمد فظاهر، وأما عند أبي حنيفة؛ لأن بالدفع والأخذ ينعقد بينهما بيع جديد بالتعاطي.
إذا كان للرجل على رجل ألف درهم دين، فدفع المطلوب دنانير إلى الطالب، وقال: اصرفها وخذ حقك منها، فقبضها الطالب فهلكت في يده قبل أن يصرفها، فهي من مال المطلوب؛ لأن الدنانير أمانة في يده؛ لأنه قبضها بحكم الوكالة، والوكيل أمين فيما في يده بحكم الوكالة، فإن صرفها فهلكت الدراهم في يده قبل أن يأخذ منها هلكت من مال الدافع أيضاً؛ لأنه وكيل بالصرف، فالقبض بحكم العقد يقع للآمر أولاً وتصير الدراهم أمانة في يده ما لم يحدث فيها قبضها لنفسه، فإذا أخذ بحقه منها، فقد أخذت في المأخوذ قبضها لنفسه، فإذا هلك بعد ذلك هلك على مال الطالب، وإن لم يأخذها بحقه بعد؛ لأن في هذه المسألة أمره الطالب بالبيع بحقه، وإنما يكون البيع بحقه إذا كان بائعاً لنفسه فيقع البيع للطالب، أما في المسألة الأولى ما أمر الطالب بالبيع بحقه إنما أمره
стр. 2925
بالصرف لنفسه واستيفاء الحق من الدراهم، فيقع الصرف للدافع، ويقع القبض بحكم الصرف للدافع أيضاً، والتقريب ما ذكرنا.
نوع آخر من هذا الفصل
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل استقرض من رجل كراً من طعام، ثم إن المستقرض اشترى من المقرض الكر الذي عليه بمائة درهم جاز الشراء؛ لأن المستقرض صار ملكاً للمستقرض بنفس القبض، ووجب عليه للمقرض كراً مثله، فصح الشراء، بخلاف ما إذا اشترى غير من عليه الدين حيث لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه التسليم إلا بالقبض، فكان عاجزاً عن التسليم للحال فلا يجوز، أما ههنا المبيع في يد المشتري؛ لأنه في ذمته وذمته تكون في يده أيضاً، فلما اشترى وقع مسلماً إليه فصح.
وإذا جاز الشراء إن نقد المائة في المجلس، فالشراء ماض على صحته، وإن لم ينقدها في المجلس بطل لافتراقهما عن دين، وهذا بخلاف ما إذا وجب على المستقرض كر حنطة، ثم إن كل واحد منهما باع ماله على صاحبه بما لصاحبه عليه حيث يجوز، وإن افترقا عن المجلس من غير قبض شيء لأن هناك الافتراق حصل بعد قبض البدلين حكماً؛ لأن بنفس الشراء ملك كل واحد ما ذمته إذ ذمته في يده، قالوا: وهذا على قول أبي حنيفة ومحمد ﵀؛ لأن عندهما المستقرِض يصير ملكاً للمستقرض بنفس القبض، فيجب عليه مثله ديناً في الذمة فيصح الشراء.
أما عند أبي يوسف: فالمستقرض لا يصير ملكاً للمستقرض إلا بالقبض مع الاستهلاك، فلم يجب في ذمة المستقرض شيء، فلا يصح الشراء، فإذا استهلكه ثم اشتراه لا يصح بلا خلاف، وكذلك الاختلاف في الملك في المنقود وسائر ما يستقرض.
وجه قول أبي يوسف ﵀: أن (القبض) بمنزلة العارية، ولهذا لا يصح التأجيل فيه مع صحة القرض وجعلت إعارة كل مكيل وموزون قرضاً، لا إعارة تمليك المنفعة، ولهذا لا يملكه المكاتب والعبد والأب والوصي، والإعارة تمليك المنفعة لا تمليك العين إلا أن منافع هذه الأعيان لا تنفصل عن الأعيان، فأقيمت المنافع مقام الأعيان، ثم المنافع لما كانت لا تملك إلا بالاستهلاك، فكذلك الأعيان التي قامت مقام المنافع.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد هو: أن الأعيان لما أقيمت مقام المنافع فيما لا يتهيأ الانتفاع إلا بعد استهلاكها يقوم قبض العين أيضاً مقام قبض المنفعة لهذه الضرورة، والمنفعة في باب الأعيان تمليك بالقبض، فكذا العين تملك بالقبض، غير أن قبض المنافع لا يكون بدون الاستهلاك، فإذا افترقا في حق القبض يفترقان في الملك الذي هو بناء عليه. والدليل عليه: أن المستقرض لو باع القرض من غيره يجوز، وكان الثمن له. ولو بقي على ملك المقرض قبل الاستهلاك لكان يقف هذا البيع على إجازته، وكذا سائر تصرفاته من الهبة والصدقة على هذا.
ثم إذا نقد المشتري المائة في المجلس، ثم وجد بالكر عيباً لم يرده بالعيب؛ لأنه لا وجه إلى رده بحكم الشراء؛ لأن العقد ما يتناوله. ولا وجه إلى رده بحكم القرض؛
стр. 2926
لأن القرض تبرع لا يوجب السلامة عن العيب، ولكن يلزمه مثل المقبوض، ولكن يرجع بنقصان العيب من الثمن؛ لأن المبيع كر وجب في الذمة بدلاً عن المقبوض بحكم القرض والمقبوض بحكم القرض معيب في نفسه، فكذا ما وجب عنه، والعقد يقتضي السلامة عن العيب، وقد ظهر أنه معيب وقد تعذر رده؛ لأنه دين في ذمة المشتري، فلما اشتراه سقط عن ذمته، فيرجع بنقصان العيب، كما لو اشترى عبداً فهلك في يد المشتري ثم اطلع على عيب به، ولو كان القرض المقبوض مستهلكاً كان الجواب كما قلنا، لكن عند الكل، وكذلك الجواب في كل مكيل وموزون غير الدراهم والدنانير والفلوس إذا كان قرضاً.
وقال في آخر الباب: لو اشترى ما عليه من الكر (قبل) القبض بكر مثله جاز إذا كان عيناً، وإن كان ديناً لا يصح إلا أن يقبضه في المجلس لما مر، فإن وجد المستقرض بالقرض عيباً لم يرده ولا يرجع بنقصان العيب بخلاف الوجه الأول، والفرق بينهما: أنه لو رجع ينقص الكر الذي دفع المستقرض، فيكون هذا مبادلة كر من طعام بأقل من كر وذلك ربا، أما إذا كان الثمن دراهم لو رجع ببعض الدراهم كان هذا مبادلة كر بأقل من مائة درهم، وذلك لا يؤدي إلى الربا.
وقال في آخر الباب: إذا اشترى المستقرَض بعينه وهو مقبوض لم يصح الشراء؛ لأنه ملك المستقرض، وإنما اشترى ملك نفسه فلا يصح، وعلى قياس قول أبي يوسف يصح؛ لأنه ملك المقرض، فإن قيل: لم لا يقدم فسخ المقرض تصحيحاً لما قصدا كما يقدم فسخ البيع بألف على البيع بألفين وخمسمائة تصحيحاً لما قصدا، قلنا: فسخ القرض لا يتم إلا برد المقرض، وذلك فعل والأفعال لا يمكن إتيانها بطريق الاقتضاء، فلا يثبت فسخ القرض إلا إذا سقط اعتبار الرد شرطاً لتمام الفسخ بمقتضى الإقدام على البيع ولا وجه إلى ذلك؛ لأن ما صار شرطاً للشيء لا يسقط اعتباره وإن كان ثبوت ذلك الشيء بطريق الاقتضاء.
نظير هذا ما قال أبو حنيفة ومحمد فيمن قال لغيره: أعتق عبدك عني بغير شيء لا تثبت الهبة بطريق الاقتضاء إلا إذا سقط اعتبار القبض؛ (لأن القبض) شرط للهبة ولم يسقط، وإن كان ثبوت الهبة يقتضي غيره وهو الاعتاق (١٣٧ب٣) عن الآخر كذا ههنا.
ولو اشترى المقرض من المستقرض عين ما قبضه صح عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه ملك المستقرض، وعلى قول أبي يوسف: لا يصح؛ لأنه ما زال عن ملك المقرض فلا يصح شراؤه.
وعنه أيضاً: رجل أقرض رجلاً مائة درهم على أنها جياد، فقبضها ثم اشتراه المستقرض المقرض بعشرة دنانير صح، أما على قول أبي حنيفة ومحمد: فلأنه وجب على المستقرض مثل تلك الدراهم ديناً في الذمة بالإضافة بل يتعلق بمثلها وصار هو بائعاً الدنانير بمثل ذلك الدراهم، فصار وجوب تلك الدراهم في الذمة وجودها والعدم بمنزلة بخلاف مسألة الطعام العقد يتعلق بالعين بالإشارة فيتعلق بما في الذمة بالإضافة، فإذا لم يكن في ذمته شيء لا يصح الشراء أما ههنا بخلافه.
стр. 2927
ثم إذا صح الشراء ههنا لو افترقا عن المجلس من غير قبض البدل وهو الدينار يبطل الصرف لافتراقهما عن المجلس من غير قبض بدلي الصرف، وإن قبض الدنانير قبل أن يتفرقا، فالعقد ماض على الصحة؛ لأن الدنانير مقبوضة حقيقة والدين مقبوض عليه أيضاً، فوجد قبض بدلي الصرف في المجلس (وأما) في مسألة الحنطة العقد ليس بصرف، فإنما يبطل بالدينية في البدلين، وذلك يزول بقبض أحدهما، ثم في مسألة الحنطة لم يجعل الدين بمنزلة المقبوض إذ لو كان في معنى المقبوض لما احتيج إلى قبض البدل الآخر؛ لأن في عقد غير الصرف يكتفى بقبض أحد البدلين.
