← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

مضطرون إلى ماله والحال حالة المخمصة وحكم الشرع في المضطر إلى مال الغير حالة المخمصة هذا قال: والتلقي إذا كان يضر بأهل البلد فهو مكروه، وإن كان لا يضر فلا يكره. وصورة التلقي: أن يخرج من البلدة إلى القافلة التي جاءت بالطعام يريدون البلدة واشتراها خارج البلدة وهو يريد حبسها ويمتنع عن بيعها ولم يترك حتى تدخل القافلة في البلدة، فإن كان يضر بأهل البلدة فهو مكروه إذا كان في وقت الحاجة لأهل البلدة إليها، وإن كان لا يضر بأهل البلدة فلا يكره إذا كان لا يلبس على أهل القافلة سعر أهل البلدة، ولا يغرهم بأن أخبر أن قيمة الطعام في البلدة كذا وهو صادق في ذلك، فأما إذا لبس عليهم سعر أهل البلدة فهو مكروه لحق أهل القافلة والله أعلم. الفصل السادس والعشرون: في المتفرقات دار بين اثنين باع أحدهما نصفه يجوز وينصرف إلى نصيبه هذا هو جواب «الكتاب» ، وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ إن عين النصف وقال: بعتك هذا النصف لا يجوز، وإن لم يعين النصف إنما باعه نصف الدار مطلقاً يجوز. وسئل شمس الإسلام الأوزجندي عن رجل مات وترك ثلاث بنين وبنتين، فباع أحد البنين نصيبه من ابن آخر قبل القسمة من ضياع بعينه قال: إن كان نصيب الابن البائع معلوماً للمشتري جاز. وفي «شرح الطحاوي» : أحد الورثة إذا باع شيئاً من التركة ينظر إن باع نصيبه من كل شيء والمشتري يعلم نصيبه يجوز، وإن باع شيئاً معيناً لا يجوز؛ لأنه يحتمل أن لا يقع هذا في نصيبه، ومعنى قوله لا يجوز، لا يجوز البيع في كل ذلك الشيء أما في نصيبه يجوز. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل ادعى عيناً في يد رجل فأقام على ذلك شاهدين أو شاهداً واحداً فقبل الحاكم باع المدعى عليه العين من رجل أو وهبه له قال: لا يجوز بيعه ولاهبته، وقال الحكم أبو الفضل في «المنتقى» : هذا الجواب خلاف جواب «الأصل» يريد به فيما إذا أقام شاهداً واحداً، فقد ذكر محمد ﵀ فقبل الحكم باع المدعى عليه أتى في «الجامع» في هذه الصورة أن البيع جائز، وفرق بين الشاهد الواحد والشاهدين. وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل قال لآخر: إن لك في يدي أرض ضربة لا تساوي شيئاً فقال فبعها مني بكذا، فقال: بعتها ولم يوفها البائع وهي تساوي أكثر من ذلك، فالبيع جائز؛ لأنه قال في يدي صار كأنه قال أرض كذا، فإذا أجابه فكأنه قال: بعتك أرض كذا.

стр. 2942

وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة ﵀: إذا قال الرجل لغيره أبيعك هذه الدار تلجئة بألف درهم، إن البيع جائز، ولو قال لأمراة: أتزوجك متعة فالنكاح باطل، وقال أبو يوسف: البيع والترويج جميعاً باطل. وفي «الإملاء:» إذا قال البائع: هذا لك بألف هذا لك بألفين، فقال المشتري: قبلت البيع الأول لم يجز؛ لأن البائع رجع عن البيع الأول فانتقض، ولو قال: قبلت البيعيتن بثلاثة ألاف فهو مثل قوله قبلت البيع الثاني بثلاثة آلاف فيكون البيع بألفين والألف الآخر في زيادة إن شاء قبلها وإن شاء لم يقبلها. وعن محمد ﵀: أنه كان لا يرى بأساً أن يبيع الرجل من الرجل من طين هذه الأرض عمقها للحفرة. وفي «الأصل:» إذا باع المشتري غنماً بشرط أن يرد المشتري منها شاة، فالعقد فاسدٌ؛ لأن المردود مجهول، وإنه يوجب جهالة الباقي، وإذا باع أجود الغنم أو أردأها، فقد اختلف المشايخ في هذا الموضع أيضاً. وفي «المنتقى» : إذا باع من آخر ثوباً بعشرة دراهم على أن يعطيه المشتري كل يوم درهماً وكل يومين درهمين، فإنه يعطيه في اليوم الأول درهماً، وفي اليوم الثاني ثلاثة دراهم، وفي اليوم الرابع ثلاثة دراهم، وفي الخامس درهماً، وفي السادس درهماً. وإذا باع الأرض لشربها ولم يقيم الشرب كم هو ولا يعلمان به فهو جائز. وذكر في «الجامع الصغير» : علو لرجل وسفل لآخر فسقطا جميعاً ثم باع صاحب العلو موضع العلو لا يجوز، ولم يذكر ما إذا سقط العلو والسفل قائم على حاله فباع صاحب العلو هل يجوز؟ والجواب أنه لا يجوز؛ لأنه بعد ما سقط العلو فالثابت لصاحب العلو حق التعلي، والتعلي ليس بمال؛ لأنه متعلق بهواء الساحة وأنه ليس بمال ومحل البيع ما هو مال، فالبيع لم يصادف بحاله، وهذا بخلاف الشرب حيث يجوز بيعه تبعاً للأرض بالإجماع ومقصوداً في الرواية وهو قول بعض مشايخ بلخ؛ لأن الشرب عين مال؛ لأنه عبارة عن نصيب من الماء، ولهذا قال بعض مشايخنا: من أتلف على إنسان شرباً ضمن، وإليه مال شيخ الإسلام فخر الإسلام علي البزودي ﵀، وإنما لا يجوز بيعه مقصوداً في رواية وهو اختيار مشايخنا ﵏ لمكان الجهالة حتى لو سقط اعتبار الجهالة بأن يبيع الشرب مع الأرض حتى دخل الشرب في العقد تبعاً يجوز بيعه بخلاف حق التعلي؛ لأنه ليس بمال على ما ذكرنا. قال محمد ﵀ في «الجامع (١٤١أ٣) الصغير» أيضاً: بيع الطريق وهبته جائز وبيع مسيل الماء وهبته باطل، فإن كان أراد بالطريق ومسيل الماء رقبة الطريق ورقبة مسيل الماء، فإنما وقع الفرق بين الطريق والمسيل؛ لأن الطريق معلوم الطول والعرض غالباً أو إن لم يكن كذلك يمكن إعلامه ببيان طوله وعرضه، فكان المبيع معلوماً غالباً، فأما مسيل الماء لا يكون معلوماً غالباً، ولا يمكن إعلامه غالباً أيضاً؛ لأن مقدار ما يشغل الماء من الأرض أو من النهر مختلف غالباً، فكان المبيع مجهولاً غالباً، وإن كان

стр. 2943

أراد بالطريق ومسيل الماء حق المرور وحق تسييل الماء فما ذكر من الجواب في تسييل الماء أنه لا يجوز البيع باتفاق الروايات إلى ما ذكر من المرور وأنه لايجوز البيع رواية «الجامع الصغير» ورواية كتاب القسمة وبه أخذ عامة المشايخ. وذكر في «الزيادات» أن بيع حق المرور لا يجوز وبه أخذ الكرخي، وإنما وضع الفرق بين حق المرور وبين تسييل الماء في رواية من حيث جهالة المعقود عليه وتسييل الماء دون حق المرور. وإنما وقع الفرق بين حق التعلي وبين حق المرور في رواية جواز بيع حق المرور؛ لأن حق المرور يتعلق برقبة الأرض، والأرض مال وله قرار، فكان لهذا الحق حكم المال بطريق التبعية، فأماحق التعلي متعلق بهواء الساحة، وإنه ليس بمال حتى يعطى له حكم المالية بطريق التبعية، فلهذا لم يجز بيعه. وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب القسمة: أن بيع رقبة الطريق على أن يكون للبائع فيه حق المرور جائز بخلاف بيع حق المرور بانفراده في رواية بيع السفل على أن يكون لصاحب الدار حق قرار العلو جائز، وإذا باع علو منزل في داره دون السفل، فالبيع جائز، فإن بيع حق المرور مستحق واستحق بناء العلو دون الساحة ثم أجاز البيع جاز فقد أجاز المستحق البيع مطلقاً من غير فصل بينما إذا قضى القاضي للمستحق بالعلو أو لم يقض وهذا جواب ظاهر الرواية، فإن على ظاهر الرواية يقضي القاضي المستحق، ولا يبطل البيع من البائع والمشتري فالإجازة لاقت عقداً قائماً فيعمل، وفي المسألة روايات مختلفة سيأتي بيانها في موضع إن شاء الله. ثم إذا أجاز إجازة المستحق كان الثمن كله للمستحق ولا يكون للبائع شيء من الثمن؛ لأنه لما استحق العلو تبين أن الثابت للبائع حق التعلي، وحق التعلي ليس بمال فلا يقابله شيء من الثمن.h وذكر في كتاب الشرب وجعل للشرب حصة من الثمن حتى قال: لو شهد شاهدان بشراء أرض بألف درهم، وذكر أحدهما شرب الأرض ولم يذكر الآخر شربها، فإنه لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الذي ذكر الشرب جعل بعض الثمن بمقابلته. والفرق: أن الشرب عين مال على ما مر، فجاز أن يكون بمقابلته شيء من الثمن عند دخوله في البيع بخلاف حق التعلي، فإنه ليس بمال فلا يقابله شيء من الثمن، وفي كتاب القسمة جعل للمرور قسطاً حتى إن من باع داره مع ممره واستحق الدار دون الممر يقسم الثمن على الدار دون الممر. وكذلك قال: في رجلين باعا طريقاً لأحدهما حق المرور وللآخر رقبة الطريق كان الثمن بينهما، قال الكرخي: تأويل المسألة الأولى أن يكون نفس عرضة الطريق لهما، وتأويل المسألة الثانية أن يكون عرضة الطريق بينهما ولأحدهما إما مجرد حق الاستطراق لا يقابله شيء من الثمن وغيره من المشايخ أجروا على الظاهر، وفرقوا بين حق الاستطراق وبين حق التعلي، والفرق ما بينا أن حق المرور أعطي له حكم المالية بطريق

стр. 2944

التبعية فجاز أن يكون بمقابلة شيء من الثمن بخلاف حق التعلي على ما ذكرنا. وفي «المنتقى» : رجل اشترى قصيلاً من رجل على أن يفصله فتركه في الأرض بغير إذن رب الأرض أو بإذنه حتى سنبل واستحصد، فإن أبا حنيفة قال: هو للبائع كله؛ لأنه تحول عن حاله قبل القبض من قبل أن الفصيل يفصل ثم ينبت ويحصد، قال: وليس الرطبة والقصب هكذا قال: لو زاد ولم يسبل كان للمشتري مثل الرطبة ويتصدق بالفضل إن كان ترك بغير إذن، وقال أبو يوسف: في الأول أيضاً هو للمشتري. وروى أبو سليمان عن أبي يوسف: إذا اشترى من آخر حنطة ندوية مجازفة وقد رأها ولم يقبضها حتى حفت فلا خيار له. ولو اشترى رطباً مجازفة وقد رأها فلم يقبضها حتى صار تمراً فله الخيار. المعلى عن أبي يوسف: إذا قال لغيره أبيعك من هذا الطعام قفيزاً بدرهم فاشترى له ذلك منه ولم يقبضه حتى أصابه ماء وزاد وقال: إن كان عنده طعام من ذلك الضرب، فإنه يعطيه قفيزاً منه، وإن لم يكن فالمشتري بالخيار إن شاء قبض منه قفيراً من هذا الطعام، وإن شاء ترك. وروى بشر عن أبي يوسف: اشترى جارية وشرط البائع أنها خبازة أو مشاطة وقبضها على ذلك ثم هلكت عنده ثم أقر البائع أنها لم تكن خبازة ولا مشاطة قال أبو حنيفة: لا يرجع على البائع بشيء؛ لأن ذلك ليس بعيب وإن كانت قائمة فوجدها من جنس دونه بأن شرط البائع له أنها حبشية مثلاً فإذا هي هندية، فإنه يردها إن كانت قائمة، وإن كانت هالكة لا يرجع بشيء، وكذلك قال أبو يوسف: قال: لأني لا أدري كيف أخذه من الجنسين ولا يعلم فضل ما بين الحبشتين لو شرط ... فوجده ... فليس في الأرض أحد يعلم فضل ما بين هذين وقد يكون من هذا الجنس ما هو خير من ذلك الأخير، قال: وأما الخبازة، فإنما يقوم عينها خبازة وغير خبازة، أشار أبو يوسف إلى أنه موافق لأبي حنيفة ﵀ فيما إذا وجدها من جنس دونها إن كانت قائمة يردها، وإن كانت هالكة لا يرجع بشيء مخالف له فيما إذا شرط أنها خبازة، فإذا هي غير خبازة، وقد باتت في يد المشتري. وعن أبي يوسف في مسألة الخبازة مثل قول أبي حنيفة ذكر المسألة بعد هذا قال: وكذلك كل ما يوزن من الآنية والذرعية وفي نسخة والأوعية ما لاينقص فإما ما ينقص من الكيل أو الوزن، فإنه يرجع بنقصانه في قولهم جميعاً. وفي «القدوري» : لو اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض فالبيع على حاله في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وذكر محمد في «الأصل» أن البيع باطل؛ لأن الخمر ليس بمحل للبيع، ولهذا لو اشترى خمراً لا يملكه بحال، كما لو اشترى ميتة فصار التخمر قبل القبض بمنزلة هلاك المبيع قبل القبض يوجب بطلان العقد، قال أبو الحسن: يعني قول

стр. 2945

محمد أن البيع باطل إن للمشتري أن يبطله (١٤١ب٣) واستدل على هذا التأويل بما إذا صارت خلاً قبل الفسخ أن يكون له أنه يأخذه ولو بطل العقد لم يكن له حق الأخذ، ومعنى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن العقد على حاله أنه لم يبطل بعد إما مفسد بلا شك. ووجه هذا: أن صحة العقد كان باعتبار المالية والتقوم، وبالتخمر إن سقطت القيمة لم تبطل المالية حتى لو اشترى شيئاً ملك ولو زالت القيمة والمالية جميعاً انفسخ العقد. كما لو مات المبيع قبل القبض ولو بقيا جميعاً بقي العقد جائزاً، فإذا زال أحدهما وبقي الآخر ارتفع الجواز ولم يرتفع أصل العقد، إلا أن هذا الفساد إنما يكون بعارض على شرف الزوال، فإذا زال صار كأن لم يكن وهو معنى تأويل أبي الحسن ﵀ لقول محمد ﵀. وفي «المنتقى» قال أبو حنيفة: إذا اشترى عصيراً فصار خمراً قبل أن يقبض المشتري، فلم يختصما حتى صار خلاً، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بقيمتها وإن شاء ترك، وقال أبو يوسف: بطل البيع. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجلان بينهما دار فباع أحدهما نصف بيت منها شائعاً والبيت معلوم، فإن أبا حنيفة قال: لا يجوز البيع؛ لأن فيه ضراً على الشريك في تقطيعه نصيبه عليه عند القسم، قال: أرأيت لو باع نصف كل بيت من الدار لم يتقطع نصيب شريكه قال: وكذلك الأرض. ولو كان بين رجلين عشر من الغنم وعشرة أثواب مروية مما يقسم باع أحدهما نصف ثوب بعينه من رجل، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: هذا جائز، وكذلك الغنم ولا يشبه هذا الدار الواحدة، وقال أبو يوسف: ينبغي أن يكون هذا والدار سواء في قوله، ألا ترى أنه لو باع نصف كل شاة منها من رجل على هذه لم يستطع شريكه أن يجمع له نصيبه فيها، فقد دخل عليه ضرر ويتقطع نصيبه، فكيف يختلفان. ولو أن رجلين بينهما أرض ونخل باع أحدهما نصف نخل بعينه بأصله من رجل لم يجز في قول أبي حنيفة، وهذا كالبيت الذي وصفنا، ولو باع أحدهما نصف الأرض واشترى نصف النخيل بأصله، فإن هذا مثل ذلك في قياس قول أبي حنيفة، وكذلك لو باعه نصف الدار شائعاً أن بيتاً منها معلوماً لم يدخل في البيع، وقال أبو يوسف: أنا أرى كل هذا جائزاً لا أنقض بيعاً من أجل قسمة لا يدري أتكون أو لا تكون، ولا يدري لعلها إذا كانت لا تدخل في القسمة ضرر من قبل هذا البيع. قال محمد ﵀: إذا اشترى الرجل من غيره كراً من طعام مكايلة بمئة درهم فاكتاله من البائع لنفسه، ثم إنه ولى رجلاً بالثمن الأول لم يكن للمشتري أن يقبضه إلا بكيل مستقبل، وإن كان المشتري الأول الذي باع من هذا الثاني اكتاله لنفسه بمحضر من المشتري الثاني؛ لأن الشراء الثاني حصل بشرط الكيل، ولم ينص فيه على الكيل باعتبار أن البيع الثاني بيع تولية، والتولية بعد العقد الأول وإقامة الثاني فيه مقام نفسه، وقد كان

