Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
عليه، فإنه لا يعمل عزله وكان كالوكيل ببيع عبدين إذا باع أحدهما ثم عزل الموكل عمل عزله فيما لم يبع، ولم يعمل فيما باع وكذلك هاهنا.
قال: وإذا اصطلح الخصمان على حكم بينهما، فأقام المدعي شاهدين عنده، أن له على هذا الرجل وعلى كفيله الغائب فلان ألف درهم فقال المدعى عليه: الشاهدان عبدان فإنه يسمع طعن المشهود عليه؛ لأنه فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى والقاضي يسمع مثل هذا الطعن، فكذا الحكم. فإن أقام الشاهدان بينة أن مولاهما كان أعتقهما وعدلت بينة العتق، فالحكم يقضي بعتقهما في حق المشهود عليه ويقضي بالمال عليه ولا يقضي به على الكفيل، ولا يثبت العتق في حق المولى بحكم الحكم، وإن كان لو حصل هذا من القاضي المولى يثبت العتق في حق المولى، ويثبت المال على الكفيل (٨٧ب٤) لما ذكرنا أن حكم الحكم إنما يظهر في حق من قضى بحكمه، دون من لم يرض بحكمه، والمولى والكفيل ما رضيا بحكمه فلا يظهر حكمه في حقهما، أما المتخاصمان فقد رضيا بحكمه فظهر حكمه في حقهما.
فإن جاء مولى العبدين وأنكر العتق وقدمهما إلى القاضي، فإن شهد هذان الشاهدان على عتقهما أو غيرهما يريد بقوله: هذان الشاهدان اللذان شهدا على عتقهما عند الحكم قضى القاضي به فشهادتهما بالمال جائزة؛ لأنه لم يظهر عنده خطأ حكم الحاكم فيما حكم ولا ينقض حكمه، وإن لم تكن بيتهما بينة على العتق وقضى القاضي برقهما للمولى أبطل حكم الحكم فيما حكم؛ لأنه ظهر عند القاضي أن الحكم حكم بشهادة العبد والحكم بشهادة العبد باطل فكان له أن يبطل.
قال: ولو ادعى رجل قبل رجلين أنهما غصباه ثوباً أو شيئاً من الكيلي أو الوزني فغاب أحدهما، ورضي الآخر والمدعى عليه بحكم يحكم بينهما، فأقام المدعي بينة على حقه عليهما، فإنه يلزم الحاضر نصف ذلك ولا يلزم الغائب منه شيء؛ لأن الحاضر رضي بحكمه، أما الغائب فلم يرض بحكمه.
وكذلك على هذا إذا ادعى رجل على ميت ديناً وورثته غيب إلا واحد، فاصطلح هذا الوارث الحاضر مع المدعي على حكم يحكم بينهما، وأقام المدعي بينة على الميت بحقه وحكم الحاكم بذلك لا يظهر حكمه في حق الغيب؛ لأنهم ما رضوا بحكمه. غير أن في مسألة الورثة يقضي على الحاضر بجميع الدين ويستوفي ذلك مما في يده وفي مسألة الغصب يقضي على الحاضر بالنصف. والوجه في ذلك: أن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى في حق الناس كافة، ثم القاضي يقضي بجميع الدين على الميت بحضرة أحد الورثة لما عرف أن أحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت في جميع ما يدعى على الميت، وصار من حيث المعنى كأن المورث حي وهو حاضر.
وإذا قضى القاضي بجميع الدين والدين مقدم على الميراث وما في يده من الميراث يؤخذ جميع الدين مما في يده، فإذا عرفت الجواب في حق القاضي المولى، فكذا الجواب في الحكم، أما في الغصب القاضي المولى لا يقضي إلا بنصف القيمة؛ لأن أحدهما ليس بخصم عن الآخر، فإذا عرفت هذا في القاضي المولى، فكذا الجواب في الحكم.
стр. 3572
وإذا اشترى من آخر عبداً وقبضه ونقد الثمن، ثم طعن بعيب، واصطلحا على حكم، فقضى بالرد على البائع فهو جائز؛ لأن التحكيم حصل بما يملك الخصمان فعله بأنفسهما، فيصح كما في سائر الصور، وإذا صح التحكيم صار الحكم فيما بينهما بمنزلة القاضي المولى لو قضى بالرد على البائع يجوز، فكذا ها هنا، فإن أراد البائع أن يخاصم بائعه في ذلك العيب لا يجوز لما ذكرنا أن حكم الحكم في حق غير المتخاصمين بمنزلة صلح باشره، ولو حصل الرد على البائع بطريق الصلح ليس للبائع أن يخاصم بائعه في ذلك العيب، ويجعل هذا الرد بمنزلة بيع جديد في حق البائع الأول فكذا هنا، ولو اصطلحوا جميعاً (على حكم هذا الحكم) المشتري الثاني والمشتري الأول والبائع الأول على حكم هذا الحكم، ورد هو العبد على البائع الثاني، فأراد البائع الثاني أن يرده على البائع الأول، ليس له ذلك قياساً، وله ذلك استحساناً.
وجه القياس أن البائع الأول ليس بخصم للحال إذ لا خصومة معه في العيب قبل الرد على البائع الثاني، فلا يصح تحكيمه، فصار وجود هذا التحكيم والعدم بمنزلة.
وجه الاستحسان: أن البائع الأول، إن لم يكن خصماً في هذا العيب في الحال فهو يعرض أن يصير خصماً بسبب هذا العيب، فإنه إذا رد العبد على البائع الثاني، كان للبائع الثاني أن يخاصم البائع الأول فيه، فصار الحكم في حقهم بمنزلة القاضي المولى، والقاضي المولى لو رد العبد على البائع الثاني، كان للبائع الثاني أن يرده على البائع الأول، فكذا الحكم. ولو نقض البائع الأول الحكومة بعدما رد العبد على البائع الثاني قبل أن يرده عليه صح النقض؛ لأن هذا نقض قبل الحكم عليه وإنه جائز، وإذا صح العزل لا يملك الحكم رد العبد على البائع الأول بعد ذلك.
وإن خاصم البائع الثاني البائع الأول بعد ذلك بسبب هذا العيب عند قاض من القضاة، فالقياس أن لا يرده القاضي على البائع الأول؛ لأن التحكيم من البائع الأول لم يصح على جواب الاستحسان، فصار وجوده والعدم بمنزلة، وفي الاستحسان يرده؛ لأن الحكم حين رد على البائع الثاني، فهو حكم في حق البائع الأول، فصح حكمه بالرد في حق البائع الأول فلا يبطل هذا الحكم بعزل الحكم، ألا ترى أنه لا يبطل هذا الحق بعزل القاضي المولى، حتى إن القاضي المولى إذا رد العبد على البائع الثاني، ثم عزل هذا القاضي وولي قاض آخر فرفعت إليه هذه الحادثة رد العبد على البائع الأول كذا هنا.
ولو أن رجلاً باع سلعة لرجل بأمره فطعن المشتري بعيب، فحكما بينهما حكماً برضا الآمر، وردها الحكم على البائع بسبب ذلك العيب بإقرار البائع أو بنكوله أو ببينة قامت، فإن كان الرد بالبينة أو بنكول الوكيل فله أن يرده على الموكل وإن كان الرد بإقراره بالعيب، وذلك عيب لا يحدث مثله رده على الموكل أيضاً، وإن كان يحدث مثله لم يرد على الموكل حتى يقيم البينة أن هذا العيب كان عند الموكل؛ لأنه صار حكماً في حقهم بتراضيهم، فصار بمنزلة القاضي المولى والحكم فيما إذا كان الرد من القاضي المولى على نحو ما ذكرنا، فكذا إذا كان الرد من الحكم.
стр. 3573
ولم يذكر القياس والاستحسان في هذه المسألة، كما في المسألة المتقدمة؛ لأن هناك البائع الأول ليس بخصم في العيب للحال، فلا يصح تحكيمه للحال قياساً، أما هنا الآمر خصم في الحال؛ لأن الرد على الوكيل رد على الآمر، فصح التحكيم من الآمر في الحال قياساً واستحساناً، وإن كانت الحكومة بغير رضا الآمر لا يلزم الآمر من ذلك شيء إلا ببينة أو كان عيباً لا يحدث مثله وهذا لأن التحكيم في حق الآمر لما لم يصح لعدم رضاه صار بمنزلة ما لو قبل المأمور المبيع بالعيب بغير قضاء، وهناك الجواب على التفصيل إن كان يحدث منه يلزم المأمور دون الآمر، باتفاق الروايات، وإن كان عيباً لا يحدث مثله، ففيه اختلاف الروايات في بعضها يلزم الأمر، وفي بعضها يلزم المأمور، كذا هنا.
ولو كان هذا الرجل اشترى عبداً لرجل بأمره وطعن المشتري بعيب به وحكما فيما بينهما رجلاً برضا الآمر ورده ببينة أو بإقرار أو بنكول كان ذلك جائزاً على الآمر وهذا ظاهر، ولو كان التحكيم بغير رضا الآمر ورد ببعض ما ذكرنا، فكذلك الجواب كان الرد جائزاً على الآمر.
فرق بين الوكيل بالشراء وبين الوكيل بالبيع، فإن في الوكيل بالبيع إذا حصل التحكيم بغير رضا الآمر ورد المشتري على الوكيل نفذ الرد على الوكيل دون الموكل، والفرق أن حكم الحكم في حق غير الممكن بمنزلة الصلح الذي باشراه، ولو كان مكان الرد في الوكيل بالبيع صلحاً باشراه بغير قضاء نفذ عليه وعلى الآمر جميعاً لفقه، وهو أن الرد بالعيب بغير قضاء بمنزلة الإقالة في حق الثالث، والآمر ثالثهما، والإقالة في حق الوكيل بالبيع في هذه الحالة لا يصح؛ لأن الوكالة انتهت نهايتها بالبيع والتسليم والتحق الوكيل بالإصابة، فأما الإقالة من الوكيل بالشراء ما دام المشترى في يده صحيحة، لأن الوكالة بالشراء لا تنتهى ما دام المشترى في يد الوكيل بالشراء.
الفصل الرابع والعشرون: في كتاب القضاة إلى القضاة
يجب أن يعلم بأن كتاب القاضي إلى القاضي صار حجة شرعاً في المعاملات بخلاف القياس؛ لأن الكتاب قد ينقل ويزور، والخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم؛ ولأن القاضي لا ولاية له على الخصم الذي في غير بلده، فكيف يكون كتابه حجة عليه؟ ولأن القاضي الكاتب بكتابه ينقل شهادة الشهود إلى المكتوب إليه والشهود بأنفسهم لو حضروا مجلس القاضي وكتبوا شهادتهم بين يدي القاضي، فالقاضي لا يعمل به، فكيف يعمل بكتاب غيره لكن جعلناه حجة بالإجماع، فقد روي عن علي ﵁ وجماعة من التابعين، منهم عمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي ﵃، أنهم جوزوا ذلك في المعاملات ولم ينقل عن غيرهم بخلافه.
стр. 3574
والمعنى في ذلك الحاجة، فإن الإنسان قد يكون غائباً والشهود حضور ويتعذر عليه الجمع بين الشهود والخصم لما أنه لا يمكنه إحضار الشهود بلد الخصم، ولا يمكنه نقل الشهود إلى الخصم، فلا يمكنه أن يصل إلى حقه بالشهادة على الشهادة؛ لأن قاضي تلك البلدة عسى لا يعرف عدالة الأصول، وعسى لا يجد هناك من يعدل الأصول، وفي تعديل الفروع الأصول كلام على ما يأتي بيانه في موضعه، فلو لم يقبل كتاب القاضي إلى القاضي لنقل الشهادة وإثبات عدالتهم لتعطلت الحقوق وضاعت فقبلناه صيانة للحقوق عن الضياع والبطلان، ولكن إنما يقبله القاضي المكتوب إليه عند وجود الشرائط، ومن جملة الشرائط البينة، حتى إن القاضي المكتوب إليه (٨٨أ٤) لا يقبل كتاب القاضي ما لم يثبت عنده بالبينة أنه كتاب القاضي، به ورد الأثر عن علي ﵁.
والمعنى في ذلك أن كتاب القاضي لا يخلو عن نوع احتمال لما ذكرنا أن الخط يشبه الخط، فلا يجوز العمل به ما لم ينتف هذا الاحتمال وذلك بالبينة، ولأن كتاب القاضي يقع ملزماً في حق المكتوب (إليه) حتى يلزمه العمل به، وإذا عمل به وقضى على المدعى عليه بما فيه يلزمه ذلك، واللزوم يعتمد الحجة والحجة هي البينة، وبهذا يقع الفرق بين كتاب القاضي وبين كتاب المزكي إلى القاضي، فإن في كتاب المزكي إلى القاضي لا يحتاج إلى البينة، لأنه ليس في كتاب المزكي إلزام، فالقضاء مضاف إلى شهادة الشهود لا إلى التزكية، إنما التزكية لنوع رجحان الصدق، ولهذا لو قضى القاضي بالشهادة بدون التزكية صح قضاؤه، وبه يقع الفرق أيضاً بين كتاب القاضي وبين كتاب ملك أهل الحرب، إذا طلب الأمان فيه فإنه مقبول بغير البينة حتى لو أمنه الإمام صح أمانُه؛ لأن كتاب أهل الحرب ليس بملزم؛ لأن للإمام رأياً في الأمان وتركه.
ومن جملة ما عمل فيه بالقياس الحدود والقصاص، حتى لم يجوزوا كتاب القاضي إلى القاضي في المعاملات (إلا) بالأثر والإجماع، ولا أثر ولا إجماع في الحدود والقصاص، فبقي على أصل القياس.
ومن جملة ما عمل فيه بالقياس المنقولات نحو العروض والثياب والعبيد والجواري، على قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف، وقال: يجوز في العبيد في الإباق، ولا يجوز في غيرهم، وعنه رواية أخرى أنه يجوز في جميع المنقولات، وبه أخذ بعض المتأخرين من مشايخنا. وحكي عن القاضي الإمام المنتسب إلى إسبيجاب أنه كان يفتى به، وأجمعوا على أنه يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في العقار والديون.
فوجه قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول، وهو الفرق بين الديون وسائر المنقولات: أن في الدين توهُّم الشركة تمكَّن في موضع واحد وهو المقضي عليه؛ لأنه ربما يتفق رجلان بذلك الاسم والنسب، أما لم يتمكن في المقضي به وهو الدين؛ ولا في المقضي له وهو المدعي، فإن كل واحد منهما معلوم، ويمكن الشركة في المقضي عليه حالة العذر إذا كان المقضي له والمقضي به معلوماً لا يمنع القضاء، ألا ترى أن حوالة المقضي عليه لا تمنع القضاء حالة العذر إذا كان المقضى به والمقضى له معلوماً كما لو
стр. 3575
شهد شاهدان على رجل أنه طلق إحدى امرأتيه قبل الدخول ومات قبل البيان، فإنه يقضي بسقوط نصف المهر مع أن المقضي عليه بسقوط نصف الصداق مجهول أنها زينب أو عمرة لما كان المقضي له معلوماً وهو الزوج والمقضي به معلوماً وهو نصف الصداق.