والوجه في هذا أن يقال: إن في العقود كلها الشرط تعين أحد البدلين حقاً للشرع ليصير محل العقد موجوداً، غير أن في باب الصرف لما لم يتحقق التعيين إلا بالقبض شرط قبض أحد البدلين للتعيين، وشرط قبض الآخر حقاً للعاقد الآخر تحقيقاً للتساوي بينهما، وفي مسألتنا الدين لما كان في حكم المقبوض، ووجد قبض الآخر في المجلس صار حق الشرع وحق العبد مقاماً، فيجوز أما في مسألة الحنطة، ما في الذمة وإن صار في حكم المقبوض لكن لم يتعين فيه؛ لأن صيرورته مقبوضاً لا ينافي كونه ديناً فلم يصر حق الشرع مقاماً، فشرط تعيين البدل الآخر ليصير حق الشرع مقاماً.
فإن وجد المستقرض الدراهم القرض زيوفاً أو نبهرجة لم يردها؛ لأنه لو ردها بحكم العقد أو بحكم القرض، وكلا الوجهين ممتنع على ما مر في الفصل الأول، ولا يرجع بنقصان العيب ههنا أيضاً بخلاف مسألة شراء الكر الذي عليه بالدراهم، والفرق وهو أن العقد يتعلق بالكر الذي هو عين بالإشارة، فيتعلق بالكر الذي في ذمة المستقرض أيضاً بالإضافة.
ولهذا إذا اشترى كر حنطة في ذمته من إنسان، ثم تصادقا أنه لا حنطة عليه إنه يبطل الشراء، وإذا تعلق العقد بالكر الذي في ذمة المستقرض، فلو رجع بحصة العيب من الدراهم كان مشترياً الكر بأقل من مائة وإنه ليس بربا، أما في مسألتنا الدراهم التي في ذمة المستقرض لا تتعين لإضافة العقد إليها، ألا ترى أنها لو كانت عيناً لا تتعين لإضافة العقد إليها، فكذا إذا كانت ديناً لا تتعين لإضافة العقد إليها.
ولهذا لو اشترى مائة درهم في ذمته لإنسان بعشرة دنانير، ثم تصادقا أنه لا شيء عليه لا يبطل الشراء، وإذا لم يتعلق العقد بالدراهم التي في ذمة المستقرض وجب للمستقرض بهذا الشراء مائة درهم جياد في ذمة المقرض بدلاً عن الدنانير، وللمقرض على المستقرض مائه مثلها فصار قصاصاً، فصار المستقرض قاضياً ما كان عليه بما وجب له في ذمة المقرض بالشراء، فلو رجع بنقصان العيب تسلم له مائة درهم وزيادة شيء وهذا هو الربا.
قال: وليس للمستقرض أن يرد على المقرض مثل دراهمه الزيوف ويرجع عليه بالجياد، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: له ذلك، وهذه المسألة فرع لمسألة أخرى أن من كان له على آخر مائة جياد، فأوفاه المديون زيوفاً ولم يعلم رب الدين حتى هلكت الدراهم في يده أو استهلكها، ثم علم بذلك، فأراد أن يرد عليه مثل المقبوض من الزيوف ويرجع عليه بالجياد ليس له ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف له ذلك استحساناً.
стр. 2928
فوجه قول أبي يوسف أن المقبوض لو كان قائماً بعينه كان له أن يرده ويرجع بالجياد، فكذا إذا تمكن من رد مثله وعجز عن رد العين، إذ رد المثل جعل كرد العين إيفاء لحقه في الجودة ونظراً له.
وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا: بأن المقبوض إذا كان قائماً بعينه، فأراد (رده) ينتقض القبض من الأصل ويلتحق بالعدم، فيعود حقه في الأصل فيعود في الجودة أيضاً، أما برد مثل المقبوض لا ينتقض القبض في المقبوض إذ القبض لم يرد على المثل، وبرد غير المقبوض لا ينتقض القبض في المقبوض، فلا يعود حقه في الأصل، فلو عاد في الجودة عاد ابتداءً، وحقه لا يعود في الجودة ابتداء. ولو وجد المستقرض الدراهم المستقرضة ستوقة أو رصاصاً، وباقي المسألة بحالها ردها على المقرض؛ لأن الستوقة والرصاص عروض واستقراض العروض باطل.
بعد هذا إن لم يتفرقا عن المجلس وقد نقد الدنانير واستوفى مائة جياداً في المجلس بل يتعلق بمثل المسمى في الذمة، فإذا تبين أنه لم يكن في ذمته دراهم بسبب القرض صار كأن العقد مطلق لم يضف إلى ذمة المستقرض، فلا يبطل العقد إذا قبض في المجلس، فأما إذا تفرقا عن المجلس فقد الصرف لافتراقهما عن غير قبض أحد البدلين وهو الدراهم في المجلس، فكان للمستقرض أن يسترد دنانيره وصار كرجل اشترى دراهم بدنانير وسلم الدنانير وقبض الدراهم، ثم وجدها ستوقة، إن استبدل في المجلس يصح العقد وإن افترقا عن المجلس حتى يبطل العقد برد الدنانير كذا ههنا.
ولو كان الدين على المستقرض دنانير أو فلوساً فاشتراها بدراهم، ثم وجدها زيوفاً أو نبهرجة أو ستوقة، ففي الدنانير الجواب ما ذكرنا في جميع الأحوال، وكذلك الجواب في الفلوس إذا كان زيوفاً أو نبهرجة أما إذا وجد الفلوس ستوقة وقد تفرقا بعد قبض الدراهم كان العقد جائزاً، وإن حصل الافتراق عن عين بدين ولكن في غير عقد الصرف فلا يوجب الفساد.
الفصل الرابع والعشرون: في الاستصناع
يجب أن يعلم أن الاستصناع جائز في كل ما جرى التعامل فيه كالقلنسوة والخف والأواني المتخذة من الصفر والنحاس وما أشبه ذلك استحساناً، ولا يجوز فيما لم يجر التعامل فيه كالثياب وما أشبهها، والقياس: أن لا يجوز الاستصناع أصلاً، وبه أخذ زفر والشافعي.n
وجه القياس في ذلك ما روي عن النبي ﵇: «أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم» ، وهذا بيع ما ليس عنده لا على (١٣٨أ٣) وجه السلم،
стр. 2929
فلا يجوز عملاً بهذا الظاهر، ولأن من جوز الاستصناع فيما للناس فيه تعامل (إما) أن يجوزه إجارة أو بيعاً أو سلماً، ولا وجه إلى تجويزه بيعاً؛ لأنه باع ما ليس عنده. ولا وجه إلى تجويزه سلماً؛ لأنه لم توجد شرائط جواز السلم، وإذا لم يمكن تجويزه على موافقة هذه العقود كان باطلاً، كالاستصناع في الثياب فهذا على وجه القياس.
وجه الاستحسان: أن القياس وإن كان يأبى جواز الاستصناع من الوجه الذي قلتم إلا أنا تركنا القياس وجوزناه بتعامل الناس، فإن الناس تعاملوا الاستصناع في هذه الأشياء من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلّمإلى يومنا هذا من غير نكير، ولا رد من الصحابة ﵃ ولا من التابعين ﵏، وتعامل الناس من غير نكير (ولا) رد من علماء كل عصر حجة يترك بها القياس ويخص بها الأثر، ألا ترى أن دخول الحمام بأجر جائز استحساناً لتعامل الناس من غير نكير من علماء كل عصر وإن كان القياس يأبى جوازه؛ لأن مدة ما يمكث في الحمام وقدر ما يستعمل من الماء مجهول. وكذلك لو قال لسقاء: أعطني شربة ماء بفلس جاز ذلك لتعامل الناس فيه من غير نكير ورد من علماء كل عصر، وإن كان القياس يأبى جوازه فكذلك هذا.
والأصل في ذلك ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» ، والمسلمون رأوا الاستصناع حسناً فيكون حسناً بخلاف الاستصناع فيما لا يتعامل الناس فيه نحو الثياب وما أشبه ذلك؛ لأن المجوز للاستصناع التعامل ففيما لا تعامل فيه لا يجوز فيعمل فيه بالقياس.
ثم الاستصناع فيما للناس فيه تعامل إذا جاز استحساناً فإنما يجوز معاقدة لا مواعدة بدليل أن محمداً ﵀ ذكر فيه القياس والاستحسان، ولو كان مواعدة لجاز قياساً واستحساناً، والدليل عليه: أنه فصل بين ما للناس فيه تعامل وبين ما لا تعامل للناس فيه، ولو كانت مواعدة لجاز في الكل.
والدليل عليه: أن محمداً ﵀ قال في «الكتاب» : إذا فرغ الصانع من العمل، وأتى به كان المستصنع بالخيار؛ لأنه اشترى ما لم يره، فقد سماه شراء، وكذلك قال: إذا قبض الآخر فإنه يملكه، ولو كانت مواعدة لكان لا يصير الآخر ملكاً له، فدل أنه ينعقد لا مواعدة، ثم كيف ينعقد معاقدة؟ نقول ينعقد إجارة ابتداء ويصير بيعاً انتهاء متى سلم قبل التسليم بساعة بدليل أنهم قالوا: إذا مات قبل تسليم العمل بطل الاستصناع ولا يستوفي المصنوع من تركته. ولو انعقد بيعاً ابتداءً وانتهاءً لكان لا يبطل بموته كما في بيع العين والسلم.