стр. 2946

البيع الأول بشرط الكيل فيكون الكيل مشروطاً في الثاني ضرورة، وإن لم يكن مشروطاً نصاً فلا يكتفي بكيل بائعه وهو المشتري الأول لما مر في أصل الباب، فإن اكتاله المشتري الثاني فوجده يزيد قفيزاً رد الزيادة على المشتري الأول، سواء كانت زيادة تجري بين الكيلين أو زيادة لا تجري بين الكيلين، لأنه زائد على المعقود عليه، فإذا ردها المشتري الثاني على الأول ينظر إن كانت الزيادة مما يدخل بين الكيلين كانت الزيادة للمشتري الأول ولا يردها على بائعه، وإن كانت الزيادة مما لا يدخل بين الكيلين ردها المشتري على بائعه؛ وهذا لأن الزيادة إذا كانت تدخل بين الكيلين لا يمكن التحزر عنه وذلك عفو، وقال الله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ (الأنعام: ١٥٢) فهذا دليل على أن ما يدخل بين الكيلين من الزيادة والنقصان عفو، أما إذا كانت الزيادة لا تدخل بين الكيلين يمكن التحزر عنها ولا يجعل عفواً هذا من حيث النص. وأما من حيث المعقول هو أن الزيادة إنما ترد على البائع إذا ظهر خطأ الكيل الأول بيقين، وإذا كانت الزيادة تدخل بين الكيلين ظهر الخطأ في الكيل الأول لا بالاجتهاد فوجب الرد على البائع الأول، وإن وجده المشتري الثاني ناقصاً كان للمشتري الآخر أن يأخذ المشتري الأول بحصته إذا لم يسلم له شرطه فيرجع عليه سواء كان النقصان يدخل بين الكيلين أو لا، وهل يرجع المشتري الأول على بائعه؟ إن كان النقصان مما يدخل بين الكيلين لا إذا لم يظهر الخطأ في الكيل بيقين، وإن كان مما يدخل ثيت ذلك بالبينة أو بتصديق البائع يرجع إذا ظهر الخطأ في الكيل بيقين، لا باجتهاد فوجب الرجوع على البائع الأول بذلك. ثم إذا كانت الزيادة تدخل بين الكيلين فالزيادة تكون للمشتري الأول، وإن كان هو ولى الثاني جميع ما اشترى إلا أنه ولاه ما اشترى باسم الكر وقد سلم له ذلك، فكان الفضل رزقاً ساقه الله إليه. وكذلك لو كان البيع الثاني مرابحة بيع ما اشترى بمثل الثمن الأول إلا أنه زاد فيه ربحاً ولما كان كذلك كان في اقتضاء الكيل مثل التولية، ولو كان المشتري الأول باع من الطعام قفيزاً ودفعه إلى المشتري وقبض ثمنه، ثم إنه باع الباقي على أنه كر بمثل ما اشتراه تولية فاكتاله الثاني فوجده كراً تاماً فكذلك جائز ولا خيار له؛ لأنه سلم له جميع ما اشترى ولكن ثمن الكراً يقسم على إحدى وأربعين قفيزاً، فما أصاب القفيز سقط عن المشتري الثاني، وذلك جزء من إحدى وأربعين جزءاً من الثمن ولزمه الباقي؛ لأن التولية بيع ما اشتري بمثل ما قام عليه ولقد وصل إليه بمقابلة القفيز شيء فلو لم يحط عن المشتري بذلك القدر حصل بيع الباقي بزيادة على ما اشترى تولية، فصار ذلك جناية، وإنه يمكن التحرز عنه، فوجب حط قدر الجناية عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله من غير خيار، ومحمد يخير إن شاء أخذ الكيل بجميع الثمن، وإن شاء ترك. ولو كان العقد الثاني مرابحة والباقي بحاله، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد المشتري بالخيار إن شاء رده وإن شاء أمسكه بجميع ثمنه، وعلى قول أبي يوسف يحط قدر الجناية من الربح وهذه المسألة من مسائل «الأصل» .

стр. 2947

قال في «الجامع» أيضاً: إذا اشتري كراً على أنه أربعون قفيزاً فكاله (١٤٢أ٣) البائع فوجده أربعين قفيزاً وتقابضا فأصاب الطعام ماء من ماء المطر فزاد حتى صار خمسين قفيزاً وأفسد الماء الطعام جاز للمشتري أن يبيعه مرابحة من غير بيان، فإن ولاه رجلاً أو باعه مرابحة على أنه كر فوجده خمسين قفيزاً كان للمشتري منه أربعون قفيزاً، إذ المشروط له هذا القدر، وكان للمشتري خيار الرد بالعيب إن لم يعلم به وقت الشراء، وإن علم ليس له ذلك لرضاه بالعيب. وإن كان الطعام رطباً وباعها مرابحة على أنه كر فكالها المشتري، فإذا هو ينتقص من الكر، فالمشتري الآخر بالخيار إن شاء ترك بغير شرط عليه، وإن شاء أخذها بحصتها من الثمن، وإن اشترى كراً على أنه أربعون قفيزاً فكاله وقبضه فولاه رجلاً أو باعه مرابحة فلم يكله له حتى أصاب الطعام ماء فزاد عشرة، ثم كاله فوجده خمسين قفيزاً، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ، وإن شاء ترك لتغير المعقود عليه في ضمان البائع على ما مر، ومتى اختار الأخذ أخذ الأربعين قفيراً لما مر أن المشروط له هذا التقدير وسلم ما بقي من الطعام وهو عشرة أقفزة للبائع الثاني، ولو أن البائع الثاني كال الطعام للمشتري الثاني قبل أن يصيبه الماء فكان أربعون قفيزاً ثم أصابه الماء في يد بائعه، فصار خمسون قفيزاً وأفسده الماء، فللمشتري الثاني الخيار لتغير المعقود عليه في ضمان البائع، فإن اختار الأخذ أخذ الكل؛ لأن المبيع قد تعين بالكيل فكانت الزيادة الحاصلة زيادة في المبيع. ولو باعه قفيزاً من الكراء فأصابه الماء قبل أن يقبضه فللمشتري الخيار، إن شاء قبض من ذلك الكر، وإن شاء ترك، وإن كان قد كال القفيز وأفرزه لما ذكرنا أن الكيل في غير المعين قبل التسليم هدر، فكان له الخيار كما قبل، إلا أن يكون الماء أصاب المقرر دون غيره فيأخذ قفيزاً من اليابس ولا خيار لواحد منهما على ما مر قبل هذا. رجل اشترى كر حنطة بمئة درهم على أنه أربعون قفيزاً فكاله، فإذا هو أربعون قفيزاً فقبضه المشتري ثم تقايلا البيع ثم اكتاله البائع، فإذا هو يريد أن ينقص قفيزاً، فتصادقا أن ذلك من نقصان الكيل ومن زيادة مع الكيل، فالزيادة مع الأصل للبائع، والنقصان عليه حتى لا يحط بسببه شيء من الثمن. وكذلك لو أصابه الماء فازداد ورضي به البائع فذلك كله له، إلا أن يكون لم يعلم فله أن يرده بالعيب وتبطل الإقالة ويعود البيع الأول، وكذلك إن كان رطباً وقت البيع وهو كرّ تام ثم جف ونقص عند المشتري ثم تقايلا فاكتاله فانتقص وعلم أنه من الجفاف أو تصادقا عليه فذلك كله للبائع ولا يحط شيء من الثمن. فرق بين هذا وبين التولية والمرابحة، فإن هنالك جعل للمشتري الثاني ما يتيقن بالكيل ولم يجعل الزيادة والنقصان عليه، ومنها جعل الزيادة والنقصان بعد الإقالة على البائع. والفرق بينهما سواء هو أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين وإعادة إلى قديم الملك، وإنما يجب مراعاة الكيل في المبادلات وفيما يملكه الإنسان بالشراء ابتداء لا فيما يعود إلى قديم ملكه، ألا ترى أنه لو فسخ العقد بخيار الشرط أو بخيار العيب بقضاء أو بغير قضاء لا يعتبر فيه كيل مبتدأ، أما التولية والمرابحة فذلك بيع مبتدأ فيعتبر فيه الكيل

стр. 2948

إذا حصل بشرط الكيل، وقد حصل شرط الكيل فكذا ما جعل بناء عليه. قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضاً: رجل اشترى من رجل حنطة بعينها على أنه اشتراها بدرهم، فلم يقبضه المشتري حتى أصابه ماء فابتل، فكاله المشتري، فإذا هو قفيز وربع قفيز كان للمشتري الخيار، إن شاء أخذ قفيراً بعينها بدرهم، وإن شاء ترك وإنما أثبتنا له الخيار بعيب المعقود عليه في ضمان البائع، وإنما اقتصر ملكه على القفير؛ لأن العقد إنما انعقد باسم القفيز يدخل تحت العقد ما يظهر بالقفيز لا ما وقعت الإشارة إليها؛ لأن ذلك من حكم بيع المجازفة وهذا بيع مكايلة. ألا ترى أنه لو كاله قبل إصابة الماء فوجده أزيد رد الزيادة على البائع، ولو وجده أنقص سقط حصة النقصان من الثمن، ولما كان هكذا فقبل الكيل لم يظهر قدر البيع فالزيادة الحاصلة بالماء لم تكن زيادة في المبيع فلم يسلم للمشتري، وإن كان اكتال الطعام قبل أن يصيبه الماء بمحضر من المشتري فكان قفيزاً إلا أنه لم يدفعه إلى المشتري ثم أصابه الماء فصار قفيزاً وبيع قفيز كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ كله بدرهم وإن شاء تركه، أما الخيار فلما مر، وأما سلامة الكل له؛ لأن المعقود عليه ظهر قدره بالتقدير وهو الكيل والزيادة الحاصلة في المبيع فيسلم للمشتري. وصار كالنخيل إذا أثمرت بعد البيع قبل القبض، وإنما شرط أن يكون الكيل بحضرة المشتري؛ لأن المعقود عليه لما كان يظهر قدره بالكيل صار للكيل شبهة بابتداء العقد فشرط أن يكون بحضرة المشتري لهذا، ولو كانت الحنطة رطباً في الابتداء فيبس حتى نقص، فإن كان بعد الكيل لم يأخذه المشتري بجميع الثمن؛ لأن المعقود عليه قد تعين بالكيل، وبالجفاف إنما يفوت وصف الرطوبة وفوات الوصف لا يوجب سقوط شيء من الثمن، فإن كان نقص قبل الكيل لا يأخذه إلا بحصته من الثمن؛ لأن المعقود عليه إنما يتعين بالكيل، فإذا كان النقصان قبل الكيل، فإنما يتعين ثلاثة أرباع قفيز فيأخذه بثلاثة أرباع الدرهم ويكون المشتري بالخيار كما لو اشترى شيئين فهلك أحدهما قبل القبض. ألا ترى أنه لو اشترى هذا الطعام على أنه قفيز بدرهم فكاله فوجده يزيد أو ينقص مقدار ما يجري بين الكيلين، فإن كان زائداً أخذ المشتري قفيزاً منه بدرهم، وإن كان ناقصاً أخذه بحصته من الثمن، ولو كاله البائع للمشتري بمحضر منه فكان قفيزاً فلم يأخذ المشتري حتى أعيد عليه الكيل، فإذا هو يزيد أو ينقص قدر ما يكون بين الكيلين لزمه بجميع الثمن؛ لأن المعقود عليه قد تعين بالكيل الأول ولم يظهر خطأ الكيال للأول حتى لو كانت الزيادة والنقصان قدر ما لا يجري بين الكيلين إن كان زائداً رد الزيادة، وإن كان ناقصاً أخذه بحصته من الثمن في الحالين جميعاً إذا ظهر به خطأ الكيال الأول. وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: في عبدين لرجلين لكل واحد منهما عبد على حدة وأحدهما أكثر قيمة من الآخر ولا يعرف عبد كل واحد منهما من عبد صاحبه فباعهما أحدهما، فالثمن بينهما نصفان. وكذلك (١٤٢ب٣) قال في ثوب رجل وقع في ثياب رجل ولم يعرف بعينه، فإني

стр. 2949

أبيعها وأقسم الثمن على عدد الثياب، ولو أوصى رجل لرجل بشاة ولآخر بصوفها فباعا جميعاً، فإن الثمن لصاحب الشاة وليس لصاحب الصوف شيء؛ لأن الصوف لا يباع على ظهر الشاة ولو جعلت له نصيباً من الثمن أفسدت البيع وكذلك الشاة وما في بطنها. وروى بشر عن أبي يوسف ﵀ في «الإملاء» : امرأة قالت لزوجها: خلعتني بالألف التي لي عليك، وقال الزوج: لا ولكني بعتك بالألف التي لك علي هذا العبد في يديك، وقالت هي: لم أشتره منك، فأقامت هي بينة على الخلع وأقام الزوج بينة على بيع العبد أجزت البيع والخلع وضمنت المرأة ألفاً للزوج. وفي «نوادر هشام» عن محمد: رجل اشترى من رجل سمكة طرية وجحد البائع البيع فأقام المشتري بينة عليه، فالقاضي يأمر المشتري بقبض السمكة ودفع الثمن إلى البائع يريد به ما دام القاضي في المسألة عن الشهود ثم يقبض القاضي السمكة من المشتري والثمن من البائع ويبيع السمكة، ويضع الثمن الثاني والأول على يدي عدل، فإن عدلت البينة ودفع الثمن الثاني إلى المشتري الأول والثمن الأول، وإن ضاع الثمن من مال المشتري يعني المشتري الأول، وإن لم تعدل البينة ضمن المشتري يعني المشتري الأول قيمة السمكة للبائع. قال هشام: وسألته عن رجل ادعى على رجل أنه باع جاريته هذه منه بألف درهم وجحد المشتري أن يكون اشتراها فحلفه القاضي فحلف، هل يفسخ القاضي الشراء بينهما؟ قال: لا، قلت: إن كان المدعى قبله قال بعد ذلك: هي حرة لوجه الله تعالى هل يكون هذا إقرار منه بالشراء ويلزمه قيمة الجارية؟ قال: لا، قلت: وإن قال المدعى قبله للمدعي إن كنت اشتريتها منك فهي حرة، قال: عتقت الجارية ولم يلزم المدعى قبله قيمتها؛ لأنها إنما عتقت بقول البائع إني بعتها منك. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل قال لآخر: بعتك ثوباً بعشرة دراهم وقبضتَه ولم أقبض الثمن، وقال الآخر: أخذته منك رهناً بعشرة والثوب هالك قال: يضمن المرتهن الأقل من قيمته ومن عشرة. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل قال لآخر: بعتك عبدي هذا أمس بألف درهم فلم يقبل، وقال المشتري: قبلت فالقول قول المشتري قد اشتريت منك عبدك هذا أمس فلم يقبل، وقال البائع: قبلت فالقول قول البائع؛ لأن لفظة البيع تنتظم فعلهما جميعاً. وإن قال لأمراته: طلقتك أمس بألف درهم فلم تقبلي، فالقول قول الزوج والعتق على مال نظير الطلاق، والإجارة والنكاح نظير البيع. وأما الكفالة بالمال فينبغي في قياس قول أبي حنيفة: أن يكون القول فيه قول الضامن فلا يلزمه الضمان إلا أن تقوم بينة على رضى المضمون له. وعنه برواية ابن سماعة أيضاً: رجل عنده مملوك قال لغيره بعتك مملوكي هذا قبل أن أملكه قال: لا أصدقه وألزمه البيع وليس هذا كالطلاق والعتاق؛ لأن في البيع عقدة قد