والمعنى في ذلك كله أن المقضي به والمقضي له إذا كان معلوماً كان الرجحان لجانب العلم والعبرة للراجح في الأحكام، فأما في عين العبد فتوهم الشركة تمكن في موضعين، أحدهما: في المقضي به، وهو العبد، فإنه يتفق اثنان من العلماء في الاسم والنسب والحلية، وفي المقضي عليه، وهو الذي في يديه العبد، فكان الرجحان لجانب الجهل فيمنع القضاء.
ألا ترى أن تمكن الجهالة في موضعين مانع من القضاء، وإن كان الحال حال عذر بأن كان لرجلين عبدان، لكل واحد منهما عبد على حدة قال أحدهما: إن لم يدخل فلان هذه الدار اليوم فعبدي حر وقال الآخر: إن دخل فلان الدار اليوم فعبدي حر، ومضى اليوم ولا يدرى أنه دخل أو لم يدخل وكل واحد ينكر شرط الحنث، فالقاضي لا يقضي بعتقهما ولا بعتق أحدهما؛ لأن المقضي عليه وهو أحد الموليين مجهول والمقضي به وهو أحد العينين كذلك، فيترجح جانب الجهل على جانب العلم فيمنع القضاء، كذا هنا وبل أولى؛ لأن قطع الشركة في المقضي به * وهو العبد * بالإشارة إليه ممكن؛ لأن العبد يمكن إحضاره مجلس الحكم بخلاف العقار حيث يجوز فيه كتاب القاضي، وإن كان يوهم الشركة ثمة في موضعين أيضاً؛ لأنه قد يتفق محدودان بحد واحد، وفي المقضي عليه؛ لأنه قد يتفق رجلان بالاسم والنسب؛ لأن قطع هذه الشبهة بالإحضار غير ممكن؛ لأنه لا يمكن إحضار العقار، فسقط اعتبار الجهالة في المقضي به بالإحضار، فكأن الشركة ما تمكنت إلا في موضع وهو المقضي به، وإنها غير مانعة كما في الدين.
وجه ما روي عن أبي يوسف: أنه يجوز كتاب القاضي في العبيد في الإباق أن القياس أن لا يكتب في العبيد كما في سائر المنقولات، كما قلتم: إن توهم الشركة تمكن في موضعين إلا أنا تركنا القياس في العبيد (في) الإباق للضرورة؛ لأن الإباق مما يكثر من العبيد، وربما لا يكون للمولى شهود في البلدة التي فيها العبد، لو لم يُجز كتاب القاضي تبطل حقوق الناس.
مثل هذه الصورة لا تتحقق في الجواري والدواب، لأن الإباق من الجواري لا يكثر، وكذلك الند من الدواب من بلدة إلى بلدة لا تكثر، فيعمل فيهن بقضية القياس.
وذكر محمد ﵀ في كتاب الإباق مسألة تدل على أن كتاب القاضي إلى القاضي في النقليات جائز، فإنه ذكر أنه إذا أخذ عبداً آبقاً أو جاريةً إلى القاضي، وأقام البينة على أنه وجده آبقاً، فأخذه وطلب من القاضي أن يفرض نفقته على مالكه، فإن علم القاضي أن المصلحة في بيع هذا العبد وحفظ ثمنه على مالكه فعل ذلك، فإذا باعه وأمسك ثمنه، فجاء مالكه وأتى بكتاب القاضي ليأخذ الدراهم الثمن كان له ذلك، فقد جوز كتاب القاضي في الدراهم الثمن، وإنه منقول.
стр. 3576
وتأويل المسألة أن بيع الآبق من القاضي لما نفذ بولاية شرعية انتقل حق صاحب العبد إلى ثمنه، وإنه دين على المشتري، فهو إنما جاء بكتاب القاضي لإثبات أن ذلك الدين حقه، وكتاب القاضي في الديون جائز، ثم القاضي قبض الدراهم المعين عوضاً عن ذلك، فإذا أثبت بكتاب القاضي أن ذلك الدين له وأراد أخذ الدراهم التي قبضها القاضي، وقد أجاز قبض القاضي تلك الدراهم عوضاً عن الدين الذي هو حقه فلا يظهر بهذا أن هذا الكتاب في العوض.
ويجوز كتاب القاضي في النكاح والطلاق وفي كل حكم يمكن تحقيق شرائط كتاب القاضي فيه من إعلام المشهود به، وغير ذلك على ما يأتي بيانه جائز.
وفي سائر النقليات إنما لم يجز كتاب القاضي عندهما؛ لأن إعلام المشهود به في هذه الأشياء بالإشارة، والإشارة في غير الكتاب، فلا تصح الدعوى والشهادة فلم يجز الكتاب.d
ونظير هذه المسألة النسب وصورتها رجل وامرأة ادعيا ابناً أو ابنة عند قاض من القضاة، وقالا: هو معروف النسب منا وهو اليوم في يد فلان في بلد كذا قد استرقه، وأقاما البينة عند القاضي، فطلبا منه أن يكتب لهما بذلك كتاباً إلى القاضي في ذلك البلد، لا يكتب عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأنهما يريدان قطع الملك والرق الثابت لصاحب اليد بالظاهر، وانتزاعه من يد صاحب اليد بدعوى الملك، وثمة الإشارة من المدعي والشهود شرط لسماع الدعوى والشهادة، ولا يتحقق ذلك في الغائب، فلا يكتب عندهما لهذا، فكذا هنا.
وعلى قول أبي يوسف: يكتب، لأن النسب لا يشار إليه وهو المدعي، فكان كدعوى الدين، وثمة يكتب فكذا هذا. وقال أبو يوسف ﵀: لا يكتب في النسب إلا في الأبوة والأمومة والبنوة؛ لأن دعوى هذه الأنساب دعوى حق مقصود.
ألا ترى أنه يسمع فيها الدعوى حالة الحياة وإن لم يدع بسببه مالاً أو حقاً، فيمكن إثباتها بالبينة بخلاف الأخوة والعمومة وأشباههما، إذ ليس فيهما حق مقصود، ألا ترى أنه لا تسمع فيهما الدعوى حالة الحياة إلا إذا ادعى بسببها مالاً كالنفقة وأشباهها، فلا يمكن إثباتها بالبينة.
بعد هذا تحتاج إلى بيان شرائط صحة كتاب القاضي إلى القاضي، فنقول: العلوم الخمسة شرط جوازه، وهو أن يكون الكتاب من معلوم يعني القاضي الكاتب إلى معلوم * يعني القاضي المكتوب إليه * في معلوم * يعني المدعى به * لمعلوم * يعني المدعى * على معلوم * يعني المدعى عليه.
أما القاضي الكاتب ينبغي أن يكون معلوماً؛ لأن الحجة كتاب القاضي لا بد وأن يعلم المكتوب إليه أنه كتاب القاضي حتى يقبله. وإعلامه إنما يكون بكتابة اسم القاضي واسم أبيه واسم جده أو قبيلته؛ لأن إعلام الإنسان إذا كان غائباً بهذه الأشياء، وإذا لم يذكر اسم أبيه وجده لا يحصل التعريف بالاتفاق، وإن ذكر اسم أبيه ولم يذكر اسم جده
стр. 3577
أو قبيلته، فعند أبي حنيفة ﵀ لا يحصل التعريف، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى، وإن كان مشهوراً اكتفى بالاسم الذي كان مشهوراً بذلك؛ لأن كتابة ما زاد على ذلك للتعريف، فإذا حصل التعريف بدونه اكتفى بذلك، وكذلك إذا كتب: من أبي فلان إذا كان مشهوراً بذلك الكنية كأبي حنيفة، وكذلك إذا كتب من ابن أبي فلان، وهو مشهور به، كابن أبي ليلى يكتفى به، ولا تقبل شهادة الشهود على اسم القاضي ونسبه ما لم يكن مكتوباً في الكتاب؛ لأنهم لو شهدوا على ما في (٨٨ب٤) الكتاب بدون الكتاب لا يقبل ذلك منهم فكذلك على التعريف.
وكذلك إعلام القاضي المكتوب إليه شرط؛ لأنه ما لم يثبت عنده أنه مكتوب إليه، لا يجب العمل به، بل لا يجوز العمل له به، وإنما يصير معلوماً بما يوجب تعريفه من ذكر الاسم والنسب على ما ذكرنا ولا يكتفي بالشهادة على الاسم والنسب إذا لم يكن مكتوباً لما ذكرنا.
وكذلك إعلام المدعي والمدعى به والمدعى عليه شرط؛ لأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، وهذه العلوم الثلاثة شرط لصحة الشهادة وإعلام المدعي والمدعى عليه بما يوجب تعريفهما من ذكر الاسم والنسب على حسب ما بينا في القاضي.
ثم عند أبي حنيفة ﵀ لا يحصل التعريف بذكر اسمه واسم أبيه، بل يشترط مع ذلك اسم الجد. وعند أبي يوسف ﵀ ذكر الجد ليس بشرط، وقول محمد ﵀ مضطرب: واختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: إنه كقول أبي يوسف، وبعضهم قالوا: إنه كقول أبي حنيفة.
وجه قول أبي يوسف أنا أجمعنا على أنه يحصل التعريف بثلاثة أشياء: بذكر الاسم والنسب إلى الأب والجد، وقد وجد هنا المثنى وهو النسب والاسم، والمثنى أكثر الثلاث وللأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام.
ولأبي حنيفة ﵀ أن المقصود هو الإعلام والتمييز وذلك لا يحصل بمجرد الاسم والنسب إلى الأب، فأما (إلى الجد) قل ما يتفق الرجلان في الاسم والنسب إلى الأب والجد، فيحصل به الإعلام.
وفي شرح كتاب «الأقضية» أن ذكر الجد عند أبي حنيفة * وهو رواية ابن سماعة عن أبي يوسف * شرط، وفي قول محمد ﵀ * وهو قول أبي يوسف في ظاهر الرواية ليس بشرط. وكان القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ يقول في الابتداء: لا يشترط ذكر الجد، ثم رجع في آخر عمره، وكان يشترط ذكر الجد وهو الصحيح وعليه الفتوى.
وإن لم يذكر اسم الجد ونسبه إلى القبيلة، فإن كان أدنى القبائل والأفخاذ الذي يعرف به بذلك، فقد كفى بلا خلاف، ويقوم مقام اسم الجد لحصول الإعلام به، فإنه قل ما يتفقان في أدنى الأفخاذ في اسمهما واسم أبيهما، وإن نسبه إلى أعلى الأفخاذ والقبائل بأن قال: تميمي، أو ما أشبهه لا يكتفى به، لأنه لا يقع به التعريف في الغالب، فصار
стр. 3578
كأنه قال: عربي أو عجمي، وإن نسبه إلى بلده ولم ينسبه إلى جده ولا إلى قبيلته، فقال: كوفي أو مصري، فذاك لا يكفي؛ لأن الاسم يجمع الألوف ولا يحصل به التعريف، وإن نسبه إلى حرفته وصناعته ولم ينسبه إلى قبيلته، والجد لا يكفي عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن الصناعة ليست بشيء لازم، فالإنسان قد يشغل بصناعة في زمان ثم يتحول منها إلى غيرها بعد ذلك، فلا يحصل بها التعريف، وعندهما إذا كانت صناعة يعرف بها لا محالة يكفي. وإن ذكر اسم أبيه ولقبه وإنه يعرف بذلك اللقب لا محالة فإنه يكفي وبدون ذلك لا يكفي؛ لأن اللقب ليس بلازم كالصناعة، وإن ذكر اسمه واسم جده ولم يذكر اسم أبيه لا يكفي؛ لأن الإنسان إنما يتصل إلى الجد بواسطة الأب، فلا يصح النسب إلى الجد بدون النسب إلى الأب، وإن كتب من قاضي بلد كذا فلان بن فلان إلى قاضي بلد كذا فلان بن فلان فذلك يكفي بلا خلاف عند بعض مشايخنا؛ لأن كونه قاضياً من أسباب التعريف، فيستغنى به عن ذكر الجد.
وعن أبي يوسف ﵀ آخراً أنه إذا كتب إلى قاضي بلد كذا، ولم يذكر اسمه ولا اسم أبيه فذلك يكفي؛ لأن القاضي في كل بلدة معروف فيقع الاستغناء عن ذكر الاسم والنسب. وزاد في «المنتقى» في هذه الرواية فقال: إذا كان تاريخ الكتاب نفذه إلى المكتوب إليه.
ولو كتب من فلان بن فلان قاضي بلد كذا إلى كل من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم، فذلك لا يجوز في قول أبي حنيفة ﵀، وفي قول أبي يوسف ﵀ يجوز، والظاهر أن محمداً ﵀ مع أبي حنيفة ﵀، فأبو يوسف ﵀ توسع حين ابتلي بالقضاء، ورأى أحوال الناس، واستحسن في كثير من المسائل تسهيلاً للأمر على الناس، من جملتها هذه المسألة، فإن القاضي يحتاج إلى الكتابة إلى الآفاق ولا يمكنه معرفة اسم قاضي الآفاق ونسبه لبعد المسافة، فلو شرطنا ذلك ضاق الأمر على الناس. ألا ترى أنه لو كتب إلى فلان بن فلان وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، فكل من يصل إليه من قضاة المسلمين يعمل به، وإن لم يكتب اسمه ونسبه كذا هنا.
وأبو حنيفة ﵀ أخذ بالاحتياط، فإن إعلام الكاتب والمكتوب إليه شرط لصحة الكتاب بالاتفاق وتمام الإعلام لا يحصل بهذا القدر، فلا يصح الكتاب، بخلاف ما إذا عين قاضياً وعرفه، ثم كتب: وإلى كل من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين؛ لأنه لما عرف الأول صحت كتابة القاضي إليه، فيجعل المضموم إليه تبعاً له فيجوز، ويجوز أن يصح الشيء تبعاً وإن كان لا يصح مقصوداً.
