← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

فصلٌ الناس عنه غافلون، فإن نائب القاضي يسمع البينة، ويكتب الإقرار، ويبعث إلى القاضي والقاضي يقضي بذلك، ولا ينبغي له أن يقضي بذلك، وإنما عليه أن يأمر بإعادة البينة، وأن يحضر المقر حتى يقر عنده، ثم يحكم بما يصح عنده، وإن كان الشهود شهدوا عند الخليفة بالحق، ثم غابوا فأعلم الخليفة القاضي بما شهدوا عنده، لهذا على هذا، فالقاضي لا يقبل، ولا يحكم حتى يعيدوا الشهادة عنده. وكذلك إذا كان المدعى عليه أقر عند الخليفة، ثم جحد بعد ذلك فأخبر الخليفة القاضي بإقراره عنده، فالقاضي لا يقبل ذلك على طريق الشهادة؛ لأنه لو شهد على إقراره غير خليفته مع رجل آخر يقبل ذلك، فخليفته أولى. وسئل القاضي الإمام شمس الأئمة الأوزجندي ﵀ عن القاضي إذا سمع الدعوى، ويسمع النائب الشهادة هل يقضي النائب بالشهادة بدون إعادة الدعوى؟ قال: لا إلا أن يأمر القاضي بالحكم بتلك البينة، وسئل أيضاً عن القاضي إذا سمع الدعوى والشهادة ولم يحكم، وأمر نائبه بالحكم، وهو مأذون بالاستخلاف بحكم المثال الصحيح هل يصح هذا الأمر؟ وإذا حكم النائب هل يصح حكمه؟ قال: نعم. وفي «الفتاوى» عن الفقيه أبي القاسم: أن القضاة على قسمين: قاض قلده قاض ولي بسبب من دفع الرشوة أو الشفعاء، فالأول إذا قضى، ثم رفع بقضيته إلى قاض يرى خلافه، فإنه لا يبطل قضاؤه، وإذا حصل في محل الاجتهاد، والثاني إذا قضى، ثم رفع قضاؤه إلى قاض يرى خلافه له أن ينقضه. بعض مشايخ زماننا قالوا: إن من تقلد القضاء بالرشوة لا يصير قاضياً، وإذا قضى لا ينفذ حكمه، ولا يحتاج فيه إلى النقض، وأما الذي طلب القضاء بالشفعاء، فهو والذي قلد سواء في حق نفاذ قضائه في المجتهدات. وإذا كان القاضي مأذوناً بالاستخلاف فحكم خليفته في حادثة، ووقعت الحاجة إلى إثبات حكمه عند القاضي الأصل، ينبغي أن يثبتوا ذلك بشرائط من نفذ، ثم دعوى صحيحة على خصم كما لو ثبتوا قضاء قاض آخر. ومما يتصل بهذا الفصل ما ذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : أن في ظاهر الرواية المصر شرط نفاذ القضاء، وفي «النوادر» ليس بشرط وذكر الخصاف في «أدب القاضي» في باب القاضي يقضي بعلمه: إن المصر شرط نفاذ القضاء وإليه أشار محمد في «الأصل» . وفي «المنتقى» إشارة عن أبي يوسف إلى أن المصر شرط نفاذ القضاء، فإنه قال: قضاة أمير المؤمنين إذا خرج أمير المؤمنين، فخرجوا معه، فلهم أن يقضوا؛ لأن هؤلاء ليسوا بقضاة أرض إنما هم قضاة الخليفة، فأينما خرج الخليفة فلقضاته أن يقضوا، وإن خرج القاضي وحده، فليس له أن يقضي، وعن أبي يوسف في «الإملاء» أن المصر ليس بشرط، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وكثير من مشايخنا أخذوا برواية «النوادر»

стр. 3537

أن المصر ليس بشرط باعتبار الحاجة، فإنه عسى تقع الحاجة إلى أن يخرج القاضي إلى محدود، ويسمع الدعوى ثمة، ويقضي هناك، وإذا أمر القاضي إنساناً بالقسمة في الرستاق، فقسم صحت قسمته باختلاف الروايات؛ لأن القسمة ليست من أعمال القضاء حتى يشترط لصحتها المصر في ظاهر الرواية، والله أعلم. الفصل الحادي والعشرون: في الجرح والتعديل ولا يسأل القاضي عن الشهود عند أبي حنيفة إلا أن يطعن الخصم فيهم، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يسأل عنهم من غير أن يطعن الخصم فيهم، وهذا في غير الحدود والقصاص، أما في الحدود والقصاص يسأل عنهم وإن لم يطعن الخصم فيهم، قيل: هذا اختلاف عصر وزمان، فأبو حنيفة ﵀ كان في القرن الثالث الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخيرية، فكان الغالب فيهم العدالة، فبقي الحكم على الغالب، وهما كانا في القرن الرابع الذي شهد رسول الله ﷺ فيهم بالكذب، فكان الغالب فيهم الكذب، فأمر بالسؤال لهذا. وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ يقول: ينبغي للقاضي أن يحكم زي الشهود وسيماهم، إن كان عليهم زي الصالحين عمل فيهم بقول أبي حنيفة، وإن كان عليهم زي الفسقة عمل فيهم بقولهما، وقيل لا بل هذا اختلاف على الحقيقة، حجتهما أن التعديل حق القاضي؛ لأن القاضي منهي عن القضاء بشهادة الفاسق، مأمور بالتثبت فيه، فلا يتوقف استيفاؤه على طلب الخصم قياساً على سائر الحقوق، ولأبي حنيفة ﵀ الحديث المعروف وهو قوله ﵇: «المسلمون عدول بعضهم على بعض» ولأن الظاهر من حال المسلمين العدالة، والبناء على الظاهر واجب ما لم يعارضه ظاهر آخر، ففيما إذا طعن الخصم فيهم ظاهر آخر، فوجب السؤال بخلاف ما قبل الطعن، كان قضيته ما قلنا: أن الإنسان في الحدود وفي القصاص أيضاً إلا أنا إذا تركنا القياس، ثمة؛ لأن الظاهر لا يخلو عن نوع احتمال وشبهه، والحدود تدرأ بالشبهات، فشرطنا السؤال ثمة احتيالاً لدرئها قبل السؤال، فأما المال يثبت مع الشبهات؛ ولأن في الحدود لو وقع الخطأ لا يمكن التدارك بخلاف المال. فلو أن الخصم عدل الشهود، فهذا على وجهين: أما إن عدلهم قبل أن يشهدوا عليه، فقال: هم شهود عدول، فلما شهدوا عليه أنكرهما، أو عدلهم بعدما شهدوا عليه، فإن عدلهم بما شهدوا عليه، فهو على وجوه:

стр. 3538

إن قال: صدقوا فيما شهدوا به علي، أو قال: شهدوا علي بالحق، أو قال: الذي شهدوا به في هذه الشهادة حق، وفي هذه الوجوه الأربعة القاضي يقضي عليه بما شهدوا لأن بهذه الألفاظ إقرار منه بالمال، ويكون القضاء بالإقرار لا بالشهادة، وإن قال: هم عدول إلا أنهم أخطؤوا، أو قال: هم عدول، ولم يزد على هذا، فإن كان المشهود عليه عدلاً من أهل التعديل، فالقاضي يقضي بشهادتهما، عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله من غير أن يسأل من المزكي بناء على أن العدد في المزكي عندهما ليس بشرط، وعند محمد ما لم يسأل القاضي عن المزكي لا يقضي بشهادتهما. بيانه أن العدد في المزكي شرط عنده، هكذا ذكر في «كتاب التزكية» وفي كتاب «الأقضية» في أوله وفي «أدب القاضي» للخصاف، في آخر باب المدعى عليه يعدل الشهود وفي «الرقيات» ، فعلى هذه الروايات اعتبر تعديل الشهود عليه تعديلاً، وذكر في «الجامع الصغير» وفي كتاب «الأقضية» قريباً من الثلث الأول، وفي «أدب القاضي» للخصاف في أول باب المدعى عليه يعدل الشهود: أن القاضي لا يقضى بشهادتهما حتى يسأل عنهما وهكذا روي عن أبي يوسف في «الأمالي» ، وهكذا روى هشام عن محمد، فعلى هذه الروايات (٨١أ٤) لم يعتبر تعديل المشهود عليه تعديلاً. ووجه هذه الروايات أن المدعى عليه إن عدلهما بقوله: هم عدول، فقد جرحهما بإنكاره ما شهدا به بنسبته إياهما إلى الكذب؛ ولأن تعديل الشهود حق المدعي، وفي زعم المدعي أن هذا التعديل لم يصح؛ لأن المدعى عليه ظالم ليس من أهل التعديل، والمنقول عن محمد ﵀ في هذا أن المدعى عليه حين قال: أولهما لم يزكهما. قال الصدر الشهيد ﵀: فإما أن يقال: في المسألة روايتان، أو يحمل ما ذكر في بعض الروايات أن القاضي لا يقضي بشهادتهما حتى يسأل أنه قول محمد خاصة، لا لأن تعديله ليس بتعديل، ولكن لأن العدد في المزكي عنده شرط على ما يأتي بيانه بعد هذا، أو يقال: ما ذكر في بعض الروايات أن تعديل المشهود عليه ليس بتعديل محمول على ما إذا كان جاحداً، أما إذا كان ساكتاً، وهو من أهل التعديل يصح تعديله، هكذا أول ﵀ في «شرح الجامع الصغير» وإن لم يكن المدعى عليه من أهل التزكية والتعديل بأن كان فاسقاً أو مستور الحال، لا يصح تعديله، ولا يقضي القاضي بشهادتهما. فإن قيل: يجب أن يصح تعديل المشهود عليه، وإن كان فاسقاً، أو مستور الحال؛ لأنه إقرار على نفسه، وإقرار الفاسق أو مستور الحال على نفسه صحيح. قلنا: كما أن هذا إقرار على نفسه، فهذا إقرار بوجوب القضاء على القاضي لا يصح، ثم إذا لم يثبت التعديل بقول الفاسق ومستور الحال، فالقاضي يسأل المشهود عليه: أصدقوا أم لا؟ إن قال: صدقوا، فقد أقر على نفسه، فيقضي عليه بإقراره، وإن قال: أوهموا أو أخطأوا، فالقاضي لا يقضي عليه. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ ينبغي للقاضي إذا أقام المدعي البينة أن

стр. 3539

يسأل عن الشهود، فإن عدلهم المشهود عليه بعدما شهدوا عليه قضى عليه، ولم يلتفت إلى طعنه بعد ذلك، هذا إذا عدلهما المشهود عليه بعد الشهادة، فأما إذا عدلهما قبل أن يشهدوا عليه، ثم شهدا عليه، فأنكر المشهود عليه ما شهدا به، فالقاضي لا ينفذ ذلك عليه، ولا يكتفي بذلك التعديل. أما على الرواية التي لا تعتبر تعديل المشهود عليه بعد الشهادة فظاهر، وأما على الرواية الأخرى؛ لأنه يمكنه أن يقول: كنت ظننت أنهما عدلان، وأنهما لا يشهدان على زور غير أنهما تغيراً أو فسقا، هكذا ذكر المسألة في «كتاب الأقضية» ، وروى الحسن عن أبي حنيفة ما يدل على أن تعديله قبل الشهادة معتبر، فإنه روى أن المشهود عليه إذا عدل الشهود بعدما شهدوا عليه، ثم طعن فيهم، قال: لا يقبل طعنه، وقضى عليه بشهادتهم، وإن كان قد عدلهم قبل أن يشهدوا عليه، فلما شهدوا عليه طعن فيهم، قال: لم يقض عليه بتعديله إياهم قبل أن يشهدوا قبل الجواب بالطعن، فهذا يبين لك أن بدون الطعن يقضي عليه بذلك التعديل السابق. ثم التزكية نوعان: تزكية السر، وتزكية العلانية. فتزكية العلانية: أن يحضر العدل مجلس الحكم ويسأله القاضي عن الشهود بحضرتهم فيزكيهم، ويقول بحضرتهم: هؤلاء عدول. والتزكية في السر أن يسأل القاضي المعدل عن الشاهد في السر، فيعدله ويجرحه وقد كانت التزكية في زمن رسول الله ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم أن القوم كانوا صلحاء، وكان المعدل لا يخاف من المدعي والشهود؛ لأنهم كانوا منقادين للحق، وبعد ذلك فسد أحوال الناس، وآل الأمر إلى أن المزكي لو جرح الشهود بحضرتهم قاتلوه بالأذى، وظهر عجز المعدل عن تزكية العلانية، فأحدثوا تزكية السر، وهو معنى ما نقل عن محمد ﵀ في «النوادر» : تزكية السر عناء وبلاء، وقيل: أول من أحدث تزكية السر شريح، وحين أحدثها قيل له: أحدثت ما لم يكن، فقال: أحدثتم فأحدثنا، يعني: أظهرتم إحداث العداوة والخصومة مع المعدل، فأحدثنا تزكية السر. قال في «أدب القاضي» : لو جمع القاضي بين تزكية السر وبين تزكية العلانية، فذلك أحسن، وتفسير الجمع أن المزكي عدل الشهود في السر، فالقاضي يجمع بين الشهود وبين المزكي في مجلسه، ويقول للمزكي: أهؤلاء الذين زكيتهم؟. قال في كتاب «الأقضية» وينبغي أن يكون المعدل في العلانية هو المعدل في السر، وإنما كان هذا حسن حتى لا يتسمى الرجل باسم غيره، إذ لا يتفق اثنان على اسم واحد. قال في «أدب القاضي» : وينبغي للقاضي أن يختار للمساءلة عن الشهود من كان عدلاً؛ لأنه يعدل غيره فلا بد من أن يكون عدلاً في نفسه، وينبغي أن يكون صاحب خبرة بالناس؛ لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة لا يعرف العدل من غير العدل، وينبغي أن لا يكون طماعاً حتى لا يخدع بالمال، وينبغي أن يكون فقيهاً يعرف أسباب الجرح وأسباب التعديل؛ لأنه اختلف أقاويل أهل العلم في أسباب التعديل والجرح، فمنهم من ضيق كل

стр. 3540

التضييق حتى قال: من سمع الأذان وانتظر الإقامة سقطت عدالته، ومنهم من وسع كل التوسيع، ولا يضيق كل التضييق ولا يعدل مردود الشهادة من غير علم، ولا يجرح عدلاً من غير علم. وينبغي أن يكون غنياً حتى لا يخدع بالمال، وإن وجد عالماً فقيراً، وغنياً غير عالم اختار العالم، وإن وجد عالماً ثقة لا يخالط الناس، ووجد ثقة غير عالم يخالط الناس يختار العالم؛ لأن العالم لا يقدم في شيء حتى يصح ذلك عنده، فهو بعلمه يقدر على الجرح والتعديل، وغير العالم لا يعرف العدل من غير العدل، فكان العالم أولى من هذا الوجه. الأولى أن لا يكون المزكي مغفلاً، ولا يكون منزوياً لا يخالط الناس؛ لأنه إذا كان مغفلاً، أولا يخالط الناس لا يعرف معاملاتهم، ولا ينكشف له حالهم، ولا يمكنه تمييز العدل. والعدد في المزكي ورسول القاضي إلى المزكي، وفي المترجم عن الأعجمي، وعن الشاهد أو الخصم الأعجمي ليس بشرط عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، والواحد يكفي، وعند محمد ﵀ العدد شرط، والواحد لا يكفي، ويكفيه الاثنان إن كان المشهود به حقاً يثبت بشهادة رجلين عدلين، وإن كان حقاً لا يثبت إلا بشهادة الأربع، وأجمعوا على أن ما سوى العدد من سائر شرائط الشهادة سوى التلفظ بلفظة الشهادة من العدالة والبلوغ والبصر، وأن لا يكون محدوداً في القذف شرطه، والحرية شرط بالإجماع في ظاهر الرواية، والإسلام شرط بالإجماع، إذا كان المشهود عليه مسلماً. وأجمعوا على أن التلفظ بلفظة الشهادة ليس بشرط، فوجه قول محمد ﵀: أن التزكية والترجمة شهادة معنى؛ لأن القضاء لا يجب إلا بهما كما لا يجب إلا بالشهادة؛ لأن العلم للقاضي لا يثبت إلا بهما، فكانت شهادة معنى، فيعتبر بالشهادة حقيقة، والواحد لا يكفي في الشهادة حقيقة، فكذا في التزكية والترجمة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أنهما قالا: إن التزكية والترجمة شهادة معنى كما قاله محمد ﵀ إلا أنه خبر حقيقة، ولهذا لا يشترط فيهما لفظة الشهادة، وهو قوله: أشهد. فمن حيث إنه خبر لم يشترط فيها العدد، ومن حيث الشهادة شرطنا فيها سائر شرائط الشهادة، ولحقيقة أن اشتراط سائر الشرائط ما سوى العدد في الشهادة على موافقة القياس، أما العدالة فلأن بها يترجح الصدق، ولهذا شرطت العدالة في سائر الإجارات، وأما البلوغ عن عقل والحرية؛ فلأن الشهادة ولاية على الغير، وإنها متفرع عن الولاية عن نفسه، والولاية على نفسه لا تثبت إلا بالبلوغ عن عقل والحرية. وأما البصر؛ فلأن (٨١ب٤) القدرة على التمييز إنما يثبت به، وأما الإسلام إنما شرط إذا كان المشهود عليه مسلماً؛ لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، أو لأن الكافر متهم بالخيانة في حق المسلمين، دل أن اشتراط هذه الشرائط في الشهادة على موافقة