стр. 2950

عقدها ثم يريد أن يبطلها وليس في الطلاق والعتاق. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل قال: اشهدوا أني قد بعت عبدي من فلان بألف درهم وفلان غائب فقدم فقال: قد كنت بعته قبل ذلك المجلس وهذا منك إقرار، وقال البائع: بل كان مني ابتداء، فإن القول قول المشتري؛ لأن هذا الكلام يكون على ما مضى وعلى ما يستقبل. وفي «نوادر هشام» : عن (محمد) : رجل اشترى من رجل داراً بثمن معلوم وأشهد بقبض الثمن، ثم أقام البائع بينة أن المشتري أقر بعد شراء الدار أن هذه الدار تلجئة في يده، فإني أردها على البائع ويأخذ المشتري الثمن من البائع. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل اشترى من رجل جارية بثمن معلوم وتقابضا اختلفا في ولدها فقال البائع: قد ولدت قبل أن يشتريها، وقال المشتري: لا، بل ولدت بعد الشراء، فالقول قول من في يده الولد والبينة بينة المشتري.g ولو اشترى داراً من رجل ونقد الثمن واختلفا في باب الدار وقد نزع من موضعه ووضع فيها، فقال المشتري: نزعته بعد ما اشتريت وقبضت، وقال البائع: كان موضوعاً فيه وقت البيع ولم يدخل في البيع فالقول قول المشتري إن كانت الدار في يده، وإن كانت الدار في يد البائع فالقول قول البائع مع يمينه، فإن نكل عن اليمين دخل الباب في البيع وللمشتري الخيار إن كان في تعليقه ضرر، وإن حلف يخير المشتري أيضاً، إن شاء أخذ الدار في غير باب، وإن شاء ترك، ولكن بعد أن يحلف بالله ما اشترى الدار بدون الباب. وكذلك على هذا جذوع بيوت نقض أو نقض حائط أو شجرة مقلوعة في أرض أو تمر صرم من شجرة، فالقول في جميع ذلك قول الذي في يديه، وإن كان الثمر على الشجر والأرض في يد المشتري، فالقول قول المشتري، وإن كان في يد البائع، فقال المشتري: حدث بعد البيع، وقال البائع: كان قبل البيع ولم أشرط فالقول قول البائع، وللمشتري الخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك. اشترى أمةً وتقابضا وولدت واختلفا في الولد، فقال البائع: بعتك الأمة في رمضان عام أول وكانت الولادة في شعبان وأقام البينة، وقال المشتري: اشتريتها منك في شعبان وولدت في رمضان وأقام البينة والولد مشكل، فالبينة بينة البائع؛ لأن وقته أول. ولو أقر البائع أنه أخذ من الأمة ثوباً أو دراهم قبل أن يبيعها، وقال المشتري: أخذت ذلك منها بعدما اشتريت وقبضت، فالقول قول المشتري، وأما في الجماع والغلة فالقول قول البائع. ابن سماعة عن محمد: رجل اشترى عبداً وقبضه وأدى الثمن وأعتقه، ثم قال رجل للبائع: كنت بعتني الغلام قبل أن تبيعه من هذا وأعتقه وصدقه البائع في ذلك قال: يأخذ البائع منه الثمن أيضاً، ويكون في يده ثمنان حتى يرجع المشتري الذي قبض الغلام وأعتقه إلى تصديق البائع ويأخذ منه الثمن ويصير الغلام مولى الذي ادعاه أنه أعتقه أولاً،

стр. 2951

وإن كذبه الغلام أن يكون مولى للذي ادعى، ولا أنه أعتقه كان مولى للذي قبض وأعتق؛ لأن الغلام قدثبت ولاؤه من الذي قبضه وأعتقه فلا يتحول إلا بتصديق الغلام. المعلى في «نوادره» : رجل قال لآخر: بعتك هذه الدار بمئة درهم وقال المدعى قبله: بل أجَّرتها بعشرة دراهم إلى الكوفة فسرت عليها، فإنه يحلف المدعى عليه على الشراء ما اشتريته بمئة درهم، فإن حلف رجع عليه المدعي للبيع بالعشرة التي أقر بها من الإجارة؛ لأنه لم يكذبه قال: بعد ما أقر له بالإجارة لم أؤاجركها (١٤٣أ٣) فهذا كذاب. وفي «المنتقى» إبراهيم عن محمد: إذا باع من آخر رطلاً من زيت في خابية فقال المشتري: أعطني من خابية غيرها، فللبائع أن لا يعطيه إلامن تلك الخابية (التي) وقع البيع عليها. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل باع من آخر داراً ثم إن المشتري لقي البائع وقال له: لم يتهيأ لي ثمن الدار فافسخ العقد بيني وبينك، وتصدق علي بالدار التي بعتني فقال البائع: قد تصدقت عليك بالدار وفسخت البيع بيني وبينك، ولم يقل الآخر شيئاً بعد هذا الكلام قال: أجيز ذلك وأفسخ البيع فيه. قال: لو أن رجلاً باع ثوباً له من مسكين بدرهم، ثم إن المسكين لقي البائع وقال: لإني بعشرة لا أقدر على ثمن الثوب، فإن رأيت أن تفسخ البيع وتصدقت عليّ بالثوب فقال البائع: قد تصدقت عليك به وفسخت البيع، فإنه يجوز ذلك. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف ﵀: رجل اشترى من آخر داراً بألف ثم إن البائع قال للمشتري: تصدقت عليك بالدار وقبل المشتري ثم جاء البائع يطلب الثمن وقال: إنما تصدقت عليك بدارك قال: له أن يأخذ الثمن وصدقته باطلة. وفي «المنتقى» : رجل اشترى من رجل آخر عبداً وقبضه ثم جاء به مشجوجاً وقال: بعتني (العبد) مشجوجاً، فالقول قوله؛ لأن البائع يدعي لزوم البيع على المشتري فيه وهو منكر. وفيه أيضاً: إذا باع جارية على أنه بالخيار فحدث بها عيب في يد البائع، فقال البائع للمشتري: اقبضها وأنا على خياري، فقبضها وهو يعلم بالجناية أو بالعيب أو كان قبضها بغير إذن البائع مع العلم بالجناية أو العيب، ثم إن البائع أجاز البيع ثم أراد المشتري أن يردها على البائع بالجناية التي كانت عند البائع أو بالعيب الذي حدث عنده، ليس له ذلك وقبضه بعد العلم بالجناية رضاً بالعيب. وكذلك لو لم يقبضها ولكن أعطى البائع ثمنها بعد علمه بالجناية أو العيب وكذا لو كان قبضها ولم ينقد الثمن ولم يكن عالماً بالجناية أو العيب ثم علم بذلك بالجناية أو العيب فنقده الثمن من غير أن يأمره بذلك قاضي. قال محمد ﵀ في «الزيادات» : رجل اشترى شيئاً مما يفسد نحو السمك والفاكهة وشرط الخيار لنفسه ثلاثة أيام، فخاف البائع أن يفسد قبل مضي مدة الخيار في

стр. 2952

يده فقال للمشتري: إما أن ترد البيع حتى أبيعه من غيرك أو تختاره وتقبضه، ففي القياس: لا يخير المشتري على ما أراد البائع؛ لأن المشتري ما شرط الخيار لنفسه إلا لمقصود وهو أن يكون مخيراً في المدة ولا يلزمه ضرر، فلا يكون لأحد تفويت هذا المقصود عليه بإلزامه الفسخ أو الإجارة، أكثر ما في الباب إن في عدم إلزام الفسخ والإجارة ضرر البائع إلا أن البائع لما شرط الخيار للمشتري مع علمه بحال المبيع، فقد صار راضياً بهذا الضرر والضرر المرضي لا يدفع. وفي الاستحسان: يقال للمشتري: إما أن ترد البيع، وإما أن تأخذه ولا شيء عليك من الثمن ما لم تجز البيع أو يفسد عندك. وجه ذلك: أن في إلزام المشتري الفسخ أو الإجارة إن كان ضرر بالمشتري لكن في عدم إلزامه ذلك ضرر بالبائع وضرر البائع أولى من ضرر المشتري؛ لأن ضرر المشتري أدنى، فإنه إذا قبضه يتمكن من أكله ومن بيعه من غيره ويتمكن من رد البيع ورد المبيع على البائع لهذا فهو متمكن من دفع الضرر عن نفسه، أما البائع لا يتمكن من دفع ضرره عن نفسه، والضرر الذي يتمكن الإنسان من دفعه أدنى بالتحمل أولى، وما يقول بأن البائع رضي بهذا الضرر هذا ممنوع؛ لأنه يحتمل أنه إنما باع رجاء أن يختار المشتري الفسخ أو الإجازة قبل الفساد، وإن رضي به لكن هذا ضرر محض، والضرر المحض لا يلزم بمجرد الرضا ولكن لا يجبر المشتري على إعطاء الثمن وإن قبضه؛ لأنه إنما أجبرناه على القبض دفعاً للضرر عن البائع وقد حصل هذا المعنى بالقبض والثمن ملك المشتري مع بقاء خياره، فلا يخير المشتري على إعطائه ولكن إن فسد عنده أو اختاره حينئذٍ يلزم إعطاء الثمن، وإن لم يفسد حتى نقض المشتري البيع ورده على البائع ولا شيء عليه من الثمن. وذكر هشام في «نوادره» عن محمد: أن من اشترى من آخر عصيراً أو رطباً على أنه بالخيار ثلاثة أيام، وخاف البائع تخمر العصير وتحمض الرطب في مدة الخيار، فطلب قبض المشتري فالمشتري لا يجبر عليه وهو جواب القياس على نحو ما ذكرنا. وفيه أيضاً: أن من ادعى على آخر أنه اشترى منه سمكة طرية في يده وجحد البائع، فأقام المشتري بينة على الشراء فخاف فساد السمكة في مدة التركة، وفيه ضرر بالبائع قال: يأمر القاضي المشتري حتى يقبض السمكة ويدفع الثمن، ثم يبيع القاضي السمكة ويضع الثمن الأول والثاني على يدي عدل، فإن زكيت البينة دفع الثمن الأول إلى البائع والثاني إلى المشتري، وإن ضاع في يدي العدل ضاع على المشتري؛ لأن بيع القاضي كبيعه ولو لم تتزك البينة ضمن المشتري قيمة السمكة؛ لأن الشراء لم يثبت فبقي قابضاً سمكة بجهة البيع، فيكون مضموناً عليه. قال في «الزيادات» : رجل قال لغيره: هذا العبد بيني وبين فلان وفلان ثلاثاً وهما غائبان، فأنا أبيعكه بألف ولم يأمراني بذلك فلعلهما يجيزان البيع فاشتراه المشتري على ذلك ونقد الثمن ثم حضر الغائبان ولم يجيزا البيع لزم المشتري نصيب البائع. واعلم بأن هاهنا ثلاث مسائل:

стр. 2953

إحداها: هذه، والوجه فيها: أن البيع تم في نصيبه من غير توقف، وتوقف في نصيب الغائبين على إجازتهما، فإذا لم يجيزا بطل ولا خيار للمشتري وإن تفرقت الصفقة عليه؛ لأن تفرق الصفقة، إنما يوجب الخيار إذا وقعت الصفقة جملة في الابتداء، ثم تفرقت بعد ذلك، والصفقة من الابتداء ما وقعت جملة حال وقوعها؛ لأنها نفذت في نصيب البائع وتوقفت في نصيب الغائبين فامتاز نصيب البائع عن نصيب الغائبين حال وقوعها، كأنه اشترى نصيب الحاضر بصفقة ونصيب الغائبين بصفقة وهناك لا خيار للمشتري كذا هنا، فإن أجاز أحد الغائبين البيع في نصيبه، قال محمد ﵀: لزم المشتري نصيب المجيز بثلث الثمن أيضاً ولا خيار له، وعلى قياس قول أبي يوسف له الخيار لما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: إذا قال الرجل لغيره هذا العبد لفلان وفلان وأنا أبيعكه بألف درهم بغير أمرهما فلعلهما يجيزان البيع فاشتراه المشتري على ذلك فبلغهما الخبر فأجاز أحدهما البيع في نصيبه وأبى الآخر، فعلى قول محمد ﵀: لا خيار للمشتري وعلى قول أبي يوسف له الخيار. وجه قول أبي يوسف أن الصفقة هاهنا وقعت جملة، فإن العقد (١٤٣ب٣) توقف في الكل على الإجازة، فإذا أجاز أحدهما دون الآخر، فقد تفرقت الصفقة عليه فكان له أن لا يرضى به بخلاف المسألة الأولى؛ لأن هناك الصفقة حال وقوعها نفذت في نصيب البائع وتوقفت في نصيب الغائبين فوقعت الصفقة متفرقة من الابتداء، فلا يوجب الخيار حتى إنها لو توقفت في نصيب الغائبين جملة فقلت: بثبوت الخيار في نصيبهما إذا أجاز أحدهما البيع دون الآخر. وجه قول محمد: أن المشتري لما أقدم على الشراء مع علمه أنهما عسى يتفقان على الإجازة، وعسى يحب أحدهما دون الآخر صار راضياً بهذا التفرق، ألا ترى أن أحد المشتريين ينفرد بالرد بخيار الشرط، وبخيار العيب باتفاق بينهما، وطريقه ما قلنا. المسألة الثالثة: إذا قال الرجل لغيره هذا العبد لفلان وأنا أبيعكه بغير أمره بألف درهم فلعله يجيز البيع، فاشتراه على ذلك فحضر فلان وأجاز البيع في نصفه كان للمشتري الخيار بلا خلاف؛ لأن الصفقة وقعت جملة، فإذا أجاز صاحب العبد العقد في النصف، فقد تفرقت الصفقة عليه، ولم يصر المشتري راضياً بهذا التفرق؛ لأن الظاهر من حال المالك إذا كان واحداً أن يجيز في الكل تحرزاً عن تبعيض ملكه الذي هو عيب بخلاف ما إذا كان العبد لا يبين عن قول محمد؛ لأن الإجازة من المالكين ليس بظاهر إذ العيب ثابت في كل واحد منهما أما هي بخلافه. قال: وإذا باع الرجل جارية من رجل ثم غاب المشتري ولا يدري أين هو فرفع البائع الأمر إلى القاضي وطلب منه أن يبيع الجارية ويوفي ثمنه، فإن القاضي لا يجيبه إلى ذلك قبل إقامة البينة على ذلك. ذكر أن القاضي يبيع الجارية على المشتري، ونقد الثمن للبائع واستوثق من البائع

стр. 2954

بكفيل ثقة وهذا الذي ذكر جواب الاستحسان، والقياس: أن لا يسمع هذه البينة ولا يبيع الجارية على المشتري. نص على هذا القياس، والاستحسان في «الجامع الكبير» في كتاب الإجارات في باب الاختلاف بين اثنين في نظير هذه المسألة وجه القياس في ذلك ظاهر وهو أن هذا بينة قامت على إثبات حق الغائب، وليس عن الغائب خصم حاضر لا قصدي ولا حكمي، فوجب أن لا يقبل قياساً على ماإذا كان يعرف مكان المشتري، وقياساً على من أقام بينة على إثبات حق على الغائب الذي لا يعرف مكانه لينزع شيئاً مما في يد الغائب، فإن في هاتين الصورتين لا تقبل هذه البينة، وإنما لا تقبل لما قلنا. وجه الاستحسان: أن البائع عجز عن الوصول إلى الثمن من جهة المشتري إذا كان لا يعرف مكانه، وعجز عن الانتفاع بالمبيع؛ لأنه مال غيره واحتاج أن ينفق عليه ما لم يحضر المشتري، وربما تأتي النفقة على الثمن وزيادة متى انتظر القاضي حضور المشتري، فمتى لم يسمع هذه البينة من البائع أدى إلى إبطال حقه، والقاضي انتصب خصماً لإحياء الحقوق، فكان للقاضي أن يسمع هذه البينة ليندفع الضرر والبلية التي ابتلى بها البائع؛ لأن على القاضي دفع البلية عن الناس ما أمكنه بخلاف ما إذا كان يعرف مكان البائع؛ لأنه كان يمكنه دفع الضرر والبلية عن البائع بأن يأمره بالذهاب إلى حيث كان المشتري، وإقامة البينة عليه. وبخلاف ما إذا ادعى حقاً على غائب لا يعرف مكانه، وأراد أن يقيم البينة على ذلك لينزع شيئاً من مال الغائب، فإن القاضي لا يسمع ذلك منه؛ وذلك لأن القياس في مسألة البيع أن لا يسمع البينة على الغائب؛ لأنه ليس عنه خصم حاضر إلا أنا تركنا القياس فيما إذا كان لا يعرف مكان المشتري لينزع البلية التي ابتلى بها البائع وليس في قبولها إزالة يد البائع الغائب عما في يده؛ لأن حق البائع إنما يستوفى من الجارية التي في يده، لو ادعى أنها له كان القول قوله، وهذا لا يجيز ترك القياس إذا قامت البينة على إنزاع مال في يد الغائب، وفي ذلك إزالة ملك البائع ويده. حتى لو ادعى المدعي ذلك لنفسه لا يصدق، فيرد هذا إلى ما يقتضيه القياس، وإنما شرط إقامة البينة في هذه المسألة؛ لأنه ادعى إيجاب الحفظ على القاضي في هذا المال؛ لأنه يزعم أنه مال الغائب وعلى القاضي حفظه؛ لأنه مما يخشى عليه التلف، فكان للقاضي أن لا يلتزم هذا الحفظ إلا بإقامة البينة على ذلك. وكان كالرجل جاء بدابة إلى القاضي وقال: هذه لقطة فبعها، فإن القاضي لا يبيعها حتى يقيم البينة على ذلك؛ لأنه يدعي إيجاب حفظ على القاضي، فكان للقاضي أن لا يصدق إلا ببينة، فكذلك هاهنا لا يصدقه، ولا يبيع إلا بينة؛ ولأنه يجوز أنه كان غاصباً لهذه الجارية، واحتال بهذه الحيلة ليبرأ عن ضمانها، ويسقط نفقتها عن نفسه، فكان للقاضي أن لا يتعرض له من غير بينة، ثم إنما يوفيه الثمن من حيث أنه ثبت بما أقام من البينة دين على المشتري من حيث أن في الإيفاء حفظ الثمن على الغائب؛ لأنه يصير مضموناً على القابض بالمثل، فيكون بمعنى