وإن كتب أن لفلان على فلان السندي غلام فلان بن فلان الفلاني كذا جاز؛ لأن تعريف المملوك بالنسبة إلى المالك، فإذا نسبه إلى مالك معروف بالشهرة أو ذكر اسم المولى ونسبه إلى أبيه وجده وإلى قبيلته، فقد تم تعريفه بذلك، وإن ذكر اسم العبد واسم المولى، ولم يذكر اسم جد المولى ولا قبيلته. ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن
стр. 3579
ذلك لا يكفي، وذكر شيخ الإسلام أنه يكفي؛ لأن التعريف يحصل بذكر ثلاثة أشياء كما في الحر، وقد وجد ذكر ثلاثة أشياء، وهو اسم العبد واسم المولى واسم أب المولى، وإن ذكر اسم العبد واسم المولى إن لم ينسب المولى إلى قبيلته الخاص لا يكفي، وإن نسبه إلى قبيلته الخاص، فعلى قياس ما ذكره شيخ الإسلام يكفي.
وإن كتب أن لفلان على فلان وهو العبد السندي الحائك الذي في يدي فلان بن فلان أو الساكن في دار فلان بن فلان، فذلك لا يكفي؛ لأن التعريف إنما يقع بالنسبة اللازمة وذلك بالملك دون السندي؛ لأنها عسى أن تكون بغير حق.
قد ذكرنا أن إعلام المدعى عليه في كتاب القاضي شرط، وروي عن محمد في «النوادر» ما يدل على أن إعلام المدعى عليه في الكتاب ليس بشرط، والذي روي عنه: رجل له ضيعة بخراسان وهو بالعراق وشهوده على الضيعة بالعراق، فأقام بينة عند قاضي الكوفة أن ضيعة كذا بمرو بحدودها له، وأن له مانعاً منها لا يعرفه فإنه يكتب قاضي الكوفة إلى قاضي مرو ويكتب فيه، فإذا قدم بالكتاب فكل من منعه من الناس فاقض عليه.
قال مشايخنا: ويجوز أن يكون هذا في العقار خاصة؛ لأنه ربما لا يعلم لبعد المسافة أن العقار في يد من هو، فاستحسن وجوده للحاجة والضرورة، ألا ترى أنه لو شهد شاهدان بملكية العقار لرجل وشهد آخران أنها في يد فلان قضى بها له لما ذكرنا، فأما المدعي به إذا كان ديناً فهو في ذمة المدعى عليه، وإنه عالم بذلك، فلم تمس الحاجة إلى ترك إعلام المدعى عليه، فشرط إعلام المدعى عليه حتى يصير الخصم و (هو) محل وجوب الدين معلوماً.
وذكرنا أيضاً أن إعلام المدعى به شرط، بعد هذا ينظر إن كان المدعي به ديناً، وكان مكيلاً يذكر جنسه أنه حنطة أو شعير، وبعدما ذكر الجنس أنه حنطة يذكر النوع أنها سقية أو برية خريفية أو ربيعية ويذكر الصفة أنها حمراء أو بيضاء جيدة أو رديئة أو وسط ويذكر السبب، وقد مرت هذه الفصول في فصل جلوس القاضي أيضاً.
وإن كانت الدعوى في عقار يذكر موضعها، وحدودها الأربعة، ولو ذكر حدين لا يكفي، وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا ذكر حدين أحدهما طولاً والآخر عرضاً يجوز؛ لأن به يصير الطول والعرض معلوماً، وإن ذكر حدين متقابلين لا يجوز، وبعض مشايخنا قالوا: إن ذكر حدين متقابلين يجوز، وإن ذكر حدين متلازقين لا يجوز، وإن ذكر الحدود الثلاثة، فذلك يكفي عند علمائنا الثلاثة ﵏، وقد مر هذا أيضاً في فصل جلوس القاضي.
وإن كان العقار معروفاً مشهوراً كدار الوليد بكوفة، وكدار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ببخارى لابد لتعريفه من ذكر الحدود عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ذكر الحدود في هذا ليس بشرط، ويكتفي بذكر اسم الدار، فأبو يوسف ومحمد قاسا شهرة الدار على شهرة الرجل، والرجل إذا كان مشهوراً يقع التعريف بمجرد اسم العقار، وأبو حنيفة ﵀ يقول بذكر الاسم عند الشهرة في العقار يصير أصل العرصة
стр. 3580
معلوماً، أما مقدار العرصة لا يصير معلوماً، والدار مما يزاد فيها وينقص عنها، وبه لا يتعين الاسم، وإذا لم يصر المقدار معلوماً تبقى الجهالة فلا بد من ذكر الحدود، وأما الآدمي لا يزاد فيه ولا ينقص عنه، فيصير بجملته معلوماً بذكر الاسم، إذا كان مشهوراً بذلك الاسم فلا حاجة إلى اشتراط آخر.
ومن شرائط صحة الكتاب أن يقرأ القاضي الكتاب على الشهود الذين يشهدهم على الكتاب أو يخبرهم بما في الكتاب، وأن يختم الكتاب بحضرتهم وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهذا بناء على أن عندهما يشترط أن يشهد الشهود عند المكتوب إليه بما في (٨٩أ٤) الكتاب. وإنما يمكنهم الشهادة بما في الكتاب إذا علموا بما في الكتاب، وذلك إما بقراءة القاضي الكتاب عليهم أو بإخباره إياهم بما في الكتاب، وكذلك يشترط عندهما أن يشهدوا عند المكتوب إليه أن القاضي الكاتب ختم الكتاب بحضرتهم، وإنما يمكنهم الشهادة على ذلك إذا ختم بحضرتهم.
وعند أبي يوسف أخراً شيء من ذلك ليس بشرط، بل إذا أشهدهم أن هذا كتابه وخاتمه وهم شهدوا عند المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي فلان، وهذا خاتمه كفى، فوجه هذا القول أن المشهود به الكتاب والختم وكل ذلك يصير معلوماً للشاهد، بقول القاضي الكاتب، ويصير معلوماً للمكتوب إليه بإشارة الشاهد إلى الكتاب والختم، فلا حاجة إلى اشتراط شيء آخر.
ولهما أن المقصود من الكتاب أن يقضي المكتوب إليه بما في الكتاب، وإنما يجوز له القضاء بما في الكتاب إذا حصل له العلم بما في الكتاب بشهادة الشهود على ما في الكتاب، أما لا يحصل العلم بمجرد الشهادة على الكتاب والختم؛ لأن الكتاب في يد المدعي لا يؤمن من التغيير والتبديل، والخط يشبه الخط، والختم يشبه الختم، فلا يجوز الاعتماد على مجرد الكتاب بدون الشهادة بما عليه.
وإذا ثبت من مذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن شهادة الشهود بما في الكتاب شرط ينبغي للقاضي الكاتب أن يدفع إلى الشهود نسخة ما في الكتاب، ليكون عندهم، فيمكنهم الشهادة على ما في الكتاب قبل فتح الكتاب، فما قاله أبو حنيفة ومحمد احتياط، وما قاله أبو يوسف توسع، وكذلك يشترط عند أبي حنيفة ﵀ أن يحفظ الشهود شهادتهم بما في الكتاب من وقت التحمل إلى وقت الأداء، ولكن هذا شرط لا يختص بكتاب القاضي، بل في جميع الشهادات يشترط حفظ الشاهد شهادته من وقت التحمل إلى وقت الأداء عند أبي حنيفة ﵀.
ومن الشرائط عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن يكون الكتاب معنوناً بأن يكتب فيه: هذا كتاب من فلان بن فلان القاضي إلى فلان بن فلان القاضي حتى إنه إذا لم يكتب فيه ذلك، وإنما كتب فيه عافانا الله وإياك، فالقاضي المكتوب إليه لا يقبله.
وعند أبي يوسف ﵀: العنوان ليس بشرط، إنما الشرط أن يشهد الشهود أن هذا كتاب القاضي فلان إليك وختمه، فوجب قوله إن شهادة الشهود تثبت كون الكتاب
стр. 3581
كتاب القاضي، فثبت كون المكتوب فيه مكتوب القاضي، فلا حاجة إلى اشتراط شيء آخر.
ولهما أن الكتاب إذا لم يكن معنوناً فيكون هذا الكتاب مكتوب القاضي إلى هذا القاضي لا يكون مكتوباً في الكتاب، وما لم يكن مكتوباً في الكتاب لا يثبت بمجرد الشهادة من الشهود عند هذا القاضي، إذا لم يكن مكتوباً في الكتاب بأن يشهدوا عند هذا القاضي أن فلاناً وفلاناً شهدا عند قاض (على) فلان بهذا الحق لهذا المدعي، فكذا كون هذا الكتاب من الكاتب إلى المكتوب إليه، لا يثبت بمجرد شهادة الشهود، وإذا لم يثبت ذلك بشهادتهم، فكأنهم لم يشهدوا، وبدون شهادتهم أن هذا كتاب فلان إليك، فالمكتوب إليه لا يقبل الكتاب كذا هنا.
وإذا ثبت أن العنوان شرط عندهما، فنقول: إن كان العنوان في الباطن، وعلى الظاهر، فالقاضي المكتوب إليه يعمل؛ لأنه يعمل به إذا كان العنوان في الباطن لا غير فهاهنا أولى. وإن كان العنوان في الباطن لا غير، فإنه يعمل به؛ لأنه يجب ختمه فيؤمن التبديل والتغيير وثبت كونه كتاب القاضي إليه لكونه مكتوباً في الكتاب كأصل الحادثة.
وإن كان العنوان على الظاهر لا غير، فالقاضي المكتوب إليه لا يعمل به؛ لأنه لا يؤمن التبديل والتغيير. ألا ترى أن أصل الحادثة إذا لم يكن تحت ختم القاضي بأن لم يكن الكتاب مختوماً، فالقاضي المكتوب إليه لا يعمل به؛ لأنه لا يؤمن التغيير والتبديل، فكذا كونه كتاب القاضي إذا لم يكن تحت خاتمه.
وبعض المتأخرين من مشايخنا اكتفوا بعنوان الظاهر وقالوا: كتابة أصل العنوان إذا لم يشترط عند أبي يوسف؛ فلأن لا يشترط عنوان الباطن ويكتفى بعنوان الظاهر أولى، وأخذوا بقول أبي يوسف ﵀ في هذا الفصل تسهيلاً.
ثم إذا أراد القاضي الكتاب يكتب في العنوان من الجانب الأيمن من الكتاب إلى القاضي فلان بن فلان بن فلان بن فلان الفلاني قاضي كورة كذا ونواحيها نافذ القضاء والإمضاء بها بين أهلها، ويكتب من الجانب الأيسر من الكتاب من القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي كورة كذا ونواحيها نافذ القضاء والإمضاء بها بين أهلها، وإنما يكتب قاضي كورة كذا وإن كان التعريف حاصلاً بالاسم والنسب؛ لأنه إنما يقبل كتابه إذا كان قاضياً، فأما إذا لم يكن فلا، ثم يكتب التسمية ثم يكتب بعد التسمية: كتابي أطال الله بقاء فلان القاضي إلى آخره كما هو الرسم في الكتاب.
ثم يكتب أما بعد، وهذه كلمة فصل الخطاب، جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ (ص: ٢٠) أن المراد من فصل الخطاب كلمة: أما بعد، فذكر هذا للفصل بينما تقدم ذكره من الكلام وبينما تأخر من الكلام. ثم يكتب: حضرني في مجلس قضائي بكورة كذا في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا أطال الله بقاء القاضي، وإنما يكتب حضرني؛ لأنه يريد حكاية دعوى المدعي، وينبغي أن تكون الدعوى عند القاضي، وكذا شهادة الشهود حتى يجوز له أن يكتب إلى قاض آخر، ويقول: في مجلس قضائي؛
стр. 3582
لأن صحة الدعوى تنفذ بمجلس القضاء هكذا وقع في بعض الكتب.
والصحيح أن قوله في مجلس قضائي ليس بأمر لازم، بل إذا كتب في مجلس الحكم في كورة كذا كفاه، هكذا ذكر صاحب «الأقضية» . إلا إذا كان بلدة فيها قاضيان، كل قاض على ناحية على حدة فحينئذ يكتب في مجلس قضائي، حتى لا يظن ظان أن القاضي الكاتب كان في مجلس حكم القاضي الآخر، وهو ليس بقاضي تلك الناحية، ويكتب: في كورة كذا، لما عرف من اختلاف الروايات، أن القضاء هل يتقيد بالمصر، ففي ظاهر الرواية يتقيد حتى لا ينفذ القضاء في الرساتيق.
وروى أصحاب «الأمالي» عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يتقيد حتى ينفذ القضاء في السواد، وكتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة القضاء من وجه فيجب أن يكون في المصر، فيكتب: كورة كذا حتى يزول الوهم، أن القاضي الكاتب ظن أن القضاء في غير المصر جائز، فيكون غير مجلس القضاء فيكتب في مجلس قضائي، فإذا كتب في كورة كذا يزول هذا الوهم.
بعد هذا المسألة على وجهين: إن عرف القاضي المدعي باسمه ونسبه يكتب حضرني فلان ابن فلان الفلاني، يذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، ويثبت معرفته في الكتاب، فيكتب: وقد عرفته بوجهه واسمه ونسبه؛ لأن تمام التعريف بهذا؛ لأن بدون معرفة الوجه لا يحصل تمام التعريف، والاسم والنسب أمر لازم للتعريف لمن كان غائباً، وإنه غائب عن القاضي المكتوب إليه في الحال، وإن لم يعرفه القاضي باسمه ونسبه سأله البينة على اسمه ونسبه حتى لا يتسمى رجل باسم غيره، فيؤخذ بحق صاحب الحق، فإذا قامت البينة عنده بشرائطه كتب: حضرني رجل ذكر أنه فلان بن فلان بن فلان وسألته البينة على الاسم والنسب، فأقام بينة عدولاً وثبت عندي بشهادتهم أنه فلان بن فلان بن فلان.
وإن كان المدعي لا يقدر على إثبات نسبه بالبينة كتب القاضي: حضرني مجلس الحكم رجل ذكر أنه فلان ولم أعرفه ولم يقم بينة عندي على نسبه، فيكتب على هذا الوجه حتى إذا أقر المدعى عليه عند القاضي المكتوب إليه باسمه ونسبه كما ذكرنا وقامت البينة عند المكتوب إليه على اسمه ونسبه أنفذه عليه وما لا فلا، فبعد ذلك إن حكى المدعي في الكتاب كان أولى وأبلغ في الاحتياط، وأوثق في قلب القاضي المكتوب إليه فالتعريف ببيان الوصف والهيئة، والسيمى تفيد زيادة علم، قال الله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم﴾ () ، ثم يكتب من غير خصم أحضره معه؛ لأن كتاب القاضي لإثبات الحجة على الغائب لنقل شهادة الشهود، حتى يقضي القاضي المكتوب إليه عليه بحضرته أو بحضرة وكيله، ولا حاجة إلى الكتاب، ثم يكتب: فادعى على رجل ذكر أنه يسمى فلان بن فلان الفلاني، وإن كان رجلاً مشهوراً لا يحتاج إلى هذا بل يكتب فادعى على فلان ولا بد وأن يذكر المدعي أنه غائب عن هذه البلدة مسيرة سفر؛ لأن بين العلماء اختلافاً في تقدير المسافة التي يجوز كتاب القاضي فيها ولا رواية لهذه المسألة، في «المبسوط» .
