Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
الدراهم أو قال: قبضت ولم يرد عليه.
ففي الوجه الأول والثاني والثالث والرابع: لا تسمع دعوى بائع الدينار وحتى لا يستحلف مشتري الدينار على ذلك؛ لأن بائع الدينار متناقض في هذه الدعوى.
وفي الوجه الخامس: وهو إذا قال: قبضت الدراهم فالقول قول بائع الدينار وعلى مشتري الدينار البينة أنه أعطاه الجياد استحساناً.
وجه ذلك: أن بائع الدينار بدعواه أنها من دراهمه وهي زيوف ينكر قبض حقه، ولم يسبق منه إقرار يناقض دعواه؛ لأن الذي سبق منه ليس إلا الإقرار بقبض الدراهم، ومطلق اسم الدراهم يتناول الزيوف فكان بائع الدينار قال: لم أقبض حقي، وقال مشتري الدينار: أوفيت حقك فكان القول قول بائع الدينار وكان على المشتري البينة أنه أوفاه.
وكذلك الجواب في الوجه السادس: وهو ما إذا قال بائع الدينار: قبضت ولم يزد على هذه؛ لأنه لو قال: قبضت الدراهم كان القول قوله في دعوى الزيافة فههنا أولى، ولو قال: وجدتها ستوقة أو رصاصاً لا شك أن لا يقبل قوله في الوجوه الأربعة، ففي دعوى الستوقة والرصاص أولى.
وكذلك في الوجه الخامس: لا يقبل قوله، وفي الوجه السادس يقبل قوله.
فرق بين الوجه السادس وبين الوجه الخامس.
والفرق: أن في الوجه الخامس بائع الدينار مناقض في دعوى الستوقة والرصاص، فكأنه أقر أنه قبض الدراهم ثم قال: لم أقبض الدراهم، أما في الوجه السادس: فهو ليس بمناقض في دعوى الستوقة والرصاص؛ لأنه ذكر القبض، أما ما ذكر شيئاً آخر والقبض يرد على الستوق والرصاص كما يرد على الجيد، فهذا هو الفرق بين الصورتين.
الفصل السابع: في الرهن والحوالة والكفالة والصرف
قال محمد: إذا اشترى الرجل من آخر عشرة دراهم بدينار فنقد الدينار واحد بالدراهم رهناً فهو جائز، يجب بأن يعلم بأن الرهن والحوالة والكفالة ببدل الصرف جائز عند علمائنا الثلاثة؛ لأن بدل الصرف دين فتصح الحوالة والكفالة والارتهان به كما في سائر الديون، فإذا جازت هذه التصرفات نقول بعد هذا إن قبض من المحتال عليه والكفيل قبل الافتراق أو هلك الرهن في يد المرتهن قبل الافتراق ثم الصرف بينهما ويعتبر قيام مجلس المتعاقدين ولا يعتبر افتراق الكفيل والمحتال عليه وعدم افتراقهما؛ لأن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالمتعاقدين فيعتبر قيام مجلس المتعاقدين لا مجلس غيرهما.
ولو افترق المتعاقدان والرهن قائم بطل الصرف؛ لأن الافتراق حصل قبل قبض أحد البدلين؛ لأن المرتهن إنما يصير مستوفياً ما وقع الارتهان به بعد الهلاك، فإذا افترق
стр. 2977
قبل الهلاك فقد حصل الافتراق قبل قبض أحد البدلين فكان الصرف باطلاً، وإذا بطل الصرف بالافتراق بقي الرهن مضموناً على المرتهن بأقل من قيمته ومن الدين، وإن برئ الرهن عن الدين لما فسد الرهن بالافتراق؛ لأنه برئ يحلف فإن الدينار يعود إلى ملك المرتهن.
والأصل: أن الراهن إذا أبرأ عن الدين يحلف لا يبطل ضمان الرهن، كما لو استوفى المرتهن الدين حقيقة، فإنه لا يبطل ضمان الرهن، وإن برئ الرهن عن الدين بإيفاء الدين؛ لأنه برئ يحلف فبقي ضمان الرهن على حاله كذا ههنا.
بخلاف ما لو أبرأ المرتهن الراهن عن الدين حيث يبطل ضمان الرهن؛ لأن الراهن هناك برئ عن الدين من غير حلف، أما ههنا بخلافه أو يقول ضمان الرهن حكم يثبت بالقبض، والقبض باق على ما بطل عقد الصرف بالافتراق، فعند الهلاك يتم الاستيفاء فيما انعقد ضمانه بالقبض، وقد بطل العقد الموجب للاستيفاء فيلزمه رد المستوفي كما لو استوفاه حقيقة.
قال: وإذا اشترى الرجل من آخر شيئاً محلى بدينار وقبض السيف ودفع الدينار، وهناك رهناً فالحكم ما ذكرنا في المسألة المتقدمة أنه رهن إن هلك الرهن قبل افتراقهما بقي الصرف على الصحة، فإن افترقا والرهن قائم بطل الصرف وبقي الرهن مضموناً بالأقل من قيمته ومن الدين لما ذكرنا.
وإن حصل الارتهان بالسيف بأن نقد المشتري الدينار وأخذ السيف رهناً فهلك الرهن عنده قبل أن يفترقا، فإن بائع السيف على مشتري السيف ولا يصير مشتري السيف مستوفياً السيف بالهلاك؛ إما لأن الاستيفاء العين من العين لا يتصور؛ وإما لأن المرتهن إنما يصير مستوفياً حقه بالهلاك إذا صح الرهن، ولم يصح الرهن ههنا؛ لأن الرهن حصل بالعين وهو السيف فالرهن بالأعيان لا يصح على ما يأتي بيانه في كتاب الرهن إن شاء الله تعالى.
وإذا لم يصر المرتهن مستوفياً السيف بهلاك الرهن يؤمر بائع السيف رد السيف على المشتري كما الرهن، ويضمن المرتهن للراهن الأقل من قيمة السيف ومن الرهن؛ لأن الرهن بالعين فاسد وليس بباطل والفاسد من العقود بعد القبض ملحق بالصحيح في حق إفادة حكمه ما أمكن كما في البيع الفاسد، ولم يمكن اعتباره بالصحيح في حق الضمان بأن يجعله مضموناً بالعين الذي حصل به الارتهان فيجعله مضموناً بالأقل من قيمته ومن قيمة العين الذي ارتهن به أو يقول قبض (١٤٨ب٣) الرهن ههنا حصل بجهة الاستيفاء، والمقبوض على جهة الشيء كالمقبوض على حقيقته في الضمان فجعلنا الرهن مضموناً، وجعلناه مضموناً بالأقل من قيمته من السيف كما ذكرنا.
قال: وكذلك لو كان مكان السيف منطقة أو سرج مفضض، أو إناء مصوغ أو فضة تبر، وهذا دليل على أن التبر يتعين بالتعيين في العقد، فإنه جعله كالسيف، فإنه لا يجوز أخذ الرهن بعينه.
стр. 2978
الفصل الثامن: في الحط عن بدل الصرف والزيادة فيه
قال محمد ﵀: وإذا اشترى الرجل سيفاً محلى بمئة درهم وحلية السيف خمسون وتقابضا، ثم إن بائع السيف حط عن ثمنه درهماً فهو جائز؛ لأن الحط تعلق بأصل العقد، ويخرج ذلك المحطوط من أن يكون ثمناً مكانه من الابتداء، وباع السيف بتسعة وتسعين درهماً، فيكون بمقابلة الحلية مثل وزنها والباقي بمقابلة السيف.
ولو أن رجلاً ابتاع من رجل قلب فضة فيه عشرة دراهم بعشرة دراهم وتقابضا، ثم إن بائع القلب حط عن ثمنه درهماً، وقبل المشتري وقبض الدراهم المحطوط من البائع فسد البيع كله في قول أبي حنيفة، وقول أبي يوسف ومحمد: الحط باطل، غير أن عند أبي يوسف لا يصير المحطوط هبة مبتدأ حق كان على مشتري القلب أن يرد الدرهم على بائعه والعقد الأول صحيح، وفي قول محمد: يصير ذلك هبة مبتدأة حتى كان للمشتري أن يمتنع عن تسليم الدراهم إلى البائع.
وجه قول أبي يوسف ومحمد في بطلان الحط: أن الحط لو صح لبطل من حيث صح.
بيانه: أن الحط لو صح التحق بأصل العقد فيصير العقد فاسداً من الأصل لمكان الربا، وإذا فسد العقد من الأصل، فهو معنى قولنا: أنه لو صح العقد لبطل من حيث صح فلا يصح بهذا الطريق.
قلنا: أنه إذا حط جميع الثمن لا يصح حتى لا يفسد العقد؛ لأنه لو صح لبطل من حيث صح؛ لأنه يلتحق بأصل العقد ويبقى العقد بلا ثمن فلا يصح من الابتداء كذلك ههنا.
فبعد هذا قال محمد ﵀: يجعل المحطوط هبة مبتدأة؛ لأن الحط لو صح حقيقة أفاد معنى الهبة وهو التمليك بغير عوض فعند تعذر تصحيحه بحقيقته يجعل كناية عن الهبة صيانة للتصرف عن الإلغاء وأبو يوسف لا يجعله هبة مبتدأة؛ إذ ليس في الحط معنى الهبة؛ لأن الهبة إيجاب ملك مبتدأ، والحط إخراج المحطوط عن الإيجاب وليس فيه إيجاب ملك مبتدأ.
وأبو حنيفة يقول: إن تعذر تصحيح الحط بحقيقته؛ لأنه لو صح لبطل من حيث صح أمكن أن يجعل مجازاً عن إنشاء العقد بما وراء المحطوط.
بيان هذا الكلام: أن في الموضع الذي صح الحط حقيقة بأن لم يكن ثمة ربا كان من حكمه أن يصير العقد الموجود بما وراء المحطوط من الأصل، فعند تعذر العمل بالحقيقة نجعل الحط كناية عن إنشاء العقد بما وراء المحطوط كأن البائع، قال لمشتري القلب ثانياً: بعتك هذا القلب بتسعة دراهم وقبل المشتري، وهناك ينفسخ العقد الأول
стр. 2979
ويثبت الثاني، وإن كان انعقاد الثاني بوصف الفساد إلا أن الفاسد من البيع بمنزلة الصحيح حتى يقع الحنث في اليمين على أن لا يبيع بالبيع الفاسد فيرتفع الأول بالثاني كما كان الثاني صحيحاً.
وهكذا نقول في حط جميع الثمن إنّ عند تعذر تصحيحه يجعل كناية عن حكمه إلا أن حكمه بغير ثمن قال: فإذا جعلناه كناية عنه صار كأن البائع قال للمشتري ثانياً: بعتك بغير شيء، ولو قال هكذا لا ينعقد الثاني ولا ينفسخ الأول؛ لأن انفساخ الأول حكم انعقاد الثاني هذا إذا حط بائع القلب عن ثمن القلب درهماً، وقبل البائع ذلك.
فعلى قول أبي حنيفة ﵀: تصح الزيادة ويلتحق بأصل العقد ويفسد العقد كله، وعلى قول أبي يوسف ومحمد ﵀: سوّى بين الحط والزيادة فحكم تصحيحهما والتحاقهما بأصل العقد وبفساد العقد بسببهما، وكذلك أبو يوسف سوى بين الزيادة والهبة فلم يصححهما لا بحقيقتهما ولا هبة مبتدأة، ومحمد ﵀ فرق بين الزيادة والحط فصحح الحط هبة مبتدأة ولم يصحح الزيادة هبة مبتدأة.
والفرق: أن الحط في معنى الهبة؛ لأن المحطوط يصير ملكاً للمحطوط عنه بغير عوض وليس في الزيادة معنى الهبة؛ لأن الزيادة لو صحت يلتحق بأصل العقد ويأخذ حصته من المبيع، والهبة تمليك بغير عوض، والتمليك بغير عوض لا يصلح كناية عن التمليك بعوض فلهذا افترقا.
ولو اشترى قلب فضة وثوباً بعشرين درهماً وفي القلب عشرة دراهم وتقابضا، ثم حط البائع درهماً من ثمنها جميعاً، فإن المحطوط يكون عنهما بصفة في الثوب فيصح البيع في الثوب بحصة من العشرين، ويحط عن ثمنه نصف درهم وهذا بلا خلاف، وكذلك يصح نصف الحط في القلب عند أبي حنيفة ﵀ حتى يفسد العقد في كل القلب؛ لأنه يكون بمقابلته أقل من وزنه إلا أن هذا فساد طارئ فلا يفسد العقد في حصة الثوب.
وعلى قول أبي يوسف ومحمد: لا يصح الحط في حصة القلب إلا أن محمداً يجعله هبة مبتدأة، وهذا بخلاف ما لو قال البائع: حططتك درهماً عن ثمنها، ولم يقل جميعاً، فإن الحط يصح كله ويصرف إلى الثوب ويقع العقد جائزاً.
ووجه الفرق بينهما: أنه قال: متى حططت عنك من ثمنها ولم يقل جميعاً، فلم يصرح بالفساد فيحتال بصحة الحط ما أمكن؛ لأن ظاهر عقله ودينه يحمله ذلك، وإنما قلنا: أنه لم يصرح بالفساد؛ لأنه وإن كنى عن سين بقوله: هما، إلا أنه يجوز أن يكني عن سين ويراد به أحدهما؛ وهذا لأن الكناية عن الجمع بصريح الجمع، وصريح الجمع يذكر ويراد به الخصوص فكذا الكناية عن الجمع.
وإذا كان محتملاً عن الجمع، وإذا كان محتملاً للخصوص حمل عليه بظاهر عقله ودينه احتيالاً للصحة، بخلاف ما لو قال من ثمنها جميعاً؛ لأنه صرح بالفساد؛ لأنه لا يمكن حمله على أحدهما مع قوله جميعاً كلمة تأكيد، وكلمة التأكيد متى ذكر عقيب صريح الجمع، فإنها تذكر لمنع الخصوص لا فائدة له سوى ذلك كما في قوله: ﴿فسجد الملائكة
стр. 2980
كلهم أجمعون﴾ (الحجر: ٣٠) فكذا إذا ذكرت عقيب الكناية عن الجمع كان ذكرها لمنع الخصوص فحمل عليها، وإذا حمل عليها صار كأنه نص فقال: حططت عنك نصف درهم من ثمن القلب، ونصف درهم من ثمن الثوب، وهو قال: صرح بهذا كان ذلك تصريحاً منه بالفساد ههنا.
فإن قيل: هذا يشكل بما إذا نقد عشرة وقال: هذا المنقود من ثمنها جميعها، فإنه يجعل المنقود من ثمن القلب استحساناً، وقد ذكر كلمة التأكيد عقيب الكناية عن الجمع، ولم يمنع ذلك الحمل على الخصوص.
قلنا: ذكر كلمة التأكيد بعد الكناية (١٤٩أ٣) عن الجمع في مسألة النقد لا يصح؛ لأنه لو لم يذكر كلمة التأكيد بأن قال: من ثمنها ولم يقل جميعاً لم يكن الخصوص ثابتاً من جهته، وإنما كان ثابتاً من جهة الشرع جعل الفضة مستحقة بالفضة في العقد، قال ﵇: «الفضة بالفضة» ، فكذا في القبض تكون مستحقة بالفضة شرعاً، لأن للقبض شبهاً بالعقد من حيث إن القبض يفيد ملك التصرف، كما أن العقد يفيد ملك الرقبة، وإذا كان التخصيص قبل ذكر كلمة التأكيد في مسألة النقد من جهة الشرع لم يمنع الخصوص بسببها، والعدم بمنزلة.
ولو عدمت فإنه يجعل المنقود عن القلب فكذا إذا جعل ذكرها كعدمها بخلاف مسألة الحط؛ لأن هناك الخصوص ثابت بدون ذكر كلمة التأكيد من جهته بظاهر عقله ودينه؛ لأن الحط ليس ببيع، ولا هو في البيع، وإنما هو أخذ بعض الثمن من العقد بغير عوض يحصل للبائع.
واستحقاق الفضة بالفضة ثابت شرعاً في البيع أو فيما هو في معنى البيع وهو القبض ولم يثبت استحقاق الفضة بجنسها شرعاً في الحط، فكان الخصوص في الحط بدون ذكر كلمة التأكيد ثابتاً من جهة العبد ولا من جهة الشرع، فجاز أن تعمل كلمة التأكيد من جهة العبد في منع الخصوص، وإذا امتنع الخصوص بذكر كلمة التأكيد انصرف الحط إليهما، والتحق بأصل العقد، فكأنه أنشأ البيع وقال: اشتريت منك هذا القلب بتسعة ونصف، ولو صرح بذلك يفسد العقد في القلب ولا يفسد في الثوب كذا هاهنا.
قال: وإذا اشترى الرجل سيفاً محلى بخمسين درهماً وحلية السيف خمسون، ثم إن البائع حط عن ثمن السيف درهماً جاز الحط؛ وصرف الحط إلى ما راء الحط احتيالاً بتصحيح الحط؛ لأنه لم يصرح بالفساد لما حط عن ثمن السيف؛ لأن السيف كما يذكر ويراد به الحلية مع النصل، يذكر ويراد به ما وراء الحلية، وإذا كان ما ذكر محتملاً للخصوص خص منه الحلية وصرف الحط إلى ثمن النصل احتيالاً للجواز بظاهر عقله ودينه وأمكن القول به؛ لأنه تخصيص لإيفاء حكم في المخصوص لإتيان حكم آخر في المخصوص، فظاهر الحال حجة لإيفاء ما كان إن لم يصلح لرفع ما كان ثابتاً.