стр. 3541

القياس، فيمكن اشتراطها فيما هو في معناها قياساً عليها. وأما اشتراط العدد في الشهادة كان على مخالفة القياس، ولهذا لا يشترط في سائر الإخبارات، فيقتصر عليها، ثم هذا الاختلاف في تزكية السر، فأما في تزكية العلانية فالعدد شرط بالإجماع؛ لأن معنى الشهادة فيها أبين وأظهر ألا ترى أنه يختص بمجلس القضاء، بخلاف تزكية السر عندهما. وذكر أبو علي النسفي ﵀ في «كتابه» عن محمد ﵀ ما يدل على أن العدد في تزكية السر عنده ليس بشرط، والذي ذكر فيما إذا عرف المزكي الشهود بالعدالة، أو لم يعرفهم بها، لكن سأل ممن عرفهم وأخبره بعدالتهم ينبغي للمزكي أن يعدلهم قطعاً، فيقول: هم عدول، ولا يقول: هم عدول؛ لأن الثقاة أخبروا بعدالتهم؛ لأن هذا ليس بتعديل بل هذا إخبار عن تعديل الغير، وهذا الإخبار لم يثبت عند القاضي لكون المخبر واحد رواه عن محمد ﵀. وروى عنه رواية أخرى: أن القاضي يقبل ذلك منه؛ لأنه أحال بالتعديل على حجته، وهذه الرواية دليل على أن العدد في المزكي عند محمد ﵀ ليس بشرط، أما الترجمان، إذا كان أعمى ذكر في غير رواية «الأصول» عن أبي حنيفة: أنه لا تجوز ترجمته؛ لأن العمى جرح، وعن أبي يوسف ﵀ أنه تجوز ترجمته، والمرأة الواحدة إذا كانت ثقة حرة جازت ترجمتها عندهما لرجل، وهذا في الأموال وما يجوز شهادتها فيه أما فيما لا تجوز شهادتها فيه لا تجوز ترجمتها.q قال في كتاب «الأقضية» : إذا أراد المزكي أن يعدل الشهود ينبغي أن يقول إنهم عدول ثقات جائزوا الشهادة، قال: هذا هو أبلغ الألفاظ في التعديل. وقال ابن سلمة: المزكي يقول في التزكية: هو عندي عدل مرضي جائز الشهادة، وفي «العيون» ذكر لفظ: عندي أيضاً، وبعض المشايخ قالوا: إذا قال: عندي لا يكون هذا تعديلاً بقوله: عندي وقع الشك، والفقيه أبو الليث ﵀ زين هذا القول، وقال: هذا عندي ليس شيء؛ لأن العالم بالحقائق هو الله تعالى، وإنما يخبر المكلف عما عنده ووقع اجتهاده، وقال أبو يوسف ﵀: يقول المزكي: ما أعلم منه إلا خيراً كما ذكر عمر ﵁، ولو قال: لا بأس به فقد عدله. وفي القاضي إذا قال المزكي: هم عدول، فهذا ليس بتعديل؛ لأن المحدود في القذف بعد التوبة عدل ولا تقبل شهادته، وما وراه أبو علي النسفي عن محمد ﵀ دليل على أنه تعديل، وكذلك إذا قال: هم ثقات، فالقاضي لا يكتفي به فقد يطلق هذا اللفظ على المستور، وبعض مشايخنا قالوا: إنه تعديل، ولو قال: إنه مزكى يكتفي به؛ لأنه طلب منه التزكية، وقد أتى بلفظ التزكية، وصار كالشاهد بعد الاستشهاد يأتي بلفظة الشهادة، ولو قال: لا أعلم منه إلا خيراً فقد ذكر في «أدب القاضي» أنه تعديل، وإنه موافق لما روينا عن أبي يوسف ومن المشايخ من قال: إنه ليس بتعديل، والأصح أنه تعديل؛ لأنه نفى ما سوى الخير عنه، فكان مثبتاً صفة الخيرية له، إلا أنه يثبت بقدر ما

стр. 3542

علم من حيث الظاهر، وهو المأخوذ به في حق العباد، أما العلم بالحقائق لله تعالى. وعن محمد أن المزكي إذا كان عالماً بصيراً يكتفي به منه، وإذا كان غير عالم لا يكتفي به منه؛ لأن غير العالم ربما لا يعرف هذا تعديل، وإن قال: لا أعلم منه إلا خصلة من أنواع الخير، لا يكون هذا تعديلاً؛ لأنه لم يثبت له إلا خصلة من أنواع الخير، وبهذا القدر لا تثبت العدالة. وإن قال: هو عدل فيما علمنا، فقد قال بعض العلماء: إنه تعديل، وهكذا روي عن شريح، والأصح أنه ليس بتعديل؛ لأن قول الإنسان: فيما أعلم إذا اقترن بالإخبار بخرجه من أن يكون إثباتاً، ألا ترى أن الشاهد إذا شهد أن لفلان على فلان كذا فيما أعلم، لا تقبل شهادته؛ لأنه لا يكون إثباتاً وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد: إذا قال: لفلان علي ألف درهم فيما أعلم لا يكون إقراراً، تأويل حديث شريح أنه كان لا يقبل شهادة المستور كما هو قول أبي حنيفة. وإن قال: هو عدل إن لم يكن شرب الخمر، فهذا ليس بتعديل؛ لأن فيما ذكر تعريض لوصفه بذلك النوع من الفسق، وإن قال: الله أعلم لا يكون تعديلاً بل يكون جرحاً؛ لأنه نفى علم نفسه حيث أحال بالعلم على الله تعالى. قال ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف قال: أجيز في تزكية السر تزكية العبد والمرأة والمحدود في القذف والأعمى، إذا كانوا عدولاً، ولا أقبل في تزكية العلانية إلا من كنت أقبل شهادته؛ لأن تزكية السر من باب الإخبار، ألا ترى أنه لا يشترط فيه العدد عندهما، والمخبر به أمر ديني، وقول المرأة والعبد والمحدود في القذف في الأمور الدينية مقبول، إذا كانوا عدولاً، ألا ترى أنه تقبل روايتهم في الإخبار عن رسول الله ﷺ ، ويجب الصوم بقولهم، فأما تزكية العلانية نظير الشهادة حيث شرط فيها العدد، وهؤلاء لا يصلحون للشهادة. قال: وأقبل فيها رجل وامرأتان يعني في تزكية العلانية؛ لأن شهادة رجل وامرأتين في الأموال مقبولة، فكذلك التزكية، وعلى هذا تزكية الوالد لولده في السر جائزة، لأنها من باب الإخبار، أقصى ما فيه أنه تزكية لنفسه من حيث المعنى، ولكن يجوز للإنسان أن يزكي نفسه إذا احتاج إليه، ألا ترى أنه كيف زكى يوسف صلوات الله عليه في قوله تعالى: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ (يوسف: ٥٥) وأما في العلانية فلا تجوز إلا تزكية من تقبل شهادته له، وكذلك على هذا تزكية العبد مولاه في السر جائزة وروى محمد عن أبي حنيفة أن يجوز تعديل العبد والمرأة والأعمى، وعن محمد: لا يجوز تعديل هؤلاء. قال: وينبغي للمعدل أن يختار السؤال ممن اتصف بالأوصاف التي شرطناها في المزكي، وإنما يسأل جيرانه وأهل سوقه؛ لأنهم أعرف بحاله، هكذا ذكر في «أدب القاضي» . قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: إنه يسأل عن جيرانه، إذا لم يكن

стр. 3543

بينه وبينهم عداوة ظاهرة، ولا يتحامل هو عليهم، يعني: لا يكون يده فوق أيديهم بنحو أن لا يعطى الجباية وما أشبهه، وهو اختيار أبي علي النسفي، ورواه عن محمد، وذكر من جملة من يسأل عنه رفيق الشاهد وقريبه، فقد صح عن عمر ﵁ أنه قال: إذا كان في المرء ثلاث خصال فلا تشكوا في صلاحه إذا حمده ذوو قرابته، وجاره، ورفيقه. وإن لم يجد في جيرانه، وأهل سوقه من يصلح للتعديل، يسأل أهل محلته، وإن وجد كلهم غير ثقات يعتمد في ذلك تواتر الأخبار، وكذلك إذا سأل جيرانه، أو أهل محلته، وهم غير ثقات، فاتفقوا على تعديله أو جرحه، ووقع في قلبه صدقه كان ذلك بمنزلة تواتر الأخبار، وإن أخبر بعضهم بعدالته وبعضهم بجرحه، فالحكم فيه كالحكم في اختلاف المزكي في التعديل والجرح، وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى. وإن كان الشاهد غريباً لا يعرف إذا سأل عنه في السر، فالقاضي يسأل الشاهد عن معارفه، فإذا سماهم سأل عن معارفه في السر حتى يظهر عنده أنهم هل يصلحون للتعريف، فإن عدلوا سأل عنهم عن الشاهد، واعتمد على خبرهم في الجرح والتعديل، ولا يوقف فيه، وسأل عن العدل الذي في بلدته، إن كان في ولاية هذا القاضي وإن لم يكن كتب إلى قاضي ولايته تعرف عن حاله. قال هشام: سألت محمداً عن رجل شهد عند القاضي، وهو على رأس خمسين فرسخاً، فبعث القاضي أميناً على جعل يسأل المعدل عن الشاهد، فالجعل على من؟ قال: على المدعي، وهذا ظاهر؛ لأن منفعة عمل الأمين راجعة إلى المدعي. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: لا ينبغي للقاضي أن يسأل عن الشاهد رجلاً له على المشهود له مال، إذا كان المشهود له مفلساً فلسه القاضي، أو ميتاً أقام وصية على غيره بينة؛ لأنه متهم في هذا التعديل بيانه: إذا أظهر عدالة الشهود لزم القاضي القضاء بشهادتهم، وعند ذلك يزول الإفلاس، وزوال الإفلاس يقع في حقه؛ لأن ماله في ذمته بمنزلة النادي زيول ذلك النوي بزوال الإفلاس، ثبت أن في التعديل نفعاً له فكان متهماً فيه. ونظير هذه رواية في الشاهد، إذا كان له على المشهود له مال، وأنه مفلس أنه لا تقبل شهادته له، لهذه التهمة، وإن لم يكن مفلساً تقبل شهادته له، ويصح تعديله لشهوده؛ لعدم هذه التهمة، إذ لا يثبت بهذه الشهادة أمر لم يكن ثابتاً؛ لأنه كان متمكناً من استيفاء حقه قبل الشهادة وقبل التعديل، حسب تمكنه منه بعد ذلك. قال: ولو أن غريباً نزل بين ظهراني قوم، وشهد هذا الغريب عند القاضي في حادثة، فسألهم القاضي، أو العدول عن حاله، وقد عرفوه بالصلاح، ولم يظهر منه ما يسقط عدالته هل يسعهم أن يعدلوه؟ كان أبو يوسف ﵀ أولاً (٨٢أ٤) يقول: إن مكث بينهم ستة أشهر، ولم يعرفوا منه إلا الصلاح، يسعهم أن يعدلوه، وإن كان ذلك

стр. 3544

فليس لهم أن يعدلوه، ثم رجع وقال: إذا مكث بينهم سنة، ولم يعرفوا منه إلا الصلاح جاز لهم أن يعدلوه، ومالا فلا؛ لأن الحاجة إلى معرفة حاله بالتجربة، وقد ورد الشرع بتقدير مدة التجربة بالسنة، كما في العين. يوضحه: أن من الفرائض ما لا يجب إلا بعد كمال الحول، كالزكاة وصوم رمضان، فما لم يحل عليه الحول لا يقفون عليه أنه متهتك أو ممن يراعي حق الله تعالى، في الزكاة والصوم، وروى هشام عن محمد ﵀ أنه على قدر ما يقع في القلب صلاحه. ورورى إبراهيم عن محمد أنه قال: من وقت في التزكية فهو مخطئ، وهذا على ما يقع في القلب، ربما يعرف الرجل في شهرين، والآخر لا يعرف في سنة، لأنه يرائي ويتصنع، وهذا القول أشبه بالفقه، وينبغي أن يكون على قياس أبي حنيفة كذلك؛ لأنه يفوض إلى رأي المجتهد في مثله، ولا يقدر فيه بشيء كما في الكثير الفاحش، وفي المدة التي يصير الكلب معلماً فيه. ولو أن صبياً بلغ، وشهد شهادة، فحكمه حكم هذا الغريب الذي نزل من ظهراني القوم لا يعدلوه حتى يظهر فيها عندهم صلاحه وعدالته، والمدة التي يظهر فيها حاله عندهم، مقدرة على قول أبي يوسف كما بينا، ولا تقدر عند محمد بل هي على ما يقع في القلب؛ لأن العدالة مبناها على توجه الخطاب، حتى يعرف ازدجاره عن محظورات دينه وائتماره بالأوامر، والخطاب إنما توجه عليه الآن. ولو أن نصرانياً أسلم ثم شهد، فإن كان القاضي عرفه عدلاً في النصرانية يقبل شهادته ولا يبالي، وإن لم يعرفه بالعدالة يسأل فيمن عرفه بالعدالة في النصرانية، ويسعه أن يعدله من غير تأني، وإنما وقع الفرق بين الصبي والبالغ، لما ذكرنا أن العدالة والفسق إنما يعرف بتوجه الخطاب، والخطاب متوجه على النصراني، وإذا رأيناه مزدجراً عما اعتقده محظور دينه، يستدل به على عدالته، فلا يتغير ذلك بالإسلام، فأما الصبي فإنما يتوجه عليه الخطاب بعد البلوغ، ولا يعرف انزجاره عن محظورات دينه قبل ذلك ليستدل به على عدالته، فلا بد من مدة بعد البلوغ ليعرف انزجاره عن محظورات دينه. وقال بعض مشايخنا: الصبي إذا رهق الحلم، ولم يزل رشيداً حتى بلغ أن شهادته مقبولة، ويسع للمعدل أن يعدله، وإن لم يعرف سنه رشداً إلى أن بلغ، فإنه يتأنى فيه، ويتربص مدة يظهر صلاحه، ويقع في القلب أنه عدل لما ذكر في الغريب، وهذا القائل سوى بين الصبي وبين النصراني في اعتبار العدالة السابقة، وهو اختيار أبي علي النسفي ﵀، وجه التسوية: أن النصراني لا شهادة له على المسلم كالصبي، وإنما حدث لهما أهلية الشهادة على المسلمين بالبلوغ والإسلام، ثم لما اعتبر بالعدالة التي قبل الإسلام فلأن يعتبر العدالة التي قبل البلوغ في حق المراهق أولى، وهذا لأن المراهق مأمور بالصلاة، ويؤدب على تركها، ويؤمر بالقضاء إذا أفسدها، وكذلك الصوم وغيرهما من الأحكام المختصة بأهلية الشرائع، ما لم يكن النصراني، ثم لما بنى الحكم على

стр. 3545

العدالة قبل الإسلام، فلأن يبني على العدالة التي للصبي قبل البلوغ أولى، ولكن المشهور ما ذكرنا. في كتاب «الأقضية» عن محمد ﵀ في نصرانيين شهدا على نصراني وعدلا في النصرانية، ثم أسلم المشهود عليه، ثم أسلم الشاهدان، فالقاضي لا يقضي بتلك الشهادة؛ لأنهما كافران وقت الأداء، فإن شهدا بذلك بعد الإسلام يعني أعادا شهادتهما بعد الإسلام، فالقاضي يسأل المعدل المسلم عن حالهما؛ لأن ذلك التعديل لم يعتبر حجة على المشهود عليه بعد الإسلام، لكونه تعديل الكافر حتى لو كان ذلك التعديل السابق من المسلمين قضى القاضي بشهادتهما؛ لأن ذلك التعديل وقع معتبراً. وفي «نوادر هشام» عن محمد ﵀، قال: سألت محمداً عن شاهدين مشركين شهدا على مشرك بشهادة، فعدلا فلم يقض القاضي بشهادتهما حتى أسلم المشهود عليه، ثم أسلم الشاهدان، قال: أسأل الشاهدين أن يعيدا الشهادة، قلت: أتسأل عن تعديلهما قال: لا لأنهما عدلا في الشرك، قلت: فمسألة الشاهدين المشركين من المسلمين أو من المشركين، قال: من المسلمين قلت: فإن لم يعرفهما قال: يسأل المسلمون عن العدول من أهل الشرك، ثم يسأل أولئك المشركون عن الشهود. قال محمد ﵀: في رجل ارتكب ما يصير به ساقط الشهادة من الكبائر، ثم تاب، وشهد عند القاضي قبل أن يأتي عليه زمان، لا ينبغي للمعدل أن يعدله، حتى يأتي عليه زمان، وهو على توبته يقع في القلب أنه صحت توبته، وهذا لأن التوبة أمر باطن لا تعرف إلا بدليلها، والامتناع عن ارتكاب الجناية محتمل بين أن يكون على وجه التوبة (وبه) يصير عدلاً، وبين أن يكون لا على وجه التوبة؛ لأن الفاسق لا يداوم على معصية، على سبيل الموالاة، وبه لا يصير عدلاً، فلا بد من انضمام شيء آخر يدل على أن الامتناع على سبيل التوبة، فضممنا مضي مدة، وهو على توبته فيها يقع في قلب المجتهد أنه صح التوبة، وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف فيما تقدم ينبغي أن تقدر تلك المدة لسنة أو لستة أشهر. وإن كان هذا الفاسق شهد وهو فاسق ثم تاب، ومضى عليه زمان، وهو على توبته على نحو ما ذكرنا، فالقاضي لا يقضي بتلك الشهادة بل يأمر بإعادتها، فإن أعادها وعدله المعدل، فالقاضي يقبل شهادته إن كان لم يرد شهادته التي شهدها في حال فسقه، أما قبل الرد إنما يقبل شهادته؛ لأنه طهر شهادته بإخبار المعدل، وأما بعد الرد إنما لا يقبل شهادته؛ لأن بعد رده الشهادة هو متهم في التوبة، لجواز أنه قصد بها تنفيذ شهادته، ورفع ضرر عاد رد الشهادة عن نفسه، وهو في الباطن بخلافه. ولو أن فاسقاً معروفاً غاب غيبة منقطعة سنة أو سنتين، ثم قدم، ولا يرى منه إلا الصلاح، فشهد عند القاضي، وسأل القاضي العدل عنه، فلا ينبغي للعدل أن يجرحه لما كان رأى فيه من قبل، ولا ينبغي له أن يعدله أيضاً حتى يتبين عدالته، وهو بمنزلة الغريب نزل بين ظهراني قوم.

