← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

ويقول: خيار الشرط يبطل بإنشاء السكنى ولا يبطل بالدوام عليه إذ لا فرق بينهما، ومن قال: خيار العيب في القسمة لا يبطل لا بإنشاء السكنى ولا بدوامه، قال: بأن خيار الشرط يبطل بإنشاء السكنى وبدوامه. والفرق بينهما: وهو أن السكنى في خيار العيب يحتمل أن يكون لإمكان الرد بالعيب؛ لأن مدة الرد بالعيب قد تطول؛ لأن الرد بالعيب لا يكون إلا بقضاء أو برضا، وعسى لا يرضى به خصمه، فيحتاج إلى القضاء، والقضاء يعتمد سابقه الخصومة، ومدة الخصومة عسى تطول فمتى لم يسكنها تخرب، لأن الدار تخرب إذا لم يسكن فيها أحد، فيعجز عن الرد فيحتاج إلى السكنى لإمكان الرد بالعيب، فلا يكون اختياراً للملك وعلى هذا الاحتمال؛ فلهذا لا يسقط به خيار العيب. فأما في خيار الشرط لا يحتاج إلى السكنى لإمكان الرد؛ لأنه يتمكن من الرد بنفسه من غير أن يتوقف ذلك على قضاء أو رضا فلا تطول مدة الرد، فلا يحتاج إلى السكنى لإمكان الرد فكان الاختيار الملك فيوجب سقوط خياره، وإذا باع قسمه الذي أصابه من الدار، ولا يعلم بالعيب، فرده المشتري عليه، إن قبله بغير قضاء فليس له أن ينقض القسمة، وإن قبله بقضاء فله أن ينقض القسمة، كما في البيع المحض. فإن كان المشتري قد قدم شيئاً من الدار قبل أن يعلم بالعيب لم يكن له أن يردها، ويرجع بنقصان العيب كما في البيع المحض، قال: وليس للبائع أن يرجع بنقصان ذلك على من قاسمه، ذكر المسألة مطلقة من غير ذكر خلاف. فمن مشايخنا من قال: ما ذكر هنا قول أبي حنيفة ﵀ وحده، أما على قول أبي يوسف ومحمد يرجع بنقصان العيب على قسمته، وقاس هذه المسألة بمسألة ذكرها في كتاب الصلح. وصورتها: رجل اشترى من آخر جارية وقبضها وباعها من غيره، فهلكت عند المشتري، ثم اطلع المشتري الثاني على عيب بها، فإن له أن يرجع بنقصان العيب على بائعه وهو المشتري الأول، وهل للمشتري الأول أن يرجع على بائعه؟ ذكر أن على قول أبي حنيفة: لا يرجع. وعلى قولهما: يرجع فها هنا يجب أن يكون على الخلاف أيضاً، ومن المشايخ من يقول: ما ذكر في كتاب القسمة قول الكل، وفرق هذا القائل بين مسألة كتاب القسمة وبين مسألة كتاب الصلح. ووجه الفرق: أن في مسألة كتاب القسمة إلتزم ضمان النقصان باختياره، فإنه كان يمكنه أن يقبل المبيع ولا يؤدي النقصان، فهو بمعنى قولنا: التزم ضمان النقصان باختياره فلا يرجع بذلك على غيره. أما في مسألة كتاب الصلح التزم ضمان النقصان عن اضطرار وجبر، فإن القبول بعد الهلاك غير ممكن، فجاز أن يرجع بذلك على بائعه، ولكن هذا الفرق لا يكاد يصح؛ لأن في مسألة كتاب القسمة لا يمكنه القبول إلا بزيادة عيب يلزمه، فكان مضطراً في التزام

стр. 3152

ضمان النقصان، فالصحيح أن المسألة على الاختلاف. جئنا إلى خيار الشرط، فنقول: خيار الشرط يثبت في القسمة حيث يثبت خيار الرؤية، وما يبطل به خيار الشرط في البيع المحض يبطل في القسمة، وإنما يصحّ اشتراط الخيار في القسمة على نحو ما يصح اشتراط في البيع المحض حتى يجوز اشتراط ثلاثة أيام بلا خلاف، وما زاد على الثلاثة يكون على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، وإن ادعى المشروط له الخيار بعد مضي مدة الخيار الفسخ في مدة الخيار لا يصدق على ذلك، كما في البيع المحض. الفصل السابع: في بيان من يلي القسمة على الغير ومن لا يلي الأصل أن من ملك بيع شيء ملك قسمته؛ لأن في القسمة بيعاً وإفرازاً، ومن ملك بيع شيء ملك إفرازه (٧ب٤) ضرورة، إذا عرفت هذا فنقول: الأب يقاسم مال ولده الصغير عقاراً كان أو منقولاً بغبن يسير، ولا يملك بغبن فاحش لأنه يملك بيع مال ولده الصغير عقاراً كان أو منقولاً بغبن يسير، ولا يملك بغبن فاحش فكذا القسمة، ووصي الأب في ذلك بمنزلة الأب، والجد أب الأب حال عدم الأب، ووصي الأب بمنزلة الأب، وأما وصي الأم يقاسم مال ولدها الصغير ما سوى الصغار من تركة الأم إذا لم يكن للصغير أحد ممن سمينا، ولا يقاسم ما له من غير تركة الأم، العقار والمنقول في ذلك على السواء؛ وهذا لأن وصي الأم قائم مقام الأم، والأم حال حياتها كانت تملك بيع منقولاتها التي يرثها هذا الصغير، تحصيناً على نفسها وعلى الصغير، فإنها ما لم تحصن ذلك وتحفظها لا يبقى لها ولا يصير موروثاً للصغير من جهتها، وكانت تملك بأن تحفظ ما ورثها الصغير من غيرها بعينها وما كانت تملك بيعها، العقار والمنقول في ذلك على السواء. وما كانت تملك بيع عقار أب نفسها التي يرثها هذا الصغير تحصيناً لأنها محصنة بنفسها، وإنما كانت تملك بيعها لحاجتها إلى الثمن، إذا ثبت هذا في حق الأم ثبت في حق وصيها الذي هو قائم مقامها فيملك وصيها بيع المنقولات التي ورثها من الأم تحصيناً، ولا يملك بيع عقاراته التي ورثها من الأم تحصيناً، وإنما يملك بيعها لحاجته إلى ثمنها، بأن كان عليه دين لا وفاء له إلا من ثمنها. ولا يملك بيع ما ورث الصغير من غير الأم، العقار والمنقول في ذلك سواء. وإذا عرفت الجواب في البيع ظهر الجواب في القسمة، في كل موضع ملك هذا الوصي البيع يملك القسمة؛ لأن في القسمة تحصين، فإن الإنسان أقدر على تحصين المقسوم، وفي كل موضع لا يملك البيع لا يملك القسمة، وكل جواب عرفته في وصي الأم فهو الجواب في وصي الأخ والعم وابن العم يقاسم ما ورث الصغير من هؤلاء ما سوى العقار، ولا يقاسم العقار ولا يقام ما ورث الصغير من غيرهم، العقار والمنقول في

стр. 3153

ذلك سواء؛ لأنه لا ولاية لهؤلاء على الصغير كما لا ولاية للأم فكانوا بمنزلة الأم، فكان وصيهم بمنزلة وصي الأم. ولا تجوز قسمة الأب الكافر على ابنه المسلم، وكذا لا تجوز قسمة الأب المملوك على ابنه الحر، ولا تجوز قسمة الملتقط على اللقيط كما لا يجوز بيعه، ولا تجوز قسمة الوصي بين الصغيرين كما لا يجوز بيعه مال أحدهما من الآخر.p والوصي إذا قاسم مالاً مشتركاً بينه وبين الصغير لا يجوز، إلا إذا كان للصغير فيها منفعة ظاهرة عند أبي حنيفة ﵀، وعند محمد لا يجوز، وإن كان للصغير فيه منفعة ظاهرة، ويجوز للأب أن يقاسم مالاً مشتركاً بينه وبين الصغير، وإن لم يكن للصغير فيه منفعة ظاهرة. وإن كان في الورثة صغار وكبار فقاسم الوصي الكبار وميز نصيب الصغار جاز، ولا تجوز قسمة الوصي على الكبار الغيب في العقار، وتجوز قسمته في العروض، زاد «البقالي» في كتابه العروض من تركة الأب، وإن كان فيهم صغير وكبير حاضر وكبير غائب فعزل الوصي نصيب الكبير الغائب مع نصيب الصغير، وقاسم الكبير الحاضر. فعلى قول أبي حنيفة ﵀: جاز قسمته في العقار والعروض، وعلى قولهما: تجوز في العقار ولا تجوز في العروض كما في البيع، ولا يقسم على الموصى له من غير أمر القاضي. وروى الحسن عن أبي يوسف: أنه يجوز، وهو قول الحسن، وإذا جعل القاضي وصياً ليتيم في كل شيء فقاسم عليه في العقار والعروض جاز، ولو جعله وصياً في النفقة أو في حفظ شيء بعينه فقاسم لا يجوز. وهذا بخلاف وصي الأب إذا جعل الأب وصياً في شيء خاص، فإنه يكون وصياً في الأشياء كلها فالوصاية من القاضي قابلة للتخصيص، ومن الأب لا تقبل التخصيص، ولا تجوز القسمة على المبرسم والمغمى عليه، والذي يجن ويفيق إلا برضاه، ووكالته في حالة صحته وإفاقته؛ وهذا لأن هذا العارض على شرف الزوال فكان لاحقاً بالعدم إلا أنه موجود حقيقة، فما ثبت للغير عليه من الولاية الثانية بالوكالة حالة الصحة لا يزول، وما لم يكن ثابتاً للغير عليه من الولاية لا يثبت. الفصل الثامن: في قسمة التركة وعلى الميت أو له دين أو موصي له، وفي ظهور الدين بعد القسمة، وفي دعوى الوارثديناً في التركة أو عيناً من أعيان التركة قال محمد ﵀: إذا اقتسم الورثة داراً للميت أو أرضاً الميت، وعلى الميت دين، فجاء الغريم يطلب الدين فالقسمة فاسدة قياساً جائزة استحساناً لوجهين:

стр. 3154

أحدهما: أنهما شرطا في القسمة ما تقتضيه القسمة من غير شرط، فإنهما لو اقتسما الأرض وترك البناء على الشركة وجب على من وقع البناء في نصيبه نصف قيمة البناء لصاحبه، واشتراطها يقتضيه العقد من غير شرط لا يوجب فساد العقد. فإن قيل: إذا لم يشترط القيمة وقت القسمة فالجهالة طارئة على القسمة، لأن القيمة تجب بعد ذلك حكماً فكانت طارئة، ومتى شرطا القيمة وقت القسمة كانت الجهالة متقارنة للقسمة، والجهالة الطارئة على العقد لا توجب فساد العقد، أما المقارنة تفسد العقد، عرف ذلك في كتاب البيوع، والجواب عن هذا أن يقال: لا بل الجهالة مقارنة للقسمة، وإن لم يشترطا القيمة؛ لأن القيمة واجبه لا محالة لا تنفك القسمة عنها فكانت الجهالة متقارنة، ثم لم يمنع ذلك جواز القسمة، فكذا إذا كانت مشروطة؛ لأنه لا يثبت بالشرط زيادة جهالة لم تكن ثابتة قبل ذلك. الوجه الثاني: لبيان جواز هذه القسمة: أن العبرة لحال تمام العقد، والعقد تم في المعلوم فلا تضرهم الجهالة في الابتداء، كما لو اشترى أحد الأبواب الثلاثة على أنه بالخيار ويأخذ أيها شاء، وسمى لكل واحد ثمناً. بيان هذا الكلام: أن حكم القسمة في الأرض لا يتم بالمساحة بل يتوقف تمام القسمة فيها على معرفة قيمة البناء وقسمتها بالقيمة، فلا تتم القسمة إلا بعد ظهور المعادلة في الكل ومعرفة كل واحد من الشركاء نصيبه. فهو معنى قولنا: إن العقد يتم في المعلوم، ثم إذا اقتسما الأرض نصفين وترك البناء على الشركة ووقع البناء في نصيب أحدهما إنما وجب على من وقع البناء في نصيبه نصف قيمة البناء؛ لأنه لا وجه إلى إبقاء البناء مشتركاً كذلك؛ لأن ما تحت البناء من الأرض صار ملكاً لأحدهما، فمتى تركنا البناء كذلك يتضرر من وقعت ساحة الأرض في نصيبه، ولا وجه إلى أن يؤمر الذي لم يقع البناء في نصيبه نقض نصيبه، لأنه لا يمكن نقض نصيبه إلا بعد نقض نصيب صاحبه، وفي ذلك ضرر بصاحبه فلم يبق ههنا وجه سوى أن يتملك الذي لم يقع البناء في نصيبه من الأرض ونصيب صاحبه من البناء، أو يتملك صاحب الأرض من نصيب صاحبه من البناء، وتملك صاحب الأرض نصيب صاحبه من البناء أولى؛ لأن التملك فيه أقل؛ ولأن صاحب الأرض صاحب أصل وصاحب البناء صاحب تبع، وتملك التبع لحق صاحب الأصل أولى على ما عرف. وإذا كانت الدار في يدي ورثة حضور كبار أقروا عند القاضي أنها ميراث في أيديهم وسألوه قسمتها. قال أبو حنيفة ﵀: القاضي لا يقسم الدور وسائر العقار بإقرارهم حتى يقيموا بينة أن فلاناً مات وتركها ميراثاً بينهم. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: قسمها بإقرارهم بينهم، ويشهد على أنه إنما قسمها بينهم بإقرار منهم لا بالبينة، وعلى هذا الخلاف إذا أقروا أن معهم وارث آخر غائب أو صغير، والدار كلها في يد الذين حضروا عند القاضي، وسألوه القسمة،

стр. 3155

واجمعوا على أن الدار كلها أو شيء منها إذا كان في يدي غائب أو صغير سوى هؤلاء الذين حضروا عند القاضي وطلبوا من القاضي القسمة، فالقاضي لا يقسمها بينهم حتى يقيموا البينة على الميراث، واجمعوا في العروض إذا أقروا أنها ميراث بينهم، والعروض في أيديهم، وطلبوا من القاضي القسمة أن القاضي قسمها (٨أ٤) وإن لم يقيموا البينة على الميراث. وأما إذا قالوا: اشترينا هذه الدار من فلان وطلبوا من القاضي القسمة، فالقاضي يقسمها بينهم بإقرارهم، وعن أبي حنيفة ﵀ روايتان، في المشهور من الرواية: القاضي يقسمها بينهم بإقرارهم كما هو مذهبهما، وفي رواية قال: لا يقسمها حتى يقيموا البينة على الشراء من فلان. وجه قولهما: في فصل الميراث أن إقرارهم أن الدار في أيديهم ميراث إقرار صحيح؛ لأن الدار في أيديهم لا ينازعهم أحد فيها، وقول صاحب اليد فيما في يده عند عدم المنازع مقبول صحيح شرعاً، فلا حاجة إلى إثبات ذلك بالبينة. والدليل عليه في فصل الشراء وفصل العروض، وهذا بخلاف ما إذا كانت الدار كلها أو شيء منها في يد الغائب؛ لأن هناك إقرارهم غير صحيح؛ لأنه لا يد لهم فيما أقروا فلا بد من الإثبات بالبينة أما ها هنا بخلافه. ولأبي حنيفة ﵀ أن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، ألا ترى أن التركة إذا ازدادت قبل القسمة كانت الزيادة للميت؟ حتى تقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه، وبالقسمة ينقطع قدر ما بقي من الملك له حتى يصير الزيادة لمن وقع في سهمه، وقولهم ليس بحجة على الميت بخلاف فصل الشراء على ظاهر الرواية؛ لأن القسمة هناك لا تتضمن بطلان شيء من ملك البائع؛ لأن المشترى بعد القبض ملك المشتري من كل وجه، ولم يبق للبائع فيه حق، ألا ترى أن ما يحدث من الزيادة يحدث على حكم ملك المشتري. وأما العروض قلنا: القاضي لا يقسم العروض لقطع ما بقي من ملك الميت إنما يقسمها تحصيناً على الميت؛ لأن العروض تخشى التوى والتلف. ألا ترى أن القاضي يبيع عروض الغائب، وإنما يبيعها تحصيناً عليه، أما العقار محصنة بنفسها فلم يقسمها بطريق التحصين بل كان لإزالة ملك الميت، فلا بد لذلك من حجة تقوم عند القاضي. ثم على قولهما إذا قسم القاضي الدار بين الورثة بإقرارهم، يشهد أنه إنما قسم بإقرارهم؛ لأن حكم القسمة بالبينة يخالف حكم القسمة بالإقرار؛ لأن حكم القسمة بالبينة يتعدى إلى الغير. حتى لو ادعى أم ولده هذا الميت أو مدبرة العتق فالقاضي يقضي لهما بالعتق، ولا يكلفهما إقامة البينة على الموت، وحكم القسمة بالإقرار لا يتعدى. ألا ترى أنه لا يقضي بالعتق في هاتين الصورتين إلا ببينة تقوم على الموت، وإذا