وقال محمد ﵀: إذا أتى به الصانع كان المستصنع بالخيار؛ لأنه اشترى شيئاً لم يره ولو انعقد إجارة ابتداء وانتهاء لم يكن له خيار الرؤية كما في الخياطة والصباغ،
стр. 2930
ولو كان ينعقد بيعاً عند التسليم لا قبله بساعة لم يثبت خيار الرؤية؛ لأنه يكون مشترياً ما رآه، خيار الرؤية لا يثبت في المرئي، علمنا أنها تنعقد إجارة ابتداء وإن كان القياس يأباه؛ لأنه إجارة على عمل في ملك الأجير لم يصر بيعاً انتهاءً قبل التسليم بساعة، وإن كان القياس يأبى أن تصير الإجارة بيعاً تركنا القياس في الكل لمكان التعامل.
والمعنى في ذلك: أن المستصنع طلب منه العمل والعين جميعاً، فلا بد من اعتبارهما جميعاً (واعتبارهما جميعاً) في حالة واحدة متعذر؛ لأن بين الإجارة والبيع تناف فجوزناها إجارة ابتداء؛ لأن عدم المعقود عليه لا يمنع انعقاد الإجارة ويمنع انعقاد البيع، فاعتبرناها إجارة ابتداء وجعلناها بيعاً قبل التسليم بساعة توفيراً على الأمرين حظهما كما فعلنا هكذا في الهبة بشرط العوض اعتبرناها (هبة) في الابتداء عملاً باللفظ وبيعاً انتهاء عملاً بالمعنى فكذلك هذا، ولهذا قلنا: لو مات قبل التسليم تبطل الإجارة ومتى سلم كان المستصنع بالخيار؛ لأنه اشترى ما لم يره.
وهذا بخلاف ما لو استأجر وراقاً ليكتب له كتاباً بحبره أو صباغاً ليصبغ بصبغه، فإنها تنعقد إجارة ابتداء وانتهاء، وإن كان فيها تمليك العين من المستأجر وهو الحبر والصبغ ممكناً من غير أن يجعل بيعاً في الانتهاء لإيصال الصبغ بملكه، فإن إيصال الصبغ بملكه من غير بيع لم يضطر إلى أن تجعل الإجارة بيعاً انتهاء، وإنه خلاف القياس، فأما هنا تمليك العين من المستصنع تبعاً للعمل غير ممكن وإن اعتبرناها إجارة ابتداء؛ لأن العمل لا يصير ملكاً له قبل ملك المحل، وإذا لم يمكن تمليك العين منه تنعقد الإجارة تبعاً للعمل احتجنا إلى تمليك العين منه أولاً ولا يمكننا ذلك إلا بالبيع فجعلناه بيعاً انتهاء. وجعلناه بيعاً قبل التسليم بساعة ليثبت به خيار الرؤية، ولهذا أورد محمد ﵀ الاستصناع في كتاب البيوع وفي كتاب الإجارات؛ لأن به شبهاً من الأصلين من الإجارة والبيع، فإنها تنعقد إجارة ابتداء وتنقلب بيعاً انتهاء، فكان له اتصال بالكتابين جميعاً فلهذا أورده في الكتابين.
فإن قيل: لو كان ينعقد إجارة لكان الصانع يجبر على العمل ويجبر المستصنع على إعطاء الدراهم كما في سائر الإجارات، ولو أتى الصانع بمصنوع صنعه قبل العمل يري الصانع عما لزمه بالاستصناع، ولو انعقد إجارة لاستحق عليه العمل بعد العقد. قلنا: الروايات في لزوم الاستصناع وعدم لزومه مختلفة. روى أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵀: أن الصانع لا يجبر على العمل بل يتخير إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وذكر الكرخي في «كتابه» : أن هذا العقد ليس بلازم ولم ينسب هذا القول إلى أحد، وقال أبو يوسف ﵀ أولاً: يجبر المستصنع دون الصانع وهو رواية عن أصحابنا ﵏، ثم رجع أبو يوسف عن هذا وقال: لا خيار لواحد منهما بل يجبر الصانع على العمل ويجبر المصنوع على القبول.
وجه ما وري عن أبي يوسف: أنه يجبر كل واحد منهما، أما الصانع فلأنه ضمن العمل فيجبر عليه وأما المستصنع؛ فلأنه لو لم يجبر على القبول يتضرر به الصانع؛ لأنه
стр. 2931
عسى لا يشتريه غيره منه أصلاً، أو لا يشتري بذلك القدر من الثمن فيجبر على القبول دفعاً للضرر عن البائع.
وجه قول أبي يوسف أولاً وهو رواية عن أصحابنا أن المستصنع اشترى شيئاً لم يره، الصانع، باع شيئاً لم يره للمشتري، ما لم يره الخيار بالنص لا للبائع.
وجه ما روي عن أبي حنيفة ﵀ وهو المذكور في «القدوري» : أنه لا يجبر كل واحد منهما إنما لم يجبر الصانع على العمل، وإن كان ينعقد إجارة؛ لأنه لا يمكنه العمل إلا بإتلاف عين، والإجارة تنفسخ بهذا القدر، ألا ترى أن المزارع له أن يمتنع من العمل إذا كان البذر من جهته ورب الأرض كذلك؛ لأنه لا يمكنه المضي في هذه الإجارة إلا بإتلاف عين. وكذلك لو استأجر رجلاً ليقطع يده وقد وقع فيها أكله كان له أن يمتنع، فكذلك هذا.
ولا يجبر (١٣٨ب٣) المستصنع على إعطاء الدراهم وإن شرط تعجيله؛ لأن الإجارة في الأجرة شراء ما لم يره كان له أن يفسخ العقد ولا يعطي البدل، ولأن جواز الاستصناع بخلاف القياس لأجل الحاجة، والضرورة في الجواز لا في اللزوم، بقي اللزوم على أصل القياس، وعن هذا قلنا: إن للصانع أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع؛ لأن العقد ليس بلازم، فإذا رآه ورضي به ليس له أن يبيعه؛ لأن الصانع بالإحضار أسقط خياره ولزم العقد من جانبه، فإذا رضي به المستصنع يثبت اللزوم في حقه أيضاً، فلا يكون للصانع أن يبيع بعده.
وأما قوله: لو أتى المصنوع صنعه قبل العقد لم يجبر على العمل قلنا: المقصود من العمل المعمول، فإذا سلم المعمول سقط عنه العمل هذا إذا لم يضرب لذلك أجلاً. فأما إذا ضرب لذلك أجلاً قال أبو حنيفة: يصير سلماً ولا يبقى استصناعاً حتى يجب تعجيل رأس المال في المجلس، ومتى أتى بالمصنوع على الوصف الذي وصفه لا يكون له خيار الرؤية، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إنه لا يصير سلماً بل يبقى استصناعاً، وهذا في استصناع للناس فيه تعامل.
وأما ما لا تعامل للناس فيه كالاستصناع في الثياب، فإنه ينقلب سلماً يضرب الأجل بالإجماع هكذا قالوا، وذهبا في ذلك إلى أن الاستصناع ينعقد إجارة ابتداء ويصير بيعاً انتهاء، فأما إذا ضرب فيه الأجل، فاعتبار معنى الإجارة فيه يمنع أن يصير سلماً؛ لأن الإجارة لا تصير سلماً بضرب الأجل، كما (لو) قال لخياط: خط هذا الثوب غداً أو إلى شهر لا يصير سلماً، واعتبار معنى البيع يوجب أن يكون سلماً؛ لأن المستصنع في حكم مبيع عين، ولهذا يثبت للمستصنع خيار الرؤية، وضرب الأجل لا يصح في الأعيان وإنما يصح في الديون، فضرب الأجل اقتضى أن يكون المبيع ديناً في الذمة، والمبيع لا يثبت ديناً في الذمة إلا سلماً، فقد اجتمع ما يوجب أن يكون الاستصناع سلماً وما يمنع وقد أمكن تجويزه استصناعاً من غير أن نجعله سلماً، فلا نغفله وقد استوى الموجب لصيرورته سلماً مع المانع بخلاف ما لا تعامل للناس فيه؛ لأنه لا يمكن تجويزه استصناعاً فجوزناه سلماً.
стр. 2932
وأما أبو حنيفة يقول: اجتمع ما يوجب أن يصير الاستصناع سلماً، وإنما قلنا ذلك؛ لأن اعتبار معنى الإجارة * إن كان * يمنع أن يكون سلماً واعتبار معنى البيع يوجب أن يكون سلماً فقد استويا.
وهنا اعتبار آخر يوجب أن يصير سلماً وهو أنا لو جوزناه سلماً ورجحنا جانب البيع كان ذلك تجويز هذا العقد على موافقة القياس من وجه؛ لأن المبيع حينئذٍ يثبت ديناً في الذمة وثبوت المبيع في الذمة على موافقة القياس وجه كما في السلم، فأما متى صار استصناعاً لم يكن المبيع في الذمة ديناً ولا عيناً، وهذا خلاف القياس من كل وجه، فصار ما يوجب صيرورته سلماً شيئان وما يمنع شيء واحد، فتكون العبرة لما يوجب.
