Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
وفي الأبواب المتفرقة قبيل كتاب البيوع من «الجامع» : دار في يدي رجل يدعي أنه اشتراها من فلان ونقده الثمن والدار تعرف لفلان، وادعى فلان أنه وهبها للمدعي، وله أن يرجع في الهبة، فالقول قول فلان؛ لأن التمليك صدر من فلان باتفاقهما، فيكون القول قوله في بيان جهته، فإن لم يقض القاضي للواهب بالرجوع حتى حضر شفيع الدار، فهو أحق بالدار من الواهب؛ لأن صاحب اليد أقر بحق الشفعة للشفيع، وقد صح هذا الإقرار منه؛ لأن صاحب الدار أقر أنه ملك الدار من صاحب اليد، والتمليك تسليط على التصرف، وأن يضمن ذلك إبطال حق الواهب في الرجوع، فيصح الإقرار منه بثبوت حق التملك للشفيع أيضاً، فإن لم يحضر الشفيع قضى القاضي بالرجوع للواهب؛ لأن حقه ظاهر وحق الشفيع لم يظهر بعد فإذا قضي له بالرجوع، ثم حضر الشفيع نقض الرجوع، وردت الدار على الشفيع.
ولو كان صاحب اليد ادعى أنه اشتراها من فلان على أن فلاناً بالخيار ونقده الثمن، وادعى فلان الهبة والتسليم وحضر الشفيع أخذها بالشفعة وبطل الخيار.
وفي المسألة نوع إشكال؛ لأن صاحب اليد مع صاحب الدار اتفقا على أنه لا شفعة للشفيع؛ لأن صاحب الدار يدعي الهبة وصاحب اليد يدعي البيع بشرط الخيار للبائع.
قلنا: صاحب الدار لما أقر بالهبة والتسليم إلى صاحب الدار فقد أقر بثبوت الملك له، وإقراره بثبوت الملك إسقاط منه للخيار، وصاحب اليد مقر بالشراء، فتثبت الشفعة بإقرار صاحب اليد بالشراء عند سقوط خيار صاحب الدار.
في «الأصل» : إذا كانت الدار في يد البائع، وقضى القاضي للشفيع بالشفعة على البائع، وطلب الشفيع من البائع الإقالة فأقاله البائع فالإقالة جائزة، وتعود الدار إلى ملك البائع ولا تعود إلى ملك المشتري، ويجعل في حق المشتري كأن البائع اشترى الدار من الشفيع، وكذلك إذا كانت الدار في يد (البائع) وقضى القاضي بالدار للشفيع، فقبل أن يقبض الشفيع الدار من المشتري أقال مع البائع صحت الإقالة، وصارت الدار ملكاً للبائع في قول أبي حنيفة.
في «الأصل» أيضاً: إذا مات المشتري والشفيع حي، فللشفيع الشفعة، فإن كان على الميت دين لا تباع الدار في دينه وأخذها الشفيع بالشفعة، وإن تعلق بالدار حق الغريم والشفيع؛ لأن حق الشفيع آكد من حق الغريم، فإن حق الشفعة في الصورة والمعنى، وهو المالية وحق الغريم في المالية دون الصورة، فكان حق الشفيع مقدماً.
وفي «الأصل» أيضاً: إذا حط (١٨٠أ٣) البائع عن المشتري بعض الثمن، فهذه المسألة على وجهين:
إما إن كان الحط قبل الثمن من المشتري أو بعده، فإن كان قبل قبض الثمن صح الحط في حق المشتري والشفيع حتى أن الشفيع يأخذ الدار بما وراء المحطوط؛ لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد، فصار العقد القائم للحال عقداً بما وراء المحطوط، فيأخذه الشفيع بذلك.
وكذلك لو وهب بعض الثمن من المشتري أو أبرأه عن بعض الثمن؛ لأن الهبة والإبراء قبل القبض بمنزلة الحط.
стр. 3117
وأما إذا حط الكل أو وهب الكل أو أبرأه عن الكل صح في حق المشتري؛ لأنه لاقى ديناً ولكن لا يظهر في حق الشفيع حتى يأخذ الشفيع الدار بجميع الثمن إن شاء؛ لأن هذا الحط لا يلتحق؛ لأنه لو التحق بطل من حيث صح؛ لأن العقد بغير ثمن باطلٌ فلا يكون المحطوط ثمناً، فلم يلتحق بأصل العقد، وبقي العقد في حق الشفيع بجميع الثمن كما كان قبل ذلك، وإن كانت هذه التصرفات بعد قبض البائع الثمن من المشتري.
فالجواب في الحط والهبة على ما ذكرنا قبل القبض إن حط البعض أو وهب البعض صح في حق المشتري والشفيع، ووجب على البائع رد مثل ذلك على المشتري وأخذه الشفيع بما وراء المحطوط والموهوب، وإن حط الكل أو وهب الكل يصح ذلك في حق المشتري، فلا يصح في حق الشفيع.
وأما الإبراء بعد القبض لا يصح لا في حق المشتري ولا في حق الشفيع، سواء كان الإبراء عن الكل أو عن البعض.
وفي المسألة نوع إشكال، فإن الثمن بعد القبض إن اعتبر قائماً في ذمة المشتري، فينبغي أن يصح الإبراء كما تصح الهبة والحط كما قبل القبض، وإن لم يعتبر قائماً ينبغي أن لا تصح الهبة والحط كما لا يصح الإبراء، والجواب: الثمن باق في ذمة المشتري بعد القبض؛ لأن البائع ما قبض عين حقه إلا أنه ليس للبائع ولاية المطالبة؛ لأن المشتري يطالبه بمثله، فلا يفيد فمطالبة المشتري مفيد؛ لأن البائع لا يطالبه بمثل ذلك؛ لأن المشتري قد يرى، فيجب على البائع رد مثل ما قبض بعد الحط والهبة، فأما الإبراء، فإنما لم يصح؛ لأن الثمن غير باق في ذمة المشتري ولكن؛ لأن الإبراء نوعان: إبراء لإسقاط الواجب، وإبراء بالاستيفاء.
ولهذا يقال: أبرأه براءة قبض واستيفاء، كما يقال: أبرأه براءة إسقاط، فإذا أطلق البراءة إطلاقاً انصرف ذلك إلى البراءة من حيث الاستيفاء؛ لأنه أقل وصار كأنه نص عليه، فقال: أبرأتك براءة قبض واستيفاء، وهناك لا يسقط الواجب عن ذمته ولا يلزم البائع رد شيء بخلاف الحط والهبة، فإنه نوع واحد وهو الحط والهبة، بطريق إسقاط الواجب.
ولهذا لا يقال: حططت ووهبت حط استيفاء، فكأنه نص عليه، ولو زاد المشتري في الثمن زيادة بعد العقد يأخذ الشفيع الدار بالثمن الأول، ولا تظهر الزيادة في حق الشفيع.
وفرق بين الزيادة وبين الحط، فإن الحط يظهر في حق الشفيع.
والفرق: أن الزيادة تتضمن إبطال حق الشفيع، فإنه يثبت للشفيع حق الأخذ بالثمن الأول؛ لأن لو صحت الزيادة في حق الشفيع لا يتمكن من الأخذ بالثمن الأول، فلم تصح الزيادة في حقه صيانة لحقه، أما الحط لا يتضمن إبطال حق على الشفيع بل فيه منفعة للشفيع؛ لأن بالحط يخرج بعض الثمن عن العقد، فلهذا افترقا.
في «فتاوى (أهل) سمرقند» : أن رجلاً اشترى من رجل أرضاً وقبضها، فجاء الشفيع
стр. 3118
وطلب شفعتها، فسلمها المشتري إليه، ثم نقد المشتري البائع الثمن فوهب البائع منه من ذلك خمسة دراهم، وقد قبض المشتري من الشفيع جميع الثمن، فعلم الشفيع بالهبة، فليس له أن يسترد شيئاً.
ولو وهب البائع خمسة دراهم من المشتري قبل قبض الثمن كان للشفيع أن يسترد؛ لأن في الوجه الأول الهبة ليست بحط؛ لأنها هبة العين بخلاف الوجه الثاني.
في «المنتقي» : جل اشترى داراً من رجل بألف درهم وتقابضا، ثم زاده في الثمن ألفاً من غير أن يتناقضا البيع، ثم علم الشفيع بالألفين ولم يعلم بالألف، فأخذها الشفيع بألفين بحكم أو بغير حكم، فإن أخذها بحكم أبطله القاضي، ثم قضى له أن يأخذها بشفعته بالألف؛ لأنه كان قضاء له بغير ما وجبت به الشفعة، وإن أخذها بغير حكم، فهذا شراء ولا ينتقض، ولو كان المشتري حين اشتراها بألف وقبضها ناقصة البيع، ثم اشتراها بألفين، ثم علم الشفيع بالبيع بألف وأخذها بالشفعة بألفين بحكم أو بغير حكم، ثم علم بالبيع بألف لم يكن له أن ينتقض أخذه؛ لأنه أخذ بما قد كان وجب له أخذها به.
إذا باع الرجل داره وعبده التاجر شفيعها، فإن لم يكن عليه دين لا يأخذها، وإن كان عليه دين أخذها، وكذلك إذا كان البائع هو العبد والمولى شفيعها.
إذا اشترى الرجل أرضاً وزرع فيها زرعاً، ثم جاء الشفيع فله أن يأخذها ويقلع الزرع قياساً.
وفي الاستحسان: لا يأخذها في الحال، وتترك في يد المشتري إلى أن يستحصد الزرع؛ لأن المشتري محق في الزراعة من وجه، فإنه زرع في ملك نفسه، وكونه محقاً في الزراعة يمنع غيره عن قلع زرعه، ويتعدى في الزراعة من وجه من حيث إنه زرع فيما هو حق الغير، وإنه مطلق القلع لصاحب الحق، الآن لو اعتبرنا كونه محقاً لا يبطل حق الشفيع أصلاً بل يتأخر؛ لأن لإدراك الزرع غاية معلومة.
ولو اعتبرنا جانب كونه متعدياً يبطل حق المشتري في الزرع أصلاً، ولا شك أن التأخير أولى من الإبطال حتى لو كان مكان الزرع بناء أو غرساً أو رطبة يؤمر المشتري بقلع هذه الأشياء؛ إذ ليس لهذه الأشياء نهاية معلومة، والتأخير لا إلى غاية معلومة إبطال، فاستوى الجانبان في معنى الإبطال، فراعينا جانب الشفيع؛ لأنه ليس بمتعد أصلاً، والمشتري متعد من وجه، ثم إذا ترك الأرض في يد المشتري تترك بغير أجر.
وروي عن أبي يوسف: أنه تترك بأجر المثل، وكان أبو يوسف ﵀ قاس هذا على ما إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يستحصد بعد حتى ترك في يد المستأجر يترك بأجر المثل.
وفي ظاهر الرواية فرق بينهما؛ لأن المشتري مالك للرقبة وإيجاب الآخر على مالك الرقبة لا يستقيم، وفي فصل الإجارة يجب الأجر على غير مالك الرقبة وإنه مستقيم،
стр. 3119
وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد يحكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص الكبير ﵀: أنه كان يقول: يسلم المشتري الأرض إلى الشفيع ثم يستأجر منه مدة معلومة يعلم أن الزرع يدرك في مثله نظراً للشفيع والمشتري، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد هذا يقول: ما قاله الشيخ لا يصح على قول محمد؛ لأن الأرض مشغولة بزرع رب الأرض فيمنع التسليم.
وإذا منع التسليم صار الشفيع مؤجراً الأرض قبل القبض، ومن مذهبه إن إجارة العقار قبل القبض لا تجوز، وإنما يصح هذا الجواب على قولهما؛ لأن عندهما إجارة العقار قبل القبض جائزة.
ومن هذا الجنس
في «فتاوى أبي الليث» وصورتها: رجلٌ أخذ أرضاً مزارعة وزرعها، فلما صار الزرع بقلاً اشترى المزارع الأرض مع نصيب رب الأرض من الزرع، ثم جاء الشفيع، فله الشفعة في الأرض وفي نصف الزرع، ولكن لا يأخذ حتى يدرك الزرع؛ لأن نصف الأرض مشغولة بنصيب (١٨٠ب٣) المزارع ولم يجب فيها الشفعة، فكان المزارع أحق بها حتى يدرك.
في «المنتقى» : رجل اشترى داراً ولها شفيع، فقال الشفيع: أجزت البيع وأنا آخذ بالشفعة أو قال: سلمت المبيع، وأنا آخذ بالشفعة فهو على شفعته إذا وصل، وإذا فصل وسكت ثم قال: أنا آخذ بالشفعة، فلا شفعة له.
في «المنتقى» أيضاً عن محمد: رجل اشترى من آخر داراً وجاء شفيع الدار، وادعى أنه كان اشترى هذه الدار من البائع قبل شراء هذا المشتري، فأقر المشتري بذلك ودفع الدار إلى الشفيع ثم قدم شفيع آخر، وأنكر شراء الشفيع أخذ الدار كلها بالشفعة؛ لأن الأول لم يأخذها بالشفعة ولم يطلب شفعته، فبطلت شفعته لترك الطلب، ولو كان الشفيع حين أقر له المشتري بما أقر به كذبه في إقراره.
معنى المسألة: إذا قال المشتري للشفيع ابتداء: قد كنتَ اشتريت هذه الدار قبل شرائي فهي لك بشرائك قبلي، وقال الشفيع: ما اشتريتها وأنا آخذها بالشفعة، فأخذها الشفيع من المشتري ثم الشفيع الآخر فليس إلا نصفها.
في «الفتاوى» : سئل أبو بكر عمن له ضيعة عليها خراج كثير ومؤن لا يشتري بشيء، فباعها مع دار قيمتها ألف درهم بألف درهم، فجاء شفيع الدار بكم يأخذ الدار؟.
قال: سئل أبو نصر عن هذا، فلم يجب، قال الفقيه أبو الليث ﵀: وعندي أن الضيعة إذا كانت بحال يشتريها أخذها من أصحاب السلطان بشيء يقسم الألف على ما يشتري به الضيعة وعلى قيمة الدار، وإن كانت الضيعة لا يشتريها أحد قسمت الألف على قيمة الأرض في آخر الوقت التي ذهبت عنها رغبات الناس وعلى قيمة الدار؛ لأنه لا بد للقسمة من القيمة، فإذا لم يكن لها قيمة للحال يعتبر قيمتها في آخر الوقت الذي عنها رغبات الناس، ويمكن أن يقال على قياس أبي حنيفة يجعل الألف بمقابله الدار إذا لم يكن للضيعة قيمة أصلاً.
стр. 3120
أصله: إذا تزوج امرأتين على ألف درهم إحداهما تحل له والأخرى لا تحل له.
رجل ادعى قبل رجل شفعة بالجوار والمشتري لا يرى الشفعة بالجوار، فأنكر شفعته يحلف بالله ما لهذا قبلك شفعة يحلف فيفوت حق المدعي.
في «فتاوى أبي الليث» : وفي هذا الموضع أيضاً: رجل اشترى داراً ولم يقبضها حتى بيعت دار أخرى بجنبها، فللمشتري الشفعة؛ لأنه ملكها بنفس الشراء، فيثبت له الجوار.
وفي هذا الموضع أيضاً: رجل طلب الشفعة في دار، فقال له المشتري: دفعتها إليك فهذا على وجهين:
الأول: إن علم الشفيع بالثمن، وفي هذا الوجه التسليم صحيح وصارت الدار ملكاً للشفيع؛ لأن المشتري ملكها منه وصح التمليك.
الوجه الثاني: إذا لم يعلم الشفيع بالثمن، وفي هذا الوجه لا يصير الدار ملكاً للشفيع، فهو على شفعته؛ لأن التمليك لم يصح.
وفي هذا الموضع أيضاً: رجلٌ أسلم داراً في مائة قفيز حنطة وسلم، فجاء الشفيع فله الشفعة؛ لأنها ملكت بعقد المعاوضة، ولو لم يسلم الدار حتى افترقا بطل السلم لمكان الافتراق، ولا شفعة للشفيع؛ لأن هذا ليس بعقد، وإن لم يفترقا حتى تناقضا السلم ثم افترقا كان للشفيع الشفعة؛ لأن الإقالة عقد جديد في حق الثالث.
في «الجامع» : رجل في يديه دار جاء رجل وادعى شفيعها، وقال للذي في يديه الدار: اشتريتها من فلان وصدقه البائع في ذلك، وقال الذي في يديه الدار: ورثتها عن أبي، فأقام الشفيع البينة أنها كانت لأب البائع مات وترك ميراثاً للبائع، ولم يقم البينة على البيع، فالقاضي يقول للذي في يديه: إن شئت فصدق الشفيع وآخذ منه الثمن وتكون العهدة عليك وإن أبى ذلك أخذ الشفيع الدار ودفع الثمن ويرد البائع الثمن على المشتري والعهدة على البائع، وإنما قبلت بينة الشفيع على إثبات الملك للبائع؛ لأن الملك للبائع سبب ثبوت حقه في الشفعة.