стр. 3156

كان بعض الورثة حضوراً والبعض غيباً، والدار كلها أو بعضها في يد الغائب وطلب الحاضر القسمة من القاضي، وأقام البينة على الميراث، فإن كان الحاضر واحداً فالقاضي لا يقبل بينته ولا يقسم الدار، وعن أبي يوسف أن القاضي ينصب عن الغائب خصماً ويسمع البينة عليه ويقسم الدار. وجه ظاهر الرواية: أن التركة قبل القسمة إن بقيت على حكم ملك الميت من وجه على ما مر صارت ملكاً للورثة من وجه، حتى لو أعتق واحد منهم عبداً من التركة قبل القسمة يعد العتق في نصيبه، وكل واحد من الورثة قبل القسمة يرتفق بنصيبه ونصيب شركائه، فالحاضر بدعوى القسمة كما يدعي إزالة ما بقي من ملك الميت يدعى على شركائه قطع الارتفاق بنصيبه ونصيب شركائه، فالحاضر ... جاز للقاضي نصب الوصي من حيث إنه دعوى على الميت لا يجوز له نصب الوصي من حيث إنه دعوى على شركائه الغائب، فلا يجوز نصب الوصي بالشك. وليس كما لو ادعى أجنبي ديناً على الميت، وليس للميت وارث ولا وصي، فإن القاضي ينصب عنه وصيّاً عن الميت، أما هاهنا بخلافه، وإذا لم يكن للقاضي أن ينصب وصياً عن الميت، وهذا الواحد لا يصلح خصماً عن الميت وعن سائر الشركاء؛ لأنه مدعي فلا يصلح مدعياً عليه تعذر قبول البينة؛ لأن البينة من غير الخصم لا تقبل. وإن حضر اثنان والباقي بحاله، فالقاضي يسمع البينة، ويقسم الدار ويجعل أحد الحاضرين مدعياً والآخر مدعى عليه، وأحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت وعن باقي الورثة. فإن قيل: كيف يجعل أحدهما مدعى عليه وكل واحد منهما مقر بما يدعيه صاحبه، والمقر بما يدعي المدعي لا يصلح خصماً للمدعي. قلنا: كل واحد منهما إنما يقر على الغير والإقرار على الغير باطل، وجوده والعدم بمنزلة، ألا ترى أن من ادعى على ميت ديناً وأقر به وصيه، فإن المدعي يكلف إقامة البينة وينتصب الوصي خصماً له، وإن كان الوصي مقراً، وإذا حضر أحد الورثة ومعه صغير وطلب القسمة من القاضي، وأراد ن يقسم بينه على الميراث، فالقاضي ينصب وصياً عن الصغير ويسمع البينة عليه ويقسم الدار؛ لأن للقاضي ولاية نصب الوصي، ووصيه يقوم مقام الصبي، وكأن الحاضر اثنان بالغان. وإن كانت الدار بين ثلاثة نفر بالشراء، وأحدهم غائب، فأقام اثنان منهم البينة على الشراء وطلبا من القاضي القسمة فالقاضي لا يسمع بينته ولا يقسم الدار بينهم؛ وهذا لأن الحاضر من المشترين لا ينتصب خصماً عن الغائب منهم؛ لأن الثابت بالشراء كل واحد منهم ملك جديد بسبب يأمره في نصيبه، فأما في الميراث لا يثبت للورثة ملك متجدد لسبب حادث، وإنما ينتقل إليهم ما كان من الملك للمورث بطريق الخلافة عنه، فيستقيم

стр. 3157

أن يجعل البعض خصماً عن البعض في ذلك؛ لاتحاد السبب في حقهم وهو الخلافة عن الميت، وسيأتي جنس هذه المسائل بعد هذا في هذا الفصل إن شاء الله تعالى. وإذا كانت الدار بين رجلين فيها صفّة، وفي الصفّة بيت وطريق البيت في الصفة، ومسيل ماء ظهر البيت على ظهر الصفة، فاقتسما فأصاب أحدهما الصفة وقطعة من ساحة الدار، وأصاب الآخر البيت وقطعه من ساحة الدار، ولم يذكروا في القسمة الطريق ومسيل الماء، فأراد صاحب البيت أن يمر في الصفة على حاله ومسيل الماء على ظهر الصفة، فالمسألة على وجهين: أحدهما: أن يكون لصاحب البيت إمكان فتح الطريق ومسيل الماء في نصيبه في موضع آخر، وفي هذا الوجه القسمة جائزة، وليس لصاحب البيت حق المرور في الصفة، ولا حق تسييل الماء على ظهرها سواء ذكر في القسمة أن لكل واحد منهما نصيبه بحقوقه أو لم يذكرا ذلك. الوجه الثاني: إذا لم يكن لصاحب البيت إمكان فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه من موضع آخر، وفي هذا الوجه إن ذكروا أن لكل واحد منهما نصيبه بحقوقه دخل الطريق ومسيل الماء في القسمة وتجوز القسمة، وإن لم يذكرا ذلك لا يدخل الطريق ومسيل الماء في القسمة، وفسدت القسمة. والوجه في ذلك: أن عند ذكر الحقوق اجتمع في القسمة ما يوجب دخول الطريق ومسيل الماء في القسمة، وهو اشتراط الحقوق كما في البيع، وما يمنع دخولهما وهو لفظة القسمة، لأن القسمة للإقرار ولقطع كل واحد منهما عن نصيب صاحبه، وإنما ينقطع حق صاحب البيت عن الصفة من كل وجه إذا لم يكن لصاحب البيت حق المرور في الصفة وحق تسييل الماء على ظهر الصفة. والعمل بهما جميعاً في كل حال متعذر، فعملنا بلفظة القسمة إذا أمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه، وألغينا شرط الحقوق؛ لأن العمل بمقتضى القسمة في هذه الصورة لا يفسد القسمة والقسمة أصل والشروط أتباع، وعملنا شروط الحقوق؛ إذ لا يمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه، وإن كان الشروط أتباعاً لأنا لو نعمل بشرط الحقوق هاهنا تفسد القسمة؛ لأنها قسمة ضرر، ومتى فسدت القسمة فسد ما شرط فيها، ففي العمل بحقيقة القسمة في هذه الصورة إلغاء القسمة والشرط جميعاً، وفي العمل بالشرط اعتبار الشرط من كل وجه واعتبار القسمة من وجه، فكان هذا أولى، فإن لهم أن ينقضوا القسمة سواء كان الدين قليلاً أو كثيراً. يجب أن يعلم أن الورثة إذا طلبوا قسمة التركة من القاضي، وعلى الميت دين، والقاضي يعلم به، (٨ب٤) وصاحب الدين غائب، فإن كان الدين مستغرقاً للتركة، فإن

стр. 3158

القاضي لا يقسمها بينهم؛ لأنه لا ملك لهم في التركة فلا يكون في القسمة فائدة فلا يقسمها، وإن كان الدين غير مستغرق للتركة فالقياس أن لا يقسمها أيضاً بل يوقف الكل. وفي الاستحسان يوقف مقدار الدين ويقسم الباقي، ولا يأخذ كفيلاً منهم بشيء من ذلك عند أبي حنيفة خلافاً لهما. وإن لم يعلم القاضي بالدين سألهم هل عليه دين؟ فإذا قالوا: نعم سألهم عن مقدار الدين؛ لأن الحكم يختلف، فإن فسروه بمقدار لا يستغرق التركة وقف بمقدار الدين وقسم الباقي، وإن قالوا: لا دين فالقول قولهم؛ لأن الورثة قائمون مقام الميت، والميت حال حياته لو قال: ليس علي دين كان القول قوله، فكذا إذا قال ورثته ذلك. ثم يسألهم هل فيها وصية؟ فإن قالوا: نعم سألهم إنها حصلت بالعين أو من ماله؛ لأن الحكم يختلف، فإن قالوا: لا وصية فيها قسمها القاضي بينهم، فإن ظهر بعد ذلك دين نقض القاضي القسمة؛ لأنه ظهر أنها حصلت في غير أوانها؛ لأن أوان قسمة الميراث ما بعد الدين. يوضحه: أن حق الغريم متعلق بالتركة، فكانت القسمة مصادفة حقهم فكان لهم النقض إذا كان النقض مفيداً، وفي النقض فائدة فإنه يباع شيء من التركة في دينه ولا يحتاج إلى أن يبيع كل واحد من الورثة بما يخصه، وكذلك لو أن القاضي لم يسأل الورثة عن الدين وقسم التركة بينهم حتى جازت القسمة ظاهراً ثم ظهر الدين فالقاضي ينقض القسمة إلا أن يقضوا الدين من مالهم يعني الورثة فالقاضي لا ينقض القسمة في الفصلين جميعاً، وكذلك لو أبرأ وظهر وارث الغريم الميت عن الدين لا تنقض القسمة لأن الموجب للنقض الغريم وقد زال حقه قبل النقض فيمتنع النقض، وهذا كله إذا لم يعزل الورثة نصيب الغريم ولم يكن للميت مال آخر سوى ما اقتسموا فالقاضي لا ينقض القسمة. وكذلك الجواب فيما إذا اقتسم الورثة التركة بأنفسهم ثم ظهر الغريم وكذلك آخر ولم يعرفه الشهود، أو ظهر موصى له بالثلث أو الربع وقد قسم الورثة التركة بأنفسهم، فإن القاضي ينقض القسمة ثم يستأنفها بعد ذلك؛ لأنه تبين أنها وقعت بغير محضر من بعض الشركاء. فإن قيل: أي فائدة في نقض القسمة واستئنافها من ساعته. قلنا: إذا لم ينقض القسمة يحتاج هذا الوارث أو الموصي له إلى أن يستوفي فما وصل إلى كل واحد منهم مقدار نصيبه فيتفرق نصيبه في مواضع، وإذا استؤنفت القسمة لا يتفرق نصيبه، وهذه فائدة ظاهرة. فإن قالت الورثة: نحن نقضي حق هذا الوارث والموصى له من مالنا ولا ننقض القسمة لا يلتفت إلى قولهم إلا أن يرضى هذا الوارث أو الموصى له. فرق بين هذا وبينما إذا ظهر غريم أو موصى له بألف من ماله فقالت الورثة: نحن نقضي حقه من مالنا، ولا ننقص القسمة إن لهم ذلك.

стр. 3159

والفرق: أن حق الوارث والموصى له بالثلث أو الربع في عين التركة، فإذا أرادوا أن يعطوا حقه من مالهم فقد قصدوا شراء نصيبه من التركة فلا يصح إلا برضاه، ألا ترى أن في الابتداء لو أرادت الورثة أن يقتسموا جميع التركة فيما بينهم، ويقضوا حق وارث آخر وحق الموصى له بالثلث والربع من مالهم ليس لهم ذلك وطريقه ما قلنا، أما حق الغريم والموصى له بألف من ماله ليس في عين التركة بل في معنى التركة من حيث الاستيفاء من مال التركة، وأيضاً حقهم من التركة ومن مال الوارث سواء. ألا ترى أن في الابتداء لو أردوا أن يقسموا جميع التركة بينهم ويقضوا حقهما من مالهم كان لهم ذلك كذا ها هنا. قال: وكذلك لو قضى واحد من الورثة حق الغريم من ماله على أن لا يرجع في التركة، فالقاضي لا ينقض القسمة بل يمضيها؛ لأن حق الغريم قد سقط ولم يثبت للوارث دين آخر لما شرط أن لا يرجع، فأما إذا شرط الرجوع أو سكت فالقسمة مردودة إلا أن يقضوا حق القاضي من مالهم؛ لأن دين القاضي في التركة بمنزلة دين الغريم وهذا الجواب ظاهر فيما إذا شرط الرجوع مشكل فيما إذا سكت، وينبغي أن يجعل متطوعاً إذا سكت. والجواب إنما يجعل متطوعاً لأنه مضطر في القضاء، ألا ترى أن الغريم لو قدمه إلى القاضي قضى القاضي عليه بجميع الدين؛ لأنه لا ميراث إلا بعد الدين. ثم ما ذكر أن الورثة إذا قسموا التركة وظهر وارث آخر، أو موصى له بالثلث أو الربع فالقاضي ينقض القسمة فذلك إذا كانت القسمة بغير قضاء قاضي، فأما إذا كانت القسمة بقضاء القاضي، ثم ظهر وارث آخر أو موصى له بالثلث فالوارث لا ينقض القسمة إذا عزل القاضي نصيبه، وأما الموصى له فقد اختلف فيه المشايخ. قال بعضهم: لا ينقض وإليه أشار محمد في «الكتاب» فإنه قال في فصل الموصى له: له أن ينقض القسمة إذا كانت القسمة بغير أمر القاضي فهذا إشارة إلى أنها إذا كانت بقضاء فالقاضي لا ينقض القسمة، وهذا لأن الموصى له بالثلث شريك الورثة بمنزلة أحدهم، والوارث لا ينقض القسمة إذا كانت القسمة بقضاء، فكذا الموصى له. وبعضهم قالوا: ينقض، وفرقوا بين الموصى له وبين الوارث والأول أصحّ. ولو كان للميت وصي يقسم التركة، وعزل نصيب الوارث أو عزل نصيب الموصى له بالثلث صح قسمته على الوارث، ولم يصح على الموصى له، وإذا كان بعض التركة ديناً فاقتسموها، وشرطوا الدين في قسم بعضهم فالقسمة فاسدة؛ لأنهم باعوا الدين من غير من عليه الدين، وكذلك إذا اقتسموا الدين فيما بينهم فالقسمة فاسدة؛ لأن القسمة للإقرار وذلك لا يتحقق في الدين قبل القبض؛ لأن قبل القبض الدين مجتمع في مكان واحد، وإن كان الدين على الميت فاقتسموا على أن ضمن كل واحد منهم أو أحدهم الدين الذي على الميت، فهذا على وجهين: الأول: أن يكون الضمان مشروطاً في القسمة، والحكم فيه أن القسمة فاسدة؛ لأن

стр. 3160

هذه قسمة شرط فيها كفالة بدين لم تجب القسمة. الثاني: إذا لم يكن الضمان مشروطاً في القسمة، إنما شرطوا بعد ذلك، والحكم فيه أنه إن ضمن بشرط أن يرجع في التركة لم تكن القسمة نافذة على معنى أن له أن ينقضها؛ لأنه قام مقام الغريم، وإن ضمن على أن لا يرجع في التركة بشيء، وعلى أن يبرأ الغرماء الميت، فهذا جائز إن رضي الغرماء بضمانه وإن أبوا أن يقبلوا ضمانه فلهم نقض القسمة؛ وهذا لأنه لما شرط في الضمان أن يبرئ الغريم الميت صارت الكفالة حوالة تخلف التركة عن الدين، والمانع من لزوم القسمة قيام التركة في الدين وإن لم يشرط، وعلى أن يبرئ الغريم الميت لا تنفذ القسمة وإن رضي الغرماء؛ لأنه يبقى كفالة فلا تخلوا التركة عن الدين. وإذا ادعى بعض الورثة دينا في التركة بعد تمام القسمة صح دعواه وله أن ينقض القسمة، أما صحة دعواه لأنه لو لم تصح أنها لا تصح لكونه متناقضاً بإقراره بصحة القسمة، ويكون المقسوم ملكاً للميت يقتضي الإقرار على القسمة ولا تناقض؛ لأن الدين لا يمنع صحة القسمة، ولكن يثبت للغريم حق النقض، وكذلك لا ينافي ملك الميت لأن ملك الميت باق بعد الدين، وأما له أن ينقص القسمة؛ لأن المانع من نفاذ القسمة ولزومها الدين، والدين بالقسمة لا يتحول إلى محل آخر، فكان المانع قائماً فيبقى المنع. ألا ترى أنه لو أجاز القسمة ثم أراد أن ينقصها فله ذلك، وهذا بخلاف لو بيع بالدين فأجاز فإنه تعمل إجازته؛ لأن المانع من اللزوم يزول؛ لأن حقه يتحول من العين إلى الثمن، ولو كان ادعى عيناً من أعيان التركة أنه له اشتراها من الميت أو وهبه الميت له وسلمه إليه، وكان ذلك بعد تمام القسمة لا تسمع دعواه لمكان التناقض؛ لأنه بالإقدام على القسمة أقر بصحة القسمة في هذا العين، ويكون هذا العين متروك الميت ميراثاً لهم، وبدعواه بعد ذلك لنفسه يدعى فساد القسمة في هذا العين، ويدعى أنه ليس بميراث لهم وهذا تناقض ظاهر. ولو ادعى أحد (٩أ٤) الورثة بعد تمام القسمة أن الميت أوصى لابنه الصغير بثلث ما له لا تسمع دعواه؛ لأنه صار متناقضاً بدعوى فساد القسمة بعد ما أقر بصحتها، ولو كبر الابن، وادعى الوصي بالثلث لنفسه، وأقام البينة سمعت بينته؛ لأنه لا تناقض منه. وإذا ادعى أحد الورثة بعد تمام القسمة على قدر ميراثهم عن أبيهم أن أخاً له من أبيه وأمه ورث أباهم معهم، وأنه مات بعد أبيهم فورثه هو، وأراد ميراثه لا تسمع دعواه لمكان التناقض؛ لأنه بالإقدام على القسمة على مقدار ميراثهم عن أبيهم صار مقراً بأن حقه في مقدار معين، وبدعواه الثاني بعد ذلك ادعى أن حقه أكثر من ذلك القدر فهذا تناقض ظاهر. إذا كانت الأراضي ميراثاً بين ثلاثة نفر عن أبيهم، مات أحدهم وترك ابناً كبيراً، فاقتسم هو وعماه الأراضي على ميراث الجد، ثم إن ابن الابن أقام بينة أن جده أوصى له بالثلث وأراد إبطال القسمة لم تسمع دعواه لمكان التناقض.