стр. 2955

القرض، وللقاضي أن يقرض مال الغائب لما فيه من زيادة حفظ ليس في الإيداع فكذا هذا، والدليل على أن البيع وإيفاء الثمن كان على سبيل الحفظ من القاضي: أنه لو فعل ذلك من غير بينة أقامها الحاضر كان له ذلك بأن يعرف ذلك من الناس، وكذا لو فعل القاضي ذلك بعد إقامة البينة ثم جاء الغائب، وجحد الشراء، وقال: الجارية جاريتي من الأصل يحتاج البائع إلى إقامة البينة ثانياً، فلو صار البائع مقضياً عليه بالشراء لكان لا يلتفت إلى إنكاره بعد ذلك، فهذا يبين لك أن ما فعله القاضي فعله على سبيل الحفظ لا على سبيل القضاء على الغائب. ثم إذا باع القاضي الجارية وأدى الثمن إلى البائع، فإنه يأخذ منه كفيلاً ثقة لجواز أنه أخذ الثمن من المشتري مرة، فمتى حضر المشتري احتاج إلى أن يرجع على البائع بالثمن فيأخذ كفيلاً نظراً للمشتري، حتى إنه إن تعذر عليه اتباع البائع اتبع الكفيل، فيستوفي من الكفيل، ثم إن كان فيه وضعية فعلى المشتري، وإن كان فضل فللمشتري أن يتبع القاضي وله ولاية البيع على المشتري من الوجه الذي ذكرنا كبيع المشتري. ولو أن المشتري باع الجارية بنفسه إن كان فيه وضعية تكون على المشتري؛ لأن الدين على المشتري، وقد أدى البعض ولم يؤد البعض فما (لم) يؤد يكون ديناً على المشتري، فكذا إذا باعه القاضي، وإن كان فيه فضل فله؛ لأنه بدل ماله فيكون له، ثم وضع المسألة في الجارية ولم يضع في الدار (١٤٤أ٣) ويجب أن يقال بأنه في الدار لا يتعرض القاضي لذلك ولا يبيع الدار؛ لأن القياس أن لا يبيع الجارية على المشتري، وإنما يبيعها استحساناً لدفع البلية عن البائع، وهو إسقاط النفقة عنه، وإنما يحتاج إلى إسقاط النفقة إذا كان المبيع حيواناً، وإن كان يعرف مكان المشتري، فإنه ليس للقاضي أن يبيع الجارية، وإن أقام البائع على ذلك. فرق بين هذا وبينما إذا كانت الجارية آبقة، فادعى الذي في يده الجارية أنها آبقة، وأقام البينة على ذلك فطلب من القاضي بيعها أو كانت وديعة أو ضالة كالبعير والبقر، فإن القاضي يبيع ذلك أو يأمره بالنفقة على حسب ما يرى الأصلح للغائب، وإن كان يعرف مكانه إن كان يرجو قدومه عن قريب يأمره بالنفقة حتى لا تزول العين عن ملكه، وإن كان لا يرجو قدومه عن قريب، وخاف أنه متى أمر الذي في يديه الجارية بالنفقة أنها تربو على قيمة الجارية يبيع الجارية، وذلك نفقة الآبقة والوديعة على ربها، فمتى لم يبع إلى النفقة على جميع ما له فيهلك ماله وعلى القاضي أن يدفع الهلاك عن أموال الناس ما أمكنه، فكان النظر للغائب أن يبيع، وهاهنا النظر للغائب في أن لا يبيع حتى لا تزول العين عن ملكه؛ لأن نفقة المبيع على البائع إلى أن يحضر المشتري فيقبض، وإذا هلكت كانت مضمونة عليه، فالنظر للغائب أن لا يبيع إذا كان يعرف مكانه، ولكن يأمره بطلب المشتري، وهذا إذا جاء المشتري وأقر بذلك، فأما إذا أنكر المشتري الشراء احتاج البائع إلى إقامة البينة على المشتري ثانياً؛ لأن البيع لم يثبت بما أقام من البينة؛ لأنه لم يكن عنه خصم حاضر.

стр. 2956

قال في «الزيادات» : رجل باع عبداً من رجل ووهبه عبداً آخر فنقد المشتري الثمن وقبضهما ثم مات أحدهما، فأراد المشتري أن يرد الباقي بالعيب، فقال البائع: لم أبعك هذا إنما بعتك الميت، فالقول قول (البائع لأن) المشتري يدعي عليه حق الرد بسبب العيب وهو ينكر؛ ولأن الملك في العبدين استفيد من جهة البائع، فكان القول في بيان جهة الملك قول البائع، وهو ادعى أنه ملكه بالهبة، فإذا اعتبر قوله ثبت أن الحي موهوب، فلا يكون له حق الرد بسبب العيب. ولو أراد البائع أن يرجع في الحي بحكم الهبة والمشتري يقول: الحي مبيع والموهوب هو الميت، فالقول قول البائع وله أن يرجع في الحي؛ لأن الملك في العبدين استفيد من جهة البائع، فكان القول في بيان جهة الملك قول البائع، وهو ادعى أنه ملك الحي بجهة الهبة، فإذا اعتبر قوله ثبت أن الحي موهوب، فكان له حق الرجوع فيه. ثم يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، فإذا حلف وجب على البائع رد الثمن، ووجب (على) المشتري رد قيمة الميت؛ لأنهما لما حلفا لم يثبت ما ادعاه كل واحد منهما فيجب على كل واحد منهما رد ما قبض، إلا أن رد الميت متعذر، فيقام رد قيمته مقام رده. ولو كان باعه عبداً بألف درهم وباعه آخر بمئة دينار وتقابضا، ومات أحدهما ورد المشتري العبد الحي بالعيب واختلفا في ثمنه، فالقول في بيان الثمن قول المشتري؛ لأن تمليك الثمن استفيد من جهته، فكان القول في بيان جهة التمليك قوله، فيرجع على البائع بما أنه ثمن المردود، ولو لم يمت واحد منهما ورد المشتري المعيب بالعيب يرجع بالثمن الذي ادعاه ثم يتحالفان في الباقي؛ لأن الاختلاف في ثمن المردود أنه دراهم أو دنانير اختلاف في ثمن الباقي وأنه يوجب التحالف فيتحالفان ويترادان. قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل أسلم إلى رجل مئة درهم في كر حنطة، ثم إن المسلم إليه اشترى من رب السلم كر بمئتي درهم إلى أجل فقبض الكر الذي اشترى ولم يدفع الثمن، فلما حل السلم قضاه المسلم إليه بذلك الكر المشترى كر السلم قبل أن ينقده الثمن، فهذا لا يجوز؛ لأن رب السلم يصير مشترياً من وجه ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، وإنه لا يجوز. بيانه: أن القبض بحكم الشراء شبيه بالشراء من حيث إنه يستفاد به ملك التصرف، ويتأكد به ملك العين، وفي باب السلم يثبت به ملك العين مع ملك التصرف، فكان شراء من هذا الوجه؛ لأنه ليس بشراء من كل وجه؛ لأن أصل الملك كان ثابتاً قبل القبض ولما كان القبض بحكم الشراء شراء من وجه، صار رب السلم باعتباره مشترياً من وجه ما باع قبل نقد الثمن، والثابت من وجه في باب الربا احتياطاً، ولا وجه إلى أن يجعل رب السلم مشترياً هذا الكر بكراء السلم؛ لأن المقبوض في باب السلم في حكم العين ما يتناوله العقد؛ إذ لو لم يجعل كذلك كان هذا استبدالاً بالمسلم فيه، وذلك لا يجوز، فجعل هذا في حكم العين ما يتناوله العقد، ولما كان بدله مئة درهم وقد كان باع عين هذا

стр. 2957

الكر قبل ذلك بمئتي درهم فيصير مشترياً عند القبض من وجه ما باع قبل نقد الثمن فلا يجوز. وهذه المسألة حجة لأبي حنيفة على أبي يوسف في رجل أسلم إلى رجل دراهم في ثوبين بعينين فقبضهما أنه لا يبيع واحد منهما مرابحة من غير بيان عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن المقبوض لما جعل في حكم عين ما يتناوله العقد صار بمنزلة ما لو اشترى ثوبين بعينين، وهناك لا يملك بيع أحدهما مرابحة من غير بيان فهاهنا كذلك، فإن قبض رب السلم الكر الذي باعه من المسلم إليه بكر السلم قبل نقد الثمن مع أنه لا يجوز فطحنه، أو هلك عنده كان على رب السلم للمسلم إليه طعاماً مثل طعامه؛ لأنه مقبوض بحكم القضاء الفاسد، وذلك مضمون بالمثل، فهذا كذلك، فإن قضى القاضي عليه بكر مثله فاصطلحا على أن يكون قضاء من المسلم فيه لم يجز ذلك لوجهين: g أحدهما: أن استيفاء السلم إنما يقع بقبض عين من جنس السلم بعد السلم قبضاً صحيحاً ولم يوجد، ولأن المثل فيما يضمن بالمثل قائم مقام المضمون يجب بالسبب الذي يجب رد المقبوض (به) ثم القضاء إذا لم يقع بالمضمون، فكيف يقع بما هو قائم مقامه؟ فإن قبض المسلم إليه الكر الذي قضى به القاضي ثم قضاه إياه من طعام السلم جاز؛ لأنه وجد قبض عين من جنس السلم بعد السلم قبضاً صحيحاً، فحصل به قضاء السلم، وإنما قلنا بأن هذا القبض صحيح؛ لأنه بهذا القبض لم يصر مشترياً ما باع قبل نقد الثمن؛ لأن هذا الكر الذي اقتضاه رب السلم ليس هو الكر الذي باعه لا حقيقة ولا حكماً بل بدل عن ذلك الكر؛ لأن الاستبدال بالكر الذي وجب على رب السلم قبل القبض جائز؛ لأنه دين وجب لا بعقد صرف ولا بعقد صرف سلم. قال محمد ﵀: وهذا كالمسلم إليه اشترى من رب السلم كر حنطة بعينها بمتاع فلم يقبضه (١٤٤ب٣) قضاء رب السلم عن المسلم فيه كان باطلاً؛ لأنه بمنزلة بيع المبيع قبل القبض، وإن قبضه المسلم إليه ثم قضاه صح وقد وقع في بعض النسخ. وهذا بمنزلة ما إذا اشترى رب السلم من المسلم إليه كر حنطة بمتاع فقضاه إياه قبل القبض، وهذا وقع غلطاً؛ لأن المسلم فيه على المسلم إليه لرب السلم أيضاً، وما على الإنسان لا يتصور اقتضاؤه بما عليه حتى يكون الفساد بعلة استبدال المبيع قبل القبض، والصحيح ما وقع في عامة النسخ ولو لم يهلك الكر الذي قبضه رب السلم ولم يطحنه ولكن تعيب عنده، فإن شاء المسلم إليه قبضه ولا شيء له، وإن شاء تركه وضمنه حنطة؛ لأنه مضمون على رب السلم بحكم القضاء الفاسد، وهذا الضمان مثل ضمان الغصب. والجواب في الحنطة المغصوبة إذا تعيبت أن المغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه مثله، وإن شاء أخذه، ولا شيء له إذ الجودة لا قيمة لها بانفرادها في أموال الربا فهاهنا كذلك، فإن ضمنه مثله فجعلاه قصاصاً من السلم لم يجز إلا أن يقبضه المسلم إليه ثم

стр. 2958

يعطيه بالسلم؛ لأن حق المسلم إليه انتقل إلى كر مثله في الذمة بالتضمين بالمثل كما في الاستهلاك، وهناك الجواب ما قلنا فهاهنا كذلك. فإن اختار أخذ الكر فلم يأخذه حتى اصطلحا على أن يكون قصاصاً بكر السلم جاز؛ لأن ما مضى من القبض، إن فسد فحالة المقاصة القبض قائم والقبض مستدام وما يكون مستداماً كان لدوامه حكم الإنشاء، فصار كأن المسلم إليه قبضه ثم سلمه إلى رب السلم عن كر السلم بعد ما دخله عيب ولو كان كذلك كان جائزاً. فإن اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن بعد تعيب المبيع صحيح على ما بينا قبل هذا، فإن رضي أحدهما أن يكون قصاصاً، وأبى الآخر لم يكن قصاصاً إلا بتراضيهما، وهذا لا يشكل في حق رب السلم؛ لأن حقه في الجيد فلا يلزمه المعيب إلا برضاه، إنما يشكل في حق المسلم إليه؛ لأن حق رب السلم قبله في الجيد، فإذاً يجوز بالمعيب ينبغي أن يجوز، ألا ترى أن هذا الكر المعيب لو قبضه المسلم إليه ثم قبضه رب السلم بحقه من غير رضا المسلم إليه صح، ولكن الوجه في هذا أن يقال بأن حق المسلم إليه ثابت في الجودة، ولهذا كان له أن يترك هذا الكر المعيب فإذا آل الأمر إلى أن يسلم له لم يكن راضياً بسقوط حقه عن الجودة، ومع بقاء حقه في الجودة لا تقع المقاصة إلا برضاه. بخلاف ما إذا قبضه المسلم إليه ثم أخذ منه رب السلم بحقه حيث يصير قصاصاً من غير رضا المسلم إليه؛ لأن هناك الكر المعيب سلم له؛ لأن السلامة بالوصول وقد وصل إليه، أما دوام الوصول ليس بشرط، فلهذا افترقا. لم يذكر في «الكتاب» ما لو اصطلحا على المقاصة قبل أن يختار المسلم إليه شيئاً قالوا ويجب أن يجوز؛ لأن اصطلاحهما على المقاصة لا تصح إلا بعد أن يختار المسلم إليه أخذ الكر، فيتضمن ذلك اختيار الكر سابقاً على المقاصة. ثم إن محمداً ﵀ أعاد مسألة الأول الباب فقال: لو أن المسلم إليه اشترى من رب السلم كر بمئتي درهم إلى أجل فقبضه، ولم يدفع الثمن حتى حل السلم، ثم إن رب السلم غصب الكر الذي اشتراه المسلم إليه فجعله قصاصاً بكر السلم لا يكون قصاصاً؛ لأنهما لو تراضيا على هذه المقاصة لا يكون قصاصاً لما مر في أول الباب، فإذا رضي به أحدهما وأبى الآخر أولى. ولو غصبه من المسلم إليه رجل أجنبي فأحالة المسلم إليه رب السلم على الغاصب ليعطيه ذلك من طعام السلم لا يجوز، وكذلك لو أودعه عند رجل ثم أحال رب السلم به لم يجز، لأن المحتال عليه يقتضي بأمر المسلم إليه بأمره لا يجوز فكذا إذا قضاه غيره بأمره قال: إلا إذا أصابه عيب فحينئذ يصح اقتضاؤه من المحتال عليه كما يصح من المسلم إليه. غير أن بين مسألة الغصب وبين مسألة الوديعة فرقاً من وجه: أن في مسألة الغصب لو هلك الكر عند المحتال عليه ما تعيب حتى صحت الحوالة، وفي مسألة الوديعة تبطل، وإنما جاء الفرق باعتبار أن مسألة الغصب ما يتعلق به الحوالة هلك صورةً لا معنى؛ لأن

стр. 2959

مثله قد وجب فبقيت الحوالة ببقاء مثله، أما في مسألة الوديعة ما تعلق به الحوالة هلك صورةً ومعنىً، لأنها هلكت أمانة فلهذا افترقا. ولو كان الغاصب استهلك الكر قبل أن يحدث عيب، ثم إن المسلم إليه أحال رب السلم بكرّه على الغاصب ليعطيه من الكر الذي له في ذمته كان جائزاً؛ لأنه ملك الكر في ذمته بسبب الغصب، وهو بدل عن الطعام المبيع، فلم يكن في قضاء طعام السلم به بيع ما اشترى بأقل مما اشترى. وإن كانت الحوالة قبل هلاك الكر قد بينا أنها باطلة، فإن هلكت ووجب مثلها لم تعد الحوالة جائزة؛ لأنها وقت وقوعها وقعت باطلة والحوالة متى وقعت باطلة لا تعود جائزة إلا بالتجديد ولو كان رب السلم أخذ الكر المبيع قضاء من طعام السلم مع أنه لا يجوز فحدث به عيب في يده، فلم يسترده المسلم إليه ولم يجعلاه قصاصاً حتى طحنه رب السلم، ثم اصطلحا على أن يجعلاه قصاصاً لم يكن لهما ذلك. فرق بين هذا وبينما إذا جعلاه قصاصاً بعد العيب قبل الطحن يجوز، والفرق: هو أن بالقبض الأول لم يقع الاستيفاء في الوجهين جميعاً، غير أن الوجه الأول: القبض القائم لا يصلح لاستيفاء الحنطة بالدقيق، لا يكون إلا بطريق الاستبدال، وإنه لا يجوز، أما في الفصل الثاني القبض القائم صالح للاستيفاء؛ لأن الحنطة قائمة بعينها فجاز أن تقع المقاصة إذا جعلاه قصاصاً والله أعلم. روى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: رجل أسلم إلى رجل مئة درهم في طعام أو غيره سلماً فاسداً وقبض المسلم إليه المئة، ثم علما أن السلم فاسد فأرادا أن يصححاه في ذلك المجلس أو بعدما افترقا، قال أبو يوسف: إن كانت المئة قائمة بعينها في يد المسلم إليه فلهما ذلك. رجل قال لآخر: بعني كر طعام وسط على أن توفيه إلى شهر في موضع، كذا بمئة درهم ودفع إليه مئة قال أبو يوسف: هو سلم صحيح. بشر في «الإملاء» عن أبي يوسف: إذا أسلم ديناً له على رجل في سلم ثم علم أنه لا يجوز فجعل له رأس المال، ودفعه إليه قبل أن يفترقا جاز له استحساناً. قال: إذا اشترى الطعام بالعبد، وهو الثمن وللطعام أجل وموضع يوفيه فيه وكيل معلوم وضرب معلوم فهو سلم إن سماه سلماً أو كنى عن اسمه، فإن افترقا قبل أن يقبض العبد انتقض. ذكر أبو سليمان عن أبي يوسف في «الإملاء:» رجل أرسل غلامه يجلب عليه ثياباً ليشتري لرجل ثوباً فنادى الغلام في السوق من معه ثوب كذا بكذا، فقال رجل: أنا، فقال الغلام: هاته فأعطاه إياه، فإن هذا قد أخذه على سوم وهو ضمان للثمن الذي سماه، فإن أراد الغلام أن يرجع على الذي أرسله (فقال الذي أرسله:) لم آمرك (١٤٥أ٣) أن تقبض الثوب، وإنما أمرتك أن تجلب علي مع غلمان القوم، فلا ضمان عليه بعد أن يجلب أنه لم يأمره بالمساومة وقبض الثوب، ولو أقر بذلك ضمنه إذا أقر بقبض الغلام، وإن لم يقر