ألا ترى أنه لو ادعى أن هذه الدار ملكه اشتراها من فلان، وفلان يملكه وقال ذو اليد: ورثتها عن أبي، فأقام المدعي بينة أن الدار كانت لأب البائع مات وتركها ميراثاً للبائع والبائع مقر بالبيع، وقبض الثمن من المدعي تقبل بينة المدعي، وإنما تقبل لما قلنا.
وإذا قبلت بينته صار الثابت بها كالثابت عياناً، ولو عاينا أن الدار ملك البائع والبائع يقول بعتها من فلان من ذي اليد بكذا وقبضت منه الثمن كان القول قوله.
وصارت مسألتنا دار مملوكة لإنسان في يد رجل أقر صاحب الدار بيعها من صاحب اليد وقبض الثمن منه، وأنكر صاحب اليد الشراء جاء شفيع الدار وطلب الشفعة وهناك يقال لصاحب اليد: إن شئت فصدق البائع في دعوى البيع حتى يأخذها الشفيع منك، وتكون العهدة عليك، وإن شئت فكذب البائع ورد الدار على البائع حتى يأخذها الشفيع منه وتكون العهدة عليه كذا ههنا، وكذلك لو قال الذي في يديه: وهبها لي فلان، وقال
стр. 3121
الشفيع: اشتريتها من فلان وصدق البائع الشفيع فهو على ما وصفت لك.Y
وفيه أيضاً: رجل اشترى داراً بعبد فلم يتقابضا حتى اعور العبد ورضي المشتري بالقيمة أو اختار تركه كان للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة، أما إذا رضي به المشتري فظاهر، وأما إذا تركه؛ فلأن العقد، وإن انفسخ من كل وجه بالرد بالعيب قبل القبض إلا أن حق الشفيع لا يبطل بانفساخ البيع على ما مر، ويأخذها بقيمة العبد صحيحاً، وكان ينبغي أن يأخذها بقيمة العبد معيباً؛ لأن بائع الدار لما رضي بالعبد مع العيب، فقال: حط عن مشتري الدار بعض ثمنها وما يحط عن المشتري يحط عن الشفيع.
قلنا: هذا هكذا إذا كان ما حط على المشتري متبوعاً وأصلاً بنفسه؛ لأنه حينئذ يلتحق بأصل العقد ويجعل كالموجود لذا العقد، إما إذا كان بيعاً ووصفاً من أوصاف الثمن لا يحط عن الشفيع ما حط عن المشتري.
ألا ترى أن من اشترى داراً بألف درهم جياد ونقد ألف درهم زيوف وتجوز به البائع، ثم حضر الشفيع أخذ الدار بألف درهم جياد.
وطريقة ما قلنا: خيار الرؤية يثبت للشفيع بدون الشرط، وكذلك خيار العيب، وخيار الشرط لا يثبت له بدون الشرط حتى أن من اشترى داراً وشرط الخيار لنفسه، فأخذها الشفيع فلا خيار له؛ وهذا لأن الأخذ بالشفعة شراء حكماً، فيعتبر بالشراء حقيقة.
ولو اشتراها الشفيع حقيقة يثبت له خيار الرؤية، وخيار العيب من غير شرط، ولا يثبت خيار الشرط إلا بالشرط، فكذا إذا اشتراها حكماً رجل اشترى داراً لم يرها، فبيعت داراً بجنبها فأخذها بالشفعة لم يبطل خياره بخلاف خيار الشرط؛ وهذا لأنه لو بطل خياره إنما يبطل من حيث إن ما فعل دليل الرضا، إلا أن دليل الرضا لا يربوا على صريح الرضا، وبصريح الرضا قبل الرؤية لا يبطل خيار الرؤية، فبدليل الرضا أولى، هذا إذا كان الأخذ بالشفعة قبل رؤية الدار المشتراة، أما إذا كان بعدها يبطل خيار الرؤية؛ لأن هذا دليل الرضا وبصريح الرضا بعد الرؤية يبطل خيار الرؤية، فكذا بدليل الرضا.
في شرح الطحاوي في «الأصل» : اشترى داراً وهو شفيعها ولها شفيع غائب يصدق الشفيع يثبت منها، وطريقه على رجل، ثم باع ما بقي منها ثم قدم الشفيع الغائب، فأراد أن ينقض صدقة المشتري وبيعه، فهذا على وجهين:
الأول: إذا باع ما بقي من الدار من المتصدق عليه، وفي هذا الوجه ليس له أن ينقض صدقته في الكل إنما ينقض في النصف؛ لأن الدار مشترك بيت المشتري وبين الغائب بحق الشفعة فيعتبر بما لو كان مشتركاً بينهما بحقيقة الملك، ولو كانت مشتركة بينهما بحقيقة الملك باع أحدهما موضعاً منها بعينه، أو تصدق على رجل ثم باع الباقي منه، لم يكن للشريك (١٨١أ٣) الآخر أن ينقض تصرفه في الكل، وإنما ينقض في النصف كذا هنا.
الوجه الثاني: إذا باع باقي الدار من رجل آخر كان للغائب أن ينقض تصرفه في الكل، ألا ترى أنها لو كانت مشتركة بينهما شركة ملك، فيصير أحدهما على هذا الوجه
стр. 3122
كان للآخر أن ينقض تصرفه في الكل؛ لأنه يحتاج إلى أن يقسم مع اثنين، وربما يتفرق نصيبه، فيلحقه زيادة ضرر، ولا كذلك في الوجه الأول.
في «الأصل» أيضاً: تسليم الشفعة في البيع تسليم في الهبة، بشرط العوض حتى أن الشفيع إذا أخبر بالبيع، فسلم الشفعة، ثم تبين أنه لم يكن بيعاً، وكان هبة بالعوض، فلا شفعة له، وكذلك تسليم الشفعة في الهبة بشرط العوض تسليم في البيع، وهذا لما عرف أن الهبة بشرط العوض والبيع سواء، فكان التسليم في أحدهما تسليماً في الآخر.
في «فتاوى الفضلي» : رجل اشترى داراً وهو شفيعها بالجوار، وطلب جار آخر فيها الشفعة، فسلم المشتري الدار كلها إليه كان نصف الدار له بالشفعة والنصف بالشراء.
في «فتاوى أهل سمرقند» : أجمة بين اثنين ورثا عن أبيهما، ولا يعلم أحدهما بعينه أن له فيه نصيباً، فبيعت أجمة أخرى بجوار هذه، فلم يطلب هو الشفعة، فلما أخبر أن له فيها نصيب طلب الشفعة، فلا شفعة له؛ لأنه لم يطلب طلب المواثبه عند العلم بالبيع، والجهل ليس بعذر.
في «فتاوى الفضلي» : إذا قال المشتري للشفيع: رد علي الثمن ولك الشفعة، فهذا لا يكون تسليماً للدار والشفيع على شفعته؛ لأن قوله: ولك الشفعة، إن كان اختار أن له الشفعة فهو صادق في هذا الخبر وإن كان تسليماً معلقاً بأداء الثمن، فالتسليم على هذا الوجه لا يصح يعني التمليك.
فيه أيضاً: رجل له خمس منازل في زقاق غير نافذة باع هذه المنازل، وطلب الشفيع الشفعة في واحد من المنازل، فهذا على وجهين:
الأول: أن يطلب بحق الشركة في الطريق، وفي هذا الوجه ليس له ذلك؛ لأنه تفريق من غير ضرورة؛ لأن السبب عم الكل.
الوجه الثاني: أن يطلب الشفعة بحق الجوار، وجواره في هذا المنزل لا غير، وفي هذا الوجه له ذلك؛ لأن السبب خص هذا الواحد والله أعلم.
وبه ختم كتاب الشفعة، تم الدفتر الخامس من المحيط (١٨١ب٣) .
стр. 3123
كتاب القسمة
هذا كتاب يشتمل على ثلاثة عشر فصلاً.
١ * في بيان ماهية القسمة.
٢ * في بيان كيفية القسمة.
٣ * في بيان ما يقسم وما لا يقسم وما يجوز من ذلك وما لا يجوز.
٤ * فيما يدخل تحت القسمة من غير ذكره وما لا يدخل.
٥ * في الرجوع عن القسمة واستعمال القرعة فيها.
٦ * في الخيار في القسمة.
٧ * في بيان من يلي القسمة على الغير ومن لا يلي.
٨ * في قسمة التركة وعلى الميت أو له دين أو موصى له، وفي ظهور الدين بعد القسمة، وفي دعوى الوارث ديناً في التركة أو عيناً من أعيان التركة.
٩ * في الغرور في القسمة.
١٠ * في القسمة يستحق منها شيء.
١١ * في دعوى الغلط في القسمة.
١٢ * في المهايأة.
١٣ * في المتفرقات.
стр. 3124
الفصل الأول: في بيان ماهية القسمة
فنقول: القسمة نوعان: قسمة في ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاومة.
وقسمة في غير ذوات الأمثال من العدديات المتقاومة كالنبات والأغنام.
فالقسمة في ذوات الأمثال إفراز وقبض لعين الحق حكماً، مبايعة من حيث الحقيقة من وجه؛ لأن ما قبضه كل واحد منهما نصف ملكه من الأصل حقيقة، ونصفه ملك صاحبه صار له من جهة صاحبه بالقسمة.
فهو معنى قولنا: إنها مبايعة من حيث الحقيقة من وجه، إلا أن ما أخذ كل واحد منهما من نصيب صاحبه مثل ما ترك عليه بيقين وأخذ مثل الحق بمنزلة أخذ عين الحق حكماً.
ألا ترى أن أخذ المثل في الرضى جعل كأخذ العين حكماً حتى لم تثبت المبادلة بين المستقرض وبين المأخوذ.
فهو معنى قولنا: إنها إفراز لعين الحق حكماً، ففي كل موضع لا يمكن العمل بشبه الإفراز والمبايعة يعمل بها، وفي كل موضع لا يمكن العمل بالشبهين يعمل بنسبة الإفراز؛ لأن شبه الإفراز راجح؛ لأنه ثابت حكماً من كل وجه، وحقيقة من وجه. ولهذا كان لكل واحد من الشريكين أن يأخذ نصيبه من غير رضى صاحبه.
وإذا اشترى رجلان مكيلاً أو موزوناً بدراهم وأقسماهما فيما بينهما، فلكل واحد منهما أن يبيع من الحسر بنصف الدرهم.
فإن قيل: أليس محمد ﵀ ذكر في آخر كتاب القسمة: إذا كان وصي الذمي مسلماً، وفي التركة خمور وخنازير أنه يكره له قسمتها. ولو كان الرجحان في هذه القسمة لشبه الإفراز ينبغي أن يجوز من غير كراهة، فإن الذمي إذا وكل مسلماً أن يقبض خمراً له جاز للوكيل قبضها من غير كراهة.
قلنا: ذكر شمس الأئمة الحلواني: أنه إذا كان في التركة الخمور لا غير لا يكره للوصي المسلم قسمتها، لأن هذه القسمة إفراز محض، ليس فيها شبهة المبادلة، والمسلم يملك قبض خمر الذمّى، وإنما تكره القسمة إذا كان مع الخمور الخنازير؛ لأن القسمة تكون مبادلة.
стр. 3125
وغيره من المشايخ قالوا: لا، بل تكره قسمة الخمور وحدها للمسلم؛ لأن العمل بالشبهين في قسمة الخمر ممكن بإثبات الكراهة، ومعنى الكراهة ههنا بين الحرام المطلق والحرام المحض؛ لأنها لو كانت إفرازاً من كل وجه كانت حلالاً، ولو كانت مبايعة من كل وجه كانت حراماً، فإذاً كانت مبايعة حقيقية من وجه إفرازاً حكماً بين الحلال المحض والحرام المحض.
وأما القسمة في غير ذوات الأمثال فشبه المبادلة فيها راجح؛ لأنها إفراز حكماً من وجه، ومن حيث الحقيقية هي مبادلة من كل وجه، وأما الحقيقة فظاهر.
وأما الحكم؛ فلأن نصف ما يأخذ كل واحد منهما مثل لما ترك على صاحبه باعتبار القيمة وأخذ المثل كأخذ العين حكماً، فكان إفرازاً إلا أن ما يأخذ كل واحد منهما، ليس بمثل لما ترك على صاحبه بيقين، لأن المقسوم ليس من ذوات الأمثال، فلا تثبت المعادلة بيقين، فالإفراز مع المبادلة استويا في الحكم، ثم ترجحت المبايعة بالحقيقة؛ وهذا لأن الحقيقة وإن كانت لا تصلح حلاً لمقابلة الحكم بنفسها، لكنها تصلح للترجيح، ولهذا كره بيع المرابحة لأن الرجحان للمبايعة في غير ذوات الأمثال، فيكون مشترياً نصف ما أخذ بثلث ما ترك على صاحبه من الثياب.
فإذا قال: اشتريت بالدراهم كان ذلك منه جناية، فإن قيل لو كان الرجحان في هذه القسمة للمبايعة لكان لا يجبر الآتي عليها، وبالإجماع يجبر، وكذلك لا يثبت حكم الغرور فيها، حتى إن الشريكين إذا اقتسما داراً أو أرضاً بينهما، وبنى أحدهما في نصيبه بناء، ثم جاء مستحق واستحق الطائفة التي بنى فيها ونقض بناءه لا يرجع على صاحبه بقيمة البناء.
ولو كان الرجحان لجانب المبايعة لثبت الغرور، كما لو اشترى.
قلنا: الجبر على هذه المبايعة لينقطع ارتفاق الآتي بملك صاحبه، ويجوز أن يجرى الجبر على المبايعة باعتبار حق مستحق للغير.
ألا ترى: أن المشتري يجبر على تسليم الدار إلى الشفيع، وإن كان التسليم إليه مبايعة إنما يجبر لحق الشفيع، وألا ترى أن المديون يحبس حتى يبيع ماله ويقضي الدين، فيجريان الجبر عليها لا تبقى كونها مبايعة، وأما الثاني، فقلنا: إنما لا يثبت الغرور؛ لأن كل واحد منهما مضطر في هذه المبايعة.
لأنه يحتاج إلى تخليص حقه، يمنع صاحبه عن الارتفاق بملكه، ولا يمكنه ذلك إلا بهذه المبايعة لإحياء حقه، والجبر كما يثبت بالإكراه يثبت بالحاجة إلى إحياء الحق، كصاحب العلو إذا بنى السفل، وإذا كان مجبراً على هذه المبايعة لا يثبت فيها حكم الغرور، كالشفيع إذا أخذ الدار من المشتري بقضاء القاضي، والله أعلم.
стр. 3126
الفصل الثاني: في بيان كيفية القسمة
في «المنتقى» : ابن سماعة عن أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة ﵀ لا يرى القسمة على ما كان يصنع ابن أبي ليلى، ولكنه يقوّم الزراع من الأرض دراهم، ويقوّم البناء دراهم، ويقوم الجذوع دراهم.
وكذلك في الأرض والشجر يقسمهما: يعطى كل إنسان ما أصابه، فإن كان في يده فضل أخذه، وإن نقص زاده حتى يوفيه. في «الأصل» كان أبو حنيفة ﵀ يقول في العلو الذي لا سفل له، وفي السفل الذي لا علو له بأن كان علو مشترك بين رجلين، وسفل لرجل آخر، وسفل مشترك بين هذين الرجلين، وعلوه لآخر، تجب القسمة ذراع من السفل بذراعين من العلو.
وقال أبو يوسف: يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف. وقال محمد ﵀: يقسم على قيمة السفل والعلو، فإن كان قيمتهما على السواء يحسب ذراع بذراع، وإن كان قيمة إحداهما ضعف قيمة الآخر يحسب من الذي قيمته على الضعف ذراع بذراعين من الآخر حتى يستويا في القيمة.
قيل: إن أبا حنيفة أجاب بناء على ما شاهد من عادة أهل الكوفة في اختيار السفل على العلو في السكنى، وأبو يوسف أجاب بناء على ما شاهد من عادة أهل بغداد في التسوية بين العلو والسفل في منفعة السكنى، ومحمد ﵀ شاهد اختلاف العادة في ذلك في البلدان، فقال: يقسم على القيمة.
وقيل: هذا بناء على أن عند أبي حنيفة لصاحب السفل منفعتان، منفعة بظاهره ومنفعة بباطنه بأن يحفر في السفل سرداباً، فإن له ذلك إذا لم يضر بالعلو، ولصاحب العلو منفعة واحدة، وهو أن يسكن فيه أما ليس له أن يبنى على علوه يقال ضرّ بصاحب السفل أو لم يضر، فكان ذراعاً من السفل بذراعين من العلو من هذا الوجه، أو نقول: العلو ينتفع في حالة واحدة وهي حالة قيام السفل، والسفل ينتفع في حالتين، حالة قيام العلو وحالة قوامه، فكان قوامه مكان منفعة العلو على نصف منفعة السفل فصار ذراع من السفل بذراعين من العلو لهذا.