стр. 3161

ولو لم يدع وصية من الجد ولكن ادعى ديناً على أبيه صحت دعواه؛ لأنه لا تناقض في دعوى الدين، فصحت دعواه الدين وثبت الدين بإقامته البينة، وصار الثابت بالبينة كالثابت عياناً، ولو كان الدين ثابتاً معاينة كان له أن ينقض القسمة، وليس لعمه أن يقول: إن دينك على أبيك ليس على الجد، وقد أعطينا نصيب أبيك، فإن شئت بعه بالدين، وإن شئت فأمسكه، وليس لك أن تنقض القسمة؛ لأنه لا فائدة لك في النقض؛ لأن بعد النقض نقض دينك من نصيب أبيك لا من ميراث الجد؛ لأن له أن يقول: لا بل لي في النقض فائدة؛ لأن الثلث مشاعاً ربما يشترى بأكثر مما يشترى به مفرزاً فكان في النقض فائدة؛ لأنه يزداد به مال الميت. وهذا كرجل مات وأوصى إلى رجل، وفي التركة دين غير مستغرق، وطلب الورثة من الوصي أن يفرز من التركة قدر الدين ويقسم الباقي بينهم كان له أن لا يقسم ذلك بينهم، ويبيع ذلك القدر مشاعاً، لأنه ربما يشترى بأكثر مما يشترى به المفرز؛ فيكون ذلك نظراً للميت كذا هاهنا. ولو ادعى الوارث أنه كان اشترى نصيب أبيه منه في حياته بثمن مسمّى، ونقد الثمن وأقام البينة على ذلك فهو جائز؛ لأنه غير متناقض في هذه الدعوى؛ لأن شراه نصيب أبيه لا يوجب فساد القسمة، ولا ينافي ملك الجديد يقرره، وتكون القسمة جائزة؛ لأن ما ادعى من الشراء لو ثبت معاينة بقيت القسمة على الصحة كذا إذا ثبت بالبينة. وإذا أقر الرجل أن فلاناً مات وترك هذه الدار وهذه الدار ميراثاً، ولم يقل لهم، ثم ادعى بعد ذلك أن الميت أوصى له بثلثه أو ادعى ديناً قبلت بينته؛ لأنه لم يصر متناقضاً في الدعوى؛ لأنه لم يسبق قبل هذا الدعوى سوى الإقرار الأول، أن هذه الدار متروك الميت؛ لأن ميراث الميت ما تركه الميت، والدين الوصية لا ينافي كونه متروك الميت؛ لأنهما إنما يقضيان من متروك الميت. الفصل التاسع: في الغرور في القسمة يجب أن يعلم أن كل قسمة يوجبها الحكم بأن كانت قسمة يجبر الآبي عليها كالقسمة في جنس واحد لا يثبت فيها حكم الغرور، وإن حصلت بتراضيهما، وكل قسمة لا يوجبها الحكم بأن كانت قسمة لا يجبر الآبي عليها يثبت فيها حكم الغرور كالقسمة في جنسين، أما في كل قسمة يوجبها الحكم، فإنما لا يثبت فيها حكم الغرور؛ إما لأن الحكم إذا كان يوجبها صار من حيث الحكم كالقاضي ألزمها؛ أو لأن كل واحد منهما مضطر في هذه القسمة وإن حصلت بتراضيهما على ما مرّ في مسألة «الكتاب» ، وبالاضطرار ينتفي معنى الغرور إنما يتحقق من المختار. ألا ترى أن الشفيع عند استحقاق الدار المشفوعة لا يرجع بقيمة ما بنى على

стр. 3162

المشتري؛ لأن المشتري لم يكن مختاراً في الدفع إليه. وكذلك الأب إذا وطئ جارية ابنه، وعلقت منه واستحقها لم يرجع بقيمة الولد على الابن وطريقه ما قلنا؛ ولأن القسمة فيما عدا المكيل والموزون إذا كانت قسمة يوجبها الحكم إفراز لعين الحق من وجه، ومبايعة من وجه على ما مر في صدر الكتاب. فباعتبار أنها مبايعة إن كانت ثبت فيها حكم الغرور فباعتبار أنها إقرار لا يثبت فيها حكم الغرور فلا يثبت فيها حكم الغرور بالشك بخلاف البيع المحض، أما على المعنى الأول؛ لأن البائع مختار في البيع وليس بمضطر فيه، وإما على المعنى الثاني؛ فلأنه ليس فيه إقرار الحق بوجه من الوجوه إذا لم يكن للمشتري فيه عن قبل البيع بوجه من الوجوه، أما القسمة بخلافه. وأما كل قسمة لا يوجبها الحكم فإنما يثبت فيها حكم الغرور؛ لأن كل واحد منهما غير مضطر في هذه القسمة؛ لأن واحد متمكن من تمييز ملكه بقسمة كل جنس على حده؛ ولأن كل واحد منهما غير متوف لعين الحق حقيقة، فلا إشكال، ولا حكماً؛ لأن ما وصل إليه ليس بمثل لما كان له؛ لأن الدار ليست بمثل الأرض، والأرض ليست بمثل الدار حتى يجعل وصول المثل إليه كوصول عين الحق. وإذا اقتسم الرجلان داراً بينهما بشراء أو ميراث، وبنى أحدهما في قسمه الذي أخذها، ثم استحق من نصيب الثاني الموضع الذي فيه البناء، ورد القسمة وأبطلها لا يرجع على شريكه بشيء من قيمة البناء؛ لأن هذه قسمة يوجبها الحكم. وإن كان دارين بينهما فاقتسماها هذا واحد هذا داراً أو هذا داراً وبنى أحدهما في داره التي أخذها واستحقت تلك الدار رجع على شريكه بنصف قيمة البناء، ذكر المسالة في «الكتاب» مطلقاً من غير ذكر خلاف. من مشايخنا من قال: المذكور في «الكتاب» قول أبي حنيفة؛ لأن هذه قسمة لا يوجبها الحكم على قوله: أما على قولهما هذه قسمة يوجبها الحكم؛ ولهذا يجبر الآبي عليها فيثبت فيها حكم الغرور. ومنهم من قال: هذا قولهم جميعاً؛ لأن هذه القسمة لا يوجبها الحكم لا محالة عندهما إنما يوجبها الحكم إذا رأى القاضي الصلاح في أن يلقحها بالجنس الواحد، أما قبل رؤية القاضي ذلك فلا، والجواب في الأرضين كالجواب في الدارين. ولو كانا خادمين فاصطلحا على أن يأخذ هذا خادماً، وذلك خادماً فعلقت إحدى الخادمين من الذي أصابها، ثم استحقها رجل رجع على شريكه بنصف قيمة الولد، وهذا الجواب ظاهر على قول أبي حنيفة؛ لأن هذه قسمة لا يوجبها الحكم على قول من يقول من المشايخ: إن قسمة الرقيق قسمة جمع على قولهما موكول إلى رأي القاضي. وأما على قول من يقول من المشايخ: إن الرقيق عندهما يقسم قسمة جمع على كل حال لا يثبت حكم الغرور؛ لأن هذه قسمة يوجبها الحكم لا محالة. وإذا كانت دار واحدة وأرض بيضاء بين ورثة، فاقتسموا بغير قضاء وبنى أحدهما

стр. 3163

في قسمه بناءً ثم استحق قسمه ونقض بناؤه ورد القسمة، لا يرجع على شريكه بقيمة البناء، ذكر في بعض نسخ كتاب القسمة وهو محمول على ما إذا اقتسما الدار على حده والأرض على حدة، فتكون هذه قسمة يوجبها الحكم، وذكر في بعض النسخ أنه يرجع على شريكه بنصف قيمة البناء، وهو محمول على ما إذا اقتسما فأخذ أحدهما الدار، وأخذ الآخر الأرض فتكون هذه قسمة لا يوجبها الحكم. وإذا كانت الدار بين قوم فقسمها القاضي بينهم وجمع نصيب كل واحد منهم في دار على حده، وأجبرهم على ذلك، وبنى أحدهم في الدار الذي أصابه بناءً ثم استحقت هذه الدار وهدم بناؤه، لا يرجع على شركائه بالقيمة. أما عندهما؛ فلأن هذه قسمة يوجبها الحكم عندهما متى رأى القاضي الصلاح فيها، وأما عند أبي حنيفة فلأن القاضي لما قسمها قسمة جمع فقد حصل قضاؤه في فصل محتمل فيه فالتحقت الدور بالدار الواحدة عندهم جميعاً. وفي «المنتقى» : هشام عن محمد: دار بين رجلين جاء رجل إلى أحدهما، وقال: وكلني شريكك أن أقاسمك فلم يصدقه ولم يكذبه فقاسمه ثم بنى فيها (٩ب٤) صار له بناء يعني الشريك الحاضر، ثم جاء الشريك الغائب، وأنكر أن يكون وكله بذلك، قال: يرجع صاحب البناء على الوكيل بقيمة البناء إن شاء؛ لأنه غره والله أعلم. الفصل العاشر: في القسمة يستحق منها شيء في «الأصل» : وإذا وقعت القسمة بين الشركاء في دار وأرض، ثم استحق شيء منها، فالمسألة على ثلاثة أوجه: الأول: أن يستحق جزء شائع من الكل بأن استحق نصف كل الدار أو ثلث كل الدار أو ما أشبه ذلك، وفي هذا الوجه القسمة فاسدة، واختلفت عبارة المشايخ في تعليل المسألة، بعضهم قالوا: إنما فسدت لحق المستحق؛ لأنها لو لم تفسد يحتاج المستحق إلى قسمة ما في يد كل واحد منهما، فيفرق عليه نصيبه في الموضعين. وبعضهم قالوا: إنما فسدت القسمة؛ لأنها لا يفيد فائدتها؛ لأن فائدة القسمة إقرار الأنصباء، ولما ظهر لهما شريك ثالث في النصيبين ظهر أن الإقرار لم يجعل؛ لأن نصيب الثالث شائع في النصيبين جميعاً. الوجه الثاني: إذا استحق جزء بعينه فيما أصاب واحد منهم، وفي هذا الوجه القسمة صحيحة فيما بقي بعد الاستحقاق، وكان للمستحق عليه الخيار إن شاء نقض القسمة وعاد الأمر إلى ما كان قبل القسمة، وإن شاء أمضى القسمة ورجع على صاحبه بعوض المستحق، وإن بقيت القسمة على الصحة؛ لأن ما هو المقصود من القسمة وهو الإقرار حاصل هنا، فيما وراء المستحق، لأن ما وراء المستحق لهما ليس لثالث فيه بعيب.

стр. 3164

ألا ترى أن هذا المستحق لو كان حاضراً وقت القسمة، واقتسما الثاني صح إلا أن المستحق عليه بالخيار؛ لأنه تعيب نصيبه؛ لأن الباقي لا يشترى بمثل ما كان يشترى مع المستحق، فإن نقض القسمة عاد الأمر إلى ما كان قبل القسمة ويستأنفان القسمة فيما وراء المستحق. وإن أجاز القسمة رجع على صاحبه بعوض المستحق وذلك ربع ما في يد صاحبه مثلاً، إن كان المستحق نصف نصيب المستحق عليه؛ لأنا نعتبر استحقاق البعض باستحقاق الكل، ولو استحق كل نصيب أحدهما رجع على صاحبه بنصف ما في يده؛ لأن الذي أصاب المستحق عليه بالقسمة، نصفه كان له، ونصفه اشتراه من صاحبه بما ترك على صاحبه بما أصابه، فما كان ملكاً له لا يرجع به على أحد، وما اشتراه رجع على صاحبه بحصته، وذلك نصف ما في يد صاحبه، فإذا كان عند استحقاق الكل يرجع بنصف ما في يد صاحبه فعند استحقاق النصف يرجع بربع ما في يد صاحبه وعلى هذا القياس فافهم. الوجه الثالث: إذا استحق جزء شائع، فيما أصاب واحداً منهم وفي هذا الوجه القسمة لا تفسد عند أبي حنيفة ﵀، والمستحق عليه بالخيار على نحو ما بينا، فإن أجاز القسمة وكان المستحق نصف نصيبه مثلاً رجع على صاحبه بربع ما في يده، وقال أبو يوسف: تفسد القسمة ويستأنفان القسمة، وقول محمد ﵀ مضطرب في نسخ أبي حفص مع أبي حنيفة، وفي نسخ أبي سليمان مع قول أبي يوسف، وهكذا أثبته الحاكم في «المختصر» والأول أصح، فقد روى ابن سماعة وابن رستم قول محمد مع قول أبي حنيفة. فوجه قول أبي يوسف ﵀: أن المقصود من القسمة الإقرار، وبهذه القسمة إن حصل إقرار نصيب غير المستحق عليه لم يحصل إقرار نصيب المستحق عليه فتفسد القسمة كما لو استحق جزء شائع من جملة الدار. وجه قولهما: أن هذه قسمة أفادت مقصودها، لأن المقصود من هذه القسمة امتياز نصيب كل واحد من المتقاسمين، وانقطاع الشركة بينهما وبهذه القسمة أمتاز نصيب كل واحد منهما عن نصيب صاحبه إلا أنه ظهر لأحدهما شريك في نصيبه. ومثل هذه الشركة لو ضرب بعد القسمة لا يوجب زوال الإقرار الحاصل بالقسمة الأولى، فإن كرّي حنطة بين اثنين اقتسماها وأخذ كل واحد كراً فجاء آخر وخلط بكر أحدهما كر حنطة، فإن القسمة الأولى تبقى على حالها، فإذا قارب الإقرار لم يمنع ثبوته، ولو كان باع أحدهما نصف ما أصابه بالقسمة ثم استحق ما بقي له، فإنه يرجع على صاحبه بربع ما في يده، عند أبي حنيفة ومحمد ولا يجيّر بخلاف ما قبل البيع حيث يجيّر؛ لأن قبل البيع قادر على رد ما بقي بعد الاستحقاق، وبعد البيع عجز عن رد ما وراء المستحق؛ فلهذا سقط خياره. وأما على قول أبي يوسف: فالقسمة فاسدة لو كان ما وراء المستحق في يد

стр. 3165

المستحق عليه، كان عليه رد نصفه بحكم الفساد، وقد عجز بالبيع عن رده؛ لأن البيع قد صح؛ لأن المقبوض بحكم العقد الفاسد مملوك للقابض، فيرد قيمة نصف ما باع، وذلك قيمة ربع نصيبه على صاحبه، وكان نصيب صاحبه بينهما، وسلم لصاحبه ربع نصيب المستحق عليه لما أخذ منه قيمة ربع نصيبه، وسلم للمستحق عليه أيضاً ربع نصيبه. وفي كتاب «الشروط» : جعل المسألة على ثلاثة أوجه أيضاً، لكن لم يذكر ثمة ما إذا استحق جزء شائع من كل الدار، وذكر مكانه ما إذا استحق جميع نصيب أحدهما، وذكر أن القسمة باطلة، ويقسم الباقي وهو الذي لم يستحق بينهما إن كان قائماً في يد الآخر لم يبعه، وإن كان باعه فالبيع باقي؛ لأن نصف ما باع قد تم ملكه، ونصفه عوض عما ترك لصاحبه، وتبين أن ذلك كان مستحقاً وبدل المستحق مملوك فبالبيع صارت ملكه، وعليه أن يرد على المستحق عليه نصف قيمة ما باع، وذكر ما إذا باع استحق جزء بعينه من نصيب أحدهما. وأجاب أن القسمة باطلة في الكل بخلاف ما كتبها في المتن، وذكر ما إذا استحق جزء شائع من نصيب أحدهما، وذكر المسألة خلافاً على ما كتبها في المتن على قول أبي حنيفة لا تنتقض القسمة، ولكن يخير المستحق عليه إن شاء نقض القسمة وضم ما بقي في يده إلى ما في يده إلى ما في يد الآخر، إن كان الآخر لم يبع ما أصابه، ويقسمان ذلك بينهما، وإن كان الآخر باع نصيبه يضم المستحق عليه ما بقى في يده إلى قيمة ما كان في يد الآخر فيقسمانه نصفين. وفي «المنتقى» إبراهيم عن محمد ﵀: ثلاثة إخوة ورثوا دوراً ثلاثة أخذ كل واحد منهم داراً، ثم استحق نصف دار أحدهم، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله، وهو قولنا: المستحق عليه بالخيار إن شاء نقض القسمة كلها واستقبلوها، وإن شاء أمسك النصف ورجع عليهما بقدر ما استحق من يده. وإن كانت داراً واحدة اقتسموها أثلاثاً، ثم استحق نصف نصيب أحدهم، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: هذا والأول سواء، وقال أبو يوسف: تنتقض القسمة ولا خيار للمستحق عليه وتستوي فيه القسمة بحكم وبغير حكم. وإذا كانت مئة شاة بين رجلين نصفين فاقتسما، فأخذ أحدهما أربعين منها تساوي خمسمائة درهم، وأخذ الآخر ستين تساوي خمسمائة درهم، فاستحق شاة من الأربعين تساوي عشرة، فإنه يرجع على صاحبه بخمسة دارهم في الستين شاة في قولهم، وتكون القسمة جائزة عندهم، ولا يخير المستحق عليه، أما القسمة جائزة فلأن المستحق شيء بعينه وأما لا يخير المستحق عليه لأن الباقي لم يصر معيناً باستحقاق ما استحق، وأما الرجوع بخمسة دراهم لأن المستحق شاة تساوي عشرة دارهم نصفها كان ملكاً له فلا رجوع به على أحد، ونصفها قد اشتراه من صاحبه بما ترك لصاحبه من نصيبه، فإذا استحق ذلك من يده كان له أن يرجع بقدر ذلك مما في يد صاحبه، وذلك خمسة دراهم.