والصحيح أن قوله في مجلس قضائي ليس بأمر لازم، بل إذا كتب في مجلس الحكم في كورة كذا كفاه، هكذا ذكر صاحب «الأقضية» . إلا إذا كان بلدة فيها قاضيان، كل قاض على ناحية على حدة فحينئذ يكتب في مجلس قضائي، حتى لا يظن ظان أن القاضي الكاتب كان في مجلس حكم القاضي الآخر، وهو ليس بقاضي تلك الناحية، ويكتب: في كورة كذا، لما عرف من اختلاف الروايات، أن القضاء هل يتقيد بالمصر، ففي ظاهر الرواية يتقيد حتى لا ينفذ القضاء في الرساتيق.
وروى أصحاب «الأمالي» عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يتقيد حتى ينفذ القضاء في السواد، وكتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة القضاء من وجه فيجب أن يكون في المصر، فيكتب: كورة كذا حتى يزول الوهم، أن القاضي الكاتب ظن أن القضاء في غير المصر جائز، فيكون غير مجلس القضاء فيكتب في مجلس قضائي، فإذا كتب في كورة كذا يزول هذا الوهم.
بعد هذا المسألة على وجهين: إن عرف القاضي المدعي باسمه ونسبه يكتب حضرني فلان ابن فلان الفلاني، يذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، ويثبت معرفته في الكتاب، فيكتب: وقد عرفته بوجهه واسمه ونسبه؛ لأن تمام التعريف بهذا؛ لأن بدون معرفة الوجه لا يحصل تمام التعريف، والاسم والنسب أمر لازم للتعريف لمن كان غائباً، وإنه غائب عن القاضي المكتوب إليه في الحال، وإن لم يعرفه القاضي باسمه ونسبه سأله البينة على اسمه ونسبه حتى لا يتسمى رجل باسم غيره، فيؤخذ بحق صاحب الحق، فإذا قامت البينة عنده بشرائطه كتب: حضرني رجل ذكر أنه فلان بن فلان بن فلان وسألته البينة على الاسم والنسب، فأقام بينة عدولاً وثبت عندي بشهادتهم أنه فلان بن فلان بن فلان.
وإن كان المدعي لا يقدر على إثبات نسبه بالبينة كتب القاضي: حضرني مجلس الحكم رجل ذكر أنه فلان ولم أعرفه ولم يقم بينة عندي على نسبه، فيكتب على هذا الوجه حتى إذا أقر المدعى عليه عند القاضي المكتوب إليه باسمه ونسبه كما ذكرنا وقامت البينة عند المكتوب إليه على اسمه ونسبه أنفذه عليه وما لا فلا، فبعد ذلك إن حكى المدعي في الكتاب كان أولى وأبلغ في الاحتياط، وأوثق في قلب القاضي المكتوب إليه فالتعريف ببيان الوصف والهيئة، والسيمى تفيد زيادة علم، قال الله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم﴾ () ، ثم يكتب من غير خصم أحضره معه؛ لأن كتاب القاضي لإثبات الحجة على الغائب لنقل شهادة الشهود، حتى يقضي القاضي المكتوب إليه عليه بحضرته أو بحضرة وكيله، ولا حاجة إلى الكتاب، ثم يكتب: فادعى على رجل ذكر أنه يسمى فلان بن فلان الفلاني، وإن كان رجلاً مشهوراً لا يحتاج إلى هذا بل يكتب فادعى على فلان ولا بد وأن يذكر المدعي أنه غائب عن هذه البلدة مسيرة سفر؛ لأن بين العلماء اختلافاً في تقدير المسافة التي يجوز كتاب القاضي فيها ولا رواية لهذه المسألة، في «المبسوط» .
стр. 3583
وكثير من مشايخنا قالوا: لا يجوز فيما دون مسيرة السفر كما في الشهادة على الشهادة؛ لأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، فكان هو والشهادة على الشهادة سواء، والمعنى فيه أن جواز كتاب القاضي إلى القاضي باعتبار الحاجة، فإنه ربما يتعذر على المدعي الجمع بين خصمه وشهوده لبعد المسافة فيحتاج إلى الكتاب، وهذا المعنى لا يتأتى فيما دون مسيرة السفر، وبعض مشايخنا جوزوا ذلك (٨٩ب٤) .
وهكذا ذكر صاحب الأقضية. والذي ذكره صاحب الأقضية إذا كان في مصر واحد قاضيان، كل قاض يقضي على ناحية خاصة دون ناحية صاحبه، حتى صار كل واحد منهما في ذلك بمنزلة قاض في مصر على حدة، فيكتب أحدهما إلى صاحبه في حق لرجل قامت له بينة عليه، قال على قياس قول أبي يوسف: أجزأ المكتوب إليه فيقبل الكتاب إذا شهد عنده شاهدان أنه كتابه وخاتمه، وعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يقبل حتى يشهدا عنده أنه قرأه عليهما، أو أشهدهم على ما فيه وختم بحضرتهما، وهو رواية ابن سماعة عن أبي يوسف ورواية هشام عن محمد، وهكذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء.
ووجهه: أن نقل القاضي في حكم القضاء، لا في حكم الشهادة، ألا ترى أنه يختص هذا النقل بولاية القضاء، ثم يجوز القضاء من قاضيين في مصر واحد، فكذا هذا.
وإذا كانت مسألة مختلفة لا بد من ذكر الغيبة مدة السفر ليخرج عن حد الاختلاف، فإذا ذكر ذلك ولم يعلم القاضي يسأله البينة على ذلك، فإذا أقامها كتب القاضي، وذكر أنه غائب عن هذه البلدة مدة سفر، وكتب: وقد ثبت عندي غيبة مدة السفر بالبينة العادلة ليعلم القاضي الكاتب أن كتابة الكتاب كانت بشرطه.
ثم يكتب المدعى به، ويبالغ في إعلامه على نحو ما بينا، ثم يكتب: وإنه اليوم مقيم بكورة كذا، يريد به كورة القاضي المكتوب إليه؛ لأنه لو لم يكن في كورته لا يفيد كتاب القاضي، ثم يكتب: وإنه جاحد دعواه هذه؛ لأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، والشهادة إنما تقبل على الجاحد.
ثم يكتب: ويشهد شهوده على صحة دعواه هاهنا، ويتعذر عليه الجمع بينهم وبين المدعى عليه؛ لأن نقل الشهادة إنما يحتاج إليه حال غيبة الشهود عن المدعى عليه، وتعذر الجمع بين الشهود وبين المدعى عليه؛ حتى لا يصل إلى حقهم بالشهادة، فتمس الحاجة إلى كتاب القاضي لنقل الشهادة.
ثم يكتب: فسألني الاستماع إلى شهادتهم لأكتب بما صح عندي من شهادتهم إلى القاضي فلان، فأجبت إليه، ثم يكتب: فأحضرهم وهم فلان بن فلان، يكتب اسم كل واحد منهم، ونسبه وقبيلته وتجارته إن كان تاجراً، ومسكنه ومصلاه ومحلته مقام التعريف تذكر هذه الأشياء، ثم يكتب: فشهد كل واحد منهم بعد الدعوى عقيب الاستشهاد بشهادة صحيحة متفقة اللفظ والمعنى.
وإنما يذكر هذه الأشياء؛ لأن الشهادة الصحيحة هي التي يجب العمل بها دون
стр. 3584
الفاسدة، هكذا روي عن محمد ﵀. قالوا: وينبغي أن لا يكتفي بهذا القدر بل يفسر الشهادة ويبينها؛ لأن صحة الشهادة واتفاق المعنى وموافقة الدعوى فيما ادعي لا يثبت بمجرد ... ؛ لأنه ربما يظنها صحيحة موافقة للدعوى، وتكون فاسدة مخالفة الدعوى، فلا بد من البيان ليكون المكتوب إليه على بصيرة، فينظر إليها فإن عرفها صحيحة عمل بها، وإن عرفها فاسدة ردها، فلهذا يبين ويفسر شهادته ويصححها على الوجه الذي ذكرنا في الدعوى، ويتبين الدين ويعلمه على نحو ما بينا، ويذكر في شهادتهم إعلام المدعي والمدعى عليه.
وإعلام الحاضر بالإشارة، وإعلام الغائب بذكر الاسم والنسب والمدعي حاضر، فإعلامه بالإشارة إليه والمدعى عليه غائب، فإعلامه بذكر الاسم والنسب، فيكتب شهدوا أن لفلان المدعي هذا علي فلان بن فلان هذا الذي ذكر اسمه ونسبه في هذا الكتاب في دعوى المدعي هذا كذا وكذا، يذكر جنس الدين ونوعه وصفته وقدره وجميع ما ذكرنا في الدعوى ثم يكتب فواجب على فلان هذا تسليم المال إلى هذا المدعي ليقبضه لنفسه.
وقد اختلف المتأخرون في أنه هل يشترط ذكر هذا؟ والصحيح أنه لا يشترط؛ لأن حاجة القاضي إلى نقل الشهادة وبيان شهادة الشهود لا إلى بيان حكم ما ثبت عنده من جهة الشهود، وهذا ليس من صلب شهادتهم، ولا يشترط ذكره، ويشترط بيان سبب الدين لما ذكرنا في الدعوى، ولتكون الشهادة موافقة للدعوى.
وإن كانت الدعوى في العقار يكتب في شهادتهم العقار، يذكر موضعها وحدودها على نحو ما ذكرنا في الدعوى، ويذكر أنها في يد المدعى عليه هذا بغير حق. ولا بد للشهود في العقار أن يشهدوا أنها في يد هذا المدعى عليه بغير حق، لأن المدعى عليه في العقار إنما ينتصب خصماً باعتبار يده، فما لم تثبت يده على العقار عند القاضي، فالقاضي لا يجعله خصماً ثم يكتب وشهد كل واحد من الباقين بمثل شهادته هذه، وأشار في جميع مواضع الإشارات ولا يكتب على مثل شهادته؛ لأن كلمة مثل صفة في الكلام قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (الشورى: ١١) ، أي كهو شيء فيصير هذا شهادة على شهادة الأول، وإنه لا يقبل هاهنا، ولكن يكتب بمثل شهادته، كما قلنا لم يكتب: فأتوا بالشهادة على وجهها وساقوها على سببها، فسمعتها وأثبتها في المحضر المخلد ديوان الحكم؛ لأنه ينبغي أن يكون ذكر الدعوى والشهادة مكتوباً في بياض، ويكون في خريطة القاضي حتى يؤمن عن التغيير والتبديل، فعسى يحتاج إلى الرجوع إليه، حتى يكون عن بصيرة وطمأنينة.
ثم بعد ذلك إن عرف القاضي الشهود أثبت ذلك في الكتاب، فيكتب: وهم معروفون عندي بالعدالة والرضا وقبول القول، فإن لم يعرفهم سأل المزكي عن حالهم الواحد يكفي، والاثنان أحوط وأبعد عن الخلاف، فإن أتوا عليهم بالعدالة يكتب:
стр. 3585
ورجعت في التعريف عن حالهم إلى من إليه التزكية والتعديل بالناحية، وهم فلان وفلان، فنسباهم إلى العدالة والرضا وقبول الشهادة.
فإن عدل بعضهم وجرح البعض، فإنه يكتب اسم من عدلاه؛ لأن القاضي المكتوب إليه إنما يقضي بشهادة العدلين، وكذلك يذكر اسم المزكين؛ لأن العدالة إنما تثبت بقولهم، فينبغي أن يعرفهم القاضي المكتوب إليه حتى يعلم أنه هل يجوز الاعتماد على قولهم في التزكية؟ وإنما كتب القاضي الكاتب السؤال عن الشهود وتعرف عن حالهم؛ لأنه لو لم يكتب ذلك احتاج القاضي المكتوب إليه إلى السؤال عنهم حتى يمكنه القضاء بشهادتهم، والسؤال عنهم، وعسى لا يمكنه ذلك في مصره، فيكتب القاضي ذلك حتى يعلم القاضي المكتوب إليه أن لا حاجة إلى السؤال عن حالهم.
قال الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : ولو لم يكتب القاضي الكاتب في الكتاب أسماء الشهود الذين شهدوا عنده، وأخفى واكتفى بقوله شهد بذلك عندي شهود عدول كفى.
قال: وهذا لما قلنا في القاضي إذا كتب في السجل إن شاء أظهر فيه أسماء الشهود وأنسابهم وإن شاء أخفى، واكتفى بقوله بعدما ثبت عندي شهادة شهود عدول كذا هاهنا.
ثم القاضي الكاتب بعدما ظهرت عنده عدالة الشهود الذين شهدوا عنده بالحق للمدعي يحلف المدعي، فإن كان المدعى ديناً يستحلفه بالله ما قبضتَ هذا المال منه، ولا تعلم أن رسولاً لك أو وكيلاً لك قبض منه، أما أصل الاستحلاف مع أنه ليس هاهنا أحد يدعيه؛ لأن القاضي ناظر الكل من عجز عن النظر لنفسه بنفسه، والغائب عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فينظر له القاضي باستحلاف خصمه.
هذا كما نقول فيمن ادعى ديناً على ميت وأقام البينة: إن القاضي يحلِّفع بالله بما استوفيت هذا الدين ولا أبرأته منه؛ لأن الميت عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فينظر له القاضي بالاستحلاف، وإذا استحلفه يحلف بالله ما قبضت هذا المال من هذا المدعى عليه، ولا يعلم أن رسولك أو وكيلك قبض هذا المال منه ولا أبرأته ولا أحلته به على أحد ولا اغتصبت مثله من جنسه ولا اغتصبت به؛ لأن الواحد من هذا لا تحصل براءة المدعى عليه، فيحلفه على جميع ذلك على الثبات والأصح ما ذكرنا؛ لأن الحلف على فعل الغير يكون على العلم، وسيأتي بيان ذلك في فصل اليمين إن شاء الله تعالى.
وإذا عرفت حكم الاستحلاف في الدين فكذا في جميع الدعاوي التي يجوز فيها الكتاب؛ لأن الاستحلاف لنظر الغائب وإنه موجود في جميع هذه الفصول، ويحتاط القاضي في كل فصل حتى لا يستحلفه على ما يبطل دعواه، ويذكر في كتابه استحلاف المدعي، وكيفية استحلافه وما كان منه على وجه النظر للغائب ليكون أبلغ في العذر وأقرب إلى تحقيق معنى العدل، وهذا إذا لم يذهب المدعي بالكتاب بنفسه بل نصب وكيلاً.