وعندهما لصاحب العلو أن يتصرف في علوه تصرفاً لا يضر بصاحب السفل، كما أن لصاحب السفل أن يتصرف في سفله تصرفاً لا يضر بصاحب العلو فاستويا في المنفعة، قال أبو يوسف ﵀ بعد هذا: إذا استويا في المنفعة يجعل ذراع من السفل بذراع من العلو، وقال محمد ﵀: مع أنهما استويا في المنفعة تعتبر القيمة في القسمة، لأن في بعض البلدان يكون السفل أكثر قيمة، وفي بعض البلدان يكون العلو أكثر قيمة. (٢أ٤)
وربما يختلف ذلك باختلاف الأوقات، فلا تتبين المعادلة إلا بالقيمة.
стр. 3127
وقول محمد ﵀ في «الكتاب» : أن على قول أبي يوسف يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف، فذلك في مسألة أخرى، فقد ذكرنا في هذه المسألة أن على قول أبي يوسف يجعل ذراع من السفل بذراع من العلو.
وصورة تلك المسألة: سفل مفرد لا علو له، وعلو مفرد لا سفل له،. وبيت كامل له سفل وعلو، وكل ذلك مشترك بين رجلين طلبا القسمة.
فعلى قول أبي حنيفة ﵀: القاضي يحسب ذراعاً من البيت الكامل بثلاثة أذرع من العلو المفرد، ليكون ذراعان من العلو المفرد بإزاء ذراع من سفل البيت الكامل، والذراع الثالث من العلو المفرد بإزاء ذراع من علو البيت الكامل، ويحسب ذراع من البيت الكامل بذراع ونصف من السفل المفرد، ليكون ذراعاً من سفل البيت الكامل بإزاء ذراع من السفل المفرد، وذراعاً من علو البيت الكامل بإزاء نصف ذراع من السفل المفرد.
وعلى قول أبي يوسف: يذرع السفل المفرد والعلو المفرد والبيت الكامل، فإن كان البيت الكامل عشرين ذراعاً، والعلو المفرد كذلك، والسفل المفرد كذلك كان جملة ذرعان السفل المفرد والعلو المفرد أربعون، يجعل الأربعون من العلو المفرد والسفل المفرد عشرون.
فهو معنى قوله: يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف، وإنما فعل هكذا لتقع المعادلة بين البيت الكامل، وبين العلو المفرد والسفل المفرد، فإن العلو والسفل عنده سواء فعشرون ذراعاً من البيت الكامل بمنزلة أربعين ذراعاً، عشرون منها سفل وعشرون علو. وعلى قول محمد تعتبر القيمة في ذلك كله قال الكرخي: وعليه الفتوى.
فإن قيل: كيف يقسم العلو مع السفل، والبيت الكامل قسمه واحدة عند أبي حنيفة ﵀، ومن مذهبه أن البيوت المتفرقة لا تقسم قسمة واحدة على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
قلنا: تأويل المسألة وجهان: الأول: أن يكون الكل في دار واحدة والبنيان في دار واحدة يقسمان قسمة واحدة، متلازقين كانا أو متفرقين، فكذا السفل والعل.
الثاني: أن يكون الكل في دور مختلفة، ولكن تراضوا على ذلك إلا أنهم طلبوا المعادلة من القاضي فيما بينهم، وعند أبي حنيفة تجوز القسمة حالة التراضي من الشركاء. وإذا كانت الدور من قوم ميراث، فإن أراد أحدهم أن يجمع نصيبه منها في دار واحدة وأبى الآخر، قال أبو حنيفة ﵀: القاضي لا يجمع نصيب كل واحد منهم في دار على حدة، بل يقسم كل دار بينهم على حدة إلا أن يتراضوا على ذلك، سواء كانت الدار متلازقة أو متفرقة، وسواء كانت الدور في محلة واحدة أو محلتين، في مصر واحد أو في مصرين.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كانت الدور في مصر واحد، فالرأي في ذلك إلى القاضي، إن رأى الصلاح في أن يجمع نصيب كل واحد منهم في دار على حدة، بأن
стр. 3128
رأى ذلك أعدل للقسمة فعل ذلك، وإن رأى الصلاح في قسمة كل دار على حدة فعل ذلك.
وأما إذا كانا في مصرين، روى هلال الرازي عن أبي يوسف ﵀: أن القاضي يقسم كل دار على حدة، ولا رأي له في ذلك. قال القدوي ﵀: لو كانت إحدى الدارين بالرقة والأخرى بالبصرة، قسمت أحدهما في الأخرى، وبعض مشايخنا ﵏ ذكروا قول محمد مع أبي يوسف فيما إذا كانت الدور في مصرين متفرقين.
لأبي حنيفة أن الدور أجناس مختلفة باعتبار المعنى وهو المنفعة وإن كانت في مصر واحد؛ لأن بعضها يصلح للخزانة وبعضها لا يصلح، ولاختلاف المعاني أن في اختلاف المجانسة، كما في الهروي مع المروي.
ولهذا لو وكله بشراء دين في مصر بعينه ولم يبين الثمن لا يجوز، وذكر الحاكم في «المختصر» أنه وإن بين الثمن لا يجوز ما لم يبين المحلة، والأجناس المختلفة لا تقسم قسمه واحدة إلا باصطلاح الشركاء على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولأبي يوسف ومحمد: أن الدور في مصر واحد جنس واحد باعتبار الاسم والمكان، فإن الاسم واحد والمكان كذلك، فصارت كالثياب الهروية والمروية، فإنها اعتبرت جنساً واحداً لاتحاد الاسم والمكان، أجناساً مختلفة باعتبار المعنى على ما قال أبو حنيفة رواية، فيفوض الأمر إلى رأي القاضي، فإن شاء مال إلى جنس واحد وقسمها قسمة واحدة، وإن شاء مال إلى الأجناس المختلفة وقسم كل واحدة قسمة على حدة، بخلاف ما إذا كانا في مصرين مختلفين لأنهما جنسان مختلفان لاختلاف المكان، ألا ترى أن المروي مع الهروي اعتبرا جنسين مختلفين لاختلاف المكان.
ومن المشايخ قال: معنى قول أبي حنيفة ﵀: العقار لا يقسمه القاضي قسمة جمع، أن الأولى أن لا يفعل القاضي ذلك، وإن لم يفعل الأولى جاز.
وأما المنازل فإن كانت في دور متفرقة أو في دار واحدة وهي متباينة، فالجواب فيها عندهم جميعاً كالجواب في الدور، وإن كانت في دار واحدة فهي متباينة، فعندهم جميعاً تقسم قسمة واحدة.
وأما البيوت فإن كانت في دار واحدة فإنها تقسم قسمة واحدة، سواء كانت متلازقة أو متفرقة، وإن كانت في دور مختلفة فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في الدور، وفي كل ما ذكرنا من الدور والمنازل والبيوت لا تقسم قسمة جمع، فتأويله إذا لم يكن معها شيء هو محل القسمة الجمع، أما إذا كان معها شيء هو محل القسمة الجمع يقسم الكل قسمة جمع، ويجعل ذلك الشيء أصلاً في القسمة والدور والمنازل والبيوت تبعاً، وسيأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا كان في التركة دار أو حانوت والورثة كلهم كبار وتراضوا أن تدفع الدار أو الحانوت إلى واحد منهم من جميع نصيبه من التركة جاز؛ لأن عند أبي حنيفة إنما لا
стр. 3129
يجمع نصيب واحد منهم من الورثة بطريق الحصر من القاضي، فأما عند التراضي فذلك جائز.
في قسمة «شرح القدوري» : ولو دفع أحد الورثة الدار إلى واحد من الورثة من غير رضا الباقين عن جميع نصيبه من التركة لم يجز، يعني: لا ينفذ على الباقين إلا بإجازتهم، ويكون لهم استرداد الدار، وأن يجعلوها في القسمة إن شاؤوا، وهذا ظاهر، وإنما الإشكال في أن الدافع هل يأخذ نصيبه من الدار بعد استرداد الباقين، وقيل إنه لا يأخذ.
في «المنتقى» : أراد اثنان من قرابته جمع نصيبهما في موضع واحد من الضياع، لم يكن لهما ذلك في قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله، وقال أبو يوسف: لهما ذلك؛ إذ ليس فيه ضرر على من مرّ حوله.
ولو اختلفوا في قيمة البناء، فقال بعضهم: يجعل قيمة البناء بالذرعان من الأرض، ومعنى المسألة: أن الدار والكرم إذا كان بين قوم، وأرادوا قسمتها في أحد الجانبين بناء، فأراد أحدهما أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أن يكون عوضه من الأرض، فإنما يجعل قيمة البناء بالذرعان من الأرض؛ لأن القسمة إقرار ما هو مشترك بين شركاء الأرض دون الدراهم فمتى جعلنا قيمة البناء بالذرعان من الأرض فقد أقررنا ما هو مشترك بينهما، ومتى جعلنا قيمته بالدراهم فما أقررنا ما هو مشترك بينهما بل حملناها على البيع وللقاضي ولاية القرار لا ولاية الحمل على البيع، ولأن تقويم البناء بالذرعان من الأرض أولى في القسمة؛ لأنه يتعجل حق كل واحد من الشركاء في الحال، ومتى قريناه بالدراهم يتعجل حق الذي يعطي الدراهم، ويتأخر حق الآخر إلى أن يحضر الدراهم ويسلمها، فكان التقويم بالذرعان من الأرض أولى، وإن تعذر اعتبار العادة بتقويم البناء بالذرعان من الأرض قومه بالدراهم.
وإن اتفقوا أن يجعلوا قيمة البناء في الدراهم فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم، وإن اختلفوا في الطريق، فقال بعضهم: نرفع طريقاً بيننا، وقال بعضهم: لا نرفع، نظر فيه الحاكم، فإن كان يستقيم لكل واحد منهم طريق يفتحه في نصيبه قسمه بينهم بغير طريق يرفع لجماعتهم، وإن كان لا يستقيم ذلك رفع طريقاً بين جماعتهم؛ لأن (٢ب٤) .
حاصل اختلافهم في قسمة قدر الطريق، فالمانع من رفع الطريق يطلب قسمته والآخر يأبى، وقسمته في الوجه الأول؛ إذ لا يفوّت بقسمة قدر الطريق ما كان لهم من المنفعة قبل القسمة.
وفي الوجه الثاني قسمته غير ممكن؛ لأن قسمته تتضمن تفويت منفعة كانت لهم قبل القسمة. ولو اختلفوا في سعة الطريق وضيقه، جعل الطريق بينهم على عرض باب الدار، وطوله على أدنى ما يكفيهم، يعني يجعل طوله من الأعلى بقدر طول الباب، لا إلى البناء، وفائدة قسمة ما وراء طول الباب أن أحد الشركاء إذا أراد أن يخرج جناحاً في نصيبه إن كان فوق طول الباب فله ذلك؛ لأن الهواء فيما زاد على طول الباب مقسوم بينهم، فيصير باباً على ما هو خالص حقه، وإن كان فيما دون طول الباب فإنه يمنع من
стр. 3130
ذلك؛ لأن قدر طول الباب من الهواء مشترك فيما بينهم، والبناء على الهواء المشترك لا يجوز إلا برضا الشركاء، وأما إذا كان أرضاً يرفع من الطريق مقدار ما يمر فيه ثور؛ لأنه يحتاج إليه للزراعة فلا بد منه، ولا يرفع مقدار ما يمر فيه ثوران، لأن منه بد.
ويقسم القاضي الأعداد من جنس واحد من كل وجه بأن كانت المجانسة مجانسة بين الأعداد اسماً ومعنى، كما في الغنم أو البقر أو المكيل أو الموزون أو النبات قسمة جمع عند طلب بعض الشركاء.
وفي الأجناس المختلفة من كل وجه لا يقسم الأعداد قسمة جمع عند طلب بعض الشركاء؛ وهذا لأن قسمة الجمع في الأجناس المختلفة يتضمن تفويت جنس المنفعة على الآبي، فإنه قبل هذه القسمة له منفعة البقر والغنم والثياب، وبعد قسمة الجمع يفوت عليه بعض هذه المنافع، أما منفعة الإبل والغنم والثياب.
والقسمة متى تضمنت تفويت جنس منفعة على الآبي، فالقاضي لا يقسم، أما قسمة الجمع في الجنس الواحد لا يتضمن تفويت جنس المنفعة على الآبي، فيقسم القاضي.
وإن كان جنساً واحداً من حيث الحقيقة، وأجناساً مختلفة من حيث المعنى كالرقيق، فإن كان معه شيء آخر هو محل لقسمة الجمع، فالقاضي يقسم لكل قسمة جمع بلا خلاف، ويجعل ذلك الشيء أصلاً في القسمة والرقيق تبعاً، ويجوز أن يثبت الشيء تبعاً لغيره، وإن كان لا يثبت بشهود أعرف ذلك في مواضع كثيرة، وإن لم يكن شيء آخر هو محل لقسمة الجمع.
قال أبو حنيفة: القاضي لا يقسمه قسمة جمع، وقالا: القاضي يقسم قسمة جمع هكذا ذكر في «الأصل» : وذكر أبو الحسن على قوله: الرأي في ذلك إلى القاضي، واختلف المشايخ فيه على قولهما بعضهم قالوا: يقسم الرقيق قسمة جمع على قولهما على كل حال، ولا يكون ذلك موكولاً إلى رأي القاضي، وبعضهم قالوا: هو موكول إلى رأي القاضي هما قولان أن الرقيق جنس واحد، إذا كان الكل ذكوراً أو إناثاً من وجه حقيقة وحكماً، أما حقيقة فلا إشكال.
وأما حكماً بدليل: أنه إذا تزوج امرأة على عبد صحت التسمية، كما لو تزوجها على ثوب هروي وأجناس مختلفة من وجه تتفاوت منهم في المعاني قرب يصلح للأمانة، ورب عبد لا يصلح لذلك، ويتفاوتون أيضاً في الذهن والذكاء والعقل والتمييز الذي هو المطلوب من الآدمي. وإذا كان جنساً واحداً من وجه وأجناساً مختلفة من وجه جعلنا الرأي فيه للقاضي، كما في الدور.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: العمل بالشبهين متعذر في حالة واحدة؛ لأن أحدهما يقتضي جواز قسمة الجمع، والآخر ينفي، فيعمل بهما في الحالين، فجعلناه جنساً واحداً إذا كان معه شئ آخر هو محل لقسمة الجمع، وجعلناه أجناساً مختلفة إذا لم يكن معه شئ آخر هو محل لقسمة الجمع، وإنما فعلنا هكذا لتمكننا العمل بالشبهين، لأنا متى جعلناه أجناساً مختلفة إذا كان معه شيء آخر هو محل لقسمه الجمع يلزمنا أن نجعله أجناساً مختلفة على الانفراد من الطريق الأولى؛ لأن من الأشياء ما لا يجوز قسمته على
стр. 3131
الانفراد، ويجوز قسمته تبعاً لغيره كالشرب والعيون والآبار، يتعطل العمل بالشبهين.
وكان الفقيه أبو بكر الرازي ﵀ يقول: قول أبي حنيفة ﵀ إذا كان بيع الرقيق شيء آخر هو محل لقسمة الجمع، قسم الكل قسمة جمع، تأويله إذا رضي الشركاء بقسمة الكل قسمة جمع.
أما إذا أبى البعض ذلك، فالقاضي لا يقسمه قسمة جمع عنده، قال: لأن الرقيق مع غيره جنسان مختلفان، فإن كان لا يقسم الرقيق عنده عند الانفراد لأن الجنس مختلف، فعند الاجتماع أولى.g
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأمة السرخسي: والأظهر عندي أن القاضي يقسم الكل قسمة جمع عند أبي حنيفة رحمه لله وإن بعض الشركاء ذلك، ويجعل ذلك الشيء الذي مع الرقيق أصلاً في القسمة، ويجعل الرقيق تبعاً، وأبو حنيفة إنما لا يرى قسمة الرقيق قسمة جمع مقصوداً لا تبعاً لغيره.
في «فتاوى أبي الليث» : إذا كانت الأراضي بين شركاء لأحد هم عشرة أسهم، ولآخر خمسة أسهم، ولآخر سهم، فأرادوا قسمتها، وأراد صاحب العشرة الأسهم أن تقع سهامه متصلة، ولا يرضى بذلك الذي له سهم واحد قسمة الأراضي متصلة كانت أو متفرقة بينهم على قدر سهامهم عشرة وخمسة وواحد.
وكيفية ذلك: أن تجعل الأراضي على عدد سهامهم بعد أن سويت وعدلت لم تجعل بنادق سهامهم على سهامهم ويقرع بينهم فأول بندقة تخرج ترفع على طرف من أطراف السهام فهو أول السهام، ثم ننظر إلى البندقة لمن هي، فإن كانت لصاحب العشرة أعطاه ذلك السهم وتسعة أسهم متصلة بالسهم الذي وضع البندق عليه، فيكون سهام صاحبها على الاتصال، ثم يقرع بين الستة كذلك، فأول بندقة تخرج توضع على طرف من أطراف الستة الباقية، ثم ينظر إلى البندقة لمن هي فإن كانت لصاحب الخمسة أعطاه ذلك السهم وأربعة أسهم متصلة بذلك السهم، يبقى السهم الواحد لصاحبه، وإن كانت هذه البندقة لصاحب السهم الواحد كان ذلك السهم له والباقي لصاحب الخمسة.