стр. 3166

الفصل الحادي عشر: في دعوى الغلط في القسمة يجب أن يعلم بأن دعوى الغلط في القسمة نوعان: دعوى الغلط في التقويم، ودعوى الغلط في مقدار الواجب بالقسمة، فأما دعوى الغلط في القسمة فهو نوعان أيضاً: نوع يصح، ونوع لا يصح، والذي لا يصح أن يدعي أحد المتقاسمين الغلط في التقويم بغبن يسير بأن (١٠أ٤) كان ما يدعي من الغلط يدخل تحت تقويم المتقومين، فهذه الدعوى لا تصح، ولو أقام البينة عليه لا تسمع بينته، حصلت القسمة بقضاء القاضي أو بتراضيهم لوجهين: أحدهما: أن الاحتراز عن مثل هذا الغلط غير ممكن. والثاني: أنه يؤدي إلى مالا يتناهى؛ لأنه يمكنه أن يدعي مثل ذلك في القسمة الثانية والثالثة، والذي يصح أن يدعي أحد المتقاسمين الغلط في التقويم بغبن فاحش، بأن كان ما يدعى من مقدار الغلط لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإنه صحيح إن حصلت القسمة بقضاء القاضي؛ لأنا لو سمعنا هذه الدعوى ونقصنا هذه القسمة لا يؤدي إلى ما لا يتناهى؛ لأنه لا يقع مثل هذا الغبن في القسمة الثانية؛ لأنه يتصور التقويم في المرة الثانية على وجه لا يتحقق فيها الغبن الفاحش، وإن حصلت القسمة بالتراضي لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في «الكتاب» . وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني ﵀: أنه كان يقول: لقائل أن يقول: لا تسمع هذه الدعوى؛ لأن القسمة في معنى البيع ودعوى الغبن في البيع من المالك لا يصح؛ لأنه لا فائدة فيه، فإن البيع من المالك لا ينقض بالغبن الفاحش. أما البيع من غير المالك ينقض بالغبن الفاحش كبيع الأب والوصي، ولقائل أن يقول: تسمع هذه الدعوى؛ لأن المعادلة شرط في القسمة، والتعديل في الأشياء المتقاربة يكون من حيث القيمة، فإذا ظهر في القيمة غبن فاحش فما هو شرط جواز القسمة، فاسد فيجب نقضها فكان الدعوى مفيداً من هذا الوجه فيصح. والصدر الشهيد حسام الدين ﵀، كان يأخذ بالقول الأول، وبعض مشايخ عصره كانوا يأخذون بالقول الثاني، وذكر القاضي الإمام الإسبيجابي في «شرح أدب القاضي» : أن دعوى الغبن بعد القسمة غير صحيح إذا كانت القسمة بالتراضي، قال: وبعض المشايخ قالوا: تسمع كما لو كانت القسمة بقضاء القاضي، وذكر في شرح الإسبيجابي دقيقة في هذا الفصل، فقال: وهذا كله إذا لم يقر كل واحد منهما بالاستيفاء، فأما إذا أقر بذلك لا تسمع دعوى الغلط والغبن من واحد منهما بعد ذلك، إنما تسمع دعوى الغصب. وأما دعوى الغلط في مقدار الواجب بالقسمة فنوعان أيضاً: نوع يوجب التحالف، ونوع لا يوجب التحالف.

стр. 3167

فالذي يوجب التحالف: أن يدعي أحد المتقاسمين غلطاً في مقدار الواجب بالقسمة على وجه لا يكون مدعياً الغصب بدعوى الغلط. كمئة شاة بين رجلين اقتسما، ثم قال أحدهما لصاحبه: قبضت خمسة وخمسين غلطاً، وأنا ما قبضت إلا خمسة وأربعين، وقال الآخر: ما قبضت شيئاً غلطاً، وإنما اقتسمنا على أن يكون لي خمسة وخمسين ولك خمسة وأربعين، ولم يقم لواحد منهما بينة، فهذا هو صورة دعوى الغلط في القسمة من غير دعوى الغصب؛ وهذا لأن غصب أحد العاقدين المعقود عليه من العاقد الآخر لا يتصور قبل قبض العاقد الآخر إياه منه، فإن البائع إذا منع المبيع من المشتري بعد نقد الثمن لا يصير غاصباً حتى لو هلك قائماً يهلك بالثمن كما قبل البيع، وإنما وجب التحالف؛ لأن القسمة بمعنى البيع، وفي البيع إذا وقع الاختلاف في مقدار المعقود عليه يتحالفان إذا كان المعقود عليه قائماً، فكذا في القسمة يتحالفان إذا كان المقسوم قائماً بعينه. وهذا كله إذا لم يسبق منهما إقرار باستيفاء الحق، فأما إذا سبق لا تسمع دعوى الغلط إلا من حيث الغصب. والذي لا يوجب التحالف: أن يدعي الغلط في مقدار الواجب بالقسمة على وجه يكون مدعياً الغصب بدعوى الغلط، بأن قال في المسألة: الشياة قسمتا بالسوية وأخذنا، ثم أخذت خمسة من نصيبي غلطاً، وقال الآخر: ما أخذت شيئاً من نصيبك غلطاً ولكن اقتسمنا على أن يكون لي خمسة وخمسين، ولك خمسة وأربعين، ولا بينة لواحد منهما، فإنهما لا يتحالفان، ويجعل القول قول المدعى عليه الغلط. وإن اختلفا في الحاصل في مقدار الواجب بالقسمة كما في المسألة الأولى وإنه يوجب التحالف؛ وذلك لأن بهذا الاعتبار إن كان يجب التحالف فباعتبار دعوى الغصب لا يجب التحالف كما في سائر المواضع، والتحالف أمر عرف بخلاف القياس، فإذا وجب من وجه دون وجه لا يجب؛ ولأنهما تصادقا على تمام القسمة وصحتها، وأحد الاعتبارين يوجب الفسخ بالتحالف، والآخر يمنع فلا يفسخ بالشك. قال محمد ﵀: إذا اقتسم القوم أرضاً أو داراً بينهم، وقبض كل واحد منهم حقه من ذلك، ثم ادعى أحدهما غلطاً، فإن أبا حنيفة ﵀ قال في ذلك: لا تعاد القسمة حتى يقيم البينة عل ما ادعى، فإذا أقام البينة اعيدت القسمة فيما بينهم حتى يستوفي كل ذي حق حقه، وكان لا يجب أن لا تعاد القسمة؛ لأن وضع المسألة أن كل واحد قبض حقه، ودعوى الغلط بعد القبض دعوى الغصب. وفي دعوى الغصب يقضى للمدعي بما قامت البينة عليه، ولا تعاد القسمة، والجواب عن هذا أن يقال: إن محمداً ﵀ ذكر إعادة القسمة عند إقامة المدعي البينة على دعوى الغلط، ولم يبين كيفية الدعوى، فيحمل دعواه على وجه يجب إعادة القسمة عند إقامة البينة.l وبيان ذلك الوجه: أن يقول مدعي الغلط لصاحبه: قسمت الدار بيننا بالسوية على أن يكون لي ألف ذراع ولك ألف ذراع من نصيبين من مكان بعينه غلطاً، ويقول الآخر:

стр. 3168

لا بل كانت القسمة على أن يكون لي ألف ومئة ذراع ولك تسعمئة ذراع، فشهد الشهود أن القسمة كانت بالسوية، ولم يشهدوا أن هذا أخذ مئة ذراع من مكان بعينه في نصيب المدعي، فيثبت بهذه البينة أن القسمة كانت بالسوية، وفي يد أحدهما زيادة، ولا يدري أن حق المدعي في أي جانب، فتجب الإعادة ليستويا، وتكون هذه الشهادة مسموعة وإن لم يشهدوا بالغصب؛ لأن مدعي الغلط في هذا الوجه يدعي بشيئين القسمة بالسوية وغصب مئة ذراع، والشهود شهدوا بأحدهما، وهو القسمة بالسوية. وإن لم يكن للمدعي بينة على ما ادعى يحلف المدعى عليه الغلط ولا يتحالفان؛ لأن المدعي بدعوى الغلط هاهنا ادعى الغصب، والتحالف لا يجري في مثل هذا، فإن حلف المدعي قبل الغلط لم يثبت الغلط، والقسمة ماضية على حالها، وإن نكل ثبت الغلط فيها والقسمة كما في فصل البينة. قال: وكذلك كل قسمة في غنم أو إبل أو بقر أو ثياب أو شيء من المكيل والموزون ادعى فيه أحدهم غلطاً بعد القسمة والقبض فهو على مثل ذلك، ولم يرد بهذه التسوية بين جميع هذه المسائل وبين المسألة الأولى في حق جميع الأحكام، وإنما أراد بها التسوية في حق بعض الأحكام، وهو أن لا تعاد القسمة بمجرد الدعوى. ألا ترى أن في المكيل والموزون إذا أقام مدعي الغلط البينة على ما ادعى لا تعال القسمة بل يقسم الباقي على قدر حقهما، وفي الغنم والبقر والثياب والأشياء التي تتفاوت يجب إعادة القسمة كما في مسألة الدار، وهذا لأن قسمة الباقي على قدر حقهما في الغنم وأشباهه توجب زيادة ضرر بالمدعي عسى لجواز أن يكون ما أخذ من نصيبه غلطاً كله خياراً، وفي قسمة الثاني لا يصل إليه الجياد فيها، والقسمة نفياً للضرر عن المدعي كما في مسألة الدار. فإن في مسألة الدار إنما لم يجب قسمة الباقي على قدر حقهما نفياً للضرر عن المدعي؛ لأنا لو قسمنا الباقي على قدر حصتهما ربما يقع له بالقسمة الثانية مئة ذراع في جانب لا يتصل بنصيبه، وكان في أصل القسمة متصلاً بنصيبه فيجب إعادة القسمة نفياً للضرر عن المدعي. أما في المكيل والموزون متى قسمنا الباقي على مقدار حقهما لا يتضرر به المدعي، فوجب قسمة الباقي عل قدر حقوقهما، ولم يجب إعادة القسمة ثانياً لهذا. وإذا اقتسم رجلان دارين، فأخذ أحدهما داراً والآخر داراً، ثم أدعى أحدهما لنفسه كذا وكذا ذراعاً من الدار التي في يد صاحبه فضلاً في قسمته، فإن أبا يوسف ومحمد رحمهما الله قالا: يقضى له بذلك (١٠ب٤) ولا تعاد القسمة، وليست كالدار الواحدة في قول أبي يوسف ومحمد، يريد به أن في الدار الواحدة متى ادعى أحدهما أذرعاً مسماة في نصيب صاحبه، فإنه تعاد القسمة. وأما على قياس قول أبي حنيفة فالدعوى فاسدة سواء كان الدعوى في دار واحدة، أو في دارين، ومعنى هذه المسألة: أن أحد المتقاسمين ادعى على صاحبه أنه شرط له

стр. 3169

كذا كذا ذراعاً من نصيبه في القسمة، وإنما كانت القسمة فاسدة عند أبي حنيفة؛ لأن الذي شرط زيادة أذرع من نصيبه لصاحبه صار بائعاً لذلك القدر من صاحبه. وبيع كذا أذرع من الدار لا يجوز عند أبي حنيفة، عرف ذلك في كتاب البيوع فلا تجوز القسمة، وإذا ثبت فساد الدعوى عند أبي حنيفة ﵀ يجب إعادة القسمة دفعاً للفساد. وعندها بيع كذا أذرع من الدار جائز فتجوز القسمة، ثم إنهما فرقا بين الدارين، وبين الدار الواحدة، فقالا: في الدارين لا تعاد القسمة، وقالا: في الدار الواحدة تعاد القسمة، وكان يجب أن لا تعاد القسمة في الدار الواحدة أيضاً، ويقضى للمدعي بذلك القدر من نصيب المدعى عليه كما في الدارين؛ لأن الإعادة لنفي الضرر عن المدعي كيلا يتفرق نصيبه ولا وجه إليه؛ لأنه إن ادعى عشرة أذرع بعينه فلا ضرر عليه، فمتى قضى له بذلك؛ لأنه هكذا استحق بأصل القسمة، وإن ادعى عشرة أذرع شائعاً فكذلك؛ لأنه لما شرط لنفسه عشرة أذرع في نصيب صاحبه شائعاً علمه أنه ربما يتفرق نصيبه متى قسم نصيب صاحبه مرة أخرى صار راضياً بالتفرق، وإنما وجب الإعادة في الدار الواحدة؛ لأن المسألة محمولة على أنه ادعى أن صاحبه شرط له عشرة أذرع من نصيبه، قال: ولا أدري كيف شرط لي عشرة بعينها متصل نصفين أو شائع في جميع نصيب صاحبه؟ وشهد الشهود له بعشرة مطلقة ومتى كانت الحالة نفذه لا يثبت الرضا من المدعي بالتفرق؛ لأنه على تقدير أن يكون المشروط عشرة بعينها متصلة بنصيبه لا يكون راضياً بالتفرق. فإذا لم يعلم القاضي كيف كان الشرط سمي القضاء على ما هو المستحق لكل واحد منهما في الدار الواحدة بالقسمة، وهو أن يكون نصيب كل واحد منهما مجتمعاً في مكان واحد بخلاف الدارين، فإن في الدارين وإن حملنا المسألة على أن المدعي قال: لا أدري كيف شرط لي العشرة لا تعاد القسمة؛ لأن بإعادة القسمة في الدارين لا يزول ما كان يلحقه من زيادة ضرر بأن كان شرط لنفسه عشرة أذرع من مكان بعينه متصل بداره؛ لأنه ربما لا يقع له في القسمة الثانية عشرة أذرع متصلاً بداره، فلا يفيد إعادة القسمة، فيقضى له بعشرة أذرع شائع كما شهد به الشهود. وإذا اقتسم رجلان عشرة أثواب فأخذ أحدهما أربعة، وأخذ الآخر ستة، فادعى آخذ الأربعة ثوباً بعينه من الستة أنه أصابه في قسمه، وأقام على ذلك بينة فإنه يقضى له بذلك، سواء أقر بقبض ما ادعى من الزيادة أو لم يقر له، وإن لم يقم له بينة ذكر في «الكتاب» أن صاحبه يستحلف، ولم يوجب التحالف. وهذا محمول على ما إذا أقر بقبض ما ادعى، ثم ادعى أن صاحبه أخذ ذلك منه غلطاً، فيكون مدعياً الغصب على صاحبه، وفي مثل هذا لا يوجب التحالف، فإن ادعى آخذ الأربعة ثوباً بعينه من الستة إن أصابه في قسمته وأقام الآخر بينة أنه أصابه في قسمته قضي ببينة صاحب الأربعة؛ لأنه خارج فيه. قال: والإشهاد على القسمة لا يمنع دعوى الزيادة على صاحبه بخلاف الأشهاد