стр. 2981
قال: ولو أن رجلاً اشترى آخر قلب فضة بعشرين ديناراً أو تقابضا، ثم إن بائع القلب حط عن المشتري عشرة دنانير فذلك جائز؛ لأن هذا الحط لو صح لا يبطل من حيث صح؛ لأنه يلتحق بأصل العقد، ويجعل من الابتداء كأنه باع قلب فضة بعشرة دنانير، وبيع القلب من الفضة بعشرة دنانير جائز كيف ما كان لاختلاف الجنس، ثم يبقى الحط جائزاً، وإن لم يقبض مشتري القلب قدر المحطوط من بائع القلب في مجلس الحط؛ لأن الحط ليس بصرف لا حقيقة ولا معنىً؛ لأنه إخراج بعض الثمن عن العقد من غير عوض يحصل للبائع، فإن قدر الحط يرجع إلى ملك المشتري من غير عوض، وإذا لم يكن فيه معنى البيع لا يمكن أن يعتبر صرفاً في حق الثالث فلا يجب القبض بخلاف الإقالة؛ لأنها بيع معنى فيمكن أن يعتبر صرفاً في حق الثالث فيجب القبض.g
قال: وإذا اشترى قلب فضة فيه عشرة دراهم بدينار ثم إن أحدهما زاد صاحبه شيئاً ينطر إن زاد بائع القلب وكانت الزيادة ثوباً ورضي به مشتري القلب فالزيادة جائزة؛ لأن الزيادة لو صحت لا تبطل من حيث صحت؛ لأنها تلتحق بأصل العقد من الابتداء، ورد على قلب فضة فيه عشرة دراهم، وعلى ثوب بدينار بذلك وذلك جائز، فهاهنا كذلك.
ولا يشترط قبض الثوب في المجلس؛ لأن ما يخص الثوب من الدينار بيع وليس بصرف، فإن كانت الزيادة ذهباً وكانت من قبل البائع ينطر إن كانت الزيادة ديناراً أو أكثر صحت الزيادة عند أبي حنيفة ﵀ ويبطل العقد؛ لأن الدينار يكون بالدينار فيبقى القلب ربا، إن كانت الزيادة ديناراً ويبقى القلب مع شئ من الدينار ربا إن كانت الزيادة أكثر من الدينار.
وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لا تصح الزيادة ويبقى العقد على الصحة، وإن كانت الزيادة نصف دينار فهو جائز، وتلتحق الزيادة بأصل العقد، وصار كأنه باع قلب فضة ونصف دينار بدينار وذلك جائز، إلا أنه يشرط قبض الزيادة في مجلس الزيادة بدل الصرف.
فإن قيل: كان ينبغي أن لا يصح العقد في الزيادة، وإن وجد قبض الزيادة في مجلس الزيادة، لأن الزيادة متى صحت التحقت بأصل العقد وصارت كالموجود لدى العقد، فإذا صارت كالموجود لدى العقد كأنه باع قلب فضة ونصف دينار بدينار، وقبض الدينار وسلم القلب ولم يسلم نصف الدينار حتى تفرقا، وهناك لا يصح العقد في الزيادة وهي نصف الدينار كذا هاهنا.
والجواب: لأن الزيادة متى صحت التحقت بأصل العقد القائم وقت الزيادة، ولا يستند إلى وقت إنشاء العقد حتى لا يثبت الملك في الزيادة مستنداً إلى وقت إنشاء العقد، وإنما يثبت الملك في الزيادة من وقت شرط الزيادة وهذا؛ لأن ثبوت الزيادة وقول العاقد ردت، وإنه وجد الآن والحكم لا يثبت.
فهو معنى قولنا: أن الزيادة لا تلتحق بإنشاء العقد السابق، وإنما تلتحق بأصل العقد القائم حكماً؛ وهذا لأن أصل العقد السابق قائم في الحال حكماً ولهذا يرد عليه الفسخ، وإذا التحقت بالزيادة بالعقد القائم وقت شرط الزيادة كان مجلس الزيادة في حق الزيادة كمجلس العقد، فلهذا يصح قبض الزيادة في
стр. 2982
مجلس الزيادة، وإن لم يقبض الزيادة في مجلس الزيادة بطل العقد في الزيادة بما يخصها من الدينار؛ ولأن بعض الدينار صار بمقابلة الزيادة وقد بطل العقد في الزيادة فيبطل فيما يخصها من الدينار هذا إذا كانت الزيادة من بائع القلب ثوباً أو ذهباً.
وإن كانت الزيادة من بائع القلب، فإنه يجوز وإن كثرت؛ لأنه يصير بائعاً القلب مع الفضة بدينار فيجوز كيف ما كان، وإن كانت الزيادة ذهباً، فإن كانت ديناراً أو أكثر جازت الزيادة، ويصير كأن مشتري القلب اشترى القلب بدينار أو بأكثر منهما وكل ذلك جائز، إلا أنه يشترط قبض الزيادة في مجلس الزيادة، وإن لم يقبضها بطل الصرف في القلب بحصة الزيادة من القلب صرف، فإذا لم يوجد قبض الزيادة في المجلس بطل الصرف في الزيادة فيبطل فيما يخصها من القلب ضرورة، وإن كان مشتري القلب زاد فضة، فإن كانت الفضة مثل القلب أو أكثر لا يجوز؛ لأن القلب يكون بمثله من الفضة فيبقى الدينار مع شئ من الفضة ربا، وإن كانت الفضة أقل من القلب يجوز وتصير الفضة بمثلها من القلب، والباقي من القلب يكون بإزاء الدينار فيجوز.
وإذا اشترى سيفاً محلى فيه خمسون درهماً بمئة درهم وتقابضا، ثم زاد مشتري السيف درهماً أو ديناراً فهو جائز، وتصرف الزيادة إلى ما وراء الحلية وهو النصل بظاهر عقله ودينه احتيالاً للجواز، وإن تفرقا قبل قبض الزيادة لا تبطل الزيادة لما ذكرنا أن الزيادة في ثمن النصل لا في ثمن الحلية، ولو كان بائع السيف هو الذي زاد ديناراً صحت الزيادة وصار كأنه باع سيفاً فيه (١٤٩ب٣) خمسون درهماً وديناراً بمئة درهم، فإن لم يقبض وتفرقا انتقض العقد في الدراهم بحصة الدينار لما ذكرنا أن من حيث المعنى، كأنه باع سيفاً فيه خمسون درهماً وديناراً بمئة درهم، فإن لم يقبض وتفرقا انتقض العقد في الدراهم بحصة الدينار لما ذكرنا أن من حيث المعنى، كأنه باع سيفاً فيه خمسون درهماً وديناراً بمئة درهم فخمسون درهماً من الثمن يكون بمقابلةِ الحلية، والخمسون الباقية تقسم على الدينار وعلى قيمة النصل، فما أصاب الدينار يجب رده؛ لأن العقد قد انتقض فيه بترك قبض الدينار في المجلس.
قال في «الجامع» : إذا اشترى فضة بمئة دينار وتقابضا وهو قائم التقيا فزاد المشتري البائع في الثمن عشرة دنانير تصح الزيادة، ويشترط قبض الزيادة، ولا يشترط قبض الإبريق في الحال، وإن كانت الزيادة مقابل الإبريق في الحال إلا أن الزيادة للحال لا مقابل الإبريق حقيقة، وإنما مقابله تسمية؛ لأن الإبريق صار مملوكاً له بكماله بأصل الثمن، وبالزيادة لا يزداد ملكه ولم ينفسخ العقد بشرط الزيادة؛ لأن الزيادة لا تقابل الإبريق للحال حقيقة، وإنما تقابله صورة، غير أنها إذا صحت التحقت بأصل العقد فتثبت المقابلة من وقت وجود العقد من حيث المعنى، وإنه أقوى من المقابلة من حيث الصورة، وقبضُ الإبريق موجود وقت العقد حقيقة فوقعت الغيبة عن اشتراط قبضه وقت المقابلة صورة، أما في حق الزيادة لا يمكن اعتبار القبض وقت المقابلة معنى فاعتبرناه وقت وجود المقابلة صورة والله أعلم.
стр. 2983
الفصل التاسع: في الصلح في الصرف
رجل اشترى من رجل عبداً وتقابضا ثم وجد مشتري العبد بالعبد عيباً، وخاصم البائع فيه فأقر البائع بالعيب وجحده وصالح المشتري عن العيب على دنانير فهذا (على) وجهين:
الأول: أن يكون بدل الصلح أقل من حصة العيب من الثمن بأن كان حصة العيب من الثمن عشرة دنانير، ووقع الصلح على أقل من عشرة دنانير وافترقا قبل التقابض فالصلح جائز.
من مشايخنا من قال: ما ذكر من الجواب يستقيم على قولهما، أما على قول أبي حنيفة: ينبغي أن لا يجوز الصلح إذا افترقا قبل التقابض.
وهذا الاختلاف يرجع إلى اختلافهم في المغصوب منه إذا صلح مع الغاصب بعد هلاك المغصوب على أكثر من قيمته على قول أبي حنيفة: يجوز؛ لأن حق المغصوب منه بمجرد الهلاك لا ينتقل عن العين إلى القيمة إلا بقضاء أو رضاء فقبل القضاء والصلح يكون الصلح واقعاً عن الجزء الغائب، وإنه دين معنى فيبطل الصلح بالافتراق عن المجلس قبل قبض البدل؛ لأن الافتراق يكون عن دين بدين.
وعلى قول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صلح المغصوب منه مع الغاصب على أكثر من قيمته لا يجوز؛ لأن عندهما حق المغصوب منه بمجرد الهلاك ينتقل عن العين إلى القيمة فيكون الصلح واقعاً عن القيمة، فلا يجوز على أكثر من القيمة لمكان الربا فكذا هاهنا حق المشتري ينتقل عن الجزء الغائب إلى حصة من الثمن، وذلك عشرة دنانير، فيكون الصلح واقعاً من حيث المعنى على عشرة دنانير على ثمانية دنانير، ولو كان هكذا حقيقة لا يبطل الصلح بالافتراق قبل قبض بدل الصلح؛ لأن هذا ليس بصرف بل هو استيفاء لبعض الحق وإسقاط لبعض الحق كذا هاهنا.
ومن المشايخ من قال: ما ذكر ههنا قول الكل، وهذا القائل يقول بأن حق المشتري في الجزء الغائب ينتقل إلى حصته من الثمن من غير أن يحتاج فيه إلى قضاء القاضي أو التراضي.
وفرق هذا القائل على قول أبي حنيفة ﵀ من هذه المسألة الغصب.
والفرق: أن في باب الغصب حق المالك كان في عين المغصوب قبل الهلاك لو انتقل إلى القيمة؛ إنما ينتقل بنفس الهلاك وليس من ضرورة الهلاك انتقال الحق إلى القيمة؛ لأن الهلاك على ملكه مقصور بأن أبرأ الغاصب عن ضمان الغصب، وإذا لم يكن
стр. 2984
من ضرورة الهلاك إسقاط الحق إلى القيمة يفي حق المغصوب منه في عين العبد، فإنما صالح عن عين المغصوب لا عن قيمته، فيجوز كيف ما وقع الصلح، فأما حق المشتري في الأصل في الثمن لا في المبيع، وإنما انتقل إلى المبيع وأجزأ به بالبيع، فإذا عجز البائع عن تسليم شيء منه قبل القبض عجزاً لا يرجى زواله انفسخ البيع وانتقل حقه إلى الثمن.
ألا ترى أنه لو هلك المبيع كله قبل القبض ينتقل حق المشتري إلى جملة الثمن ولا يحتاج فيه إلى القضاء والتراضي، فكذا إذا هلك البعض، وإذا انتقل حق المشتري إلى حصة الجزء الغائب من الثمن، فلا يبطل الافتراق قبل القبض لما قلنا لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
فأما إذا وقع الصلح على أكثر من حصة العين، فإن كانت الزيادة بحيث يتغابن الناس في مثلها يجوز، وإن كانت الزيادة بحيث لا يتغابن الناس في مثلها بأن وقع الصلح على اثني عشر ديناراً، فعلى قول أبي حنيفة: يجوز الصلح، وعلى قولهما: لا يجوز.
وجه قولهما: أن الصلح وقع عن حصة العيب من الثمن، فإذا كانت حصة العيب من الثمن عشرة، ووقع الصلح على اثني عشر فقد تمكن الربا.
ولأبي حنيفة: أنه إن تعذر تجويز هذا الصلح بطريق المعاوضة لمكان الربا أمكن تصحيحه بطريق أخر بأن يجعل البائع موفياً حصة العيب بتمامه، وذلك عشرة حطا حاطا دينارين عن ثمن الباقي، ولو كان كذلك يصح ما صنع ويجب رد دينارين عن ثمن الباقي إن كان الثمن مقبوضاً ويسقط عن المشتري هذا القدر إن لم يكن الثمن مقبوضاً كذا هاهنا.
وإن كان البائع صالح المشتري عن العيب على دراهم، فإن قبض بدل الصلح قبل أن يتفرقا قبل قبض بدل الصلح بطل الصلح وقع عن حصة الجزء الغائب عن الثمن، وحصة الجزء الغائب من الثمن دنانير، فإذا صالحه على دراهم لا يمكن تصحيحه بطريق استيفاء البعض؛ لأن الجنس يختلف لو صح بطريق المعاوضة وتعذر تجويزه بطريق المعاوضة؛ لأنه صرف، والصرف لا يصح إذا وقع الافتراق قبل قبض أحد البدلين.
وإذا ادعى رجل على رجل مئة درهم فأنكر المدعى عليه ذلك، أو أقر ثم صالحه منها على عشرة دراهم حالة أو إلى أجل، ثم افترقا قبل القبض فالصلح جائز، أما إذا كان الصلح عن إقرار؛ فلأن هذا الصلح استيفاء للبعض وإبراء عن البعض في زعم المدعى عليه، وليس بصرف فلا يبطل بالافتراق قبل القبض، وكذلك لو كان فيه خيار لأحدهما فافترقا قبل التقابض لا يبطل الصلح؛ لأن أثر الخيار في فوات القبض، وهذا الصلح لا يبطل بفوات القبض فاشتراط الخيار كيف يؤثر فيه.
وإن كان صالحه على خمسةِ دنانير وافترقا قبل التقابض بطل الصلح، وإن افترقا بعد القبض فالصلح صحيح على خلاف جنس الحق، فلا يمكن تصحيحه إلا بطريق المعاوضة (١٥٠أ٣) فيكون صرفاً، والتقابض في الصرف شرط.
стр. 2985
وإذا ماتت المرأة وتركت ميراثاً من رقيق وثياب، وميراثها كله عبداً بها فصالح الأب زوجها على مئة دينار فهذا على وجهين:
الأول: أن يعلم نصيب الزوج من الذهب المتروكة، وفي هذا الوجه إن كان بدل الصلح أكثر من نصيب الزوج من الذهب يجوز، وإن كان مثله أو أقل لا يجوز.
الثاني: إذا كان لا يعلم نصيب الزوج من الذهب المتروك، وفي هذا الوجه لا يجوز الصلح.
وكذلك إذا صالحه على خمسمئة درهم فهو على وجهين أيضاً: إما أن يعلم نصيب الزوج من الدراهم المتروكة أولم يعلم.
والجواب في الوجهين على ما ذكرنا في فصل الذهب، وإن كان صالحه على مئة درهم وخمسين ديناراً جاز الصلح كيف ما كان، أما إذا كان بدل الصلح من كل واحد من الجنسين يجعل مثله من جنسه من بدل الصلح والفاضل من بدل الصلح يجعل بإزاء العروض، وإذا كان بدل الصلح من كل واحد من الجنسين مثل حصة الزوج من ذلك؛ فلأن بدل الصلح من الذهب يصرف إلى الفضة من التركة، وبدل الصلح من الفضة يصرف إلى الذهب من التركة والمتاع والرقيق تحرياً للجواز وطلباً للحصة، فإن وجد التقابض بقي الصلح في الكل على الصحة.
وإن لم يوجد التقابض يبطل الصلح هكذا ذكر في «الكتاب» : ويجب أن يقال بأن الصلح في حصة الصرف يبطل، وكذلك في حصة اللألئ والجواهر التي لا يمكن نزعه إلا بضرر، وأما فيما عدا ذلك من الثياب والمتاع والعروض فالصلح يبقى على الصحة.
وهو نظير ما لو اشترى ثوباً قيمته عشرة دراهم بعشرين ديناراً أو تفرقا من غير قبض يبطل العقد بحصة الصرف، ويبقى في الثوب بحصته على الصحة كذا هاهنا، وإن قبض الزوج الدراهم والدنانير التي هي بدل الصلح وكان الميراث في بيت الأب ولم يكن حاضراً في مجلس الصلح، فإن الصلح يبطل بحصة من الذهب والفضة.
هكذا ذكر في «الكتاب» : وهذا إذا كان الأب مقراً للزوج بما عنده حتى يكون نصيب الزوج أمانة في يده؛ لأن قبض الأمانة لا تنوب عن قبض الشراء فيجعل الافتراق بغير قبض فتبطل حصة الصرف وحصة ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر كالجوهر المرصع واللؤلؤ المرصع.
فإما إذا كان جاحداً للزوج ما عنده فالصلح صحيح في الكل؛ ولأن الأب إذا كان جاحد اً للزوج ما عنده كان الأب غاصباً نصيب الزوج، وقبض الغصب ينوب عن قبض الشراء، فإذا قبض بدل الصلح فالافتراق حصل بعد التقابض، فلا يبطل الصلح في حصة الصرف، وكذلك إذا كان الأب مقراً للزوج بما عنده إلا أن المشتري كان غاصباً حاضراً في مجلس الصلح، فالصلح جائز في الكل؛ لأن الزوج قبض بدل الصلح والأب قبض نصيب الزوج من التركة؛ لأنه يمكن من قبضه حقيقة إذا كان حاضراً في مجلس الصلح والتمكن من القبض حكماً عرف ذلك في موضعه فحصل الافتراق بعد قبض البدلين
стр. 2986
وستأتي هذه المسألة من طرف المرأة مع زيادة كما يأتي في كتاب الصلح إن شاء الله.
ثم إذا ادعى رجل سيفاً محلى بعينه في يدي رجل فصالحه المدعى عليه عشرة دنانير يدفعها المدعى عليه على المدعي فقبض المدعي منها خمسة، واشترى بالخمسة الأخرى ثوباً، فإن كانت الخمسة المقبوضة مقدار حصة الحلية فالصلح صحيح؛ لأن المنقود يجعل بإزاء الحلية مستحق في المجلس وقبض حصة والثوب ليس بمستحق.