وفيه أيضاً: رجلان بينهما خمسة أرغفة، لأحدهما رغيفان، وللآخر ثلاثة أرغفة، فدعيا ثالثاً وأكلوا جميعاً مستويين، ثم إن الثالث أعطاهما خمسة دراهم، وقال لهما: إقسماها بينكما على قدر ما أكلت من رغيفكما، قال الفقيه أبو بكر الرازي: لصاحب الرغيفين درهم منها لأن كل واحد منهما أكل رغيفاً وثلثا رغيف، فصاحب الرغيفين أكل من رغيفيه رغيف وثلثي رغيف، فإنما أكل الثالث من رغيفيه رغيف وثلث رغيف، فيجعل بمقابلة كل ثلث رغيف درهم، فيصير لصاحب الرغيفين درهم منها، ويصير لصاحب الرغيف الثالث أربعة دراهم.
قال الفقيه أبو الليث ﵀: فعندي أن لصاحب الرغيفين درهمان، وللآخر ثلاثة دراهم؛ لأن كل واحد منهم أكلوا الثلث رغيف ومن الرغيفين ثلثا رغيف، فيجعل كل ثلث سهماً فيصير أكلا من الرغيفين سهمان ومن الثلاث ثلاثة أسهم، فجملة ذلك
стр. 3132
خمسة أسهم، فيقسم البدل كذلك.
في «فتاوى أهل سمرقند» : رجل مات وترك ثلاثة بنين وترك خمسة عشر خابية، خمسة منها مملوءة خلاً، وخمسة منها إلى نصفها خل، وخمسة منها خالية، كلها مستوية، فأراد البنون أن يقسموا الخوابي على السواء من غير أن يزيلونها عن موضعها.
فالوجه في ذلك: أن يعطى أحد البنين خابيتين تعلو مملوءتين وخابيتين خاليتين وخابيه إلى نصفها خل، ويعطى الثاني كذلك من كل خمس خوابي أحدها مملوءة وأحدها خالية وثلاث خوابي إلى نصفها خل، يعطي الثالث ذلك؛ لأن المساواة بذلك تقع.
سئل الفقيه أبو جعفر ﵀: عن سلطان غرم أهل قرية، فأرادوا قسمة ذلك الغرامة، واختلفوا فيما بينهم، قال بعضهم: تقسم على قدر الأملاك، وقال بعضهم: تقسم ذلك على قدر الرؤوس، قال: إن كانت الغرامة لتحصين أملاكهم يقسم ذلك على قدر الأملاك؛ لأنها مؤنة الملك، فتقدر بقدر الملك وإن كانت الغرامة لتحصين الأبدان يقسم ذلك على عدد الرؤوس؛ لأنها مؤنة الرؤوس، ولا شيء على النسوان والصبيان في ذلك، لأنه لا يتعرض لهم.
سئل حمدان بن سهل عن قسمة العين، قال: يقسم بالكوارجات، قبل: فإن لم يكن، قال: فبالحبال. قال الفقيه أبو الليث: يجوز بالحبال لقلة التفاوت فيها استحساناً.
سئل شيخ الإسلام (٣أ٤) أبو الحسن عن رجلين بينهما أعناب كرم على الشركة يقسمان ذلك بينهما كيلاً بالسولجة، أو وزناً بالقبان أو الميزان، قال: كل ذلك واسع؛ لأن الناس تعارفوا العنب كيلاً أو وزناً، فثبت التساوي بالطريقين جميعاً، فيجوز والله أعلم.
الفصل الثالث: في بيان ما يقسم وما لا يقسم، وما يجوز من ذلك وما لا يجوز
قال محمد ﵀ في «الأصل» : بيت بين رجلين أراد أحد هما قسمته وأبى الآخر، وارتفعا إلى القاضي، فإن كان البيت كبيراً بحيث لو قسم أمكن لكل واحد منهما أن ينتفع بنصيبه انتفاع البيت كما قبل القسمة، فإن القاضي يقسم بينهما، وإن كان البيت صغيراً بحيث لو قسم لا يمكن لكل واحد منهما أن ينتفع به انتفاع البيت، فإنه لا يقسم إذا كان الآخر يأبى القسمة؛ لأن في هذا الوجه طالب القسمة متعنت في طلب القسمة قاصد للإضرار بنفسه وبشريكه بإتلاف منفعة كانت لهما قبل القسمة، والتعنت مردود، وفي الوجه الأول طالب القسمة قاصد تكميل منافع الكل على نفسه وعلى شريكه، وشريكه في الإباء متعنت.
وإن طلبا القسمة في الوجه الثاني من القاضي، فعنه روايتان: في رواية يقسم
стр. 3133
القاضي بينهما وإليه أشار محمد في «الأصل» في باب ما لا يقسم من العقار وغيره، وإليه مال الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام، وفي رواية قال: لا يقسم القاضي بينهما، ولكن يتركهما وذاك، إن شاء اقتسما بأنفسهما وإن شاء تركا كذلك، وإليه مال كثير من المشايخ؛ لأن في هذه القسمة ضرر للشركاء بإتلاف المنفعة عليها، وليس للقاضي ولاية الإضرار بالغير، وإن رضي به ذلك الغير. وإن كان نصيب أحد هما في البيت شقصاً قليلاً لا ينتفع به إذا قسم البيت، ونصيب الآخر كثير، فطلب أحد هما القسمة، فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يطلب صاحب الكثير القسمة، والحكم فيه أن القاضي يقسمها بينهم، هكذا ذكره محمد في «الأصل» .
وقال في باب ما لا يقسم من العقار: وقال أبو حنيفة ﵀: إذا كان الطريق بين قوم إن اقتسموه لم يكن لبعضهم طريق ولا تنفذ، فأراد بعضهم قسمته، وأبى الآخر، قال: لا أقسمه بينهم. بعض مشايخنا ﵏ قالوا: المسألة محمولة على أن الطريق بينهم على السواء، وكان بحيث لو قسم بينهم لا يبقى لواحد منهم طريق ومنفذ، فأما إذا كان الطريق بينهم على التفاضل بحيث لو قسم لا يبقى لصاحب القليل طريق ولا ينفذ ويبقى لصاحب الكثير طريق ومنفذ، فالقاضي يقسم إذا طلب صاحب الكثير القسمة، كما في مسألة البيت إذا طلب صاحب الكثير القسمة.
ومنهم من قال: الطريق لا يقسم في الحالين بخلاف البيت، والفرق على قول هذا القائل: أن في قسمة الطريق تعطيل ملك صاحب القليل في داره، لأنه متى قسم الطريق ولا يمكنه التطرق فيما وقع في نصيبه لا يمكن التطرق به إلى داره، فلا يمكنه الانتفاع بداره بعد ذلك، وتعطيل الملك على الغير لا يجوز.
وأما ليس في قسمة البيت تعطيل ملك صاحب القليل في نصيبه، لأنه يمكنه أن يدخل في بنائه ذلك فيتوسع عليه منزله، ألا ترى أنه لا يجوز التهايؤ في الطريق بين الشريكين لما فيه من تعطيل الملك على كل واحد منهما في نوبة صاحبه، فكذا ألا تجوز قسمة رقبة الطريق إذا تضمنت تعطيل الملك على أحدهما ويجوز التهايؤ في مسألة البيت لأن ملك كل واحد منهما لا يتعطل في نوبة صاحبه، لأن صاحبه ينتفع به من جهته، فلو امتنعت القسمة في مسألة البيت إنما تمتنع لما فيها من قطع الارتفاق بنصيب صاحبه، إلا أن ذلك لا يصلح بأنهما. ألا ترى أنه جاز استرداد العارية وإن كان فيها قطع الارتفاف على المستعير بملك المعير.
الوجه الثاني: إذا طلب صاحب القليل القسمة، وأبى صاحب الكثير ذلك، ذكر الحاكم الشهيد في «المختصر» : أنها تقسم، وإليه ذهب شيخ الإسلام، وذكر الكرخي في «مختصره» : أنها لا تقسم، وهكذا ذكر الفقيه أبو الليث وجعل هذا قول أصحابنا رحمهم
стр. 3134
الله، وإليه مال الحاكم عبد الرحمن والقاضي الاسبيجاني والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي، قال الصدر الشهيد ﵀: والفتوى على الأول؛ لأن الطالب رضي بالقسمة، وهذه القسمة لا تضمن فوات منفعة على الآبي منفعة كانت له قبل القسمة صاحب الكثير ينتفع بنصيبه فيكون هذا في حق الآبي قسمة لا إتلافاً، والقسمة مستحقه بطلب أحدهما، هكذا ذكر في «شرح كتاب القسمة» وذكر هو ﵀ في «شرح أدب القاضي» للخصاف: أن الأصح أن القاضي لا يقسمها.
ووجه ذلك: أن الطالب وإن رضى بالضرر إلا أن رضاه بالضرر لا يلزم القاضي شيئاً إنما الملزم طلب الإنصاف من القاضي وإيصال الطالب إلى منفعة ملكه، وذلك لا يوجد عند طلب صاحب القليل.
قال أبو حنيفة ﵀: إذا كان بين رجلين حائط طلب أحدهما القسمة من القاضي، وأبى الآخر، فالقاضي لا يقسمها؛ لأنه لو قسم بعد الهدم كان في الهدم إتلاف المنفعة، ولو قسم قبل الهدم بالمساحة كما تقسم الأرض كان ذلك تسبباً إلى إتلاف المنفعة؛ لأن للطالب أن ينقض نصيبه بعد القسمة لأنه يكون متصرفاً في نصيبه، وكما لا يجوز إتلاف المنفعة لا يجوز التسبب إليه، وكذلك الحمام لا يقسم بطلب بعض الشركاء؛ لأن هذه القسمة إتلاف منفعة الحمام؛ لأنه لا ينتفع به انتفاع الحمام إلا بجميعه، وإن قسموا ذلك فيما بينهم تركهم القاضي وذلك لأن الحق لهم، فيكون التدبير في ذلك إليهم.
في «المنتقى» : في أول الباب الأول من كتاب القسمة: حائط بين دارين سقط حتى بدى أسفله قال أحد الشريكين في الحائط: أقسم، وقال الآخر: لا بل ابني، قال محمد ﵀: لا أقسم بينهما؛ فلعله أن يقع نصيب كل واحد منهما إن قسم مما يلي الآخر رواه هشام.
وذكر في آخر هذا الباب ابن سماعه عن محمد رحمها الله: حائط بين رجلين، وأرضه كذلك بينهما انهدم الحائط، وأرض الحائط مما يستطاع قسمته، طلب أحدهما القسمة، فإن كان لهما عليه جذوع لا يقسم أرض الحائط، وإن لم يكن لأحدهما عليه جذوع قسمت أرض الحائط.
وإذا كان بناء بين رجلين في أرض رجل قد بناه فيها بإذنه، فأراد أحدهما قسمة البناء وهدمه، وأبى الآخر وصاحب الأرض غائب لا يكلفهما ذلك، فالقاضي لا يقسمها بينهما؛ لأنه ما لم يكلفهما صاحب الأرض الهدم فلهما حق القرار، فكان بمنزلة ما لو كان البناء في أرض هي ملكهما، ولو كان كذلك وطلب أحدهما من القاضي قسمة البناء وهدمه، وأبى الآخر، فالقاضي لا يقسمها بينهم كذا ههنا، ولو فعلا ذلك بأنفسهما تركهما القاضي، وذلك لما ذكرنا.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : في دكان في السوق بين رجلين يبيعان فيه بيعاً أو يعملان فيها بأيديهما، فأراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإن القاضي ينظر في ذلك،
стр. 3135
إن كان لو قسم أمكن لكل واحد منهما أن يعمل في نصيبه العمل الذي كان يعمله قبل القسمة قسم، وإن كان لا يمكنه ذلك لا يقسم، وإنه يخرج على ما ذكرنا.
وإذا كان زرع بين رجلين، فأرادوا قسمة الزرع فيما بينهم دون الأرض، فالقاضي لا يقسمه، أما إذا بلغ الزرع وتسنبل، لأنه بعد ما بلغ وتسنبل صار مال الربا، وفي القسمة معنى المبادلة فلا يجوز مجازفةً.
فإن قيل: ينبغي أن يصرف حبّ هذا إلى بين ذلك، وبين ذلك إلى حب هذا احتيالاً للجواز، كما لو اشترى قفيز حنطة وقفيز شعير بقفيزي حنطة وقفيزي شعير، فإنه يصرف حنطة هذا الجانب إلى شعير ذلك الجانب، وشعير هذا الجانب إلى حنطة ذلك الجانب إحتيالاً للجواز، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن موضوع هذه المسألة أنهما طلبا القسمة من القاضي، ومتى كانت القسمة من القاضي لا يمكن صرف الجنس فيها إلى خلاف الجنس، لأنها تكون مبايعة، وإلى القاضي القسمة عند طلب بعض الشركاء لا البيع. فعلى قول هذا التعليل لو حصلت القسمة بالتراضي يجوز؛ لأن لهما القسمة والمبايعة، فمتى تعذر وتجويزها مقاسمة تجوز مبايعة.
الوجه الثاني: أنه إنما يصرف الجنس إلى خلاف الجنس إذا كان الجنس الآخر محلاً للبيع يجوز إفراد العقد عليه بانفراده، كما في الحنطة مع الشعير أما (٣ب٤) إذا لم يكن الجنس الآخر محلاً للبيع فإنه لا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس.
ألا ترى أنه لو باع قفيز تمر بقفيزي تمر لا يجوز، ولا يصرف جنس هذا إلى نوى ذلك؛ لأن النوى بانفراده ليس بمحل البيع لو باعه لا يجوز.
إذا ثبت هذا فنقول: الحنطة في سنبلها إن كانت محلاً للبيع فتبنها ليس بمحل للبيع، ألا ترى أنه لا يجوز بيعه، فلا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، فعلى قول هذا التعليل وإن اقتسما بتراضيهما لا يجوز.
وأما إذا كان الزرع بقلاً فإنما لا يقسم القاضي إذا كانت القسمة بشرط الترك؛ لأنه إذا قسم بشرط الترك فقد شرط في القسمة إعارة الأرض، وإنه شرط فاسد، والقسمة لا تصح مع الشرط الفاسد.
وأما إذا أراد القسمة بشرط القلع فله أن يقسم، إذ ليس في هذه القسمة شرط العارية لو لم يصح لهما لا يصح لمكان الضرر وقد رضيا به، وهذا الجواب على إحدى الروايتين، فأما على الرواية الأخرى ينبغي أن لا يقسم القاضي وإن رضيا به كما ذكرنا هذا إذا طلبا القسمة من القاضي، وإن طلب أحدهما وأبى الأخر فالقاضي لا يقسم على كل حال. ولو قسما الزرع بأنفسهما، فإن كان الزرع قد بلغ وتسنبل فالجواب فيه قد مر، وإن كان الزرع بقلاً إن قسما بشرط الترك لا يجوز، وإن قسما بشرط القلع جاز باتفاق الروايات.
وفي «المنتقى» زرع بين رجلين اقتسماه قبل أن يدرك، قال أبو حنيفة: لا يجوز،
стр. 3136
وقال أبو يوسف: إنه جائز، وقسمة الطلع بدون قسمة النخيل نظير قسمة الزرع قبل البلوغ بدون الأرض، إن اقتسما بشرط القلع جاز، وإن اقتسما بشرط الترك لا يجوز، وإن رفعا الأمر إلى القاضي، فالقاضي لا يقسمه بشرط الترك، وهل يقسمه بشرط القلع؟ فهو على الروايتين، وإن طلب أحدهما القسمة فالقاضي لا يقسم لا بشرط القلع ولا بشرط الترك.
ولا يقسم الساحة الواحدة واللؤلؤة وكل شيء يحتاج إلى كسر أو شق أو قلع بطلب البعض، إذا كان في قطعه أو شقه أو كسره ضرر، فأما إذا لم يكن في ذلك ضرر يقسم، واللآليء واليواقيت تقسم لأن الجنس واحد، ومنفعة هذا الجنس مما لا تتفاوت تفاوتاً لا يمكن استدراكه بخلاف العبيد على قول أبي حنيفة.
وإذا كان قناة أو نهراً أو عيناً، وليس معه أرض، فأراد بعض الشركاء القسمة، فالقاضي لا يقسم؛ لأن منفعة النهر لا تحصل إلا بالبعض، وكذلك منفعة القناة وأشباهها، وإن كان مع ذلك أرض للشرب لها الماء من ذلك قسمت الأرض وتركت النهر والبئر والقناة على الشركة، ولو كان أنهاراً أو أباراً في الأرضين متفرقة قسمت الآبار والعيون؛ والأراضي لأن الإفرازها هنا ممكن من غير ضرر.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا كانت الدار بين ورثة فاقتسموها، وفصلوا بعضها على البعض بفصل قيمة البناء، أو ما أشبه ذلك فهذه القسمة وهذا التفصيل جائز.