ثم إذا صار سلماً لم يكن للمستصنع خيار الرؤية كما في سائر الأسلام لا يثبت خيار الرؤية، وإن اشترى ما لم يره، فرق بين هذا وبين بيع العين، فإن للمشتري في بيع العين خيار الرؤية وإنما كان كذلك، وذلك لأن إثبات خيار الرؤية الفسخ ولا يحصل هذاالمقصود متى اثبتنا خيار الرؤية في السلم، وذلك لأنه متى رد المقبوض بخيار الرؤية لا ينفسخ السلم؛ لأنه لم يرد عين ما تناوله العقد؛ لأن العقد لم يتناول هذا المقبوض بعينه، وإنما يتناول مثله ديناً في الذمة فلا ينفسخ العقد برده بل يعود حقه إلى مثله، وإذا لم يعد بموته وحكمه لا يثبت، وفي بيع العين يفيد ثمرته وحكمه؛ لأن حكمه الفسخ، والبيع ينفسخ متى رده بخيار الرؤية؛ لأنه رد عين ما تناوله العقد فينفسخ العقد برده، وإذا أفاد حكمه وثمرته يثبت.
الفصل الخامس والعشرون: في البياعات المكروهة والأرباح الفاسدة وما جاء فيها من الرخصة
قال مشايخنا: العرية التي فيها الرخصة ليس تفسيرها عندنا أن يشتري الثمار على رؤوس النخيل بثمار محدودة كيلاً أو مجازفة، فإن ذلك لا يجوز عندنا، وإنما تفسيرها أن يهب الرجل ثمرة نخيله من بستانه لرجل، ثم يشق على المعري دخول المعرى له في بستانه كل يوم ويكون أهله في البستان ولا يرضى من نفسه خلف الوعد والرجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمراً محدوداً بالخرص يعني بالحزر والظن، ليدفع ضرورة عن نفسه ولا يكون مخالفاً للوعد وهذا جائز؛ لأن الموهوب لم يصر ملكاً للموهوب له ما دام متصلاً بملك الواهب، فما يعطيه من الثمر لا يكون عوضاً عنه يكون هبة مبتدأة لكن سمي بيعاً مجازاً؛ لأنه في الصورة عوض يعطيه للتحرز عن الخلف في الوعد.
فإن قيل: لو كان تفسير العرية ما قلتم ينبغي أن لا تقتصر الرخصة على ما دون خمسة أوسق، والراوي ذكرها مقصودة على ما دون خمسة أوسق، قلنا: عندنا الرخصة غير مقصورة إلا أن الراوي إنما ذكر الرخصة؛ لأن العرية التي وقعت كانت فيما دون خمسة أوسق، فظن الراوي أن الرخصة مقصورة فروى كما ظن.
стр. 2933
اختلف المشايخ في تفسير العينة التي ورد النهي عنها في قوله ﵇: «إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ذللتم وظهر عليكم عدوكم» ، تفسيرها: أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر يستقرضه عشرة دراهم ولا يرغب المقرض في الإقرار طمعاً في الفضل الذي لا يناله في الإقراض، فيقول: ليس تيسر علي القراض إذ لا يحصل له ربح ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشرة درهم وقيمته في السوق عشرة ليبيع في السوق بعشرة، فيرضى به المستقرض، فيبيعه المقرض منه باثني عشر، ثم يبيعه المشتري في السوق بعشرة فيحصل لرب الثوب ربح درهمين بهذه التجارة ويحصل للمستقرض قرض عشرة سمي هذا العقد بالعينة؛ لأنه أعرض عن الدين إلى بيع العين.
قال بعضهم: تفسيرها أن يدخلا بينهما ثالثاً فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثني عشر درهماً ويسلمه إليه، ثم يبيع المستقرض من الثالث الذي ادخلاه بينهما بعشرة ويسلم الثوب إليه، ثم إن الثالث يبيع من صاحب الثوب وهو المقرض بعشرة ويسلم الثوب إليه ويأخذ منه العشرة، ويدفعها إلى طالب القرض، فيحصل لطالب القرض عشرة دراهم ويحصل لصاحب الثوب عليه اثنا عشر درهماً، وهذا حيلة من حيل الربا، وكان محمد بن سلمة البلخي ﵀ يقول لتجار بلخ: إن العينة التي جاءت (١٣٩أ٣) في الحديث «خير من يبايعكم» هذه.
وفي «فتاوى النسفي» : أن البيع الذي تعارف (عليه) أهل سمرقند وسموه بيع الوفاء تحرزاً عن الربا في الحقيقة رهن، والمبيع في يد المشتري كالرهن في يد المرتهن لا يملكه ولا يحل الانتفاع به إلا بإذن الراهن، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلك من عينه، والدين ساقط بهلاكه في يده، إذا كان فيه وفاء بالدين، وللبائع استرداده إذا قضى الدين؛ إذ لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام، وعليه فتوى السيد الإمام أبو شجاع السمرقندي، وفتوى القاضي الإمام علي السغدي ببخارى وكثير من الأئمة على هذا.
و (في) «فتاوى أبي الفضل» : سئل عن كرم بيد رجل وامرأة، باعت المرأة نصيبها من الرجل واشترطت أنها متى جاءت بالثمن رد عليها نصيبها ثم باع الرجل نصيبه، هل للمرأة فيه شفعة؟ قال: إن كان البيع بيع معاملة ففيه الشفعة للمرأة سواء كان نصيبها من الكرم في يدها أو في يد الرجل قيل: ثم قال؛ لأن بيع المعاملة والبلخية حكمه حكم الرهن وللراهن الشفعة، وإن كان الرهن في يد المرتهن.
وبعض مشايخ سمرقند قالوا: إذا لم يكن الوفاء مشروطاً في البيع يجعل هذا بيعاً صحيحاً في حق المشتري حتى يحل له الانتفاع بالمشترى كما يحل له الانتفاع بسائر
стр. 2934
أملاكه، ويجعل رهناً في حق البائع حتى لا يتمكن المشتري من بيعه، وإذا مات لا يورث عنه، وإذا جاء البائع بالمال يؤمر المشتري بأخذ المال ورد المبيع عليه، ويجوز أن يكون للعقد الواحد حكمان، وقد مر نظير هذا في السلم، وإنما فعلنا هكذا لحاجة الناس بعضهم إلى أموال البعض مع صيانتهم عن الوقوع في الربا.
وسئل أبو القاسم عمّن يحتاج إلى شراء الأشياء، ويخاف الوقوع في الحرام، هل يجب عليه أن يسأل عن كل أحد يريد الشراء عنه عن حال ما يريد شراءه؟ قال: الأشياء على ظاهرها التي جرت العادة عليه حتى تجيء العوارض، وإذا كان نقد قد غلب الحرام على أهله أو كان البائع ممن يتخذ المال من خبث، فالسؤال حسن، وإن كان نقد الغالب عليها الحلال في الأسواق لا يجب السؤال.
وسئل عن بيع الزنار لأهل الذمة قال: لا بأس به؛ لأن ذلك ذل لهم ويكره بيع المكعب المفصص من الرجل إذا علم أنه يشتريه ليلبسه، وسئل الفقيه أبو بكر عمن يريد بيع عبده الأمرد من فاسق يعلم أنه يعصي الله به قال: يكره؛ لأنه إعانة على المعصية.
وسئل أبو القاسم عمن يبيع ويشتري في الطريق قال: إن كان الطريق واسعاً ولا يكون في قعوده ضرر للناس فلا بأس، وعن أبي عبد الله القلانسي أنه كان لا يرى بالشراء منه بأساً وإن كان بالناس ضرر في قعوده، والصحيح هو الأول؛ لأنه إذا علم أنه لا يشتري منه لا يبيع على الطريق فكان هذا إعانة له على المعصية وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾ () وبعض مشايخنا قالوا: لا تجوز له العقود على الطريق وإن لم يكن للناس في قعوده ضرر ويصير بالقعود على الطريق فاسقاً؛ لأن الطريق ما اتخذ للجلوس فيه إنما اتخذ للمرور فيه.
رجل اشترى شيئاً بعشرة دراهم صغار فدفع إليه العشرة وبعضها كبار وهو لا يعلم لا يحل للبائع أن يأخذه ويصرفه إلى حوائجه.
وسئل بعض مشايخ بلخ عن بعض الطين الذي يؤكل لا يعجبني بيع الذي يؤكل إلا إذا لم ينتفع به إلا للأكل؛ لأنه يضرو يقتل.
رجل له سلعة معيبة يريد بيعها ينبغي أن يبين حتى لا يقع المشتري في الغرور، قال بعض مشايخنا: لو لم يبين وباع صار فاسقاً مردود الشهادة لا يؤخذ به.
قال محمد ﵀ في آخر بيوع «الجامع الصغير» : ولا بأس ببيع من يزيد وهو بيع الفقراء وبيع من كسدت بضاعته، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمباع حلساً له ببيع من يزيد والناس تعاملوا بيع المزايدة في الأسواق من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلّمإلى يومنا هذا من غير منكر.
стр. 2935
والاستيام على سوم الغير مكروه، قال ﵇: «لا يستام الرجل على سوم أخيه» فظن بعض الناس أن بيع المزايدة استيام على سوم الغير وليس كذلك.