стр. 3546

وكذلك الذمي إذا أسلم، وقد عرف منه ما هو جرح قبل الإسلام لا ينبغي للمعدل أن يجرحه لما رأى فيه من قبل، ولا يعدله أيضاً حتى يظهر عدالته لما مرّ. قال: ولو أن رجلاً عدلاً مشهوراً بالرضا غاب، ثم حضر وشهد، وسئل المعدل عنه، فإن كانت الغيبة قريبة كان للمعدل أن يعدله؛ لأنه ظهر عدالته، ولم يظهر بخلافه إذ لو كان منه شيء بخلافه لوصل الخبر؛ لأن المدة قريبة، وإن كانت الغيبة منقطعة مسيرة ستة أشهر أو نحوه، فإن كان الرجل مشهوراً بالرضا والعدالة كشهرة أبي حنيفة وابن أبي ليلى، فله أن يعدله، لأنه لم يظهر بخلاف ما عرف منه إذ لو كان منه شيء بخلاف ذلك لتحدث الناس به؛ ولو تحدثوا به لوصل الخبر ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يغيبون، وكانوا لا يبطل حكم عدالتهم وطريقه ما قلنا. وإن لم يكن الرجل مشهوراً، فالمعدل لا يعدله؛ لأن هذه مدة يجوز أن يتغير المرء بها، وإذا لم يكن مشهوراً فالناس لا يتحدثون بأفعاله وأحواله ليستدل بعدم وصول الخبر على عدم التغيير، وذلك ما إذا كان الرجل معروفاً مشهوراً. وإذا عدل الشهود عند القاضي، وعرفهم القاضي بالعدالة، فشهدوا مرة أخرى، فإن كان بين التعديل وبين الشهادة الثانية مدة قريبة قضى القاضي بشهادتهم من غير سؤال، وإن طال الزمان، وقادم العهد سأل القاضي عنهم، يريد به على قول من يرى السؤال عن الشهود؛ وهذا لأن الإنسان لا يبقى على صفة واحدة في جميع الأزمان، بل يتغير على ما عليه الغالب، ولا يكون التغيير في زمان قريب وإنما يكون في زمان طويل. فبعد ذلك اختلف المشايخ فيما بينهم، منهم من قدر الطويل بسنة، وهو قول أبي يوسف آخراً وهو اختيار أبي علي النسفي ﵀، ومنهم من قدر الطويل بستة أشهر، وهو قول أبي يوسف أولاً، واختيار الخصاف ﵀، ومنهم من قدره بأربعة أشهر، ومنهم من قدره بشهر، ومنهم من كره التقدير، وفوضه إلى رأي القاضي، إن وقع في رأيه بعد الاجتهاد والتأمل أنه تغير في هذه المدة، ورأى هذه المدة طويلة يسأل عنه، وإن وقع في رأيه أن لم يتغير في هذه المدة، ورأى هذه المدة قريبة لا يسأل عنه، وهذا القول أشبه بأصول أصحابنا ﵏، وهو مروي عن محمد ﵀. وإن عرف المزكي الشهود بالعدالة، غير أنه علم أن دعوى المدعي كان باطلاً، وأن الشهود أوهموا في بعض الشهادة، فينبغي أن يبين للقاضي بما صح عنده من عدالة الشهود، وإيهامهم في الشهادة أو بطلان دعوى المدعي، فالعدل قد ينسى، وقد يغلط، والمزكي قد يقف على بطلان دعوى المدعي بما يعترض على أصل سبب الاستحقاق من الإبراء أو الإيفاء في الديون، أو تلقي صاحب اليد الملك من المدعي أو ما أشبه ذلك، والشاهد لا يعرف ذلك، ويشهد بناء على ما عاين من سبب الاستحقاق، وبهذا لا تسقط عدالته (٨٢ب٤) فلهذا قال: يذكر عدالة الشهود وبطلان دعوى المدعي. ثم القاضي يتفحص عما أخبره المزكي غاية التفحص، فإن تبين له حقيقة ما أخبره المزكي رد شهادة الشهود، وإن تبين له حقيقة ما أخبره المزكي قبل شهادة الشهود؛ ولأنه

стр. 3547

قد تثبت صحة دعوى المدعي بشهادة شهود عدول ولم يثبت بهذا الخبر بطلان دعواه؛ لأنه لا يصلح تعارضاً لشهادتهم، فلهذا قبل القاضي بشهادتهم. فإن عرف المعدل من الشهود ما هو جرح، فلا ينبغي أن يذكر جرحه صريحاً، بل يذكره بالتعريض أو الكتابة بأن يقول الله أعلم أو ما أشبهه، تحرزاً عن هتك الستر على المسلم بقدر الممكن، وبعض مشايخنا قالوا: لا بد أن يذكر الجرح ويذكر سببه؛ لأن أسباب الجرح كثيرة فلعل أن المعدل ظن شيئاً سبب جرح ولا يكون سبب جرح، فلا بد من البيان لينظر القاضي فيه فإن رآه جرحاً رد شهادته وما لا فلا. قال: وينبغي للقاضي إذا جرح الشهود أن يكتم الجرح ويقول للمدعي: زد في شهودك احترازاً عن هتك الستر قال بعض مشايخنا على قياس ما ذكر هاهنا: إذا عدل بعض الشهود وجرح البعض ينبغي للقاضي أن يكتب أسماء الذين عدلوا، ويترك أسماء المجروحين في السجل والمحضر؛ لأنه حينئذ يظهر المجروح لا محالة فيهتك ستره، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأن الخصم ربما يطعن وعند ذلك يحتاج القاضي إلى معرفة الشهود، فإذا لم تكن أساميهم مذكورة في السجل ولا في الديوان لا تجدهم حتى تتعرف عن حالهم ثانياً، فالصواب كتابة أساميهم، ولكن يكتب أسماء المعدلين لا غير تحرزاً عن هتك الستر بقدر الممكن، وإن كان المعدل لا يعرف الشهود بالعدالة فأخبره رجلان عدلان وسعه أن يعدلهما، هكذا ذكر في كتاب «الأقضية» ؛ لأن خبر العدلين حجة مطلقة يجوز للقاضي أن يقطع الحكم به، فيجوز للمعدل التعديل به. ألا ترى أنه إذا شهد عند رجل عدلان على النسب وسعه أن يشهد على النسب، فكذا هاهنا قالوا: هذا الاستشهاد مستقيم على ما ذكر محمد ﵀ في مسألة النسب في الكتب الظاهرة، أما على ما ذكر بشر بن الوليد أن على قول أبي يوسف تجوز الشهادة على النسب بشهادة الرجلين العدلين، ولا تجوز عند أبي حنيفة ﵀ حتى يسمع من العامة، فهاهنا يجب أن يكون الجواب على الخلاف أيضاً، على قول أبي حنيفة لا يسعه التعديل بإخبار العدلين حتى يسمع ذلك من العامة. وروى هشام عن محمد ﵀ مسألة التعديل بإخبار العدلين، وذكر فيها زيادة، فقال: إذا كان اللذان عدلاه يعرفان التعديل وسعه أن يعدله. وروى إبراهيم عن محمد رجل عدل عند القاضي وأنا لا أعرفه إلا أنه وصف هل يسعني أن أزكيه وقد عرفت أن القاضي زكاه، قال: لا يسعك إلا أن تعرفه. وإذا شهد شاهدان لرجل على رجل بحق وعدلهما المعدل بعد موتهما فالقاضي يقضي بشهادتهما، وكذلك لو عدلهما بعدما غابا. ولو عدلهما بعدما خرسا أو عييا فالقاضي لا يقضي بشهادتهما، والفرق أن الموت ليس بجرح في الشاهد ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ بعد موتهم على العدالة، وكذلك من بعدهم وكذلك الغيبة ليست بجرح في الشهادة، فأما الخرس والعمى في معنى الجرح في الشاهد لو اقترن بالأداء يمنع الأداء، فيمنع القضاء أيضاً.

стр. 3548

وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: شاهدان شهدا عند القاضي والحاكم يعرف أحدهما بالعدالة ولا يعرف الآخر فزكاه المعروف بالعدالة، قال بصير: لا يقبل تعديله وعن ابن سلمة روايتان. وعن الفقيه أبي بكر البلخي ﵀ في ثلاثة شهدوا عند الحاكم وهو يعرف اثنين ولم يعرف الثالث، فعدله الإثنان، قال: يجوز تعديلهما إياه في شهادة أخرى ولا يجوز في هذه الشهادة بأنه موافق لقول بصير وبه يفتى. وفي «النوازل» : إذا سأل المعدل عن الشاهد، فسكت فهو جرح وهذا ظاهر؛ لأن الإنسان لا يمتنع لإظهار ما هو حسن، وإنما يمتنع عن إظهار ما هو قبيح وهذا هو الظاهر من حال المسلم. وفيه أيضاً: الشاهد إذا كان في السر فاسقاً وفي الظاهر عدلاً، فأراد القاضي أن يقضي، فأخبر عن نفسه أنه ليس بعدل صح إقراره على نفسه، ولكن لا يسعه ذلك الكلام في ذلك الوقت؛ لأنه يتضمن إبطال حق المدعي وهتك ستر نفسه، وإذا سأل القاضي المعدل عن حال الشهود، فأخبره بما علم من حالهم، ثم أراد أن يسأل عن غيره، فلا ينبغي له أن يعلم أنه سأل غيره عن حالهم؛ لأنه متى أعلم بذلك ربما يعتمد الثاني على قول الأول فيتهاون بالسؤال، ولا يبالغ في التفحص.Y وإذا اختلف أصحاب المسائل في الجرح والتزكية، فحاصل الجواب في هذا الفصل أن المخبر بأحد الأمرين إذا كان المثنى والمخبر بالأمر الآخر الواحد، فالقاضي يأخذ بقول المثنى تزكية كان أو جرحاً؛ لأن قول المثنى حجة مطلقة، يعني به في جميع الأحوال، وقول الواحد ليس بحجة مطلقاً فلا يعارض قول المثنى، وإن كان من كل واحد من الجانبين ما هو حجة مطلقة بأن كان من كل واحد (من) الجانبين مثنى فالترجيح للجارح، لأن الجارح مثبت والمعدل ناف فإنه يقول لا أعلم فيه إلا خيراً؛ ولأن المعدل اعتمد ظاهر الحال، فإن ظاهر حال المسلم العدالة، والجارح وقف على أمر بخلاف الظاهر خفي عن المعدل، والقاضي إنما يسأل ليقف على خلاف الظاهر وذلك في خبر الجارح، وكذلك إذا كان من أحد الجانبين مثنى ومن الجانب الآخر عشرة رهط، أو فوقها أو دونها لكنها فوق المثنى كان الترجيح للجارح؛ لأن المثنى حجة متكاملة والزيادة عليها فضل، ألا ترى أن في باب المال جعلنا الزيادة على المثنى فضلاً، كذا هاهنا، وإذا كانت الزيادة على المثنى فضلاً صار كأن من كل جانب مثنى، وإن كان من كل جانب رجل واحد أعاد المسألة من غيرهما هكذا اذكر المسألة في الأصل. وفي «الأقضية» : إذ ليس من كل جانب حجة وتعذر على القاضي الحكم، فيسأل عن غيرهما رجلان ينضم إلى المخبر من أحد الجانبين ما يتم به الحجة، فيترجح الجارح وإن استكشف القاضي منهما يعني من المعدل ومن الجارح الأول، فيقول للمعدل بأي سبب عدلته ويقول للجارح: بأي سبب جرحته، فهو حسن؛ لأن أسباب الجرح مما يختلف فيه فلعل هذا الجارح اعتمد سبباً لا يكون الجرح عند القاضي والمعدل اعتمد سبباً لا يكون سبب تعديل عند القاضي، فيسأل القاضي حتى يعمل فيه برأيه.

стр. 3549

ثم ما ذكر من الجواب فيما إذا كان من كل جانب واحد أن القاضي أعاد المسألة عليها ظاهر على قول محمد ﵀، لأن العدد في المزكي شرط عنده، فإذا كان من كل جانب واحد لم يثبت واحد منهما لا العدالة ولا الجرح فيتوقف القاضي كشاهد واحد شهد عند القاضي فإن القاضي يتوقف إلى أن يشهد شاهد آخر كذا هاهنا، وأما على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف مشكل؛ لأن عندهما العدد في المزكي ليس بشرط، فتتم الحجة من الجانبين، فينبغي أن يكون الجرح أولى، كما لو كان من كل جانب مثنى، عامة المشايخ على أن المذكور في الأصل والأقضية قول محمد ﵀، فأما على قولهما فالجرح أولى هكذا ذكر في «المنتقى» . وصورة ما ذكر في «المنتقى» إذا زكى الشهود واحد وجرحه واحد، قال أبو حنيفة وأبو يوسف الجرح أولى، وقال محمد: الشهادة موقوفة على حالها حتى يجرح آخر أو يعدل آخر، ومن المشايخ من قال: ما ذكر في «الأصل» و «الأقضية» قول الكل وهذا القائل يقول: في المسألة روايتان عنهما، ويفرق هذا القائل على قولهما بينما إذا كان من كل جانب واحد، وبينما إذا كان من كل جانب اثنان على رواية «الأصل» . ووجه الفرق: أن الاثنين مما تتم بهما الشهادة، فإذا كان من كل جانب اثنين فقد بلغ كل فريق حد الشهادة وفي الجرح معنى الإثبات، وفي التعديل معنى النفي، والشهادة شرعت للإثبات لا للنفي، فرجحنا الجرح للتعديل لهذا، أما الواحد مما لا تتم به الشهادة بل كلامه خبر، والنفي والإثبات يستويان في الخبر، فلا يمكن ترجيح الجرح فيستقبل القاضي السؤال استقبالاً، فإذا سأل القاضي عن الشهود وطعن فيهم لا ينبغي للقاضي أن يصرح للمدعي بأن شهودك جرحوا، بل يقول له: زد في شهودك أو يقول له لم يجد شهودك ليكون ذلك أقرب إلى السنن، فإن قال المدعي أنا آتي بمن يعدلهم ويسمي قوماً يصلحون للمسألة، فإن القاضي يسمع ذلك منه ويسألهم. ذكر المسألة في «العيون» وفي «أدب القاضي» ، فإن عدلهم ذلك القوم سأل القاضي الطاعنين بما طعنوا فيهم؛ لأنه يجوز أنهم طعنوا بما لا يصلح وجه الطعن عند القاضي والمدعي، فإن بينوا ما هو جرح عند الكل كان الجرح أولى، وإن بينوا سبباً لا يصلح للطعن عند القاضي لا يلتفت إليهم ويقبل شهادة الشهود وكذلك لو عدلهم المزكي فطعن الشهود عليه، وقال القاضي: اسأل فلاناً وفلاناً سمى قوماً صالحين للمسألة يسأل عنهم، فإن جرحوا وبينوا سبباً صالحاً، فالجرح أولى هكذا ذكر في «العيون» وفي «أدب القاضي» أيضاً. وفي «نوادر ابن سماعة» : قلت لمحمد ﵀ إذا سأل القاضي في السر عن الشهود فلم يعدلوا ثم أتاه المشهود له بالمعدلين في العلانية، قال لا يقبل ذلك منه، وهذه الرواية تخالف رواية «العيون» وبه يفتى؛ لأن العبرة لتزكية السر ويتمكن تهمة المواضعة بينهم؛ ولأن في التفحص عن ذلك إشاعة الفاحشة وتهييج العداوة بينهم....

стр. 3550

وفي «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀ إذا عدل الشاهد (٨٤أ٤) في السر فقال المشهود عليه أنا أجيء بالبينة في العلانية أنه صاحب كذا وكذا ... ، إذا كان كذلك لا تقبل شهادته، فإنى لا أقبل ذلك من المدعي، إذا عدل الشاهد في السر أشار إلى أن العبرة لتزكية السر وإنه يخالف رواية «العيون» أيضاً. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد أيضاً قلت: لمحمد ﵀ أما من القاضي المشهود له أن تأتيه من يعدل شهوده، قالا: لأن العبرة لتزكية السر ولتمكن التهمة في حق من يعدل الشاهد بأمر المشهود عليه، فلعله واضعه على ذلك ولا تهمة في حق مزكي القاضي. وإذا شهد شاهدان على رجل بمال فقال المشهود عليه: هما عبدان، وقال الشاهدان: نحن أحرار الأصل لم نملك قط، فالقاضي لا يقبل شهادتهما حتى يعلم أنهما حران. روى ابن سماعة عن أبي حنيفة ﵏ أنه قال: الناس أحرار إلا في أربع مواضع: الشهادة والحدود والقصاص والعقل، ونحوه ورد عن عمر ﵁. صورته في الشهادة ما ذكرنا. صورته في الحد: رجل قذف إنساناً وزعم القاذف أن المقذوف عبد، فالقاضي لا يحد القاذف حتى يعلم حرية المقذوف. صورته في القصاص: رجل قطع يد إنسان وزعم القاطع أن المقطوعة يده عبد، فالقاضي لا يقطع يد القاطع حتى يعلم حرية المقطوعة يده. صورته في العقل: رجل قتل رجلاً خطأً، وزعم العاقلة أن المقتول عبد، فالقاضي لا يقضي على العاقلة بالدية حتى يعلم حرية المقتول، وهذا كله إذا لم تكن حرية الشاهدين وحرية المقذوف وحرية المقطوع والمقتول معلومة للقاضي بيقين بأن كانوا مجهولين في النسب، ولم يعاين القاضي إعتاقهم من جهة أحد، فأما إذا كانت معلومة للقاضي يتعين بأن عرف حرية أبويهم من الأصل أو عرف حريتهم بالإعتاق، فالقاضي لا يلتفت إلى طعنهم؛ لأنه عرف كذبهم في طعنهم بيقين، فإن سأل القاضي عن الشهود وأخبر المزكون أنهم أحرار الأصل أجزت شهادتهم، ولم أكلفهم البينة، أشار إلى أن الإخبار عن حرية الشهود يكفي للعمل بالشهادة، هكذا ذكر في «كتاب الأقضية» ، وهذا لأن القاضي لا يحتاج إلى القضاء بالحرية؛ لأن ذلك إنما يكون بعد ثبوت الرق، والرق غير ثابت وإنما يحتاج إلى ما يعرف به أن شهادتهم حجة، فصارت الحرية كالعدالة ثم العدالة تثبت، بالإخبار فكذا الحرية. وذكر في شهادات «الأصل» : أن القاضي إذا اكتفى بالإخبار فحسن وإن طلب على ذلك بينة فهو أحب وأحسن؛ لأن الحاجة إلى معرفة الحرية فوق الحاجة إلى معرفة العدالة؛ لأن أهلية الشهادة لا تثبت بدون الحرية وتثبت بدون العدالة؛ ولأن الحرية