وصورته: إذا كانت الدار بين وارثين وهي ثلاثون ذراعاً قيمة عشرة أذرع منها من جانب مثل قيمة العشرين من الجانب الآخر، إما لأجل البناء أو لمعنى من المعاني، فاقتسما أن يكون لأحدهما هذه العشرة وللآخر العشرون، فهذه القسمة جائزة واكتفي فيها بالمعادلة من حيث المعنى، وهو المالية عند تعذر اعتبار المعادلة من حيث الصورة بالذرعان.
وإن اقتسما العرصة بالسوية نصفين وشرطا أن من وقع البناء في نصيبه أعطى نصف قيمة البناء الآخر، فهذا على وجهين:
الأول: أن يقوموا البناء قيمة العدل، وشرطوا وقت القسمة أن من وقع البناء في نصيبه أعطى نصف ذلك لصاحبه، بأن قوموا البناء مثلاً مئة درهم، وشرطوا وقت القسمة أن من وقع البناء في نصيبه يعطي لصاحبه خمسين درهماً، وأنه جائز لأنهم قسموا الأرض بالسوية، وباع الذي لم يقع البناء في نصيبه نصيبه من البناء ببدل معلوم من صاحبه وكل ذلك جائز وتعين الكل قسمة.
أما على قول أبي حنيفة: لأن البيع مشروط في القسمة، فيكون تبعاً للقسمة فيكون له حكم القسمة بطريق التبعية، وصار كالبيع المشروط في النكاح له حكم النكاح عند أبي حنيفة ﵀ بطريق التبعية.
وأما على قولهما: فلأن هذا البيع من ضرورات هذه القسمة، فيكون له حكم القسمة بخلاف البيع المشروط في النكاح على قولهما، لأنه ليس من ضرورات النكاح أما هنا بخلافه.
стр. 3137
الوجه الثاني: إذا اقتسموا الأرض نصفين وشرطوا وقت القسمة أن من وقع البناء في نصيبه أعطي نصف قيمة البناء الآخر إلا أنه لم يعرف قيمة البناء وقت القسمة ولم يتبينوا ذلك، فهذه القسمة.
وهذا بخلاف ما لو باع داراً وأرضاً له وذكر الحقوق فإنه يدخل الطريق والشرب في البيع، وإن أمكن للمشتري فتح الطريق وتسييل الماء من موضع آخر من ملكه؛ لأن العمل باللفظين ممكن في البيع، لأن موجب البيع ملك اليمين، وبعدما دخل الحقوق ويبقى كذلك تمليكا للعين فلا ضرورة إلى إلغاء أحد اللفظين، أما عند عدم ذكر الحقوق في القسمة لم يوجد في القسمة ما يوجب دخول الحقوق.
أما إذا أمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه؛ فلأن في هذه الصورة لا يدخل الطريق وتسييل الماء مع ذكر الحقوق فبدون ذكر الحقوق أولى وأما إذا أمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه؛ فلأن الطريق وتسييل الماء لو دخلا في هذه القسمة دخلا بدلالة الحال؛ لأن الظاهر أنهما يباشران قسمة جائزة لا فاسدة، لا أن دلالة الحال إنما يعتبر إذا لم يوجد الصريح بخلافها وقد وجد الصريح هنا بخلافها، وهو التنصيص على لفظة القسمة، فإن القسمة للإفراز وخلوص الأنصباء.
وإذا اقتسم الرجلان داراً، فلما وقعت الحدود بينهما، فإذا أحدهما الطريق له، فإن كان يقدر على أن يفتح في حيزه طريقاً فالقسمة جائزة، وإن كان لا يقدر أن يفتح في حيزه طريق فالقسمة جائزة، وإن كان لا يقدر أن يفتح لنصيبه طريقاً، فإن لم يعلم وقت القسمة أن لا طريق له فالقسمة فاسدة؛ لأنها تضمنت تفويت منفعة على بعض الشركاء بغير رضاه.
وإن علم وقت القسمة أن الطريق له فالقسمة جائزة، وإن تضمنت تفويت منفعة على بعض الشركاء لرضاه بذلك، وكذلك لو اقتسما على أن الطريق لأحدهما جازت القسمة لما ذكرنا، وإن كان يقدر على أن يفتح في نصيبه طريقاً يمر فيه الرجل ولا يمر فيه الحمولة فالقسمة جائزة.
فالأصل في الطريق مرور الناس فيه، فأما مرور الحمولة فيه لا يكون إلا نادراً، وإن كان بحيث لا يمر فيه رجل فهذا ليس بطريق، ولا تجوز القسمة فيها من قطع منفعة الملك على أحدهما.
إذا كانت الدار بين رجلين، فاقتسما على أن يأخذ أحدهما الأرض كلها ويأخذ الآخر البناء، ولا شيء له من الأرض، فهذا على ثلاثة أوجه:
الأول: إذا شرطا في القسمة على المشروط له البناء قلع البناء وفي هذا الوجه القسمة جائزة؛ لأن القسمة في معنى البيع، ومن اشترى بناء بشرط القلع بأرض له كان جائزاً فكذا هاهنا، وصار المشروط البناء مشترياً نصيب صاحبه من النقص بما ترك على صاحبه من نصيبه من الأرض، وإن سكتا عن القلع ولم يشترطا ذلك جازت القسمة
стр. 3138
أيضاً؛ لأنه لما شرط لأحدهما البناء من غير الأرض، والإفراز للبناء إلا بالأرض، فكأنه شرط عليه القلع من حيث المعنى.
وإن شرطا ترك البناء فالقسمة فاسدة؛ لأن المشروط له البناء يصير مشترياً نصيب صاحبه من البناء، ومنفعة الأرض بقدر ما يكون عليه مراد البناء بنصيبه من الأرض، فما يقابل منفعة الأرض يكون إجارة.
وهذه إجارة فاسدة لجهالة المدة. فهذه قسمة شرط فيها إجارة فاسدة فتفسد كالبيع إذا شرط فيها إجارة، وإذا وقع الحائط أن يرفع الجذوع عن الحائط ليس له ذلك، إلا أن يكونا شرطا في القسمة رفع الجذوع سواء كان الجذوع لأحدهما على (٤أ٤) الخصوص قبل القسمة والحائط بينهما، أو كان السقف والجذوع مع الحائط مشتركاً بينهما ثم صار الحائط لأحدهما بالقسمة والسقف والجذوع للآخر.
ووجه ذلك: أن اشتراط الحائط لأحدهما بحكم القسمة إن كان يقتضي خلوص الحائط له عن شغل صاحبه، فاشتراط السقف للآخر يوجب أن يكون الحائط مشغولاً بحق صاحب السقف، ليسلم له ما شرط له من السقف، فأحد الاعتبارين إن كان يوجب رفع البناء فالاعتبار الآخر يمنع رفع البناء فلا يكون له الرفع بالشك، ثم جوز شرط رفع الجذوع في القسمة، وفيه نوع إشكال؛ لأن القسمة فيها معنى البيع.
ولهذا كل شرط يفسد البيع يفسد القسمة، ثم بيع الجذوع في السقف بشرط الرفع لا يجوز، فكذا القسمة بهذا الشرط ينبغي أن لا تجوز، وإذا كان أصل الشركة الميراث فجرى فيها الشراء بأن باع واحد منهم نصيبه يقسم القاضي إذا حضر البعض، وإذا كان أصلها الشراء فجرى فيها الميراث بأن مات واحد من المشترين، فالقاضي لا يقسم حتى يحضر سائر المشتريين لأن في الوجه الأول المشترى قام مقام البائع في الشركة الأولى وكان أصلها وراثة، وفي الوجه الثاني الوارث قام مقام المورث في الشركة الأولى، وكان أصلها شراء، فينظر في هذا إلى الأول.٥
في «فتاوى أبي الليث» : وفي هذا الموضع أيضاً: ضيعة بين خمسة من الورثة، واحد منهم صغير واثنان غائبان، واثنان حاضران، فاشترى رجل نصيب أحد الحاضرين، وطالب شريكه الحاضر بالقسمة عند القاضي وأخبراه بالقصة، فالقاضي يأمر شريكه بالقسمة ويجعل وكيلاً عن الغائب والصغير؛ لأن المشتري قام مقام البائع أن يطالب شريكه؛ لأن أصل الشركة كان ميراثاً، والعبرة في هذا الأصل على ما مر.
وفي «الرقيات» كتب ابن سماعه إلى محمد ﵏ في قوم ورثوا داراً وباع بعضهم نصيبه من أجنبي، وغاب الأجنبي المشترى، وطلبت الورثة القسمة وأقاموا البينة على الميراث، قال محمد ﵀: إذا حضر الوارثان قسمها القاضي حضر المشتري
стр. 3139
أو لم يحضر؛ لأن المشتري بمنزلة الوارث الذي باعه.
وفي «الأصل» : إذا كانت القرية وأرضها بين رجلين بالشراء فمات أحدهما وترك نصيبه ميراثاً، فأقام ورثته البينة على الميراث وعلى الأصل، وشريك أبيهم غائب لم يقسم القاضي حتى يحضر شريك أبيهم؛ لأن الوارث قائم مقام الميت، ولو كان الميت حياً وحضر يطلب القسمة، وشريكه غائب فالقاضي لا يقسم، ولو حضر شريك الأب وغاب بعض ورثة الميت قسمها القاضي بينهم؛ لأن حضور بعض الورثة كحضور الميت لو كان حياً، أو كحضور باقي الورثة.
وإن كان أصل الشركة بالميراث بأن كانا أخوين وورثا قرية من أبيهما، فقبل أن يقسما مات أحدهما وترك نصيبه ميراثاً لورثته، فحضر ورثة الميت الثاني وعمهم غائب، وأقاموا البينة على ميراثهم عن أبيهم وعلى ميراث أبيهم عن جدهم قسمها القاضي بينهم ويعزل نصيب عمهم، وكذلك لو حضر عمهم وغاب بعضهم قسمها القاضي بينهم؛ لأن الأصل ميراث، وفي الميراث غيبة بعض الشركاء لا يمنع القسمة.
في «المنتقى» عن أبي يوسف: إذا اشترى رجل من أحد الورثة بعض نصيبه، ثم حضر يعني الوارث البائع والمشتري وطلبا القسمة، فالقاضي لا يقسم بينهما حتى يحضر وارث آخر غير البائع؛ لأن المشتري بمنزلة الوارث الذي باعه.
ولو اشترى منه نصيبه ثم ورث البائع شيئاً بعد ذلك، أو اشترى لم يكن خصماً للمشتري في نصيبه الأول في الدار حتى يحضر وارث آخر غيره، ولو حضر المشتري من الوارث ووارث آخر وغاب الوارث البائع، وأقام المشتري بينة على شرائه وعلى الدار وعدد الورثة.
فإن هذا على وجهين: إن كانت الدار في يد الورثة ولم يقبض المشتري له، أقبل بينة المشتري على المشتري من الغائب، لأن الوارث الحاضر لا يجحد نصيب الغائب، ولو كان يجحده ويدعيه جعله خصماً، وقبلت بينة المشتري وقسمته.
وإن كان المشتري قبض وسكن الدار معهم ثم طلب القسمة هو ووارث آخر غير البائع، وأقام البينة على ما ذكرنا فالقاضي يقسم الدار، وكذلك إذا طلبت الورثة القسمة دون المشتري، فالقاضي يقسم الدار بينهم بطلبهم، وجعل نصيب الغائب في يد المشتري، ولا يقضي بالشراء، وإن لم يكن المشتري قبض الدار عزل نصيب الوارث الغائب، ولا يدفع إلى المشتري، وإن المشتري هو الذي طلب القسمة وأبى الورثة لم أقسم؛ لأني لا أعلم أنه مالك، ولا أقبل بينته على المشترى والبائع غائب.
وفيه أيضاً عن أبي يوسف: دار بين رجلين باع أحدهما نصيبه وهو مشاع من رجل، ثم إن المشتري أمر البائع أن يقسم صاحبه الدار ويقبض نصيبه، فقاسمه لم تجز القسمة؛ لأن البائع لا يكون قابض للمشتري من نفسه، ولو أخرت القسمة جعلت قابضاً للمشتري، وإذا كان بين رجلين دار ونصف دار اقتسما على أن يأخذ أحدهما الدار ويأخذ الآخر نصف الدار جاز، وإن كانت الدار أفضل قيمة من نصف الدار؛ لأن البيع على هذا الوجه
стр. 3140
جائز، وكذلك لو كانت سهاماً مسماة من هذه الدار، وسهاماً مسماة من تلك الدار، فاقتسما على أن لهذا ما في هذه الدار من السهام، ولهذا الآخر ما في هذه الدار الأخرى من السهام جاز؛ لأن البيع على هذا الوجه جائز.
ولو كانت مئة ذراع، وهذه الدار ومئة ذراع أو أكثر من الدار الأخرى فاقتسما على أن لهذا ما في هذه الدار من الذرعان، ولهذا ما في هذه الدار الأخرى لا يجوز عند أبي حنيفة؛ لأن البيع على هذا الوجه لا يجوز عند أبي حنيفة، عرف في كتاب البيوع أن بيع مئة ذراع من الدار لا يجوز، فكذا لا تجوز القسمة على هذا؛ لأنها في معنى البيع.
وإذا كانت الدار بين رجلين ميراثاً أو شراء فاقتسما على أن أحد كل واحد منهما طائفة على أن زاد أحدهما للآخر دارهم مسماة فهو جائز.
واعلم بأن ما يصلح ثمناً في باب البيع يصلح زيادة في القسمة، فالدارهم والدنانير تصلح عوض في باب البيع، حالّة كانت أو مؤجلة فتصلح زيادة في القسمة، والمكيل والموزون يصلح ثمناً في باب البيع، إن كان ثمناً وكان موصوفاً سواء كان حالاً أو مؤجلاً فتصلح زيادة في القسمة تكون على هذا الوجه.
وإن كان عيناً ولم يشترط فيه الأجل يصلح ثمناً في باب البيع، وإن شرط فيه الأجل لا يصلح ثمناً في باب البيع، فالزيادة في القسمة تكون على هذا الوجه أيضاً، وبيان مكان الإيفاء شرط عند أبي حنيفة إذا كانت الزيادة شيئاً لها حمل ومؤنة عند أبي حنيفة، وعندهما بيان مكان الإيفاء ليس بشرط ويسلم عند الدار.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : عقيب هذه المسائل: وهذا والسلم في القياس سواء لكني استحسن في هذا، قال بعض مشايخنا ﵏: القياس والاستحسان ينصرف إلى فصل الأجل.
يعني القياس: أن لا يجوز شرط المكيل والموزون زيادة في القسمة بغير أجل كما في السلم إلا أنه في الاستحسان يجوز، وهذا هو القياس والاستحسان الذي ذكرنا في كتاب البيوع، إذا اشترى شيئاً بمكيل أو موزون في الذمة حالاً فالقياس أن لا يجوز كما لو اشتراه بالثياب، وفي الاستحسان يجوز كما لو اشترى بالدراهم.
قال جماعة منهم: القياس والاستحسان على قول أبي حنيفة خاصة، يعني: القياس أن لا تجوز القسمة متى ترك بيان مكان الإيفاء فيما له حمل ومؤنة على قول أبي حنيفة ﵀ القياس أن لا يجوز، وفي الاستحسان يجوز.
ووجه ذلك: أن مكان الإيفاء في القسمة مشروط دلالة، وهو عند الدار مقتضى وجوب القسمة؛ لأن موجب القسمة المعادلة بين الأنصباء ما أمكن، وقد وجب تسليم النصيبين في الدار فيجب تسليم البدل في الدار أيضاً، بخلاف فعل السلم والإجارة؛ لأن موضع العقد لم يتعين مكاناً للإيفاء ثمة لإيفاء، ولا مقتضى يوجب عقد السلم؛ إذ ليس بشيء (٤ب٤) عقد السلم على المعلق له ألا ترى أن أحد البدلين في السلم يسلم حالاً والآخر يسلم في الثاني.
стр. 3141
وقال بعضهم: القياس والاستحسان على قولهما خاصة، القياس أن يجب تسليم ما شرط في موضع عقد القسمة كما في البيع والسلم، وفي الاستحسان يجب التسليم عند الدار.
ووجه ذلك: أن في السلم إنما وجب تسليم المسلم إليه في مكان العقد؛ لأن البدل الآخر وهو رأس المال وجب تسليمه في مكان العقد، فيجب تسليم هذا البدل في مكان العقد أيضاً، وها هنا تسليم أحد البدلين وجب في الدار، فكذا تسليم البدل الآخر فصارت الدار في مسألتنا كمكان العقد في مسألة السلم.
إذا كانت الدار بين رجلين اقتسماها فأخذ أحدهما قدر النصف، وأخذ الآخر قدر الثلث، ورفع طريقاً بينهما قدر السدس فذلك جائز؛ لأنهما قسما بعض الدار وبقيت شركتهما في البعض، ولو اقتسما الكل يجوز، ولو بقيا الكل على الشركة يجوز، فإذا قسما البعض وبقيا الشركة في البعض يجوز أيضاً، وكذلك إذا شرطا أن يكون الطريق لصاحب الأقل، وللآخر فيه حق المرور فهو جائز.