والفرق بين المزايدة وبين الاستيام على سوم الغير عرف أن صاحب المال إذا كان ينادي على سلعة فطلبه إنسان بثمن فكف عن النداء وركن إلى ما طلب منه ذلك الرجل فليس للغير أن يزيد في ذلك، وهذا استام على سوم الغير، وإن لم يكف عن النداء، فلا بأس لغيره أن يزيد ويكون هذا بيع المزايدة ولا يكون استياماً على سوم الغير.
وإن كان الدلال هو الذي ينادي على السلعة فطلبه إنسان بثمن، فقال الدلال: حتى أسأل المالك فلا بأس أن يزيد في هذه الحالة، فإن أخبر الدلال المالك فقال: بعه بذلك واقبض الثمن فليس للغير أن يزيد بعد ذلك، وهذا استيام على سوم الغير؛ وهذا لأن النهي عن الاستيام على سوم الغير لدفع الوحشة، والوحشة إنما تحصل إذا ركن صاحب السلعة إلى ما طلب منه وعزم على بيعها بذلك، أما قبل ذلك فلا.
إذا باع العصير ممن يتخذه خمراً فلا بأس به، وهذا قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد ﵏: يكره، وأجمعوا على أنه إذا باع العنب أو الكرم ممن يتخذه خمراً إنه لا بأس به، فوجه قولهما وهو الفرق بين العنب والعصير والفساد والفتنة من المشتري يحصل بعين ما يتناوله العقد، فصار كبيع السلاح من أهل الفتنة في أيام الفتنة، وفي فصل العنب الفساد والفتنة من المشتري لا يحصل بعين ما يتناوله العقد، بل يحصل بعين آخر، فإن ما يتناول العقد يتبدل العقد، فكان بمنزلة ما لو باع الحديد من أهل الفتنة، ولأبي حنيفة ﵀: أن الفتنة والفساد لا تقع إلا بعد تغير المعقود عليه في نفسه، فلا يكره كبيع الحديد من أهل الفتنة والفساد.
ولا بأس ببيع السرقين ويكره بيع القذرة يريد به الخالصة، فإن كانت مخلوط بالتراب فلا بأس ببيعها عندنا.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة: في رجل اشترى من آخر جارية (شراء) فاسداً بألف درهم وتقابضا ثم تصرف كل واحد منهما فيما صار له يعني المشتري في الجارية، والبائع في الدراهم وربح طاب للبائع ما ربح من الدراهم ولم يطب للمشتري ما ربح في الجارية، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ﵀، يجب أن يعلم أن الحنث نوعان: حنث لعدم الملك ظاهراً، وحنث للملك لفساد سببه.
والمال نوعان: نوع يتعين بالتعيين كالعروض، ونوع لا يتعين بالتعيين كالأثمان وكان الحنث لعدم الملك يعمل في النوعين جميعاً في العروض والأثمان حتى لا يطيب الربح كالمودع يتصرف في الوديعة ويربح (١٣٩ب٣) لا يطيب له الربح سواء كانت الوديعة عرضاً أو ثمناً؛ لأن الخبث لعدم الملك غير أن الثابت في العرض حقيقة الخبث؛
стр. 2936
لأن العقد يتعلق بمال غيره وقت المباشرة وإن كان في الثاني يصير مملوكاً للغاصب، والثابت في الأثمان شبهة الخبث؛ لأن العقد لم يتعلق بها استحقاقاً وإنما يتعلق به إشارة وهي ملك، فصار ملك الغير وسيلة إلى الربح من وجه فيتمكن فيه شبهة الخبث فيجب التصدق.
وإن كان الخبث في محل مملوك له لفساد سببه يعمل في العروض حتى لا يطيب له ما ربح في العروض، ولا يعمل في النقود حتى يطيب ما ربح فيها عند فساد السبب، هذا هو طريق بعض المشايخ في تخرج المسألة.k
وطريق بعضهم أن العقد لا يتعلق بالدراهم المملوكة بالعقد الفاسد، إنما يتعلق بمثلها ديناً في الذمة؛ لأن الدراهم لا تتعين في عقود المعاوضات، فالربح على مثل الدراهم المملوكة العقد الفاسد لا على عينها فطاب له.
فأما الجارية فقد تعلق بها العقد فكان الربح حاصلاً على ملك بعقد فاسد، والعقد الفاسد معصية، فكان فيه نوع خبث، والربح الحاصل من أصل الخبث سبيله التصدق.
وطريق بعضهم أن الفساد ساقط الاعتبار حكماً في حق الدراهم والدنانير؛ لأن حق المالك انقطع عن العين حتى لم يجب على القابض رد المقبوض بعينه ولو كان للفساد عبرة في جانب الدراهم والدنانير لكان لا ينقطع حق المالك عن العين كما في جانب المبيع، فصار وجود البيع الفاسد وعدمه بمنزلة في حق الدراهم والدنانير بقي مجرد الإذن بالقبض للتصرف فيه من غير بيع، ولو أذن له بالقبض للتصرف من غير بيع كان قرضاً وكان التصرف فيه مباحاً كذا هاهنا.
فأما الفساد غير ساقط الاعتبار حكماً في حق الجارية؛ لأن حق المالك لا ينقطع عن عينها، فهذا ربح حصل من أصل ملك بسبب فاسد فلا يطيب له. ذكر محمد ﵀ في إجارات «الجامع الكبير» حكم الدراهم المملوكة بعقد فاسد في طيبة الربح على نحو ما ذكر في «الجامع الصغير» .
وذكر بعض المشايخ في شرح «الجامع الكبير:» أن هذا الجواب إنما يستقيم على الرواية التي تقول بأن الدراهم والدنانير متى ملك ببيع فاسد ينقطع حق المالك عن عين الدراهم والدنانير، أما على الرواية التي تقول بأن المالك حقه لا ينقطع عن عينها وللمالك أن يأخذ عينها يجب أن لا يطيب له الربح؛ لأن الفساد بقي معتبراً في حقها حكماً، فهذا ربح حصل من ملك استفيد بسبب فاسد، فلا يطيب له.
وذكر في إجارات «الجامع» : أن من استقرض من آخر ألفاً على أن يعطي المقرض كل شهر عشرة دراهم وقبض الألف وربح فيها طاب له الربح لأنه ربح استفيد بسبب مباح؛ لأنه استقرض الألف على أن يعطي المستقرض المقرض كل شهر عشرة إجارة للألف وهذه إجارة باطلة؛ لأنها إجارة ما لا يمكن الانتفاع (به) إلا بعد استهلاكه فلم تنعقد الإجارة الفاسدة ولا جائزة، ولهذا لم يجب الأجر، بقي مجرد القرض من غير إجارة وإنه مباح فكان الربح حاصلاً بسبب مباح.
стр. 2937
قال محمد في «الجامع الصغير» : ولو أن رجلاً قال لآخر لي عليك ألف درهم فقبضها وتصرف القابض فيها وربح ثم تصادقا على أنه لم يكن عليه دين يطيب له الربح؛ لأنه ملك المقبوض ملكاً فاسداً؛ لأنه بمنزلة بدل المستحق؛ لأن وجوب الدين بالتسمية؛ فإذا تصادقا بعد التسمية أنه لم يكن عليه دين صار بمنزلة ما لو لم يستحق العوض فيفسد الملك في العوض لكن لا يبطل، فيتمكن شبهه عدم الملك، ولو حصل الربح من دراهم غير مملوكة يتمكن في الربح شبهة الخبث فلا يعتبر في وجوب التصدق.
وفي «نوادر هشام» قال: سألت محمداً عن رجل باع من آخر حنطة ثم إن البائع باعها من آخر فقبضها المشتري الثاني واستهلكها، فالمشتري الأول بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ الثاني بمثلها، فإن أخذه بمثلها فباعه بأكثر من رأس المال قال: طاب له الفضل قلت: إن أبا يوسف يقول: يتصدق بالفضل فأبى محمد أن يقبل ذلك، وقال: إنما يتصدق بالفضل إذا أخذ قيمته دراهم.
قال أبو يوسف: رجل اشترى عبداً وقبضه ومات عنده فأقام رجل بينة أنه اشتراه قبله، قال: له أن يضمنه قيمته ويتصدق بفضل القيمة على الثمن.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل أمر رجلاً أن يشتري له متاعاً بألف درهم فاشتراه بنقد البلد فأعطاه الآمر وصح ونقد المشتري في ثمن المتاع علة هل يطيب له الفضل؟ قال: إن علم الآمر بذلك وعلله منه فهو طيب له وإن لم يعلم، فإن في نفسي ما فيها من هذا ولم يجب بشيء.
وفي «المنتقى» : رجل غصب من آخر عبداً فباعه بعبد ثم باع العبد الثاني بعرض ثم باع العرض بدراهم، فعلى قول أبي حنيفة يتصدق بالفضل عما ضمن من قيمة العبد الغصب، وكذلك لو غصبه ألف درهم واشترى بها عبداً وباعه بألفين ثم اشتري بالألفين عرضاً وباعه بأكثر من ذلك. وقال أبو يوسف في المسألتين جميعاً: يطيب له الفضل.
ولو اشترى أمة شراءً فاسداً وباعها بأمة، فإنه يحل له وطء هذه الأمة ولم يكن يحل له وطء الأولى، قال ابن سماعة: وروى أصحابنا أنه قال يعني أبا يوسف: لو باع هذه الأمة تصدق بما زاد على قيمة الأولى التي ضمن قيمتها، ووافق أباحنيفة في البيع الفاسد، فإنه يقول: لو باع المبيعة بيعاً فاسداً بعرض، ثم باع ذلك العرض بفضل عما ضمن من قيمة البيع الفاسد إنه يتصدق بالفضل وجعل البيع الفاسد أشد من الغصب في هذا.