стр. 3551

أخذت سببها من أصلين مختلفين من العدالة، باعتباراتها من أسباب قبول الشهادة ومن الملك باعتبار أنه تجري فيها الخصومة وفيها حق العباد، فلشبهها بالعدالة قلنا بأنها تثبت بمجرد الإخبار ولشبهها بالملك، قلنا بأن الإثبات بالبينة أولى؛ لأن الحرية تصير مقضياً بها. ولو جاء إنسان وادعى رقبة هذا الشاهد بعد ذلك لا ذكر لهذه المسألة في الكتب، قال فخر الإسلام علي البزدوي ﵀ وفيه شبهه يجب أن لا يسمع إذا قام البينة على حرية ويسمع إذا لم يقم. ثم إن أصحابنا ﵏ فرقوا بين فصل الشهادة وبينما عداها من الفصول وهو فصل الحد والقصاص والقتل. فقال: في فصل الشهادة: إذا أخبر المزكون بحرية الشهود فالقاضي يجيز شهادتهم ولم يشترط إقامة البينة، وقال في الفصول الثلاث القاضي لا يقضي بالحد والقصاص والعقد ما لم يقم البينة على الحرية. والفرق أن الحرية من أسباب قبول الشهادة وليست من حقوق العباد التي تدخل تحت القضاء، فكانت كالعدالة ثم العدالة تثبت بالسؤال فكذا الحرية، فأما الحد والقصاص والعقل من الحقوق التي تدخل تحت القضاء، فلما لا يمكن إثباتها إلا بالبينة فكذا في الحرية التي لا يجب حد القذف ولا يجب العقل والقصاص؛ لأنها لا يمكن إثباتها إلا بالبينة، هذا إذا قال الشهود: نحن أحرار، فأما إذا قالوا: كنا عبيد فلان أعتقنا قاض لا يقضي بشهادتهم حق تقوم البينة على العتق، بخلاف الفصل الأول. والفرق أنهم إذا قالوا: كنا عبيد فلان فقد أقروا على أنفسهم بالرق، وإقرارهم حجة عليهم، فيثبت الرق عليهم بإقرارهم فيحتاج القاضي بعد هذا إلى القضاء بالعتق، والقضاء بالعتق لا يكون إلا بالبينة فأما في الفصل الأول، فالرق لم يثبت، فلا حاجة إلى القضاء بالعتق، وإنما الحاجة إلى ما يعرف به أن شهادتهم هل صارت حجة؟ والتقريب ما ذكرنا، وكذلك إذا قال الشهود: نحن أحرار الأصل، وقال المزكون: كانوا عبيداً لفلان أعتقهم، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم حتى تقوم البينة على العتق؛ لأن الرق قد ثبت عليهم بإخبار المزكين، فيحتاج القاضي إلى القضاء بالعتق والتقريب ما ذكرنا. وإن أقام المشهود له بينة على المشهود عليه أن فلاناً أعتقهم وهو يملكهم، وقضى القاضي بعتقهم كان ذلك قضاء على العتق، حتى لو حضر وأنكر الإعتاق لا يحتاج إلى إقامة البينة عليه؛ لأن المشهود عليه انتصب خصماً عن المولى؛ لأن المشهود له ادعى حرية الشاهد على المشهود عليه، وقد صح منه هذا الدعوى؛ لأنه لا يتمكن من إثبات حقه على المشهود عليه إلا بها والمشهود عليه أنكر ذلك وصح منه الإنكار؛ لأنه لا يتمكن من دفع الشهود عن نفسه إلا بإنكار الحرية. والأصل أن من ادعى حقاً على الحاضر لا يتوصل إلى إثباته إلا بإثبات سببه على الغائب، ينتصب خصماً عن الغائب فصار إقامة البينة على المشهود عليه كإقامتها على المولى الغائب. وإذا شهد الشهود على رجل بمال أو دم فطعن فيهم المدعى عليه، فالقاضي لا

стр. 3552

يقضي بشهادتهم حتى يسأل عنهم، فإن سأل عنهم وزكوا في السر والعلانية، فأراد القاضي أن يقضي بشهادتهم، فقال المشهود عليه أنا أجرحهم وأقيم البينة على ذلك، فهذه المسألة على وجهين: الأول أن يقيم البينة على جرح مفرد لا يدخل تحت حكم الحاكم، وهو أن يقيم البينة على أنهم فسقة أو رماة، وعلى إقرارهم أن المدعي استأجرهم على هذه الشهادة أو على إقرارهم، أنهم قالوا: لا شهادة للمدعي على المدعى عليه قلنا في هذه الحادثة أو على إقرارهم أنهم قالوا: شهدنا بالزور أو على إقرارهم أنهم لم يحضروا المجلس الذي كان فيه هذا الأمر، وفي هذا الوجه القاضي لا يقبل هذه الشهادة عندنا خلافاً لابن أبي ليلى والشافعي رحمهما الله. الوجه الثاني: أن يقيم البينة أن الشهود زنوا ووصفوا أو يقيم بينة أنهم سرقوا مني كذا، أو شربوا الخمر، أو أنهم شركاء في المشهود به، أو أنهم صالحوني على كذا درهماً حتى لا يشهدوا علي ودفعت ذلك إليهم، أو أنهم عبيد أو محدودون في القذف، أو على أن المدعي أقر أن الشهود شهدوا بزور، أو على أن المدعي أقر أنه استأجرهم على هذه الشهادة أو على إقراره أنهم لم يحضروا المجلس الذي كان فيه هذا الأمر، وفي هذا الوجه القاضي يقبل هذه الشهادة بالاتفاق. وجه قول ابن أبي ليلى: أن هذه شهادة قامت على الجرح، والمدعي قد يحتاج إلى إثباته بالبينة ليدفع خصومة المدعي عن نفسه، وجب أن يقبل قياساً على وجه الثاني. ولعلمائنا ﵏ في المسألة طرق وأصحها وأوضحها ما اختاره القاضي الإمام صاعد النيسابوري، والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده، والصدر الشهيد ﵏، وإليه أشار محمد ﵀ في كتاب التزكية أن الشاهد بالشهادة على الجرح المفرد صار فاسقاً؛ لأنه ارتكب كبيرة ألحق بفاعلها الوعيد في الدنيا والآخرة بنص القرآن؛ لأنه أظهر. قال الله تعالى: ﴿إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة﴾ (النور: ١٩) ، علم أن الشاهد صار فاسقاً والمشهود به لا يثبت بشهادة الفاسق، فإن قيل: في إثبات إظهار الفاحشة ضرورة، وهي دفع الخصومة عن المدعي، وصار كالوجه الثاني. قلنا: لا ضرورة، لأنها تندفع بقولهم سراً للقاضي أو للمدعي من غير أن يظهر ذلك في مجلس الحكم. وهذا بخلاف ما لو شهدوا أنهم.... وصفوا الزنا؛ لأن في إظهار الفاحشة هناك ضرورة وهو إقامة الحد واسترداد المسروق، بخلاف ما إذا شهدوا أنهم شركاء في المشهود به؛ لأنه ليس في ذلك إظهار الفاحشة من جانب الشهود، وإنما فيه حكاية ظهور الفاحشة من غيرهم وهم شهود القذف أو القاضي والحاكي لإظهار الفاحشة، لا يكون يظهر الفاحشة فلم يصيروا فسقة وبخلاف ما إذا شهدوا على إقرار المدعي أنهم فسقة، وما شاكله؛ لأنهم بشهادتهم ما أظهروا الفاحشة إنما حكوا إظهار

стр. 3553

الفاحشة من غيره وهو المدعي، فلم يصيروا فسقة، بخلاف ما إذا أقام البينة أنهم صالحهم على كذا، حتى لا يشهدوا عليه ودفع ذلك إليهم؛ لأنهم وإن أظهروا الفاحشة وكان فيه ضرورة ليصل إلى المال حتى لو قال: لم أعطهم لم يقبل؛ لأن فيه إظهار الفاحشة من غير ضرورة. ثم المدعى عليه إذا أقام البينة أن شاهد المدعي محدود في القذف فالقاضي يسأل الشهود من حده هكذا ذكر في حدود «الأصل» ؛ لأن إقامة حد القذف إن حصل من السلطان (٨٤ب٤) أو من نائبه تبطل شهادته، وإن حصل من واحد من الرعايا بغير إذن السلطان لا تبطل شهادته، فلا بد من السؤال عن ذلك. وإن قالوا حده قاضي كوة كذا، فالقاضي هل يسأله في أي وقت حده؟ لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في «الأصل» . في «كتاب الأقضية» : أن القاضي يسأل ليعلم أنه هل كان قاضياً في ذلك الوقت، فإن قال المشهود عليه بحد القذف: أنا أقيم البينة على إقرار ذلك القاضي أنه ما حدني ولم يؤقت واحدة من البينتين وقتاً، فإن القاضي يقضي بكونه محدوداً في القذف. ولا يمتنع القاضي من القضاء بكونه محدوداً في القذف، بسبب بينة الإقرار لوجهين: أحدهما أن العمل بالبينتين ممكن إذا لم يوقت واحدة من البينتين، وما يحمل بينة الإقرار، على ما قبل إقامة الحد وبينة إقامة الحد تحمل على ما بعد الإقرار، كان القاضي أقر قبل إقامة الحد أنه لم يحده حد القذف، ثم أقام عليه الحد بعد ذلك ومهما أمكن العمل بالبينتين لا يعطل واحدة منهما. والثاني: أن البينة على الإقرار قامت على النفي من حيث المقصود؛ لأن المقصود من إثبات هذا الإقرار على القاضي نفي شهادة اللذين شهدا عليه لا بموت حكم آخر، فكانت هذه البينة باعتبار المقصود قائم على النفي، والبينة على النفي لا تقبل، فصار وجوده وعدمه بمنزلة، فإن كان شهود القذف قد وقتوا وقتاً بأن شهدوا أن قاضي بلد كذا حده حد القذف سنة سبع وخمسين وأربعمائة، فأقام المشهود عليه البينة أن ذلك القاضي مات سنة خمسة وخمسين وأربعمائة، وأقام البينة أنه كان غائباً في أرض كذا سنة سبع وخمسين، فإن القاضي يقضي بكونه محدوداً في القذف، ولا يلتفت إلى بينته ولا تجيء في هذه المسألة الطريقة الأولى الذي ذكرناها في المسألة الأولى، من إمكان العمل بالبينتين؛ لأن العمل بالبينتين غير ممكن وإنما تجيء الطريقة الأخرى، وهو أن بينة المشهود عليه من حيث المعنى قائمة على النفي؛ لأن المقصود من إثبات موت القاضي قبل ذلك، ومن إثبات الغيبة نفي شهادة الشهود الذين شهدوا عليه لا حكم آخر يثبت بالغيبة، فكانت بينة المشهود عليه باعتبار المقصود قائمة على النفي، والبينة على النفي غير مقبولة، فصار وجود هذه البينة وعدمه بمنزلة، إلا أن يكون أمراً مشهوراً في ذلك فحينئذ لا يقضي بكونه محدوداً في قذف، بأن كان موت القاضي قبل الوقت الذي شهد الشهود بإقامة الحد فيه مستفيضاً ظاهراً فيما بين الناس علمه كل صغير وكبير، وكل جاهل

стр. 3554

وعالم وكان كون القاضي في أرض كذا في الوقت الذي شهد الشهود بإقامة الحد فيه ظاهر مستفيض عرفه كل صغير وكبير وعالم وجاهل فح لا يقضي بكون الشاهد محدوداً في قذف، ويقضي على المشهود عليه بالمال، وذلك لأن بينة ... المشهود عليه بالحد على ما أقامها قائمة على النفي فصار وجودها وعدمها بمنزلة، فبقي بينة المشهود له بالمال على كونه محدوداً في قذف، وإنها قائمة على الإثبات إلا أن البينة وإن قامت على الإثبات فإنه يثبت كذب الشاهد فيما شهد به بيقين. كرجل ادعى عبداً في يد إنسان ادعى أنه ملكه منذ عشر سنين وشهد الشهود بذلك، والعبد طفل رضيع، فإن الشهادة لا تقبل وإن قامت على الإثبات؛ لأنها كاذبة، بيقين فكذا هنا عرف القاضي كذب هذه الشهادة بيقين لما ثبت عنده موت هذا القاضي قبل الوقت الذي شهدوا بإقامة الحد فيه بيقين، وثبت كونه في أرض كذا في الوقت الذي شهدوا بإقامة الحد فيه. فرق بين هذا وبينما إذا شهد شاهدان أن فلاناً طلق امرأته يوم النحر بمكة، وشهد آخران أنه أعتق عبده في ذلك اليوم بعينه بالكوفة، فإن القاضي لا يقضي بواحدة من البينتين، وها هنا لو شهد شاهدان على الشاهد أن قاضي الكوفة حده يوم النحر من سنة كذا بالكوفة، وأقام المشهود عليه بينة أنه يوم النحر من سنة كذا تلك السنة كان بمكة، فإن القاضي يقضي ببينة الحد ولا يلتفت إلى البينة الأخرى. والفرق بينهما أن كلتا البينتين في مسألة الطلاق والعتاق قامت في محلها، فإن كل واحدة منهما قامت على الإثبات، فكانت كل واحدة من البينتين معارضة للأخرى وإحداهما كاذبة وليست إحداهما بأن تجعل صادقة والأخرى كاذبة، بأولى من الأخرى، فتهاترتا فأما هاهنا بينة المشهود عليه على الموت والبينة قامت على النفي باعتبار المقصود، وإنها على النفي ليست بحجة، فصار وجودها وعدمها بمنزلة ولو عدم وجب القضاء بالأولى؛ لأنه لا معارض لها، فكذا هاهنا. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: رجل ادعى داراً في يدي رجل وأقام على ذلك شهوداً، وأقام المشهود عليه شهوداً أن هذا الشاهد كان مدعياً ويزعم أنها له، فهذا جرح إن عدلت بينته بذلك، وكذلك لو أقام بينة أن الشاهد كان يدعي الشركة فيها. الفصل الثاني والعشرون: فيما ينبغي للقاضي أن يضعه على يدي عدل وما لا يضعه وإذا ادعت المرأة الطلاق على الزوج وجاءت بشاهد واحد، وطلبت من القاضي أن يضعها على يدي عدل حتى تأتي بالشاهد الآخر ينظر إن كان الطلاق رجعياً لا يحول بينها وبين الزوج؛ لأن الطلاق رجعي لا يزيل النكاح، ألا ترى أنه لو أقامت شاهدين على

стр. 3555

الطلاق الرجعي، فالقاضي لا يحول بينها وبين الزوج، فهاهنا أولى. وإن كان الطلاق بائناً إن قالت المرأة: شاهدي الآخر غائب وليس في المصر، فكذلك الجواب لا يحول بينها وبين الزوج؛ لأن في الحيلولة بينها وبين الزوج إزالة يد الزوج واليد مقصود كالملك، فكما لا يزال بشهادة الواحد ملك الإنسان، فكذا لا تزال يده بشهادة الواحد. وإن قالت: شاهدي الآخر في المصر إن كان الشاهد الحاضر فاسقاً، فكذلك الجواب لا يحال بينها وبين زوجها؛ لأن شهادة الفاسق ليست بحجة أصلاً، لا في حقوق الله تعالى ولا في حقوق العباد، فصار وجودها والمعدوم بمنزلة. فأما إذا كان عدلاً قال في «الأصل» : يؤجلها ثلاثة أيام وإن حال بينها وبين زوجها فحسن، هكذا ذكر في «الأصل» . وذكر في «الجامع» بخلافه، وسيأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. أما يؤجله ثلاثة أيام؛ لأنه لا يمكن لكل مدع إحضار شهوده جمله في أول المجلس، ولا بعد يوم ولا بعد يومين ويمكنه الإحضار بعد أيام، فقدرنا بالثلاثة على ما عرف، وأما الحيلولة بطريق الاستحباب؛ لأن إيقاع الطلاق البائن يوجب تحريم الفرج وإزالة ملك الزوج، وشهادة الواحد إذا كان عدلاً حجة في حقوق الله تعالى وليست بحجة في حقوق العباد، فاعتبار حق الله تعالى يوجب الحيلولة واعتبار حق الزوج لا يوجب، فاستحب الحيلولة.j ولم يوجب إذا كان الشاهد الآخر في المصر؛ لأنه متى كان في المصر لا تطول هذه الحيلولة، ولا يتضرر الزوج بها كثير ضرر، فأما إذا كان غائباً فمدة الحيلولة تطول ويكثر الضرر على الزوج، فاعتبر حق الزوج في هذه الحالة ولم يعتبر حق الله تعالى، وإذا كان مدة الحيلولة لا تطول راعى الجهتين بقدر الممكن، فقال: إن حال كان حسناً. فأما إذا أقامت شاهدين على الطلاق البائن أو على الطلقات الثلاث لم يذكر هذا الفصل في «الأصل» . وذكر في «الجامع» أن القاضي يمنع الزوج عن الدخول عليها والخلوة معها ما دام مشغولاً بتزكية الشهود، وهذا استحسان والقياس أن لا يحول بينهما؛ لأنها امرأته بعد. وجه الاستحسان: أن الشهود يحتمل أن يكونوا صدقة وعلى هذا التقدير يجب المنع، فوجب المنع احتياطاً لأمر الفرج ولا يخرجها القاضي من منزل زوجها؛ لأن تيقناً إخراجها؛ لأنها منكوحة أو معتدة، وأياً ما كانت يحرم إخراجها، ولكن يجعل القاضي معها امرأة أمينة تمنع الزوج من الدخول عليها، وإن كان الزوج عدلاً. فرق بين هذا وبينما إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً ومنزله ضيق، فجعل بينهما سترة أو حائلاً يكتفى به، ولا يحتاج إلى امرأة أمينة إذا كان الزوج عدلاً، والفرق بينهما أن الزوج في مسألتنا ينكر الحرمة ويستحلها، والعدل لا يمتنع عما يستحله بدينه، أما في تلك المسألة الزوج يعتقد الحرمة فلا يخاف عليها إذا كان عدلاً ونفقة الأمينة في بيت المال؛ لأنها مشغولة بمنع الزوج عن الدخول عليها حقاً لله تعالى، فتكون نفقتها في مال الله