стр. 3170

على الاستيفاء، والفرق: أن الإشهاد على القسمة لا يتضمن إقرار القبض جميع الحق، فيصير متناقضاً بعد ذلك أنه لم يقبض بعض حقه. في «المنتقى» : ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: دار بين رجلين قسمها القاضي بينهما، فقال أحدهما لصاحبه: الذي في يدي هو الذي أصابك، والذي في يدك لي، وقال الآخر: لا بل الذي في يدي هو الذي أصابني، قال: لكل واحد منهما ما في يده، ولا يصدق على صاحبه. وفيه أيضاً إبراهيم عن محمد: رجلان بينهما دارين ميراثاً من أبيهما، قال كل واحد منهما لصاحبه: لك هذه الدار، ولي الأخرى على أن كل واحد منهما مئة أذرع، فإذا أحدهما مئة ذراع فلهما أن يبطلا القسمة، ولو قال كل واحد منهما لصاحبه: بعتك نصيبي من هذه الدار بنصيبك من الدار الأخرى على أن كل واحد منهما مئة ذراع أو أكثر جاز؛ لأن هذا بيع والأول قسمه، والله أعلم. الفصل الثاني عشر: في المهايأة يجب أن يعلم بأن المهايأة قسمة المنافع، وإنها جائزة في الأعيان المشتركة التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، واجبة إذا طلبها بعض الشركاء، ولم يطلب الشريك الآخر قسمة الأصل، وإنها قد تكون بالزمان وقد تكون بالمكان. وتكلم العلماء في كيفية جوازها بعضهم قالوا: إن جرت المهايأة في الجنس الواحد، والمنفعة متفاوتة تفاوتاً يسيراً كما في الثياب والأراضي، يعتبر إقراراً من وجه، مبادلة من وجه، حتى لا ينفرد أحدهما بهذه المهايأة، وإذا طلبها أحدهما ولم يطلب الآخر قسمة الأصل أجبر الآخر عليها. وإن جرت في الجنس المختلف كالدور والعبيد يعتبر مبادلة من كل وجه، حتى لا يجوز من غير رضاهما، وهذا لما ذكرنا أن المهايأة قسمة المنافع، فيعتبر بقسمة الأعيان وقسمة العين اعتبر مبادلة من كل وجه في الجنس المختلف، واعتبرت مبادلة من وجه، إقراراً من وجه في الجنس الواحد من الأعيان المتفاوتة تفاوتاً يسيراً كالثياب حتى لا ينفرد أحدهما بهذه القسمة؛ لأنها ليست من ذوات الأمثال، ولكن إذا طلب أحدهما أجبر الآخر عليه؛ لأن التفاوت يسير، فكذا في قسمة المنافع. وبعضهم قالوا: بأن المهايأة في الجنس الواحد من الأعيان المتفاوتة تفاوتاً يسيراً يعتبر إقراراً من وجه، عارية من وجه، كأن ما يستوفيه كل واحد منهما من المنافع بعضه نصيبه، وبعضه نصيب صاحبه عارية له من صاحبه، ولا تعتبر مبادلة بوجه ما حجّة هذا القائل: أن المهايأة جائزة في الجنس الواحد، ولو كانت مبادلة من وجه لما جازت في الجنس الواحد؛ لأنه يكون مبادلة المنفعة بجنسها، وإنه يحرم ربا النساء؛ لأن لكل واحد

стр. 3171

منهما نقض المهايأة بعذر وبغير عذر، ولو كانت مبادلة من وجه لما جازت من غير ذكر بيان المدة، والأول أصحّ؛ لأن العارية ما يكون بغير عوض، وهذا بعوض؛ لأن كل واحد منهما ما يترك من المنفعة من نصيبه على صاحبه في ثوبه صاحبه إنما يترك بشرط أن يترك صاحبه نصيبه عليه في ثوبه، وإنما لم يحرم النساء؛ لأن القياس لا يحرم بأحد وصفي علة ربا النقد؛ لأن الدين مع العين يستويان في العدد إلا أن للعين فضلاً من حيث الجودة؛ لأن العين أفضل من الدين وأجود منه إلا أن الفضل من حيث الجودة لا يحرم عند وجود وصفي علة الربا، وهو القدر مع الجنس، فلأن لا يحرم عند وجود أحد وصفي علة ربا أولى، إلا أننا أثبتنا هذه الحرمة عند أحد وصفي علة ربا النقد، وهو القدر أو الجنس بالنص بخلاف القياس، والنص ورد فيما هو مبادلة من كل وجه، وهو البيع والمهايأة إقرار من وجه مبادلة من وجه فيعمل فيها بقضية القياس. وقوله: بأن لكل واحد منهما بعض المهايأة بعذر وبغير عذر سنبين الوجه فيه بعد ذلك إن شاء الله تعالى. وقوله: بأن المهايأة تجوز من غير بيان المدة، قلنا: إنما جازت لأنها قسمة المنافع، فتكون معتبرة بقسمة العين، ثم قسمة العين جائزة من غير بيان المدة فكذا قسمة المنفعة. قال أبو حنيفة ﵀: دار بين رجلين تهايأ على أن يسكن هذا منزلاً معلوماً، وهذا منزلاً معلوماً، وعلى أن يؤاجر (١١أ٤) كل واحد منهما منزله، ونأكل عليه فهو جائز كذا ذكر في بعض الروايات، وذكر في بعضها أو على أن يواجه كل واحد منهما منزله فعلى الرواية الأولى هذه مهايأة في السكنى والاستغلال جميعاً من حيث المكان. وبيان أنهما إذا تهايأ في السكنى، ولم يشترطا الإجارة أن كل واحد منهما لا يملك إجارة منزله؛ إذ لو ملك كل واحد منهما ذلك لم يكن لاشتراط الإجارة بيع السكنى معنى، وإلى هذا ذهب أبو علي الشاسي، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي يقول: ظاهر المذهب أن كل واحد منهما يملك إجارة منزله، وإن لم يشرطا الإجارة وقت المهايأة. وعلى الرواية الثانية تكون هذه مهايأة، إما في السكنى أو في الاستغلال من حيث المكان، وبيان أن المهايأة في الاستغلال تجوز حالة الانفراد مقصوداً كما تجوز تبعاً لمهايأة في السكنى، وإنما ملك كل واحد منهما إجارة منزله من غير الشرط في ظاهر المذهب على ما ذكره شمس الأئمة ﵀؛ لأن المهايأة قسمة المنفعة فما يصيب كل واحد منهما من المنفعة يجعل مستحقاً له باعتبار قديم ملكه؛ لأن المنفعة جنس واحد لا يتفاوت بمنزلة قسمة المكيل والموزون، وهو يملك الاعتياض عن المنفعة المملوكة لا من جهة غير، شرط ذلك أو لم يشترط. وله أن يقسم العين ويبطل المهايأة إذا بدا لهما أو لأحدهما؛ لأن الأصل فيما هو المقصود وهو تمييز الملك قسمة العين والمهايأة خلف عنه، ألا ترى أن في الابتداء لو

стр. 3172

طلب أحدهما قسمة العين، وطلب الآخر من القاضي المهايأة، فالقاضي لا يهايئ بينهما فكذا في الانتهاء إذا طلب أحدهما قسمة العين لاستدام المهايأة. وذكر محمد ﵀ في باب المهايأة في الحيوان: ولكل واحد منهما نقض المهايأة بعذر وبغير عذر، قال شيخ الإسلام: هذا هو ظاهر الرواية. وقال شمس الأئمة الحلواني: إنما يكون لأحدهما نقض المهايأة إذا قال: أريد بيع نصيبي من الدار، أو قال: أريد أن نقسم العين حتى يتميز نصيب كل واحد منا، فأما إذا قال: أفسخ المهايأة لتعود المنافع مشتركة بيننا كما كانت فالقاضي لا يجيبه إلى ذلك،. وروى ابن سماعة عن محمد: أنه ليس لكل واحد منهما نقض المهايأة من غير رضا صاحبه إلا عند إرادة القسمة، وكان شمس الأئمة الحلواني مال إلى هذه الرواية. قال شيخ الإسلام ﵀: وإنما يكون لأحدهما النقض بعذر وبغير عذر على ظاهر الرواية إن حصلت المهايأة بتراضيهما، أما إذا حصلت بحكم الحاكم ليس لأحدهما أن ينقض ما لم يصطلحا على النقص؛ لأنها إذا حصلت بحكم الحاكم لو نقضناها بنقض أحدهما احتجنا إلى إعادة مثلها ثانياً، فأما إذا حصلت بتراضيهما لو نقضناها لا نحتاج إلى إعادة مثلها ثانياً، وإنما يحتاج إلى ما هو أعدل من هذه القسمة، وهي القسمة بقضاء القاضي، وليس لواحد منهما أن يحدث في منزله بناء أو منقضة أو يفتح باباً؛ لأن العين بعد المهايأة باقي على التركة. وكذلك لو تهايئا على أن يكون السفل في يد أحدهما، والعلو في يد الآخر فهو جائز على ما بينا، هذا إذا تهايئا في دار واحدة من حيث المكان، وأما إذا تهايئا فيها من حيث الزمان، ذكر محمد ﵀ في كتاب الصلح أنه يجوز سواء تهايئا في السكنى، أو في الاستغلال أو فيهما. وذكر محمد ﵀ في «الرقيات» : أنه لا يجوز زماناً، ويجوز مكاناً، بعض مشايخنا ﵏ قالوا: إنما اختلف الجواب اختلاف الموضوع، وضع المسألة في كتاب الصلح أنهما فعلا ذلك بتراضيهما، وموضوع ما ذكر في «كتاب الرقيات» إن أحدهما طلب المهايأة من القاضي زماناً، وأبى الآخر، فالقاضي لا يجبره عليها، ومن المشايخ من قال: على رواية الرقيات: وإن فعلا ذلك بأنفسهما وتراضيهما لا يجوز فصار في المسألة روايتان. وأما في الدارين إذا تهايئا على أن يسكن أحدهما هذه الدار، والآخر الدار الأخرى، ويؤاجر كل واحد منهما ما في يده، فهذه القسمة جائزة سواء كانا في مصر واحد أو في مصرين، لأن قسمة العين على هذا الوجه بالتراضي جائزة فكذا قسمة المنفعة، ولو طلب أحدهما المهايأة من القاضي بهذه الصفة وأبى الآخر فالقاضي لا يجبر الآبى عليها عند أبي حنيفة. هكذا ذكره الكرخي في «كتابه» وإليه مال شيخ الإسلام؛ لأن قسمة الجبر لا تجري في غير الدور بهذه الصفة عند أبي حنيفة، فكذا المهايأة.

стр. 3173

وذكر شمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله: أن القاضي يجبر الآبي على هذه القسمة عند أبي حنيفة أيضاً، بخلاف قسمة العين على قوله. والفرق: أن القسمة في المهايأة تلافي المنفعة دون العين، ومنفعة السكنى تتفاوت، ولا تتفاوت إلا يسيراً فكانت المهايأة إقراراً لا مبادلة فجاز أن يجري الجبر عليها، بخلاف قسمة العين، فالقسمة هناك ملاقي العين والمالية والدور في المالية تختلف، فكانت القسمة مبادلة فلا يجري الجبر عليها. فإن غلت إحدى الدارين ولم تفل الدار الأخرى، فليس للذي لم تفل داره أن يشارك الآخر في نحلة داره؛ لأن الذي غلت داره إنما آجر داره لنفسه بإذن شريكه، ولو أجرها لنفسه بغير أذن شريكه كانت الغلة له، فكذا إذا أجرها بإذن شريكه، وتكون الغلة طيباً له؛ لأن الإجارة حصلت بإذن الشريك، وفي الدار الواحدة إذا تهايئا على الاستغلال زماناً، فأغلت في نوبة أحدهما أكثر، فالزيادة والفضل بينهما؛ لأن معنى الإقرار والقسمة في الدارين أرجح على معنى أن كل واحد منهما وصل إلى المنفعة والغلة في الوقت الذي يصل إليها صاحبه، فما يستوفيه كل واحد منهما عوض عن قديم ملكه استوجبه بعقده فيسلم له، وفي الدار الواحدة إذا تهايئا في الاستغلال زماناً، فأحدهما يصل إلى الغلة قبل وصول الآخر إليها، وذلك لا يكون قصة للقسمة فيجعل كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في إجارة نصيب صاحبه، وما يقبضه كل واحد منهما يجعل عوضاً عما يقبض صاحبه من عوض نصيبه، والمعاوضة تقتضي التساوي، فعند التفاضل يثبت التراجح فيما بينهما فيستويا. وإذا آجر كل واحد منهما الدار التي في يديه، وأراد أحدهما أن ينقص المهايأة ويقسم رقبة الدار فله ذلك، وهذا إذا مضى مدة الإجارة، فأما إذا لم تمض فليس للآخر نقض المهايأة؛ صيانة لحق المستأجر. والمهايأة في النخل والشجر على أكل الغلة باطلة؛ لأن غلة النخل والشجرة عين تبقى بعد الحدوث، وإنما جوزنا المهايأة فيما لا تتأتى فيها القسمة بعد الوجود، أو ما يكون عوضاً عنه كغلة الدار ونحوه؛ ولهذا لا تجوز المهايأة في الغنم على الأولاد والألبان والأصواف؛ لأنه يتأتى فيها القسمة بعد الوجود حقيقة. وإذا تهايئا في استخدام عبد واحد على أن يستخدم العبد هذا شهراً ويستخدمه هذا شهراً فالتهايئ جائز، وكذلك إذا تهابئا في استخدام العبدين تهايئا على أن يستخدم هذا هذا العبد شهراً، ويستخدم هذا هذا العبد الآخر شهراً فهو جائز، أما في العبد الواحد؛ فلأن هذه قسمة يوجبها الحكم، ألا ترى لو طلب أحدهما المهايأة على هذا الوجه، وأبى الآخر يجبر الآبي عليها، ويجوز بتراضيهما ما لا يوجبها الحكم، فلأن يجوز ما يوجبه الحكم أولى؛ ولأن التفاوت من النصيبين إنما يتمكن من وجه واحد من حيث إن نصيب أحدهما بعد ونصيب الآخر بسنة أنها لم يتمكن التفاوت في مقدار الخدمة؛ لأن البادئ منهما إنما يستخدم العبد في نوبته بحكم الملك فلا مانع (١١ب٤) . في الاستخدام على

стр. 3174

نصفه لأنه لا يضر بالعبد المشترك، فالخدمة في الشهر الأول لا يضعفه عن الخدمة في الشهر الثاني، وإذا كان التفاوت من وجه واحد كان يسيراً فلا يمنع اعتبار معنى الإقرار، فكان إقراراً من وجه مبادلة من وجه، فلا يحرم النساء بسبب الجنس. وهذا بخلاف ما لو وقع التهايؤ في العبد الواحد على الاستغلال تهايئاً على أن يؤاجره هذا شهراً ويأكل غلته حيث لا يجوز بلا خلاف؛ لأن التفاوت بين النصيبين مثال يكن من وجهين من حيث النقد والنسيئة، ومن حيث مقدار الغلة؛ لأن البادئ من المستأجرين يستخدم العبد بحكم الإجارة، فبالغ في الاستخدام فيضعف فلا يستأجر المستأجر الثاني، وقد ضعف بمثل ما استأجره الأول وإذا وقع التفاوت من وجهين كان فاحشاً، ومتى فحش التفاوت لا تعتبر القسمة إقراراً بل تعتبر مبادلة من كل وجه كما في قسمة العين في الجنس المختلف إذا فحش، وإذا اعتبر مبادلة من كل وجه كان هذا مبادلة منفعة بمنفعة من جنسها واحدهما نسيئة فيكون رباً فلا يجوز، وإن تراضيا عليه. وأما في العينين فإنما جاز التهايؤ على الاستخدام؛ لأن قسمة العين على هذا الوجه بتراضيهما جائزة عند الكل، وإن كانت لا تجوز من غير تراض عند أبي حنيفة، فكذا قسمة المنفعة على هذا الوجه؛ ولأن العينيين إذا استويا في النظر والمنظر لا يتفاوتان في الخدمة إلا يسيراً فلا يمنع ذلك اعتبار معنى الإقرار، فتكون المهايأة في خدمتهما إقراراً من وجه، فلا يحرم النساء بسبب الجنس لما بينا أن حرمة النساء بسبب الجنس تختص بالمبادلات من كل وجه، ولو تهايئا في العينين على الاستغلال تهايئا على أن يؤاجر هذا هذا العبد شهراً فيأكل غلته، ويؤاجر هذا هذا العبد الآخر شهر فيأكل غلته لم يجز في قول أبي حنيفة ﵀، وجاز في قول أبي يوسف ومحمد، هما يقولان: العبدان إذا استويا في النظر والمنظر والحرفة لا يتفاوتان في الغلة إلا يسيراً، فلا يمنع ذلك وقوع الإقرار، والتقريب ما ذكرنا في فصل الاستخدام. ولأبي حنيفة: أن التفاوت في العينين في الاستغلال تفاوت فاحش فإنا نرى عبدين يستويان في النظر والمنظر، ويستأجر أحدهما بأكثر مما يستأجر به الآخر لزيادة حذاقة في أحدهما، فتعتبر المهايأة فيها مبادلة من كل وجه، فيحرم النساء بسبب الجنس وإن تراضيا عليه. بخلاف ما لو تراضيا على قسمة العين على هذا الوجه حيث يجوز التهايؤ على استغلالهما مع فحش التفاوت عند أبي حنيفة؛ لأن التفاوت ثمة باعتبار معنى الدارية، فأما باعتبار الأرض فالتفاوت يسير بين الأرض والأرض، ولهذا كان قسمة الأراضين إقراراً من وجه مبادلة من وجه، فيمكن اعتبار معنى الإقرار في هذه المهايأة باعتبار معنى الأرض، ومهما أمكن اعتبار معنى الإقرار لا تثبت حرمة النساء بسبب الجنس، فأما ليس في العبد سنان يكون التفاوت باعتبار أحدهما فاحشاً وباعتبار الآخر يسيراً إنما هو شيء واحد خلق في الأصل على التفاوت تفاوتاً فاحشاً، فتعتبر المهايأة فيه مبادلة من كل وجه.g في «المنتقى» : جاريتان بين رجلين لهما ابن تهايئا على أن ترضع هذه ابن هذا