هشام عن محمد: في رجل اشترى دجاجة ببيضة بغير عينها فلم يقبض الدجاجة حتى باضت خمس بيضات، فما أصاب الدجاجة أخذها به، وما أصاب البيضات الخمس أخذ حصة ما يصيب البيضة من البيضة ويتصدق ببقية البيض، ولو اشتراها ببيض بعينها فهو جائز كله، وكذلك لو اشترى نخلة بمد من رطب بغير عينه فلم يقبض النخلة حتى حملته رطباً، فإن اشتراها بثمر بعينه فهو جائز على نحو ما بينا.
بشر عن أبي يوسف: لو باع درهماً من نصراني بدرهمين ثم أسلم قال: إن عرف
стр. 2938
صاحبه فليرد عليه الفضل، فإن لم يعرف تصدق به.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل (١٤٠أ٣) اشترى ذمية بيعاً فاسداً وقبضها وباعها وقضى القاضي عليه بالقيمة للبائع الأولى، وأداها إليه وأبرأه البائع الأول، وفي الثمن الثاني فضل على القيمة التي أداها، فإنه يتصدق بذلك الفضل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإنما طاب للمساكين وهو أطيب ... له من اللقطة؛ لأنه يملكه الذي يتصدق بالربح حتى عمل بالثمن وربح ربحاً فبيعت فيها بيوع كلها ربح قال: يتصدق بالفضل في جميع ذلك.
ولو غصب مالاً أو عمل بوديعة أو مضاربة خالف فيها وربح تصدق بالفضل في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يطيب له الفضل من قبل أنه كان له أن ينقد في ذلك غير الغصب، ولو اشترى بغير الغصب ونقد الغصب أو اشترى بالغصب ونقد غير الغصب فهو كذلك، وقال أبو حنيفة: لا يتصدق بهذا، وإنما يتصدق إذا اشترى به ونقده.
وقال أبو يوسف: إذا اشترى جارية بألف درهم وولدت في يد البائع ولداً فقبضها المشتري وفيهما فضل كثير على الثمن فذلك طيب له، ولو قتلا في يد البائع واختار المشتري أخذ القيمة، فإنه يتصدق بالفضل، ولو قتل الولد وأخذه، فإنه يتصدق بفضل قيمته على حصته من الثمن.
ولو اشترى عبداً بألف درهم فقتله عبد قبل القبض فدفع به أخذه المشتري وفي قيمته فضل على الثمن، فليس عليه أن يتصدق به؛ لأنه عرض وليس يحسب الفضل في العرض إنما يحسب في الدراهم والدنانير، ولو باع هذا العبد بفضل أكثر مما كان فيه أو اقل، فإنه يتصدق بالفضل ولا يجاوز ما كان فيه إنما يتصدق بالأقل من الربح الذي صار فيه من الفضل بالقيمة يوم قبض هذا العبد.
ولو باع هذا العبد بعرض لا يتصدق، وإن كان فيه فضل، فإن باع ذلك بدراهم أو دنانير فيها فضل، فإن نظر إلى قيمة العبد المدفوع بالجناية يوم قبضه، فإن لم يكن فيه فضل يومئذ لم يتصدق بشيء، وإن كان في قيمته فضل يومئذٍ نظر إلى ذلك الفضل، قال: هذا الربح الذي صار في يده فيتصدق بالأوكس منهما.
ولو اشترى عبداً بألف وقيمته ألفان فقتل في يد البائع فاختار المشتري أخذ القيمة وهي ألفا درهم ولم يتصدق بأحد الألفين حتى ضاع أحد الألفين، وبقي الألف الآخر لا يتصدق بشيء، ولو لم يضع حتى لو اشترى بها وربح تصدق بأحد الألفين وحصته من الربح، عند أبي حنيفة لا يتصدق بربح الألف، فإن هلك ألف درهم منها بعد ما تصرف فيها، فعليه التصدق بالألف؛ لأنها دخلت في ضمانه بالتصرف.
ولو كان صالح مع القاتل من القيمة على عبد وأعتق العبد لم يلزمه التصدق بشيء، فإن كان أعتقه على مال أو كاتبه على مال، فلا يتصدق بشيء إلا في خصلة أن يكون العبد يوم قبضه يساوي أكثر من رأس ماله ويكون الذي أعتقه عليه مثل قيمته أو أكثر
стр. 2939
فيتصدق بذلك الفضل الذي في القيمة على رأس ماله.
الحسن عن أبي حنيفة في البيوع غصب من آخر حنطة تساوي خمسين وباعه بمئة ثم ضمنه صاحب الكر مثله تصدق بالفضل، وإن كان ثوباً طاب له الفضل؛ لأنه لا يجوز بيع الكر إلا بمثله ويجوز بيع ثوب واحد باثنين.
فصل في الاحتكار
الاحتكار مكروه، وإنه على وجوه:
أحدها: أن يشتري طعاماً في مصر أو ما أشبهه ويحبسه ويمتنع من بيعه، وذلك يضر بالناس فهو مكروه للحديث المعروف. والمعنى فيه: أن حق العامة تعلق بما جلب إلى المصر فالمحتكر بالاحتكار يريد إبطال حقهم فلا يطلق له ذلك.
والثاني: أن يشتري طعاماً في مكان قريب من المصر فحمل إلى المصر وحبسه وذلك يضر بأهل المصر فهو مكروه أيضاً للحديث؛ ولأنه إذا كان يحمل طعام ذلك المكان إلى المصر تعلق به حق أهل المصر، فلا يطلق في إبطال حقهم بالاحتكار وهذا على قول محمد.
وقال أبو حنيفة ﵁: إذا اشترى طعاماً في غير المصر وجلبه إلى المصر فلا بأس به من غير فصل بينما إذا كان المكان الذي اشترى فيه الطعام قريباً من المصر أو بعيداً عنه، من غير فصل بينما إذا كان يحمل الطعام إلى المصر أو لا يحمل؛ وهذا لأن حق أهل المصر إنما يتعلق بطعام جمع في المصر أو جلبه إلى فنائها، وعن أبي يوسف ﵀ روايتان، وفي رواية مثل ما قال أبو حنيفة، وفي رواية: إذا اشتراه من نصف ميل وحمله إلى المصر واحتكر فيه يكره.
والثالث: أن يشتري طعاماً في مصر وجلبه إلى مصر آخر واحتكر فيه، فإنه لا يكره لقوله ﵇: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» ؛ ولأن حق أهل المصر لا يتعلق بطعام مصر آخر، وكذلك لو زرع أرضه وادخر طعامه، فإنه لا يكره، فإنه في معنى الجالب؛ لأنه حدث بكسبه، ولأن ذلك خالص حقه ولم يتعلق به حق غيره فلا يكون احتكاره إبطالاً لحق الغير ولكن يستحب له البيع نظراً للناس وإشفاقاً بهم، وإذا قلت المدة لا يكون احتكاراً؛ لأن الناس لا يتضررون في مدة قليلة، وإذا طالت المدة يكون احتكاراً؛ لأنهم يتضررون في مدة طويلة فلا بد من حد فاصل بينهما.
وفي الحديث قدر الطويل بأربعين فما دونه يكون قليلاً، وعن أصحابنا أنهم قدروا
стр. 2940
الطويلة بشهر فما دونه يكون في حكم القليل ثم يقع التفاوت في الاحتكار بين أن لا يتربص العشرة وبين أن يتربص، فوبال الثاني أعظم من وبال الأول.
وفي الجملة التجارة في الطعام غير محمودة قال محمد ﵀: ويجبر المحتكر على البيع ولا يسعر.
أما الجبر على البيع لأن فيه نظراً للعامة، وفي عدم الجبر اضراراً بهم، أكثر ما في الباب أن الجبر ضرر بالمحتكر إلا أن هذا ضرر خاص والضرر الخالص يسقط اعتباره، وعند الضرر العام قبل الجبر على البيع يجب أن يكون على قولهما، أما على قول أبي حنيفة ﵀ لا يجبر؛ لأن الجبر على البيع بمنزلة الحجر وهو لا يرى الحجر على الحر.
وأما لا يسعر لما روي أن السعر قد غلا بالمدينة فطلب من النبي ﵇ أن يسعر فأبى وقال: «إن الله تعالى هو المسعر القابض الباسط الرازق» ، وفي حديث الحر قال: «الله تعالى يخفض ويرفع وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس لأحد منكم عندي مظلمة» ؛ ولأن الثمن حق البائع؛ لأنه يقابل ملكه، فيكون التقدير إليه إلا إذا أغلى فيه بأن يريد أن يبيع قفيزاً منه بمئة والناس يشترون منه بخمسين، فيمنع البائع عنه دفعاً للضرر عن الناس وإذا رفع أمر المحتكر إلى (١٤٠ب٣) الحاكم فالحاكم أمره ببيع ما هو فضل عن قوته وعن قوت أهله على اعتبار سعة في قوته وفي قوت أهله وينهاه عن الاحتكار، فإن انتهى فبها ونعمت، وإن لم ينته ورفع إلى القاضي مرة أخرى فهو مصر على عادته وعظه وهدده، فإن رفع إليه مرة أخرى حبسه وعزره على ما يرى؛ لأنه ارتكب ما لا يحل وليس فيه حد مقدر ومن ارتكب ما لا يحل وليس فيه حد مقدر للشرع وعليه.