стр. 3556

تعالى؛ لأنها عاملة لله تعالى احتياطاً لأمر الله تعالى، ومال الله تعالى مال بيت المال. قال في «الجامع» : وكذلك إذا شهد شاهد واحد عدل، فالقاضي يمنع الزوج عن الدخول عليها استحساناً، وإنه يخالف ما ذكر في «الأصل» ، فقد ذكر في «الأصل» في هذه الصورة أن القاضي إن حال بينهما فهو حسن، ثم قال فإن زكيت الشهود فرق بينهما وإلا ردت المرأة على الزوج، فإن طالت المدة وطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة أو كان لها نفقة مفروضة لكل شهر، فالقاضي يفرض لها النفقة ويأمر الزوج بإعطاء المفروض. ولكن إنما يفرض لها نفقة مدة العدة لا غير؛ لأنها إن كانت مطلقة فهي معتدة ولها نفقة العدة، وإن لم تكن مطلقة فهي منكوحة ممنوعة من الزوج لا لمعنى من جهة الزوج، هذا يوجب سقوط النفقة، ولكن النفقة كانت واجبة وقع الشك في سقوطها، فلا تسقط بالشك إلا أن هذا الشك في مقدار نفقة العدة، فأما الزيادة على نفقة العدة فقد تيقنا بسقوطها. فإذا أخذت قدر (٨٥أ٤) نفقة العدة إن عدلت الشهود سلم لها ما أخذت؛ لأنه تبين أنها استوفت العدة وهي حقها، وإن ردت الشهادة وردت المرأة على زوجها رجع الزوج عليها بما أخذت؛ لأنه تبين أنها كانت منكوحة ممنوعة عن الزوج لا لمعنى من جهة الزوج تبين أنها ما كانت مستحقة للنفقة، وأن القاضي أخطأ في قضائه وأنها أخذت ما أخذت بغير حق. قال محمد ﵀ في عتاق «الأصل» : إذا ادعى العبد أو الأمة العتق على مولاه وليس لهما بينة حاضرة، فإنه لا يحال بينهما وبين المولى، لما ذكرنا أن في الحيلولة إزالة اليد واليد حق مقصود كالملك، فكما لا يجوز إزالة ملك الإنسان بمجرد الدعوى، فكذا لا يجوز إزالة يده بمجرد الدعوى. وإن أقاما شاهداً واحداً، فإن قالا: الشاهد الآخر غائب عن المصر، فكذلك الجواب لما قلنا في الطلاق، وإن كان (حاضراً في المصر) ذكر أنه لا يحال بينهما أيضاً، وهذا الذي ذكره صحيح في حق العبد، أما في الأمة ينبغي أن يقال: إن حال بينهما فحسن على رواية «الأصل» ، وعلى رواية «الجامع» يحال بينهما على نحو ما ذكرنا في الطلاق، وهذا لأن عتق الأمة يتضمن حرمة الفرج كالطلاق، فكان الجواب في عتق الأمة نظير الجواب في طلاق المرأة. وأما إذا أقاما شاهدين مستورين يحال بينهما جميعاً، إلى أن تظهر عدالة الشهود؛ لأن شهادة المستورين حجة في حق الله تعالى والعباد. ألا ترى أن القاضي لو قضى بشهادتهما، بظاهر العدالة ينفذ قضاؤه بالإجماع، فيجوز إزالة يد المولى بشهادتهما، وهذا الجواب في الأمة يجري على إطلاقه؛ لأن في الأمة يحال بشهادة الواحد إذا لم يكن الشاهد فاسقاً، فشهادة المستورين أولى، وفي العبد محمول على ما إذا كان المولى مخوفاً عليه، يخاف منه الاستهلاك وتعيب العبد وكان

стр. 3557

معروفاً بذلك، فأما إذا لم يكن بهذه الصفة لا يحال بينه وبين العبد، وإنما يؤخذ منه كفيل بنفسه وبنفس العبد. ثم طريق الحيلولة في الأمة الوضع على يدي امرأة ثقة، والأمة تخالف المرأة الحرة، فإن هناك طريق الحيلولة أن يجعل معها امرأة ثقة ولا تخرجها من بيت الزوج والفرق أن وضع الحرة على يدي العدل أمر مفيد؛ لأنه لا يثبت للحر يد على الحرة إلا بالنكاح، ولا نكاح، فإذا لم يفد لم يوضع، أما هاهنا إن كانت البينة كاذبة كانت هي أمة ووضع الأمة على يد الحر مفيد لا يثبت للحر يد على الأمة بدون النكاح، فلهذا وضعنا. ثم في فصل الأمة وفي فصل الطلاق قال بالحيلولة وإن كان الزوج والمولى عدلاً، هكذا ذكر في «الأصل» و «الجامع» . وفي «المنتقى» قال: إنما توضع الجارية على يدي العدل إذا لم يكن المدعى عليه مأموناً يخاف على الجارية أن يجامعها، فأما إذا كان مأموناً ثقة والقاضي يعرفه بذلك لا يعزلها. ثم قال: وكذلك إذا أقامت المرأة بينة على طلاقها. فإن وضعت الجارية على يدي العدل وطلبت من القاضي النفقة، فالقاضي يأمر المولى بالإنفاق عليها؛ لأن نفقتها كانت واجبة على المولى وقع الشك في سقوطها إن كانت البينة صدقت تسقط نفقتها، وإن كانت كذبت لا تسقط نفقتها وإن صارت ممنوعة عن المولى؛ لأن نفقة المملوك لا تسقط عن المولى، وإن كانت ممنوعة عنه فلا تسقط نفقتها بالشك. وإن أخذت نفقتها شهراً ثم لم تزك الشهود وردت الأمة على مولاها لا يرجع المولى عليها بما أنفق بخلاف المسألة التي تقدم ذكرها، فإن هناك إذا لم تزك الشهود وردت المرأة على الزوج، فإنه يرجع عليها بما أنفق والفرق أن نفقة الملك إنما تجب باعتبار الملك نفسه وملك المولى باق في هذه الحالة، وأما نفقة المرأة إنما تجب إذا لم تصر ممنوعة عن الزوج لا لمعنى من جهة الزوج، وقد بين أنها صارت ممنوعة عن الزوج لا لمعنى من جهة الزوج. وإن زكت البينة فإن أنفق المولى عليها على وجه التبرع، أو أكلت في بيت المولى فلا رجوع له عليها كما في سائر التبرعات وإن أجبر القاضي المولى على ذلك يرجع عليها بخلاف الطلاق. والفرق أنا بنينا الاستحقاق بحكم الملك، وتبين أنه لا ملك وثمة الاستحقاق بالاحتباس حق الزوج، وتبين أنها محبوسة لحق الزوج في العدة. وفي «المنتقى» ، يقول فيما إذا زكت البينة وأعتقهما القاضي، فإن قال المدعى عليه: قد كنت أنفق عليها كما أنفق على عبيدي فهو متطوع، وإن قال: دفعت ذلك إليهما قرضاً لهما على أنهما حران رجع عليهما بالكسوة والدراهم ولا يرجع عليهما بالطعام، لا استحسن أن يرجع بالطعام. وإن كان الشاهدان على عتق العبد والأمة فاسقين، فلا شك أن في الأمة يحال بينها وبين المولى؛ لأن في الأمة يحال بشهادة الشاهد الواحد إذا كان عدلاً مع أنها ليست

стр. 3558

بحجة في حقوق العباد، فلأن يحال بشهادة الفاسقين وشهادتهما حجة في حقوق العباد، حتى لو قضى القاضي بشهادة الفاسق على تحر أنه صادق ينفذ قضاؤه أولى. وأما في العبد ففيه اختلاف الروايات. ذكر في بعض الروايات أنه يحال؛ لأنها حجة القضاء في الجملة، فكان بمنزلة المستورين، وفي المستورين يحال في العبد إذا كان المدعى عليه ممن يخاف على العبد، وإن كان ممن لا يخاف عليه يكتفى بأخذ الكفيل على ما بينا، فكذا شهادة الفاسقين وفي رواية لا يحال؛ لأن زيادة العدد تقام مقام العدالة فيصير الفاسقان بسبب زيادة العدد كشاهد واحد عدل، وبشهادة واحد عدل لا تجب الحيلولة في العبد. أمة في يدي رجل ادعاها رجل أنها له، وأقام على ذلك شاهدين لا يعرفهما القاضي، فالقاضي يخرجها عن يده ويضعها على يدي عدل لما مر. ولو طلب النفقة وأمر القاضي المشهود عليه بالإنفاق، ثم لم يزك الشهود وردت الجارية على المولى فالمولى لا يرجع بما أنفق على أحد، وإن زكت الشهود، وقضى القاضي بالجارية للمدعي لم يكن للمشهود عليه أن يرجع على المدعي؛ لأنه أنفق على جاريته بغير إذنه. وهل يرجع بذلك؟ على قول أبي حنيفة ﵀ لا يرجع، وعلى قول أبي يوسف ومحمد يرجع ويكون ذلك ديناً على ذمة الجارية تباع فيه الجارية إلا أن يعدلهما المقضي له؛ لأنه لما قضى بها للمدعي ظهر أن المدعى عليه كان غاصباً في حال ما أنفق عليها؛ لأنها في يد العدل ويد العدل يد المدعى عليه ولهذا لو هلكت في يد العدل ضمن المدعى عليه قيمتها، فتبين أنها استهلكت شيئاً من مال الغاصب، ومن أصل أبي حنيفة أن جناية المغصوب على مال الغاصب هدر كجناية المملوك على مالكه، وعندهما معتبرة كالجناية على الأجنبي وهي من مسائل الديات. عبد في يدي رجل ادعاه رجل أنه عبده، وأقام على ذلك شاهدين لا يعرفهما القاضي لم يؤخذ من يد المدعى عليه؛ لأن الأخذ من يده والوضع على يدي عدل في فصل الأمة، إنما كان صيانة للفرج وإنه معدوم هاهنا، ولكن يأخذ القاضي كفيلاً من المدعى عليه بنفسه وكيلاً بنفس العبد. أما أخذ الكفيل بنفس العبد؛ لأن المدعي استحق القضاء بالعبد عند تزكية الشهود والإشارة إلى العبد أمر لا بد منها لصحة القضاء، فلو لم يأخذ كفيلاً بالعبد ربما يغيب العبد، فيعجز القاضي عن القضاء بالعبد، وأما أخذ الكفيل بنفس المدعى عليه كيلا يغيب، فإن القضاء لا يجوز على الغائب، ثم يأمر القاضي المدعى عليه أن يجعل الكفيل بنفسه وكيلاً بالخصومة حتى إنه إذا غاب ولم يقدر الكفيل على إحضاره فالمدعي يخاصم الكفيل ويقضي القاضي عليه ولكن إن أبى المدعى عليه أن يجعله وكيلاً فالقاضي لا يجبره بخلاف ما إذا أبى إعطاء الكفيل حيث يجبر عليه وإن لم يجد المدعى عليه كفيلاً، فالقاضي يقول للمدعي: الزم المدعى عليه والعبد. ولو كان المدعي لا يقدر على ذلك وكان المدعى عليه مخوفاً على ما في يده

стр. 3559

بالإتلاف، فرأى القاضي أن يضع العبد على يدي عدل يضعه صيانة لحق المدعي، وكذلك إذا كان المدعى عليه فاسقاً معروفاً بالفجور مع الغلمان يخرجه القاضي عن يده ويضعه على يدي عدل بطريق الأمر بالمعروف، ولكن هذا لا يختص بالدعوى والبينة بل في كل موضع كان صاحب الغلام معروفاً بالفجور مع الغلمان يخرجه القاضي عن يده ويضعه على يدي عدل بطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم إذا وضعه على يدي عدل أمره أن يكتسب وينفق على نفسه إذا كان قادراً على الكسب، ولم يذكر مثل هذا في الأمة؛ لأنها عاجزة عن الكسب عادة حتى لو كانت الأمة قادرة على الكسب بأن كانت غسالة معروفة بذلك، أو خبازة توصى بالكسب أيضاً، ولو كان العبد عاجزاً عن الكسب لزمنه أو صغره يؤمر المدعى (٨٥ب٤) عليه بالنفقة، فإذاً لا فرق بين الأمة وبين العبد، هكذا حكي عن الفقيه أبي بكر البلخي وأبي اسحق الحافظ. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل ادعى جارية في يدي رجل أنها له، وأقام على دعواه بينة وزكت بينته، وقد كان القاضي وضعها في يدي عدل وهرب المدعى عليه، قال: أمر الذي بقي على يديه يعني العدل أن يؤاجرها وينفق عليها من أجرها، فإن كان لا يؤاجر مثلها آمر به أن يستدين بالنفقة عليها، فإذا حصل اليأس الناس من صاحبها أمرت ببيعها، فبدأت من الثمن بالدين فأديته ووقفت الباقي من الثمن، فإذا جاء الذي كانت في يديه قضيت عليه بقيمة الجارية لأني بعتها على الذي كانت في يده، فإن كان على المقضي عليه دين فمستحق الجارية أحق بهذا الثمن من الغرماء لأنها بمنزلة الرهين حين وضعها القاضي على يدي عدل. دابة أو ثوب في يدي رجل ادعاها آخر، وأقام بينة وطلب المدعي من القاضي أن يضعه على يدي عدل لم يجبه القاضي إلى ذلك؛ لأن فيه قصر يد المدعى عليه من غير حجة، فلا يشتغل القاضي به إلا لضرورة، ولا ضرورة في هذه الأشياء على ما مر في العبد، ولكن القاضي يأخذ من العدل عليه كفيلاً بنفسه وبما وقع فيه الدعوى، ويجعل الكفيل بالنفس وكيلاً بالخصومة إذا طابت نفس المدعى عليه وقد مر هذا، ولا يجبر ذو اليد على نفقته عندنا بخلاف الرقيق والخلاف في موضعه قد عرف. وإن قال المدعى عليه: لا كفيل لي قيل للمدعي: الزم المدعى عليه والمدعى به آناء الليل والنهار لتصون به حقك، فإن كان الذي في يده فاسقاً مخوفاً على ما في يده وأبى أن يعطيه كفيلاً وكان المدعي لا يطيقه في الملازمة، فالقاضي يقول للمدعي: أنا لا أجبر المدعى عليه على أن ينفقه لكن إن شئت أن أضعه على يدي عدل فأنفق عليه، وإلا لا أضعه، لأن المقصود من الوضع على يد العدل صيانة لحق المدعي وهو القضاء له بالعبد متى زكت شهوده، وهذا المقصود يفوت متى أبى المدعي الإنفاق؛ لأن المدعى عليه لا يجبر على إنفاقه، وإن كان هو المالك في الظاهر فلو لم ينفق المدعي على الدابة تتلف الدابة فلا يحصل مقصود المدعي من الوضع على يدي العدل.

стр. 3560

وفي «المنتقى» : رجل ادعى لؤلؤة في يدي رجل وأقام شاهدين وسأل وضع اللؤلؤة على يدي العدل، فإن لم يعدل شاهديه، أقام شاهدين آخرين؛ لأنه كان يتخوف أن يعينها ولا يشهد شهوده إلا بالمعاينة، فإني أستحسن أن أضعها على يدي عدل، وكذلك كل شيء يحول من مكانه والخوف عليه أن يعينه، فإن كانت جارية أو دابة فنفقتها عليه، وإن كان مثلها تؤاجر أجرتها، أو أمرت العدل أن يؤاجرها. قال هشام: سألت محمداً ﵀ عن رجل في يده رطب أو سمك طري أو ما أشبه ذلك، فادعاه إنسان أنه له وقدمه إلى القاضي، وهو مما يفسد إن تركه، وقال المدعي بينتي في المصر أحضرهم، قال: لا أقف إلى ذلك ولكن أقول له يعني للمدعي: إن شئت أحلفه على دعواك، فإن حلف لم تكن لك، وإن قال: أنا أحضر البينة يعني اليوم، فإني أؤجل إلى قيام القاضي، وأقول للمدعى عليه لا تبرح إلى قيامه فإن فسد الشيء في ذلك الوقت لا يضمنه المدعي لحبسه عليه. عمرو بن أبي عمرو، عن محمد ﵀: رجل اشترى من آخر سمكاً أو لحماً طرياً أو فاكهة ونحو ما يتسارع إليه الفساد ثم جحده أحدهما وادعاه الآخر وأقام على ذلك بينة واحتاج القاضي إلى أن يسأل عن الشهود فقال الجاحد: هذا يفسد إن ترك حتى يسأل عن الشهود، قال: إن كان شهد للمدعي شاهد واحد، وقال: الشاهد الآخر (حاضر) ، أجّل في شهادة الآخر، ما لم يخف الفساد فإن أحضر شاهده الآخر وإلا خلي بينة وبين البائع، ونهى المشتري أن يتعرض له. ولو كان أقام شاهدين أمر البائع بدفعه إلى المشتري إذا خيف عليه الفساد، فإذا قبضه المشتري أخذه القاضي وأمر أميناً ببيعه وقبض ثمنه ووضع الثمن على يدي عدل، فإن زكت البينة قضى للمشتري بالثمن وأمر العدل بدفع الثمن إلى الذي شهدت له الشهود، وإن لم تزك البينة سلم القاضي ذلك الثمن الذي على يدي العدل إلى البائع. ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده إذا كان المدعى به منقولاً، وطلب المدعي من القاضى أن يضعه على يدي عدل ولم يكتف بإعطاء المدعى عليه كفيلاً بنفسه وبنفس المدعى به، فإن كان عدلاً، فالقاضي لا يجيبه وإن كان فاسقاً أجابه، وفي العقار لا يجيبه إلا في الشجر الذي عليه ثمر؛ لأنه تفلي. وفي «أدب القاضي» للخصاف في باب ما لا يضعه القاضي على يدي عدل إذا قالت المرأة للقاضي: لست آمن على نفسي من زوجي أن يقربني في حالة الحيض، فضعني على يدي عدل، فالقاضي لا يلتفت إلى ذلك، وإذا ادعى على امرأة كبيرة نكاحاً وهي تجحد فأقام بينة عليها وسأل من القاضي أن يضعها على يدي عدل حتى يسأل عن شهوده، فالقاضي لا يفعل ذلك في هذا الباب أيضاً، وكذا الجارية البكر إذا كانت في منزل أبيها جاء رجل وادعى نكاحها، فالقاضي لا يضعها على يدي (عدل) لأنه لا تهمة هنا في هذا الباب أيضاً. وفي باب المهاياة في كتاب الصلح: أمة بين رجلين خاف كل واحد منهما صاحبه