قال شيخ الإسلام: هذه المسألة دليل على جواز بيع حق المرور، والحاصل أن في جواز بيع حق المرور روايتان، واتفقت الروايات أن بيع الترب وبيع حق السبيل وبيع قرار العلو على السفل على الانفراد لا يجوز.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح هذا الكتاب من العلة ما يدل على جواز هذه القسمة على الروايات كلها، وإن كان في جواز بيع حق المرور روايتان كان بأن عين الطريق كان مملوكاً لهما، وكان لهما حق المرور، وقد جعل أحدهما نصيبه من رقبة الطريق ملكاً لصاحبه عوضاً عن بعض ما أخذ من نصيب صاحبه، وبقي لنفسه حق المرور هذا جائز بالشرط، كمن باع طريقاً مملوكاً من غيره على أن يكون له فيه حق المرور، وكمن باع السفل على أن له حق قرار العلو فإنه يجوز كذا ها هنا.
وإذا كانت الدار بين رجلين وبينهما شقص من دار أخرى اقتسماها على أن أخذ أحدهما الدار والآخر الشقص، فإن علما أن سهام الشقص كم هو فالقسمة جائزة، وإن لم يعلما فالقسمة مردودة، ولو علم أحدهما ولم يعلم الآخر فالقسمة مردودة.
وهكذا ذكر المسألة في «الأصل» : في هذا الكتاب ولم يفصل الجواب منها على التفصيل إن علم المشروط له الشقص جازت القسمة بلا خلاف، وإن جهل الشارط ذلك، وإن جهل المشروط له وعلم الشارط كانت المسألة على الخلاف.
على قول أبي حنيفة ومحمد تكون القسمة مردودة، وعلى قول أبي يوسف تكون جائزة وهذا القائل يقيس مسألة القسمة على مسألة البيع المذكور في كتاب الشفعة.
صورته: إذا باع الرجل نصيبه من دار من رجل، وقد علم أحدهما بمقدار النصيب ولم يعلم الآخر، إن علم المشتري ولم يعلم البائع جاز البيع بلا خلاف، وإن علم البائع
стр. 3142
ولم يعلم المشتري فالمسألة على الخلاف، فكان تأويل المذكور في كتاب القسمة: إذا جهل أحدهما؛ إذا جهل المشروط له، وقوله: القسمة مردودة، يعني: في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. ومنهم من قال: لا بل الجواب في مسألة القسمة على ما أطلق، والقسمة مردودة في قولهم جميعاً، واختلفوا فيما بينهم.
قال بعضهم: إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، موضوع مسألة الشفعة أنه أضاف البيع إلى نصيبه، فيدخل تحت البيع جميع نصيبه بحكم الإضافة فلا يبقى للبائع حق المنازعة بعد ذلك بأن يقول: عينت نصيبي نصيب كذا دون كذا، وموضوع مسألة كتاب القسمة أنهما ذكرا الشقص مطلقاً غير مضاف إليهما، وعند ذكر الشقص مطلقاً إنهما ما جهل يقع بينهما منازعة في مقدار الشقص، الشارط يقول: عينت بالشقص بعض نصيبي، والمشروط له يقول: عنيت جميع نصيبك؛ لأن اسم الشقص كما ينطلق على الكثير ينطلق على القليل، فيقع بينهما منازعة مانعة من التسليم والتسلم.
ووزان مسألة البيع في مسألة القسمة ما إذا قال البائع بعت نصيباً من الدار ولم يقل بعت نصيبي وهناك لا يجوز البيع إذا جهل أحدهما النصيب، ووزان مسألة القسمة من مسألة البيع ما إذا قالا: الشقص الذي لنا في الدار الأقوى، وهناك كان الجواب في القسمة كالجواب في البيع.
وإلى هذا مال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، وشمس الأئمة السرخسي ﵀، ومن المشايخ من فرق بين القسمة والبيع.
والفرق: أن مبنى القسمة على المعادلة في المنفعة والمالية، ولا يصير ذلك معلوماً لكل واحد منهما إلا إذا كان الشقص معلوماً لكل واحد منهما، فأما البيع عند المعاينة يقصد به الاسترباح والمشتري هو الذي يقبض المبيع، فيشترط أن يكون مقداره معلوماً له، فأما حق البائع في الثمن وهو معلوم فيتحقق هذا المعنى.
نظير الفرق: إذا اقتسم الشركاء فيما بينهم، وفيهم شريك غائب أو صغير ليس له وصي لا تصح القسمة، وإن فعلوا ذلك بأمر القاضي صحت القسمة لأن فعلهم بأمر القاضي كفعل القاضي بنفسه ولو قسم القاضي بنفسه وفيهم غائب أو صغير تصح القسمة؛ وينتصب الحاضر خصماً عن القاضي، كذا إذا فعلوا بأمر القاضي، وإن قدم الغائب وأجاز قسمتهم جاز، وكذلك إذا بلغ الصغير وأجاز قسمتهم، لأن هذا تصرف عقد وله مجبر حال وقوعه، فإن الغائب يجبر، وكذلك ابن الصغير أو وصيه بجبر وكل تصرف وله مجبر حال وقوعه يتوقف.
فإن قيل: في هذا توقيف الشراء، ومن مذهبنا أن الشراء لا يتوقف.
قلنا: الشراء إنما لا يتوقف إذا كان شراء محضاً بأن اشترى شيئاً لغيره بدارهم بغير أمره، فأما إذا كان شراء فيه بيع فإنه يقف، كما لو اشترى جارية لنفسه بعبد للصغير، فإن شراء الجارية يقف لأنه بيع في حق العبد، إذا ثبت هذا فنقول: هذه القسمة شراء فيها معنى البيع فجاز أن يقف، فإن مات الغائب أو الصبي فأجاز وارثه عمل بإجازة الوارث
стр. 3143
عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد تبطل القسمة.
فوجه قول محمد: أن موت من له الإجازة قبل الأداء تبطل العقد كالبيع المحض.
وجه قولنا: أنا لو أبطلنا القسمة بموت من له الإجازة احتجنا إلى إعادة مثلها ثانياً عند طلب بعض الشركاء، فلا يفيد الإبطال بخلاف البيع المحض؛ لأنا لو أبطلنا البيع بموت من له الإجازة لا نحتاج إلى إعادة مثله ثانياً، فكان في الإبطال فائدة، ثم إنما تعمل الإجازة من الغائب أو من وارث أو من الوصي أو من الصبي بعد البلوغ إذا كان ما وقع عليه القسمة قائماً وقت الإجازة، فأما إذا هلك فلا كالبيع المحض الموقوف على الإجازة إنما تعمل فيه الإجازة إذا كان المبيع قائماً وقت الإجازة، وكما تثبت الإجارة صريحاً بالقول تثبت الإجازة دلالة بالفعل كما في بيع المحض.
الفصل الرابع: فيما يدخل تحت القسمة من غير ذكر وما لا يدخل
وتدخل الشجرة في قسمة الأراضي، وإن لم يذكروا الحقوق والمرافق كما تدخل في بيع الأراضي، لا يدخل الزرع والثمار في قسمة الأراضي، وإن ذكروا الحقوق لأن الثمار والزرع ليست من حقوق الأرض فحقوق الأرض ما لا ينتفع بها بدون الأرض، فيكون من توابع الأرض، والزرع والثمار مما ينتفع بها دون الأرض فلا تكون من حقوق الأرض.
ولهذا لا يدخل في المبيع المحض بذكر الحقوق، وكذلك إن ذكر المرافق مكان الحقوق لا تدخل الثمار والزرع في ظاهر الرواية؛ لأن في العرف يروا المرافق الحقوق، فصار ذكر الحقوق سواء، ولو ذكروا في القسمة بكل قليل أو كثير فيها ومنها، إن قال بعد ذلك: من حقوقها لا تدخل الثمار والزرع، وإن لم يقل من حقوقها يدخل.
والأمتعة الموضوعة فيها لا تدخل على كل حال لأن الأمتعة إن كانت فيها فليست منها بوجه، ما وهو إنما شرط لصاحبه كل قليل وكثير هو فيها ومنها، فما يكون فيها ولا يكون منها لا يكون له بخلاف الزرع؛ لأن الزرع فيها من كل وجه ومنها من وجه، لأن الزرع متصل بالأرض إتصال تركيب بهذا الطريق دخل الزرع في بيع الأرض بذكر كل قليل وكثير فيها ومنها، وأما الشرب (٥أ٤) والطريق هل يدخلان من غير ذكر الحقوق في القسمة؟.
ذكر الحاكم الشهيد في «المختصر» : أنهما يدخلان، وهكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» : في موضع آخر من هذا الكتاب، فإنه قال: إذا كانت الأرض بين قوم ميراثاً اقتسموها بغير قضاء، فأصاب كل إنسان منهم فراح على حده، فله شربه وطريقه ومسيل مائه وكل حق لها.
والصحيح: أنهما لا يدخلان، ألا ترى أنهما لا يدخلان في البيع من غير ذكر
стр. 3144
الحقوق فكذا في القسمة؛ لأنها بمعنى البيع إلا أن فرق ما بين البيع والقسمة أن البيع جائز على كل حال، والقسمة جائزة إن أمكنه أن يجعل لأرضه شرباً وطريقاً من موضع آخر، وإن لم يمكنه إن علم وقت القسمة أن لا طريق ولا شرب له، فكذا القسمة جائزة، وإن لم يعلم فالقسمة باطلة؛ لأن البيع وضع لتمليك ما عقد عليه البيع، وقد حصل هذا المعنى على كل حال.
فأما القسمة فكما أن فيها معنى التملك، ففيها معنى الإقرار لما كان لهم من المنفعة والمالية قبل القسمة، وإنما يتحقق الإقرار إذا لم يتضمن لفوات منفعة على بعض الشركاء منفعة كانت لهم قبل القسمة، فبدون ذلك لا تكون قسمة على الحقيقة، فيتوقف على رضاهم إذا ذكر الحقوق والمرافق في القسمة، فلما استحق المشروط له الحقوق الطريق فيما أصاب صاحبه بالقسمة إذا لم يمكنه إيجاد طريق آخر، أما إذا أمكنه فلا، وقد ذكرنا جنس هذا فيما تقدم.
ولو كان الطريق في أرض غيرهما استحق كل واحد منهما الطريق بذكر الحقوق أمكنه إيجاد طريق آخر، أو لم يمكن وإن لم يذكر الحقوق والمرافق في القسمة، وإنما ذكر كل قليل أو كثير هو فيها ومنها، قيل: يدخل الطريق والشرب.
ذكر شيخ الإسلام: أن في المسألة روايتين، في رواية لا يدخل لأن هذه الحقوق في البيع ولا منها، وفي رواية هذا الكتاب يدخل بحكم العرف، فإنه كما يراد بهذه الكلمة إدخال أما فيها ومنها يراد بها إدخال هذه الحقوق.
وإذا اقتسم نفر أرضاً على أن لفلان هذه القطعة وهذه النخلة، والنخلة في غير هذه القطعة، وعلى أن لفلان الآخر هذه القطعة الأخرى، ولم يقولوا لكل حق هو لها، وعلى أن للثالث التي فيها تلك النخلة، فالذي شرط له النخلة يستحق النخلة بأصلها من الأرض حتى لم يكن للذي شرط له القطعة التي فيها النخلة أن يقطع النخلة، فالنخلة تستحق بأصلها في القسمة.
وكذلك في الإقرار، إذا أقر لرجل بنخلة فإنه يستحق بأصلها، وإذا باع النخلة أو باع الشجرة مطلقاً، ذكر شيخ الإسلام أن في المسألة روايتين، وذكر شمس الأئمة السرخسي ذكر في «النوادر» : أن في البيع اختلافاً بين أبي يوسف ومحمد، على قول أبي يوسف يستحق النخلة بأصلها، وعلى قول محمد لا يستحق، فمحمد يحتاج إلى الفرق بين البيع وبين القسمة والإقرار.
والفرق: أن في القسمة بعض ما يصيب كل واحد منهما باعتبار أصل ملكه، وأصل ملكه فيها نخلة، وإنما يكون نخله قبل القطع فمن ضرورة استحقاق بعض النخلة بأصلها استحقاق جميع النخلة بأصلها وكذلك في الإقرار؛ لأن الإقرار اختيار تملك النخلة له، فأما البيع إيجاب مبتدأ فلا يستحق به إلا المسمى فيه، والنخلة اسم لما ارتفع من الأرض لا الأرض، فلا يجوز أن يثبت الملك ابتداء في شيء من الأرض بتسمية النخلة في البيع ما لم يسم النخلة بأصلها.
стр. 3145
والحائط يستحق بأصله في الإقرار والقسمة والبيع باتفاق الروايات، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرحه» ، وذكر الخصاف في كتاب الشروط أن الحائط والنخلة والشجرة سواء.
ثم ذكر محمد في «الكتاب» : أن الشجرة تستحق بأصلها في القسمة، ولم يذكر مقدار ذلك.
بعض مشايخنا قالوا: يدخل في القسمة من الأرض ما كان بإزاء العروق يوم القسمة عروقاً لو قطعت تثبت الشجرة، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وبعضهم قالوا: يدخل في الأرض بمقدار غلظ الشجرة يوم القسمة، وإليه مال في «الكتاب» فإنه قال: إذا زادت النخلة غلظة كان لصاحب الأرض أن يبحث ما ازداد، فدل أنه قدر ما تحته من الأرض بمقدار غلظ الشجرة وقت القسمة.
فإن قطع النخلة أو الشجرة فله أن يغرس مكانها ما بدا له لأن صاحبها ملك من الأرض بقدر الغلظ الذي كان وقت القسمة، فكان له أن يتصرف فيها ما شاء، فإن أراد أن يمر إليها فمنعه صاحب الأرض عنه، إن ذكروا في القسمة بكل حق هو لها فليس لصاحب الأرض أن يمنعه وله الطريق إلى كله، وإن لم يذكروا ذلك، إن علم وقت القسمة أن لا طريق له فالقسمة جائزة، وإلا فالقسمة مردودة.
وإذا كانت قرية وأرض ورحى ما بين قوم بالميراث، فاقتسموها فأصاب رجلاً الرحى ونهرها وأصاب آخر التنور وأرضاً مسماة، وأصاب آخر أيضاً أرضاً مسماة فاقتسموها بكل حق لها، فأراد صاحب النهر أن يمر إلى نهره في أرض أصاب صاحبه بالقسمة فمنعه صاحبه، فليس له منعه إذا كان النهر في وسط أرض هذا ولا يصل إليه إلا بأرضه، لأن ذكر الحقوق والحالة هذه لاشتراط هذا الطريق، والطريق يستحق بالشرط.
وإن كان يصل إلى النهر بدون أرضه بأن كان النهر متفرجاً مع حد الأرض، لم يكن له أن يمر في أرض هذا، وإن كان الطريق إلى النهر في أرض الغير لا في نصيب صاحبه يدخل في القسمة بذكر الحقوق أمكنه الوصول إلى النهر بدون ذلك الأرض، أو لم يمكنه، وقد مر جنس هذا.
وإن لم يشترطوا في القسمة الحقوق والمرافق وما أشبهها، وكان الطريق في أرض الغير، فإن لم يمكن فتح الطريق في نصيبه فالقسمة فاسدة، إلا إذا علم بذلك وقت القسمة وإن أمكنه فتح الطريق في نصيبه فالقسمة جائزة، وكذلك إذا أمكنه المرور في بطن النهر بأن نضب الماء من موضع منه، وكان يمكن المرور في ذلك، فهو قادر على أن يمر في نصيبه فتكون القسمة جائزة، وإن لم يكن من النهر شيء مكشوف فالقسمة فاسدة؛ لأن المرور متعذر إن كان الماء كثيراً ومتعسر إن كان قليلاً فلا يلتفت إليه، والتحق هذا بما إذا لم يمكنه فتح الطريق في نصيبه.
لا يدخل العلو والكنيف والشارع في قسمة الدار، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق، والظلة لا تدخل بدون ذكر الحقوق والمرافق عند أبي حنيفة، وعندهما تدخل إذا كان
стр. 3146
مفتحها من الدار، والجواب في القسمة نظير الجواب في البيع.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: دار بين قوم اقتسموا، فوقع في نصيب أحدهم بيت فيه حمامات، فإن لم يذكروا الحمامات في القسمة فهي بينهم كما كانت، وإن ذكروها فإن كانت لا توجد إلا لصيد فالقسمة فاسدة لما ذكرنا أن القسمة في معنى البيع، وبيع الحمامات إذا كانت لا توجد إلا لصيد فاسد فكذا القسمة، وإن كانت الحمامات توجد بغير صيد فالقسمة جائزة، لأن بيع الحمامات إذا كانت توجد بغير صيد جائزة، وهذا كله إذا اقتسموها بالليل حتى إذا اجتمعت كلها في البيت، فأما إذا اقتسموها بالنهار بعد ما خرجن من البيت فالقسمة فاسدة كالبيع.