стр. 3175

سنتين وترضع هذه ابن هذا سنتين كان جائزاً، قال: ولا يشبه هذا لبن البقر والإبل والغنم علل فقال: لأن ألبان بني آدم لا قيمة لها، وألبان هذه الأشياء لها قيمة. وإذا تهايئا في الدابتين ركوباً واستغلالاً على أن يركب هذا هذه الدابة شهراً، وهذا هذه الدابة الأخرى، وتهايئا على أن يؤاجر هذا هذه الدابة شهراً، وهذا هذه الدابة الأخرى شهراً، فهذا جائز في قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، والكلام في التهايؤ في استغلال الدابتين نظير الكلام في التهاني في استغلال العبدين، وقد مرّ هذا في الكلام في التهايىء في الركوب، فوجه قول أبو حنيفة أن التفاوت في الركوب تفاوت فاحش. ولهذا لو استأجر دابة للركوب، ولم يبين الراكب لا يجوز، فتعتبر المهايأة مبادلة من كل وجه فيتمكن الربا؛ لأنه مقابلة منفعة بمنفعة من جنسها، ولهما أن التفاوت من وجه واحد وهو الراكب لا من حيث النقد والنسيئة، فكان يسيراً فتعتبر المهايأة إقراراً من وجه، فلا يتمكن الربا، وأما في الدابة الواحدة لا يجوز التهايؤ استغلالاً بلا خلاف، وهل يجوز التهايؤ ركوباً للشك أن على قول أبي حنيفة لا يجوز، وأما على قولهما ذكر شيخ الإسلام: أنه لا يجوز لأن التفاوت يمكن من وجهين، فتعتبر المهايأة مبادلة من كل وجه. وذكر شمس الأئمة السرخسي أنه يجوز، وإذا تهايئا في مملوكين استخداماً فمات أحدهما، أو أبق انتقضت المهايأة؛ لأن كل واحد منهما إنما رضي بسلامة الخدمة للآخر بشرط أن يسلم له خدمة الذي في يديه، ولم يسلم، ولو استخدمه الشهر كله إلا ثلاثة أيام نقص الآخر من شهره ثلاثة أيام؛ لأنا لو زدناها زدناها بحكم الإتلاف لا بحكم العقد؛ لأن المهايأة لم تتناول ما زاد على الشهر، والمنافع لا تضمن بالإتلاف من غير عقد، فأما إذا نقضت ثلاثة أيام فلو نقضناها، نقضناها بحكم العقد؛ لأنه فات بعض المعقود عليه قبل القبض في مدة العقد فلا سلم الآخر ما بإزائه من البدل بحكم العقد، ولو أبق أحدهما الشهر كله، واستخدم الآخر الآخر الشهر كله فلا ضمان ولا أجر، وكان يجب أن يضمن أجر المثل؛ لأن المهايأة مبادلة من وجه والمبادلة من كل وجه لا تنفسخ بهلاك أحد العوضين قبل القبض بل تفسد. ولهذا قالوا: من استأجر داراً بعبد وقبض الدار ولم يسلم العبد حتى هلك العبد ثم سكن الدار كان عليه أجر المثل؛ لأن بهلاك العبد فسد العقد، ولم ينفسخ، فصار مستوفياً سكنى الدار بحكم عقد فاسد. والجواب: المهايأة مبادلة من وجه إقرار من وجه، فباعتبار المبادلة أن يتقوم المنافع، وباعتبار الإقرار لا يتقوم، فلا يتقوم بالشك، ولو عطب أحد الخادمين في خدمة من شرط له هذا الخادم فلا ضمان عليه؛ لأنه عطب من عمل مأذون فيه. وكذلك المنزل لو انهدم من سكنى من شرط له فلا ضمان لما قلنا، وكذلك لو احترق المنزل من نار أوقدها فيه فلا ضمان؛ لأن هذا من جملة السكنى، ألا ترى أن

стр. 3176

المستأجر والمستعير يملكان ذلك والسكنى مأذون فيه. وكذلك لو توضأ فيها فزلق رجل بوضوئه، أو وضع فيه شيء فعثر به إنسان فلا ضمان، ولو بنى فيها بناء أو احتفر بئراً فيها ضمن بقدر ما كان يملك صاحبه، حتى أنه إن كان ملك صاحبه الثلث ضمن الثلث. وعندهما يضمن النصف على كل حال فقد جعله جانياً بالحفر، والثاني نصيب صاحبه وإن كان مأذوناً بالسكنى فيه، ومن أصحابنا من قال: هذا الجواب غلط في البناء، لأن البناء ليس إلا وضع الآجر والطين واللبن على بعض، ولو وضع جميع ذلك في الدار لا على وجه البناء لم يضمن كذا ها هنا. قال شمس الأئمة الحلواني: فإن كان ما قال هؤلاء حقاً يجب أن يكون الجواب في المستأجر هكذا إذا بنى فيها بناء فعطب بها إنسان لا يضمن كما لو وضع فيه شيء. قال ﵀: والرواية هاهنا بخلاف قولهم، والرواية هاهنا تكون رواية في فصل الإجارة إنه يكون مضموناً عليه. أمة بين رجلين فخاف كل واحد منهما صاحبه عليها، فقال أحدهما: تكون عندك يوماً وعندي يوماً، وقال الآخر: بل نضعها على يدي عدل، فإني أجعلها عند كل واحد منهما يوماً ولا أضعها على يدي عدل. قال مشايخنا ﵏: ويحتاط في باب الروح في جميع المواضع نحو العتق في الجواري والطلاق في النساء في فصول الشهادة وغير ذلك، إلا في هذا الموضع فإنه لا يحتاط لحسن ملكه وهو نظير ما لو أخبر القاضي أن فلاناً يأتي جواريه في غير المأتي، أو يستعملهن في البغاء ويطأ زوجته في حالة الحيض وأمته من غير استبراء لا يكون (١٢أ٤) للقاضي عليه سبيل لحسن ملكه هكذا، فإن تشاحا في البداية فالقاضي يبدأ بأيهما شاء وإن شاء أقرع، قال شمس الأئمة السرخسي: والأولى أن يقرع بينهما تطييباً لقلوبهما، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني ﵀. عبد وأمة بين رجلين فتهايئا فيهما على أن تخدم الأمة أحد هما ويخدم العبد الآخر على أن كل واحد منهما طعام الخادم الذي شرط له في المهايأة، فاعلم بأن ها هنا ثلاث مسائل في كل مسألة قياس واستحسان. أحدهما: إنهما إذا سكتا عن ذكر الطعام، في القياس يجب طعام العبد والأمة عليهما نصفان، وفي الاستحسان يجب على كل واحد طعام الخادم الذي شرط له في المهايأة، وفي الكسوة إن سكتا عن ذكرها يجب كسوة العبد والأمة عليهما نصفان، قياسا واستحساناً. والثانية: إذا شرطا في المهايأة أن يكون على كل واحد منهما طعام الخادم الذي شرط له في المهايأة ولم يقدر الطعام، القياس أن لا يجوز، وفي الاستحسان يجوز، وفي الكسوة إذا لم يبينا المقدار لم يجز قياساً واستحساناً. والثالثة: إذا بينا مقدار الطعام فالقياس أن لا يجوز، وفي الاستحسان يجوز،

стр. 3177

وكذلك في الكسوة إذا شرطا شيئاً معلوماً لا يجوز قياساً ويجوز استحساناً. والمهايأة في رعي الدواب جائزة عندنا، وكذلك لو تهايئا على أن يستأجرا لهما أجيراً جاز، والمهايأة في دار وأرض على أن يسكن هذا الدار ويزرع هذا الأرض جائزة. وكذلك المهايأة في دار وحمام والمهايأة في دار ومملوك على أن يسكن هذه الدار سنة ويخدم هذا المملوك سنة جائزة، وعلى الغلة باطلة عند أبي حنيفة خلافاً لهما. الفصل الثالث عشر: في المتفرقات يجوز للقاضي أن يأخذ على القسمة أجراً ولكن المستحب له أن لا يأخذ، وهذا لأن القسمة ليست بقضاء على الحقيقة حتى لا يفترض على القاضي مباشرتها، وإنما الذي يفترض عليه جبر الآبي على القسمة إلا أن لها شبهاً بالقضاء من حيث إنها تستفاد بولاية القضاء حتى ملك جبر الآبي ولم يملك الأجنبي ذلك، فمن حيث إنها ليست بقضاء جاز أخذ الأجر عليها، ومن حيث إنها تشبه القضاء يتسحب أن لا يأخذ الأجر عليها. وقال أبو حنيفة ﵀: أجر قاسم الدور والأرضين على عدد الرقمين، وقالا: على قدر الأنصباء. وصورته: دار بين ثلاثة نفر، لأحدهم نصفها وللأخر ثلثها وللآخر سدسها. وجه قول أبي حنيفة: أن عمل القيام واقع لهم بالسوية، لأن عمل القيام تعيين نصيب كل واحد منهم ولا يمكنه ذلك إلا بمساحة الكل، فهو معنى قولنا: عمل القيام واقع لهم بالسوية، فيكون الأجر عليهم بالسوية، وهما يقولان: عمل القيام في نصيب صاحب الكثير أكثر لأن عمله المساحة والذرع، وأنه يكثر بكثرة المحل. قالوا: وهذا إذا طلبوا من القاضي القسمة بينهم فقسم بينهم قاسم القاضي، فأما إذا استأجروا رجلاً بأنفسهم فإن الأجرة عليهم بالسوية وهل يرجع صاحب القليل على صاحب الكثير بالزيادة، قال أبو حنيفة: لا يرجع، وقالا: يرجع، وكذلك إذا وكلوا رجلاً ليستأجر رجلاً يقسم بينهم فاستأجر الوكيل فإن الأجرة على الوكيل، واختلفوا في الرجوع قال أبو حنيفة يرجع عليهم بالأجرة على السواء، وقالا: يرجع على كل واحد منهما بقدر الملك، وإذا استأجروا ليبني حائطاً مشتركاً أو يطبق سطحاً مشتركاً أو يكري نهراً أو يصلح قناة فالأجر بينهما على قدر الأنصباء بالإجماع. وإذا استأجروا رجلاً لكيل طعام مشترك، أو لذرع ثوب مشترك إن كان الاستئجار للقسمة فهو على الخلاف الذي بينا، وإن كان الاستئجار على نفس الكيل والذرع ليصير الكل معلوم القدر فالأجر على قدر الانصباء. وفي «المنتقى» : إبراهيم عن محمد في أكرار حنط بين رجلين، فأجر الكيال على الانصباء وأجر الحساب على الرؤوس، قال: ما كان من عمل فهو على الأنصباء، وما

стр. 3178

كان من حساب فهو على الرؤوس في قياس قول أبي حنيفة ﵀ وفي قولهما على الأنصباء، وإذا طلب أحد الشريكين القسمة وأبى الآخر فأمر القاضي قاسمه ليقسم بينهما، روى الحسن عن أبي حنيفة أن الأجرة على الطالب لأن القسمة واقعة للطالب، وعلى الآبي لأن الطالب إنما يطلب القسمة عادة لمنفعة له فيها، والممتنع إنما يمتنع عنها عادة لضرر يخافه، وقال أبو يوسف: الأجر عليهما. في «المنتقى» : إبراهيم عن محمد ﵀: قاسم قسم داراً بين اثنين، وأعطى أحدهما أكثر من الآخر غلطاً، وبنى بعضهم في نصيبه قال: يستقبلون القسمة فمن وقع بناءه في قسم غيره رفع بناءه ولا يرجعون على القاسم بقيمة البناء، ولكن يرجعون عليه بالأجر الذي أخذ. وفيه أيضاً هشام عن محمد: أرض بين رجلين بناها أحدهما فقال الآخر للباني: ارفع بناءك عنها، قال: يقسم الأرض بينهما فما وقع من البناء في نصيب غيره يرفع. وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب القسمة في أجرة أحد الشريكين إذا بنى في أرض مشتركة بغير إذن شريكه فلشريكه أن ينقص بناءه لأن له ولاية النقض في نصيبه والتمييز غير ممكن. وفيه أيضاً: عبدان بين رجلين غاب أحد الرجلين فجاء أجنبي إلى الشريك الحاضر، وقال: قاسمني هذين العبدين على فلان الغائب فإنه سيجيز قسمتي فقاسمه الحاضر وأخذ الحاضر عبداً وأخذ الأجنبي عبداً، ثم قدم الغائب وأجاز القسمة ثم مات العبد في يد الأجنبي فالقسمة جائزة، وقبض الأجنبي له جائز ولا ضمان عليه فيه، وإن مات قبل الإجازة بطلت القسمة وللغائب نصف العبد الباقي، فهو بالخيار في تضمين حقه من العبد الميت، إن شاء ضمن الذي مات في يده وإن شاء ضمن شريكه، وإنما ضمن لا يرجع على الآخر بما ضمن. قال في «نوادر ابن رستم» في المتقاسمين: إذا ميز نصيب أحدهما بالقسمة وفيه شجر أغصانها مطلة على قسم الآخر فله أن يطالبه بقطع الأغصان، رواه عن محمد، وروى ابن سماعة عنه أنه ليس له ذلك لأن الذي أصابه الشجر استحق الشجرة بجميع أغصانها. قال في «الأصل» : وإذا أصاب الرجل في القسمة ساحة لا بناء فيها وأصاب الآخر البناء فأراد صاحب الساحة أن يبني ساحته ويرفع بناءه فقال صاحب البناء: إنك تسد علي الريح والشمس فلا أدعك ترفع بناءك فلصاحب الساحة أن يرفع بناءه ما بدا له، وليس لصاحب البناء أن يمنعه من ذلك، وقال نصر بن يحيى وأبو القاسم الصفار: لصاحب البناء أن يمنعه من ذلك، والوجه بظاهر الرواية أن صاحب البناء كان ينتفع بهواء ملك صاحب الساحة قبل البناء فصاحب الحائط إذا سد الهواء بالبناء فإنما حقه من الانتفاع يملكه ولم يتلف عليه ملكاً ولا منفعة ملك، ولا يمنع من ذلك. فصار كما لو كان لرجل شجرة يستظل بها جاره أراد قلعها لا يمنع منه، وإن كان

стр. 3179

فيه ضرر للجار؛ لأن صاحب الشجرة بالقلع يمنعه عن الانتفاع بملك نفسه، وتصير هذه المسألة رواية في فصل لا رواية لها في الكتب. وصورتها: دوخانة است حريكي يك سنية يكي راروزن نيست طاخمها است به روى بام خانه ويكن خدا وندد يكرسهدا مدتا خان حوشي رادو سنية كندا بن خدا وند طافحها بازمي داروش سيكريد طافحها من ستة ميشود هل له أن يمنعه؟ ينبغي أن لا يكون له المنع على قياس هذه المسألة، لأن صاحب البيت الآخر يجعل بيته ذي سقفين يمنع صاحب الطافحات عن الانتفاع بهواء ملك نفسه كما في هذه المسألة. وقد ذكر الصدر الشهيد في «فتاويه الصغرى» : إن كان البنيان في القديم لسقف واحد، فلصاحب الطافحات أن يمنعه من ذلك، وإن كانا في القديم بسقفين فليس له أن يمنعه. قال ﵀: وحد القديم أن لا يحفظ أقرانه وراء هذا الوقت كيف كان، فجعل أقصى الوقت الذي يحفظه الناس حد القديم، ويبنى عليه الأمر فعلى ما ذكره الصدر الشهيد يحتاج إلى الفرق بين المسألتين. والفرق: أن في مسألة البيتين الذي يريد البناء يمنع صاحبه عن الضوء والضوء من الحوائج الأصلية، وفي مسألتنا يمنعه عن الشمس والريح وذلك من الحوائج الزائدة، وكذلك لصاحب الساحة أن (١٢ب٤) يتخذ فيها حماماً أو تنوراً أو بالوعة أو بئر ماء، لأنه يتصرف في خالص ملكه وينتفع به انتفاع مثله، وإن نزّمن بئره حائط جاره لا يجبر على تحويله ولا يضمن ما سقط من حائط جاره، وكذلك لو أراد أن يجعل فيها رحاً أو حداداً أو قصاراً فليس لصاحبه منعه. وحكي عن بعض مشايخنا: أن الدار إذا كانت مجاورة لدور، فأراد صاحب الدار أن يبني فيها تنوراً للخبز الدائم، أو رحاً للطحن، أو مدقاة للقصارين لم يجز لأنه يضر بجيرانه ضرراً فاحشاً، وإن أراد أن يعمل في داره تنوراً صغيراً على ما جرت به العادة جاز. وكان أبو عبيد الضميري إذا استفتي عمن أراد أن يبني في ملكة تنوراً للخبز في وسط البزازين تارة كان يفتي بأن له ذلك وتارة كان يفتي بأنه ليس له ذلك، والحاصل في هذه المسائل في أجناسها أن القياس أن من تصرف في خالص ملكه لا يمنع منه في، وإن كان يؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير، لكن ترك القياس في موضع يتعدى ضرر يعود إلى غيره ضرراً بيناً. وقيل: بالمنع، وبه أخذ كثير من مشايخنا ﵏ وعليه الفتوى. إذا كانت الدار في سكة غير نافذة مات صاحب الدار وتركها ميراثاً بين ورثه فاقتسم ورثته فيما بينهم على أن يفتح كل واحد منهم في نصيبه باباً إلى السكة كان لهم ذلك، وإن أبى أهل السكة ذلك لأن الورثة قائمون مقام الميت، والميت لو كان حياً كان له أن يفتح باباً آخر إلى السكة وأن يكبر جميع الحائط الذي يلي السكة، لأنه يكبر جدار هو خالص