وإذا جعلنا المنقود حصة الحلية حصل الافتراق بعد قبض البدلين فيما هو صرف؛ لأن موضوع المسألة المدعى عليه جاحداً للسيف حتى يكون غاصباً لها، وقبض الغصب ينوب عن قبض الشراء، وإن كان المدعى عليه مقراً بالسيف كان حاضراً في مجلس الصلح، وما بقي من بدل الصلح غير منقود فهو ثمن النصل والاستبدال بثمن النصل قبل القبض جائز، فإن كانت الخمسة المنقودة أقل من مقدار حصة الحلية فالصلح باطل في الكل.
أما في حصة الحلية فلا إشكال؛ لأنه بطل في بعضه فيبطل في الباقي؛ لأنه شئٌ واحد، وأما في حصة الشراء؛ لأنه دخل بعض الحلية في شراء الثوب والاستبدال ببدل الصرف قبل القبض لا يجوز لما فيه من فوات القبض، وإذا بطل شراء الثوب في البعض بطل في الباقي عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن شراء الثوب في البعض بطل معنى الربا؛ لأنه بطل لما فيه من فوات القبض في أحد البدلين في صرف يمكن ربا النساء، وإذا صار بعض بدل الحلية مشروطاً في شراء الثوب فقد بطل شراء بعض الثوب لمكان ربا فيه فيبطل في الباقي.
كما لو سلم حنطة في شعير وزيت وعندهما شراء الثوب يبطل بقدر ما صار من حصة الحلية داخلاً فيه ويبقى في الباقي كما في مسألة السلم.
وإذا اشترى الرجل إبريق فضة بمئة دينار وفي الإبريق ألف درهم وتقابضا، ثم وجد مشتري الإبريق بالإبريق (عيباً) وهو قائم بعينه حتى كان له رد الإبريق فصالح بائع الإبريق المشتري على دينار وقبض المشتري الدينار أو لم يقبض حتى تفرقا فالصلح ماضٍ.
ذكر المسألة في «الأصل» : من غير ذكر خلاف وهذا الجواب على قولهما مستقيم، وكذلك على قول أبي حنيفة ﵀ على قول من يقول من المشايخ: أن الصلح وقع عن حصة العيب من الثمن؛ لأن حصة العيب من الثمن دينار وبدل الصلح دينار أيضاً، فيكون هذا الصلح واقعاً على جنس حقه فلا يكون صرفاً، وإن وقع الصلح على عشرة دراهم، فإن قبض المشتري الدراهم قبل أن يتفرقا فالصلح جائز، وإن لم يقبض حتى تفرقا بطل الصلح؛ لأن الصلح وقع على خلاف جنس الحق فيعتبر صرفاً، فإن كانت الدراهم التي وقع عليها أكثر من حصة العيب فالصلح جائز؛ لأن الصلح وقع ثمن حصة العيب عند الكل عند بعض المشايخ، وحصة العيب دينار وشراء الدينار بدراهم أكثر من قيمة الدينار جائز، وعند بعض المشايخ: الصلح وقع عن الجزء الغائب بالدراهم أكثر من قيمته يجوز.
وإذا ادعى رجل على رجل عشرة دراهم وعشرة دنانير وأنكر المدعى عليه وأقر، ثم
стр. 2987
صالحه المدعى عليه على خمسة دراهم من ذلك كله، فهذا جائز سواء كان نقداً أو نسيئة وطريق الجواز أن يجعل المدعي مؤقتاً عن الدراهم التي ادعاها خمسة مبرئاً للمدعى عليه عن الخمسة دراهم وعن العشرة الدنانير.
وإذا اشترى الرجل قلب ذهب منه عشرة مثاقيل بمئة درهم وتقابضا واستهلك المشتري القلب، أو لم يستهلكه حتى وجد به عيباً قديماً (١٥٠ب٣) قد كان دلسه البائع فصالحه البائع من ذلك على عشرة دراهم نسيئة فهو جائز، وأراد بقوله استهلك القلب أنه كسره لا حقيقة الاستهلاك بالآخر أو بالبيع؛ لأن ذلك يمنع الرجوع بنقصان العيب، وإنما جاز هذا الصلح؛ لأنه وقع على حصة العيب من الثمن، وإنه دراهم فيكون هذا صلحاً على جنس الحق، فيجوز سواء كان بدل الصلح هذا أو نسيئة، وإن صالحه على دنانير فالصلح جائز ويكون صرفاً؛ لأن الصلح على خلاف جنس الحق فيكون معاوضة فيكون صرفاً.
وإذا اشترى قلب فضة فيه عشرة دراهم بدنانير وتقابضا، ثم وجد في القلب عيباً فنقضه فصالحه على قيراطي ذهب من الذهب على أن يريده المشتري ربع حنطة وفي بعض النسخ ربع كر حنطة وكانت الحنطة بعينها كان ذلك جائزاً.
وطريق الجواز: أن البائع بذل قيراطي ذهب من دينار بإزاء ربع كر حنطة، وبإزاء حصة العيب من الثمن، فإن حصة العيب من قيمة ربع كر حنطة على السواء، يقسم القيراطان عليهما نصفين فيكون أخذ القيراطين حصة العيب من الثمن، والقيراط الآخر حصة الحنطة وذلك جائز، فإن افترقا من غير قبض لا يبطل الصلح، أما حصة الحنطة؛ فلأن الافتراق فيها حصل عن عين بدين، وأما حصة العيب؛ فلأن الصلح فيها وقع على جنس الحق والصلح إذا وقع على جنس الحق لا يبطل بالافتراق قبل القبض، فإن تقابضا ثم وجد بالحنطة عيباً رد بحصتها من القيراطين.
وفي «المنتقى» : إذا كان للرجل على رجل دراهم بتجارة واصطلحا منها على دراهم لا يعرف وزنها قال: إني أنظر إلى التجارة به، فإن كان الغالب فيها النحاس فهو جائز على القليل والكثير، وإن كان الغالب فيها الفضة لا يجوز الصلح إلا على وزنها، وإن صالح على أقل لا يجوز من قبل أن هذا ليس على وجه الحط.
ألا ترى لو كان عليه ألف درهم غلة فصالح منها على تسعمئةٍ درهم بيض لا يجوز، ولو كان الدين بيضاً فصالح على تسعمئةٍ سود جاز وكان هذا حطأً، ولو صالحه على تسعمئةٍ ولم يشترط بيضاً جاز ذلك، وقال أبو يوسف: إن كان السود أفضل لم يجز الصلح على السود أقل من وزن البيض، وإن كان أسوأ جاز الصلح من أحدهما على الأخر بأقل من وزنه.
стр. 2988
الفصل العاشر: في بيع الإناء وزناً فيزيد وينقص
وإذا اشترى سيفاً محلى فيه مئة درهم من الحلية بمئتي درهم، ثم علم أن فيه مئتي درهم فهذا على وجهين: إما إن علم ذلك بعد ما تقابضا وتفرقا، وفي هذا الوجه بطل العقد في الكل؛ لأنه لا وجه إلى تصحيح هذا العقد في الحلية بالزيادة؛ لأن الزيادة بإزاء الحلية يكون صرفاً ولم يوجد قبض بدله في المجلس لما تفرقا ولا وجد إلى تصحيحه في جميع الحلية بمئة؛ لأنه يكون ربا فبطل العقد في الحلية ضرورة، وإذا بطل في الحلية بطل في النصل؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر هذا، إذا علم ذلك بعد ما تفرقا.
وأما إذا علم ذلك قبل أن يفترقا فالمشتري بالخيار إن شاء زاد في الثمن مئة أخرى، وإن شاء فسخ العقد في الكل، وإنما خير؛ لأن المشتري إنما رضي بجميع السيف بمئتي درهم، فإذا آل الأمر إلى أن يلزمه مئة أخرى زيادة على المئتين لا يكون راضياً فيكون له الخيار، فإن اختار أخذ السيف لزمه مئة أخرى؛ لأنه الثمن، وذلك مئتان أيقسم من الابتداء على الحلية والنصل والحصن والحمائل نصفان؛ لأنهما شرطا في البيع أن الحلية مئة والمئة فكأنهما قالا: على أن المئة بمئة والمئة الأخرى بإزاء النصل والحصن والحمائل، فإذا صار بإزاء الحلية مئة يحتاج إلى أن يزيد بحصتها مئة أخرى حتى يصير مشترياً مئتين بمئتين فلا يتمكن الربا فيزيد مئة أخرى ويقبض البائع الثمن مع الزيادة، ويقبض المشتري السيف؛ لأنهما في المجلس بعد فيصح العقد.u
فرق بين هذا وبين ما إذا علما في الابتداء؛ أن وزن الحلية مئتي درهم وقد تبايعا السيف بمئتي درهم أراد المشتري أن يزيد مئة أخرى قبل أن يتفرقا، فإن العقد لا يجوز.
والفرق: أنهما إذا علما في الابتداء أن الحلية مئتي درهم وقد تبايعا بمئتي درهم فقد أوقعا العقد بصفة الفساد؛ لأنه لا بد وأن يكون بمقابلة النصل والحصن في الحمائل شيء من الثمن، فيكون بمقابلة الحلية أقل من وزنها، وبيع الفضة بالفضة واحد هما أقل وزناً من الآخر لا يجوز.
فهو معنى قولنا: أوقعا العقد بصفة الفساد والعاقدان إذا أوقعا العقد بصفة الفساد ولا يحتال تصحيحه؛ لأنه لا يمكن، فأما في مسألتنا هذه ما أوقعا العقد بصفة الفساد؛ ولأنهما لم يعلما وقت العقد أن الحلية مئتي درهم إنما علماها مئة درهم، فإذا تبايعا بمئتي درهم فقد جعلا بمقابلة الحلية مئة درهم؛ لأن الفضة مستحقة بمثلها شرعاً فكان بائع السيف وهي مئة، قال للمشتري: بعتك منك حلية السيف وهي مئة بمئة، وبعتك منك النصل والجفن والحمائل بمئة أخرى، ولو صرح بذلك لا يكون ذلك إيقاعاً للعقد بصفة الفساد ويمكن تصحيحه بالزيادة متى رضي المشتري بالزيادة.
وإذا اشترى قلب فضة على أن فيه ألف درهم بألف درهم، فإذا فيه ألفا درهم إن علم ذلك في المجلس فالمشتري يريد ألفاً أخرى إن شاء أخذ كل الإبريق، وإن لم يرد
стр. 2989
يبطل العقد في نصف الإبريق؛ لأن الفساد بسبب الافتراق قبل قبض بدل الصرف، وذلك بقدر النصف فيفسد العقد بقدر النصف، ويصح بقدر النصف إذ يصح العقد في نصف القلب شائعاً ممكن بخلاف مسألة السيف؛ لأن تصحيح العقد في نصف الحلية شائعاً غير ممكن؛ لأن بيع نصف الحلية شائعاً لا يجوز؛ لأن الحلية بمنزلة الوصف وبيع بعض الأوصاف لا يجوز فلا يمكن تصحيح البيع في نصف الحلية، فلا يمكن تصحيح البيع في الكل بالزيادة بعد الافتراق عن المجلس لما قلنا فتعين جهة البطلان في الكل.
أما في القلب فبخلافه على ما يتناول في «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل اشترى قلب فضة على أن فيه عشرة دراهم بدينار، فوجد فيه خمسة عشر قبل أن يتفرقا أو بعد ما تفرقا فالقياس: أن يكون القلب كله للمشتري بذلك الثمن، ولكن ادعى القياس في الذهب والفضة ويكون للمشتري فيه الخيار، إن شاء أخذ ثلثاه بالدينار وكان للبائع ثلث القلب، وإن شاء رده قال: وهذا قبل الفرقة، وبعده سواء من قبل أن الزيادة لم يرد عليها البيع، وإنما كان للمشتري الخيار؛ لأن القلب لم يسلم له كله، وهذا خلاف جواب الأصل، ولو كان اشترى القلب بعشرة دراهم على أن فيه عشرة دراهم وتقابضا، وتفرقا أو لم يتفرقا فوجد فيه خمسة عشر فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ بثلثه بعشرة، وإن شاء رد، فإن قال: أنا أزيد خمسة وأستلم القلب لم يكن ذلك إذا كان قد تفرقا، وإن كانا لم يتفرقا فله ذلك، يزيد خمسة ويأخذ كله وإن شاء أخذ ثلثه بعشرة (١٥١أ٣) .
ولو اشترى إناء فضة بدينار على أن فيه عشرة دراهم فتقابضا وتفرقا فوجد فيه تسعة دراهم، فهو بالخيار إن شاء رده وإن شاء أمسكه، ورجع بحصة النقصان من الدينار، ولو كان اشتراه بدراهم، فإن شاء رده ورجع بدراهمه.
وإذا اشترى نقرة فضة على أنها ألف درهم بألف درهم، إن علم ذلك قبل أن يتفرقا عن المجلس فالمشتري يزيد ألف درهم إن شاء ويجوز العقد في الكل؛ لأنهما ما أوقعا العقد بجهة الفساد والتصحيح في الكل ممكن بإثبات الزيادة في مجلس العقد، فإن لم يزد المشتري ألفاً أخرى يصح العقد في نصف الفضة، ويبطل في النصف كما في مسألة الإبريق إلا أن مسألة القلب يتخير المشتري وهاهنا لا يتخير؛ لأن الشركة في النقرة ولا ينقصها التبعيض ولا يضرها ولا يعد عيباً، والشركة في القلب والتبعيض ينقضه ويضره يرد عيباً، فأثبتنا الخيار للمشتري في القلب ولم يثبت في النقرة لهذا، وإن علم ذلك بعدما تفرقا عن المجلس يجوز العقد في نصف الإبريق؛ لأن تصحيح العقد في النصف ممكن في النقرة؛ لأن بيع نصف النقرة شائعاً جائز كبيع نصف الإبريق إلا أن في الإبريق يتخير المشتري، وفي النقرة لا، هذا إذا حصل الشراء بالجنس.
أما إذا حصل بخلاف الجنس بأن اشترى سيفاً محلى على أن حليته مئتي درهم بعشرة دنانير، أو اشترى إبريق فضة على أنه ألف درهم بمئة دينار، فإذا فيه ألفان أو اشترى نقرة فضة على أنها ألف درهم بمئة دينار، فإذا فيه ألفان، أو اشترى نقرة فضة على أنها ألف درهم إلي فالعقد جائز في المسائل كلها؛ لأن الجنس مختلف، وإذا جاز العقد
стр. 2990
فالزيادة على المسمى من الوزن في مسألة النقرة لا تسلم للمشتري من غير شيء.
وفي مسألة الإبريق: يسلم للمشتري من غير شيء؛ وهذا لأن الوزن فيما يضره التبعيض جار مجرى الوصف؛ لأن تمييز البعض عن البعض يوجب نقصاناً في الباقي فكان بمنزلة الوصف من هذا وزيادة الوصف على المسمى يجوز أن يسلم للمشتري بغير شيء.
كما لو اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع، فإذا هو أحد عشر ذراعاً فالذرع الحادي عشر يسلم للمشتري بغير شيء، فأما الوزن فيما لا يضره التبعيض أصل من كل وجه؛ لأنه تمييز البعض عن البعض لا يوجب نقصاناً في الباقي فيعتبر أصلاً من كل وجه، والزيادة على المسمى فيما هو أصل من كل وجه لا يسلم للمشتري بغير شيء.
كما لو باع من أخر صبرة حنطة على أنها عشرة أكرار، فإذا هي أحد عشر كراً، فالكر الحادي عشر لا يسلم للمشتري لما كان كل كر أصلاً بنفسه كذا هاهنا.
وفي «نوادر هشام» : عن أبي يوسف: رجل اشترى سيفاً محلى بفضة بمئة وخمسين درهماً على أن حلية السيف مئة درهم، فإذا حلية السيف خمسون درهماً، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه بمئة درهم كأنه حين اشتراه بمئة وخمسين على أن الحلية مئة، فقد اشترى الفضة بمئة وبقية السيف بخمسين قاله محمد ﵀.
الفصل الحادي عشر: في بيع السيف وفي بيع الحلي الذي فيه اللآلئ والجواهر وأشباه ذلك وفي بيع المملوكات ما يجوز وما لا يجوز
قال محمد ﵀: وإذا اشترى الرجل من أخر سيفاً محلى بفضة درهم فالمسألة على أربعة أوجه:
الأول: أن تكون الدراهم التي في ثمن أكثر من الفضة التي هي في السيف، وفي هذا الوجه البيع جائز، ويجعل بمقابلة الفضة التي في السيف، وفي الوجه البيع جائز إلي من الدراهم التي هي ثمن مثلها، والباقي يكون بإزاء النصل والجفن والحمائل.
الوجه الثاني: أن تكون الدراهم التي هي في ثمن مثل الفضة التي في السيف، وفي هذا الوجه لا يجوز البيع؛ لأنه يبقى النصل والجفن خالياً عن العوض فلا يكون ربا.
الوجه الثالث: أن تكون الدراهم التي هي ثمن أقل من الفضة التي في السيف، وفي هذا الوجه لا يجوز البيع أيضاً؛ لأنه يبقى النصل والجفن وبعض الفضة خالياً عن الثمن.
الوجه الرابع: أن لا يدري أن الدراهم التي هي ثمن مثل الحلية أو أقل أو أكثر، وفي هذا الوجه لا يجوز البيع أيضاً؛ لأنه يجوز من وجه واحد، وهو ما إذا كانت الدراهم التي هي ثمن أكثر من الفضة التي في السيف ولا يجوز من وجهين: وهو أن تكون الدراهم التي هي ثمن مثل الحلية أو أقل ولو جاز من وجه دون وجه يحكم بالفساد
стр. 2991
بطريق الاحتياط فهذا أولى، وإن لم يعلم مقدار الدراهم وقت البيع ثم علم بعد ذلك فكانت أكثر من الفضة التي في السيف، فإن علم وهما في مجلس العقد بعد جاز البيع، وإن علم بعد ما افترقا عن المجلس لم يجز البيع، والأصلُ أن في كل موضع اعتبرت المماثلة بين البدلين في المعيار الشرعي شرطاً لجواز العقد تعتبر المماثلة في المعيار وقت البيع.
ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذا الأصل في شرح كتاب البيوع آخر الباب الأول إلا أن ساعات المجلس جعلت كساعة واحدة شرعاً في حق الأحكام المتعلقة بالمجلس فيجعل العلم بمقدار الدراهم في آخره كالعلم به وقت المباشرة للعقد وعلى هذا بيع صبر بصبرة مجازفة ثم كيلاً بعد الافتراق عن المجلس فكان متساويين كيلاً لم يجز وطريقةُ ما قلنا.
قال القدوري: وكذلك لو اختلف أهل العلم فيه فقال بعضهم: الثمن أكثر من الفضة التي في السيف.
وقال بعضهم: لا بل هو مثلها لا يجوز البيع؛ لأن الرجوع إلى قول البعض ليس بأولى فسقط اعتبار قولهم لمكان التناقض والتحق قولهم بالعدم.
وإذا باع الرجل من آخر حلي ذهب ولؤلؤ وجواهر بدنانير وقبض المشتري الحلي فهذا على أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون الدنانير مثل الذهب الذي في الحلي.
الوجه الثاني: أن تكون الدنانير أقل من الذهب الذي في الحلي.
الوجه الثالث: إذا كان لا يدري أن الدنانير التي هي ثمن مثل الذهب الذي في الحلي أو أقل أو أكثر في هذه الوجوه الثلاث لا يجوز البيع أصلاً لا في الذهب، ولا في الجواهر سواء أمكن تخليص الجواهر من غير ضرر أو لم يمكن أما في الذهب فظاهر، وأما في الجواهر أما إذا أمكن تخليص الجوهر من غير ضرر؛ فلأن الجواهر في هذه الصورة كالممتاز حكماً إن كان متصلاً حقيقة، ألا ترى أن من غصب جوهراً وركبه في حلية ويمكن تخليصه (١٥١ب٣) بغير ضرر لا ينقطع على المالك كأنه ممتاز حقيقة، وقد اشتراهما جميعاً بدنانير، والدنانير مثل الذهب أو أقل أو لا يدري، لم يجز البيع أصلاً لا في الذهب ولا في الجوهر فكذا هاهنا، وإذا كان لا يجوز هذا البيع في الجوهر.
وإن أمكن تخليص الجوهر عنه من غير ضرر؛ فلأن لا يجوز البيع في الجوهر إذا لم يمكن تخليصه إلا بضرر وقد يمكن في الجوهر سبب فساد آخر، وهو أنه باع ما لا يقدر على تسليمه إلا بضرر أولى، وأما إذا كانت الدنانير التي هي ثمن أكثر من الذهب الذي في الحلي، فالبيع جائز في الكل في الذهب وفي الجوهر، ويصرف إلى الذي في الحلي من الذهب الذي هو ثمن قدر مثله والباقي بإزاء الجوهر واللألئ فبعد ذلك المسألة على ثلاثة أوجه:
إن نقد الدنانير التي هي ثمن كلها قبل أن يتفرقا فالعقد ماض على الصحة، أما في حصة الذهب الذي في الحلي؛ فلأنه صرف وقد وجد التقابض قبل الافتراق، وأما في حصة الجوهر؛ فلأنه للبيع وقد قبض منه قبل الافتراق، ولم يقبض
стр. 2992
ثمنه قبل الافتراق لكان لا يفسد العقد لحصول الافتراق فيه عن عين بدين فههنا أولى.
وكذلك إن نقد من الدنانير التي هي عين حصة الذهب الذي هو في الحلي يريد به أنه نقد من الدنانير التي هي من ثمن حصة الذهب الذي هو في الحلي ولكن لم ينص على أنه حصة الذهب؛ لأن قبض حصة الذهب مستحق في المجلس شرعاً وقبض حصة اللألئ والجواهر ليس بمستحق في المجلس وغير مستحق لا يعارض المستحق.
فجعلنا المنقود حصة الذهب فتبين أن الافتراق فيما هو صرف حصل بعد القبض، فلهذا بقي العقد على الصحة، وإن لم ينقد شيئاً من الدنانير حتى تفرقا، لا شك أن العقد فيما يخص الحلي من الذهب يفسد فيما يخص الجوهر هل يفسد؟ ينظر إن كان الجوهر بحيث لا يمكن تخليصه إلا بضرر يفسد؛ لأن العقد في حصة الجوهر بيع فقد باع ما لا يمكن تسليمه، فكل بيع هذه حالة، لا يكون فاسداً عرف ذلك في موضعه.
فإن قيل: أمكنه التسليم من غير ضرر أن يحلى بين المشتري وبين الحلي كله فيصير قابضاً الجوهر، ألا ترى أنه لو باع نصف الجوهر شائعاً يجوز.
وطريق الجواز: أن تسليم المبيع ممكن من غير ضرر بأن يحلى بين المشتري وبين جميع الجوهر.
قلنا: العقد إذا ورد على الشائع، فالواجب تسليم المبيع مع غيره؛ لأن تسليمه بنفسه لا يمكن؛ لأن الشائع ما يكون مختلطاً بغيره.
فأما إذا ورد على شيء بعينه يجب تسليمه بنفسه ولا يمكن تسليم الجوهر هاهنا بنفسه إلا بضرر.
فإن قيل: البائع رضي بضرر التخليص لما باع مع علمه أن البيع يقتضي التسليم ولا يمكنه التسليم إلا بالتخليص.
قلنا: نعم رضي بالتخليص إلا أنه بدا له الرجوع عن هذا الضرر وله ذلك.
ألا ترى أن من رضي بإتلاف شئ من ماله ثم بدا له قبل الإتلاف أن لا يتلف عليه ذلك كان له ذلك كذا ههنا، وأما إذا أمكن تخليصه من غير ضرر لا يفسد العقد في الجوهر؛ لأنه إذا أمكن تخليصه فهو كالممتاز من حيث الحكم، ولو كان ممتازاً حقيقة وقد اشتراهما بدينار، فإن العقد يفسد في حصة الذهب ولا يفسد في حصة الجوهر كذا هاهنا.
هذا إذا باع الحلي بدنانير يفسد، فأما إذا باع الحلي بدنانير نسيئة فهو على أربعة أوجه:
إن كان المسمى من الدنانير مثل الذهب الذي في الحلي وفي الجوهر؛ لأن الدنانير لو كانت نقداً لا يجوز البيع في الوجوه الثلاث لمكان ربا الفضل؛ فلأنه لا يجوز البيع في مثل هذه الوجوه إذا كانت الدنانير نسيئة وقد اجتمع مع ربا الفضل ربا النسيئة كان أولى، فأما إذا كانت الدنانير أكثر من الذهب الذي في الحلي لا شك أن العقد يفسد فيما يخص الحلي من الذهب؛ لأنه صرف لم يوجد قبض بدله في المجلس.
فأما فيما يخص الجوهر هل يجوز البيع؟ ينظر: إن لم يمكن تخليصه إلا بضرر يفسد البيع في حصة الجوهر؛ لأن ثمن الجوهر، فإذا كان نسيئة أولى وإن أمكن تخليصه
стр. 2993
من غير ضرر يجب أن تكون المسألة على الخلاف على قول أبي حنيفة لا يجوز البيع في الجوهر؛ لأن العقد على الذهب كان ربا؛ لأن ربا النساء يحرم بأحد وصفي علة الربا النقد بمجموعها أولى، وإذا فسد البيع على الذهب بسبب الربا فسد في الجوهر؛ لأن الربا صار مشروطاً فيه حكماً ومعنى لاتحاد الصفقة.
فهو نظير ما لو أسلم في كر حنطة كر شعير وزيت، فالعقد يفسد في الزيت عند أبي حنيفة؛ لأن العقد فسد في الشعير لمكان الربا والربا صار مشروطاً في الزيت معنىً لاتحاد الصفقة وعندهما العقد في مسألة السلم لا يفسد في حصة الجوهر.
قال هشام قال أبو يوسف: إذا باع حلية السيف دون السيف لم يجز، إلا أن يبيعه على أن يقلعه المشتري فقلعه فبل أن يتفرقا، وإن باعه ولم يقل على أن يقلعه، ثم قال للبائع قبل أن يتفرقا: قد أديت ذلك في قلعه فأقلعه قبل أن يتفرقا جاز، وإن افترقا قبل أن يقلعه فهو باطل.
قال هشام: قلت لأبي يوسف: وإن كان المشتري قد قبض الثمن قال: لأنه لا يكون قابضاً لحليته حتى يقلعها من السيف، قلت لأبي يوسف: أرأيت إن باعه السيف على أن فيه مئة درهم بمئة وخمسين درهماً فقال البائع: فيه كما شرطت وقال المشتري: فيه خمسون، فالقول قول البائع.
قال أبو الفضل: وهذا الجواب في مسائل السيف على التصادق أو يجيء شئ من ذلك يحيط العلم بأنه لا يكون فيه.
وفي القدوري: وإذا باع السيف المحلى بثمن مؤجل فنقد المشتري قدر حصة الحلية من الثمن جاز استحساناً، وإن لم ينص أن المنقود من حصة الحلية، وقد مر جنس هذا، وكذلك إذا قال هذا المنقود من ثمنها كان من حصة الحلية خاصة، ويكون معنى قوله من ثمنها من جملة الثمن وحصة الحلية من جملة الثمن.
ولو قال: هذا من ثمن النصل والجفن خاصة فسد العقد؛ لأنه بَيّن وأفصح فلا يمكن جمله على وجه آخر، ولو قال: هذا الذي عجلت من ثمن السيف كان المعجل من ثمن الحلية؛ لأن السيف اسم للجملة.
ألا ترى أن الحلية تدخل في بيع السيف بطريق التبع، وإذا كان السيف المحلى بالفضة بين رجلين فباع أحدهما نصيبه من السيف من صاحبه يجوز؛ لأنه لو باعه من أجنبي يجوز فكذا من شريكه إلا أن الشريك إن لم يجد ذا القبض حتى افترقا بطل العقد؛ لأن يد كل واحد منهما في نصيب صاحبه يد أمانة ويد الأمانة لا تنوب عن قبض الشراء.
وإذا اشترى من آخر سيفاً محلى بفضة فيه خمسون درهماً وقيمة السيف (١٥٢أ٣) وحمائله وجفنه خمسون درهماً اشتراه بمئة درهم وقبض السيف ونقد الخمسين ولم ينقد الخمسين حتى افترقا فهو جائز؛ لأن المنقود يصرف إلى الحلية احتيالاً لبقاء العقد على الصحة؛ وهذا لأن الظاهر من مال العاقد العاقل الدين أن ما ينقد ينقد عن حصة الحلية حتى لا يبطل شئ من العقد بسبب الافتراق، ولم يعارض هذا الظاهر ظاهر آخر؛ لأنه
стр. 2994
ليس في اعتباره تفويت مقصوده بل فيه تحصيل مقصوده.
وهذا بخلاف ما لو اشترى سيفاً محلى فيه خمسون درهماً بسيف محلى فيه خمسون درهماً وتفرقا من غير قبض، فإنه يبطل العقد ولا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس حتى يبقى العقد جائزاً متى افترقا من غير قبض؛ لأن الاحتيال لتصحيح العقد غير ممكن هناك؛ لأن ظاهر حالهما إن كان يوجب صرف الجنس حتى يبقى العقد على الصحة فقد عارض هذا الظاهر ظاهراً يوجب صرف الجنس إلى الجنس حتى تقابضا في المجلس فيتعجل مقصود كل واحد منهما بالعقد، وإذا تقابضا تعذر الاحتيال لبقاء العقد جائزاً فبطل ضرورة.
ولو اشترى سيفاً ممّوها بفضة أو اشترى لجاماً مموّها بفضة بدراهم بأقل مما فيه أو أكثر يجوز.
فرق بين هذا وبينما إذا باع سيفاً محلى أو لجاماً محلى بفضة بدراهم حيث لا يجوز ما لم تكن الدراهم التي هي ثمن أكثر من الفضة التي في الحلية، واعلم أن الممّوه المطلي بماء الذهب أو الفضة، والذهب ما جعل فيه عين الذهب، والمفضض ما جعل فيه عين الفضة، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن الفضة بالتمويه يصير مستهلكاً، وكذلك الذهب بالتمويه يصير مستهلكاً، ألا ترى أن بعد التمويه لا يمكن تمييزه، وإذا صارت مستهلكة صارت ملحقة بالعدم، ولو انعدمت كان البيع جائزاً على كل حال؛ لأنه يصير بائعاً جديداً بدرهم كذا هاهنا، فأما الحلية لم تصر مستهلكة بل هي قائمة حقيقة، ألا ترى أنه يمكن تمييزها وإذا لم تصير مستهلكاً صار بائعاً جديداً وفضة بدراهم، فلا يجوز البيع ما لم تكن الدراهم أكثر كذا هاهنا.
الفرق الثاني: إن قلنا أن الفضة بالتمويه لا تصير مستهلكة إلا أنها خرجت عن حد لا وزن، لأنه لا يمكن وزنها لا في الحال، ولا في الثاني؛ لأنها لا تخلص، وإذا لم تبق موزونة لم يبق مال الربا كحبةٍ من الحنطة لا يكون مال الربا؛ لأنها ليست مملكة كذا هاهنا، فإما الحلية لا تخرج أن تكون موزونة؛ لأنه لا يمكن معرفتها بالوزن في الثاني؛ لأنها مما يتخلص، إلا أنه إذا زال عنها صفة الوزن في الحال بعارض يتوهم زواله وما زال من الصفات إذا كان بحال يتوهم عوده لا يعتبر زائلاً، فبيعت الحلية موزونة كما كانت، وإذا بقيت موزونة، فهذا موزون بيع بجنسه، فلا يجوز إلا متساوياً.
فإن قيل: الفضة منصوص عليها، والحكم في المنصوص عليه يثبت بالنص لكن يجب النظر في أن المنصوص عليه مادي فيقول المنصوص عليه فضة موزونة وحنطة مكيلة قال ﵇: «الفضة بالفضة مثل بمثل وزن بوزن، والحنطة بالحنطة مثل بمثل كيل بكيل» ، معناه بيع الفضة بالفضة مشروع متماثلاً في الوزن، وبيع الحنطة بالحنطة مشروع
стр. 2995
متماثلاً في الكيل، وإنما يتحقق بيع الفضة بالفضة متماثلاً وزناً، فيما يتأتى فيه الوزن، وكذلك بيع الحنطة بالحنطة، إنما يتحقق متماثلاً كيلاً فيما يتأتى فيه الكيل.
وإذا ثبت أن المراد الفضة الموزونة والحنطة المكيلة صار تقدير الحديث بيع الفضة الموزونة بالفضة الموزونة مشروع متماثلاً وبيع الحنطة المكيلة بالحنطة المكيلة مشروع متماثلاً.
ولو صرح بهذا كان الداخل تحت النص الموزون والمكيل لا غير الموزون والمكيل، وما لا يدخل تحت النص فالحكم يثبت فيه بالعلة لا بالنص. والعلة هي الوزن لم توجد.
ولكن الفرق الأول أصح بدليل أن محمداً ﵀ قال: لو باع بدراهم إلى أجل كان جائزاً، ولو بقيت الفضة بعد التمويه، ولكنها خرجت عن حد الوزن لكان لا يجوز إذا كان الثمن مؤجلاً؛ لأن الجنس بانفراده يحرم النَّساء، وحيث جوز البيع النسيئة علم أنه جعل الذهب بالتمويه مستهلكاً وألحقه بالعدم، ولو انعدم كان هذا بيع النحاس وبيع الحديد بدراهم فيجوز كيف ما كان.
الفصل الثاني عشر: في الوكالة في الصرف
وإذا وكل الرجل رجلين بدراهم تصرف بها، فليس لأحدهما أن يصرف دون الآخر؛ لأن عقد الصرف أمر يحتاج إلى الرأي وقد فوض ذلك إلى رأيهما، ورأي الواحد لا يكون كرأي المثنى، فإن عقدا جميعاً ثم ذهب أحدهما قبل القبض بطل حصة الذاهب، وهو النصف وبقي حصة الباقي وهو النصف؛ وهذا لأن القبض من حقوق العقد، والوكيل في حقوق العقد كالمالك، ولو كانا مالكين فعقدا عقد الصرف، ثم ذهب أحدهما قبل القبض بطل حصة الذاهب وبقي حصة الباقي كذا هاهنا، فقد جوز قبض أحدهما وإن كانا وكيلين بالقبض.z
وفرق بين هذا وبين الوكيلين بقبض الدين إذا قبض أحدهما دون الأخر حيث لا يجوز.
والفرق: أن الوكيل بالقبض يقبض بحكم الآمر.
ألا ترى أن المالك لو عزله عن القبض صح عزله، والمالك إنما رضي بقبضهما وأمانتهما، فلا يكون راضياً بقبض أحدهما، فأما الوكيل في باب الصرف إنما يقبض لحق المالك، ألا ترى أنه لو عزله، المالك عن القبض لا يعمل عزله، وإذا كان قبضه بحق الملك كان الوكيلان بالصرف في حق القبض كالمالكين.
ولو كانا مالكين فذهب أحدهما، وقبض الآخر جاز كذا هاهنا، وإن ذهب الوكيلان
стр. 2996
عن مجلس الصرف كل واحد منهما إلى ناحية أخرى فقبض رب المال لا يجوز لما ذكرنا أن الوكيلين في حق حكم القبض بمنزلة المالكين فذهبا عن مجلس العقد كل واحد إلى حيه، ووكلا رجلاً بالقبض فقبض لم يجز كذا هاهنا.
وإذا وكل الرجل رجلاً بدراهم يصرفها له بدينار، فصرفها الوكيل وتقابضا وأقر مشتري الدراهم باستيفاء الدراهم ثم جاء مشتري الدراهم بدرهم زيف وقال: وجدتها في تلك الدراهم فقبله الوكيل وأقر أنه من تلك الدراهم لزم الوكيل دون الموكل؛ لأن الرد على الوكيل حصل بإقراره، فإنه لولا إقراره أن هذا من تلك الدراهم، وإلا لما تمكن مشتري الدراهم من رده لما أقر بالاستيفاء والرد بالعيب على الوكيل، أو كان بإقراره والوكيل لا يلزم المردود كما في بيع العين.
قال: لو جحد الوكيل (١٥٢ب٣) أن هذه الدراهم من تلك الدراهم، فأقام مشتري الدراهم بينة أن هذه من تلك الدراهم، ولم يكن أقر مشتري الدراهم بالاستيفاء، فالقاضي يقبل بينته ويرد الدرهم على الوكيل ويلزم الآمر.