وإن كان أرباب الطعام يتحكمون على المسلمين ويتعدون عن القيمة تعدياً فاحشاً وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير فلا بأس بالتسعير بمشورة من أهل الرأي والبصر، فإذا فعل ذلك ثم تعدى رجل عن ذلك القدر فباعه بثمن فوقه أجازه القاضي يعني أمضاه ولم يبطله، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ يبطله؛ لأنه لا يرى الحجر على الحر وفي إبطال بيعه نوع حجر عليه، أما قولهما فلأنهما إن كانا يريان الحجر على الحر إلا أن الحجر هنا لم يوجد حتى لو حجر القاضي على قوم من أرباب الطعام بأعيانهم تصير المسألة على الخلاف، ومن باع منهم بما قدر الإمام من الثمن جاز بيعه؛ لأنه غير مكره على البيع بل هو طائع.
ذكر القدوري في «شرحه» : إذا خاف الإمام الهلاك على أهل المصر أخذ الطعام من المحتكر وفرق فإذا وجدوا ردوا مثله وهذا صحيح؛ لأن أهل المصر في هذه الحالة
стр. 2941
مضطرون إلى ماله والحال حالة المخمصة وحكم الشرع في المضطر إلى مال الغير حالة المخمصة هذا قال: والتلقي إذا كان يضر بأهل البلد فهو مكروه، وإن كان لا يضر فلا يكره.
وصورة التلقي: أن يخرج من البلدة إلى القافلة التي جاءت بالطعام يريدون البلدة واشتراها خارج البلدة وهو يريد حبسها ويمتنع عن بيعها ولم يترك حتى تدخل القافلة في البلدة، فإن كان يضر بأهل البلدة فهو مكروه إذا كان في وقت الحاجة لأهل البلدة إليها، وإن كان لا يضر بأهل البلدة فلا يكره إذا كان لا يلبس على أهل القافلة سعر أهل البلدة، ولا يغرهم بأن أخبر أن قيمة الطعام في البلدة كذا وهو صادق في ذلك، فأما إذا لبس عليهم سعر أهل البلدة فهو مكروه لحق أهل القافلة والله أعلم.
الفصل السادس والعشرون: في المتفرقات
دار بين اثنين باع أحدهما نصفه يجوز وينصرف إلى نصيبه هذا هو جواب «الكتاب» ، وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ إن عين النصف وقال: بعتك هذا النصف لا يجوز، وإن لم يعين النصف إنما باعه نصف الدار مطلقاً يجوز.
وسئل شمس الإسلام الأوزجندي عن رجل مات وترك ثلاث بنين وبنتين، فباع أحد البنين نصيبه من ابن آخر قبل القسمة من ضياع بعينه قال: إن كان نصيب الابن البائع معلوماً للمشتري جاز.
وفي «شرح الطحاوي» : أحد الورثة إذا باع شيئاً من التركة ينظر إن باع نصيبه من كل شيء والمشتري يعلم نصيبه يجوز، وإن باع شيئاً معيناً لا يجوز؛ لأنه يحتمل أن لا يقع هذا في نصيبه، ومعنى قوله لا يجوز، لا يجوز البيع في كل ذلك الشيء أما في نصيبه يجوز.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل ادعى عيناً في يد رجل فأقام على ذلك شاهدين أو شاهداً واحداً فقبل الحاكم باع المدعى عليه العين من رجل أو وهبه له قال: لا يجوز بيعه ولاهبته، وقال الحكم أبو الفضل في «المنتقى» : هذا الجواب خلاف جواب «الأصل» يريد به فيما إذا أقام شاهداً واحداً، فقد ذكر محمد ﵀ فقبل الحكم باع المدعى عليه أتى في «الجامع» في هذه الصورة أن البيع جائز، وفرق بين الشاهد الواحد والشاهدين.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل قال لآخر: إن لك في يدي أرض ضربة لا تساوي شيئاً فقال فبعها مني بكذا، فقال: بعتها ولم يوفها البائع وهي تساوي أكثر من ذلك، فالبيع جائز؛ لأنه قال في يدي صار كأنه قال أرض كذا، فإذا أجابه فكأنه قال: بعتك أرض كذا.
стр. 2942
وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة ﵀: إذا قال الرجل لغيره أبيعك هذه الدار تلجئة بألف درهم، إن البيع جائز، ولو قال لأمراة: أتزوجك متعة فالنكاح باطل، وقال أبو يوسف: البيع والترويج جميعاً باطل.
وفي «الإملاء:» إذا قال البائع: هذا لك بألف هذا لك بألفين، فقال المشتري: قبلت البيع الأول لم يجز؛ لأن البائع رجع عن البيع الأول فانتقض، ولو قال: قبلت البيعيتن بثلاثة ألاف فهو مثل قوله قبلت البيع الثاني بثلاثة آلاف فيكون البيع بألفين والألف الآخر في زيادة إن شاء قبلها وإن شاء لم يقبلها.
وعن محمد ﵀: أنه كان لا يرى بأساً أن يبيع الرجل من الرجل من طين هذه الأرض عمقها للحفرة.
وفي «الأصل:» إذا باع المشتري غنماً بشرط أن يرد المشتري منها شاة، فالعقد فاسدٌ؛ لأن المردود مجهول، وإنه يوجب جهالة الباقي، وإذا باع أجود الغنم أو أردأها، فقد اختلف المشايخ في هذا الموضع أيضاً.
وفي «المنتقى» : إذا باع من آخر ثوباً بعشرة دراهم على أن يعطيه المشتري كل يوم درهماً وكل يومين درهمين، فإنه يعطيه في اليوم الأول درهماً، وفي اليوم الثاني ثلاثة دراهم، وفي اليوم الرابع ثلاثة دراهم، وفي الخامس درهماً، وفي السادس درهماً.
وإذا باع الأرض لشربها ولم يقيم الشرب كم هو ولا يعلمان به فهو جائز.
وذكر في «الجامع الصغير» : علو لرجل وسفل لآخر فسقطا جميعاً ثم باع صاحب العلو موضع العلو لا يجوز، ولم يذكر ما إذا سقط العلو والسفل قائم على حاله فباع صاحب العلو هل يجوز؟ والجواب أنه لا يجوز؛ لأنه بعد ما سقط العلو فالثابت لصاحب العلو حق التعلي، والتعلي ليس بمال؛ لأنه متعلق بهواء الساحة وأنه ليس بمال ومحل البيع ما هو مال، فالبيع لم يصادف بحاله، وهذا بخلاف الشرب حيث يجوز بيعه تبعاً للأرض بالإجماع ومقصوداً في الرواية وهو قول بعض مشايخ بلخ؛ لأن الشرب عين مال؛ لأنه عبارة عن نصيب من الماء، ولهذا قال بعض مشايخنا: من أتلف على إنسان شرباً ضمن، وإليه مال شيخ الإسلام فخر الإسلام علي البزودي ﵀، وإنما لا يجوز بيعه مقصوداً في رواية وهو اختيار مشايخنا ﵏ لمكان الجهالة حتى لو سقط اعتبار الجهالة بأن يبيع الشرب مع الأرض حتى دخل الشرب في العقد تبعاً يجوز بيعه بخلاف حق التعلي؛ لأنه ليس بمال على ما ذكرنا.
قال محمد ﵀ في «الجامع (١٤١أ٣) الصغير» أيضاً: بيع الطريق وهبته جائز وبيع مسيل الماء وهبته باطل، فإن كان أراد بالطريق ومسيل الماء رقبة الطريق ورقبة مسيل الماء، فإنما وقع الفرق بين الطريق والمسيل؛ لأن الطريق معلوم الطول والعرض غالباً أو إن لم يكن كذلك يمكن إعلامه ببيان طوله وعرضه، فكان المبيع معلوماً غالباً، فأما مسيل الماء لا يكون معلوماً غالباً، ولا يمكن إعلامه غالباً أيضاً؛ لأن مقدار ما يشغل الماء من الأرض أو من النهر مختلف غالباً، فكان المبيع مجهولاً غالباً، وإن كان
стр. 2943
أراد بالطريق ومسيل الماء حق المرور وحق تسييل الماء فما ذكر من الجواب في تسييل الماء أنه لا يجوز البيع باتفاق الروايات إلى ما ذكر من المرور وأنه لايجوز البيع رواية «الجامع الصغير» ورواية كتاب القسمة وبه أخذ عامة المشايخ.
وذكر في «الزيادات» أن بيع حق المرور لا يجوز وبه أخذ الكرخي، وإنما وضع الفرق بين حق المرور وبين تسييل الماء في رواية من حيث جهالة المعقود عليه وتسييل الماء دون حق المرور.