فأما إذا ذهب بالكتاب بنفسه، فالقاضي الكاتب لا يحتاج إلى هذا الاحتياط وإلى
стр. 3586
تحليف المدعي، فإنه لو أراد المدعى عليه استحلافه يمكنه عند القاضي ذلك، ثم يكتب فقبلت شهادتهم قبول مثلها، وسألني المدعي هذا مكاتبة في ذلك الإشهاد عليه وعلى مضمونه وعلى ختمه فأجبته (٩٠أ٤) إليه، لإيجاب العلم للإجابة إليه، فأجزت كتابي هذا مسهلاً إليه ما جرى من عندي، ذلك على ما طويت كتابي هذا، وحكيت فيه معلماً بذلك إباءه حتى إذا وصل كتابي هذا إليه صحيح الختم وثبت عنده من الوجه الذي يوجب العلم قبوله قبله وقدم في باب مورده بالحق لله تعالى عليه تقديمه فيه معاناً بالتوفيق، وإنما يكتب سؤال المدعي؛ لأن القاضي نصب لفصل الخصومات لا لإحيائها، فتبين أن كتابة هذا الكتاب كان لسؤال المدعي ليكون معذوراً، ولأن كتاب القاضي حق المدعي، وحق الإنسان إنما يوفى بعد طلبه.
وروي عن محمد ﵀ أن القاضي الكاتب يذكر في الكتاب أسماء الشهود الذين أشهدهم على الكتاب، فيكتب: وأشهدت فلاناً وفلاناً وفلاناً على كتابي ومضمونه، وسأختم على كتابي بحضرتهم والإشهاد على مضمون الكتاب أمر لازم، لما ذكرنا أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله القاضي المكتوب إليه لا يقبل الكتاب حتى يشهد الشهود على مضمون الكتاب، وكذلك الختم بحضرتهم شرط لازم حتى يمكنهم الشهادة على الختم شرط عندهما، واختار بعض المتأخرين كتابة علامته على أوصال قطاع الكتاب وإنه زيادة لا بأس بها، ولا يحتاج إليها؛ لأن بالختم على الكتاب ينتفي احتمال إدخال قطعة فيها وإخراج قطعة عنها، كما ينتفي احتمال التغيير والتبديل.
ولو وقع القاضي على صدر الكتاب وآخره كما في السجلات وغيره، ويكتب في آخره هذا الكتاب كتب عني بأمري بما جرى فيه مني وعندي، وإنه يشتمل على كذا وكذا قطعة وعلى الأوصال على ظاهره مكتوب كذا، وعلى الباطن مكتوب كذا، وسأختمه بخاتمي ونقش خاتمي كذا بذكر هذه الأشياء مبالغة في التوثيق، ولو لم يتوثق به لا بأس به؛ لأنه وقع الأمن بسبب الختم عن الاحتمال.
ثم إذا انتهى الكتاب إلى المكتوب إليه ينبغي للمكتوب إليه أن يجمع بين الذي خاصمه بالكتاب وبين خصمه، يطلبه ولا ينبغي له أن يقبل البينة على أنه كتابة القاضي إلا ومعه خصمه، وإنما يجمع للمكتوب إليه بين المدعي وبين خصمه؛ لأنه يحتاج إلى فصل الخصومة بينهما، وإنما يمكنه ذلك عند حضورهما.
ثم إذا جمع بينهما والمدعي يدعي حقه عليه، ويسأل القاضي المدعى عليه في دعواه، فإن أقر به ألزمه القاضي ذلك بإقراره، ووقع الاستغناء عن الكتاب، وإن جحد دعواه حتى إذا احتاج المدعي إلى إقامة الحجة يعرض الكتاب على القاضي، فإذا عرض، فالقاضي يقول له: ما هذا؟ فيقول كتاب القاضي فلان، فيقول له القاضي: هات البينة على أن هذا كتاب ذلك القاضي لأيعرف حقيقة الحال، فيسأله الحجة على ذلك، والحجة الشهادة.
ولو قبل الكتاب من غير حضرة خصمه جاز، ولو سمع البينة على أن هذا كتاب
стр. 3587
القاضي من غير حضرة خصمه لا يجوز فحضرة الخصم شرط قبول البينة على الكتاب لا شرط قبول الكتاب، وإنما كان حضرة الخصم شرط قبول البينة على الكتاب؛ لأن القضاء مضاف إلى هذه الشهادة، فلا بد لقبولها من حضرة (الخصم) كما لا بد للقضاء من حضرة الخصم؛ ولأن هذه شهادة في حقوق العباد ولا تقبل الشهادة في حقوق العباد إلا بحضرة الخصم.
وقول محمد ﵀ في الشروط: وإن قبل ذلك وليس معه خصم حاضر أراد به قبول الكتاب، لا قبول البينة على الكتاب. ثم إذا اشهد الشهود أن هذا كتاب القاضي فلان، مختوم بخاتمه ختمه بحضرتنا، وقرأه علينا وفسروا ما في الكتاب على وجهه وشهدوا به، فالقاضي يقبله.
وفي «نوادر ابن رستم» أنه إذا وصل كتاب إلى القاضي ينبغي للمكتوب إليه أن يسأل الشهود عن القاضي الكاتب أهو عدل؟ فإن عدلوه عمل به وقبله وإن لم يعدلوه لا يقبله ولا يعمل به، وهذا السؤال لازم على الرواية التي تشترط العدالة لصيرورته قاضياً، وعليه الفتوى هذا السؤال بطريق الاحتياط ليكون أبعد عن الخلاف، قال ابن رستم: قلت لمحمد ﵀: إن قالوا: هو جاحد، قال: أنظر فيما قضى به، فإن كان موافقاً للحق أمضيته.
ثم القاضي إذا قبل الكتاب ماذا يصنع؟ على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يفتحه، والأولى أن يكون الفتح بحضرة الخصم؛ لأن الفتح لإمكان القضاء مكان القضاء، وإن فتح بغير محضر منه جاز؛ لأن الفتح ليس بقضاء حقيقة.
ثم إذا فتحه نظر فيه إن كان ما فيه موافقاً لما شهد به الشهود، ختم الكتاب بخاتمه ووضعه عنده كما يفعل بالسجلات والمحاضر، وإن كان مخالفاً وهذه الشهادة، فإن كان موافقاً سأل عن الشهود اسم عدل إن كان القاضي لا يعرفهم بالعدالة.
وذكر الخصاف في «أدب القاضي» لا يفتح الكتاب قبل حضور عدالة الشهود؛ لأن الفتح للقضاء وقبل ظهور عدالة الشهود لا يجوز القضاء؛ ولأن الشهود ربما لا يعدلون فيحتاج إلى شهود آخرين ولا يمكنهم أداء الشهادة بعد فتح الكتاب؛ لأنه ليس عليه خاتمه، فيؤدي إلى تضييع الحقوق وما قاله محمد ﵀ أصح؛ لأن عندهما الشهادة على ما في الكتاب شرط، فلو لم يصح الكتاب حتى يشهدوا بما فيه، فإن ماتوا قبل ظهور عدالتهم أمكن للقاضي القضاء بها؛ لأن الموت بعد تمام الأداء لا يمنع القضاء، وعلى قول أبي يوسف لما لم يشترط شهادتهم على ما في الكتاب واكتفى بشهادتهم على الكتاب والختم لا يحتاج إلى فتح الكتاب قبل ظهور عدالتهم.
وذكر ابن سماعة عن محمد ﵀ أن في قياس قول أبي حنيفة ﵀ إذا جاء الرجل بكتاب في حق ينبغي للقاضي أن يحضر المدعى عليه، فإذا أحضره سأل الذي جاء بالكتاب أهو هذا الذي يدعى عليه؟ فإن قال: نعم سأله بعد ذلك أوَكيل أنت في الكتاب أو صاحب الكتاب؟ فإن قال: أنا صاحب الكتاب سأله البينة على أنه كتاب
стр. 3588
القاضي، وإن قال: أنا وكيل الطالب وأنا فلان بن فلان، فإنه يسأل البينة أنه فلان بن فلان وأن فلاناً وكله.
فرق بين هذا وبينما إذا قال: أنا صاحب الحق حيث لا يسأله القاضي البينة أنه فلان بن فلان؛ لأن شهود الكتاب يشهدون أن القاضي الكاتب كتب هذا الكتاب لأجله، وإذا أشاروا إليه وقع الاستغناء عن الاسم والنسب، فأما إذا قال: أنا وكيل فلان فشهود الكتاب لا يشيرون إليه في شهادتهم بل يشهدون أن القاضي الكاتب كتب الكتاب لأجل فلان الغائب، وأن الغائب وكل المسمى بالاسم والنسب، فلا بد من إثبات اسمه، فلعله وجد الكتاب مطروحاً فأخذه وأراد أن يأخذ بحق غيره، فلا بد من إثبات اسمه ونسبه ومن إثبات الوكالة حتى يصير خصماً يسمع منه دعوى الكتاب، فإن أقام بينة على الكتاب قبل أن يقضى ببينة وكالته القياس أن لا يقبله، وهو قول أبي حنيفة ﵀، وفي الاستحسان: يقبل، وهو قول محمد، وعن أبي يوسف روايتان، وسيأتي الكلام بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال ابن سماعة عن محمد ﵀: إذا سمع القاضي البينة على الوكالة والكتاب، فقبل أن تظهر عدالة الشهود عزل القاضي الكاتب، ثم ظهر عدالتهم، قضى القاضي بالأمرين جميعاً، أما بالوكالة فظاهر، وأما بالكتاب: فلأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، فحيث شهدوا بالكتاب وأتوا بجميع الشرائط فقد تم النقل فلا يمنع القضاء بعد ذلك لمكان العزل؛ لأن ذلك لا يخل بالنقل الذي تم به.
وإن عدلت بينة الوكالة ولم تعدل بينة الكتاب حتى عزل القاضي الكاتب، فأراد الوكيل أن يقيم بينة أخرى على الكتاب والختم، لا يقبل ذلك منه؛ لأن العزل وجد قبل تمام النقل، فصار كالعزل قبل الكتاب، وذلك يضيع الكتاب، فهذا يمتنع القضاء به.
وإن عدلت بينة الكتاب ولم تعدل بينة الوكالة حتى عزل الكاتب، فأراد الوكيل أن يقيم البينة على أن فلاناً قد كان وكله يومئذ، وعدلت الشهود، قبلت البينة، وقضى بالوكالة؛ لأنه يقضي بالوكالة في زمان متقدم، وظهر أن بينة الكتاب والختم قامت من الخصم. وهذا التفريع إنما يتأتى على قول محمد ﵀، لا على قول أبي حنيفة؛ لأن على قوله البينة على الكتاب قبل القضاء بالوكالة غير مقبولة.
ثم إذا قبل القاضي الكتاب وفتحه وأتى بجميع الشرائط على نحو ما بينا. هل يقضي بما في الكتاب؟ إن علم القاضي أن الذي جاء بالكتاب فلان بن فلان الفلاني، أو أقربه الخصم، أو شهد الشهود أنه صاحب الكتاب يقضي، وإن لم يكن شيء من هذا سأله البينة أنه فلان بن فلان؛ لأن الكتاب ينطق بالحق لفلان بن فلان، فلا بد من أن يعلم المكتوب إليه أنه فلان بن فلان، فلعل الذي جاء بالكتاب غير صاحب الحق تسمى باسم صاحب الحق ليأخذ حقه، وإن سأل البينة قبل ذلك فهو أحسن قصراً للمسافة.
وإن كان المدعي يدعي داراً بالإرث فالقاضي الكاتب كتب في كتابه، وذكر أن فلان بن فلان بن فلان مات، فقد ذكر في تعريف من يتلقى الملك منه (٩٠ب٤) بالإرث؛ لأن
стр. 3589
القضاء بالملك للوارث يحتمه الإرث إنما يكون بواسطة ثبوتها للمورث، فلا بد من معرفته ليمكنه القضاء له ثم ينتقل منه إلى الوارث، وتعريفه بذكر اسمه ونسبه، ثم يكتب: وترك داراً بالكوفة في بني فلان إلى آخر ما ذكرنا، ثم يكتب: وكانت هذه الدار ملكاً وحقاً لفلان بن فلان بن فلان وفي يده وتحت تصرفه إلى أن توفي وخلف فلاناً لا وارث له غيره، وترك هذه الدار المحدودة ميراثاً له، ولا ينبغي أن يكتفي بذكر المدعي لا أعلم له وارثاً غيري؛ لأنه إذا قال: لا أعلم له وارثاً، فما ادعى استحقاق جميع الدار لنفسه بل أظهر الشك في ذلك بالإضافة إلى علمه، فكيف يقضي له بملكية جميع الدار ثم يذكر، وأتاني فلان المدعي بفلان وفلان فشهدوا أن فلان بن فلان توفي إلى آخر ما ذكرنا.
وإذا وقع الدعوى في العقار وطلب المدعي من القاضي أن يكتب له (في) ذلك كتاباً، فهذا على وجهين: إما أن يكون العقار في بلد المدعي ويكون المدعى عليه في بلد آخر، وإما أن يكون العقار في بلد آخر غير البلد الذي فيه المدعي، وإنه على وجهين: إما أن يكون في البلد الذي فيه المدعى عليه أو يكون في بلد آخر غير البلد الذي فيه المدعى عليه، وفي الوجوه كلها القاضي يكتب له بذلك كتاباً؛ لأن العبرة في هذه الغيبة للمدعى عليه.
فبعد ذلك إن كان العقار في البلد الذي فيه المدعى عليه ووصل الكتاب إلى المكتوب إليه يعمل به بشرائطه على ما بينا، ويحكم به للمدعي، وأمر المحكوم إليه بتسليمه إلى المدعي، وإن امتنع المدعى عليه عن التسليم فالقاضي يسلم بنفسه؛ لأن العقار في ولايته فيقدر على تسليمه.
وإن كان العقار في البلد الذي فيه المدعي، فالقاضي المكتوب إليه بالخيار، إن شاء يبعث المدعى عليه، أو وكيله مع المدعي إلى القاضي الكاتب حتى يقضي له عليه، ويسلم العقار إليه، وإن شاء حكم به لوجود الحجة وسجل له وكتب له قضية العقار، ليكون في يده وأشهد على ذلك ولكن لا يسلم العقار إليه؛ لأن العقار ليس في ولايته فلا يقدر على التسليم إلا أن العجز يمنع التسليم، أما لا يمنع الحكم بالملك، فلهذا قال: يحكم بالعقار للمدعي ولكن لا يسلم إليه.