стр. 3561

عليها، وقال أحدهما: تكون عندك يوماً وعندي يوماً، وقال الآخر: لا بل نضعها على يدي عدل، فإني أجعلها عند كل واحد منهما يوماً ولا أضعها على يد عدل، قال مشايخنا: ويحتاط في باب الفروج في جميع المواضع نحو العتق في الجواري، والطلاق في النساء في الشهادة وغير ذلك إلا في هذا الموضع، فإنه لا يحتاط لحشمة ملكه وهو نظير ما لو أخبر القاضي أن فلاناً يأتي جواريه في غير المأتى، ويستعملن في البغاء ويطأ زوجته حالة الحيض وأمته من غير استبراء لا يكون للقاضي عليه سبيل لحشمة ملكه ها هنا. الفصل الثالث والعشرون: في الرجلين يحكمان بينهما حكما يجب أن يعلم بأن التحكيم جائز ثبت جوازه بقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ (النساء: ٣٥) ، وبما روى أن رسول الله ﷺ : «أنه أنزل بني قريظة على حكم سعد بن معاذ» وبأثر عمر وعلي رضى الله عنهما؛ وشرط جوازه أن يكون الحكم من أهل الشهادة، لأن الحكم فيما بين المحكمين بمنزلة القاضي المولى في حق الكل، وإنما يصح تقليد القضاء لمن صلح شاهداً، فكذا هاهنا ويشترط أن يكون أهلاً للشهادة وقت التحكيم، ووقت الحكم جميعاً حتى أنه إذا لم يكن أهلاً للشهادة وقت التحكيم فصار أهلاً للشهادة وقت الحكم، بأن كان الحكم عبداً فأعتق وحكم لا ينفذ حكمه، هكذا ذكر صاحب الأقضية في الأقضية، والشيخ الإمام شيخ الإسلام في شرح كتاب الصلح. وهذا لما ذكرنا أن الحكم فيما بين المحكمين بمنزلة القاضي الموَلَّى في حق الكل، ثم أهلية الشهادة وقت التقليد فكذا هاهنا، وقد ذكرنا مسألة العبد في فصل التقليد والعزل بخلاف هذا وشرط آخر، أن يكون التحكيم فيما يملك المحكم إقامته بنفسه؛ لأن ولاية الحكم بحكم التحكيم فيقتصر على ما يملك الحكم فيه إقامته بنفسه، وحكم هذا الحكم يفارق حكم القاضي المولَّى من حيث إن حكم هذا الحكم إنما ينفذ في حق الخصمين، ومن رضي بحكمه ولا يتعدى إلى من لم يحكم، وجعل في حق من لم يرض بحكمه كأنه حكم واحد من الرعايا بخلاف القاضي المولى. ذكر ابن سماعة في «نوادره» عن محمد ﵀ في رجلين حكّما بينهما حكماً في خصومة، قال: لا يجوز حكم من لا تجوز شهادته له لا عبد ولا صبي ولا محدود في قذف ولا ذمي، فقد ذكرنا أن من شرط جواز التحكيم أن يكون الحكم من أهل الشهادة، وهؤلاء لا يصلحون شهوداً، فلا يصلحون حكماً وكما لا يصح التحكيم للحال لا يصح

стр. 3562

مضافاً أيضاً حتى لو عتق العبد أو بلغ الصبي أو أسلم الذمي، وحكم لا ينفذ حكمه. فرق بين هذا وبينما إذا وكل العبدَ رجل بالشراء حيث تصح الوكالة مضافاً إلى ما بعد العتق، وإن كان لا يصح للحال، والفرق أما عند أبي يوسف ﵀ فلأن عنده إضافة التحكيم إلى وقت في المستقبل لا يصح فلا يمكن تصحيحها مضافاً عند تعذر تصحيحها للحال، وأما على قول محمد ﵀ فلأن عنده إضافة التحكيم إلى وقت في المستقبل وإن كانت صحيحة إلا أن التحكيم هاهنا حصل مرسلاً، والمرسل لا يصير مضافاً أصلاً. ألا ترى أنه لو قال لها أنت طالق ونوى الإضافة إلى العبد لا يصح، ولا يقول إن الوكالة تصح باعتبار الإضافة بل تصح باعتبار الحال؛ لأن العبد من أهل الشراء ولهذا لو اشترى يجوز شراؤه إلا أن الشراء يتوقف على إجازة المولى والمأمور من أهل الشراء أيضاً فصح الأمر من العبد بالشراء للحال، إلا أنه توقف نفاذه إلى ما بعد العتق لمانع، وهو أن العبد ليس من أهل أن يلزمه حكم الشراء، فأما تحكيم العبد في الحال لم يصح؛ لأن العبد ليس من أهل الحكم. فرق في العبد (٨٦أ٤) بين هذه الصورة وبينما إذا تحمل الشهادة وهو عبد ثم عتق يجوز له أن يشهد، وإن حصل التحمل حال عدم الأهلية، والفرق أن التحمل لحصول العلم، والعبد في حق حصول العلم له بالسماع أو بالمعاينة والحر سواء فصح التحمل وإذا صح التحمل أمكنه الأداء عند صيرورته أهلاً للأداء بالحرية، فأما التحكيم أمر بالقضاء والأمر لطلب المأمور به، وإنما يصح طلب الشيء ممن يتصور منه ذلك الشيء للحال والقضاء من العبد لا يتصور له في الحال؛ لأنه ليس من أهل القضاء للحال، وإذا لم يصح الأمر صار وجوده والعدم بمنزلة. قياس مسألة التحميل من مسألتنا: أن لو وقع الخلل في التحمل حتى لم يقع للعبد العلم بسبب التحمل وهناك لو أراد أداء الشهادة بذلك التحمل بعد العتق لم يقدر عليه. ولو حكما أعمى أو فاسقاً. ذكر في الأقضية أنه لا يجوز، وهذا الجواب في حق الفاسق مستقيم على الرواية التي قال: إن الفاسق لا يصلح قاضياً، أما على الرواية التي قال يصلح قاضياً لكن غيره أولى يصلح حكماً من الطريق الأولى. قال في الأقضية: ويجوز أن يجعلا بينهما امرأة يعني يجوز إذا حكما بينهما امرأة وأراد به فيما سوى الحدود والقصاص، لما ذكرنا أن التحكيم ينبني على الشهادة والمرأة تصلح شاهدة فيما سوى الحدود والقصاص فتصلح حكماً. وقال أبو يوسف ﵀: لا يجوز التحكيم معلقاً بالأخطار ولا مضافاً إلى وقت في المستقبل. وقال محمد ﵀: يصح صورة التعليق إذا قالا لعبد: إذا أعتقت فاحكم بيننا أو قالا لرجل: إذا أهل الهلال فاحكم بيننا، صورة الإضافة إذا قال الرجل: جعلناك حكماً غداً، أو قالا: رأس الشهر فوجه قول محمد ﵀ أن التحكيم تولية وتفويض؛ لأن كل واحد من الخصمين بالتحكيم مُعرض إلى الحكم ما كان يملك فعل ذلك بنفسه،

стр. 3563

فأشبه القضاء وتقليد القضاء يجوز مضافاً ومعلقاً، فكذا الخصومة. وجه قول أبي يوسف ﵀ أن التحكيم صح معنى؛ لأنه لا يثبت إلا بتراضي الخصمين والمقصود منه قطع منازعة تحققت بينهما هاهنا، وهذا هو معنى الصلح فلا يصح معلقاً ومضافاً قياساً على سائر المصالحات بخلاف القضاء والإمارة؛ لأنه تفويض وتزكية حقيقة ومعنى ليس فيهما معنى الصلح؛ لأن الصلح لا يثبت إلا بالتراضي، ولا يصلح إليه إلا بقطع منازعة تحققت وهذا الحد لا يوجد في القضاء والإمارة، فأما التحكيم إن كان تفويضاً من الوجه الذي قلتم، ففيه معنى الصلح من الوجه الذي قلنا، فلئن كان يصح تعليقه وإضافته من الوجه الذي قلتم لا يصح من الوجه الذي قلنا فلا يصح بالشك. وإذا اصطلحا على حكم يحكم بينهما على أن يسأل فلاناً الفقيه ثم يحكم بينهما بقوله جاز. وكذلك إذا اصطلحا على حكم بينهما على أن يسأل الفقهاء ثم يحكم بينهما بما أحصوا عليه جاز، لما ذكرنا أن الحاكم المحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولَّى، ولو شرط هذا الشرط في تقليد القضاء يجوز، فكذا إذا شرط في التحكيم، فإن سأل ذلك الفقيه في الفصل الأول وحكم بينهما بقوله جاز وهذا ظاهر، وإذا سأل فقيهاً واحداً في الفصل الثاني وحكم بقوله جاز أيضاً، لأن اللام إذا لم تكن لتعريف المعهود تكون لاستغراق الجنس والحكم المعلق في الجنس يتعلق بأدنى ما يطلق عليه اسم الجنس، عرف ذلك في موضعه. وإذا اصطلحا على حكم يحكم بينهما في يومه هذا أو في مجلسه هذا فهو جائز. ألا ترى أنه جاز تقليد القضاء مؤقتاً فكذا التحكيم، فإن مضى ذلك اليوم أو قام عن مجلس ذلك، لا يبقى حكماً. فرق بين المحكوم وبين الوكالة على إحدى الروايتين، فإن الوكالة لا تتوقت على إحدى الروايتين، حتى إن من قال لغيره بع عبدي اليوم، فباعه غداً جاز استحساناً على إحدى الروايتين، والفرق أن اليوم في الوكالة تذكر للتعجيل عرفاً وعادة، فكأنه قال للوكيل: بع عبدي هذا ولو قال هكذا ولم يعجل لا يبقى وكيلاً كذا هنا. أما ذكر اليوم في باب الحكومة إن كان يراد به التعجيل في جانب من يتوجه الحكم له لا يراد به التعجيل في جانب من يتوجه عليه الحكم؛ لأنه لا يريد التعجيل إنما يريد التأقيت، فبعد مضي الوقت إن كان بقي حكماً في حق من يتوجه له القضاء لا يبقى حكماً في حق من يتوجه عليه القضاء، فلا يبقى حكماً بالشك وإذا رفع حكم الحاكم إلى القاضي المولى، فالقاضي المولى ينظر في حكمه، فإن كان موافقاً لرأيه نفذه، وإن كان مخالفاً لرأيه أبطله وإن كانت مما يختلف فيه الفقهاء. فرق بين هذا وبين القاضي المولى إذا قضى في حادثة اختلف فيه الفقهاء ورفع ذلك إلى قاض آخر، يرى خلافه ليس له أن يبطله.

стр. 3564

والفرق أن كون الأول قاضياً ظهر في حق الناس كافة لما أن الأول استفاد الولاية ممن له ولاية على الناس كافة، فكما ينفذ قضاء الأول في حق المخاصمين نفذ في حق سائر المسلمين وقضائهم، فلو جاز لقاض آخر نقضه إذا كان مخالفاً لرأيه أدى إلى نقض ما أدي بالاجتهاد، باجتهاد مثله وإنه لا يجوز أما كون الحكم حكماً لم يظهر في حق غير المتخاصمين؛ لأنه استفاد الولاية من جهة المتخاصمين، وولاؤهما مقصورة عليهما، وقد كان للقاضي المولى قبل هذا الحكم رأياً في هذه الحادثة كان يحكم به فلو لم يجز نقض هذا الحكم، إذا كان مخالفاً لرأيه لظهر نفاذ حكم الحاكم في حقه وأظهر كونه حكماً في حقه، وإنه لا يجوز. وإذا اصطلح الرجلان على حكم يحكم بينهما ولم يعلماه ولكنهما قد اختصما إليه وحكم بينهما جاز؛ لأنهما لما توجها إليه للخصومة فقد أعلماه فصار حكماً بينهما فيجوز الصلح. وإذا اصطلحا على غائب يحكم بينهما فقدم وحكم بينهما جاز وإذا اصطلحا على أن يحكم بينهما فلان أو فلان فأيهما حكم بينهما جاز، لأن التحكيم صلح أو تفويض وأياً ما كان يجوز مع هذا النوع من الجهالة، أما الصلح فلأنه لو صالح على عبدين على أن المدعي بالخيار يأخذ أيهما شاء ويترك الآخر جاز. وأما الوكالة فإنه لو قال رجل: وكلت هذا أو هذا ببيع عبدي هذا يجوز، وإذا تقدما إلى أحدهما عيناه للخصومة، فلا يبقى الآخر حكماً كما في مسألة الوكالة. إذا باع أحدهما العبد الذي وكل ببيعه، فإنه يخرج الآخر عن الوكالة، وإذا اصطلحا على أن يحكم بينهما أول من يدخل المسجد فذلك باطل؛ لأن الجهالة هاهنا أبين وأظهر. ألا ترى أنه لو قال أول من يدخل المسجد هذا فقد وكلته ببيع هذا العبد لا يجوز، وهو نظير ما لو قال إذا جاءت بضاعتي فقد وكلت رجلاً من عرض الناس ببيعها، وذلك لا يجوز كذا هاهنا. ولو سافر الحكم أو مرض فأعمي ثم قدم من سفره أو برئ ثم حكم جاز، والأصل في هذا أن الحكومة متى صحت لا يخرج الحكم عن الحكومة إلا بانتهاء الحكومة بأن كانت مؤقتة أو تفصل الخصومة أو يخرج الحكم من أن يكون أهلاً للحكومة باعتراض الردة أو ما أشبه ذلك أو بالعزل؛ لأن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى لا يخرج عن القضاء إلا بأحد ما ذكرنا من الأسباب كذا هاهنا إذا ثبت هذا فنقول بالسفر والمرض لا يخرج من أن يكون أهلاً للحكومة، فبقي على حكومته. ولو عمي الحكم ثم ذهب العمى وحكم لم يجز؛ لأن بالعمى خرج من أن يكون أهلاً للحكومة. ألا ترى أن القاضي المولى يخرج عن القضاء بالعمى فكذا الحكم. ثم فرق بين الحكم والقاضي وبين الشاهد إذا عمي بعد تحمل الشهادة، ثم زال العمى وشهد جاز، والفرق أن كونه غير شاهد لا يمنع ابتداء التحمل، ألا ترى أنه لو تحمل وهو صبي أو عبد ثم بلغ الصبي أو أعتق العبد وأدّى جاز فلأن لا يمنع بقاء التحمل أولى، أما كونه غير شاهد يمنع ابتداء القضاء والتحكيم فيمنع البقاء، لأن ما ليس

стр. 3565

بلازم فلبقائه حكم الإنشاء، ولو ارتد عن الإسلام ثم أسلم وحكم لا يجوز حكمه؛ لأن بالارتداء يخرج من أن يكون أهلاً للقضاء بالارتداد، فكذا الحكم وقد ذكرنا فصل العمى والارتداد في فصل التقليد والعزل بخلاف ما ذكر هاهنا. ولو وجه الحكم الفصل على أحدهما يريد به أن الحكم قال لأحد الخصمين: قامت عندي الحجة بما ادعي عليك من الحق، ثم إن الذي توجه عليه الحكم عزله ثم حكم بعد ذلك عليه لم ينفذ حكمه عليه، فقد صحح العزل من أحدهما وإنه مشكل؛ لأنه صارحكماً بإتفاقهما، فينبغي أن لا يخرج من الحكومة إلا باتفاقهما، والوجه في ذلك اتفاقهما إنما شرط لصيرورته حكماً، لأن في التحكيم إثبات الولاية عليهما فلا بد من اتفاقهما إذ ليس (٨٦ب٤) لأحدهما ولاية على صاحبه، أما ليس في العزل إثبات الولاية على الغير بل فيه إبطال ما ثبت للحكم عليه من الولاية بتحكيمه، وإبطال ما ثبت له من الولاية بتحكيمه قبل تنفيذ القضاء جائز، وكان بمنزلة الشركات لا تثبت إلا بتراضيهما لما فيه من إثبات الولاية على الغير، ثم ينتقض بنقض أحدهما إذ ليس في النقض إثبات الولاية على الغير كذا هنا. وإذا وكل أحد الخصمين الحكم بالخصومة وقبل الحكم الوكالة خرج عن الحكومة، لأنه بقبول الوكالة خرج من أن يكون شاهداً لصيرورته خصماً، والخصم لا يصلح شاهداً، فيخرج من أن يكون حكماً أيضاً، هكذا ذكر في الأقضية. بعض مشايخنا قالوا: هذا الجواب إنما يستقيم على قول أبي يوسف ﵀؛ لأن على قوله الوكيل بمجرد قبول الوكالة يصير خصماً، حتى لو عزل قبل الخصومة، فشهد لموكله لا تقبل الشهادة. أما لا يستقيم على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن على قولهما الوكيل بمجرد قبول الوكالة لا يصير خصماً حتى لو عزل قبل الخصومة، ثم شهد لموكله قبلت شهادته وإذا لم يصر خصماً بمجرد قبول الوكالة لا يخرج من الحكومة بمجرد قبول الوكالة له، حتى لو عزل في الحال وحكم ينفذ حكمه. ومنهم من قال لا بل ما ذكر هاهنا قول الكل، وجه ذلك أن التوكيل بالخصومة توكيل بالخصومة في مجلس القاضي؛ لأن مجلس الخصومة مجلس القاضي، فيصير وكيلاً بالخصومة، إذا حضر مجلس القاضي للخصومة، فصار التوكيل كالمضاف إلى حضوره، فإذا عزل قبل حضوره مجلس القاضي، فقد عزل قبل صيرورته وكيلاً وقبل صيرورته خصماً، فأما الحاكم المحكم يصير خصماً بمجرد قبول الوكالة؛ لأنه فيما بينهما بمنزلة القاضي المولى، فمجلسه كمجلس القاضي، وإنه لا يكون غائباً عن مجلسه فكما قبل الوكالة يصير خصماً، فيخرج عن الحكومة. وإذا اشترى الحكم العبد الذي اختصما إليه فيه أو اشتراه ابنه أو أحد ممن لا تجوز شهادته له فقد خرج من الحكومة، أما إذا اشترى العبد هو، فلأنه صار خصماً عن أحد الخصمين، فإن بعد ما اشتراه الحكم يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه ليمكنه الإثبات لنفسه