стр. 2960

بقبضه فلا ضمان عليه، وإن كان الغلام صغيراً، وقد أذن له الأب في البيع والشراء فهو ضامن عليه من قبل أن رب الثوب سلطه على القبض، وليس يجوز مساومته، ولو أن الغلام حين نادى من معه ثوب كذا بكذا، وقال رجل: أنا قال الغلام: إليّ أريده لفلان، فقال ذلك الرجل: خذه واذهب به، فضاع فلا ضمان عليه هذا رسول من رب الثوب إلى الآمر بالجلب. ولو دفع إلى الآمر في هذه الصورة وضاع من يد الآمر لم يضمن الآمر؛ لأنه لم يقع في يده على سبيل المساومة. ولو أن رجلاً أرسل رسولاً إلى بزاز أن ابعث إليّ ثوب كذا وكذا فبعث إليه البزاز مع رسوله أو مع غيره وضاع الثوب قبل أن يصل إلى الآمر فلا ضمان على الرسول، فبعد ذلك ينظر إن كان الذي ضاع منه الثوب رسول الآمر فالآمر ضامن؛ لأن رسوله قبض الثوب على سبيل المساومة وقبض رسوله كقبضه، وإن كان رسول رب الثوب، فلا ضمان على الآمر إلا إذا وصل الثوب إليه فحينئذ يضمنه. ولو أن (رجلاً) بعث بكتاب إلى رجل مع رسول أن ابعث إليَّ ثوب كذا ففعل، وبعث به مع الذي أتاه بالكتاب ولم يكن يسأل الآمر حتى يصل إليه، إنما الرسول في الكتاب وليس كقوله انطلق فتقاضى انطلق فخذ كذا، ولو بعث رسولاً يجلب عليه ثياباً فقال الرسول: من معه ثوب كذا بكذا فقال رجل: أنا، فقال صاحب الثوب: علي، فقال الرسول: على أستاذي أو على فلان ولم يقل استاذي أو قال: من يريده فقال: فلان فقال: هاك فأخذه فلا ضمان على الرسول ولا على الآمر إن ضاع في يد الرسول، وإن وصل إلى الآمر فضاع من عنده فهو الضامن المساوم؛ لأن الذي أرسل لا ضمان على الرسول والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 2961

كتاب الصرف هذا الكتاب يشتمل على أربعة وعشرين فصلاً: ١ * في بيان معنى هذا الاسم. ٢ * في بيع الدين بالدين. ٣ * في الساعات التي يشترط فيها قبض البدلين حقيقة. ٤ * في الدراهم المغشوشة تباع بالفضة الخالصة. ٥ * في الفلوس. ٦ * في خيار الرؤية والرد بالعيب والاستحقاق في باب الصرف. ٧ * في الرهن والحوالة وفي الكفالة في الصرف. ٨ * في الحط عن بدل الصرف والزيادة فيه. ٩ * وفي الصلح في الصرف. ١٠ * في بيع الإناء وزناً فيزيد أو ينقص. ١١ * في السيوف وفي بيع الحلي الذي فيه الآلىء والجواهر، وفي بيع المملوكات ما يجوز وما لا يجوز. ١٢ * في الوكالة في الصرف. ١٣ * في الصرف مع مملوكه وقرابته وشريكه ومضاربه والوصي. ١٤ * في الصرف في المرض. ١٥ * في الاستبدال ببدل الصرف. ١٦ * فيما يكون قصاصاً ببدل الصرف وما لا يكون. ١٧ * في بيع الموزون بجنسه أو بخلاف جنسه وفي بيع المكيل كذلك. ١٨ * في تصرف المتصارقين في ثمن الصرف قبل القبض. ١٩ * في بيع الصرف مرابحة.

стр. 2962

٢٠ * في الصرف في دار الحرب. ٢١ * في الصرف في الغصب والوديعة. ٢٢ * يشتمل على الإجازة وعلى الصرف، ويدخل فيه استهلاك المشتري في عقد الصرف قبل القبض. ٢٣ * في الصرف في المعادن وتراب الصوّاغين ويدخل فيه الاستئجار لتخلص الذهب والفضة من تراب المعادن. ٢٤ * في المتفرقات.

стр. 2963

الفصل الأول: في بيان معنى هذا الاسم وشرط جواز هذا المسمى وحكمه أما بيان معنى هذا الاسم فنقول: الصرف اسم لنوع وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض، إما مبادلة الذهب أو مبادلة الفضة بالفضة أو مبادلة أحد الجنسين بصاحبه مفرداً كان أو مجموعاً مع غيره هذا هو لفظ «القدوري» ، وقوله: أو مجموعاً مع غيره يريد به مثلاً إذا باع ثوباً وذهباً بفضة، فحصة الذهب صرف؛ لأنه يقابله ثمن وحصة الثوب بيع. والأموال أنواع ثلاثة: نوع منها: هو ثمن في العقد على كل حال وهو الدراهم والدنانير. ونوع منها: وهو مبيع في العقد على كل حال وهو ما ليس من ذوات الأمثال كالعروض والحيوانات وأشباهها. ونوع منها: هو بين المبيع وهو المكيلات والموزونات، وقد ذكرنا ذلك بتمامه في أول كتاب البيوع، والمبيع يخالف الثمن في أحكام كثيرة قد ذكرنا في ذلك في أول كتاب البيوع. وأما بيان شرائط جواز هذا المسمى فنقول: شرائط جواز هذا المسمى على الخصوص ثلاثة: أحدها: أن لا يفترقا عن تقابض، والمراد منه: تفرق الأبدان لا الذهاب عن موضع الجلوس للعقد لما نتبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، ثم قبض أحد البدلين قبل التفرق في بيع الدرهم (بالدرهم) ، وفي بيع الدينار بالدينار، وفي بيع الدرهم بالدينار، واشتراطه على موافقة القياس؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات بالتعيين، إما يتعينان بالقبض فشرطنا قبض أحد بدلي الصرف لتزول الدينية عن أحد بدلي الصرف، وإنه على موافقة القياس كما في سائر البياعات، أما اشتراط قبض البدل الآخر على مخالفة القياس. ألا ترى أنه لم يشترط ذلك في سائر البياعات، وكذلك اشتراط قبض أحد بدلي الصرف فيما يتعين بالتعين من الذهب والفضة وهو ما إذا باع البئر بالبئر أو مع القلب بالقلب على مخالفة القياس، فإن في سائر البياعات، إذا بيع عين بعين لا يشترط قبضهما، ولا قبض أحدهما قبل التفرق يجب أن يكون في الصرف، كذلك شرط قبض أحد البدلين إذا بيع عين القلب بالقلب، وشرط قبض البدلين إذا بيع الدراهم بالدراهم، والدنانير بالدنانير، عرف ذلك بالنصوص من جملة ذلك قوله ﵇: «الفضة بالفضة وزن بوزن يد بيد والذهب بالذهب وزن بوزن يد بيد» . فإن قيل: كيف يجوز أن يقال بأن قبض بدلي الصرف قبل الافتراق شرط جواز

стр. 2964

العقد لإحالة العقد، وشرط العقد ما يشترط حالة العقد كالشهادة في باب النكاح والمالية في بيع العين بالثمن، فأما ما يجب بعد العقد يكون حكم العقد لا شرط جواز العقد. قلنا: شرط جواز العقد ما يشترط مقارناً للعقد إلا أن اشتراط القبض مقارناً لحالة العقد من حيث الحقيقة غير ممكن من غير تراض لما فيه من إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه فعلقت الجواز بقبض يوجد في المجلس؛ لأن مجلس العقد حكم حالة العقد كما في الإيجاب والقبول، فصار القبض الموجود بعد العقد في مجلس العقد كالموجود وقت العقد من حيث الحكم، ولو كان موجوداً وقت العقد من حيث الحكم، ثم اختلف المشايخ فيما بينهم أن التعارض قبل الافتراق (١٤٥ب٣) شرط صحة العقد أو شرط بقاء العقد على الصحة وإلى كل واحد أشار محمد ﵀ في «الكتاب» ، فعلى قول من يقول: أنه شرط بقاء العقد على الصحة لا يتأتى هذا، وعلى قول من يقول شرط صحة العقد يتأتى الإشكال، ولكن وجه الجواب ما ذكرنا. الشرط الثاني: أن لا يكون في هذا العقد خيار الشرط لأحدهما؛ لأن الخيار استثناء لحكم العقد وهو الملك عن العقد، فيمتنع الملك ما بقي الخيار، وإذا امتنع الملك يمتنع القبض الذي يحصل به التعيين الذي هو شرط جواز هذا العقد. الشرط الثالث: أن لا يكون في هذا العقد أجل؛ لأن شرط الأجل يتقدم استحقاق القبض الذي به يحصل به التعيين، فرجع الكل إلى معنى واحد أن الفساد بسبب انعدام القبض الذي يحصل التعيين، وخيار الرؤية وخيار العيب يخالف خيار الشرط في هذا الباب؛ لأنه بختار العيب والرؤية لا يمتنع الملك فكان القبض الذي يحصل به التعيين ثابتاً، فيصح العقد ولا كذلك الأجل وخيار الشرط، فهذا هو الفرق بين هذه الفصول، وإن افترقا من غير تقابض أو شرط الخيار أو الأجل فسد البيع ثم لا يصح بعد ذلك، أما إذا افترقا من غير تقابض؛ فلأنه فات شرط الصحة وهو التقابض، وأما إذا كان فيه خيار الشرط، فكذلك لهذا المعنى أيضاً، وأما إذا كان فيه أجل قائم يفسد العقد إذا لم يتقابضا، فأما إذا تقابضا لا يفسد العقد؛ لأن الإقباض يكون إسقاطاً للأجل ولو شرطا الخيار ثم أبطلا قبل الافتراق أو كان الخيار لأحدهما فأبطله الذي هو له قبل الافتراق جاز استحساناً عند علمائنا الثلاثة ﵏. والكلام فيه نظير الكلام فيما إذا شرط الخيار في بيع العين أربعة أيام ثم أسقط الخيار قبل دخول اليوم الرابع، وقد مر الكلام فيه في كتاب البيوع، وإن كان لأحدهما أجل فيما عليه أولهما فأبطل ما لهما من الأجل قبل التفرق جاز استحساناً، وعن أبي يوسف أن صاحب الأجل إذا أسقط الأجل لا يبطل حتى يرضى به صاحبه. وفرق بين هذا وبين الخيار والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن الأجل يثبت حقاً لصاحب الأجل وصاحب الحق يتمكن من إسقاطه من غير أن يتوقف ذلك على رضا غيره كذا هاهنا وصاحب الحق يتمكن من إسقاطه من غير أن يتوقف إلي.

стр. 2965

ثمّ فرق بين بيع الدراهم (بالدراهم) والدنانير بالدنانير وبيع الفلوس بالدراهم أو بالدنانير، حيث لم يشترط في بيع الفلوس بالدراهم أو بالدنانير قبض البدلين قبل الافتراق، ويكتفي بقبض أحد البدلين. والفرق: أن قضية القياس أن لا يجب قبض البدلين كما في سائر العقود التي ليست بصرف، وإن كان العقد صرفاً قبل الافتراق لكن عرفنا اشتراطه في عقد الصرف وهو بيع الدرهم بالدرهم وبيع الدينار بالدينار وبيع أحد الجنسين بالآخر بالنص، والنص الوارد ثمة لا يكون وارداً في بيع الفلس بالدراهم؛ لأن ثمة الفلوس دون ثمنية الدراهم والدنانير؛ لأن ثمنية الفلوس عارضة على شرف الزوال بالكساد فرد بيع الفلس بالدراهم أو بالدنانير على أصل القياس. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إذا اشترى فلوساً بدراهم على أن بائع الدراهم بالخيار فدفع الدراهم ولم يقبض الفلوس حتى افترقا، فالبيع فاسد؛ لأن قابض الدراهم لم يملك الدراهم لما شرط الخيار لبائع الدراهم؛ لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه فكأنهما افترقا من غير قبض أصلاً، وإن كان الخيار لبائع الفلوس وقد قبض الدراهم، فالبيع جائز؛ لأن بائع الفلوس يملك الدراهم ههنا بالقبض، لأنه مشتري الدراهم وخيار المشتري لا يمنع الملك له فيما اشترى، فلا يمنع صحة القبض، وقد وجد قبض أحد البدلين، وإنه كافٍ في بيع الفلوس بالدراهم أو الدنانير، وعلى قول أبي حنيفة: ينبغي أن لا يجوز هذا العقد؛ لأن عنده خيار الشرط كما يمنع ثبوت الملك للبائع في البدل الذي من جانب المشتري يمنع ثبوت الملك للمشتري في البدل الذي من جانب صاحبه، فلا يملك مشتري الدراهم بالقبض فيتحقق الدينية من الجانبين. ولو شرط النّساء في أحد البدلين في بيع الدراهم بالدنانير، وأشباه ذلك ثم إن المشروط له النسيئة نقد البعض دون البعض فسد البيع في الكل في قول أبي حنيفة، وذلك بأن يشتري ديناراً بعشرة دراهم إلى شهر فنقد خمسة ثم افترقا لا يجوز في حصة الخمسة، فإن اشترى بخمسة نقد وبخمسة نسيئة فنقد الخمسة فافترقا فالصرف فاسد كله؛ لأن العقد وقع على الفساد، ولو نقد العشرة كلها جاز وهذا نقض لما كان قبله ذكر المسألة على هذا الوجه في «المنتقى» . وفي «القدوري» : لو اشترى ديناراً بعشرة دراهم بعينه ثم نقد بعض العشرة دون البعض فسد البيع في الكل في قول أبي حنيفة، وعندهما يصح بمقدار ما قبض ولو قبض الدراهم وهي مستحقة فالقبض صحيح، وإذا أجازه المالك ينفذ. ومما يتصل بهذا الفصل معرفة حد التفرق فاعلم بأن التفرق الذي يوجب بطلان عقد الصرف قبل التقابض فيأخذ كل واحد منهما في جهة أو يذهب أحدهما ويبقى الآخر، فهذا تفرق معتبر يوجب بطلان العقد سواء أكان البيع ديناً بدين كالدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير أو أحدهما بصاحبه. أو كان عيناً بعين كالأواني والقلب وهذا؛ لأن القلب والآنية وإن كان يتعين بالتعيين إلا أن معنى الثمنية لا تبطل بالصنعة؛ لأن هذا معنى

стр. 2966

لازم بأصل التخليق فألحق بجنسه وهو الدراهم والدنانير، فيشترط قبض البدلين في المجلس كما في الدراهم والدنانير. ولو قاما عن مجلس الصرف فذهبا معاً في جهة واحدة فرسخاً أو ما أشبهه ثم تقابضا قبل أن يفارق أحدهما صاحبه جاز العقد، وهذا دليل على أن المعتبر التفرق بالأبدان لا بالذهاب عن مجلس العقد، قال: وكذلك لو طال قعودهما في مجلس العقد أو ناما في مجلس العقد أو أغمي عليهما ثم تقابضا قبل أن يفارق أحدهما صاحبه جاز هكذا ذكر القدوري في «كتابه» . وذكر مسألة النوم والقعود والإغماء علي بن الجعد عن أبي يوسف على نحو ما ذكر القدوري، وذكر ابن رستم عن محمد مسألة الذهاب معاً ميلاً أو أكثر على نحو ما ذكر القدوري، وذكر مسألة النوم بخلاف ما ذكر القدوري فقال: إذا ناما أو نام أحدهما فهذه فرقة، ولو ناما جالسين لم تكن فرقة. وعن محمد رواية أخرى: إذا نام طويلاً بطل الصرف، وإن كان يسيراً فهو على صرفه فهذه المسألة دليل أيضاً أن العبرة للتفرق بالأبدان، والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال «وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تنتظره» ، وقال أيضاً: (١٤٦أ٣) وإن وثب من سطح فثب معه، وكذلك إذا قام أحدهما عن المجلس وبقي الآخر كذلك لا يبطل الصرف ما لم يتفرقا؛ لأنهما لو قاما معاً لا يبطل الصرف فإذا قام أحدهما أولى. قال القدوري في «كتابه» : ولا يشبه هذا خيار المخيرة، يريد به: أن خيار المخيرة يبطل بالقيام عن المجلس؛ لأن خيار المخيرة يبطل بالإعراض والقيام عن المجلس دليل الإعراض. قلنا: بطلان الصرف بالافتراق بالأبدان قبل قبض البدلين، وذلك يتحقق بمجرد قيام أحدهما أو قيامهما عن المجلس. وعن محمد ﵀ رواية أخرى: أنه جعل الصرف بمنزلة خيار المخيرة حتى قال: يبطل بما هو دليل الإعراض كالقيام عن المجلس والنوم طويلاً وأشباه ذلك. وعن محمد: إذا كان لرجل على غيره ألف درهم ولذلك الغير عليه مئة دينار فأرسل من عليه الدراهم إلى صاحبه رسولاً، وقال: بعتك الدنانير التي عليك بالدراهم التي لك علي فقال صاحبه: قد قبلت فهو باطل علل، قال: من قبل أنهما تصارفا وهما مفترقان ومعنى هذا الكلام أن عبارة الرسول تنتقل إلى المرسل، فكأن المرسل باشر البيع مع صاحبه وهما مفترقان، إلا أن الافتراق في غير الصرف ليس بضائر. وعن محمد فيمن قال لقوم: اشهدوا أني اشتريت من ابني الصغير هذا الدينار بعشرة دراهم، ثم قام قبل أن يزن العشرة فهو باطل؛ لأنه لا يمكن اعتبار الافتراق بالأبدان؛ لأن العاقد هو فيعتبر المجلس والله أعلم.