فمن المشايخ من قال ما ذكر في «الكتاب» : أن القاضي يقبل بينة مشتري الدراهم أن الدرهم من تلك الدراهم، إذا لم يقر بالاستيفاء حطاً؛ لأن في هذه الصورة القول قول المشتري أن هذه الدراهم من تلك الدراهم استحساناً في مسألة السلم إليه بدرهم زيف.
وقال: وجدت هذا في رأس المال ولم يكن أقر بالاستيفاء، وكما في بيع العين إذا جاء البائع بدرهم زيف، وقال: وجدته في الثمن ولم يكن أقر بالاستيفاء كان القول قوله استحساناً فكذا هاهنا، وإذا كان القول قوله لم يكن في هذه الصورة موضع إقامة البينة في غير موضعها كيف يسمع.
وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي ﵀ والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ صحح ما ذكر محمد في «الكتاب» فقال: بلى القول (قول) مشتري الدراهم في هذه الصورة استحساناً، ولكن مع اليمين فهو بهذه البينة أسقط اليمين عن نفسه، والبينة لإسقاط اليمين مقبولة، ألا ترى أن المودع إذا أقام البينة على الرد والهلاك فيثبت بينته مع أن القول في الرد والهلاك قوله، إنما قلت لإسقاط اليمين عن نفسه كذا هاهنا.
وكان الشيخ الإمام الزاهد عبد الله بن الحسين بن أحمد ﵀ يقول: ليس في «الكتاب» أن مشتري الدراهم يكلف إقامة البينة، وإنما فيه أنه إذا أقام البينة قلت ببينته، والعلة أقام البينة لدفع اليمين عن نفسه وكان كالمودع قال: وكذلك إن استحلف الوكيل على ذلك ونكل ورد عليه بنكوله لزم الموكل، وهكذا ذكر محمد ﵀ بعض مشايخنا قالوا: هذا الجواب خطأ أيضاً؛ لأنه لا يمين على الوكيل في هذه الصورة، وإنما اليمين على مشتري الدراهم أن هذا الدرهم من تلك الدراهم؛ لأن الشرع جعل القول قول مشتري الدراهم في هذه الصورة من جعل القول قوله شرعاً يتوجه عليه اليمين.
فإنما يرد إذا حلف على ذلك، إما أن حلف على ذلك وإما أن يحلف الوكيل فلا،
стр. 2997
وإنما الصحيح من الجواب أن يحلف مشتري الدراهم، ويرد على الوكيل ويكون ذلك رداً على الآمر؛ لأنه رد على الوكيل بغير اختياره بما هو حجة في حق الآمر فيظهر ذلك في حق الآمر.
قلنا: ما ذكر من الجواب صحيح، ولكن على طريق القياس لا على طريق الاستحسان؛ لأن على طريق الاستحسان: لا يمين على الوكيل، وعلى طريق القياس: على الوكيل اليمين، والقول قول الوكيل مع يمينه كما في بيع العين، فكان ما ذكر من استحلاف الوكيل ونكوله ذكره على طريق القياس.
وإذا وكل الرجل رجلاً بدراهم يصرفها له بدنانير فصرفها، وتقابضا فليس للوكيل أن يتصرف بعد ذلك في الدنانير نسي؛ لأن الدنانير ملك الموكل؛ لأنهما ثمن دراهمه ولم يأذن الموكل للوكيل بالتصرف فيها بأن يشتري له إبريق فضة بعينه بدراهم فاشتراه بدراهم كما أمر به، ونوى أن يكون المشتري لنفسه كان المشتري للآمر، ولو اشتراه بدنانير وعرض كان المشتري للوكيل.
ولو كان وكله أن يشتري إبريق فضة بعينه ولم يسم له الثمن فاشتراه بدراهم أو دنانير، فالمشتري للموكل.
ولو اشتراه بعرض أو بشيء من المكيل أو الموزون، فالمشترى للوكيل؛ وهذا لأن مطلق التوكيل كيل بالشراء ينصرف إلى الشراء بالنقد، فكأنه صرح به، وهناك إذا اشتراه بالدراهم أو الدنانير كان للموكل، ولو اشتراه بشئ من المكيل والموزون كان المشتري للوكيل كذا هاهنا، ولو وكله بفضة له ببيعها ولم يسم له الثمن فباعها بفضة أكثر منها لم يجز كما لو باعها الموكل بنفسه لا يضمن الوكيل؛ لأنه موافق أمر آمره؛ لأن التوكيل بالبيع منصرف إلى البيع الجائز والفاسد جميعاً.
قال: والذي وكل أحق بهذه الفضة من الوكيل يريد به الفضة التي قبضها الوكيل من مشتري الإبريق؛ لأن الفضة التي قبضها الوكيل ملك الموكل؛ لأنه بدل ملكه؛ إذ البيع قد نفذ على الموكل على ما ذكرنا قال: إلا أنه يأخذ من الوكيل مثل وزن فضة، وإن كان الكل لمكاله؛ لأنه لو أخذ زيادة على ذلك يلزمه أن يرده ثانياً على الوكيل على المشتري فلا يفيد أخذ الزيادة، والشرع لا يرد بما لا يفيد قالوا: تأويل ما قاله محمد ﵀: أن الموكل أحق بالفضة التي قبضها الوكيل أن الموكل إذا كان بحال لا يقدر على أخذ فضة بعينها، بأن غاب قابضها، أوكان حاضراً واستهلكها فمتى كانت الحالة هذه كان له أن يأخذ مما في يد الوكيل مثل فضة وزناً؛ لأن فضته صارت ديناً على القابض، وقد ظفر بجنس حقه من مال القابض فكان له أن يأخذ ذلك، فإما إذا كان قادراً على أخذ فضته بعينها، فإنه يأخذ ذلك حتى تزول المعصية ولا يأخذ ذلك حتى تزول المعصية ولا يأخذ ما في الوكيل؛ لأن فيه تقرير الفساد وسبيل الفساد رفعه لا تقريره.
وإذا وكل الرجل رجلاً ببيع تراب الصواغين أو تراب المعادن كان جائزاً؛ لأن الموكل يملك بيع ذلك فيملك التوكيل به، فإن باعه بذهب أو فضة لم يجز، كما لو باع
стр. 2998
الموكل ذلك بنفسه؛ وهذا لأن الشراء إنما يقع على ما في التراب من الذهب أو الفضة لا على نفس التراب، فإذا لم يعلم أن في التراب شئ من ذلك، لم يكن محل البيع موجوداً بيقين، فلا يمكن القول بجوازه، وإن علم أن في التراب فضة هي مثل الفضة التي ثمن أو ذهب هو مثل الذهب الذي هو ثمن ورضي به المشتري، فإن علما بذلك في مجلس العقد فهو جائز وللمشتري الخيار ليكشف الحال له.
فهو كمن اشترى شيئاً لم يره ثم رآه، فإن رده بغير حكم جاز على الآمر بمنزلة الرد بخيار الشرط والرؤية، وإن علما به بعد ما تفرقا لا يجوز البيع، وإن باعه بعرض، وقد علم أن في التراب ذهب أو فضة أو ذهب وفضة جاز البيع على قول أبي حنيفة خلافاً لهما؛ لأنه وكله بالبيع مطلقاً والوكيل بالبيع مطلقاً بأي ثمن كان عند أبي حنيفة.
وعندهما لا يملك البيع إلا بالنقد، وإن لم يعلم أن فيه أحدهما أو كلاهما فباعه بالعرض جاز عند الكل، أما عند أبي حنيفة فظاهر.
وأما عندهما؛ فلأن في هذه الصورة وهو ما إذا لم يعلم أن فيه أحدهما أو كلاهما لا يجوز البيع لا بالدراهم ولا بالدنانير، وإنما يجوز بيعه بالعرض، ومطلق التوكيل بالبيع ينصرف إلى الجائز والفاسد فيصير (١٥٣أ٣) البيع بالعرض هاهنا داخلاً تحت التوكيل.
ولو وكله أن يزوجه بهذا التراب امرأة وهو تراب المعدن أو تراب الصواغين فزوجه امرأة، ينظر إن كان فيه عشرة دراهم أو أكثر فلها ذلك، وإن كان أقل من عشرة دراهم يكمل لها العشرة، كما لو تزوج الموكل بنفسه، ولو وكل أن يبيع سيفاً محلى له أو منطقة مفضضة له فباعه بفضة هي أقل فالبيع فاسد، وكذلك لو باعه بنسيئة فالبيع فاسد، وكذلك لو باعه بشرط فالبيع فاسد.
كما لو باع الموكل بنفسه ولا ضمان على الوكيل؛ لأنه لو ضمن ضمن بسبب فساد العقد ولا وجه إليه؛ لأن التوكيل بالبيع يتناول الجائز والفاسد جميعاً، ولو وكله بحلي به ذهب فيه ياقوت أو فيه زبرجد أو لؤلؤة يبيعه له فباعه له بدراهم نقد وتفرقا قبل القبض بطل حصة الحلي به؛ لأنه صرف وبطل حصة اللؤلؤة، والجوهر أيضاً إن كان لا يمكن تسليمه إلا بضرر، وإن أمكن تسليمه بلا ضرر لا تبطل حصة اللؤلؤة، والجوهر أيضاً إن كان لا يمكن تسليمه إلي.
ولو وكله أن يشتري له فلوساً بدرهم فاشتراه وقبضها فكسدت في يد الوكيل قبل أن يدفعها إلى الموكل فهي للذي وكله؛ لأن قبض الوكيل بمنزلة قبض الموكل من حيث إن الوكيل في القبض عامل للموكل.
ألا ترى أنه لو هلك في يد الوكيل كان بمنزلة ما لو هلك في يد الموكل فكأنها كسدت في يد الموكل.
ولو كسدت قبل أن يقبضها الوكيل، فإن الوكيل بالخيار إن شاء أخذها، وإن شاء ردها هكذا ذكر في «الكتاب» ، قال شيخ الإسلام: وهذا إنما يستقيم طريقه القياس الكساد بمنزلة العيب، ويعيب المبيع قبل القبض يوجب الخيار للموكل، أما لا يستقيم على طريقة الاستحسان؛ لأن على طريقة الاستحسان الكساد بمنزلة الهلاك،
стр. 2999
ولهذا ينتقض العقد بالكساد قبل القبض، والعقد إذا انتقض لا معنى لإثبات الخيار للوكيل بعد ذلك.
وإذا وكل الرجل رجلاً أن يشتري له طوق ذهب بعينه بألف درهم ودفع إليه الألف فاشترى الوكيل الطوق بألف درهم، ونقد الثمن فقبل أن يقبض الوكيل الطوق في يد البائع، كان للوكيل الخيار، إن شاء أمضى العقد، وأبيع الكاسر بقيمة الطوق مصوغاً من خلاف جنسه.
وإن شاء فسخ العقد ودفع إليه البائع إن شاء عين تلك الدراهم، وإن شاء مثلها، فإن أمضى الوكيل العقد وأخذ من الكاسر قيمة الطوق للموكل أن يأخذ من الوكيل تلك القيمة، وإنما يأخذ من الوكيل مثل تلك الدراهم التي دفع إليه وهذا؛ لأن الوكيل يأخذ القيمة صار بائعاً الطوق من الكاسر؛ لأن ضمان الكسر يفيد الملك للكاسر في المكسور وله التضمين؛ لأن حق قبض الطوق كان له بحكم العقد فيكون له قبض بدله لكون البدل قائماً مقام المبدل، وإذا صار بائعاً الطوق المكسور من الكاسر حكماً بالتضمين يعتبر بما لو باعه منه حقيقة بأن أخذ المكسور فقبل أن يأخذه الموكل منه باعه من غيره.
ولو كان هكذا كان بدل المكسور للوكيل لا سبيل للموكل عليه؛ لأن بدل المكسور على هذا الاعتبار ملك الوكيل؛ لأن الوكيل متى رضي بعيب فاحش يعتبر المشتري مملوكاً له إلا إن شاء الموكل أن يأخذه، كذلك فقبل أن يشاء الموكل أن يأخذه، كذلك كالمشتري ملك الوكيل فيكون البدل ملك الوكيل، فلا يكون للموكل عليه سبيل، وإنما للموكل أن يأخذ من الوكيل مثل الدراهم التي دفعها إليه، فكذا إذا صار بائعاً المكسور من الكاسر حكماً يأخذ القيمة.
وإذا وكل رجلاً بطوق ذهب يبيعه له فباعه وأنقد الثمن، وسلم الطوق إلى المشتري فجاء المشتري بعد ذلك وقال: وجدت الطوق صفراً مموهاً بالذهب وأنكر الآمر، فالمسألة على الوجهين:
الأول: أن يجحد الوكيل ذلك فأقام المشتري عليه البينة بذلك، ولم يكن للمشتري بينة فحلف الوكيل فنكل ورد القاضي الطوق عليه، وفي هذين الوجهين الطوق يلزم الموكل.
الوجه الثاني: أن يقر الوكيل وفي هذا الوجه المسألة على وجهين أيضاً: إن رد عليه بغير قضاء كان ذلك رداً على الوكيل وليس له أن يخاصم الموكل في ذلك، وإن رد عليه بقضاء قاض يلزم الوكيل أيضاً، ولكن للوكيل حق مخاصمة الموكل هاهنا، والكلام في هذا نظير الكلام في الوكيل ببيع العبد إذا باع العبد، وانتقد الثمن ثم طعن المشتري بعيب في العبد ورده على الوكيل، وهناك الجواب على التفصيل الذي ذكرنا في مسألة الطوق.
وأكره للمسلم أن يوكل ذمياً أن يصرف له دراهم أو دنانير؛ لأنه يستحل الربا وعسى يوقعه في الحرام مع هذا لو فعل جاز الوكيل أهل لما وكل به؛ لأن الأهلية بالمعرفة والتميز وقد وجد.
وإذا وكله بدراهم يصرفها له فصرفها مع عبد للموكل فهذا على وجهين:
стр. 3000
الأول: لأن لا يكون على العبد دين، وفي هذا الوجه لا يجوز الصرف، الوكيل مع العبد كما لو فعل الموكل ذلك بنفسه ولكن لا ضمان على الوكيل؛ لأنه سلم الأمانة إلى عبد صاحب الأمانة فلا يضمن.
كالمودع إذا دفع الوديعة إلى عبد صاحب الوديعة، وإن كان على العبد دين يجوز كما لو فعل المولى ذلك بنفسه، ولكن لا يسلم الوكيل المبيع إلى العبد حتى يستوفي منه الثمن.
ألا ترى أن الموكل لو باع بنفسه كان له الحبس إلى أن يستوفي الثمن، وإذا سلم يبطل حقه في الثمن فكذا في الوكيل.
وإذا وكل الرجل رجلاً بدراهم يصرفها بدنانير هي أقل (من) قيمة من الدراهم إن كان النقصان بحيث يتغابن الناس في مثله يجوز، وإن كان بحيث لا يتغابن الناس في مثله لا يجوز.
أما على قولهما؛ لأن الوكيل بالمصارفة إما أن يعتبر وكيلاً بالبيع أو بالشراء ويأتي ذلك ما اعتبرنا لا يتحمل منه الغبن الفاحش عندهما.
وأما على قول أبي حنيفة: فلأن الوكيل بالمصارفة وكيل بالبيع من وجه وبالشراء من وجه؛ لأن كل واحد من بدلي الصرف ثمن من وجه مثمن من وجه، فمن حيث إنه وكيل بالبيع إن كان يتحمل منه الغبن الفاحش عند أبي حنيفة فمن حيث أنه وكيل بالشراء لا يتحمل منه الغبن الفاحش بالشك، وإن صرفها مع شريك مفاوض للوكيل لا يجوز كما لو صرفها مع نفسه وهذا؛ لأنه بهذا التصرف يثبت للوكيل ملك الرقبة والتصرف (١٥٣ب٣) في نصف الدراهم؛ لأن الدراهم تصير مشتركاً بين الوكيل وبين الشريك فتصير الدراهم للوكيل رقبة وتصرفاً ويثبت له ملك التصرف في النصف الآخر الذي هو الشريك، وله في التصرف في نصيب شريكه منفعة، فإنه يحصل له الربح، فصار في معنى المصارفة مع نفسه من هذا الوجه، وهو لا يملك المصارفة مع نفسه.
وكذلك لو باعها من شريك مفاوض للآمر لا يجوز، كما لو باع الآمر بنفسه؛ وهذا لأن هذا البيع لا يفيد إلا ما كان ثابتاً من قبل؛ لأن الدراهم المبيعة كانت مشتركة بين الآمر وبين شريكه المفاوض والدنانير التي قبضها الوكيل من المفاوض أيضاً مشتركة بينهما فهذا التصرف لا يفيد إلا ما كان ثابتاً فلا يحكم بجوازه، وإن صرفها مع الشريك الآمر في الصرف غير مفاوض له يجوز كما لو فعل الآمر ذلك بنفسه؛ وهذا لأن مصارفة الآمر مع الشريك له في الصرف مفيد؛ لأن الشريك يستفيد بهذا التصرف في هذه الدراهم، ويخرج به ما كان في الشركة وهو الدراهم، فكان هذا التصرف مفيداً فيجوز، وإذا كان يجوز هذا التصرف من الآمر فكذا من وكيله.
وإذا وكل بألف درهم يصرفها وصار بالكوفة ولم يسم له مكاناً، ففي أي ناحية في الكوفة صرفها فهو جائز؛ لأنه لو صرفها في مصر آخر يجوز فهذا أولى، ولو صرفها ثمة فهو جائز ولا ضمان على الوكيل أما جواز البيع؛ فلأن الآمر بالبيع مطلق فلا يتقيد بمكان الآمر إلا بدليل مقيد ولا دليل فيها لا حمل له ولا مؤنة؛ لأن قيمته لا تختلف باختلاف الأمكنة، ففي أي مكان صرفها كان ذلك بأمره فيجوز، وأما لا ضمان على الوكيل وإن
стр. 3001
سافر بها، والآمر بالبيع لا يقتضي الأذن بالمسافرة إن لم يثبت مقتضي الآمر بالبيع ثبت مقتضي الآمر بالحفظ؛ لأنه لما دفع الدراهم إليه ليصرفها فقد أمره بحفظها، ولم يقيد الأمر بالحفظ بمكان الآمر نصاً، ولم يتقيد به بدلا له حال الآمر حتى لا يلزمه مؤنة الرد من غير تقصير، ما هو مقصود بالآمر عند الرد عليه إذ ليس له حمل ومؤنة.