стр. 3566

بالتلقي منه، وأما إذا اشتراه أحد ممن لا تجوز شهادته له، فلأنه يصير حاكماً له، وهو لا يصلح حاكماً؛ لأنه لا يصلح شاهداً له. وإذا قال الحكم: قامت لفلان بينه عندي على فلان بكذا وكذا قضيت له به على فلان، فأنكر فلان البينة والقضاء، فإن قضاءه ماض عليه. وكذلك إذا قال الحكم: أقر فلان عندي لفلان بكذا وقضيت بها عليه، فإن قضاءه ماض عليه لأن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، لو قال على نحو ما قاله الحكم، كان قوله حجة فكذا قول الحكم. فإن قيل: أليس أن الحكم قد خرج عن الحكومة بالحكم فحين أخبر أنه قضى عليه بإقراره من ليس يحكم، فينبغي أن لا يصدق في ذلك كالقاضي بعد العزل، إذا قال قضيت لهذا على هذا بكذا، قلنا: الحكم إنما يخرج عن الحكومة إذا حكم فيما بين المتخاصمين، وفي زعم المدعى عليه أنه لم يقض بعد لأنه أنكر القضاء، وإنه على حكومته ففي زعم المدعى عليه أنه يجبر على الحكم وهو حكم فيعامل معه بزعمه، وصار كالوكيل بالبيع إذا قال كنت بعت أمس فكذبه الموكل، فإنه يصدق الوكيل وإن كانت الوكالة تنتهي بالبيع؛ لأن في زعم الموكل أنه لم يبع وأن وكالته لم تنته، فإنه خبر عن البيع حال قيام الوكالة، فعومل معه بزعمه كذا ها هنا، وإذا شهد شاهدان أن هذا الحكم قضى ليلاً على هذا بألف درهم وشهد آخران أن هذا الحكم أبرأ هذا عن الألف التي ادعاها هذا والحاكم ميت أو غائب أو حاضر، إلا أنه يجحد البعض ويقر بالبعض فإني أقضي بالبراءة؛ لأن المدعى عليه لما ادعى البراءة فقد أقر بالدين فوقع الاستغناء عن قبول بينة الطالب لإقرار المدعى عليه، والمدعى عليه بعد ذلك أثبت البراءة بالبينة من غير معارضة فتقبل بينته، ألا ترى أنه لو كان الحكم قاض مولى كان الحكم ما ذكرنا للمعنى الذي أشرنا إليه كذا هنا. ولو كانت الخصومة في دار وشهد شاهدان آخران للخصم الآخر أن الحكم قضى بها لهذا تهاترت البينتان وتترك الدار في يد من كانت قبل هذا قضاء ترك؛ لأنه تعذر العمل بالبينتين؛ لأن إحداهما كاذبة بيقين وتعذر العمل بإحداهما إذ ليست إحداهما للعمل بها أولى من الأخرى. ولو كانت الخصومة بينهما في ألف درهم وأقام المدعي بينة أن الحكم قضى له على المدعى عليه بالألف التي ادعاها يوم السبت، وأقام المدعى عليه بينة أن المدعى عليه أخرجه عن الحكومة قبل ذلك فحكمه باطل؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت عياناً ولو عاينا أن المدعى عليه أخرج الحكم عن الحكومة قبل يوم السبت، ثم إن الحكم حكم عليه بعد ذلك يوم السبت كان حكمه باطلاً كذا هنا. قال: ولو كان المدعي أقام البينة أن الحكم قضى له بالمال يوم الجمعة، وأقام المدع (عليه) البينة أن الحكم قضى له بالمال يوم السبت، فإن القضاء الأول نافذ والقضاء الثاني باطل وهذا لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت عياناً ولو عاينا القضاءين على الترتيب

стр. 3567

الذي ادعيا كان الأول نافذاً والثاني باطلاً، لأن الحكومة قد انتهت بالقضاء الأول بحصول المقصود وهو فعل الخصومة، والحكم الثاني يكون بعد خروجه عن الحكومة فيقع باطلاً. وحكم الحكم بالطلاق والنكاح والعتاق والكتابة والكفالة بالنفس والكفالة بالمال والشفعة والنفقة والديون والقروض والتبرع والقصاص وأرش الجراحات وقطع يد عمد وسائر حقوق العباد بينهم، فهو جائز إذا وافق رأي القاضي، أما الطلاق والعتاق وسائر الحقوق المالية فلا شك في جواز التحكيم فيها؛ لأن حكم الحكم صلح من وجه وتفويض من وجه، وأياً ما كان فهو جائز. وأما القصاص فقد نص على جواز التحكيم فيها هاهنا وفي صلح «الأصل» : وعن أبي حنيفة ﵀، أنه لا يجوز، وهكذا ذكره الخصاف في «أدب القاضي» ، ووجه ذلك: أنه صلح من وجه ولا يجوز استيفاء القصاص بالصلح؛ ولأنه ليس بحجة في حق غير الحكمين فكان فيه شبهة، والقصاص لا يستوفى مع الشبهات. وجه ما ذكر هنا: وفي «الأصل» أن القصاص من حقوق العباد وهما يملكان الاستيفاء بأنفسهما، فيملكان التفويض إلى غيرهما قياساً على سائر حقوق العباد. وأما أروش الجراحات، فإن كانت بحيث لا يتحملهما العاقلة وتجب في مال الجاني بأن كانت دون أرش الموضحة وهو خمسمائة درهم أو ثبت ذلك بالإقرار أو النكول أو كان عبداً وقضى على الجاني جاز؛ لأنه لا يخالف حكم الشرع وقد رضي الجاني بحكمه عليه فيجوز، وإن كانت بحيث يتحملها العاقلة بأن كان خمسمائة فصاعداً، وقد ثبت بالبينة وكان خطأ لا يجوز قضاؤه أصلاً؛ لأنه إن قضى بها على الجاني فقد قضى بخلاف حكم الشرع، وإن قضى بها على العاقلة فالعاقلة ما رضوا به. وفي «أدب القاضي» للحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: الحكم في قتل الخطأ، إن قضى بالدية على العاقلة لم يجز، وإن قضى بها على القاتل جاز وأما قطع اليد عبداً إن قطع يد الحر فحكمه وجوب القصاص، وقد بينا الكلام في جواز التحكيم، وإن قطع يد عبد فحكمه وجوب نصف القيمة في مال القاطع فجاز قضاؤه عليه بالمال؛ لأنه رضي بحكومته وحكم الحاكم جائز في الأموال باتفاق الروايات. وقوله في «الكتاب» فهو جائز، إذا وافق رأي القاضي، معناه: أن للقاضي المولى أن يبطل حكم الحاكم إذا خالف رأيه. قال: ولا يجوز التحكيم في شيء من الحدود لا زنا ولا شرب خمر ولا سرقة ولا لعان ولا قذف، وإن فعل ذلك فهو باطل؛ لأنهما لا يملكان إقامة ذلك بأنفسهما، فلا يملكان التفويض إلى الغير ويجوز التحكيم في تضمين السرقة؛ لأنه خالص حق المسروق منه، وله ولاية الاستيفاء ويجوز تحكيم المكاتب والعبد المأذون صحيح وإن اعتبرناه بالتفويض فهما في تفويض ما يملكان بأنفسهما إلى غيرهما بمنزلة الحر. ولا يجوز كتاب الحكم بحكم إلى القاضي؛ لأنه في حقه بمنزلة واحد من الرعايا

стр. 3568

والقاضي لا يقضي بكتاب واحد من الرعايا وكذلك لا يجوز كتاب القاضي إلى حكم حكمه رجلان بشهادة شهود شهدوا عنده؛ لأنه في حقه بمنزلة واحد من الرعايا، وكذلك لا ينبغي للحكم أن يقضي بكتاب كتبه قاض إلى قاض آخر. وإذا حكما رجلاً فجعل الحكم الحكم إلى غيره لم يجز إلا برضا الخصمين؛ لأنهما إنما رضيا بحكمه، أمّا ما رضيا بحكم غيره، فلو أن الثاني حكم بينهما بغير رضاهما وأجاز الأول حكمه ذكر في «الكتاب» أنه باطل. بعض مشايخنا قالوا: ما ذكر من الجواب لا يكاد يصح على قول علمائنا؛ لأن الحكم إما أن يعتبر بالوكيل الذي لم يؤذن له بالتوكيل، أو بالقاضي الذي لم يؤذن له بالاستخلاف وأي الأمرين اعتبرنا يجب أن يكون إجازة الأول حكم الثاني صحيح، فإن القاضي الذي لم يؤذن بالاستخلاف إذا أجاز حكم خليفته جاز، والوكيل الذي لم يؤذن له في التوكيل، إذا أجاز تصرف وكيله يجوز. والذي يؤيد هذا القول مسألة ذكرها محمد ﵀ (٨٧أ٤) في «السير الكبير» وصورتها: إذا نزل قوم من أهل الحرب على حكم رجل من المسلمين، فحكم فيهم غيره بغير رضاهم لا يجوز، وإن أجاز ذلك الحكم يجوز. ومنهم من قال: هذا الجواب صحيح على قياس ما ذكر في بعض روايات كتاب الوكالة، أن الوكيل الذي لم يؤذن له في التوكيل إذا أجاز تصرف وكيله لا يجوز، وعلى قياس هذه الرواية لو أجاز القاضي الذي لم يؤذن له في الاستخلاف حكم خليفته لا يجوز أيضاً، وعلى قياس الرواية الأخرى، أن الوكيل لو أجاز تصرف وكيله يجوز لو أجاز القاضي حكم خليفته أو أجاز الحكم حكم حاكمه يجوز أيضاً، فإذاً في الحاصل في المسائل كلها روايتان، وسيأتي وجه الروايتين في وكالة «الأصل» ، فإن الوكيل بالخصومة لا يملك التحكيم لأن التحكيم صلح معنى والوكيل بالخصومة لا يملك الصلح، وإن وكله بالخصومة والصلح جميعاً أو وكله بالخصومة وأجاز منعه جاز التحكيم وهذا ظاهر. ولو حكم رجلان رجلاً بينهما وحكم لأحدهما ثم اصطلحا على حَكَم آخر، فالثاني ينظر في حكم الأول إن كان عدلاً أمضاه وإن كان جوراً أبطله؛ لأن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، والقاضي المولى إذا قضى بين اثنين ثم رفع قضاؤه إلى قاض آخر نظر القاضي الثاني في قضائه على نحو ما بينا، وإذا رد شهادة شهود شهدوا عنده بتهمة ثم شهد أولئك الشهود عند قاض آخر، أو عند حاكم آخر، فإنه يسأل عنهم فإن عدلوا أجازهم، وإن جرحوا ردهم؛ لأن الحكم في حق غير المتخاصمين بمنزلة واحد من الرعايا فلا يعمل رده في حق القاضي، ولا في حق حاكم آخر بخلاف ما إذا رد القاضي المولى شهادتهم؛ لأن رده يظهر في حق الناس كافة فلا يكون لأحد أن يعمل بتلك الشهادة بعد ذلك. وإذا أبى الخصمان حكم الحكم، وقالا: لم يحكم بيننا وقال الحاكم: لا، بل قد حكمت بينهما، فإنه يصدق الحكم ما دام في مجلس الحكومة، وبعدما قام عن مجلس الحكومة لا يصدق؛ لأنه حكى ما لم يملك استئنافه.

стр. 3569

وإذا اصطلحا على حكم حكم بينهما وأجاز القاضي حكومته قبل أن يحكم بينهما، فهذه الإجازة من القاضي لغو، حتى لو حكم الحاكم بخلاف رأي القاضي فللقاضي أن يبطله؛ لأن هذه الإجازة لو اعتبرت إما أن يعتبر إنفاذ التحكيم ولا وجه إليه؛ لأن التحكيم نفذ بين الخصمين لا يوقف فيها، فلا تعمل الإجازة فيها؛ لأن الإجازة إنما تعمل في الموقوف لا في غير الموقوف، وإما أن يعتبر إنقاذ الحكم ولا وجه إليه أيضاً؛ لأن الحكم لم يوجد وإجازه الشيء قبل وجوده باطلة، فصار وجود هذه الإجازة والعدم بمنزلة. قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وهذا الجواب صحيح فيما إذا لم يكن القاضي مأذوناً في الاستخلاف، فأما إذا كان مأذوناً في الاستخلاف يجب أن تجوز إجازته، ويجعل إجازة القاضي بمنزلة استخلافه إياه في الحكم بينهما فلا يكون له أن يبطل حكمه بعد ذلك. وإذا حكم رجل بين رجلين ولم يكونا حكماه، فقالا بعد حكمه: رضينا بحكمه وأجزنا عليه، فهو جائز؛ لأن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء، ولو أذنا له بالحكم بينهما في الابتداء جاز، فكذا إذا أجازا حكمه في الانتهاء. وإذا اصطلح رجلان على أن يبعث كل واحد منهما حكماً من أهله فهو جائز، وإذا قضى أحدهما على أحد الخصمين وقضى الآخر على الخصم الآخر لا يجوز، لما ذكرنا أن الحكم في حق المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، والقاضي المولى إذا كان اثنين لا ينفرد أحدهما بالقضاء؛ لأن القضاء أمر يحتاج فيه إلى الرأي والخليفة رضي برأي المثنى لا برأي الواحد كذا هاهنا الخصمان رضيا برأي المثنى، فلا ينفرد أحدهما بالحكم. وعن هذا قلنا إذا اصطلح مسلم وذمي على مسلم وذمي يحكمان بينهما وحكما جميعاً للمسلم على الذمي جاز؛ لأنهما يصلحان حكماً على الذمي، فيصلحا شاهداً عليه، ولو حكما للذمي على المسلم لا يجوز؛ لأن الذمي لا يصلح حكماً على المسلم فخرج من البين وتعذر تنفيذ حكم المسلم أيضاً، وإن صلح حكماً عليه؛ لأنه ما رضى برأيه وحده. وعلى هذا المسلمان إذا حكما حراً وعبداً بينهما فحكم الحر بينهما لم يجز؛ لأن العبد لا يصلح حكماً، فخرج هو من البين بقي الحر منفرداً وهما ما رضيا برأي المنفرد، وإذا حكم الذميان ذمياً يحكم بينهما، ثم أسلم أحد الخصمين فقد خرج الحكم من الحكومة، هكذا ذكر في «الكتاب» ، وأراد بقوله خرج من الحكومة يعني خرج عن الحكومة في حق الحكم على المسلم، أما في حق الحكم على الذمي يبقى حكماً، وهذا لما عرف أن البقاء معتبر بالابتداء، والذمي يصلح لابتداء التحكيم على الذمي فيصلح لبقائه حكماً عليه، ولا يصلح لابتداء التحكيم على المسلم فلا يصلح لبقائه حكماً، ويجوز حكم الحاكم المحكم في الطلاق المضاف إليه أشار في صلح «الأصل» وفي «أدب القاضي» للخصاف، فإنه استثنى من حكمه في صلح «الأصل» الحدود. وفي «أدب القاضي» استثنى الحدود والقصاص، فهذا إشارة إلى أن ما عدا ذلك داخل في حكمه،

стр. 3570

وهو الصحيح من المذهب، لكن كثير من مشايخنا امتنعوا عن الفتوى في الطلاق المضاف وأمثاله كيلا يتجاسر العوام، فيؤدي إلى التهاون بأحكام الشرع. وإذا حلف الحكم أحد الخصمين ونكل عن اليمين وقضى عليه، فقال المقضي عليه: لا أجيز حكمه علي وحلفه، فحكمه عليه ماض، ألا ترى أن المقضي عليه بالنكول من جهة القاضي لو أراد أن يرد قضاءه عليه، ليس له ذلك كذا هاهنا لما مر أن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، ولو كان المدعي من الابتداء أقام البينة على دعواه وعدلوا وحكم الحاكم بها على المدعى عليه جاز كما يجوز من القاضي المولى، فإن أنكر المقضي عليه الحكم أو أنكر التحكيم وادعى المدعي ذلك كان للمدعي أن يحلفه؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف عليه كما في سائر الدعاوي، فإن نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه، وإن كان المدعي أقام بينة على ما ادعى من التحكيم والحكم ينظر إن كان الشهود الذين شهدوا على التحكيم والحكم (غير) الذين يجري الحكم بشهادتهم، لا تقبل شهادتهم لتمكن التهمة في الفصل الثاني؛ لأنهم يريدون تصحيح شهادتهم الأولى وإلزام حكمهما بواسطة ما قالا، ومثل هذه التهمة منتفية عن شهادتهم في الفصل الأول. وفي «الزيادات» : إذا رفع حكم الحاكم في المجتهدات إلى قاض يرى خلاف ما حكم فنفذه مع ذلك، ثم رفع إلى قاض آخر يرى رد حكم الحكم أيضاً فالقاضي الثاني لا يرده؛ لأن إجازة القاضي حكم الحكم بمنزلة إنشاء القضاء منه، والقاضي إذا قضى في المجتهدات بخلاف رأيه ينفذ قضاؤه، وقد ذكرنا هذا الفصل مع ما فيه من الخلاف فيما تقدم، وإذا لم يكن القاضي مأذوناً في الاستخلاف فأمر رجلاً حتى حكم بين اثنين، وأجاز القاضي حكم ذلك الحكم، قد ذكرنا أنه ينفذ حكمه على إحدى الروايتين ولكن هذا إذا كان الحاكم ممن يصلح قاضياً، وإن كان لا يصلح قاضياً كالعبد والصبي وغيرهما لا ينفذ حكمه بإجازته باتفاق الروايات، وإن كان ممن يختلف الفقهاء في صلاحيته للحكومة نفذ حكمه بإجازته؛ لأن إجازة القاضي حكم الحكم قضاء منه بأصالته، وإنه مجتهد فيه وقضاء القاضي في المجتهدات نافذ. وإذا حكما رجلاً فيما بينهما فقضى لأحدهما على صاحبه باجتهاده، ثم رجع عن قضائه وقضى للآخر، فإن القضاء الأول ماض والقضاء الثاني باطل، لما ذكرنا إن الحكم في حق الخصمين بمنزلة القاضي المولى في حق الناس كافة، والقاضي المولى متى قضى بحادثة باجتهاده ثم أراد أن ينقض ذلك القضاء ويقضي بخلافه في تلك الحادثة ليس له ذلك كذا هنا. وإذا اصطلح الرجلان على حكم يحكم فيها بينهما، فقضى لأحدهما على صاحبه في بعض الدعاوي الذي حكماه في ذلك، ثم رجع المقضي عليه عن تحكيم هذا الحكم فيما بقى من الدعاوي، فإن قضاء الأول نافذ وما يقضى بعد ذلك لا ينفذ كما ذكرنا إن عزل كل واحد منهما للحكم عامل فيما لم يقض بعد، فأما فيما قضى نفذ ووقع الفراغ