في «مجموع النوازل» : شريكان اقتسما كرماً نصفين، وفيه أعناب وثمار، فإن قالا: على أن هذا النصف لفلان بكل قليله وكثيره، أو قالا: بما فيه الأعناب والثمار تصير الأعناب والثمار مقسومة، وإن لم يقولا ذلك تبقى مشتركة؛ لأن قسمة العقار بيع، وبيع الكرم لا يكون بيعاً للأعناب والثمار إلا بالتنصيص أو بذكر القليل والكثير.
في «فتاوى أبي الليث» : كرم بين اثنين اقتسماه فوقع النصف الأعلى في نصيب أحدهما مع الطريق القديم، ووقع النصف الأسفل في نصيب الآخر مع طريق رفعوه للنصف الأسفل، وفي الطريق الذي رفعوه للنصف الأسفل أشجار، قال الفقيه أبو القاسم: لمن جعل له الطريق، وقال الفقيه أبو الليث ﵀: إن جعل ملك الطريق له فالأشجار له: لأنها بمنزلة بيع الأرض، والشجرة تدخل في بيع الأرض تبعاً، وإن جعلا حق المرور له لا ملك الطريق، فالأشجار مشتركة بينهما كما كانت. فيه أيضاً، لو كان بين شريكين دار فرفعا باباً منها ووضعاه فيها، ثم قسما الدار، فالباب الموضوع لا يدخل في القسمة إلا بالذكر كما في البيع والله أعلم.
الفصل الخامس: في الرجوع عن القسمة (٦ب/٤) واستعمال القرعة فيها
إذا كان الغنم أو ما أشبهه بين رجلين فأرادا قسمتها، وقسماها نصفين ولم يقصرا عن طلب المعادلة، ثم بدا لأحدهما الرجوع، فإن بدا له قبل تمام القسمة بأن كان ذلك قبل خروج القرعة فله الرجوع؛ لأن المقصود من القسمة وهو تعيين الأنصباء لم يحصل قبل الإقراع، فحال ما قبل الإقراع في القسمة والمقصود لم يحصل، كحال المساومة في باب البيع، وإن بدا له بعد تمام القسمة، بأن بدا له بعد ما خرج قرعتهما، أو بعد ما خرج قرعة أحدهما وتعين نصيب كل واحد منهما ليس له الرجوع؛ لأن القسمة في معنى البيع، والرجوع عن البيع بعد تمامه لا يعمل، فكذا الرجوع عن القسمة.
وإن كان الشركاء ثلاثة، فخرج قرعة أحدهم فلكل واحد منهم الرجوع؛ لأن القسمة لم تتم في كل واحد منهما، وأما في حق من خرج قرعته وإن تعين نصيبه؛ لأن ما يترك
стр. 3147
على صاحبيه من نصيبه لم يتعين بعد فكأنه وجد إحدى شطري القسمة، وإن خرج قرعة اثنين منهم، ثم أراد أحدهم أن يرجع ليس له ذلك؛ لأنه تعين نصيب كل واحد منهم وتمت القسمة في حقهم؛ لأن بخروج السهمين يتعين السهم الثالث.
ولو كان الشركاء أربعة ما لم تخرج قرعة ثلاث منهم كان لكل واحد منهم الرجوع، وهو بناء على ما قلنا.
وفي «نوادر ابن رستم» : لو كانت القسمة من القاضي أو من قسامه، فليس لأحد الشركاء الرجوع وإن لم تخرج السهام أصلاً؛ لأن القاضي يجبرهم على ذلك فلا يلتفت إلى رجوع واحد منهم لا بعد خروج القرعة ولا قبل خروجها.
وإذا كان غنم بين قوم تشاحوا عليها قبل أن يقسموها، فأيهم خرج سهمه أولاً عدوا له، كذا الأول فالأول فهذا لا يجوز؛ لأن ذلك مجهول؛ لأنه لا يدري ما نصيب كل واحد منهم بعد الإقراع، فإنه لا يدري أي عشرة تعد له الجيد أو الوسط أو الرديء، فهذه حياله مفضية إلى المنازعة، فيفيد القسمة كما يفيد البيع.
وإن كان في الميراث إبل وبقر وغنم، فجعلوا الإبل قسماً والبقر قسماً والغنم قسماً ثم تشاحوا عليها وأقرعوا، فهذا جائز لأن ما يصيب كل واحد منهم بعد القرعة معلوم بخلاف الفصل الأول، فإن ما يصيب كل واحد بعد القرعة ثمة ليس بمعلوم.
وإذا كانت الدار بين رجلين فاقتسما على أن أخذ أحدهما الثلث من مؤخرها بجميع حقه، وأخذ الآخر الثلثين من مقدمها بجميع حقه فلكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك ما لم تقع الحدود بينهما، ولا يعتبر رضاهما بما قالا قبل وقع الحدود؛ وهذا لأن الرضا بالقسمة إنما يعتبر وقت وجود القسمة وتمامها، كالرضا بالبيع يعتبر وقت وجود البيع وتمامه، وتمام القسمة بوقع الحدود والتعيين، إما بالنص أو بالإقراع؛ لأن الإقرار به يتحقق.
ذكر في «الأجناس» : القرعة ثلاث: الأولى لإثبات حق وإبطال حق آخر وإنها باطلة، كمن أعتق أحد عبديه بغير عينه، ثم تعين بالقرعة، والأخرى لطيبة النفس، وإنها جائزة كما يقرع بين النساء ليسافر بها، والثالث لإثبات حق واحد وفي مقابلة مسألة ليقر بها كل حق كالقسمة وهو جائز والله أعلم.
الفصل السادس: في الخيار في القسمة
الخيار نوعان: نوع يثبت بالشرط، ونوع يثبت بدون الشرط، والذي يثبت بدون الشرط نوعان: خيار الرؤية وخيار العيب، والقسمة نوعان: قسمة يوجبها الحكم، نعني بها: قسمة يجبر الآبي عليها، وقسمة لا يوجبها الحكم نعني: قسمة لا يجبر الآبي عليها.
وقد أورد محمد ﵀ في «الأصل» لكل خيار باباً وبدأ بخيار الرؤية، فنحن
стр. 3148
نبدأ به أيضاً، فنقول: خيار الرؤية يثبت في القسمة التي لا يوجبها الحكم؛ لأن إثباته مفيد، وهل يثبت في القسمة التي يوجبها الحكم؟ ينظر إن وقعت هذه القسمة في ذوات الأمثال من المكيل أو الموزون أو العدديات المتقاربة من جنس واحد لا يثبت؛ لأن إثباته غير مفيد؛ لأنا متى أثبتناه ونقضنا القسمة به يجب إعادتها كما وقعت أول مرة، فلا يفيد الاشتغال به بخلاف القسمة التي لا يوجبها الحكم، لأنا لو نقضناها بخيار الرؤية لا يجب إعادة مثلها ثانياً، فكان الإثبات مفيداً.
وإن وقعت هذه القسمة في غير ذوات الأمثال كالغنم والبقر والإبل والثياب الهروية أو المروية ففيه روايتان، ذكر في رواية أبي سليمان أنه يثبت، وذكر في رواية أبي حفص أنه لا يثبت، والصحيح ما ذكر في رواية أبي سليمان.
ووجه ذلك: أن إثبات الخيار في هذه القسمة مفيد؛ لأن المعادلة في غير المكيل والموزون تعتبر من حيث القيمة، والقيمة تعرف بالحزر والظن فيتوهم جريان الغلط فيها فمتى نقضنا هذه القسمة بخيار الرؤية ربما تعاد على وجه يكون أعدل من الأول، فكان النقض مفيداً بخلاف المكيل والموزون؛ لأن المعادلة فيها تعتبر من حيث الإجراء لا من حيث القيمة، فمتى نقضناها احتجنا إلى إعادة مثلها، ثم ذكر محمد ﵀ في «الكتاب» : الحنطة والشعير وكل ما يكال وكل ما يوزن، وأثبت في قسمتها خيار الرؤية.
قال مشايخنا ﵏: أراد بما قال الحنطة والشعير جميعاً والمكيل والموزون جميعاً، لا أحدهما على الانفراد حتى يكون المقسوم أجناساً، فتكون قسماً لا يوجبها الحكم بتراضيهما، فيثبت فيها خيار الرؤية.
وإن أراد بذلك الحنطة على الانفراد أو الشعير على الانفراد، فهو محمول على ما إذا كان صفتهما مختلفة، بأن كان البعض علكة والبعض رخواً، والبعض حمراء والبعض بيضاء، واقتسما كذلك حتى تكون القسمة واقعة على وجه لا يوجبها الحكم.
أو كانت صفتها واحدة، إلا أنه أصاب أحدهما من أعلى الصبرة، وأصاب الآخر من أسفله، وهكذا الجواب في الذهب التبر والفضة التبر، وكذلك أواني الذهب والفضة والجواهر واللآليء، وكذلك العروض كلها، وكذلك السلاح والسيوف والسروج.
وإذا كانت ألفا درهم بين رجلين، كل ألف في كيس فاقتسما على أن لأحدهما كيساً وللآخر كيساً، وقد رأى أحدهما المال كله، ولم يره الآخر فإنه لا يثبت خيار الرؤية؛ لأنها قسمة وقعت على يوجبها الحكم؛ وهذا لأن الدراهم والدنانير، أثمان من كل وجه، ولا مقصود في عينها إنما المقصود الثمنية وبمعرفة المقدار يصير المقصود معلوماً على وجه لا تفاوت قسم الرضا به قبل الرؤية، بخلاف سائر وجه الأعيان، قال: إلا أن يكون قسم الذي لم ير المال سهماً، فيكون له الخيار إن شاء رد القسمة وإن شاء أمضاها.
واختلف المشايخ في تعليله، قال بعضهم: لأنه إذا كان قسمه سهماً بأن كان زيوفاً كان ذلك عيباً، فيرد بخيار العيب لا بخيار الرؤية، وخيار العيب يثبت في القسمات كلها.
وبعضهم قالوا: لأنه إنما رضي بقسمته على أن يكون في الصفة بمثل ما أخذ
стр. 3149
صاحبه، فإذا كان دون ذلك لا يتم به الرضا فيتخير في ذلك، كما لو رأى عند الشراء جزءاًمن المكيل أو الموزون، ثم كان ما بقى وإنما رأى، فإنه يثبت له الخيار، وهذا إشارة إلى أن الرد بخيار الرؤية.
وإذا اقتسم الرجلان بستاناً وكرماً فأصاب أحدهما البستان وأصاب الآخر الكرم ولم ير واحد منهما الذي أصابه ولا رأى جوفه ولا نخله، وإنما رأى الحائط من ظاهره سقط خيار الرؤية، ورؤية الظاهر كرؤية الباطن.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» : وبهذه المسألة يتبين ضعف قول من يقول في مسألة الدار: إذا رأى المشترى ظاهر الدار ولم ير داخلها أن جواب محمد: أنه لا خيار للمشتري محمول على دور الكوفه؛ لأنهما لا تتفاوت في السعة والضيق.
ألا ترى أن محمداً ﵀ في مسألة البستان والكرم اكتفى برؤية الظاهر، مع أن البستان المقصود والكرم المقصود يتفاوت بتفاوت الأشجار والنخيل، ولم يشترط رؤية شيء من ذلك، فعلم أن المعنى في تلك المسألة أن ما يتعذر الاستقصاء برؤية كل جزء منه تقام رؤية جزء منه مقام رؤية الجميع في إسقاط الخيار، وبعض مشايخنا قالوا: تأويل قوله: ولا رأى شجره ولا نخلة، كل الشجر وكل النخيل.
إنما رأى رؤوس الأشجار ورؤوس النخيل، أما لو لم ير رؤوس الأشجار أيضاً لا يسقط (٧أ٤) خيار الرؤية، وهذا القائل هذا يقول في بيع المحض، ثم إذا ثبت خيار الرؤية في القسمة في أي موضع ثبت يبطل بما يبطل به هذا الخيار في البيع المحض؛ لأن القسمة في معنى البيع، وقد عرف تفاصيل ذلك في كتاب البيوع.
جئنا إلى خيار العيب، فنقول: خيار العيب يثبت في نوعي القسمة جميعاً، لأن إثبات خيار العيب مقيد في النوعين جميعاً، فإن القسمة متى نقضت بسبب العيب لا يحتاج إلى إعادة مثلها على حسب ما وقعت أول مرة، بل تعاد على وجه يزول الضرر عمن وقع العيب في قسمه.
ومن وجد من الشراء عيباً في شيء من قسمه، فإن كان قبل القبض رد جميع نصيبه سواء كان المقسوم شيئاً واحداً، أو أشياء مختلفة كما في البيع، وإن كان بعد القبض، فإن كان المقسوم شيئاً واحداً حقيقة وحكماً كالدار الواحدة، أو حكماً لا حقيقة كالمكيل والموزون، يرد جميع نصيبه، وليس له أن يرد البعض دون البعض، كما في البيع المحض، وإن كان المقسوم أشياء مختلفة حقيقة وحكماً كالأغنام يرد المعيب خاصة كما في البيع المحض، وما يبطل خيار العيب في البيع المحض كذا يبطل به في القسمة؛ لأن في القسمة معنى البيع على ما مر.
وإذا استخدم الجارية بعد ما وجد بها عيباً ردها استحساناً، وإذا دام على سكنى الدار بعد ما علم بالعيب بالدار ردها بالعيب استحساناً أيضاً، وإذا دام على ركوب الدابة، أو دام على لبس الثوب بعد ما علم بالعيب لا يردهما بالعيب استحساناً وقياساً،
стр. 3150
وللاستحسان في مسألة السكنى طريقان.
أحدهما: أن الدوام على السكنى بعد ما علم بالعلم محتمل بين أن يكون لاختيار الملك فيسقط خياره، وبين أن يكون لعجزه عن الانتقال لأن الانتقال من دار إلى دار لا يمكن إلا بكلفة ومؤنة وربما لا يتهيأ له ذلك فلا يكون اختياراً للملك مع الشك فلا يسقط خياره بخلاف الدوام على الركوب واللبس؛ لأنه اختيار الملك؛ لأنه لا عجز عن النزع والنزول، فكان لاختيار الملك فعلى قول هذه الطريقة، يقول: إذا أنشأ السكنى بعدما علم بالعيب يسقط خياره؛ لأن إنشاء السكنى لا يكون إلا لاختيار الملك؛ لأنه لا يحتمل العجز عن الانتقال، ومحمد ﵀ لم يذكر فصل إنشاء السكنى في بعض روايات كتاب القسمة، إنما ذكر فصل الدوام.
الطريق الثاني: أن الدوام على السكنى محتمل بين أن يكون بالملك الحادث المستفاد بالقسمة من جهة صاحبه، فيدل على اختيار الملك، وبين أن يكون بملكه القديم؛ لأن كل واحد منهما يملك ذلك بملكه القديم من غير رضا شريكه؛ لأن الناس لا يتفاوتون فيه وعلى هذا الاعتبار لا يكون اختياراً للملك فلا يثبت أنه الاختيار بالشك، بخلاف الدوام على اللبس والركوب؛ لأنه لا يحتمل أن يكون بالملك القديم؛ لأن أحد الشريكين لا يملك ذلك من غير رضا شريكه لما أن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس فتعين أن يكون بالملك الحادث، فعلى قول هذه الطريقة نقول: إذا أنشأ السكنى بعد ما علم بالعيب لا يسقط خياره، وإلى هذا أشار في بعض روايات هذا الكتاب.
وأما في البيع المحض هل يسقط خيار العيب بالسكنى دواماً كان أو أنشاءً فلا ذكر لهذه المسألة في كتاب البيوع، وقد اختلف المشايخ فيه.
فمن سلك الطريق الأول في مسألة القسمة يقول: خيار العيب في القسمة والبيع المحض يبطل بإنشاء السكنى ولا يبطل بدوامه، ومن سلك الطريق الثاني يقول: خيار العيب في القسمة والبيع المحض لا يبطل بإنشاء السكنى ولا بدوامه.
ومن المشايخ من فرق بين البيع المحض، وبين القسمة فقال: في البيع يبطل خيار العيب بالسكنى إنشاء ودواماً، وفي القسمة لا يبطل خيار العيب بالسكنى لا إنشاء ولا دواماً.
والفرق: أن السكنى في فصل القسمة دواماً كان أو إنشاء يحتمل أن يكون بالملك القديم، فأما البيع لا يحتمل أن يكون بالملك القديم دواماً كان أو إنشاءً فيتعين أن يكون بالملك الحادث المستفاد بالبيع، فيكون اختياراً للملك، فلهذا افترقا.
وأما في خيار الشرط إذا سكن الدار في مدة الخيار، أو دام على السكنى.
ذكر محمد ﵀ في كتاب البيوع: إذا سكن المشتري الدار في مدة الخيار سقط خياره، ولم يفصل بينما إذا أنشأ السكنى وبينما إذا دام على السكنى، فمن فرق من المشايخ بين إنشاء السكنى وبين الدوام عليه في مسألة القسمة يفرق بينهما أيضاً في خيار الشرط.