стр. 3180

ملكه ويمر في طريق هو طريق هذه الدار فكذا ورثته، وإذا كانت مقصورة بين ورثته بابها في دار مشتركة ليس لأهل المقصورة فيها إلا طريقهم فاقتسموا المقصورة على أن يفتح كل واحد منهم باباً في نصيبه في هذه الدار، فإنه ينظر إن كان الطريق المرفوع للمقصورة ملازقاً لحائط المقصورة طولاً حتى يجعل فتح كل واحد منهم باباً في نصيبه إلى طريق المقصورة في الدار كان لهم ذلك. وإن لم يكن طريق المقصورة ملازقاً لحائط المقصورة طولاً بل كان بحذاء باب المقصورة طولاً إلى الباب العظمى من الدار لا يكون لهم ذلك؛ لأنهم بفتح الباب إلى الطريق لا يأخذون أكبر من حقهم من الدار التي فيها طريق المقصورة، أما بفتح الباب إلى ناحية أخرى من الدار سوى طريق المقصورة يأخذون أكثر من حقهم. يوضحه: أن لهم طريقاً واحداً في موضع معلوم من عرصة الدار، وهم يريدون أن يجعلوا جميع العرصة ممراً فيمنعون من ذلك. بعض مشايخنا ﵏ قالوا: معنى قوله في «الكتاب» في هذه الصورة أنهم يمنعون من ذلك أنهم يمنعون من التطرق في غير الموضع المعروف طريقاً لهم في صحن الدار ما لا يمنعون عن نفس فتح الباب، لأنهم يتصرفون في خلاص ملكهم. قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة؟: بل يمنعون عن فتح الباب؛ لأنهم لو فتحوا فإذا تقادم العهد لا بما يدعون أن لهم طرقاً في صحن الدار ويبدلونها على ذلك بالباب المركب، فلهذا يمنعون عن فتح الباب، فإن كان لصاحب المقصورة دار أخرى إلى جنب هذه المقصورة بابها إلى سكة أخرى فصارت المقصورة والدار ميراثاً بين ورثة فوقعت المقصورة في قسم أحدهم والدار في قسم آخر، وحائط الدار لزيق طريق المقصورة فأراد صاحب الدار أن يفتح طريقاً إلى طريق المقصورة حتى يمر ويتطرق فيه إلى الدار منع منه. فإما إذا كان المالك للمقصورة والدار واحداً بأن كان الذي أصابه المقصورة اشترى الدار، أو كان الوارث للمقصورة والدار واحد، فأراد أن يفتح باباً لهذه الدار إلى طريق المقصورة ليس له ذلك نص عليه في كتاب الشرب، وهذا لأن متى فتح باباً إلى طريق المقصورة صار طريق المقصورة صار طريق المقصورة طريقاً للدار، وفي ذلك ضرر في الثاني على الشركاء في طريق المقصورة فإنه إذا بيع هذه الدار بحقوقها يدخل هذا الطريق في بيع الدار فيزداد شريك آخر في هذا الطريق بعد ما لم يكن، وفيه ضرر على أصحاب الطريق. فأما إذا كان المالك للمقصورة والدار واحداً، وأراد أن يفتح باباً من الدار إلى هذه المقصورة حتى يتطرق في الدار من طريق المقصورة، فإنه لا يمنع من ذلك إذا كان هو الساكن في الدار غير الساكن في المقصورة بأن أجر الدار من غيره وترك المقصورة لنفسه، فأراد أن يفتح للدار باباً في المقصورة حتى يمرّ المستأجر في طريق المقصورة إلى المقصورة ثم يمر إلى الدار يمنع عنه، لأنه يريد أن يزيد في طريق المقصورة شريكاً في

стр. 3181

الحال. وإن كان أجر الدار والمقصورة جميعاً من رجل، ثم أراد أن يفتح للدار باباً في المقصورة لا يمنع؛ لأن الساكن في هذه الصورة واحد وهو المستأجر لأنه لا يبقى للآخر حق المرور فلا يزداد الشريك في طريق المقصورة. دار بين رجلين اقتسماها بينهما وفيها طريق لغيرهما، فأراد صاحب الطريق أن يمنعهما عن القسمة ليس له ذلك لأن الطريق إن كان محدوداً فهما إنما يقسمان ما وراء ذلك، وذلك حقهما على الخصوص، وإن لم يكن مقداره معلوماً يترك للطريق قدر عرض باب العظمى إلى باب منزل صاحب الطريق، ويقسمان ما وراء ذلك ولاحقّ لصاحب الطريق فيما وراء ذلك. ولو أراد بعضهم قسمة هذا الطريق وأبى البعض لا يقسم، لأن هذه القسمة تتضمن تفويت منفعة الطريق، وهو التطرق وإن باعوا هذه الدار وهذا الطريق برضاهم فالثمن يقسم بينهم أثلاثاً، ثلثاه لصاحبي الطريق وثلثه لصاحب الممر يريد به حصة الطريق من الثمن؛ لأن الثمن بدل الطريق، والطريق بينهم أثلاثاً إذا لم يعلم مقدار الأنصباء فيه فيكون ثمنه بينهم أثلاثاً أيضاً هكذا ذكر في «الأصل» . وهذا الجواب ظاهر فيما إذا كان رقبة الطريق مشتركة بينهم، فأما إذا كان رقبة الطريق مشتركاً بين الشريكين، ولصاحب الطريق حق المرور لا غير، كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: الثمن لهما وقد سقط حق صاحب الاختيار، لأنه حق لا يجوز الاعتياض عنه ولهذا لا يجوز بيعه، فلما أذن في البيع أسقط حقه، وهذا إشارة إلى الرواية التي لا يجوز فيها بيع حق المرور على الانفراد. وذكر شيخ الإسلام ﵀ في شرح هذا الكتاب: أن الثمن بينهما أثلاثاً وإن كان لصاحب الطريق حق المرور، قال: لأن حق المرور وإن كان منفعة حقيقة فقد أعطي له حكم العين ولذلك جاز بيعه، ولو كان عيناً على الحقيقة كان الثمن بينهما أثلاثاً كذا هاهنا، وهذا إشارة إلى الرواية التي يجوز بيع حق المرور فيها بانفراده. وروي عن محمد في هذه الصورة: أن كل واحد من شريكي الطريق بحصته والبقعة وصاحب الطريق مضرب بحق الاستطراق. وطريق معرفة ذلك: أن ينظر إلى قيمة البقعة والطريق فيها وينظر إلى قيمتها وفيها طريق فيضرب صاحب الطريق بفضل القيمة فيما بين ذلك، ويضرب واحد من شريكي الطريق بنصف قيمة البقعة إذا كان فيها طريق. وإذا كانت الدار فيها طريق لرجل وطريق لآخر من ناحية أخرى، أراد أهل الدار قسمتها ومنعهم أهل الطريق، فإنه يترك لهما طريق واحد كما لو كان الحق لواحد، لأن الطريق إنما يرفع للمرور، والطريق الواحد يكفي لهما للمرور وصار هذا وما لو كان حق المرور للواحد سواء. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 3182

كتاب الإجارات هذا الكتاب يشتمل على أربعة وثلاثين فصلاً: ١ * في بيان الألفاظ التي تنعقد بها الإجارة، وفي بيان نوعها وشرائطها وحكمها وما يصلح أجرة وما لا يصلح. ٢ * في بيان أنه متى تجب الأجرة. ٣ * في الأوقات التي يقع عليها عقد الإجارة. ٤ * في تصرف المؤجر في الأجرة. ٥ * في الخيار في الإجارة والشرط فيها.d ٦ * في الإجارة على أحد الشرطين أو على الشرطين أو أكثر. ٧ * في إجارة المستأجر. ٨ * في انعقاد (١٣أ٤) الإجارة بغير لفظ وفي الحكم ببقاء الإجارة أو انعقادها مع وجود ماينافيها. ٩ * فيما يكون الأجير مسلماً مع الفراغ منه، وما لا يكون. ١٠ * في إجارة الظئر. ١١ * في الاستئجار للخدمة ويتصل به إجارة الصبي والاستئجار له. ١٢ * في صفة تسليم الإجارة. ١٣ * في المسائل التي تتعلق برد المستأجر على المالك. ١٤ * في تجديد الإجارة بعد صحتها والزيادة فيها. ١٥ * في بيان ما يجوز من الإجارة وما لا يجوز وإنه يشتمل على أنواع نوع يفسد العقد فيه لمكان الجهالة، ونوع يفسد العقد فيه لمكان الشرط، ونوع في قفيز الطحان وما هو في معناه، ونوع في فساد الإجارة إذا كان المستأجر مشغولاً بغيره، ويتصل به مسائل الشيوع في الإجارة، ونوع في الاستئجار على الطاعات، ونوع في الاستئجار على المعاصي، ونوع في المتفرقات.

стр. 3183

١٦ * فيما يجب على المستأجر، وفيما يجب على الأجير، ويتصل به فصل التوابع. ١٧ * في الرجل يستأجر فيما هو شريك فيه. ١٨ * في فسخ الإجارة بالعذر وبيان ما يصلح عذراً وما يصلح. ١٩ * فيما يكون فسخاً وفي الأحكام المتعلقة بالفسخ وما لا يكون فسخاً. ٢٠ * في إجارة النبات والأمتعة، والحلي والفسطاط وأشباهها. ٢١ * في إجارة لا يوجد فيها تسليم المعقود عليه إلى المستأجر. ٢٢ * في بيان التصرفات التي يمنع المستأجر عنها والتي لا يمنع وفي تصرفات الآجر. ٢٣ * في استئجار الحمام والرحى. ٢٤ * في الكفالة بالأجر وبالمعقود عليه. ٢٥ * في الاختلافات الواقع بين الآجر والمستأجر وفي الدعاوى في الخصومات وإقامة البينات وإنه يشتمل على أنواع: نوع منه في الاختلاف الواقع بين الشاهدين في الأجر، وفي اختلاف الواقع بين الآجر والمستأجر في المبدل أو في البدل. ٢٦ * في استئجار الدواب. ٢٧ * في مسائل الضمان بالخلاف والاستعمال والصياع والتلف وغير ذلك. ٢٨ * في بيان حكم الأجير الخاص والمشترك، وإنه أنواع: نوع في الحد الفاصل بين الأجير المشترك والخاص، نوع في الحمال ومكاري الدابة والسفينة، نوع في النساج والخياط، نوع في المسائل العائدة إلى الحمام، نوع في البقار والراعي والحارس، نوع في القصار وتلميذه، نوع في المتفرقات. ٢٩ * في التوكيل في الإجارة. ٣٠ * في الإجارة الطويلة المرسومة ببخارى. ٣١ * في النصيف. ٣٢ * يقرب من المسائل التي هي بمعنى قفيز الطحان. ٣٣ * في الاستصناع. ٣٤ * في المتفرقات.

стр. 3184

الفصل الأول: في بيان الألفاظ التي تنعقد بها الإجارةوفي بيان نوعها وشرائطها وحكمها فأما بيان لفظها فنقول الإجارة إنما تنعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي نحو أن يقول أحدهما أجرت، ويقول الآخر: قبلت استأجرت، ولا تنعقد بلفظين أحدهما يعبر به عن المستقبل نحو: أجرتني، فيقول: أجرت، وهذا لأن الإجارة بيع المنفعة فتعتبر العين وفي بيع العين إنما ينعقد العقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي، ولا تنعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل كذا هاهنا، وتنعقد بلفظ العارية أيضاً حتى أن من قال لغيره: أعرتك هذه الدار شهراً بكذا، أو قال: كل شهر بكذا، وقبل المخاطب كان ذلك إجارة صحيحة. ذكر شيخ الإسلام في كتاب الهبة في باب العطية: فأما العارية لا تنعقد بلفظ الإجارة حتى أن من قال لغيره: أجرتك داري هذه بغير شيء كان إجارة فاسدة لا عارية. وفي باب العوض في الهبة من شرح الصدر الشهيد ﵀: إذا وهب منفعة الدار من آجر شهراً بعشرة دراهم أو أعاره عيناً شهراً بعشرة دراهم حكى أبو طاهر الدباس ﵀ عن أبي حنيفة رضى الله عنه أنه لا يلزم قبل استيفاء المنفعة، وبعد استيفاء المنفعة يعتبر إجارة. وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصلح: أن الإجارة تنعقد بلفظ الهبة والصلح، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الهبة أيضاً، والإجارة بلفظ الهبة وفي العطية من هبة «الأصل» إذا قال: داري هذه لك هبة إجارة كل شهر بدرهم، أو قال: إجارة هبة فهي إجارة في الوجهين، ولم يذكر في الكتاب أن هذه الإجارة هل تكون لازمة، وذكر الجصاص ﵀ أنها لا تكون لازمة حتى كان لكل واحد منهما أن يرجع قبل القبض، ويكون لكل واحد منهما أن يفسخ قبل القبض، وإذا سكنها يجب عليه أجر المثل وإذا قال لغيره بعت منك منافع هذه الدار كل شهر بكذا، أو قال: شهراً بكذا ذكر في «العيون» : أن الإجارة فاسدة. وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصلح أن فيه اختلاف المشايخ، وهذا لأن القياس يأبى جواز الإجارة لأن محل حكم الإجارة المنفعة، وإنها معدومة والمعدومة لا تصلح محلاً لحكم العقد ولإضافة العقد إليه إلا أن الشرع ورد بجوازها إذا باشر العقد على العين بلفظي الإجارة، أو باشر على المنفعة بلفظ الإجارة، ولفظ الإجارة لا يختص بتمليك الأعيان ولا يلحق بلفظ الإجارة. والبيع يختص بتمليك الأعيان فلا يلحق به

стр. 3185

العارية والهبة، والتمليك يختص بملك الأعيان فيلحق بها، وعن هذا قلنا: إذا قال أجرتك منافع هذه الدار شهراً بكذا، وهبت لك منافع هذه الدار شهراً بكذا، ملكتك منافع هذه الدار شهراً يجوز فيبقى لفظ البيع على القياس، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الصلح في آخر باب الصلح في العقار: إذا ادعى رجل شقصاً من دار في رجل وصالحه المدعى عليه على سكنى بيت معلوم من هذه الدار عشر سنين جاز، فلو آجره يعني هذا البيت المصالح عليه من الذي صالحه جاز عند أبي يوسف خلافا لمحمد. وهذا بناء على أن محمداً ﵀ يعتبر هذا العقد إجارة، وليس للمستأجر أن يؤاجر من الآجر وأبو يوسف يقول: إن المدعي مالك منفعة هذا البيت بعقد بل ترك بعض حقه وقنع بالبعض، فإنما بقيت المنفعة على أصل ملكه فيملك أن يؤاجر من كل أحد، ولو باع المدعي هذا السكنى بيعاً من رجل لم يجز. بعض مشايخنا قالوا: إنما لم يجز بيع السكنى لترك التوقيت لا؛ لأن الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع، وقال بعضهم: لا يجوز بيع السكنى وإن كان موقتاً، لأن الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع. قال شيخ الإسلام: فصل بيع السكنى يشكل عندي، لأن لفظ البيع تمليك الرقبة وملك الرقبة سبب لملك المنفعة فكان ينبغي أن يجوز استعارة لفظ البيع لتمليك المنفعة به مجازاً. قال ﵀: والوجه في ذلك أن المنفعة معدومة في الحال واتخاذها ليس في وسع البشر، والمعدوم لا يصلح محلاً لإضافة العقد إليه إلا أن الشرع أقام العين الموجود وهو الدار المنتفع بها مقام المنفعة في جواز إضافة الإجارة إليها. إذا ثبت هذا فنقول: لفظ البيع إن أضيف إلى الدار فهو صالح لتمليك عينها فلا يجعل مجازاً عن غيره، وإن أضيف إلى المنفعة فالمنفعة معدومة والمعدوم لا يصلح لإضافة العقد إليه حتى لو قال لغيره: بعتك نفسي شهراً بكذا بعمل كذا فهو إجارة، لأنه لا يصلح لتمليك عين الحر فيجعل مجازاً عن تمليك المنفعة، هكذا ذكر ﵀ وجه التخريج وإنه مشكل عندي، لأن علة عدم جواز البيع ها هنا لو كانت هي العدم ينبغي أن لا تنعقد الإجارة بلفظ الهبة والتمليك وبالإجماع تنعقد. وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح الحل: أن الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع، وذكر ثمة عن الكرخي أنه كان يقول: الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع، ثم رجع وقال: تنعقد. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إذا قال الرجل لغيره: أعطيتك هذا العبد لخدمتك منه بكذا جاز. وفيه أيضاً عن أبي يوسف رجل دفع إلى رجل ثوباً ليبيعه على أن ما زاد على كذا فهو له، قال: هذا على جهة الإجارة، وهذه إجارة فاسدة لو ضاع الثوب من يده ضمن. وتنعقد الإجارة بالتعاطي فيما ذكر محمد في إجارات الأصل في باب إجارة النبات إذا استأجر (١٣ب٤) قدوراً بغير أعيانها لا يجوز للتفاوت بين القدور من حيث الصغر والكبر، فإن جاء بقدور وقبلها منه على الكراء الأول جاز، ويكون هذه إجارة مبتدأة بالتعاطي.