ثم إذا أورد المدعي قضية القاضي المكتوب إليه إلى القاضي الكاتب وأقام بينة على قضائه، فالقاضي الكاتب لا يقبل هذه البينة؛ لأنه يحتاج إلى تنفيذ ذلك القضاء، وتنفيذ القضاء بمنزلة القضاء، فلا يجوز على الغائب ولكن ينبغي للقاضي المكتوب إليه، أنه إذا قضى للمدعي وسجل له بأمر المدعي المدعى عليه أن يبعث مع المدعي أميناً لتسليم الدار إلى المدعي، فإن أبى ذلك كتب المكتوب إليه إلى الكاتب كتاباً، ويحكي كيفية كتابه الذي وصل إليه ويخبره بجميع ما جرى بين المدعي وبين المدعى عليه بحضور المدعي وبحكمه عليه بالعقار وأمره إياه، أن يبعث معه أحداً ليسلم العقار إليه، وامتناعه عن ذلك ثم يكتب، وذلك قبلك وسألني المدعي الكتاب إليك وإعلامك بحكمي له على فلان بذلك ليسلم إليه هذا العقار، فاعمل في ذلك يرحمك الله وإيانا بما يحق لله عليك ويسلم
стр. 3590
العقار المحدود في الكتاب إلى المدعي فلان بن فلان موصل كتابي هذا إليك، فإذا وصل هذا الكتاب إلى القاضي الكاتب سلم العقار إلى المدعي وأخرجه من يد المدعى عليه.
وإن كان العقار في بلد آخر غير البلد الذي فيه المدعى عليه، فالقاضي المكتوب إليه بالخيار إن شاء بعث المدعى عليه، أو وكيله مع المدعي إلى قاضب البلد الذي فيه العقار، ويكتب إليه كتاباً حتى يقضي للمدعي بالعقار بحضرة المدعى عليه، وإن شاء حكم به للمدعي وسجل له، ولكن لا يسلم العقار إليه على نحو ما بينا فيما إذا كان العقار في البلد الذي فيه المدعي.
فإذا أراد القاضي أن يكتب في العبد الآبق عند أبي يوسف ﵀ كيف يكتب؟ صورته:
إذا كان لرجل بخاري عبد أبق إلى سمرقند فأخذه رجل سمرقنديٌ فأخبر به المولى، وليس للمولى شهود بسمرقند إنما شهوده ببخارى، فطلب المولى من قاض ببخارى أن يكتب بما شهد الشهود عنده، فالقاضي يجيبه إلى ذلك ويكتب له كتاباً إلى قاضي سمرقند على نحو ما بينا في الديون غير أنه يكتب: شهد عندي فلان وفلان وفلان، أن العبد السندي الذي يقال له فلان حليته كذا وقامته كذا ملك فلان المدعي هذا، وقد أبق إلى سمرقند واليوم في يد فلان بسمرقند بغير حق وشهد على كتابه شاهدان إلى (.
... ) إلى سمرقند، ويعلمهما ما في الكتاب حتى يشهدا عند قاضي سمرقند بالكتاب، وبما فيه فإذا انتهى هذا الكتاب إلى قاضي سمرقند يحضر العبد مع الذي في يديه حتى يشهدا عند قاضي سمرقند بالكتاب وبما فيه حتى تقبل شهادتهما بالإجماع.
فإذا قبل القاضي شهادتهما، وثبتت عدالتهما عنده فتح الكتاب، فإن وجد حلية العبد المذكور فيه مخالفاً لما شهد به الشهود عند القاضي الكاتب رد هذا الكتاب إذ ظهر أن هذا العبد غير المشهود به في الكتاب، وإن كان موافقاً قُبِل الكتاب ودفع العبد إلى المدعي من غير أن يقضي له بالعبد، لأن الشهود لم يشهدوا بحضرة العبد ويأخذ كفيلاً من المدعي بنفس العبد، ويجعل في عنق العبد خاتماً من رصاص حتى لا يتعرض له أحد في الطريق، أنه سرق ويكتب كتاباً إلى قاضي بخارى بذلك ويشهد شاهدين على كتابه وختمه وعلى ما في الكتاب، فإذا وصل الكتاب إلى قاضي بخارى، وشهد الشهود أن هذا الكتاب كتاب قاضي سمرقند وخاتمه، أمر المدعي أن يحضر شهوده الذين شهدوا عنده أول مرة فيشهدون بحضرة العبد أنه ملك هذا المدعي.
فإذا شهدوا بذلك ماذا يصنع قاضي بخارى؟، اختلفت الروايات عن أبي يوسف ذكر في بعض الروايات أن قاضي بخارى لا يقضي للمدعي بالعبد؛ لأن الخصم غائب ولكن يكتب كتاباً آخر إلى قاضي سمرقند، ويكتب فيه ما جرى عنده، ويشهد شاهدين على كتابه وختمه وما فيه ويبعث بالعبد معه إلى سمرقند حتى يقضي له قاضي سمرقند، وشهد الشاهدان عنده بالكتاب والختم وبما في الكتاب وظهرت عدالة الشاهدين، قضى
стр. 3591
للمدعي بالعبد بحضرة المدعى عليه وأبرأ كفيل المدعي.
وقال في رواية أخرى: إن قاضي بخارى يقضي بالعبد للمدعي ويكتب إلى قاضي سمرقند حتى يبرئ كفيل المدعي، وعلى الرواية التي جوّز أبو يوسف كتاب القاضي في «الأمالي» وصورته ما ذكرنا في العبد غير أن المدعي إذا لم يكن ثقة مأموناً، فالقاضي المكتوب إليه لا يدفعها إليه ولكن يأمر المدعي حتى يجيء برجل ثقة مأمون، فالقاضي المكتوب إليه بدينه وعقله يبعث بها معه؛ لأن الاحتياط في باب الجرح واجب، وإذا مات القاضي الكاتب قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه، فالمكتوب إليه لا يعمل بهذا الكتاب عندنا.
وقال أبو يوسف في «الأمالي» : يعمل وهو قول الشافعي، ووجهه: أن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، لأنه بكتابه ينقل شهادة الشاهدين الذين شهدوا عنده بالحق إلى القاضي المكتوب إليه، والنقل قد تم بالكتابة فكان بمنزلة شهود الفرع إذا ماتوا بعد أداء الشهادة قبل القضاء، وإنه لا يمنع القضاء.
ولنا: أن القاضي الكاتب وإن كان نقل أداء شهادة الذين شهدوا عنده إلا أن لهذا النقل حكم القضاء، ألا ترى أنه لا يصح هذا النقل إلا من القاضي، ولم يشترط فيه العدد ولفظه: الشهادة، ووجب على القاضي الكاتب هذا النقل بسماع البينة، وما يجب على القاضي بسماع البينة قضاء، فدل أن لهذا النقل حكم القضاء ولم يتم بعد؛ لأن تمامه بوجوب القضاء على المكتوب إليه، ولا يجب القضاء على المكتوب إليه قبل وصول الكتاب إليه وقبل قراءته فلم يكن النقل تاماً، فيبطل بموت القاضي كما في سائر الأقضية إذا مات القاضي قبل إتمامها بخلاف شهود الفرع، إذا ماتوا بعد الشهادة قبل القضاء؛ لأن ما يتوقع من جهتهما أداء موجب للقضاء وقد تم، أما المتوقع من جهة القاضي الكاتب نقل موجب القضاء ولم يتم بعد، ولأن مسألة الكتاب من مسألة الشهادة، إذا قال الشاهد: أشهد ومات قبل تمام الأداء وهناك تبطل الشهادة أيضاً، ولو قبل مع هذا وقضي به ثم رفع إلى قاض آخر أمضاه؛ لأن قضاءه صادف محل الاجتهاد.
وكذلك الجواب فيما إذا مات بعد وصول الكتاب إليه قبل القراءة، لأن وجوب القضاء على المكتوب إليه إنما يكون عند القراءة فقبل القراءة لم يكن النقل تاماً، فيبطل بالموت.
وأما إذا مات بعد وصول الكتاب والقراءة، فإن المكتوب إليه يعمل به هكذا ذكر في «ظاهر الرواية» ، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يقضي، والصحيح ما ذكر في «ظاهر الرواية» ؛ لأن المتوقع من قبل القاضي الكاتب نقل الشهادة، وقد تم النقل منه فموته بعد ذلك لا يضر، والمتوقع من قبل المكتوب إليه القضاء وإنه حي، فأمكن القول بوجوب القضاء عليه إذا مات القاضي الكاتب. فإن عزل الكاتب فالجواب فيه كالجواب فيما إذا مات إذ المعنى لا يوجب الفصل.
وأما إذا مات المكتوب إليه أو عزل واستعمل مكانه قاضٍ آخر، فوصل الكتاب إلى
стр. 3592
الذي استعمل، هل يعمل به؟ ينظر إن كان في الكتاب وإلى كل من يصل إليه، من قضاة المسلمين يعمل به، وإن كان بخلافه لا يعمل به عندنا خلافاً للشافعي ﵀، والصحيح قولنا؛ لأن القاضي الكاتب اعتمد على (٩١أ٤) علم الأول وأمانته، والقضاة يتفاوتون في أداء الأمانات؛ لأنهم غير معصومين عن الخيانة، فصاروا كالأمناء في الأموال، وثمة التعيين صحيح، فكذا هاهنا. وإذا صح التعيين ظهر أن الثاني غير المكتوب إليه وغير المكتوب إليه، لا يملك القضاء بالكتاب، بخلاف ما إذا كان في الكتاب، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين؛ لأن هناك اعتمد على علم الكل وأمانتهم فكان الكل مكتوباً إليهم، أما هاهنا بخلافه.
وقال في كتاب الحوالة: وإذا جاء الرجل بكتاب القاضي إلى قاضٍ آخر، فلم يجد خصمه ثمة، فسأل الطالب القاضي المكتوب إليه أن يكتب له إلى قاض آخر بما أتاه من القاضي الأول فعل إذا ثبت عنده ذلك، وشرط الثبوت ما ذكرنا؛ وهذا لأن شهادة الشهود الذين شهدوا عند القاضي الكاتب صار منقولاً إلى المكتوب إليه حكماً، فيعتبر بما لو شهدوا عنده حقيقة ولو شهدوا عنده حقيقة وطلب المدعي من القاضي أن يكتب له كتاباً إلى قاضي البلد الذي خصمه هناك، أليس أنه يكتب له كتاباً؟ كذا هنا، إلا أن القاضي المكتوب إليه إنما يكتب بقدر ما ثبت عنده، والثابت عنده كتاب القاضي الأول بالحق على الغائب لا نفس الحق، فيكتب ويفسخ كتاب القاضي الأول؛ لأنه هو أصل الحجة وإن شاء حكاه ذلك في كتابه، وكذلك إن كان المدعي، قال للقاضي الأول: إني لا آخذ من الشهود من يصحبني إلى بلد الخصم فاكتب إلى قاضي بلد كذا، فكتب ذلك القاضي إلى قاضي بلد الخصم، أجابه القاضي إلى ذلك، فإن الإنسان عسى يصير مبتلى بهذه فربما لا يجد من بلد الكاتب، فلعله يذهب إلى بلد الخصم، ويجد قافلة من بلدة أخرى يذهب إلى بلد الخصم، ومن هذه البلدة إلى تلك البلدة، وكذلك على هذا لو عرض الشهود الذين على الكتاب فأشهدوا على شهادتهم جاز ذلك.
وإذا شهد الفروع على شهادة الأصول على الكتاب بما ذكرنا من الشرائط عند المكتوب إليه فإنه يقبله؛ لأن الشهادة على الشهادة حجة في إثبات الحقوق التي تثبت مع الشبهات، فجاز أن يثبت بالشهادة على الشهادة، فيثبت بشهادة الفروع شهادة الأصول، ويثبت بشهادة الأصول كتاب القاضي إليه، فلو كان المدعي قال للقاضي الأول: اكتب لي إلى قاضي مرو أو إلى قاضي نيسابور حتى أذهب إلى مرو، فإن وجدت خصمي ثمة وإلا ذهبت إلى قاضي نيسابور، فعلى قول أبي يوسف ﵀: القاضي يجيبه (إلى) ذلك؛ لأنه توسع في هذا الباب حتى جوّز الكتاب إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين للحاجة، والجهالة فيه أعظم، فإن كان يجوز ثمة فهاهنا أولى، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يكتب على هذا الوجه؛ لأن جهالة المكتوب إليه عندهما مانعة صحة الكتاب.
ولو كان كتب إلى قاضي مرو فوجد الطالب خصمه هناك وأقام البينة على الكتاب
стр. 3593
بشرائطه عند قاضي مرو بحضرة المطلوب ثم هرب المطلوب قبل أن تظهر عدالة الشهود، وذهب إلى سرخس، ثم ظهرت عدالة الشهود، قال أبو يوسف ﵀: ليس للقاضي المكتوب إليه أن يكتب إلى قاضي سرخس.
وقال محمد ﵀: له ذلك، وهذه المسألة فرع مسألة ذكرها محمد ﵀ في «الزيادات» ، وهو أن الرجل إذا ادعى على آخر مالاً، وأقام البينة بمحضر من المطلوب وجحوده، ثم هرب المطلوب ليس للقاضي أن يقضي بتلك البينة عند محمد ﵀؛ لأن القضاء لإلزام الحق، وليس للقاضي ولاية على الغائب فلا يصح الإلزام عليه بالقضاء؛ ولأنه لم يظهر عجزه عن الطعن بسبب الغيبة، فلعله ذهب ليأتي بالدفع فلا يجوز القضاء.
وقال أبو يوسف ﵀: له أن يقضي عليه بتلك البينة؛ لأن حضرة الخصم لأجل سماع البينة عليه، إنما شرطت للجحود الذي هو شرط سماع البينة وليصير الحال معلوماً للمدعى عليه، حتى لو كان له دفع يأتي به وقد جحد ولم يأت يدفع حتى هرب، فدل على عجزه عن الدفع، فكان للقاضي أن يقضي عليه وقياسه على ما لو أقر المدعى عليه ثم غاب، وهناك القاضي يقضي عليه بإقراره كذا هنا.