فأما إذا كان له حمل ومؤنة كالعبد والطعام وأشباه ذلك فباعها في بلد آخر إن لم ينقلها إلى ذلك البلد جاز البيع قياساً واستحساناً، وإن نقلها إلى بلد آخر وباع ذلك في كتاب الصرف في رواية أبي سليمان أنه إذا نقل الرمكة واستأجر لذلك فإذا ضاع أو سرق منه فهو ضامن.
وإن سلم حتى باع أجزت البيع ولم ألزم الآمر من الآخر شيئاً، وذكر في رواية أبي حفص أجزت البيع إذا باعه بمثل ثمنه في الموضع الذي أمره ببيعه، وذكر هذه المسألة في كتاب الوكالة وقال: استحسن وأضمنه ولا أجيز البيع اتفق عليه رواية أبي سليمان، ورواية أبي حفص، فكان ما ذكر في كتاب الصرف في رواية أبي سليمان: أنه إذا سلم حتى باع أنه يجوز البيع جواب القياس لا جواب الاستحسان، فصار حاصل المسألة أن فيما له حمل ومؤنة إذا باعه الوكيل في مصر آخر جاز قياساً ولا يلزم الآمر شيئاً من الآخر، وفي الاستحسان لا يجوز البيع.
وجه القياس في ذلك: أنه لم يجز البيع في مصر آخر، إنما لم يجز كيلا يلزم المالك الكراء، ولا يلزمه الكراء هاهنا متى جوزنا بيع الوكيل؛ لأن الوكيل في النقل مخالف؛ لأن العرف فيما بين الناس أن من دفع إلى غيره شيئاً له حمل ومؤنة لمبيعهِ قائماً يريد البيع في المكان الذي دفعه إليه حتى لا يلزمه الكراء ومؤنة النقل من غير أن يحصل له مقصوده وهو البيع.
فهو معنى قولنا: أن الوكيل مخالف في النقل فلا يلزم الآمر الكراء فلا يمنع جواز بيعه ولا ترتفع الوكالة بالنقل؛ لأن هذا خلاف من حيث الفعل وبالخلاف من حيث الفعل لا ترفع الوكالة على ما عرف في موضعه.
وجه الاستحسان: لو أخر ما بيعه في مصر آخر، وجعلنا بيعه بأمر الآمر يجب الكراء على الآمر؛ لأن الحمل حصل للآمر فيجب الكراء عليه، ولا وجه إلى إيجاب الكراء على الآمر؛ لأن الآمر لم يرض به.
وبيان: أنه لم يرض به ما ذكرنا من العرف في وجه القياس، بخلاف ما إذا باعه في مصر آخر من غير أن ينقله إلى ذلك المصر؛ لأن هناك لا يلزم الآمر الكراء متى جوزنا بيع الوكيل وهذا هو التخريج لما لا حمل له ولا مؤنة.
وإذا وكل الرجل رجلاً بألف درهم يصرفها له، ثم إن الموكل صرف تلك الدراهم الألف بنفسه فجاء الوكيل بعد ذلك إلى بيت الموكل، وأخذ من بيته ألفاً غيرها وصرفها، فهو جائز على الموكل فلم يجعل الألف التي أضيفت إليها الوكالة متعينة في حق بطلان الوكالة متى صرفها الموكل بنفسه وقال: لو دفع الموكل تلك الألف إلى الوكيل فسرقت من يديه أو هلكت في يده.
стр. 3002
والوجه في ذلك: أن الوكالة بالشراء بمعنى الشراء من حيث أنها سبب لثبوت الشراء في الثاني بين الوكيل وبين الموكل، حتى حصل الشراء من الوكيل، فإن الوكيل يصير بائعاً ما اشترى من الموكل، وذلك بالوكالة السابقة.
وهذا كان للوكيل جنس المشتري من الموكل بالثمن، وإذا كانت الوكالة بالشراء سبباً للشراء في الثاني ألحق بالشراء والدراهم والدنانير لا يتعينان في الشراء قبل القبض بإضافة الشراء إليهما، ويتعينان بالقبض فكذا في الوكالة بالشراء التي ألحقت بالشراء، هذا بخلاف ما لو أمره ببيع شئ يتعين بالتعيين، ثم إن الموكل باع ذلك الشئ بنفسه، فإنه تبطل الوكالة حتى لا يكون للوكيل أن يأخذ مثله من بيته ويبيعه؛ لأنا ألحقنا الوكالة بالشراء فما يتعين في الشراء يتعين في الوكالة والفلوس بمنزلة الدراهم في أنها لا تتعين في الشراء فكذا في الوكالة.
وإذا وكله بدراهم يصرفها له بدنانير وهما بالكوفة فصرفها بدنانير كوفية مقطعة فهو جائز في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز إلا إذا صرفها بدنانير شامية وأراد بالكوفية المقطعة الجفاف التي فيها عسر المكسرة، وأراد بالشامية النعال واعلم بأن الوكالة ينصرف (١٥٤أ٣) نقد البلد لما ذكرنا أن الوكالة ألحقت بالشراء والشراء ينصرف إلى نقد البلد فكذا الوكالة، وقد كان نقد البلد في زمن أبي حنيفة الكوفية المقطعة والشامية فأفتى على ما شاهد في زمانه، وصرف الشراء والوكالة إلى المقطعة والشامية، وزمن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله كان نقد البلد الشامية لا غير، فصرف الوكالة والشراء إلى الشامية وأفتيا على ما شاهدا في زمانهما فهذا في الحقيقة اختلاف عصر وزمان.
وإذا وكله أن يشتري له بهذه الدنانير دراهم غلة ولم يسلم غلة الكوفة أو غلة بغداد فهذا غلة الكوفة يريد به إذا كان التوكيل بالكوفة، وهذا لما ذكرنا أن الوكالة معتبرة بالشراء ولو قال: اشتريت منك هذا بألف درهم، وهما بالكوفة كان الشراء على غلة الكوفة فكذا الوكالة، فإن اشترى بها غلة بغداد أو غلة بصرة، فإن كان مثل غلة كوفة أو فوقها جاز؛ لأنه أتى بمثل المأمور به وزيادة، وإن كان دون غلة الكوفة لا يجوز.l
ولو وكله بأن يبيع هذه الدراهم بكذا ديناراً شامية فباعها بدينار كوفية، فإن كانت الكوفية غير مقطعة وكان وزنها مثل وزن الشامية يجوز على الآمر؛ لأنه أتى بمثل ما أمره به إن لم يأت بعين ما أمره به ثم قال: وليس الدنانير في هذا كالدراهم يريد أن الدراهم لا تعتبر زيادة الوزن بزيادة، وفي الدنانير تعتبر زيادة الوزن بزيادة.
حتى قال: لو وكله بأن يبيع هذه الدراهم بكذا ديناراً شامية فباع بكذا دينار كوفية، فإن كانت الكوفية وزنها مثل وزن الشامية جاز على الآمر وما لا فلا.
وقال: فيمن وكل رجلاً أن يبيع هذه الدنانير بكذا دراهم غلة الكوفة فباعها بغلة بغداد وبغلة بصرة قال: إن كان لوغلة كوفة جاز، ولم يشترط أن يكون بمثل غلة الكوفة، وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من الغلة الاتفاق في حوائجه، وإنما يحصل ذلك بغلة
стр. 3003
الكوفة أو مثلها، والمقصود من شراء الدنانير الربح، وذلك يختلف باختلاف الوزن، فإن رغبة الناس في الدنانير الثقال أكثر، فإن كان وزن الكوفية مثل وزن الشامية فقد حصل المقصود فيجوز وما لا فلا، ولو قال: بعها بدينار عتق، فباعها بشامية لا يجوز على الآمر؛ لأن المقصود لا يحصل هذا لما للعتق ثمن الصرف على الشامية.
وإذا أقرض الرجل رجلاً ألف درهم وقبضها المستقرض ثم إن المقرض قال للمستقرض: اصرف الدراهم التي لي عليك، ولم يبين مع من يصرف لا يصح التوكيل عند أبي حنيفة ويقع الصرف للمستقرض، وعلى قول أبي يوسف ومحمد يصح التوكيل ويقع الصرف للمقرض.
وهذه المسألة بناء على مسألة معروفة في كتاب البيوع إذا قال رب الدين لمديونه: أسلم مالي عليك من الدين في كذا ولم يبين مع من يسلم فهناك لا يصح التوكيل عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما فها هنا كذلك، وأما إذا قال اصرفها ولم يرد عليه لا يصح التوكيل عندهم جميعاً؛ لأن وفي قوله: اصرفها، يجوز أن يكون كناية عن الألف التي قبضها المستقرض، ويجوز أن تكون كناية عن الألف التي صار ديناً للمقرض في ذمة المستقرض فيه إن كان كناية عن الألف التي قبضها المستقرض لا يصح التوكيل؛ لأن تلك الألف صارت ملكاً للمستقرض هذا أمر بالتصرف في ملك الغير، وأنه لا يصح، فإن كانت الكناية عن الألف التي وجبت للمقرض في ذمة المستقرض كان التوكيل صحيحاً؛ لأن هذا أمر بالتصرف في ملك نفسه صحيح فيصح التوكيل على هذا التقدير عندهما مطلقاً وعند أبي حنيفة إذا بين من يصرف إليه وقع الشك في صحة هذا التوكيل، فلا يصح هذا التوكيل بالشك.
الفصل الثالث عشر: في الصرف مع مملوكه وقرابته وشريكه ومضاربه والوصي وما يتصل بذلك
قال محمد ﵀: وإذا باع الرجل من عبده درهماً بدرهمين بدرهم فهذا ليس بربا سواء كان على العبد دين أو لم يكن، والأصل فيه قوله ﵇: «لا ربا بين السيد وبين عبده» .
والمعنى في ذلك: أن الربا اسم لما ملك بعقد المعاوضة، أما إذا لم يكن على العبد دين؛ فلأن شراء المولى منه لا يصح؛ لأن هذا الشراء لا يفيد للمولى إلا ما كان له فصار وجود هذا الشراء وعدمه بمنزلة وصار المولى.
دافعاً إلى العبد درهماً أخذ منه درهمين أو دافعاً إليه درهمين أخذ منه درهماً وهذا لا يكون رباً، وأما على العبد دين؛ فلأن
стр. 3004
شراء المولى منه في هذه الصورة إن كان مقيداً؛ لأنه يفيد المولى فيما اشترى ملك الرقبة، والتصرف على حسب ما اختلفوا فيه إلا أن للمولى أن يأخذ كسب عبده المديون لقيام ملكه في رقبته من غير شراء، ولكن ببدل يعد له حق الغرماء، وإذا كان له الأخذ على هذا الوجه من غير شراء، فإذا باع المولى منه درهمين بدرهم صار كأنه دفع إليه درهمين، وأخذ منه درهماً من غير شراء وذلك لا يكون رباً، وإذا باع منه درهماً بدرهمين صار كأنه أعطاه درهماً وأخذ منه درهمين فيلزمه رد الدرهم الزائد؛ لأنه أخذه بغير عوض وقد تعلق به حق الغرماء لا لمكان الربا.
وأشار في القدوري إلى أن الربا يجري بين المولى وعبده إذا كان على العبد دين فإنه قال: دين العبد يمنع ملك المولى عند أبي حنيفة، وعندهما إن كان لا يمنع الملك ولكن يوجب حجر المولى عن التصرف فصار المولى بمنزلة الأجنبي فيظهر الربا كما فيما بين الأجانب.
ولو باع من مكاتبه درهماً بدرهمين أو بدرهمين بدرهم لا يجوز وكان ربا؛ لأن الشراء المولى من أكساب مكاتبه وبيع المولى ماله من مكاتبه جائز؛ لأن المكاتب بعقد الكتابة صار أخص بمكاسبه كالحر يداً وتصرفاً في الكسب فيجري الربا بينه وبين مولاه كما يجري بينه وبين سائر الأحرار ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب وعندهما بمنزلة حر عليه دين وبأنهما اعتبرناه تجري الربا بينه وبين مولاه، وكذلك يجري الربا بين الرجل وبين أبيه وابنه وسائر قرابته؛ لأن الشراء يتحقق فيما بين هؤلاء، (١٥٤ب٣) فيجري الربا بينهم لما ذكرنا أن الربا اسم لما يملك بالشراء من غير عوض، وكذلك يجرى الربا بين الرجل وهي عندهما هؤلاء وبين الرجل ووكيل هؤلاء؛ لأن الشراء من عند هؤلاء من وكيلهم بمنزلة الشراء من هؤلاء، ويجري الربا بين شريكي العنان إذا لم يكن الصرف من تجارتهما؛ لأن كل واحد منهما ليس من تجارتهما بمنزلة الأجنبي ولا يجري بين المتفاوضين؛ لأن المبايعة فيما بينهما لا يصح؛ لأنها لا تفيد شيئاً.
قال القدوري: ولا يجوز فعل القاضي وأمينه لليتيم، والأب لابنه الصغير والوصي، إلا ما يجوز بين الأجنبيين، وكذلك إذا اشترى الأب من مال ابنه لنفسه أو المضارب باع من رب المال لم يجز إلا ما يجوز بين الأجنبيين.
الفصل الرابع عشر: في الصرف في المرض
قال محمد ﵀: وإذا باع المريض من وارثه ديناراً بألف درهم وتقابضا، فإنه لا يجوز في قول أبي حنيفة ﵀: إلا بإجازة باقي الورثة ويعتبر وصية للوارث بالعين وكذلك إذا باعه بمثل قيمته أو أقل.
والأصل عند أبي حنيفة: أن نفس البيع من الوارث وصية ولا وصية للوارث إلا بإجازة باقي الورثة.
стр. 3005
وعندهما: إذا باعه بمثل القيمة أو بأكثر يجوز من غير إجازة باقي الورثة؛ لأن عندهما نفس البيع ليس بوصية، وإنما الوصية في الحط عن القيمة، وإذا كان البيع بمثل القيمة أو أقل لم يوجد الحط فلم توجد الوصية ولم تتمكن التهمة فتجوز، أجازت الورثة ذلك أو لم يجيزوا.
ولو اشترى المريض من ابنه ألف درهم بمائتي دينار وتقابضا وله ورثة كبار فعلى قول أبي حنيفة: لا يجوز إلا بإجازة الورثة سواء كان قيمة ديناره ألف درهم أو أكثر أو أقل.
وعندهما: إن كان قيمة ديناره ألف درهم أو أقل يجوز من غير إجازة باقي الورثة.
وإن كان قيمة دنانيره أكثر من ألف درهم: فإن أجاز باقي الورثة ذلك جاز، وإن لم يجزوا يخير الابن المشتري إن شاء نقض البيع ورد الدنانير وأخذ دراهمه، وإن شاء أخذ من الدنانير مثل قيمة دراهمه ورد الفضل.
وإنما يخير الابن المشتري؛ لأنه إنما بذل الدراهم بمقابلة الدنانير بكمالها، ولم يسلم له الدنانير بكمالها فقد تغير عليه شرطه فيكون له الخيار، فإن شاء رضي به وإن شاء نقض العقد، وسواء هذا رواية أخرى عنها أن أصل العقد يبطل إذا حابى المريض وارثه بشيء.
وإذا باع المريض من أجنبي ألف درهم بدينار قيمته عشرة دراهم وتقابضا ثم مات المريض والدينار عنده ولا مال له غير ذلك، فللورثة الخيار إن شاؤوا أجازوا ذلك، وإن شاؤوا لم يجيزوا؛ لأن المريض حابى بالزيادة على الثلث؛ لأن الثلث ماله ثلاث مئة وثلاثون وثلث وقد حابى بالزيادة على ذلك؛ لأنه حابى مقدار تسعمئة وتسعين، والمحاباة في المرض وصية فصار موصياً بما زاد على الثلث والمريض إذا أوصى بما زاد على الثلث يقف ذلك على إجازة الورثة، فإن أجازوا أجاز وسلم للمشتري جميع الألف والدينار لورثة المريض، وإن لم يجيزوا فالمشتري بالخيار: إن شاء نقض البيع وإن شاء أجاز.
وإنما يخير المشتري؛ لأنه باشر هذا العقد ليسلم له الألف بكماله بمقابلة الدينار ولا يسلم له ذلك هاهنا فيتغير عليه شرطه ومقصوده فيكون له الخيار، فإن نقض البيع أخذ ديناره ورد جميع الألف ولا يسلم له شيء من الوصية كانت في ضمن البيع، فإذا انفسخ البيع بطل ما ثبت في ضمنه، وإن أجاز البيع يأخذ من الألف قيمة الدينار عشرة؛ لأنه لا محاباة بهذا القدر، ويأخذ ثلث مال الميت، وذلك ثلثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ لأن الدينار إذا كان قائماً في يد ورثة الميت كان جميع مال الميت ألف درهم فيكون له ثلاثة ذلك وثلث الألف ثلاث مئة وثلاثة وثلاثون ويسلم له قيمة الدينار أيضاً، وذلك عشرة فجملة ما سلم له ثلاث مئة وثلاثة وأربعون وثلث، ويرد الباقي على الورثة.
هذا إذا كان الدينار قائماً، وإن كان المريض قد استهلك الدينار، فالجواب فيما إذا كان الدينار قائماً عند المريض إلا في فصل، فإن هذه الصورة إذا لم تجز الورثة ذلك وخير المشتري فلم يجز فسخ البيع قال المشتري يأخذ من الألف قدر قيمة الدينار عشرة
стр. 3006
بحكم المعاوضة ثم يأخذ بحكم الوصية ثلث الباقي من الألف، وذلك ثلاث مئة وثلاثون وثلث جميع الألف، بخلاف الفصل الأول، فإن هناك المشتري بعد ما أخذ قيمة الدينار يأخذ جميع الألف ثلاث مئة وثلاثون وثلث.