стр. 2967

الفصل الثاني: في بيع الدين بالدين وبالعين وإذا باع الرجل ديناراً بدراهم وليس عند هذا دراهم، ولا عند ذلك الدينار فنقد هذا الدراهم، وذلك الدينار وتقابضا قبل أن يفترقا جاز. فرق بين هذا وبينما إذا باع مكيلاً ليس عنده من آخر تمكيل ليس عند الآخر، ونقد كل واحد منهما ما باعه وتقابضا حيث لا يجوز، والفرق: أن في مسألة المكيل ما يقع عليه لفظ البيع مبيع فيصير بائعاً ما ليس عنده، وذلك لا يجوز أما في مسألة الدراهم بالدنانير يصير مشترياً بما ليس عنده، والشراء بما ليس عند الإنسان صحيح. وروى الحسن عن أبي حنيفة: إذا اشترى فلوساً بدراهم وليس عند هذا فلوس ولا عند هذا دراهم، ثم إن أحدهما دفع وتفرق جاز؛ لأن كل واحد منهما ثمن فيصير كل واحد منهما مشترياً بثمن ليس عنده وذلك جائز، وإنما اكتفى بنقد أحدهما لما ذكرنا قبل هذا: أن في بيع الفلوس بالدراهم يكتفي بقبض أحد البدلين قبل الافتراق. وإن لم ينقد واحد منهما حتى تفرقا لم يجز؛ لأن هذا دين بدين، فإذا اشترى ديناراً بدراهم وليس عند هذا دينار ولا عند هذا دراهم فنقد أحدهما وتفرقا لم يجز؛ لأن هذا صرف، وفي الصرف يشترط قبض البدلين قبل التفرق، ولو باع تبر فضة بفلوس بغير أعيانها وتفرقا قبل أن يتقابضا فهو جائز؛ لأن الدين هاهنا بمنزلة العروض، فكأنه باع عرضاً بفلوس بغير أعيانها، وهناك لا يشترط التقابض كذا هاهنا ولم يكن الدين عنده لم يجز بمنزلة ما لو باع عرضاً ليس عنده بفلوس، وإذا اشترى شيئاً بدين وهما يعلمان أنه لا دين عليه لا يجوز الشراء، ويكون هذا بمنزلة ما لو اشترى بغير ثمن؛ لأنه سمى ما لا يصير ثمناً، ولو اشترى بدين مظنون ثم تصادقا على أنه لا دين فالشراء صحيح بمثل ذلك الدين. الفصل الثالث: في الساعات التي يشترط فيها قبض البدلين حقيقةوما يكتفي فيه بقبض أحدهما حكماً، وما يكتفي منها بقبض أحدهما حقيقة، وما لا يكتفي مسائل هذا الفصل قد ذكرناها بتمامها في أول الفصل السادس من البيوع فلا نعيد ذكرها.

стр. 2968

الفصل الرابع: في الدراهم المغشوشة تباع بالفضة الخالصةوفي الدراهم المغشوشة يشتري بها متاع وزناً أو عدداً بعينها أو بغير عينها مسائل هذا الفصل وقد ذكرنا في أول الفصل السادس من البيوع فلا نعيدها. الفصل الخامس: في الفلوس بعض مسائل هذا الفصل ذكرنا في أول الفصل السادس من البيوع أيضاً: فذكر هاهنا ما لم يذكر ثمة، فمن جملة ما لم يذكر ثمة: إذا اشترى الرجل متاعاً بعينه أو فاكهة بعينها بفلوس ليست عنده فهو جائز؛ لأن الفلوس كالدراهم والدنانير، ولو اشترى شيئاً بعينه مما ذكرنا بدراهم أو بدنانير ليست عنده جاز الشراء كذا هاهنا. وإذا اشترى متاعاً بعينه بفلوس بعينها فله أن يعطي غيرها مما يروج بين الناس لما ذكرنا أن الفلوس ثمن، فصار الشراء بالفلوس بمنزلة الشراء بالدراهم. ولو اشترى متاعاً بعينه بدراهم بعينها كان له أن يعطي مثل تلك الدراهم كذا هاهنا. فإن قيل الفلوس إنما صارت ثمناً باصطلاح الناس لا بالشرع، فإذا عينا الفلوس في العقد فقد قصدا تعليق العقد بالمعين وجعله مثمناً يجب أن يبطل الاصطلاح على الثمينة في حقهما، كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن باع فلساً بعينه بفلسين بأعيانهما، فإنه يجوز وينفسخ الاصطلاح على الثمينة في حقهما تحقيقاً لجواز البيع إذ لا يجوز هذا البيع مع بقاء الثمينة. والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن التعيين محتمل، يجوز أن يكون لتعليق العقد بالمعين، ويجوز أن يكون لبيان قدر الواجب وصفته فكأنه قال: بعت منك بمثل هذه الفلوس، فإن كان البيع لتعليق العقد به ينفسخ ذلك الاصطلاح السابق، وإن كان لبيان القدر الواجب في الذمة وصفته لا ينفسخ الاصطلاح السابق، فلا ينفسخ الاصطلاح بالاحتمال حتى لو تصادقا أنهما قصدا تعليق العقد بعينه يقول بأنه يبطل ذلك الاصطلاح وتصير الفلوس مثمناً لا يجوز للمشتري أن يعطي البائع مثلها، وفيما إذا أورد من المسألة الاصطلاح على الثمنية لم يبطل بسبب التعيين لكون التعيين محتملاً على ما ذكرنا، كما في هذه المسألة، وإنما بطل الاصطلاح ثمة مقتضى جواز البيع؛ لأن البيع لا يجوز وهما ثمنان؛ لأن بيع الثمن واحد باثنين لا يجوز كبيع الدرهم بالدرهمين، وهاهنا الجواز ثابت من غير يقين، فإن بيع المتاع بفلوس في الذمة جاز فلا تبطل الثمنية لا مقتضى جواز البيع ولا مقتضى التعين ولو أعطى تلك الفلوس فافترقا ثم وجد فيها فلساً لا يتفق فرده

стр. 2969

واستبدله هل ينتقض العقد. ففي هذه الصورة وهو ما (١٤٦ب٣) إذا كان الفلوس ثمن متاع لا يبطل العقد سواء كان المردود قليلاً أو كثيراً استبدل أو لم يستبدل؛ لأن أكثر ما فيه أن القبض في الفلوس قد انتقض بالرد وصار كأن لم يكن إلا أنه لو لم يقبض الفلوس وافترقا لا ينتقض العقد؛ لأن الافتراق حصل عن عين بدين كذا هاهنا. وإن كانت الفلوس ثمن الدراهم فهو على وجهين: إما إذا كانت الدراهم مقبوضة أو لم تكن مقبوضة، فإن كانت الدراهم مقبوضة ورد الذي لا يتفق واستبدل أو لم يستبدل فالعقد باق على الصحة؛ فكذلك لو وجد الكل في هذه لا تتفق الصورة فردها واستبدل، فالعقد باق على الصحة؛ لأن أكثر ما فيه أن قبض الدراهم ينتقض بالرد، ويصير كأن لم يكن فكأنه لم يقبض الفلوس، ولكن لو لم يقبض الفلوس والدراهم مقبوضة فافترقا لا ينتقض العقد لما ذكرنا أن بيع الفلوس بالدراهم يكتفى بقبض أحد البدلين قبل الافتراق. فإن لم تكن الدراهم مقبوضة إن وجد كل الفلوس لا تتفق فردها بطل العقد في قول أبي حنيفة وزفر، استبدل في مجلس الرد أو لم يستبدل، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن استبدل في مجلس الرد فالعقد صحيح على حاله، وإن لم يستبدل انتقض العقد، وإن كان البعض لا يتفق فردها، فالقياس: أن ينتقض بقدره قليلاً كان أو كثيراً، استبدل في مجلس الرد أو لم يستبدل في قول أبي حنيفة وهو قول زفر رحمهما الله، ولكن أبا حنيفة استحسن في القليل إذا رده واستبدل في مجلس الرد أن لا ينتقض العقد أصلاً. واختلفت الروايات عن أبي حنيفة في تحديد القليل، فقال في روايته: إذا زاد على النصف فهو كثير وما دونه قليل، في رواية: إذا بلغ النصف فهو كثير، وفي رواية قال: إذا زاد على الثلث وقال أبو يوسف ومحمد: إذا ردها واستبدل في مجلس الرد لا ينتقض العقد قليلاً كان المردود أو كثيراً، هذا إذا كانت الفلوس فلوساً قد تروج وقد لا تروج، فأما إذا كانت الفلوس فلوساً لا تروج بحال، وقد تفرقا فرد الفلوس، ينتقض العقد استبدل في المجلس أو لم يستبدل، فإن وجد بعض الفلوس بهذه الصفة فرد ينتقض العقد بقدره استبدل في مجلس الرد أو لم يستبدل. وإذا اشترى الرجل بدانق فلساً أو بقيراط فلساً، فهذا جائز استحساناً هكذا ذكر في «الأصل» . قال شمس الأئمة الحلواني: هذا إذا كان الدانق أو القيراط معلوماً فيما بين الناس لا يختلف في معاملاتهم، فإذا كان مختلفاً يأخذ بعضهم عشرة وبعضهم تسعة لا يجوز العقد لمكان المنازعة، ولم يذكر شيخ الإسلام خواهرزاده وشمس الأئمة السرخسي هذا الفصل على هذا التفصيل في شرحهما. ولو اشترى شيئاً (بدرهم فلوس) قال في «الكتاب» : كان مثل ذلك في القياس والاستحسان الذي ذكرنا في الدانق أنه يجوز، ثم قال: وهو في الدراهم فحش ولم ينص على الجواز وعدم الجواز، وقال زفر: لا يجوز فيهما، وقال أبو يوسف: إنه يجوز

стр. 2970

فيهما. وروى هشام عن محمد: أنه يجوز فيما دون الدراهم ولا يجوز في الدراهم. وجه قول زفر: أن الدانق والدرهم ذكر الوزن والفلوس عددي فيلغو ذكر الوزن ويبقى ذكر الفلوس ومجرد ذكر الفلوس من غير ذكر العدد لا يكفي لجواز العقد. وأبو يوسف ﵀ يقول بذكر الدانق والدرهم يصير عدد الفلس معلوماً؛ لأن قدر ما يؤخذ الدرهم من الفلوس معلوم في السوق، وكذلك قدر الدانق من الفلوس معلوم في السوق، فتسمية الدرهم والدانق كتسمية ذلك العدد في الإعلام على وجه لا تتمكن المنازعة فيه بينهما. ومحمد يقول فيما دون الدرهم ذكر الاستعمال للعبارة عما يوجد بدون عدد الفلوس فيقام مقام تسمية ذلك العدد، أما في الدراهم وما فوق ذلك لم يكثر استعماله للعبارة عما يوجد به من الفلوس، فلا يقام هو مقام تسمية ذلك العدد فبقي عبارة عن الفضة؛ لأن مطلق اسم الدانق يقع على الدانق من الفضة، ألا ترى أنه لو قال لغيره: بعتك هذا بدانق ينصرف إلى الدانق من الفضة، فإذا ذكر بعد ذلك الفلوس صار تقدير المسألة كأنه قال: بعتك هذا بدانق فضة على أن تعطيني مقام الفضة فلوساً فيكون هذا صفقة في صفقة فلا يجوز. قال: إذا أعطى رجل رجلاً درهماً، وقال: أعطني بنصفه كذا فلساً وبنصفه درهماً صغيراً، وزنه نصف درهم، فهذا جائز؛ لأنه جمع بين عقدين كل واحد منهما يجوز حالة الإنفراد؛ لأنه جمع بين عقد الصرف وعقد البيع؛ لأن ما يخص الدرهم الصغير من الدرهم الكبير صرف، وما يخص الفلوس من الدرهم الكبير بيع فنحكم بالجواز حالة الاجتماع، فإن تفرقا قبل قبض الدرهم الصغير والفلوس، فالعقد قائم في الفلوس منتقض في حصة الدرهم الصغير؛ لأن في حصة الدرهم الصغير صرف، وقد افترقا قبل قبض أحد البدلين، وفي حصة الفلوس العقد بيع، وقد قبض بدله من الدرهم الكبير، ففي حصة الفلوس افتراق العقد حصل عن عين بدين، فإن لم يكن دفع الدرهم الكثير حتى افترقا بطل البيع في الكل. ولو قال: أعطني بنصف هذا الدرهم كذا كذا فلساً، وأعطني بنصفه درهماً صغيراً وزنه نصف درهم إلا حبة، فإن العقد يفسد كله عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز في حصة الفلوس وهذا؛ لأن العقد فسد في الدرهم الصغير لمكان الربا، فإن مقابله نصف درهم إلا حبة يكون رباً، ومن أصل أبي حنيفة أن العقد إذا فسد بعضه يعني الربا يفسد الكل عرف ذلك في كتاب البيوع. وكان الفقيه أبو بكر الأعمش، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵏ يقولون: الصحيح أن العقد يجوز في حصة الفلوس عندهم جميعاً على ما عليه وضع المسألة في «الأصل» ؛ لأن الصفقة صفقتان على ما عليه وضع المسألة في «الأصل» أعطني بنصفه كذا فلساً وأعطني بنصفه الباقي درهماً صغيراً، فإذا تكرر قوله أعطني تكرر العقد ففساد أحدهما لا يوجب فساد

стр. 2971

الآخر بمنزلة ما لو قال لغيره: بعني بنصف هذه الألف عبداً، وبعني بنصفها كذا كذا رطلاً من خمر، وهناك لا يبطل العقد في العبد، وإن بطل في الخمر لما كانت الصفقة متفرقة. وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني والفقيه مظفر بن اليمان والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهرزاده: أنهم صححوا ما ذكر في «الكتاب» ، ووجه ذلك: أن الصفقة متحدة هاهنا؛ لأنها لو تفرقت تفرقت بتكرر قوله أعطني مساومة وبتكرار المساومة لا يتكرر البيع، ألا ترى أن بذكر المساومة لا ينعقد البيع ما لم يقل: اشتريت، وإذا كان (١٤٧أ٣) لا ينعقد البيع ما لم يقل اشتريت، وإذا كان لا ينعقد البيع بذكر المساومة فبتكراره كيف يتكرر العقد فكانت الصفقة واحدة والتقريب ما ذكرنا. ولو قال: أعطني به كذا وكذا فلساً ودرهماً صغيراً، وزنه نصف درهم إلا قيراطاً كان ذلك كله جائز بخلاف المسألة الأولى، في المسألة الأولى صرح بالفساد حيث جعل بإزاء الدرهم الصغيرة نصف درهم من الدرهم الكبير إلا حبة، والعاقدان متى صرحا بفساد العقد لا يحمل على وجه الصحة، أما في هذه المسألة لم يصرحا بفساد العقد، فإنه لم يتيقن للدرهم الصغير حصة الدرهم الكبير، فإنه لم يقل وأعطني بنصف الدرهم الكبير درهماً صغيراً وزنه مثل نصف الدرهم الكبير إلا قيراطاً فيجعل بإزاء الدرهم الكبير مثل وزنه، وذلك نصف درهم إلا قيراطاً، والباقي من الدرهم الكبير يجعل بإزاء الفلوس بخلاف المسألة المتقدمة على ما ذكرنا. ولو اشترى فلوساً بدرهم وافترقا، ثم وجد شيئاً من الفلوس مستحقاً ولم يجزه المستحق، فإن كان مشتري الفلوس نقد الدرهم، فإنه يستبدل مثله ويجوز العقد؛ لأن أكثر ما في الباب أن القبض في المستحق قد انتقض إلا أن الدراهم مقبوضة، وقد ذكرنا أن في بيع الفلس بالدرهم يكتفي بقبض أحد البدلين قبل الافتراق، ألا ترى أنه لو استحق كل الفلوس فردها أو لم يقبض الفلوس أصلاً حتى تفرقا، وكان مشتري الفلوس نقد الدرهم يبقى العقد على الصحة فههنا أولى، وإن لم يكن نقد الدرهم فالعقد ينتقض بقدر المستحق إن كان المستحق بعض الفلوس، وفي الكل إن كان المستحق جميع الفلوس؛ لأن القبض في المستحق قد انتقض فصار كأن لم يكن فكان الافتراق عن دين بدين، إما في الكل، وإما في البعض، وإذا وقع الشراء بالفلوس الرائجة وكسدت الفلوس قبل القبض، أو كان المشتري فلوساً وكسدت قبل القبض فقد ذكرنا هذه المسألة مع أخواتها وما يتصل بها في كتاب البيوع فلا يفيد ذكرها. الفصل السادس: في خيار الرؤية والرد بالعيب والاستحقاق في باب الصرف وإذا اشترى ديناراً بعشرة دراهم وتقابضا، ثم وجد مشتري الدراهم الدراهم كلها (مستحقة) ، فإن كانا في مجلس العقد يتوقف على إجازة المستحق، فإن أجاز جاز، وإن لم