стр. 3571

عليه، فإنه لا يعمل عزله وكان كالوكيل ببيع عبدين إذا باع أحدهما ثم عزل الموكل عمل عزله فيما لم يبع، ولم يعمل فيما باع وكذلك هاهنا. قال: وإذا اصطلح الخصمان على حكم بينهما، فأقام المدعي شاهدين عنده، أن له على هذا الرجل وعلى كفيله الغائب فلان ألف درهم فقال المدعى عليه: الشاهدان عبدان فإنه يسمع طعن المشهود عليه؛ لأنه فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى والقاضي يسمع مثل هذا الطعن، فكذا الحكم. فإن أقام الشاهدان بينة أن مولاهما كان أعتقهما وعدلت بينة العتق، فالحكم يقضي بعتقهما في حق المشهود عليه ويقضي بالمال عليه ولا يقضي به على الكفيل، ولا يثبت العتق في حق المولى بحكم الحكم، وإن كان لو حصل هذا من القاضي المولى يثبت العتق في حق المولى، ويثبت المال على الكفيل (٨٧ب٤) لما ذكرنا أن حكم الحكم إنما يظهر في حق من قضى بحكمه، دون من لم يرض بحكمه، والمولى والكفيل ما رضيا بحكمه فلا يظهر حكمه في حقهما، أما المتخاصمان فقد رضيا بحكمه فظهر حكمه في حقهما. فإن جاء مولى العبدين وأنكر العتق وقدمهما إلى القاضي، فإن شهد هذان الشاهدان على عتقهما أو غيرهما يريد بقوله: هذان الشاهدان اللذان شهدا على عتقهما عند الحكم قضى القاضي به فشهادتهما بالمال جائزة؛ لأنه لم يظهر عنده خطأ حكم الحاكم فيما حكم ولا ينقض حكمه، وإن لم تكن بيتهما بينة على العتق وقضى القاضي برقهما للمولى أبطل حكم الحكم فيما حكم؛ لأنه ظهر عند القاضي أن الحكم حكم بشهادة العبد والحكم بشهادة العبد باطل فكان له أن يبطل. قال: ولو ادعى رجل قبل رجلين أنهما غصباه ثوباً أو شيئاً من الكيلي أو الوزني فغاب أحدهما، ورضي الآخر والمدعى عليه بحكم يحكم بينهما، فأقام المدعي بينة على حقه عليهما، فإنه يلزم الحاضر نصف ذلك ولا يلزم الغائب منه شيء؛ لأن الحاضر رضي بحكمه، أما الغائب فلم يرض بحكمه. وكذلك على هذا إذا ادعى رجل على ميت ديناً وورثته غيب إلا واحد، فاصطلح هذا الوارث الحاضر مع المدعي على حكم يحكم بينهما، وأقام المدعي بينة على الميت بحقه وحكم الحاكم بذلك لا يظهر حكمه في حق الغيب؛ لأنهم ما رضوا بحكمه. غير أن في مسألة الورثة يقضي على الحاضر بجميع الدين ويستوفي ذلك مما في يده وفي مسألة الغصب يقضي على الحاضر بالنصف. والوجه في ذلك: أن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى في حق الناس كافة، ثم القاضي يقضي بجميع الدين على الميت بحضرة أحد الورثة لما عرف أن أحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت في جميع ما يدعى على الميت، وصار من حيث المعنى كأن المورث حي وهو حاضر. وإذا قضى القاضي بجميع الدين والدين مقدم على الميراث وما في يده من الميراث يؤخذ جميع الدين مما في يده، فإذا عرفت الجواب في حق القاضي المولى، فكذا الجواب في الحكم، أما في الغصب القاضي المولى لا يقضي إلا بنصف القيمة؛ لأن أحدهما ليس بخصم عن الآخر، فإذا عرفت هذا في القاضي المولى، فكذا الجواب في الحكم.

стр. 3572

وإذا اشترى من آخر عبداً وقبضه ونقد الثمن، ثم طعن بعيب، واصطلحا على حكم، فقضى بالرد على البائع فهو جائز؛ لأن التحكيم حصل بما يملك الخصمان فعله بأنفسهما، فيصح كما في سائر الصور، وإذا صح التحكيم صار الحكم فيما بينهما بمنزلة القاضي المولى لو قضى بالرد على البائع يجوز، فكذا ها هنا، فإن أراد البائع أن يخاصم بائعه في ذلك العيب لا يجوز لما ذكرنا أن حكم الحكم في حق غير المتخاصمين بمنزلة صلح باشره، ولو حصل الرد على البائع بطريق الصلح ليس للبائع أن يخاصم بائعه في ذلك العيب، ويجعل هذا الرد بمنزلة بيع جديد في حق البائع الأول فكذا هنا، ولو اصطلحوا جميعاً (على حكم هذا الحكم) المشتري الثاني والمشتري الأول والبائع الأول على حكم هذا الحكم، ورد هو العبد على البائع الثاني، فأراد البائع الثاني أن يرده على البائع الأول، ليس له ذلك قياساً، وله ذلك استحساناً. وجه القياس أن البائع الأول ليس بخصم للحال إذ لا خصومة معه في العيب قبل الرد على البائع الثاني، فلا يصح تحكيمه، فصار وجود هذا التحكيم والعدم بمنزلة. وجه الاستحسان: أن البائع الأول، إن لم يكن خصماً في هذا العيب في الحال فهو يعرض أن يصير خصماً بسبب هذا العيب، فإنه إذا رد العبد على البائع الثاني، كان للبائع الثاني أن يخاصم البائع الأول فيه، فصار الحكم في حقهم بمنزلة القاضي المولى، والقاضي المولى لو رد العبد على البائع الثاني، كان للبائع الثاني أن يرده على البائع الأول، فكذا الحكم. ولو نقض البائع الأول الحكومة بعدما رد العبد على البائع الثاني قبل أن يرده عليه صح النقض؛ لأن هذا نقض قبل الحكم عليه وإنه جائز، وإذا صح العزل لا يملك الحكم رد العبد على البائع الأول بعد ذلك. وإن خاصم البائع الثاني البائع الأول بعد ذلك بسبب هذا العيب عند قاض من القضاة، فالقياس أن لا يرده القاضي على البائع الأول؛ لأن التحكيم من البائع الأول لم يصح على جواب الاستحسان، فصار وجوده والعدم بمنزلة، وفي الاستحسان يرده؛ لأن الحكم حين رد على البائع الثاني، فهو حكم في حق البائع الأول، فصح حكمه بالرد في حق البائع الأول فلا يبطل هذا الحكم بعزل الحكم، ألا ترى أنه لا يبطل هذا الحق بعزل القاضي المولى، حتى إن القاضي المولى إذا رد العبد على البائع الثاني، ثم عزل هذا القاضي وولي قاض آخر فرفعت إليه هذه الحادثة رد العبد على البائع الأول كذا هنا. ولو أن رجلاً باع سلعة لرجل بأمره فطعن المشتري بعيب، فحكما بينهما حكماً برضا الآمر، وردها الحكم على البائع بسبب ذلك العيب بإقرار البائع أو بنكوله أو ببينة قامت، فإن كان الرد بالبينة أو بنكول الوكيل فله أن يرده على الموكل وإن كان الرد بإقراره بالعيب، وذلك عيب لا يحدث مثله رده على الموكل أيضاً، وإن كان يحدث مثله لم يرد على الموكل حتى يقيم البينة أن هذا العيب كان عند الموكل؛ لأنه صار حكماً في حقهم بتراضيهم، فصار بمنزلة القاضي المولى والحكم فيما إذا كان الرد من القاضي المولى على نحو ما ذكرنا، فكذا إذا كان الرد من الحكم.

стр. 3573

ولم يذكر القياس والاستحسان في هذه المسألة، كما في المسألة المتقدمة؛ لأن هناك البائع الأول ليس بخصم في العيب للحال، فلا يصح تحكيمه للحال قياساً، أما هنا الآمر خصم في الحال؛ لأن الرد على الوكيل رد على الآمر، فصح التحكيم من الآمر في الحال قياساً واستحساناً، وإن كانت الحكومة بغير رضا الآمر لا يلزم الآمر من ذلك شيء إلا ببينة أو كان عيباً لا يحدث مثله وهذا لأن التحكيم في حق الآمر لما لم يصح لعدم رضاه صار بمنزلة ما لو قبل المأمور المبيع بالعيب بغير قضاء، وهناك الجواب على التفصيل إن كان يحدث منه يلزم المأمور دون الآمر، باتفاق الروايات، وإن كان عيباً لا يحدث مثله، ففيه اختلاف الروايات في بعضها يلزم الأمر، وفي بعضها يلزم المأمور، كذا هنا. ولو كان هذا الرجل اشترى عبداً لرجل بأمره وطعن المشتري بعيب به وحكما فيما بينهما رجلاً برضا الآمر ورده ببينة أو بإقرار أو بنكول كان ذلك جائزاً على الآمر وهذا ظاهر، ولو كان التحكيم بغير رضا الآمر ورد ببعض ما ذكرنا، فكذلك الجواب كان الرد جائزاً على الآمر. فرق بين الوكيل بالشراء وبين الوكيل بالبيع، فإن في الوكيل بالبيع إذا حصل التحكيم بغير رضا الآمر ورد المشتري على الوكيل نفذ الرد على الوكيل دون الموكل، والفرق أن حكم الحكم في حق غير الممكن بمنزلة الصلح الذي باشراه، ولو كان مكان الرد في الوكيل بالبيع صلحاً باشراه بغير قضاء نفذ عليه وعلى الآمر جميعاً لفقه، وهو أن الرد بالعيب بغير قضاء بمنزلة الإقالة في حق الثالث، والآمر ثالثهما، والإقالة في حق الوكيل بالبيع في هذه الحالة لا يصح؛ لأن الوكالة انتهت نهايتها بالبيع والتسليم والتحق الوكيل بالإصابة، فأما الإقالة من الوكيل بالشراء ما دام المشترى في يده صحيحة، لأن الوكالة بالشراء لا تنتهى ما دام المشترى في يد الوكيل بالشراء. الفصل الرابع والعشرون: في كتاب القضاة إلى القضاة يجب أن يعلم بأن كتاب القاضي إلى القاضي صار حجة شرعاً في المعاملات بخلاف القياس؛ لأن الكتاب قد ينقل ويزور، والخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم؛ ولأن القاضي لا ولاية له على الخصم الذي في غير بلده، فكيف يكون كتابه حجة عليه؟ ولأن القاضي الكاتب بكتابه ينقل شهادة الشهود إلى المكتوب إليه والشهود بأنفسهم لو حضروا مجلس القاضي وكتبوا شهادتهم بين يدي القاضي، فالقاضي لا يعمل به، فكيف يعمل بكتاب غيره لكن جعلناه حجة بالإجماع، فقد روي عن علي ﵁ وجماعة من التابعين، منهم عمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي ﵃، أنهم جوزوا ذلك في المعاملات ولم ينقل عن غيرهم بخلافه.

стр. 3574

والمعنى في ذلك الحاجة، فإن الإنسان قد يكون غائباً والشهود حضور ويتعذر عليه الجمع بين الشهود والخصم لما أنه لا يمكنه إحضار الشهود بلد الخصم، ولا يمكنه نقل الشهود إلى الخصم، فلا يمكنه أن يصل إلى حقه بالشهادة على الشهادة؛ لأن قاضي تلك البلدة عسى لا يعرف عدالة الأصول، وعسى لا يجد هناك من يعدل الأصول، وفي تعديل الفروع الأصول كلام على ما يأتي بيانه في موضعه، فلو لم يقبل كتاب القاضي إلى القاضي لنقل الشهادة وإثبات عدالتهم لتعطلت الحقوق وضاعت فقبلناه صيانة للحقوق عن الضياع والبطلان، ولكن إنما يقبله القاضي المكتوب إليه عند وجود الشرائط، ومن جملة الشرائط البينة، حتى إن القاضي المكتوب إليه (٨٨أ٤) لا يقبل كتاب القاضي ما لم يثبت عنده بالبينة أنه كتاب القاضي، به ورد الأثر عن علي ﵁. والمعنى في ذلك أن كتاب القاضي لا يخلو عن نوع احتمال لما ذكرنا أن الخط يشبه الخط، فلا يجوز العمل به ما لم ينتف هذا الاحتمال وذلك بالبينة، ولأن كتاب القاضي يقع ملزماً في حق المكتوب (إليه) حتى يلزمه العمل به، وإذا عمل به وقضى على المدعى عليه بما فيه يلزمه ذلك، واللزوم يعتمد الحجة والحجة هي البينة، وبهذا يقع الفرق بين كتاب القاضي وبين كتاب المزكي إلى القاضي، فإن في كتاب المزكي إلى القاضي لا يحتاج إلى البينة، لأنه ليس في كتاب المزكي إلزام، فالقضاء مضاف إلى شهادة الشهود لا إلى التزكية، إنما التزكية لنوع رجحان الصدق، ولهذا لو قضى القاضي بالشهادة بدون التزكية صح قضاؤه، وبه يقع الفرق أيضاً بين كتاب القاضي وبين كتاب ملك أهل الحرب، إذا طلب الأمان فيه فإنه مقبول بغير البينة حتى لو أمنه الإمام صح أمانُه؛ لأن كتاب أهل الحرب ليس بملزم؛ لأن للإمام رأياً في الأمان وتركه. ومن جملة ما عمل فيه بالقياس الحدود والقصاص، حتى لم يجوزوا كتاب القاضي إلى القاضي في المعاملات (إلا) بالأثر والإجماع، ولا أثر ولا إجماع في الحدود والقصاص، فبقي على أصل القياس. ومن جملة ما عمل فيه بالقياس المنقولات نحو العروض والثياب والعبيد والجواري، على قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف، وقال: يجوز في العبيد في الإباق، ولا يجوز في غيرهم، وعنه رواية أخرى أنه يجوز في جميع المنقولات، وبه أخذ بعض المتأخرين من مشايخنا. وحكي عن القاضي الإمام المنتسب إلى إسبيجاب أنه كان يفتى به، وأجمعوا على أنه يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في العقار والديون. فوجه قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول، وهو الفرق بين الديون وسائر المنقولات: أن في الدين توهُّم الشركة تمكَّن في موضع واحد وهو المقضي عليه؛ لأنه ربما يتفق رجلان بذلك الاسم والنسب، أما لم يتمكن في المقضي به وهو الدين؛ ولا في المقضي له وهو المدعي، فإن كل واحد منهما معلوم، ويمكن الشركة في المقضي عليه حالة العذر إذا كان المقضي له والمقضي به معلوماً لا يمنع القضاء، ألا ترى أن حوالة المقضي عليه لا تمنع القضاء حالة العذر إذا كان المقضى به والمقضى له معلوماً كما لو

стр. 3575

شهد شاهدان على رجل أنه طلق إحدى امرأتيه قبل الدخول ومات قبل البيان، فإنه يقضي بسقوط نصف المهر مع أن المقضي عليه بسقوط نصف الصداق مجهول أنها زينب أو عمرة لما كان المقضي له معلوماً وهو الزوج والمقضي به معلوماً وهو نصف الصداق. والمعنى في ذلك كله أن المقضي به والمقضي له إذا كان معلوماً كان الرجحان لجانب العلم والعبرة للراجح في الأحكام، فأما في عين العبد فتوهم الشركة تمكن في موضعين، أحدهما: في المقضي به، وهو العبد، فإنه يتفق اثنان من العلماء في الاسم والنسب والحلية، وفي المقضي عليه، وهو الذي في يديه العبد، فكان الرجحان لجانب الجهل فيمنع القضاء. ألا ترى أن تمكن الجهالة في موضعين مانع من القضاء، وإن كان الحال حال عذر بأن كان لرجلين عبدان، لكل واحد منهما عبد على حدة قال أحدهما: إن لم يدخل فلان هذه الدار اليوم فعبدي حر وقال الآخر: إن دخل فلان الدار اليوم فعبدي حر، ومضى اليوم ولا يدرى أنه دخل أو لم يدخل وكل واحد ينكر شرط الحنث، فالقاضي لا يقضي بعتقهما ولا بعتق أحدهما؛ لأن المقضي عليه وهو أحد الموليين مجهول والمقضي به وهو أحد العينين كذلك، فيترجح جانب الجهل على جانب العلم فيمنع القضاء، كذا هنا وبل أولى؛ لأن قطع الشركة في المقضي به * وهو العبد * بالإشارة إليه ممكن؛ لأن العبد يمكن إحضاره مجلس الحكم بخلاف العقار حيث يجوز فيه كتاب القاضي، وإن كان يوهم الشركة ثمة في موضعين أيضاً؛ لأنه قد يتفق محدودان بحد واحد، وفي المقضي عليه؛ لأنه قد يتفق رجلان بالاسم والنسب؛ لأن قطع هذه الشبهة بالإحضار غير ممكن؛ لأنه لا يمكن إحضار العقار، فسقط اعتبار الجهالة في المقضي به بالإحضار، فكأن الشركة ما تمكنت إلا في موضع وهو المقضي به، وإنها غير مانعة كما في الدين. وجه ما روي عن أبي يوسف: أنه يجوز كتاب القاضي في العبيد في الإباق أن القياس أن لا يكتب في العبيد كما في سائر المنقولات، كما قلتم: إن توهم الشركة تمكن في موضعين إلا أنا تركنا القياس في العبيد (في) الإباق للضرورة؛ لأن الإباق مما يكثر من العبيد، وربما لا يكون للمولى شهود في البلدة التي فيها العبد، لو لم يُجز كتاب القاضي تبطل حقوق الناس. مثل هذه الصورة لا تتحقق في الجواري والدواب، لأن الإباق من الجواري لا يكثر، وكذلك الند من الدواب من بلدة إلى بلدة لا تكثر، فيعمل فيهن بقضية القياس. وذكر محمد ﵀ في كتاب الإباق مسألة تدل على أن كتاب القاضي إلى القاضي في النقليات جائز، فإنه ذكر أنه إذا أخذ عبداً آبقاً أو جاريةً إلى القاضي، وأقام البينة على أنه وجده آبقاً، فأخذه وطلب من القاضي أن يفرض نفقته على مالكه، فإن علم القاضي أن المصلحة في بيع هذا العبد وحفظ ثمنه على مالكه فعل ذلك، فإذا باعه وأمسك ثمنه، فجاء مالكه وأتى بكتاب القاضي ليأخذ الدراهم الثمن كان له ذلك، فقد جوز كتاب القاضي في الدراهم الثمن، وإنه منقول.
следующие страницы →