والوجه في ذلك: أن الوصية إنما تنفذ فيما هو ثلث مال الميت عند الموت، وفي المسألة الأولى ثلث مال الميت عند الموت ألف درهم؛ لأن المشتري وإن أخذ من الألف قدر قيمة الدينار عشرة إلا أن الدينار الذي هو عوض عن العشرة قائم في يد الورثة قائم مقام العشرة فكان مال المريض ألف درهم عند الموت فيعطي الموصى له ثلث ذلك.
أما في المسألة الثانية: مال المريض عند موته تسعمئة وتسعون؛ لأن المشتري قد أخذ عشرة عوض عن الدين ديناراً، والدينار ليس بقائم حتى يقوم مقام ذلك فكان مال الميت عند الموت تسعمئة وتسعون فيكون للمشتري ثلث ذلك.
ثم إن محمداً ﵀: خير مشتري الدراهم بعد هلاك الدينار في يد المريض، وفرق بين هذا وبينما إذا هلك الألف في يد مشتري ألف ولم تجز الورثة ما صنعه المريض، فإن هناك لا يخير مشتري الألف بين الفسخ والإجازة بل يأخذ قدر قيمة الدينار وثلث جميع الألف يرد الباقي على الورثة.
والفرق: أن الدينار الذي قبضه المريض بدل الصرف من كل وجه؛ لأنه لا محاباة للمريض في ذلك، وهلاك بدل الصرف لا يمنع الفسخ، فإما الألف التي قبضها مشتري الألف بعضها إن كان بدل الصرف، وذلك قدر قيمة الدينار؛ لأنه أعطاه بإزائه عوضاً فما زاد على ذلك لم يكن بإزاء عوض للمريض بل كان وصية وهلاك الدراهم في يد الموصَى له يمنع فسخ الوصية؛ لأن الدراهم تتعين في الوصايا، وكانت الدراهم في الوصايا كالعروض، وإذا امتنع فسخ الصرف؛ لأنا لو فسخنا الصرف تنفسخ الوصية؛ لأنها كانت في ضمن الصرف، فإذا تعذر فسخ الوصية تعذر فسخ الصرف، فشرط قيام الدراهم في يد مشتريها لا مكان فسخ الصرف (١٥٥أ٣) ولم يشترط قيام الدينار في يد مشتريه لإمكان فسخ الصرف لهذا.
قال: ولو أن المريض باع سيفاً قيمته مئة درهم، وفيه من الفضة مئة درهم، وذلك كله قيمته عشرين ديناراً بدينار وتقابضا، ثم مات المريض وإلى الورثة أن يجيزوا ذلك، فإن المشتري بالخيار: إن شاء نقض البيع ورد السيف وأخذ ديناره ولا شيء له من الوصية، وإن شاء أجاز البيع وأخذ قدر قيمة الدينار من السيف والحلية وثلث السيف تاماً بعد ذلك زاد وهاهنا، فقال: إن شاء زاد في الثمن إلى تمام قيمة ثلثي السيف، ثم قال: في هذه المسألة أخذ المشتري قدر قيمة الدينار من السيف والحلية جميعاً؛ لأن الحلية مع السيف كشيء واحد لا يتأتى إثبات المعاوضة في أحدهما دون الأخر.
وإن كان الدينار قد هلك، فالجواب كذلك إلا في فصل أن الورثة إذا لم يجيزوا ما صنع الميت وخير المشتري بين أن يختار فسخ العقد وأخذ دينار مثل ديناره وبين أن
стр. 3007
يمضي العقد وأخذ من السيف وحليته قدر قيمة ديناره وثلث ما بقي من السيف والحلية لا ثلث جميع السيف.
وإن كان المشتري قد استهلك ما قبضه أيضاً كان للمشتري قدر قيمة ديناره وثلث الباقي من السيف والحلية وعشر من ثلثي الباقي للورثة؛ لأن تعذر فسخ العقد هاهنا؛ لأن المعقود عليه مستهلك فكان ضمان حصة الورثة من ذلك وهو قيمة ثلثي الباقي بعد قيمة الدينار.
وهذا لأن المقبوض لو كان قائماً في يد المشتري كان لورثة المريض استرداد ذلك، فإذا كان هالكاً كان له استرداد البدل بمنزلة استرداد المبدل، وبقي له تسعمائة درهم لا مال له غيرها باعها بدينار قيمته تسعمائة دراهم وقبض مشتري الدينار الدينار وقبض الأخر مئة درهم وافترقا ثم مات المريض والدينار قائم في يده والدراهم كذلك فإجازة الورثة هاهنا، وعدم إجازتهم سواء.
ويسلم لمشتري الدراهم مئة درهم بتسع الدينار ويرد الورثة عليه بمئة أتساع الدينار وهذا؛ لأن الدينار قوبل بتسعمائة فيكون بمقابله كل مئة تسع دينار، فإذا قبض مشتري الدراهم من الدراهم مئة ولم يقبض الباقي حتى تفرقا فقد انتقض العقد في ثمان مئة درهم بثمانية أتساع الدينار في مئة درهم بتسع الدينار، فيسلم للمشتري مئة درهم بتسع الدينار.
وإن كان قيمة المئة أكثر من تسع الدينار؛ لأن ما زاد على قيمة تسع الدينار محاباة للمشتري، وأنها يخرج من ثلث مال المريض فيسلم ذلك للمشتري أجازت الورثة أو لم يجيزوا، وجب على ورثة المريض رد ثمانية أتساع الدينار على المشتري؛ لأن ذلك في أيديهم بحكم عقد قد فسد.
وكذلك لو كان له مشتري الدراهم قبض من الدراهم مئتي درهم فإجازة الورثة وعدم إجازتهم سواء، ويسلم للمشتري مئتا درهم بتسعي الدينار، وإن كان مائتا درهم أكثر من قيمة تسعي الدينار؛ لأنه محاباة يخرج من ثلث مال المريض.
وكذلك إذا كان مشتري الدراهم قبض من الدراهم ثلاث مئة فإجازة الورثة في هذا وعدمها سواء، يسلم لمشتري الدراهم ثلاث مئة درهم بثلاثة أتساع الدينار؛ لأن المحاباة تخرج من ثلث مال المريض.
وإن كان مشتري الدراهم قبض من الدراهم أربعمئة فهاهنا يحتاج إلى إجازة الورثة؛ لأن المحاباة تزيد على ثلث المال هاهنا، فإن أجازت الورثة ذلك سلم للمشتري أربعمائة درهم وسلم للورثة أربعة أتساع الدينار ولزم الورثة رد خمسة أتساع الدينار على المشتري، وإن لم تجز الورثة ذلك فالمشتري بالخيار، وإن شاء نقض البيع ورد ما قبض من الدراهم وأخذ ديناره، وإن شاء أخذ مما قبض من الدراهم قدر قيمة أربعة أتساع الدينار وثلث جميع المال وذلك ثلاث مئة ورد الباقي على الورثة، وإن لم يقبض مشتري الدراهم شيئاً من الدراهم يرد على الورثة دينارهم؛ لأن العقد قد فسد في جميع الدينار والوصية كانت في ضمن البيع فإذا بطل البيع بطلت الوصية.
стр. 3008
وهل يجب على المشتري رد ذلك الدينار بعينه أم لا؟ فالمسألة على روايتين، فإن الدينار مقبوض بحكم عقد فاسد وفي تعيين الدراهم والدنانير في البيع الفاسد للرد روايتان، ولو لم يتفرقا ولم يمت المريض المشتري بتسعة وخمسين ديناراً وتقايضا فهو جائز كله إن كان قيمة كل دينار عشرة؛ وهذا لأن قيمة كل دينار متى كان عشرة صار المريض بائعاً تسعمئة بما يساوي ستمئة؛ لأن ثمن الدراهم صار ستون ديناراً لما زاد مشتري الدراهم تسعة وخمسين ديناراً، فتكون المحاباة بقدر ثلاث مئة وذلك يخرج من ثلث ماله فيجوز أجازت الورثة أو لم يجيزوا؟.
وإن كان المريض وكل وكيلاً فباعها من هذا الرجل بدينار ثم مات المريض قبل أن يتقابضا، فقال المشتري: أنا آخذ تسعمئة بتسعين ديناراً فهو جائز إذا رضي به الوكيل؛ لأن الزيادة من المشتري وجدت حال قيام العقد صحت إذا رضي به الوكيل، ما إن أنها حصلت حال قيام العقد لأن العقد قد صح من الوكيل؛ لأنه باع قبل موت المريض، وإنما بقي القبض لا غير، والقبض حق الوكيل؛ لأنه ملكه بحكم العقد كأنه عقد لنفسه والوكيل حي وهو مع المشتري في مجلس العقد بعد فبقي العقد على الصحة بعد موت المريض.
فإذا زاد المشتري في الثمن وقد وجدت الزيادة حال قيام العقد صحت إذا رضي به الوكيل، وإنما شرطنا رضا الوكيل لصحة الزيادة؛ لأن العاقد سَوَّى الوكيل فيتوقف صحتها على رضا الوكيل؛ وهذا لأن الزيادة إذا صحت التحقت بأصل العقد وصار كأن العقد من الابتداء ورد على الأصل والزيادة، ثم ابتداء العقد بالزيادة لا تصح إلا برضا الوكيل فكذا هاهنا، وهذا بخلاف ما لو عقد المريض بنفسه ثم مات قبل القبض فأراد المشتري أن يزيد في الثمن حتى تزول المحاباة لا يقدر عليه؛ لأن العقد بطل بموت المريض؛ لأن حق القبض للوكيل وإنه حي فأمكن القول بصحة الزيادة.
قالوا: وتأويل هذه المسألة أن المريض وكل هذا الرجل ببيع الدراهم وفوض الرأي إليه بأن قال: اعمل فيها برأيك، أو قال: ما صنعت فيها من شيء فهو جائز حتى يكون بيع الوكيل جائزاً على المريض مع المحاباة فيكون بمنزلة بيع المريض، فإذا زاد المشتري بزيادة ورفع المحاباة يجوز، فإما إذا لم يفوض إليه الرأي لا يجوز العقد.
وإن زاد المشتري على اختلاف المذهبين أما على (١٥٥ب٣) قولهما؛ فلأن الوكيل بالصرف وكيل بالبيع من وجه وبالشراء من وجه، وبأي ذلك اعتبرناه لا يحتمل منه المحاباة الفاحشة، ولا يجوز بيعه على المريض، وأما على قول أبي حنيفة ﵀؛ فلأنه وكيل بالبيع من وجه وبالشراء من وجه فمن حيث إنه وكيل بالبيع إن جاز تصرفه مع المحاباة على المريض، فمن حيث إنه وكيل بالشراء لا يجوز تصرفه مع المحاباة على المريض وقع الشك في جواز تصرفه على المريض فلا يجوز بالشك.
وإذا باع المريض ألف درهم بمئة درهم وتقابضا ثم مات من مرضه ذلك فهذا لا يجوز؛ لأنه ربا، ألا ترى أنه لو كان ذلك من الصحيح لا يجوز لمكان الربا فكذا من المريض.
قال: والذي أعطى المئة أن يمسك مئة من ثمانية ويرد الباقي، قالوا: وهذا على
стр. 3009
الرواية التي تقول فيها إن المقبوض من الدراهم بحكم عقد فاسد لا يتعين للرد؛ لأن على هذه الرواية حق صاحبه المئة يكون في مئة لا بعينها وقد ظفر بحبس ذلك من مال المريض فيأخذه.
فأما على الرواية التي يقول فيها إن المقبوض من الدراهم بحكم عقد فاسد يتعين للرد على الذي أعطى المئة إن رد جميع الألف المقبوضة على ورثة المريض ويرجع عليهم ثمانية إن كانت مئة قائمة بعينها ولا شيء لصاحب المئة من الوصية هاهنا؛ لأن وصية في ضمن البيع وقد وقع البيع باطلاً فما في ضمنه يكون باطلاً أيضاً.
قال: وإن كان صاحب المئة أعطى مع المئة ثوباً أو ديناراً كان ذلك بيعاً صحيحاً على أن تكون المائة بالمائة، والباقي بإزاء الثوب أو الدينار، فإن مات المريض يجيز ورثته؛ لأنه صار بائعاً تسعمئة درهم بدينار فصار محابياً بأكثر من ثلث ماله فكان للورثة الخيار، فإن أجازوا ما صنع المريض سلم للورثة مئة دينار وسلم لصاحب المئة الألف كلها، فإن لم يجيزوا فصاحب المئة بالخيار لتغير شرطه ومقصوده، فإن شاء نقض البيع ورد الألف وأخذ مئته وديناره على إحدى الروايتين.
وعلى رواية أخرى: إن شاء نقض البيع وأمسك من الألف مئة ثمانية ورجع على ورثة المريض بديناره إن كان قائماً، وإن شاء أجاز البيع وأخذ من الألف مئة وقيمة ديناره؛ لأنه محاباة في ذلك القدر ثم يأخذ ثلث جميع مال المريض إن كان ديناره ومئته قائمةً وثلث ما بقي إن كان هالكاً.
وإذا كان للمريض إبريق فضة فيه مئة درهم وقيمتها عشرون ديناراً فباعه بمئة درهم وقيمتها عشرة دنانير فتقابضا ثم مات المريض من مرضه، وأبى الورثة أن يجيزوا ذلك فللمشتري الخيار، فإن شاء فسخ العقد ورد الإبريق وأخذ دنانيره، وإن شاء أمضى العقد وأخذ ثلثي الإبريق بثلثي المئة، ويرد ثلث الإبريق على الورثة.
والوجه في ذلك: أن يقول لا وجه إلا أن يصحح هذا العقد بأن يرد مئة أخرى حتى تصير قيمة الإبريق مئتي درهم فتبقى المحاباة؛ لأنه يصير مشترياً مئة درهم، وإنه ربا؛ إذ لا قيمة للصنعة والجودة فيما بين المتعاقدين في أموال الربا، ولا وجه إلى أن يصححه بأن يزيد في الثمن من خلاف جنس الثمن إلى تمام ثلثي الإبريق؛ لأنه في إثبات الزيادة على هذا الوجه إبطالها، لأن الزيادة تصير ثمن الإبريق، فيصير صرفاً ولم يقبض في المجلس، ولا وجه إلى أن يجوز العقد في جميع الإبريق بمائة؛ لأن فيه إبطال حق الورثة في الصنعة والجودة، ولا وجه إلى أن يفسخ العقد في الكل إذا لم يرض به المشتري لما فيه من إبطال الوصية له بقدر الثلث.g
وإذا انتفت هذه الوجوه عيّنا تجويز العقد في ثلثي المائة؛ لأنه يقع الخلاص عن الربا، ولا يبطل حق الورثة في الصنعة، ولا تبطل وصية المشتري ويحصل تنفيذ الوصية بقدر ثلث مال المريض ويسلم للورثة ثلثا مال المريض.
بيانه وهو: أن حق الورثة في ثلثي مال المريض وجميع مال المريض إبريق قيمته عشرون ديناراً ذلك ثلاثة عشر وثلث، فإذا جوزنا العقد في ثلثي الإبريق بثلثي الثمن،
стр. 3010
ورددنا ثلث الإبريق على الورثة فقد سلم للورثة ثلث الإبريق، وقيمته ستة وثلثان، وسلم لهم من ثمن الإبريق ثلثا المائة ستة وستون وثلثان وقيمته ستة دنانير، فجملة ذلك ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، وهذا هو تمام حقهم وسلم للمشتري ثلثا الإبريق، وقيمته ثلاثة عشر وثلث بثلثي مائة وقيمته ستة وثلثان فكان السالم للمشتري بطريق الوصية ستة دنانير وثلث دينار فاستقام الثلث والثلثان.
الفصل الخامس عشر: في الاستبدال ببدل الصرف
قال محمد ﵀: إذا اشترى الرجل عشرة دراهم بدينار فنقد مشتري الدينار لتسعة دراهم وبقي درهم، ونقد مشتري الدراهم الدينار فلم يتفرقا حتى قال مشتري الدراهم لمشتري الدينار يعني بالدرهم لي عليك كذا فباعه، فإن البيع لا يجوز ولا يبرأ مشتري الدينار عن بدل الصرف، وقال زفر ﵀: يجوز البيع، ولكن مشتري الدينار لا يبرأ عن بدل الصرف.
واعلم بأن الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض لا يجوز أجمع عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ﵏، غير أن زفر قال: بجواز البيع في هذه الصورة؛ لأنه يجوز هذا البيع بمثل بدل الصرف وتبقى الإضافة إلى بدل الصرف في حق تعلق العقد به وتقررها في حق بيان قدر الواجب وصفته، فلا يكون هذا استبدالاً ببدل الصرف قبل القبض، ونحن نعتبر الإضافة إلى بدل الصرف في حق تعلق العقد به من وجه، فيكون هذا استبدالاً لا ببدل الصرف من وجه، وإنه لا يجوز كالاستبدال من كل وجه.
وإنما لم يجز الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض عندنا لوجهين:
أحدهما: أن الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض يفوت قبض بدل الصرف من حيث الحقيقة، فإنه لا يوجد قبض الدراهم التي هو بدل الدينار من مشتري الدراهم بعد استبدال به، وإنما يوجد قبض بدل الثوب أو الدينار التي اشترى، وفوات قبض بدل الصرف يوجب بطلان الصرف، فيكون الاستبدال ببدل الصرف سبباً لفساد الصرف يكون فاسداً.
الوجه الثاني: إن كل واحد من بدل الصرف ثمن من وجه إما كونه ثمناً فظاهر، وأما كونه مثمناً؛ لأن عقد الصرف بيع؛ لأنه مبادلة مال بمال والبيع ليس إلا مبادلة، ولهذا قالوا: إذا حلف أن لا يبيع فصارف يحنث في يمينه، فثبت أن عقد الصرف بيع.
قلنا: والبيع ما يشتمل على مبيع وثمن، وليس أحد البدلين إذا كانا دراهم أو دنانير بأن يجعل مبيعاً والآخر ثمناً بأولى (١٥٦أ٣) من الأخر، فجعل كل واحد منهما مبيعاً وثمناً من وجه ضرورة انعقاد البيع، وإن كان كل واحد منهما مبيعاً حقيقة كذا هاهنا.