стр. 2972

يجز بطل القبض وصار كأنه لم يكن، فإن قبض دراهم أخرى في مجلس العقد فالصرف صحيح ويجعل كأنه أخر القبض إلى آخر المجلس، وإن لم يقبض بطل العقد، وإن وجدها ستوقة وكان ذلك في مجلس العقد ليس له أن يجوز به؛ لأن الستوقة ليست من جنس بدل الصرف، فيصير مستبدلاً ببدل الصرف قبل القبض، وإن لم يجوز ورده إن استبدل في المجلس جاز وجعل كأنه أخر القبض إلى آخر المجلس، وإن وجدها زيوفاً أو نبهرجة، وكان ذلك في مجلس العقد إن تجوز به المسلم إليه جاز؛ لأن الزيوف من جنس بدل الصرف؛ لأن الزيوف ما كان الفضة فيه غالباً على الغش والعبرة للغالب، فكان الكل فضة فالتجوز به لا يصير مستبدلاً ببدل الصرف، وإن رده واستبدله في مجلس العقد جاز، وإن افترقا قبل الاستبدال بطل الصرف، وأما إذا وجدها أو بعضها مستحقة وكان ذلك بعد الافتراق بأبدانهما إن أجازه المستحق وكانت الدراهم قائمة جاز؛ لأن خيار الإجازة لا يمنع صحة القبض على سبيل التوقف فلا يتبين أن الافتراق حصل من غير قبض بدل الصرف، وإذا صح القبض على سبيل التوقف جاز بإجازته إذا كان رأس المال قائماً، وإذا رد بطل الصرف كله إن كان الكل مستحقاً، وإن كان البعض مستحقاً بطل الصرف بقدره قلّ أو كثر؛ لأن القبض في المستحق موقوف بين أن يكون قبض رأس المال متى أجاز، وبين أن لا يكون قبض رأس المال متى لم يجز. والموقوف بين شيئين إذا تعين أحدهما كان هو الثابت من الأصل، فكان قبض رأس المال لم يوجد أصلاً، وأما إذا وجدها ستوقة أو وجد شيئاً منها ستوقة وكان ذلك بعد الافتراق بأبدانهما إن وجد الكل ستوقة بطل الصرف كله، وإن وجد البعض ستوقة بطل الصرف بقدره تجوز به، أو رده واستبدل مكانه أو لم يستبدل لما ذكرنا أن الستوقة ليست من جنس الدراهم، فتبين أن الافتراق حصل قبل قبض كل بدل الصرف أو قبل قبض بعضه. وفي «نوادر ابن سماعة» وضع هذه المسألة في الإناء فقال: رجل باع من آخر إناء فضة وزنها عشرة بعشرة وتقابضا وتفرقا، ثم وجد بائع الإناء نصف الدنانير ستوقة ردها وله نصف الإناء وللمشتري نصف الإناء وزاد فيه فقال: ولا خيار للمشتري وعلل وقال: لأن هذا جاء من قبله حين لم يستوف الثمن جياداً قبل أن يفارقه، وإن وجدها زيوفاً أو وجد بعضها زيوفاً وكان ذلك بعد الافتراق بأبدانهما، وإن رده إن لم يستبدل في مجلس الرد يبطل الصرف في المردود بلا خلاف، وإن استبدل في مجلس الرد القياس أن يبطل الصرف في المردود وبه أخذ زفر في الاستحسان لا يبطل. والاختلاف في هذا نظير الاختلاف في رأس مال السلم إذا وجده المسلم إليه مستحقاً أو ستوقة أو زيوفاً، وقد ذكرنا الحجج في مسائل السلم في كتاب البيوع، ثم اتفقت الروايات عن أبي حنيفة: أن ما زاد على النصف كثير، وفي النصف روايتان، في رواية جعله كثيراً، وفي رواية جعله قليلاً، وفي رواية قال: إذا زاد على الثلث فهو كثير وقد مر هذا في كتاب البيوع أيضاً.

стр. 2973

وإذا اشترى الرجل سيفاً محلى بدراهم أكثر مما فيه وتقابضا وتفرقا ثم وجد بالسيف عيباً في جفنة أو نصله أو حمائله، فله أن يرد الكل ما وجد فيه العيب وما لم يجد؛ لأنه شيء واحد، وإن رده وقبله صاحبه بغير قضاء قاض، ثم فارقه قبل أن يقبض البدل بطل الرد عند علمائنا الثلاثة وعاد العقد على حاله، وقال زفر: لا يبطل الرد وعلى هذا الخلاف إذا تقايلا الصرف ثم افترقا قبل قبض البدل بطلت الإقالة عند علمائنا الثلاثة قالوا: الإقالة بعد القبض والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء فسخ من وجه بيع جديد من وجه فاعتبرنا بيعاً جديداً في حق وجوب قبض البدل بعد الإقالة قبل الافتراق. قلنا: إذا افترقا بعد الإقالة قبل قبض بدل الصرف تبطل الإقالة واعتبرناه فسخاً في حق جواز الاستبدال، فقلنا: إذا استبدل بعد الإقالة ببدل الصرف يجوز عملاً بالمعينين جميعاً بقدر الإمكان، ولو كان الرد بالعيب بعد القبض بقضاء ثم افترقا قبل أن يقبض البدل لا تبطل الإقالة؛ لأن الرد بالعيب بعد القبض فسخ في حق الكل وقبض البدل إنما يجب بحكم عقد الصرف لا بحكم فسخ الصرف ولا كذلك الرد بعد القبض بغير قضاء (١٤٧ب٣) . ولو اشترى حلي ذهب فيه جوهر مفضض فوجد بالجوهر عيباً، فأراد أن يرد الجوهر دون الحلي ليس له ذلك ويقال له: إما أن ترد الكل أو تترك الكل. وهذا لأن الانتفاع المقصود منه وهو انتفاع التحلي لا يتأتى إلا بالكل، فصار بالنظر إلى المقصود كان الكل شيء واحد، فهو بمنزلة ما لو اشترى مصراعي باب أو مصراعي خف وأراد أن يرد الذي وجد العيب به وحده لم يكن له ذلك والمعنى ما ذكرنا. ولو أن رجلاً اشترى من رجل إبريق فضة فيه ألف درهم بألف درهم، أو اشترى من رجل ألف درهم بمئة دينار وتقابضا، ثم وجد الدراهم ستوقة أو رصاصاً فردها فله أن يفارقه قبل قبض الثمن وقبل قبض الإبريق؛ لأن رد الدراهم حصل بحكم فساد الصرف بسبب الستوقة والرصاص صار فاسداً لحصول الافتراق قبل قبض أحد البدلين والرد بحكم الفساد فسخ من كل وجه. وإذا كان هذا الرد فسخاً من كل وجه صار نظير الرد بالعيب بقضاء القاضي، وهناك لا يضرهما الافتراق قبل قبض البدل فكذا ههنا، ولو كانت الدراهم زيوفاً فردها على قول أبي حنيفة ﵀ إن لم يقبض الدنانير حتى تفرقا لم يضرهما ذلك؛ لأن الرد بالزيافة عند أبي حنيفة إذا كان كثيراً، والرد بالستوقة والرصاص سواء حتى لا يبقى العقد جائزاً، وإن استبدل في مجلس الرد؛ لأنه رد بسبب الفساد فيكون فسخاً من كل وجه. ولو اشترى إناء فضة فلا بيع بينهما؛ لأنه أشار وسمى، والمشار إليه من خلاف جنس المسمى، فيتعلق العقد بالمسمى، وإنه معدوم فلا يقع البيع، ولو كانت فضة سوداء أو حمراء فيها رصاص أو صفر، وهو الذي أفسدها فهو بالخيار، وإن شاء أخذها وإن شاء ردها وهذا؛ لأن المشار إليه من جنس المسمى فأرسله سمي لها فضة في الناس فيتعلق العقد، بالمشار إليه، وإنه موجود فيقع العقد إلا أن به عيب فيثبت الخيار للمشتري

стр. 2974

لمكان العيب، ولو كانت الفضة رديئة من غير غش فليس له الرد؛ لأن حق الرد إنما يثبت لفوات المشروط. كما لو اشترى عبداً على أنه كاتب فوجده غير كاتباً، والنقصان يمكن في المعقود عليه بأن وجد المبيع ثابت الطرف أو ما أشبه ذلك ولم يوجد بشيء من ذلك، أما فوات المشروط؛ لأنه لم يشترط عند العقد إلا كون الإناء من الفضة، والإناء من الفضة كما لو شرط، وإما تمكن النقصان في المعقود عليه العين، وبسبب الرداءة لا يمكن النقصان في العين. يوضحه: أن العيب ما تخلوا عنه أصل الفطرة السليمة، وصفة الرداءة بأصل الخلقة، ألا ترى أن بالرداءة تنعدم صفة الجودة، وبمطلق العقد لا يستحق صفة الجودة، إنما يستحق صفة السلامة. فإذا اشترى إبريق فضة بذهب، ووجد به عيباً فهلك في يده أو حدث به عيب آخر، فله أن يرجع بنقصان العيب وهذا ظاهر، فلو كان الثمن فضة فلم يرجع بالنقصان. والفرق: أن الثمن كان من جنس الإبريق فمتى رجع بالنقصان يرجع بشىء من الثمن، وعند ذلك يظهر التفاضل فيتحقق الربا، وإذا كان الثمن من خلاف جنس الإبريق فمتى رجع بالنقصان لا يظهر التفاضل فلا يتحقق الربا. ولو اشترى ديناراً بعشرة وتقابضا والدراهم زيوف فأنفقه المشتري وهو لا يعلم فلا شيء له على البائع في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ﵀: يرد مثل ما قبض ويرجع بالجياد. وقال القدوري في «شرحه» : والظاهر من قول محمد: أنه مع أبي يوسف، وذكر الكرخي قول أبي حنيفة ﵀ مع محمد. فوجه قول أبي يوسف: أن صفة الجودة متقومه وقد أمكن استدراكه برد مثل المقبوض والرجوع بالجياد، فيرد مثل المقبوض ويستوفي ما كان حقاً له، ولأبي حنيفة: أن المستوفي في مثل جنس حقه أصلاً، إلا أن له حق الرد بسبب العيب، فيتعين المقبوض للرد؛ لأنه لو ردّ عيباً آخر فبقي لا يمكن تحقيق معنى الرد. ولو اشترى ديناراً بعشرة دراهم استحق نصف الدينار، رجع بنصف الدراهم وله نصف الدينار، ولا خيار له في الباقي؛ لأن الشركة في هذا ليس بعيب، وكذلك سر الفضة؛ لأن الشركة فيها ليس بعيب ولا يضرها التبعيض، ولو كان المبيع قلباً فاستحق البعض منه كان للمشتري أن يرد الباقي، إن شاء وإن شاء أمسكه بحصة؛ لأن الشركة ههنا عيب ويرد الباقي بعيب الشركة. ولو باع درهماً بدينار، ثم قال: برئت لك من كل عيب بهذا الدرهم فوجده ستوقاً لم يبرأ. والفرق: أن البراءة وقعت من عيب بالدراهم والزيف درهم قام به العيب الزيافة تحت البراءة، أما الستوقة ليست بدرهم فلا يمكن أن يجعل هذا واحداً تحت البراءة. وعن محمد فيمن قال: أبيعك هذه الدراهم وأراها إياه، ثم وجدها زيوفاً قال: ببدلها إلا أن يقول: هي زيوف أو يبرأ عن عيبها؛ وهذا لأنها وإن عينت لا تتعين، فصار

стр. 2975

وجود التعيين والعدم بمنزلة، ومطلق الدراهم تنصرف إلى الجياد فاستحق صفة الجودة بمطلق الاسم، وقد فاتت صفة الجودة إذا وجدها زيفاً، فكان له أن يبدلها قال: إلا أن شراء عن عينها فحينئذٍ لا يبقى له خيار العيب. وعن محمد: فيمن اشترى ديناراً وتقابضا، ثم إن مشتري الدينار باع الدينار من ثالث، ثم وجد الثالث به عيباً فردها على الأوسط بغير قضاء، كان للأوسط أن يرده على الأول قال: ولا يشبه هذا العروض، والفرق: أن الدنانير المعيبة لا تملك بالعقد؛ لأنها لا تتعين في العقد بالتعيين، وإنما يقع العقد على دراهم في الذمة، والملك في المعيبة يثبت بالقبض، وقد انتقض قبض الثالث بالرد فعاد إلى الأوسط قد تم ملكه فكان له الرد، فأما العروض، فإنها تملك بالعقد عيباً؛ لأنها تتعين بالتعيين في العقد، فإنما يعود إلى البائع بفسخ ذلك المبيع بالرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء إن كان فسخاً في المتعاقدين فهو عقد جديد في حق الثالث، فلم يعد إلى الأوسط قد تم ملكه في حق البائع الأول، فلا يكون له الرد على البائع الأول. قال القدوري في «شرحه» : وليس في الدنانير والدراهم خيار الرؤية إذا كان الكل نوعاً واحداً، وكذلك سائر الديون في العقود وهذا؛ لأن الرد في خيار الرؤية لا يفيد إما؛ لأنه ينفسخ العقد بالرد؛ لأن العقد لم يرد على هذا المعين فكيف ينفسخ العقد برده؛ أو لأنه لو رده يأخذ مثله فيثبت له خيار الرؤية أيضاً، وكذلك في الكرة الثالثة فيؤدي إلى ما لا يتناهى، ولو كان شيئاً بعينه إناءً أو تبراً أو حلياً مصوغاً، فله أن يرد بالعيب وخيار الرؤية؛ (١٤٨أ٣) لأن الرد بخيار الرؤية ههنا مقيد؛ لأنها تتعين في العقد فينفسخ العقد فيه بالرد بخيار الرؤية، ولو استحق بعضه وهو بعينه قبل القبض أو بعده، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ ما بقي بالحصة، وإن شاء ترك فإن استحق ولم يحكم به للمستحق حتى أجاز المستحق جاز وكان الثمن فيما أجازه للمستحق يأخذه البائع ويسلمه إليه؛ وهذا لأن الظاهر الرواية العقد الذي جرى بين البائع والمشتري لا ينفسخ بمجرد الاستحقاق، وكذلك بحكم القاضي وسيأتي ذلك في «أدب القاضي» إن شاء الله. وإذا لم ينفسخ ذلك العقد بمجرد الاستحقاق تلحقه الإجازة من المستحق، ويصير كان للعقد من الابتداء ورد بأن المستحق فيصير البائع وكيلاً من جهته وحقوق العقد تتعلق بالوكيل فيأخذ البائع الثمن من المشتري ويدفع إلى المستحق لهذا، وعن أبي يوسف: أن المستحق إذا قال عند الخصومة: أنا أقيم البينة لآخر العقد فحكم له أجاز بإجازته، وإن لم يقل ذلك لم يجز وههنا روايات أخر وسيأتي جملة ذلك في «أدب القاضي» . ومما يتصل بهذا الفصل إذا اشترى ديناراً بعشرة دراهم وتقابضا ثم جاء بائع الدينار بدراهم زيوف وقال: وجدتها في ذلك الدراهم وأنكر مشتري الدينار أن تكون هذه الدراهم من دراهمه، فالمسألة على وجوه: إما إن أقر بائع الدينار قبل ذلك فقال: قبضت الجياد أو قال: قبضت حقي أو قال: قبضت رأس المال أو قال: استوفيت الدراهم أو قال: قبضت