стр. 3151
ويقول: خيار الشرط يبطل بإنشاء السكنى ولا يبطل بالدوام عليه إذ لا فرق بينهما، ومن قال: خيار العيب في القسمة لا يبطل لا بإنشاء السكنى ولا بدوامه، قال: بأن خيار الشرط يبطل بإنشاء السكنى وبدوامه.
والفرق بينهما: وهو أن السكنى في خيار العيب يحتمل أن يكون لإمكان الرد بالعيب؛ لأن مدة الرد بالعيب قد تطول؛ لأن الرد بالعيب لا يكون إلا بقضاء أو برضا، وعسى لا يرضى به خصمه، فيحتاج إلى القضاء، والقضاء يعتمد سابقه الخصومة، ومدة الخصومة عسى تطول فمتى لم يسكنها تخرب، لأن الدار تخرب إذا لم يسكن فيها أحد، فيعجز عن الرد فيحتاج إلى السكنى لإمكان الرد بالعيب، فلا يكون اختياراً للملك وعلى هذا الاحتمال؛ فلهذا لا يسقط به خيار العيب.
فأما في خيار الشرط لا يحتاج إلى السكنى لإمكان الرد؛ لأنه يتمكن من الرد بنفسه من غير أن يتوقف ذلك على قضاء أو رضا فلا تطول مدة الرد، فلا يحتاج إلى السكنى لإمكان الرد فكان الاختيار الملك فيوجب سقوط خياره، وإذا باع قسمه الذي أصابه من الدار، ولا يعلم بالعيب، فرده المشتري عليه، إن قبله بغير قضاء فليس له أن ينقض القسمة، وإن قبله بقضاء فله أن ينقض القسمة، كما في البيع المحض.
فإن كان المشتري قد قدم شيئاً من الدار قبل أن يعلم بالعيب لم يكن له أن يردها، ويرجع بنقصان العيب كما في البيع المحض، قال: وليس للبائع أن يرجع بنقصان ذلك على من قاسمه، ذكر المسألة مطلقة من غير ذكر خلاف.
فمن مشايخنا من قال: ما ذكر هنا قول أبي حنيفة ﵀ وحده، أما على قول أبي يوسف ومحمد يرجع بنقصان العيب على قسمته، وقاس هذه المسألة بمسألة ذكرها في كتاب الصلح.
وصورتها: رجل اشترى من آخر جارية وقبضها وباعها من غيره، فهلكت عند المشتري، ثم اطلع المشتري الثاني على عيب بها، فإن له أن يرجع بنقصان العيب على بائعه وهو المشتري الأول، وهل للمشتري الأول أن يرجع على بائعه؟ ذكر أن على قول أبي حنيفة: لا يرجع.
وعلى قولهما: يرجع فها هنا يجب أن يكون على الخلاف أيضاً، ومن المشايخ من يقول: ما ذكر في كتاب القسمة قول الكل، وفرق هذا القائل بين مسألة كتاب القسمة وبين مسألة كتاب الصلح.
ووجه الفرق: أن في مسألة كتاب القسمة إلتزم ضمان النقصان باختياره، فإنه كان يمكنه أن يقبل المبيع ولا يؤدي النقصان، فهو بمعنى قولنا: التزم ضمان النقصان باختياره فلا يرجع بذلك على غيره.
أما في مسألة كتاب الصلح التزم ضمان النقصان عن اضطرار وجبر، فإن القبول بعد الهلاك غير ممكن، فجاز أن يرجع بذلك على بائعه، ولكن هذا الفرق لا يكاد يصح؛ لأن في مسألة كتاب القسمة لا يمكنه القبول إلا بزيادة عيب يلزمه، فكان مضطراً في التزام
стр. 3152
ضمان النقصان، فالصحيح أن المسألة على الاختلاف.
جئنا إلى خيار الشرط، فنقول: خيار الشرط يثبت في القسمة حيث يثبت خيار الرؤية، وما يبطل به خيار الشرط في البيع المحض يبطل في القسمة، وإنما يصحّ اشتراط الخيار في القسمة على نحو ما يصح اشتراط في البيع المحض حتى يجوز اشتراط ثلاثة أيام بلا خلاف، وما زاد على الثلاثة يكون على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، وإن ادعى المشروط له الخيار بعد مضي مدة الخيار الفسخ في مدة الخيار لا يصدق على ذلك، كما في البيع المحض.
الفصل السابع: في بيان من يلي القسمة على الغير ومن لا يلي
الأصل أن من ملك بيع شيء ملك قسمته؛ لأن في القسمة بيعاً وإفرازاً، ومن ملك بيع شيء ملك إفرازه (٧ب٤) ضرورة، إذا عرفت هذا فنقول: الأب يقاسم مال ولده الصغير عقاراً كان أو منقولاً بغبن يسير، ولا يملك بغبن فاحش لأنه يملك بيع مال ولده الصغير عقاراً كان أو منقولاً بغبن يسير، ولا يملك بغبن فاحش فكذا القسمة، ووصي الأب في ذلك بمنزلة الأب، والجد أب الأب حال عدم الأب، ووصي الأب بمنزلة الأب، وأما وصي الأم يقاسم مال ولدها الصغير ما سوى الصغار من تركة الأم إذا لم يكن للصغير أحد ممن سمينا، ولا يقاسم ما له من غير تركة الأم، العقار والمنقول في ذلك على السواء؛ وهذا لأن وصي الأم قائم مقام الأم، والأم حال حياتها كانت تملك بيع منقولاتها التي يرثها هذا الصغير، تحصيناً على نفسها وعلى الصغير، فإنها ما لم تحصن ذلك وتحفظها لا يبقى لها ولا يصير موروثاً للصغير من جهتها، وكانت تملك بأن تحفظ ما ورثها الصغير من غيرها بعينها وما كانت تملك بيعها، العقار والمنقول في ذلك على السواء.
وما كانت تملك بيع عقار أب نفسها التي يرثها هذا الصغير تحصيناً لأنها محصنة بنفسها، وإنما كانت تملك بيعها لحاجتها إلى الثمن، إذا ثبت هذا في حق الأم ثبت في حق وصيها الذي هو قائم مقامها فيملك وصيها بيع المنقولات التي ورثها من الأم تحصيناً، ولا يملك بيع عقاراته التي ورثها من الأم تحصيناً، وإنما يملك بيعها لحاجته إلى ثمنها، بأن كان عليه دين لا وفاء له إلا من ثمنها.
ولا يملك بيع ما ورث الصغير من غير الأم، العقار والمنقول في ذلك سواء.
وإذا عرفت الجواب في البيع ظهر الجواب في القسمة، في كل موضع ملك هذا الوصي البيع يملك القسمة؛ لأن في القسمة تحصين، فإن الإنسان أقدر على تحصين المقسوم، وفي كل موضع لا يملك البيع لا يملك القسمة، وكل جواب عرفته في وصي الأم فهو الجواب في وصي الأخ والعم وابن العم يقاسم ما ورث الصغير من هؤلاء ما سوى العقار، ولا يقاسم العقار ولا يقام ما ورث الصغير من غيرهم، العقار والمنقول في
стр. 3153
ذلك سواء؛ لأنه لا ولاية لهؤلاء على الصغير كما لا ولاية للأم فكانوا بمنزلة الأم، فكان وصيهم بمنزلة وصي الأم.
ولا تجوز قسمة الأب الكافر على ابنه المسلم، وكذا لا تجوز قسمة الأب المملوك على ابنه الحر، ولا تجوز قسمة الملتقط على اللقيط كما لا يجوز بيعه، ولا تجوز قسمة الوصي بين الصغيرين كما لا يجوز بيعه مال أحدهما من الآخر.p
والوصي إذا قاسم مالاً مشتركاً بينه وبين الصغير لا يجوز، إلا إذا كان للصغير فيها منفعة ظاهرة عند أبي حنيفة ﵀، وعند محمد لا يجوز، وإن كان للصغير فيه منفعة ظاهرة، ويجوز للأب أن يقاسم مالاً مشتركاً بينه وبين الصغير، وإن لم يكن للصغير فيه منفعة ظاهرة.
وإن كان في الورثة صغار وكبار فقاسم الوصي الكبار وميز نصيب الصغار جاز، ولا تجوز قسمة الوصي على الكبار الغيب في العقار، وتجوز قسمته في العروض، زاد «البقالي» في كتابه العروض من تركة الأب، وإن كان فيهم صغير وكبير حاضر وكبير غائب فعزل الوصي نصيب الكبير الغائب مع نصيب الصغير، وقاسم الكبير الحاضر.
فعلى قول أبي حنيفة ﵀: جاز قسمته في العقار والعروض، وعلى قولهما: تجوز في العقار ولا تجوز في العروض كما في البيع، ولا يقسم على الموصى له من غير أمر القاضي.
وروى الحسن عن أبي يوسف: أنه يجوز، وهو قول الحسن، وإذا جعل القاضي وصياً ليتيم في كل شيء فقاسم عليه في العقار والعروض جاز، ولو جعله وصياً في النفقة أو في حفظ شيء بعينه فقاسم لا يجوز.
وهذا بخلاف وصي الأب إذا جعل الأب وصياً في شيء خاص، فإنه يكون وصياً في الأشياء كلها فالوصاية من القاضي قابلة للتخصيص، ومن الأب لا تقبل التخصيص، ولا تجوز القسمة على المبرسم والمغمى عليه، والذي يجن ويفيق إلا برضاه، ووكالته في حالة صحته وإفاقته؛ وهذا لأن هذا العارض على شرف الزوال فكان لاحقاً بالعدم إلا أنه موجود حقيقة، فما ثبت للغير عليه من الولاية الثانية بالوكالة حالة الصحة لا يزول، وما لم يكن ثابتاً للغير عليه من الولاية لا يثبت.
الفصل الثامن: في قسمة التركة وعلى الميت أو له دين أو موصي له، وفي ظهور الدين بعد القسمة، وفي دعوى الوارثديناً في التركة أو عيناً من أعيان التركة
قال محمد ﵀: إذا اقتسم الورثة داراً للميت أو أرضاً الميت، وعلى الميت دين، فجاء الغريم يطلب الدين فالقسمة فاسدة قياساً جائزة استحساناً لوجهين:
стр. 3154
أحدهما: أنهما شرطا في القسمة ما تقتضيه القسمة من غير شرط، فإنهما لو اقتسما الأرض وترك البناء على الشركة وجب على من وقع البناء في نصيبه نصف قيمة البناء لصاحبه، واشتراطها يقتضيه العقد من غير شرط لا يوجب فساد العقد.
فإن قيل: إذا لم يشترط القيمة وقت القسمة فالجهالة طارئة على القسمة، لأن القيمة تجب بعد ذلك حكماً فكانت طارئة، ومتى شرطا القيمة وقت القسمة كانت الجهالة متقارنة للقسمة، والجهالة الطارئة على العقد لا توجب فساد العقد، أما المقارنة تفسد العقد، عرف ذلك في كتاب البيوع، والجواب عن هذا أن يقال: لا بل الجهالة مقارنة للقسمة، وإن لم يشترطا القيمة؛ لأن القيمة واجبه لا محالة لا تنفك القسمة عنها فكانت الجهالة متقارنة، ثم لم يمنع ذلك جواز القسمة، فكذا إذا كانت مشروطة؛ لأنه لا يثبت بالشرط زيادة جهالة لم تكن ثابتة قبل ذلك.
الوجه الثاني: لبيان جواز هذه القسمة: أن العبرة لحال تمام العقد، والعقد تم في المعلوم فلا تضرهم الجهالة في الابتداء، كما لو اشترى أحد الأبواب الثلاثة على أنه بالخيار ويأخذ أيها شاء، وسمى لكل واحد ثمناً.
بيان هذا الكلام: أن حكم القسمة في الأرض لا يتم بالمساحة بل يتوقف تمام القسمة فيها على معرفة قيمة البناء وقسمتها بالقيمة، فلا تتم القسمة إلا بعد ظهور المعادلة في الكل ومعرفة كل واحد من الشركاء نصيبه.
فهو معنى قولنا: إن العقد يتم في المعلوم، ثم إذا اقتسما الأرض نصفين وترك البناء على الشركة ووقع البناء في نصيب أحدهما إنما وجب على من وقع البناء في نصيبه نصف قيمة البناء؛ لأنه لا وجه إلى إبقاء البناء مشتركاً كذلك؛ لأن ما تحت البناء من الأرض صار ملكاً لأحدهما، فمتى تركنا البناء كذلك يتضرر من وقعت ساحة الأرض في نصيبه، ولا وجه إلى أن يؤمر الذي لم يقع البناء في نصيبه نقض نصيبه، لأنه لا يمكن نقض نصيبه إلا بعد نقض نصيب صاحبه، وفي ذلك ضرر بصاحبه فلم يبق ههنا وجه سوى أن يتملك الذي لم يقع البناء في نصيبه من الأرض ونصيب صاحبه من البناء، أو يتملك صاحب الأرض من نصيب صاحبه من البناء، وتملك صاحب الأرض نصيب صاحبه من البناء أولى؛ لأن التملك فيه أقل؛ ولأن صاحب الأرض صاحب أصل وصاحب البناء صاحب تبع، وتملك التبع لحق صاحب الأصل أولى على ما عرف.
وإذا كانت الدار في يدي ورثة حضور كبار أقروا عند القاضي أنها ميراث في أيديهم وسألوه قسمتها.
قال أبو حنيفة ﵀: القاضي لا يقسم الدور وسائر العقار بإقرارهم حتى يقيموا بينة أن فلاناً مات وتركها ميراثاً بينهم.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: قسمها بإقرارهم بينهم، ويشهد على أنه إنما قسمها بينهم بإقرار منهم لا بالبينة، وعلى هذا الخلاف إذا أقروا أن معهم وارث آخر غائب أو صغير، والدار كلها في يد الذين حضروا عند القاضي، وسألوه القسمة،
стр. 3155
واجمعوا على أن الدار كلها أو شيء منها إذا كان في يدي غائب أو صغير سوى هؤلاء الذين حضروا عند القاضي وطلبوا من القاضي القسمة، فالقاضي لا يقسمها بينهم حتى يقيموا البينة على الميراث، واجمعوا في العروض إذا أقروا أنها ميراث بينهم، والعروض في أيديهم، وطلبوا من القاضي القسمة أن القاضي قسمها (٨أ٤) وإن لم يقيموا البينة على الميراث.
وأما إذا قالوا: اشترينا هذه الدار من فلان وطلبوا من القاضي القسمة، فالقاضي يقسمها بينهم بإقرارهم، وعن أبي حنيفة ﵀ روايتان، في المشهور من الرواية: القاضي يقسمها بينهم بإقرارهم كما هو مذهبهما، وفي رواية قال: لا يقسمها حتى يقيموا البينة على الشراء من فلان.
وجه قولهما: في فصل الميراث أن إقرارهم أن الدار في أيديهم ميراث إقرار صحيح؛ لأن الدار في أيديهم لا ينازعهم أحد فيها، وقول صاحب اليد فيما في يده عند عدم المنازع مقبول صحيح شرعاً، فلا حاجة إلى إثبات ذلك بالبينة.
والدليل عليه في فصل الشراء وفصل العروض، وهذا بخلاف ما إذا كانت الدار كلها أو شيء منها في يد الغائب؛ لأن هناك إقرارهم غير صحيح؛ لأنه لا يد لهم فيما أقروا فلا بد من الإثبات بالبينة أما ها هنا بخلافه.
ولأبي حنيفة ﵀ أن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، ألا ترى أن التركة إذا ازدادت قبل القسمة كانت الزيادة للميت؟ حتى تقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه، وبالقسمة ينقطع قدر ما بقي من الملك له حتى يصير الزيادة لمن وقع في سهمه، وقولهم ليس بحجة على الميت بخلاف فصل الشراء على ظاهر الرواية؛ لأن القسمة هناك لا تتضمن بطلان شيء من ملك البائع؛ لأن المشترى بعد القبض ملك المشتري من كل وجه، ولم يبق للبائع فيه حق، ألا ترى أن ما يحدث من الزيادة يحدث على حكم ملك المشتري.
وأما العروض قلنا: القاضي لا يقسم العروض لقطع ما بقي من ملك الميت إنما يقسمها تحصيناً على الميت؛ لأن العروض تخشى التوى والتلف.
ألا ترى أن القاضي يبيع عروض الغائب، وإنما يبيعها تحصيناً عليه، أما العقار محصنة بنفسها فلم يقسمها بطريق التحصين بل كان لإزالة ملك الميت، فلا بد لذلك من حجة تقوم عند القاضي.
ثم على قولهما إذا قسم القاضي الدار بين الورثة بإقرارهم، يشهد أنه إنما قسم بإقرارهم؛ لأن حكم القسمة بالبينة يخالف حكم القسمة بالإقرار؛ لأن حكم القسمة بالبينة يتعدى إلى الغير.
حتى لو ادعى أم ولده هذا الميت أو مدبرة العتق فالقاضي يقضي لهما بالعتق، ولا يكلفهما إقامة البينة على الموت، وحكم القسمة بالإقرار لا يتعدى.
ألا ترى أنه لا يقضي بالعتق في هاتين الصورتين إلا ببينة تقوم على الموت، وإذا
следующие страницы →