ومحمد ﵀ فرق بين الإقرار وبين البينة، والفرق أن الإقرار يوجب الحق بنفسه من غير اتصال القضاء به، فلم يكن في القضاء حال غيية الخصم إلزام الحكم على الغائب، فأما الشهادة لا توجب الحق بنفسها قبل اتصال القضاء بها، فلو قضى بها حال غيبة الخصم كان فيه إلزام الحكم على الغائب، وإنه لا يجوز ولاية لو جاز القضاء بالبينة مع غيبة الخصم يفسد عليه الطعن مع البينة، فلا يقضى حتى لا يفوت حقه في الدفع والطعن بخلاف الإقرار، فإنه لاحق له في الطعن، فلهذا اختار، والظاهر من قول أبي حنيفة أنه مع محمد رحمهما الله، وإذا كان له أن يقضي مع غيبة المطلوب عند أبي يوسف ﵀ لا حاجة إلى الكتاب فلا يكتب.
وعند محمد ﵀ لما لم يكن له أن يقضي، وقد ظهر عنده وثبت كتاب القاضي وما فيه كان له أن يكتب إلى غيره إحياء لحق المدعي، فإن رجع الطالب إلى القاضي الكاتب الأول وقال: اكتب لي إلى قاضي بلدة أخرى؛ لأني لم أجد خصمي في تلك البلدة، فإنه لا يكتب له في ذلك حتى يرد عليه ذلك الكتاب؛ لأنه مبهم فيما يقول إذ يجوز أنه وجد خصمه واستوفى حقه، فلما ارتحل خصمه إلى بلدة أخرى أراد أن يحتال بهذه الحيلة ليأخذ منه ثانياً، فيحتاط القاضي ولا يكتب حتى يرد عليه ذلك الكتاب، فإذا رد الآن يكتب، فالإنسان قد يصير مبتلى بهذا بأن يرتحل خصمه من بلدة المكتوب إليه إلى بلدة أخرى، وما ذكرنا من الاحتمال قد زال برد الكتاب؛ لأن القاضي المكتوب إليه لو أخذ المدعى عليه بحق المدعي لا يترك المدعي حتى يذهب بالكتاب، فيكتب ثانياً إحياء لحق المدعي.
ولو أن القاضي الكاتب أراد أن يكتب له ثانياً قبل رد ذلك الكتاب عليه مع أنه ليس
стр. 3594
(ينبغي) ذلك ينبغي أن يبين في الكتاب، أنه قد كتب له مرة إلى قاضي بلدة كذا بهذه النسخة ليزول به الالتباس، وكذلك لو أن الطالب قال: قد ضاع مني الكتاب وطلب من القاضي أن يكتب له ثانياً، يكتب لما قلنا وبين في الكتاب أنه قد كتب له بهذه النسخة مرة وإنه زعم أنه ضاع حتى يزول به الالتباس.
قال في «أدب القاضي» : وإذا كتب كتاباً بحق لرجل، فلم يخرج الكتاب من يده حتى حضر الخصم الذي أخذ الكتاب عليه، فقدمه إليه فإنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي عليه بذلك حتى يعيد المدعي البينة على ذلك بحضرته؛ لأنه إنما سمع تلك البينة للنقل لا للقضاء، فصار بمنزلة شاهد الفرع إذا تحمل الشهادة عن الأصل ثم استقضى لم يكن له أن يقضي بشهادة الأصل حتى يشهدوا عنده ثانياً على الحق؛ لأنه إنما سمع منهم تلك الشهادة ليتحمل شهادته عليها لا ليقضي بها، فلم يجز له أن يقضي بها، وهذا لأن البينة للقضاء شرط صحتها حضرة الخصم وتقدير جحوده ولم يوجد فلا يجوز القضاء بها.
وإن كتب القاضي إلى الأمير الذي استعمله أي قلده، وهو معه في المصر: أصلح الله الأمير وقص القصة والشهادة وبعث بالكتاب معه ثقة يعرفه الأمير، فإن أمضاه الأمير فهو جائز، وإن لم يكن معنوناً ولا مختوماً، ولا شهد عليه الشهود أنه كتاب القاضي وختمه وهذا استحسان.
والقياس أن لا يجوز إذا لم يكن عليه عنوان باسم القاضي، واسم الأمير واسم آبائهما وأجدادهما، ولا يكون مختوماً ولا شهد عليه شاهدان؛ لأن الكتاب إذا لم يكن مختوماً لا يؤمن فيه الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل؛ ولأنه بدون الشهادة والعنوان لا يثبت أنه كتاب القاضي إليه فوجب أن لا يقبل كما إذا كان الأمير في مصر آخر وكما في كتاب القاضي إلى القاضي.
وجه الاستحسان: أن كتاب القاضي إلى الأمير في المصر ينكر؛ لأنه يستعين به في كل ما يعجز بنفسه، فلو شرطنا هذه الشرائط أدى (إلى) حرج بخلاف ما إذا كانا في مصرين؛ ولأنه قل ما يتجاسر أحد على التغيير في الكتاب إلى الأمير إذا كانا في مصر واحد؛ لأنهما يلتقيان عن قريب، فيتذاكران ما نقل أحدهما إلى الآخر فيقفان على التغيير لو حصل فلا يتجاسر أحد على ذلك، بخلاف ما إذا كان في مصر آخر؛ لأنه لا يقف على التغيير فيبالغ في الاحتياط.
قال في «الأصل» : ولا يُقبل كتاب برستاق أو قرية ولا كتاب عاملها، وإنما يقبل كتاب قاضي مدينة فيها منبر وجماعة. وهذا على «ظاهر الرواية» ؛ لأن على «ظاهر الرواية» : المصر شرط لنفاذ القضاء، ولكتاب القاضي حكم القضاء، أما على الرواية التي لم يشترط المصر فيها لنفاذ القضاء يقبل كتاب الرستاق وقاضي القرية.
ولو أن رجلاً في يديه أمة أقام الآخر البينة أنها له، وقضى القاضي له فقال الذي في يديه: إني اشتريتها من فلان وهو في بلد كذا وقد دفعت الثمن إليه فاسمع شهودي واكتب لي، فإنه يكتب له في ذلك بما يصح عنده، لأنه يريد الرجوع بالثمن وإنه دين،
стр. 3595
فصار بمنزلة سائر الديون، فيكتب فيه القاضي كما في سائر الديون.
ولو أن جارية في يدي رجل ادعت أنها حرة الأصل (٩١ب٤) بعد ما أقرت بالرق وأقامت البينة قضى القاضي بحريتها؛ إما لأن التناقض لا يمنع صحة الدعوى في الحرية؛ لأنها لا تحتمل الفسخ؛ أو لأن دعوى الأمة ليست بشرط لسماع البينة على حريتها. فإن أقام الذي في يديه البينة على أنه اشتراها من فلان الغائب بكذا ونقده الثمن، وطلب من القاضي الكتاب يجيبه إلى ذلك؛ لأنه يريد الرجوع بالثمن وإنه دين. ولو أنها لم تقم البينة على حريتها ولكن ادعت الحرية وأنكرت إقرارها بالرق، ولم يكن لذي اليد بينة على إقرارها بالرق جعلها القاضي حرة؛ لأنها في يد نفسها، والقول قولها بغير يمين عند أبي حنيفة خلافاً لهما، فإنهما يجعلان عليها اليمين.
فإن قال ذو اليد: إني اشتريتها من فلان ونقدته الثمن فاسمع من شهودي لأرجع عليه بالثمن لا يجيبه إلى ذلك بخلاف المسألة الأولى. والفرق أن في هذه المسألة القاضي ما قضى بحريتها بل تركها على ما كانت، وقد كانت على الحرية بحكم ظاهر الدار؛ لأن الدار دار الإسلام، ومن كانت في دار الإسلام فالظاهر أنها حرة، لكن لم يكن يحكم بحريتها قبل دعواها؛ لأن سكوتها مخالف لذلك الظاهر، فإذا ادعت الحرية فقد تقرر حكم ذلك الظاهر فتركها القاضي على ما أوجبه الظاهر، لا أن الحرية وجبت بقضائه، وإذا لم يكن هذا قضاء بالحرية لم تظهر الحرية في حق البائع، فلا يكون للمشتري حق الرجوع على البائع أما في المسألة الأولى القاضي قضى بالحرية وأوجبها بالبينة، وإنه قضاء على الناس كافة، فتظهر الحرية في حق البائع فيستحق لهما الرجوع على البائع.
وكذلك إذا ادعت حرية الأصل بعدما أقرت بالرق وصدقها صاحب اليد لا يرجع المشتري بالثمن على البائع؛ لأن الحرية إنما ظهرت بإقرار صاحب اليد، وإقراره لا يكون حجة على البائع، وكذلك إذا أنكرت الرق ابتداء، وادعت حرية الأصل حتى كان القول قولها لا يكون للمشتري أن يرجع بالثمن على البائع، فإن أراد المشتري أن يحلف البائع في هذين الفصلين ما يعلم أنها حرة الأصل يريد به الرجوع بالثمن على البائع فله ذلك؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف فإن حلف لا شيء عليه، وإن نكل فقد أقر بما ادعاه المشتري فيلزمه رد جميع الثمن.
فإن قيل: كيف يحلف البائع هاهنا، وإن التحليف يترتب على دعوى صحيحة ودعوى الحرية من المشتري لم تصح لمكان التناقض، فإن الإقدام على الشراء إقرار بالرق عليها قلنا: لا بل دعوى الحرية من المشتري صحيحة مع تناقضها لما عرف أن التناقض لا تمنع صحة دعوى الحرية، فلو أن المشتري في هذين الفصلين لم يطلب تحليف البائع ولكنه أراد أن يقيم البينة على حريتها يريد به الرجوع بالثمن على البائع، سمعت بينته.
فرق بين هذا وبينما إذا ادعى رجل عيناً في يدي رجل وأقر صاحب اليد بالعين له لا يكون لصاحب اليد أن يرجع على بائعه بالثمن، فلو قال صاحب اليد: أنا أقيم البينة على
стр. 3596
أنه ملك المدعي يريد به الرجوع على البائع لا تسمع بينته، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن في فصل الاستحقاق بينة المشتري قامت على إثبات ما هو ثابت؛ لأنها قامت على إثبات الملك للمستحق والملك للمستحق ثابت بإقرار المشتري، أما في فصل الحرية بينة المشتري قامت على إثبات ما ليس بثابت؛ لأن المشتري بينته تثبت أن البائع غاصب للثمن، لأن الحرة لا تدخل تحت العقد أصلاً وبدلها لا يصير ملكاً للبائع، فهو بهذه البينة يثبت أن البائع قبض مال المشتري بغير حق، وهذا هو تفسير الغصب والغصب لم يكن ثابتاً. أما المشتري في فصل الاستحقاق لا يثبت غصب البائع الثمن؛ لأنه لا يثبت أن ما أخذه البائع أخذه بغير حق؛ لأن بدل المستحق مملوك ولكن يثبت الملك للمستحق في المحل ليثبت لنفسه حق فسخ العقد، وفيما يرجع إلى الملك البينة قامت على إثبات ما هو ثابت.
الفرق الثاني: أن في الفصلين جميعاً المشتري متناقض إلا أن التناقض لا يمنع دعوى الحرية ويمنع دعوى الملك.
ولو أن رجلاً أورد على قاض كتاباً من قاض على رجل بحق فوافى البلد وقد مات المطلوب، فأحضر الطالب ورثة المطلوب أو وصيه وجاء بالكتاب إلى القاضي وأحضر شهوده على الكتاب بمحضر من الوارث أو القاضي، فالقاضي يقبل الكتاب ويسمع من شهوده على الكتاب بمحضر من الوارث أو الوصي وينفذ ذلك، سواء كان تاريخ الكتاب بعد موت المطلوب أو قبله؛ لأن الوارث خليفة المورث والوصي نائب عن الميت، فيكون قائماً مقام الميت. ألا ترى أن الطالب لو أقام بينة بالحق على الميت كان الوارث والوصي هو الخصم كذا هنا.
وإذا ورد على قاض كتاب قاض آخر بشيء لا يراه هذا القاضي وهو مما اختلف فيه الفقهاء، فإنه لا ينفذه؛ لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، ثم شهود الفرع إذا شهدوا بحق عند القاضي وهو لا يرى ثبوت ذلك الحق وهو مما اختلف فيه العلماء فإنه ينفذه ويمضيه. والفرق وهو أن السجل لا يكون إلا بعد القضاء، والقضاء صادف محلاً مجتهداً فيه، فينفذ فلا يكون لأحد بعد ذلك إبطاله، فأما الكتاب يكون قبل القضاء، فكان للقاضي الذي ورد عليه الكتاب أن يتبع رأي نفسه.
وإلى هذا الفرق أشار الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» ، فقال: لأن كتاب القاضي ليس بقضية، إنما هو بمنزلة الشهادة ولئن سلمنا أن كتاب القاضي قضاء إلا أنه ليس بقضاء من كل وجه بل هو قضاء من وجه دون وجه، فمن حيث إنه قضاء إن كان يجب على الثاني العمل به، فمن حيث إنه ليس بقضاء لا يجب فلا يجب العمل به على الثاني بالشك.
ولو أن رجلاً أورد على قاضٍ كتاباً من قاض بحق على رجل، وكان في الكتاب اسم المدعى عليه ونسبه وصناعته وفخذه، وفي تلك الصناعة أو في تلك الفخذ اثنان على ذلك الاسم والنسب لم يقبل القاضي الكتاب حتى يقيم البينة على المطلوب أنه هو الذي
стр. 3597
كتب فيه الكتاب؛ لأن التعريف لا يقع بهذا إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وإن لم يكن في تلك القبيلة أو الصناعة اثنان على ذلك الاسم أنفذ القاضي الحكم عليه؛ لأنه وقع التعريف بهذا.
فإن قال: المطلوب في هذا الفخذ، أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم والنسب، فهذا على وجهين:
إن قال: أنا أقيم البينة أن في هذا الفخذ أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم والنسب تقبل هذه الشهادة وتندفع الخصومة؛ لأنه إذا كان فيه رجل آخر بهذا الاسم في الحال لا يتعين هو المطلوب.
وإن قال أنا أقيم البينة أنه كان في هذا الفخذ أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم والنسب وأنه مات لم أقبل ذلك منه إلا أن يكون موت فلان بعد تاريخ الكتاب وشهادة الشهود بالحق في كتاب القاضي الآن، وتندفع الخصومة؛ لأنه إذا كان فلان مات قبل تاريخ الكتاب تعين الباقي مطلوباً، وإذا مات فلان بعد تاريخ الكتاب لم يتعين فيبقى الاشتباه.k
وإن قال الخصم: أنا فلان بن فلان الفلاني وليس لهذا علي شيء لم أقبل ذلك منه ولم يكن في هذا حجة له؛ لأنه أقر أن المكتوب في الكتاب هو، فلا يكون جحوده الحق حجة له.
ولو قال: لي حجة، أني دفعت المال إليه أو أبرأني، وإني مخرج قبل القاضي منه، لأنه يدعي المخرج منه وإسقاط الحق فتقبل حجته على ذلك.