وإذا صار كل واحد منهما ثمناً من وجه مثمناً من وجه، فنقول: إن جاز الاستبدال به قبل القبض من حيث إنه ثمن لا يجوز الاستبدال به قبل القبض من حيث إنه مثمن، فلا
стр. 3011
يجوز الاستبدال بالشك، هذا كما في التأجيل في بدل الصرف إنه لا يجوز إن كان يجوز من حيث إنه ثمن لا يجوز من حيث إنه مثمن، فلا يجوز بالشك.
فإن قيل: لو كان بدل الصرف ثمناً من وجه مثمناً من وجه لكان يشترط قيام الملك فيه حالة العقد حتى لا يصير بائعاً ما ليس عنده بالإجماع، لم يشترط قيام الملك في الدراهم والدنانير وقت العقد.
فقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب لو باع رجل آخر ديناراً بدراهم، وليس في ملك هذا دينار ولا في ملك ذلك دراهم ثم استقرض هذا ديناراً ودفعه إلى مشتري الدينار واستقرض ذلك دراهم ودفعها إلى مشتريها، فإنه يجوز.
قلنا: الدراهم والدنانير قبل العقد وحالة العقد ثمن من كل وجه، وإنما يعتبر مثمناً من وجه بعد العقد؛ لأن اعتباره مثمناً بسبب العقد ضرورة أن العقد لابد له من مثمن كذا لابد له من ثمن، فيعتبر كونه مثمناً بعد العقد لا قبله ولا يشترط قيام الملك فيه قبل العقد، هذا كما في بيع العرض بالعرض، فإن كونه ثمناً قبل العقد بوجه من الوجوه؛ لأنه مثمن في الأصل، وإنما يصير ثمناً بسبب العقد ضرورة أن العقد لابد له من ثمن، فيعتبر كونه مثمناً قبل العقد حتى يشترط قيام الملك في كل واحد منهما حالة العقد، ويتعلق العقد بهما، ويعتبر كونه ثمناً بعد العقد حتى لا ينفسخ العقد بهلاك أحدهما بعد البيع، كما لو كان ثمناً من كل وجه كذا هاهنا، وإذا اعتبرت المثمنية قبل العقد في البدلين من كل وجه لا يشترط قيام الملك فيهما قبل العقد، فلا يتعلق العقد بالمشار إليه.
فإن قيل: أليس أنه لو اشترى قلب فضة بدراهم، واستبدال بالدراهم قبل القبض لا يجوز عندكم مع أن الدراهم بمقابلة القلب ثمن من كل وجه؛ إذ لا ضرورة إلى جعله مثمناً من وجه؛ لأن القلب بمقابلته مثمن من كل وجه.
قلنا: جواز الاستبدال ببدل القلب إن كان لا يمتنع للوجه الثاني؛ لأن الدراهم بمقابلة القلب ثمن من كل وجه يمتنع للوجه الأول أن الاستبدال ببدل القلب لو صح يفوت قبض بدل القلب، وفوات قبض بدل القلب يوجب فساد الصرف، وإن كان دراهم أو دنانير، وما يكون سبباً لفساد العقد يكون فاسداً في نفسه.
ففي الكلام مع زفر ﵀ في جواز هذا البيع.
فوجه قوله: إن هذا شراء ضعيف إلى دراهم دين، فيتعلق العقد بمثله لا بعينه كما في سائر الديون سوى بدل الصرف، فإن في سائر الديون لا يتعلق العقد بالدين المضاف إليه حتى لو تصادقا بعد ذلك أنه لا دين لا يبطل البيع، فإذا لم يتعلق العقد بعين بدل الصرف لا يكون هذا استبدالاً ببدل الصرف قبل القبض فيجوز.
ثم فرق زفر ﵀ بينما إذا أضيف العقد إلى الدراهم الدين، وبينما إذا أضيف العقد إلى الدراهم العين، فقال: إذا أضيف العقد إلى الدراهم العين يتعلق بها، وإذا أضيف إلى الدراهم الدين لا يتعلق العقد بها.
والفرق له: أن في الدين التعيين أضيف إلى غير محله، فيصح التعيين كما في سائر
стр. 3012
المضافة إلى محالها وعلماؤنا ﵏ قالوا: بأن التعيين أضيف إلى ما هو مثمن من وجه لما ذكرنا أن الدراهم والدنانير إذا قوبل بعضها ببعض وكل واحد من البدلين مثمن من وجه، فصار مشتري الدراهم مشترياً بما هو مثمن من وجه، والشراء المضاف إلى المثمن يتعلق بعينه، وإذا تعلق بعينه جعل المشتري مستبدلاً ببدل الصرف قبل القبض، وإنه لا يجوز بخلاف الشراء المضاف إلى سائر الديون سوى بدل الصرف؛ لأن هناك الشراء حصل بما هو ثمن من كل وجه، والشراء بالمضاف إلى الثمن من كل وجه لا يتعلق بعينه، أما هاهنا بخلافه.
وإذا اشترى الرجل عشرة دراهم بدنانير وتقابضا إلا بدرهم واحد بقي من العشرة، وليس عند بائع الدراهم الدرهم العاشر، فأراد الذي اشترى الدراهم أن يأخذ عشر الدينار، فله ذلك.
وهذا الجواب على هذا الإطلاق الذي قاله محمد ﵀ يستقيم بعد ما تفرقا عن مجلس العقد قبل نقد الدرهم العاشر؛ لأنه بعد ما تفرقهما انتقض الصرف بقدر عشر دينار وصار عشر الدينار على مشتري الدينار، فلبائع الدينار أن يطالب المشتري بذلك رضي المشتري أم سخط.
فأما قبل التفرق: إذا أراد أن يأخذ عشر دينار من مشتري الدينار فليس له ذلك إلا برضى مشتري الدينار بذلك؛ لأن الصرف صحيح قبل التفرق في جميع الدينار، وإن لم يكن عند مشتري الدينار الدرهم العاشر، فيكون حق بائع الدينار في الدرهم العاشر وحق مشتري الدينار في جميع الدينار، فإذا قيل له: أعطني عشر دينار، فكأنه قال: أقلني العقد بقدر عشر دينار، فإن رضي مشتري الدينار بذلك جاز وإن لم يرض لا يجوز.
فأما إذا قال له: بعني بعشر دينار فلوساً مسماة أو عرضاً مسماة فباعه بذلك كان جائزاً باعه قبل التفرق أو بعد التفرق، فلا إشكال؛ لأن الصرف انتقض بقدر عشر دينار لفوات قبض بدله، فصار حق بائع الدينار بعد التفرق في عشر الدينار في ذمة مشتري الدينار.
فإذا قال: بعني بذلك شيئاً بعد استبدال ببدل الصرف بعد الفسخ قبل القبض، فإنه جائز، وإن كان قبل التفرق فكذلك يجوز؛ وذلك لأن بائع الدينار كما قال: أعطني بعشر دينار فلوساً فقد طلب منه أن يصير عشر دينار حقاً له في ذمة المشتري حتى يجوز له أخذ الفلس عوضاً عنه، وإن عشر الدينار قبل التفرق حقاً لبائع الدينار إلا بالفسخ، فكأنه قال: أقلني الصرف بقدر عشر دينار حتى لا يصير حقاً لي بالفسخ ثم أعطني بذلك فلوساً أو عرضاً، فإذا رضي الآخذ بذلك انفسخ (١٥٦ب٣) الصرف بقدر عشر دينار، فصار مستبدلاً ببدل الصرف قبل القبض بعد الفسخ، وإنه جائز.
وهذا بخلاف ما لو قال بائع الدينار: بعني بالدراهم شيئاً، فإنه لا يجوز سواء باعه بالدراهم العاشر شيئاً قبل التفرق أم بعد التفرق، فأما قبل التفرق؛ فلأنه استبدل ببدل الصرف قبل القبض حال بقاء عقد الصرف؛ لأنه طلب منه أن يبيع بالدرهم شيئاً والدرهم
стр. 3013
حقه بعقد الصرف، فإنه ملك الدرهم بعقد الصرف، وإنما يبقى الدرهم العاشر حقاً له ببقاء الصرف، فلا يكون بيعه الدرهم منه طلباً للفسخ بل يكون استبدالاً ببدل الصرف، وإنه لا يجوز.
وأما بعد التفرق؛ لأنه اشترى شيئاً بدين يعلمان ليس عليه دين، ومن اشترى شيئاً من غيره بدين حاله عليه يعلمان أنه لا دين له عليه، فإنه لا يجوز هذا الشراء، ويكون هذا الشراء بعين الثمن، لأنه سمى ما لا يتصور ثمناً، فكأنه قال: اشتريت بغير ثمن.
وفي كتاب الصرف: إذا اشترى الرجل ألف درهم بعينها بمائة دينار والدراهم بيض، فأعطاه مكانها سوداء، ورضي بها البائع جاز؛ وذلك لأن هذا ليس باستبدال، فالسود والبيض من الدراهم جنس واحد، وإنما البراءة عن صفة الجودة خير يجوز بالسود، فكان مشترياً بهذا الطريق لا مستبدلاً.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: ومراده من السود الدرهم المضروب من النقرة السود لا الدراهم البخارية؛ لأن أخذ البخارية مكان الدراهم البيض لا يجوز؛ لأنه يكون استبدالاً لاختلاف الجنس، وكذلك لو قبض مشتري الدراهم وأراد أن يعطي ضرباً أخر من الدنانير سوى ما شرط لا يجوز إلا برضا صاحبه، وإذا رضي به صاحبه كان مستوفياً لا مستبدلاً لا يكون الجنس واحداً قبل هذا إذا أعطاه ضرباً دون المسمى، فأما إذا أعطاه ضرباً فوق المسمى، فلا حاجة إلى رضى صاحبه.
الفصل السادس عشر: فيما يكون قصاصاً ببدل الصرف وما لا يكون
رجل له على رجل عشرة دراهم، فباعه الذي عليه العشرة دنانير وترك العشرة ودفعه الدينار إليه، فهو جائز.
وهذا صرف بدين مسبق وجوده، والصرف بدين مسبق وجوبه جائز لحديث عبد الله ابن عمر، فإنه يروى أنه ﵁ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّموقال: إني أكري الإبل بالبقيع إلى مكة بالدراهم وآخذ مكانها دنانير، أو بالدنانير وآخذ مكانها دراهم، وربما قال أبيع، فقال ﵇: «لا بأس إذا افترقتما، وليس بينكما عمل» .
ومن هذا الجنس ثلاث مسائل: أحداهما هذه.
الثانية: رجل له على رجل عشرة دراهم، فباعه الذي عليه العشرة ديناراً بعشرة دراهم ودفع الدينار حتى وجب لكل واحد منهما على صاحبه عشرة، ثم جعل العشرة التي هي ثمن الدينار قصاصاً، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا الثلاثة.
والقياس: أن لا يصير قصاصاً، وهو قول زفر ولقب المسألة أن المتصارفين إذا
стр. 3014
جعلا بدل الصرف قصاصاً بدين وجب قبل عقد الصرف استبدال ببدل الصرف وليس باستيفاء؛ لأن علامة الاستيفاء قبض مال مضمون من جنس بدل الصرف بعد عقد الصرف لا على وجه الاقتضاء بدين آخر، ولم يوجد قبض مثل هذا المال بعد عقد الصرف؛ لأن صاحب آخر الدينين يكون قاضياً لأولهما، وصاحب أول الدينين يكون مقضياً؛ لأن القضاء يتلوا الوجوب ولا يسبقه، ودين الصرف وجب آخراً، فمتى جازت المقاصة صار بائع الدينار قاضياً ببدل الصرف ديناراً كان عليه قبل عقد الصرف، وفي القضاء استبدال؛ لأنه تملك مكان بدل الصرف ما في الذمة والاستبدال ببدل الصرف لا يجوز.
وعن هذا قالوا: إذا سلم عشرة دراهم في كر حنطة ثم أراد أن يتقاصا رأس مال السلم بدين كان واجباً لرب السلم قبل عقد السلم لا يجوز؛ لأنه استبدال رأس مال السلم، وكذا لو كان للمسلم إليه كر قبل عقد السلم هو مثل السلم ثم حل السلم فأرادا أن يجعلا المسلم فيه قصاصاً بما كان واجباً للمسلم إليه على رب السلم قبل عقد السلم لا يجوز، وإنما لا يجوز؛ لأنه استبدال بالمسلم فيه قبل القبض فيه كذا هاهنا.
وجه الاستحسان من وجهين:
أحدهما: لو أخذ ما على هذه المقاصة فقد قصدا تصحيحهما بتعلق العقد ملك العشرة التي وجبت ديناً قبل عقد الصرف بتلك العشرة جائزاً على ما بينا، ولذلك طريقان:
أحدهما: أن ينفسخ الصرف المرسل وينعقد صرف آخر بتلك العشرة، كما لو باع بألف درهم ثم باع بألفين أو يبقى أصل العقد المرسل، ولكن بتغير وصف، فإنه إلى الآن كان منعقداً بوصف الإطلاق، والآن يتقيد بذلك العشرة، وهما مكان إبطال العقد ويعتبره كما يملكان إبقاءه، فيتضمن على هذه المقاصة والحالة هذه فسخ الصرف المرسل وتحديد صرف الآخر بتلك العشرة أو يعتبر الصرف المرسل وتعليق العقد بتلك العشرة كما في الزيادة في الثمن والمثمن.
ولهذا لم تصح هذه المقاصة إلا بتراضيهما، وإن كان جنس الدين واحداً؛ لأن طريق تصحيح هذه المقاصة فسخ ما عقدا من الصرف المرسل أو يعتبره، وفسخ العقد أو يعتبره لا يصح وجود التراضي منهما بخلاف السلم؛ لأن تصحيح ما قصدا في السلم غير ممكن بالطريق الذي عيناه في الصرف، وهو فسخ السلم المرسل، وإثبات سلم آخر أو يعتبره وتعليق بتلك العشرة، فإنهما لو صرحا بذلك وقالا: فسخنا السلم وحددنا تلك الدين لا يجوز؛ لأن السلم بدين سبق وجوبه لا يجوز. ألا ترى إن قال لغيره: أسلمت إليك العشرة الدين التي لي عليك في كر حنطة لا يجوز، وفي الصرف لو صرحا بذلك لا يجوز؛ لأن الصرف بدين سبق وجوبه وهي المسألة الأولى.
الوجه الثاني: وفي هذا الوجه لا يحتاج إلى التعريض لفسخ العقد المرسل ولا لتغييره ولكن يقول: القياس يأبى جواز هذه المقاصة، وإن تقاصا؛ لأنه استبدال وليس باستيفاء على ما مر، ولكن تركنا القياس فيه لحديث عبد الله بن عمر ﵄،
стр. 3015
فإن فيه أن رسول الله جوّز الصرف بدين وجب قبل عقد الصرف، ومتى جاز الصرف بدين واجب عليه قبل عقد الصرف يصير قاضياً ببدل الصرف ديناً وجب عليه قبل عقد الصرف علمنا أن قضاء دين وجب قبل عقد الصرف ببدل الصرف جائز.
وإذا جاز هذا في الصرف المضاف إلى الدين فكذ (١٥٧أ٣) في الصرف المرسل إلا أنه لم نجز هذه المقاصة قبل تراضيهما عليها، وإن لم يثبت فسخ ما عقد من الصرف على هذا الوجه؛ لأن جواز هذه المقاصة بحديث عبد الله بن عمر كخلاف القياس، والحديث يقتضي جواز حال وجود الرضا منهما؛ لأن الحديث ورد في الصرف المضاف إلى الدين، والصرف المضاف إلى الدين لا يصح إلا بتراضيهما، فحال عدم التراضي يعمل فيه بقضية القياس.
والقياس يأبى جواز هذه المقاصة بخلاف السلم على هذا الوجه؛ لأن جواز هذه المقاصة في السلم لو كان، كان بدلالة حديث عبد الله بن عمر لا بصريحه، وفي السلم صريح نص بخلافه، وهو قوله ﵇: «ولا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك» ، فكان العمل في السلم بصريح النص أولى.
المسألة الثالثة: رجل باع من أخر ديناراً بعشرة دراهم ودفع الدينار، ولم يقبض العشرة حتى وجب لمشتري الدينار عشرة دراهم على بائع الدينار، فأراد مشتري الدينار أن يحمل ما وجب له قصاصاً بما وجب عليه من بدل الصرف، ووصى به بائع الدينار، ولقب المسألة أن المتعارفان إذا تقاصّا بدل الصرف بدين وجب بعد عقد الصرف.
والجواب فيها: أن ينظر إن وجب هذا الدين بعد عقد الصرف بالغصب أو القرض بأن غصب أو استقرض بائع الدينار من مشتري الدينار عشرة دراهم وقصاصاً تقاصا أو لم يتقاصا؛ لأنه وجد بعد عقد الصرف قبض حقيقي وهو من جنس المستحق بعقد الصرف، وإنه قبض مضمون فيعتبر واقعاً بجهة الصرف.
ألا ترى أن مثل هذا في السلم يجوز حتى أن رب السلم إذا غصب من المسلم إليه بعد عقد السلم وبعد ما حل الأجل كراء هو مثل المسلم فيه أو استقرض كراء هو مثل المسلم فيه يصير قصاصاً أو لم يتقاصا، وكذلك المسلَّم إليه إذا غصب من رب السلم أو استقرض منه دراهم هي مثل رأس المال تقاصا أو لم يتقاصا.
وأما إذا وجب هذا الدين بعد عقد الدين عقد الصرف بسبب الشراء بأن باع مشتري الدينار من بائع الدينار ثوباً بعشرة دراهم إن لم يجعلاه قصاصاً لا يصير قصاصاً باتفاق الروايات.
وإن جعلاه قصاصاً ذكر في «الزيادات» وفي كتاب الصرف في رواية أبي سليمان: أنه يصير قصاصاً، وذكر في رواية أبي حفص: أنه لا يصير قصاصاً.
وجه ما ذكر في «الزيادات» وفي رواية أبي سليمان: أنهما لما أقدما على هذه المقاصة فقد أنشأ عقد الصرف على هذا الدين، ومن ضرورته انفساخ الصرف المرسل؛
следующие страницы →