стр. 3186

وأما بيان وقوعها فنقول: إنهما نوعان نوع يرد على منافع الأعيان كاستئجار الدور والأراضي والدواب والنبات وما أشبه ذلك، ونوع يرد على العمل كاستئجار المحترفين للأعمال نحو القصارة والخياطة وما أشبه ذلك. وأما بيان شرائطها فنقول يجب أن تكون الأجرة معلومة، والعمل إن وردت الإجارة على العمل، والمنفعة إن وردت الإجارة على المنفعة، وهذا لأن الأجرة معقود به والعمل أو المنفعة معقود عليه، وإعلام المعقود به وإعلام المعقود عليه شرط تحرزاً عن المنازعة كما في باب البيع، وإعلام المنفعة ببيان الوقت، وهو الأجل أو بيان المسافة. وإعلام العمل ببيان محل العمل، وإعلام الأجرة إن كانت الأجرة دراهم أو دنانير ببيان القدر، وببيان الصفة أنه جيد أو رديء وتقع على نقد البلد إن كان في البلد نقد واحد، وتقع على نقد البلد الذي وقع فيه الإجارة. حتى أن من استأجر دابة بالكوفة إلى الري بدراهم فعلى المستأجر نقد الكوفة، وإن كان في البلد نقود مختلفة، فإن كانت النقود في الرواج على السواء أولا فضل للبعض على البعض، أي: لا صرف للبعض على البعض فالعقد جائز، ويعطى المستأجر أي النقود شاء. وإن كانت الأجرة مجهولة، لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، وإن كانت النقود في الرواج على السواء وللبعض صرف على البعض فالعقد فاسد، لأن هذه الجهالة تفضي إلى المنازعة وإن كان أحدهما أروج فالعقد جائز وينصرف إلى الأروج، وإن كان الآخر فضلاً عليه بحكم العرف. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: إذا كانت الأجرة فلساً فغلى أو رخص قبل القبض فلأجر الفلس لا غير، وإن كسد فعليه قيمة المعقود عليه، وكذلك كل شيء مما يكال أو يوزن فما ينقطع إذا كان استأجر بشيء منه وجعل أجله قبل انقطاعه فهل مثل الفلس، وإن كانت الأجرة مكيلاً أو موزوناً أو عددياً متقارباً فإعلامها ببيان القدر والصفة، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء إذا كان له حمل ومؤنة وإن لم يكن له حمل ومؤنة لا يحتاج إليه، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يحتاج إلى ذلك في الأحوال كلها. والاختلاف في هذا نظير الاختلاف في السلم لأن الأجرة دين لا يجب تسليمها عقيب العقد فصار نظير المسلم إليه غير أن عندهما في باب السلم يتعين موضع العقد للتسليم، وهاهنا لا يتعين في إجارة الأرض والدار سلم عند الأرض والدار المستأجرة، وفي العمل بيده حيث تم فيه العمل. وفي «نوادر هشام» عن أبي يوسف: رجل استأجر أرضاً بطعام إلى أجل ولم يسم أين يقبض الطعام، قال: هو جائز في قولي وقول أبي حنيفة، وقال محمد: هذا بخلاف السلم في قول أبي حنيفة. وإذا كانت الأجرة عروضاً أو ثياباً يشترط فيه جميع شرائط السلم لأن الأجرة نظير

стр. 3187

المسلم فيه على ما مر، فيشترط فيه جميع شرائط السلم. يوضحه: أن وجوب الثياب ديناً في الذمة عرف بالشرع بخلاف القياس، وإنما جاء الشرع به بطريق السلم فيشترط فيه جميع شرائط السلم، وفي هذا كله إذا كانت الأجرة عيناً فإعلامه بالإشارة، لأن الإشارة أبلغ أسباب التعريف. وإذا كانت الأجرة حيواناً لا يجوز إلا إذا كان عيناً، لأن الحيوان لا يجب ديناً في الذمة بدلاً عما هو مال، وإذا كانت الأجرة منفعة إن كانت من جنس المعقود عليه لا يجوز عندنا خلافاً للشافعي، وإن كان من خلاف جنس المعقود عليه جاز بلا خلاف. بيان الأول: إذا استأجر سكنى دار بركوب دابة، والمسألة بيننا وبين الشافعي فرع مسألة أخرى عرفت في كتاب البيوع أن الجنس في المثمنين يحرم النساء عندنا خلافاً للشافعي، حتى لو أسلم فرهياً في مرمي لا يجوز عندنا خلافاً للشافعي، وبيع المنفعة بمنفعة من جنسها بمنزلة بيع العين بجنسه نساء، لأن النساء من البدل ما لا يكون عيناً والمنفعة ليست بمعين، لأنها معدومة فكان نساء، والجنسية في المثمنين تحرم النساء بخلاف ما إذا اختلف الجنس لأن النساء في الجنس المختلف ليس بحرام كما في بيع العين، حتى إنه لو أسلم فرهياً في مروي جاز، فهاهنا كذلك. فإن قيل: إذا اختلف الجنس إن كان لا يفسد من العقد من هذا العقد يفسد من وجه آخر، لأن المنفعة دين من الجانبين والدينية من الجانبين توجب الفساد، وإن اختلف البدل. قلنا: كلا البدلين من حيث الحقيقة إن لم يكن عيناً، لأنها معدومة إلا أن التي لم يصحبها حرف الباء تعتبر عيناً حكماً لأنها معقود عليه، ولا بد لانعقاد عقد المعاوضة من قيام المعقود عليه حالة العقد إذا لم يكن سلماً، وإذا كان كذلك أقيم محل المنفعة فيما لم يصحبه حرف الباء مقام المنفعة فيكون عيناً ولا ضرورة فيما صحبه حرف الباء، لأن ما صحبه حرف الباء يجوز أن يكون غير عين، ولا ضرورة بنا أن نعتبره عيناً ففي غير عين حقيقة وحكماً، والآخر اعتبر عيناً حكماً فكان بمنزلة بيع العين نساء بخلاف جنسه. وفي «فتاوى أبي الليث» : لا حتى في معاوضة الشران بالشران للأكداس لأنها استبدال منفعة بمنفعة من جنسها، ثم إذا قوبلت المنفعة بمنفعة من جنسها حتى فسد العقد واستوفى الآخر المنفعة كان عليه أجر المثل في ظاهر الرواية، وعن أبو يوسف أنه لا شيء عليه لأن المنفعة إنما تتقوم إذا قوبلت بالمتقوم. وجه ظاهر الرواية: أن لفظة الإجارة لفظة معاوضة، فصار كما لو استأجر داراً ولم يسم الأجر، ويسكنها هناك بحسب أجر المثل فهاهنا كذلك. ولو كان عبد واحد بين اثنين فتهايئا فخدم أحدهما يوماً ولم يخدم الآخر فلا أجر له، وقال أبو الحسن في «جامعه» : إذا كان عبد واحد بين اثنين آجر أحدهما نصيبه من صاحبه ليخيط معه شهراً على أن يصوغ نصيبه مع هذا شهراً، فإن هذا لا يجوز في العبد الواحد، ولا يجوز في العملين المختلفين إذا كان في عبدين.

стр. 3188

وأما بيان حكم الإجارة فنقول: حكم الإجارة وقوع الملك في البدلين كما في بيع العين يقع معاً كما فرعا من العقد إلا لمانع، وفي الإجارة يقع الملك في البدلين ساعة فساعة عندنا، لأن المعاوضة تقتضي التساوي لأن الظاهر من حال العاقدين أن لا يرضيان بالتفاوت، والملك في المنفعة يقع ساعة فساعة على حسب حدوثها فكذا في بدلها وهو الأجرة، وهذا لأن حكم العقد مبني على انعقادها والعقد ينعقد على المنفعة شيئاً فشيئاً على حسب حدوثها، لأن المنافع فيما يستقبل معدومة حالة العقد. وشرط انعقاد العقد في حق الحكم إضافته إلى محل موجود، والأصل أن الشروط إذا تعذر اعتبارها إما أن يسقط اعتبارها، أو يقام غيرها مقامها كما في حق النائي عن الكعبة أقيمت جهة الكعبة مقام عين الكعبة وكما في حق عادم الماء أقيم التيمم مقام الماء، فكذا هاهنا محل المنفعة وهو الدار مقام المنافع في حق إضافة العقد إليها، ثم العقد في المنافع ينعقد ساعة فساعة على حسب حدوثها وهذا كله مذهبنا، وينبني جواز الإجارة على مذهبنا انعقاد العقد فيما بين المتعاقدين، وهو الدرجة الأولى وانعقاده في حق الحكم وهو الدرجة الثانية. ألا ترى أن البيع بشرط الخيار ينعقد فيما بين المتعاقدين ولا يعد الحكم في الحال، وتفسير انعقاد العقد في حق المتعاقدين أن يصير كلاهما.... وبعد الحكم في الثاني وكونه سبباً صفة للكلام والكلام مفتقر إلى وجود المتعاقدين لا إلى المحل. وتفسير انعقاد العقد في حق الحكم في المحل لا بد له من المحل ومحل الحكم وهو المنافع معدومة في الحال فلأجل ذلك قلنا: لأن الإجارة في الحال غير منعقدة في حق الحكم بل هي تنعقد في حق المتعاقدين (١٤أ٤) كالمضاف إلى وقت وجود المنفعة والمنعقد غير والمضاف غير. ألا ترى أن من نذر وقال: لله علي أن أتصدق بدرهم يكون ناذراً في الحال ويلزمه ذلك، ولو قال: لله علي أن أتصدق يوم الخميس بدرهم لا يكون ناذراً في الحال بل يكون مضيفاً النذر إلى يوم الخميس كذا هاهنا العقد في حق الحكم مضاف إلى وقت وجود المنفعة، وليس بمنعقد في الحال أكثر ما فيه أن الصيغة مرسلة، إلا أنها مرسلة صورة أما مضافة معنى، وهذا لأن الأجر بعقد الإجارة تملك المنفعة لأن الإجارة لتمليك المنفعة وصار تقدير هذا العقد: ملكتك منافع هذه الدار والمنافع معدومة للحال فكان العقد مضافاً إلى وقت وجود المنفعة. إذا ثبت هذا فنقول: إضافة العقد إلى زمان يستدعي وجود المحل في ذلك الزمان، أما لا يستدعي وجوده في الحال إذا ثبت أن الملك في المنافع يقع ساعة فساعة على حسب حدوثها فكذا في بدلها وهو الأجرة تحقيقاً للتساوي بين المتعاقدين على ما مر. ومما يتصل بهذا الفصل بيان ما يصلح أجرة وما لا يصلح.

стр. 3189

والأصل فيه: أن ما يصلح أن يكون ثمناً في البياعات يصلح أن يكون أجرة في الإجارات، وما لا يصلح أن يكون ثمناً في البياعات لا يصلح أجرة في الإجارات إلا المنفعة فإنها تصلح أجرة إذا اختلف الجنس ولا تصلح ثمناً، وإنما اعتبرنا الإجارة بالبيع لأن الإجارة بيع كسائر البياعات إلا أن سائر البياعات ترد على العين والإجارة ترد على المنفعة. وإنما وقع الفرق بينهما في المنفعة، لأن الثمن يجب أن يكون مملوكاً بنفس البيع إذا لم يكن فيه خيار، والمنفعة لا تصير مملوكة بنفس العقد، لأنها معدومة أما الأجرة فليس من شرطها أن تملك بنفس العقد وكانت الإجارة كالنكاح فإن المنفعة تصلح مهراً في النكاح؛ إذ ليس من شرط المهر أن يملك بنفس العقد، فإن تسمية عبد الغير مهراً صحيح. ومما يتصل بهذا الفصل بيان ما يصلح أجرة وما لا يصلح، إذا أضاف العقد إلى وقت في المستقبل بأن قال: أجرتك داري هذه غداً وما أشبهه، وأنه جائز بناء على الأصل الذي ذكرنا أن الإجارة تنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة، فالعقد في حق الحكم كالمضاف إلى وجود المنفعة فمبنى الإجارة في حق الحكم على الإضافة كيف تكون الإضافة مانعة صحة الإجارة، فلو أراد نقضها قبل مجيء ذلك الوقت، وعن محمد روايتان في رواية قال: لا يصح النقض، وفي رواية قال: يصح. وجه هذه الرواية: أنه لم يثبت للمستأجر حق في هذا العقد إليه غير منعقد أصلاً، ولهذا لا يملك الأجرة بالتعجيل في هذه الإجارة. وجه الرواية الأولى: أن العقد قد انعقد فيما بين المتعاقدين، وإن لم ينعقد في حق الحكم فالآجر بالنقص يريد إبطال العقد المنعقد حقاً للمستأجر فلا يقدر على ذلك، وعلى هذه الرواية يملك الأجرة بالتعجيل في هذه الإجارة، وكذلك إذا أراد الآجر بيع الدار قبل مجيء ذلك الوقت فيه روايتان، في رواية تنفذ إجارته ويبطل المضاف، وفي رواية قال: لا تنفذ كما في البيع كذا ذكره الطحاوي. وفي «فتاوى أبي الليث» : ﵀ إذا قال لغيره: إذا جاء رأس الشهر فقد أجرتك هذه الدار، إذا جاء غد فقد أجرتك هذه الدار يجوز وإن كان فيه تعليقاً، وإذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد فاسختك هذه الإجارة لا يجوز. الفصل الثاني: في بيان أنه متى يجب الأجر قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : في رجل استأجر بيتاً شهراً بدرهم، قال: كلما سكن يوماً أخذ من الأجر بحساب ذلك، وكذلك الكراة إلى مكة، وكذلك في

стр. 3190

إجارة الأرض. يجب أن يعلم بأن الأجرة لا تملك بنفس العقد ولا يجب إيفاؤه إلا بعد استيفاء المنفعة إذا لم يشترط التعجيل، والأجرة سواء كانت الأجرة عيناً أو ديناً. هكذا ذكر محمد ﵀ في «الجامع» وفي كتاب «التحري» ، وذكر في الإجارات أن الأجرة إذا كانت عيناً لا تملك بنفس العقد، وإن كانت ديناً تملك بنفس العقد وتكون بمنزلة الدين المؤجل، عامة المشايخ على أن الصحيح ما ذكر في «الجامع» ، وفي كتاب «التحري» ، وبعضهم قالوا: ما ذكر في الإجارات قول محمد أولاً، وما ذكر في «الجامع» «والتحري» قوله آخراً، وهذا لما ذكرنا أن الإجارة عقد معاوضة فتوجب المساواة بين المتعاقدين ما أمكن ما لم يغير بالشرط، كما في بيع العين. ومتى قلنا إنه يجب إيفاء الأجر قبل استيفاء المنفعة تزول المساواة، ويفضل المؤاجر على المستأجر؛ لأن المؤجر يملك الأجرة بالقبض رقبة وتصرفاً، والمستأجر إن ملك المنفعة بقبض المستأجر تصرفاً لم يملك رقبة لما ذكرنا أن وقوع الملك في المنفعة يتأخر حال وجودها.p فلهذا قلنا: إن إيفاء الأجر يتأخر إلى ما بعد استيفاء المنفعة، وإذا ثبت أن إيفاء الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع عندنا فنقول: كان أبو حنيفة أولاً يقول: لا يجب إيفاء شيء من الأجر إلا بعد استيفاء جميع المنفعة سواء كانت الإجارة معقودة على المدة كما في إجارة الدار والعبد، أو على قطع المسافة كما في كراء الدابة إلى مكان، أو على العمل كما في القصار والخياط والصباغ، فهو قول زفر ثم رجع. وقال: إن وقعت الإجارة على المدة كما في إجارة الأرض والدواب والعبد، أو على قطع المسافة كاستئجار الحمال والدابة، فإنه يجب إيفاء الأجر بحصة ما استوفى إذا كان لما استوفى حصة معلومة من الأجر ففي الدار يوفي أجر يوم فيوم، وفي قطع المسافة إذا سار من حلة من حلة يجب عليه حصة ما استوفى. قال القدوري: وهو قول أبي يوسف ومحمد وفي الإجارة التي تنعقد على العمل ويبقى له أثر في العين، فإنه لا يجب عليه إلغاء الأجر إلا بعد إيفاء العمل كله وإن كان حصة ما استوفى معلومة إلا أن يكون يعمل الخياط والصباغ في بيت صاحب المال يكون الجواب فيه كالجواب في الحمال على قوله الأجر، يجب على المؤجر إيفاء الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة إذا كان له حصة معلومة من الأجر كما في الحمال. فوجه قوله الأول: أنه ثبت من أصلنا أن إيفاء الأجر لا يجب إلا بعد استيفاء المنفعة، والأصل أن إيفاء أحد البدلين في العقد إذا كان لا يجب إلا بعد استيفاء البدل الآخر، فإنه لا يجب إيفاء شيء منه إلا بعد وجود استيفاء جميع البدل، كما في باب البيع فإنه لما وجب تسليم البيع بناء على إيفاء الثمن لا يجب تسليم شيء من المبيع قبل إيفاء جميع الثمن كذا هاهنا. وجه قوله الآخر: أن القياس في باب البيع أن يجب على البائع تسليم المبيع بقدر ما استوفى من الثمن، حتى يستويا في ملك التصرف لأن المعاوضة تقتضي التساوي في
следующие страницы →