وإنما وقع الفرق بين حق التعلي وبين حق المرور في رواية جواز بيع حق المرور؛ لأن حق المرور يتعلق برقبة الأرض، والأرض مال وله قرار، فكان لهذا الحق حكم المال بطريق التبعية، فأماحق التعلي متعلق بهواء الساحة، وإنه ليس بمال حتى يعطى له حكم المالية بطريق التبعية، فلهذا لم يجز بيعه.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب القسمة: أن بيع رقبة الطريق على أن يكون للبائع فيه حق المرور جائز بخلاف بيع حق المرور بانفراده في رواية بيع السفل على أن يكون لصاحب الدار حق قرار العلو جائز، وإذا باع علو منزل في داره دون السفل، فالبيع جائز، فإن بيع حق المرور مستحق واستحق بناء العلو دون الساحة ثم أجاز البيع جاز فقد أجاز المستحق البيع مطلقاً من غير فصل بينما إذا قضى القاضي للمستحق بالعلو أو لم يقض وهذا جواب ظاهر الرواية، فإن على ظاهر الرواية يقضي القاضي المستحق، ولا يبطل البيع من البائع والمشتري فالإجازة لاقت عقداً قائماً فيعمل، وفي المسألة روايات مختلفة سيأتي بيانها في موضع إن شاء الله.
ثم إذا أجاز إجازة المستحق كان الثمن كله للمستحق ولا يكون للبائع شيء من الثمن؛ لأنه لما استحق العلو تبين أن الثابت للبائع حق التعلي، وحق التعلي ليس بمال فلا يقابله شيء من الثمن.h
وذكر في كتاب الشرب وجعل للشرب حصة من الثمن حتى قال: لو شهد شاهدان بشراء أرض بألف درهم، وذكر أحدهما شرب الأرض ولم يذكر الآخر شربها، فإنه لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الذي ذكر الشرب جعل بعض الثمن بمقابلته.
والفرق: أن الشرب عين مال على ما مر، فجاز أن يكون بمقابلته شيء من الثمن عند دخوله في البيع بخلاف حق التعلي، فإنه ليس بمال فلا يقابله شيء من الثمن، وفي كتاب القسمة جعل للمرور قسطاً حتى إن من باع داره مع ممره واستحق الدار دون الممر يقسم الثمن على الدار دون الممر.
وكذلك قال: في رجلين باعا طريقاً لأحدهما حق المرور وللآخر رقبة الطريق كان الثمن بينهما، قال الكرخي: تأويل المسألة الأولى أن يكون نفس عرضة الطريق لهما، وتأويل المسألة الثانية أن يكون عرضة الطريق بينهما ولأحدهما إما مجرد حق الاستطراق لا يقابله شيء من الثمن وغيره من المشايخ أجروا على الظاهر، وفرقوا بين حق الاستطراق وبين حق التعلي، والفرق ما بينا أن حق المرور أعطي له حكم المالية بطريق
стр. 2944
التبعية فجاز أن يكون بمقابلة شيء من الثمن بخلاف حق التعلي على ما ذكرنا.
وفي «المنتقى» : رجل اشترى قصيلاً من رجل على أن يفصله فتركه في الأرض بغير إذن رب الأرض أو بإذنه حتى سنبل واستحصد، فإن أبا حنيفة قال: هو للبائع كله؛ لأنه تحول عن حاله قبل القبض من قبل أن الفصيل يفصل ثم ينبت ويحصد، قال: وليس الرطبة والقصب هكذا قال: لو زاد ولم يسبل كان للمشتري مثل الرطبة ويتصدق بالفضل إن كان ترك بغير إذن، وقال أبو يوسف: في الأول أيضاً هو للمشتري.
وروى أبو سليمان عن أبي يوسف: إذا اشترى من آخر حنطة ندوية مجازفة وقد رأها ولم يقبضها حتى حفت فلا خيار له. ولو اشترى رطباً مجازفة وقد رأها فلم يقبضها حتى صار تمراً فله الخيار.
المعلى عن أبي يوسف: إذا قال لغيره أبيعك من هذا الطعام قفيزاً بدرهم فاشترى له ذلك منه ولم يقبضه حتى أصابه ماء وزاد وقال: إن كان عنده طعام من ذلك الضرب، فإنه يعطيه قفيزاً منه، وإن لم يكن فالمشتري بالخيار إن شاء قبض منه قفيراً من هذا الطعام، وإن شاء ترك.
وروى بشر عن أبي يوسف: اشترى جارية وشرط البائع أنها خبازة أو مشاطة وقبضها على ذلك ثم هلكت عنده ثم أقر البائع أنها لم تكن خبازة ولا مشاطة قال أبو حنيفة: لا يرجع على البائع بشيء؛ لأن ذلك ليس بعيب وإن كانت قائمة فوجدها من جنس دونه بأن شرط البائع له أنها حبشية مثلاً فإذا هي هندية، فإنه يردها إن كانت قائمة، وإن كانت هالكة لا يرجع بشيء، وكذلك قال أبو يوسف: قال: لأني لا أدري كيف أخذه من الجنسين ولا يعلم فضل ما بين الحبشتين لو شرط ... فوجده ... فليس في الأرض أحد يعلم فضل ما بين هذين وقد يكون من هذا الجنس ما هو خير من ذلك الأخير، قال: وأما الخبازة، فإنما يقوم عينها خبازة وغير خبازة، أشار أبو يوسف إلى أنه موافق لأبي حنيفة ﵀ فيما إذا وجدها من جنس دونها إن كانت قائمة يردها، وإن كانت هالكة لا يرجع بشيء مخالف له فيما إذا شرط أنها خبازة، فإذا هي غير خبازة، وقد باتت في يد المشتري.
وعن أبي يوسف في مسألة الخبازة مثل قول أبي حنيفة ذكر المسألة بعد هذا قال: وكذلك كل ما يوزن من الآنية والذرعية وفي نسخة والأوعية ما لاينقص فإما ما ينقص من الكيل أو الوزن، فإنه يرجع بنقصانه في قولهم جميعاً.
وفي «القدوري» : لو اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض فالبيع على حاله في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وذكر محمد في «الأصل» أن البيع باطل؛ لأن الخمر ليس بمحل للبيع، ولهذا لو اشترى خمراً لا يملكه بحال، كما لو اشترى ميتة فصار التخمر قبل القبض بمنزلة هلاك المبيع قبل القبض يوجب بطلان العقد، قال أبو الحسن: يعني قول
стр. 2945
محمد أن البيع باطل إن للمشتري أن يبطله (١٤١ب٣) واستدل على هذا التأويل بما إذا صارت خلاً قبل الفسخ أن يكون له أنه يأخذه ولو بطل العقد لم يكن له حق الأخذ، ومعنى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن العقد على حاله أنه لم يبطل بعد إما مفسد بلا شك.
ووجه هذا: أن صحة العقد كان باعتبار المالية والتقوم، وبالتخمر إن سقطت القيمة لم تبطل المالية حتى لو اشترى شيئاً ملك ولو زالت القيمة والمالية جميعاً انفسخ العقد.
كما لو مات المبيع قبل القبض ولو بقيا جميعاً بقي العقد جائزاً، فإذا زال أحدهما وبقي الآخر ارتفع الجواز ولم يرتفع أصل العقد، إلا أن هذا الفساد إنما يكون بعارض على شرف الزوال، فإذا زال صار كأن لم يكن وهو معنى تأويل أبي الحسن ﵀ لقول محمد ﵀.
وفي «المنتقى» قال أبو حنيفة: إذا اشترى عصيراً فصار خمراً قبل أن يقبض المشتري، فلم يختصما حتى صار خلاً، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بقيمتها وإن شاء ترك، وقال أبو يوسف: بطل البيع.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجلان بينهما دار فباع أحدهما نصف بيت منها شائعاً والبيت معلوم، فإن أبا حنيفة قال: لا يجوز البيع؛ لأن فيه ضراً على الشريك في تقطيعه نصيبه عليه عند القسم، قال: أرأيت لو باع نصف كل بيت من الدار لم يتقطع نصيب شريكه قال: وكذلك الأرض.
ولو كان بين رجلين عشر من الغنم وعشرة أثواب مروية مما يقسم باع أحدهما نصف ثوب بعينه من رجل، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: هذا جائز، وكذلك الغنم ولا يشبه هذا الدار الواحدة، وقال أبو يوسف: ينبغي أن يكون هذا والدار سواء في قوله، ألا ترى أنه لو باع نصف كل شاة منها من رجل على هذه لم يستطع شريكه أن يجمع له نصيبه فيها، فقد دخل عليه ضرر ويتقطع نصيبه، فكيف يختلفان.
ولو أن رجلين بينهما أرض ونخل باع أحدهما نصف نخل بعينه بأصله من رجل لم يجز في قول أبي حنيفة، وهذا كالبيت الذي وصفنا، ولو باع أحدهما نصف الأرض واشترى نصف النخيل بأصله، فإن هذا مثل ذلك في قياس قول أبي حنيفة، وكذلك لو باعه نصف الدار شائعاً أن بيتاً منها معلوماً لم يدخل في البيع، وقال أبو يوسف: أنا أرى كل هذا جائزاً لا أنقض بيعاً من أجل قسمة لا يدري أتكون أو لا تكون، ولا يدري لعلها إذا كانت لا تدخل في القسمة ضرر من قبل هذا البيع.
قال محمد ﵀: إذا اشترى الرجل من غيره كراً من طعام مكايلة بمئة درهم فاكتاله من البائع لنفسه، ثم إنه ولى رجلاً بالثمن الأول لم يكن للمشتري أن يقبضه إلا بكيل مستقبل، وإن كان المشتري الأول الذي باع من هذا الثاني اكتاله لنفسه بمحضر من المشتري الثاني؛ لأن الشراء الثاني حصل بشرط الكيل، ولم ينص فيه على الكيل باعتبار أن البيع الثاني بيع تولية، والتولية بعد العقد الأول وإقامة الثاني فيه مقام نفسه، وقد كان
следующие страницы →