стр. 2976

الدراهم أو قال: قبضت ولم يرد عليه. ففي الوجه الأول والثاني والثالث والرابع: لا تسمع دعوى بائع الدينار وحتى لا يستحلف مشتري الدينار على ذلك؛ لأن بائع الدينار متناقض في هذه الدعوى. وفي الوجه الخامس: وهو إذا قال: قبضت الدراهم فالقول قول بائع الدينار وعلى مشتري الدينار البينة أنه أعطاه الجياد استحساناً. وجه ذلك: أن بائع الدينار بدعواه أنها من دراهمه وهي زيوف ينكر قبض حقه، ولم يسبق منه إقرار يناقض دعواه؛ لأن الذي سبق منه ليس إلا الإقرار بقبض الدراهم، ومطلق اسم الدراهم يتناول الزيوف فكان بائع الدينار قال: لم أقبض حقي، وقال مشتري الدينار: أوفيت حقك فكان القول قول بائع الدينار وكان على المشتري البينة أنه أوفاه. وكذلك الجواب في الوجه السادس: وهو ما إذا قال بائع الدينار: قبضت ولم يزد على هذه؛ لأنه لو قال: قبضت الدراهم كان القول قوله في دعوى الزيافة فههنا أولى، ولو قال: وجدتها ستوقة أو رصاصاً لا شك أن لا يقبل قوله في الوجوه الأربعة، ففي دعوى الستوقة والرصاص أولى. وكذلك في الوجه الخامس: لا يقبل قوله، وفي الوجه السادس يقبل قوله. فرق بين الوجه السادس وبين الوجه الخامس. والفرق: أن في الوجه الخامس بائع الدينار مناقض في دعوى الستوقة والرصاص، فكأنه أقر أنه قبض الدراهم ثم قال: لم أقبض الدراهم، أما في الوجه السادس: فهو ليس بمناقض في دعوى الستوقة والرصاص؛ لأنه ذكر القبض، أما ما ذكر شيئاً آخر والقبض يرد على الستوق والرصاص كما يرد على الجيد، فهذا هو الفرق بين الصورتين. الفصل السابع: في الرهن والحوالة والكفالة والصرف قال محمد: إذا اشترى الرجل من آخر عشرة دراهم بدينار فنقد الدينار واحد بالدراهم رهناً فهو جائز، يجب بأن يعلم بأن الرهن والحوالة والكفالة ببدل الصرف جائز عند علمائنا الثلاثة؛ لأن بدل الصرف دين فتصح الحوالة والكفالة والارتهان به كما في سائر الديون، فإذا جازت هذه التصرفات نقول بعد هذا إن قبض من المحتال عليه والكفيل قبل الافتراق أو هلك الرهن في يد المرتهن قبل الافتراق ثم الصرف بينهما ويعتبر قيام مجلس المتعاقدين ولا يعتبر افتراق الكفيل والمحتال عليه وعدم افتراقهما؛ لأن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالمتعاقدين فيعتبر قيام مجلس المتعاقدين لا مجلس غيرهما. ولو افترق المتعاقدان والرهن قائم بطل الصرف؛ لأن الافتراق حصل قبل قبض أحد البدلين؛ لأن المرتهن إنما يصير مستوفياً ما وقع الارتهان به بعد الهلاك، فإذا افترق

стр. 2977

قبل الهلاك فقد حصل الافتراق قبل قبض أحد البدلين فكان الصرف باطلاً، وإذا بطل الصرف بالافتراق بقي الرهن مضموناً على المرتهن بأقل من قيمته ومن الدين، وإن برئ الرهن عن الدين لما فسد الرهن بالافتراق؛ لأنه برئ يحلف فإن الدينار يعود إلى ملك المرتهن. والأصل: أن الراهن إذا أبرأ عن الدين يحلف لا يبطل ضمان الرهن، كما لو استوفى المرتهن الدين حقيقة، فإنه لا يبطل ضمان الرهن، وإن برئ الرهن عن الدين بإيفاء الدين؛ لأنه برئ يحلف فبقي ضمان الرهن على حاله كذا ههنا. بخلاف ما لو أبرأ المرتهن الراهن عن الدين حيث يبطل ضمان الرهن؛ لأن الراهن هناك برئ عن الدين من غير حلف، أما ههنا بخلافه أو يقول ضمان الرهن حكم يثبت بالقبض، والقبض باق على ما بطل عقد الصرف بالافتراق، فعند الهلاك يتم الاستيفاء فيما انعقد ضمانه بالقبض، وقد بطل العقد الموجب للاستيفاء فيلزمه رد المستوفي كما لو استوفاه حقيقة. قال: وإذا اشترى الرجل من آخر شيئاً محلى بدينار وقبض السيف ودفع الدينار، وهناك رهناً فالحكم ما ذكرنا في المسألة المتقدمة أنه رهن إن هلك الرهن قبل افتراقهما بقي الصرف على الصحة، فإن افترقا والرهن قائم بطل الصرف وبقي الرهن مضموناً بالأقل من قيمته ومن الدين لما ذكرنا. وإن حصل الارتهان بالسيف بأن نقد المشتري الدينار وأخذ السيف رهناً فهلك الرهن عنده قبل أن يفترقا، فإن بائع السيف على مشتري السيف ولا يصير مشتري السيف مستوفياً السيف بالهلاك؛ إما لأن الاستيفاء العين من العين لا يتصور؛ وإما لأن المرتهن إنما يصير مستوفياً حقه بالهلاك إذا صح الرهن، ولم يصح الرهن ههنا؛ لأن الرهن حصل بالعين وهو السيف فالرهن بالأعيان لا يصح على ما يأتي بيانه في كتاب الرهن إن شاء الله تعالى. وإذا لم يصر المرتهن مستوفياً السيف بهلاك الرهن يؤمر بائع السيف رد السيف على المشتري كما الرهن، ويضمن المرتهن للراهن الأقل من قيمة السيف ومن الرهن؛ لأن الرهن بالعين فاسد وليس بباطل والفاسد من العقود بعد القبض ملحق بالصحيح في حق إفادة حكمه ما أمكن كما في البيع الفاسد، ولم يمكن اعتباره بالصحيح في حق الضمان بأن يجعله مضموناً بالعين الذي حصل به الارتهان فيجعله مضموناً بالأقل من قيمته ومن قيمة العين الذي ارتهن به أو يقول قبض (١٤٨ب٣) الرهن ههنا حصل بجهة الاستيفاء، والمقبوض على جهة الشيء كالمقبوض على حقيقته في الضمان فجعلنا الرهن مضموناً، وجعلناه مضموناً بالأقل من قيمته من السيف كما ذكرنا. قال: وكذلك لو كان مكان السيف منطقة أو سرج مفضض، أو إناء مصوغ أو فضة تبر، وهذا دليل على أن التبر يتعين بالتعيين في العقد، فإنه جعله كالسيف، فإنه لا يجوز أخذ الرهن بعينه.

стр. 2978

الفصل الثامن: في الحط عن بدل الصرف والزيادة فيه قال محمد ﵀: وإذا اشترى الرجل سيفاً محلى بمئة درهم وحلية السيف خمسون وتقابضا، ثم إن بائع السيف حط عن ثمنه درهماً فهو جائز؛ لأن الحط تعلق بأصل العقد، ويخرج ذلك المحطوط من أن يكون ثمناً مكانه من الابتداء، وباع السيف بتسعة وتسعين درهماً، فيكون بمقابلة الحلية مثل وزنها والباقي بمقابلة السيف. ولو أن رجلاً ابتاع من رجل قلب فضة فيه عشرة دراهم بعشرة دراهم وتقابضا، ثم إن بائع القلب حط عن ثمنه درهماً، وقبل المشتري وقبض الدراهم المحطوط من البائع فسد البيع كله في قول أبي حنيفة، وقول أبي يوسف ومحمد: الحط باطل، غير أن عند أبي يوسف لا يصير المحطوط هبة مبتدأ حق كان على مشتري القلب أن يرد الدرهم على بائعه والعقد الأول صحيح، وفي قول محمد: يصير ذلك هبة مبتدأة حتى كان للمشتري أن يمتنع عن تسليم الدراهم إلى البائع. وجه قول أبي يوسف ومحمد في بطلان الحط: أن الحط لو صح لبطل من حيث صح. بيانه: أن الحط لو صح التحق بأصل العقد فيصير العقد فاسداً من الأصل لمكان الربا، وإذا فسد العقد من الأصل، فهو معنى قولنا: أنه لو صح العقد لبطل من حيث صح فلا يصح بهذا الطريق. قلنا: أنه إذا حط جميع الثمن لا يصح حتى لا يفسد العقد؛ لأنه لو صح لبطل من حيث صح؛ لأنه يلتحق بأصل العقد ويبقى العقد بلا ثمن فلا يصح من الابتداء كذلك ههنا. فبعد هذا قال محمد ﵀: يجعل المحطوط هبة مبتدأة؛ لأن الحط لو صح حقيقة أفاد معنى الهبة وهو التمليك بغير عوض فعند تعذر تصحيحه بحقيقته يجعل كناية عن الهبة صيانة للتصرف عن الإلغاء وأبو يوسف لا يجعله هبة مبتدأة؛ إذ ليس في الحط معنى الهبة؛ لأن الهبة إيجاب ملك مبتدأ، والحط إخراج المحطوط عن الإيجاب وليس فيه إيجاب ملك مبتدأ. وأبو حنيفة يقول: إن تعذر تصحيح الحط بحقيقته؛ لأنه لو صح لبطل من حيث صح أمكن أن يجعل مجازاً عن إنشاء العقد بما وراء المحطوط. بيان هذا الكلام: أن في الموضع الذي صح الحط حقيقة بأن لم يكن ثمة ربا كان من حكمه أن يصير العقد الموجود بما وراء المحطوط من الأصل، فعند تعذر العمل بالحقيقة نجعل الحط كناية عن إنشاء العقد بما وراء المحطوط كأن البائع، قال لمشتري القلب ثانياً: بعتك هذا القلب بتسعة دراهم وقبل المشتري، وهناك ينفسخ العقد الأول

стр. 2979

ويثبت الثاني، وإن كان انعقاد الثاني بوصف الفساد إلا أن الفاسد من البيع بمنزلة الصحيح حتى يقع الحنث في اليمين على أن لا يبيع بالبيع الفاسد فيرتفع الأول بالثاني كما كان الثاني صحيحاً. وهكذا نقول في حط جميع الثمن إنّ عند تعذر تصحيحه يجعل كناية عن حكمه إلا أن حكمه بغير ثمن قال: فإذا جعلناه كناية عنه صار كأن البائع قال للمشتري ثانياً: بعتك بغير شيء، ولو قال هكذا لا ينعقد الثاني ولا ينفسخ الأول؛ لأن انفساخ الأول حكم انعقاد الثاني هذا إذا حط بائع القلب عن ثمن القلب درهماً، وقبل البائع ذلك. فعلى قول أبي حنيفة ﵀: تصح الزيادة ويلتحق بأصل العقد ويفسد العقد كله، وعلى قول أبي يوسف ومحمد ﵀: سوّى بين الحط والزيادة فحكم تصحيحهما والتحاقهما بأصل العقد وبفساد العقد بسببهما، وكذلك أبو يوسف سوى بين الزيادة والهبة فلم يصححهما لا بحقيقتهما ولا هبة مبتدأة، ومحمد ﵀ فرق بين الزيادة والحط فصحح الحط هبة مبتدأة ولم يصحح الزيادة هبة مبتدأة. والفرق: أن الحط في معنى الهبة؛ لأن المحطوط يصير ملكاً للمحطوط عنه بغير عوض وليس في الزيادة معنى الهبة؛ لأن الزيادة لو صحت يلتحق بأصل العقد ويأخذ حصته من المبيع، والهبة تمليك بغير عوض، والتمليك بغير عوض لا يصلح كناية عن التمليك بعوض فلهذا افترقا. ولو اشترى قلب فضة وثوباً بعشرين درهماً وفي القلب عشرة دراهم وتقابضا، ثم حط البائع درهماً من ثمنها جميعاً، فإن المحطوط يكون عنهما بصفة في الثوب فيصح البيع في الثوب بحصة من العشرين، ويحط عن ثمنه نصف درهم وهذا بلا خلاف، وكذلك يصح نصف الحط في القلب عند أبي حنيفة ﵀ حتى يفسد العقد في كل القلب؛ لأنه يكون بمقابلته أقل من وزنه إلا أن هذا فساد طارئ فلا يفسد العقد في حصة الثوب. وعلى قول أبي يوسف ومحمد: لا يصح الحط في حصة القلب إلا أن محمداً يجعله هبة مبتدأة، وهذا بخلاف ما لو قال البائع: حططتك درهماً عن ثمنها، ولم يقل جميعاً، فإن الحط يصح كله ويصرف إلى الثوب ويقع العقد جائزاً. ووجه الفرق بينهما: أنه قال: متى حططت عنك من ثمنها ولم يقل جميعاً، فلم يصرح بالفساد فيحتال بصحة الحط ما أمكن؛ لأن ظاهر عقله ودينه يحمله ذلك، وإنما قلنا: أنه لم يصرح بالفساد؛ لأنه وإن كنى عن سين بقوله: هما، إلا أنه يجوز أن يكني عن سين ويراد به أحدهما؛ وهذا لأن الكناية عن الجمع بصريح الجمع، وصريح الجمع يذكر ويراد به الخصوص فكذا الكناية عن الجمع. وإذا كان محتملاً عن الجمع، وإذا كان محتملاً للخصوص حمل عليه بظاهر عقله ودينه احتيالاً للصحة، بخلاف ما لو قال من ثمنها جميعاً؛ لأنه صرح بالفساد؛ لأنه لا يمكن حمله على أحدهما مع قوله جميعاً كلمة تأكيد، وكلمة التأكيد متى ذكر عقيب صريح الجمع، فإنها تذكر لمنع الخصوص لا فائدة له سوى ذلك كما في قوله: ﴿فسجد الملائكة

стр. 2980

كلهم أجمعون﴾ (الحجر: ٣٠) فكذا إذا ذكرت عقيب الكناية عن الجمع كان ذكرها لمنع الخصوص فحمل عليها، وإذا حمل عليها صار كأنه نص فقال: حططت عنك نصف درهم من ثمن القلب، ونصف درهم من ثمن الثوب، وهو قال: صرح بهذا كان ذلك تصريحاً منه بالفساد ههنا. فإن قيل: هذا يشكل بما إذا نقد عشرة وقال: هذا المنقود من ثمنها جميعها، فإنه يجعل المنقود من ثمن القلب استحساناً، وقد ذكر كلمة التأكيد عقيب الكناية عن الجمع، ولم يمنع ذلك الحمل على الخصوص. قلنا: ذكر كلمة التأكيد بعد الكناية (١٤٩أ٣) عن الجمع في مسألة النقد لا يصح؛ لأنه لو لم يذكر كلمة التأكيد بأن قال: من ثمنها ولم يقل جميعاً لم يكن الخصوص ثابتاً من جهته، وإنما كان ثابتاً من جهة الشرع جعل الفضة مستحقة بالفضة في العقد، قال ﵇: «الفضة بالفضة» ، فكذا في القبض تكون مستحقة بالفضة شرعاً، لأن للقبض شبهاً بالعقد من حيث إن القبض يفيد ملك التصرف، كما أن العقد يفيد ملك الرقبة، وإذا كان التخصيص قبل ذكر كلمة التأكيد في مسألة النقد من جهة الشرع لم يمنع الخصوص بسببها، والعدم بمنزلة. ولو عدمت فإنه يجعل المنقود عن القلب فكذا إذا جعل ذكرها كعدمها بخلاف مسألة الحط؛ لأن هناك الخصوص ثابت بدون ذكر كلمة التأكيد من جهته بظاهر عقله ودينه؛ لأن الحط ليس ببيع، ولا هو في البيع، وإنما هو أخذ بعض الثمن من العقد بغير عوض يحصل للبائع. واستحقاق الفضة بالفضة ثابت شرعاً في البيع أو فيما هو في معنى البيع وهو القبض ولم يثبت استحقاق الفضة بجنسها شرعاً في الحط، فكان الخصوص في الحط بدون ذكر كلمة التأكيد ثابتاً من جهة العبد ولا من جهة الشرع، فجاز أن تعمل كلمة التأكيد من جهة العبد في منع الخصوص، وإذا امتنع الخصوص بذكر كلمة التأكيد انصرف الحط إليهما، والتحق بأصل العقد، فكأنه أنشأ البيع وقال: اشتريت منك هذا القلب بتسعة ونصف، ولو صرح بذلك يفسد العقد في القلب ولا يفسد في الثوب كذا هاهنا. قال: وإذا اشترى الرجل سيفاً محلى بخمسين درهماً وحلية السيف خمسون، ثم إن البائع حط عن ثمن السيف درهماً جاز الحط؛ وصرف الحط إلى ما راء الحط احتيالاً بتصحيح الحط؛ لأنه لم يصرح بالفساد لما حط عن ثمن السيف؛ لأن السيف كما يذكر ويراد به الحلية مع النصل، يذكر ويراد به ما وراء الحلية، وإذا كان ما ذكر محتملاً للخصوص خص منه الحلية وصرف الحط إلى ثمن النصل احتيالاً للجواز بظاهر عقله ودينه وأمكن القول به؛ لأنه تخصيص لإيفاء حكم في المخصوص لإتيان حكم آخر في المخصوص، فظاهر الحال حجة لإيفاء ما كان إن لم يصلح لرفع ما كان ثابتاً.
следующие страницы →