وإن قال الخصم لست بفلان بن فلان الفلاني والقاضي المكتوب إليه لا يعرفه، فعلى الرجل الذي يأتي بالكتاب أن يقيم البينة أنه فلان بن فلان بعينه؛ لأن القاضي لم يعرف المطلوب، فيحتاج المدعي إلى إقامة البينة على أنه بعينه حتى يتمكن القاضي من القضاء عليه، وإن كان الكتاب على ميت أحضر القاضي بعض ورثته وسمع من الشهود وقبل الكتاب؛ لأن بعض الورثة ينتصب خصماً فيما يدعى على الميت.
ولو أن هذا القاضي لم يأته بالكتاب من القاضي لكنه أتاه برسالة من القاضي مع رجل بمثل ما يكون في الكتاب، وأشهد على ذلك، لم يقبل القاضي هذه الرسالة. وفرق بين الرسالة والكتاب، والفرق من وجهين.
أحدهما: أن القياس يأبى الرسالة كما يأبى الكتاب لبعض ما ذكرنا من المعاني في الكتاب، لكن عرفنا جواز الكتاب بالأثر وبإجماع التابعين (٩٢أ٤) ولا أثر ولا إجماع في الرسالة فيعمل فيها بالقياس.
الفرق الثاني: أن الكتاب من القاضي الكاتب جعل كالخطاب بنفسه للقاضي المكتوب إليه، والكتاب وجد من موضع القضاء، فكان الخطاب موجوداً من موضع القضاء فيكون حجة، أما في الرسالة، الرسول ينقل خطاب المرسل في هذا الموضع، والمرسل في هذا الموضع ليس بقاض، وقول القاضي في غير موضع قضائه كقول واحد من الرعايا.
стр. 3598
ونظير هذا ما روي عن محمد في مصر فيه قاضيان في كل جانب منه قاض على حدة، فيكتب أحدهما إلى الآخر كتاباً قبل المكتوب إليه. ولو أتى أحدهما إلى صاحبه وأخبره بالحادثة بنفسه لم يقبل قوله؛ لأن في الوجه الأول الكاتب خاطبه من موضع القضاء وفي هذا الوجه الأول خاطبه من غير موضع القضاء.
وكذلك لو أن قاضيين التقيا في عمل أحدهما أو في مصر ليس من عملهما، فقال أحدهما للآخر: قد ثبت عندي لفلان بن فلان بن فلان الفلاني كذا كذا، فاعمل بذلك بما يحق لله تعالى عليك، لم يقبل ذلك منه ولم ينفذه؛ لأن في الوجه الأول: الخطاب أو السماع وجد في موضع لا ينفذ قضاؤه فيه، فصار كخطاب غير القاضي أو كسماعه وهو غير قاض، فلا يجوز أن يعتمد في القضاء به. وفي الوجه الثاني: الخطاب والسماع وجدا في موضع لا ينفذ قضاؤه فيه، فكان كخطاب غير القاضي لغير القاضي بخلاف كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن خطاب الكاتب وجد في موضع ينفذ قضاؤه فيه، وسماع المكتوب إليه وجد أيضاً في موضع ينفذ قضاؤه فيه.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: رجل له على رجل غائب مال مؤجل، سأل من القاضي أن يكتب له بذلك كتاباً، فإنه يجيبه إلى ذلك ويكتب له، ويذكر فيه الأجل على ما شهد به الشهود؛ وهذا لأن الطالب يحتاج إلى إثبات المال المؤجل كما يحتاج إلى إثبات المال الحال؛ لأن الدين كما يكون حالاً يكون مؤجلاً، ولو انتظر محل الأجل عسى يغيب شهوده فيتعذر إليه الوصول إلى حقه، فقلنا بأنه يكتب إحياء لحقه، ولكن ينبغي أن يذكر الأجل في الكتاب كما شهد به الشهود حتى لا يطالبه قبل محل الأجل، فمطلق الدين يتصرف إلى الحال التي يثبت فيه التأجيل.
قال: وإذا ادعى المطلوب أن الطالب قد أبرأني عن كل قليل وكثير، وقال: قضيت الدين الذي له علي وأقام على ذلك بينة، وقال للقاضي: إني أريد أن أقدم البلدة التي فيها الطالب وأخاف أن يأخذني بالمال ويجحد الإبراء والاستيفاء وشهودي هاهنا فاسمع من شهودي واكتب لي إلى ذلك القاضي، فإنه لا يسمع من شهوده ولا يكتب له في ذلك على قول أبي يوسف، وقال محمد ﵀: يكتب، وأجمعوا على أنه لو قال: جحدني الاستيفاء مرة وخاصمني مرة، فأنا أخاف أن يخاصمني مرة أخرى، فاسمع من شهودي واكتب لي إلى قاضي ذلك البلد إنه يكتب، فوجه قول محمد: أن جواز كتاب القاضي إلى القاضي باعتبار الحاجة، والحاجة هنا ثابتة، فإنه لو حضر تلك البلدة ربما يأخذه الطالب بالمال، وليس له ثمة شهود على الإبراء، فيحتاج إلى العود إلى بلد الشهود وإقامة الشهود عند القاضي، وأخذ الكتاب منه وفيه من الحرج ما لا يخفى على أحد.
وأبو يوسف ﵀ يقول: قبول البينة يعتمد جحوداً حقيقة أو جحوداً مخبراً به ولم يوجد كلاهما بخلاف ما إذا قال: جحدني الاستيفاء مرة أخرى؛ لأن الجحود صار مخبراً به إن لم يوجد حقيقة.
стр. 3599
فالحاصل: أن حقيقة الجحود من الحاضر يشترط لسماع البينة عليه ليقضي عليه، ومن الغائب يشترط خبر الجحود ليسمع البينة عليه ويكتب؛ ولأن القاضي نصب لفصل الخصومات لا لتهييجها، وفي هذا تهييج الخصومة؛ لأن الخصومة ما توجهت بعد، فلهذا لا يجيبه إليه، ألا ترى أن الطالب لو كان حاضراً وقدمه المطلوب إلى القاضي وادعى عليه الإبراء أو الاستيفاء وطلب من القاضي أن يسأله عن ذلك حتى لو أنكر أقام عليه البينة، فإنه لا يجيبه إلى ذلك، فلما لم يسمع منه ذلك حال حضرته، فحال غيبته أولى.
بخلاف ما لو قال: خاصمني مرة؛ لأن هناك الخصومة قد هاجت، فكانت الكتابة لفصلها وقوانين مسألة الاستشهاد، وبينما إذا أحضرت المرأة زوجها إلى القاضي، وقالت: إنه طلقني ثلاثاً وانقضت عدتي وتزوجت بزوج وإني أخاف أن ينكر الطلاق بعد ذلك، فاسأله حتى إذا أنكر أقمت عليه البينة فإن القاضي يسأله، والفرق ظاهر وهو أن القياس فيهما واحد وهو ما ذكرنا، إلا أنا تركناه ثمة احتياطاً؛ لأن الباب باب الفرج، والاحتياط في باب الفرج واجب.
ومن جنس مسألة دعوى الإبراء على الغائب مسألتان أخراوان:
إحداهما: مسألة الشفعة. وصورتها: رجل قال للقاضي: إني اشتريت داراً وفلان الغائب شفيعها وقد سلم الشفعة، وأجازني إذا ذهبت ثم يأخذني بالشفعة وينكر التسليم ويطلب منه أن يسمع البينة على التسليم ويكتب بذلك فهو على الخلاف الذي قلنا.
الثانية: مسألة الطلاق. وصورتها: امرأة قالت للقاضي: طلقني زوجي ثلاثاً وهو في بلد كذا اليوم، وأنا أريد أن أذهب إلى تلك البلدة وأخاف أن زوجي ينكر طلاقي فاسمع من شهودي، واكتب إلى قاضي تلك البلدة، فالقاضي هل يجيبها؟ فهو على الخلاف الذي ذكرنا.
فإن كان هذا الذي حضر القاضي أخبره عن الجحود والخصومة مرة سمع بينته وكتب له بذلك بلا خلاف. ولو كان الطالب أبرأ المطلوب عند القاضي أو كان الشفيع سلم الشفعة عند القاضي أو كان الزوج طلق المرأة عند القاضي، فالقاضي يكتب ما سمع منهم وهذا على أصل محمد ﵀ ظاهر؛ لأن العلم الحاصل بالمعاينة فوق العلم الحاصل بالبينة، فلما كان القاضي يكتب ثمة فهاهنا أولى. قالوا: وعلى قياس قول أبي يوسف ﵀ ينبغي أن لا يكتب لما مر.
وإذا أراد القاضي أن يكتب بعلمه فاعلم بأن كتاب القاضي بعلمه بمنزلة قضائه بعلمه؛ لأن كتاب القاضي له حكم القضاء من وجه، ففي كل موضع جاز له أن يقضي بعلمه جاز له أن يكتب بعلمه، وقد ذكرنا فصل القضاء بالعلم قبل هذا ما فيه اتفاق وما فيه خلاف، فهذا بناء على ذلك.
إلا أن في فصل الكتابة اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة في صورة، وهو ما إذا علم بالحادثة قبل أن يستقضي ثم استقضى بعضهم، قالوا: لا يكتب بذلك العلم، كما لا
стр. 3600
يقضي بذلك العلم، وبعضهم قالوا: يكتب. وفرق هذا القائل على قول أبي حنيفة بين الكتابة والقضاء، والفرق أن جواز القضاء ينبني على علم القضاء، والعلم الحاصل قبل الاستقضاء علم شهادة لا علم قضاء، أما جواز كتاب القاضي لا ينبني على علم القضاء بل يكتفى به بعلم الشهادة، ألا ترى أنه لو شهد عند القاضي شاهدان وكتب ثم حضر المكتوب عليه ليس له أن يقضي بذلك العلم، وقد جاز له الكتابة به، علم أن جواز الكتابة لا ينبني على علم القضاء.
قال محمد ﵀ في كتاب الوكالة: رجل وكل رجلاً بالخصومة في دار في غير مصره بقبضها أو بإجارتها، وأراد كتاب القاضي فالقاضي يكتب له في ذلك؛ لأن الوكالة تثبت مع الشبهات فتثبت بكتاب القاضي إلى القاضي، فبعد ذلك إن كان القاضي عرف الموكل أثبت معرفته، وإن لم يعرف يكتب وقد سألته البينة على أنه فلان بن فلان على نحو ما بينا ثم يكتب وقد وكل فلان بن فلان يذكر اسم الوكيل ونسبه على ما قد بينا من رسم الكتابة، فإن كان وكله بقبض الدار يكتب وكله بقبض داره التي بالكوفة في بني فلان، وإذا كان وكله بالخصومة فيها يكتب وكله بالخصومة في داره التي بالكوفة، فالحاصل أنه ينبغي للقاضي أن يذكر في الكتاب ما يوكله به؛ لأنه هو المقصود، ثم إن كان الوكيل حاضراً أجاز زيادة في التعريف، وإن ترك لم يضره، وإن كان غائباً بالكوفة يكتب وكل رجلاً، ذكر أنه فلان بن فلان بن فلان الفلاني، فهذا إشارة إلى أن توكيل الغائب صحيح، وهو المذهب لعلمائنا إلا أنه لا يلزم الوكيل قبل قبوله دفعاً للضرر عنه، كما في توكيل الخاص.
ثم إذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه، فالقاضي يحضر الذي في يديه الدار ويسأل البينة على الكتاب والحاكم بحضرته ويفتح الكتاب بعدما قامت البينة عليه ويقرؤه على الشهود حتى يشهدوا على ما فيه، وبعدما زكوا سأل الوكيل البينة أنه فلان (٩٢ب٤) بن فلان، فإن أقامها سأل الذي في يديه الدار عن الدار فإن أقربها للموكل أمر بدفعها إليه، وإن سأل الوكيل البينة أنه فلان بن فلان بن فلان قبل أن يسأل البينة على الكتاب فحسن وهذا على قول محمد ﵀.
أما على قول أبي حنيفة ﵀: ينبغي أن يسأل الوكيل أنه فلان بن فلان بن فلان الفلاني، ثم يسأل البينة على الكتاب، وقد ذكرنا جنس المسألة فيما تقدم، وكذلك الجواب في الوكالة في الدواب والرقيق والعروض والوديعة والدين، لأن الوكالة جائزة في جميع هذه الأشياء فيقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي.
قال: وللوكيل بالخصومة في الدار أن يخاصم من نازعه عملاً بإطلاق التوكيل، ولو كان الموكل سمى رجلاً بعينه فليس له أن يخاصم غيره، لأن التعيين في الخصومة مفيد فلعل الموكل عرف أن الوكيل يقدر على الخصومة مع هذا الرجل ولا يقدر عليها مع رجل آخر، وليس للوكيل بالإجارة إلا أن يؤاجر الدار ويكون خصماً لمن أجرها منه؛ لأن
стр. 3601
حقوق العقد ترجع إلى العاقد وهو العاقد، ولا يكون له أن يخاصم مع غيره؛ لأنه لم يوكله بالخصومة مع غيره.
قال: وإذا وكلت المرأة بمهرها ونفقتها وكيلاً وطلب من القاضي كتاباً في ذلك ينبغي للقاضي أن يذكر في كتابه: وذكرت أن لها على زوجها فلان بن فلان من المهر كذا وقد وكلت فلان بن فلان بقبض ذلك من زوجها، وبالخصومة فيه إن أنكر، وإنما كتب: وبالخصومة فيه تحرزاً عن قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأن عندهما الوكيل بقبض الدين لا يملك الخصومة، ويكتب أيضاً: يطلب نفقتها من زوجها وبالخصومة فيها، فإذا وصل الكتاب إلى القاضي بحضرة الزوج وسأله عن المهر، فإن أقربه أمر بدفعه إلى الوكيل.
ولو كانت وكلته بمهرها وبالخصومة في نفقتها، حتى يفرض لها كل شهر نفقة مسماة، فإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه لا تقبل البينة إلا بحضرة الزوج؛ لأنه هو الخصم، فإذا ثبت ذلك عنده سأله عن المهر، فإن أقر به أخذ منه ويفرض من النفقة والكسوة ما يصلحها؛ لأن الموكلة لو حضرت وطالبته بذلك، ويثبت النكاح بالمهر عند القاضي أمره بأداء المهر وفرض عليه نفقتها، وكذلك يفعل ذلك بخصومته عنها بوكالتها.
قال في كتاب «الأقضية» : وإذا وكل الرجل رجلاً بالخصومة في عيب خادم (استرده) وأخذ بذلك كتاب القاضي لم يجز؛ لأن الخادم لا يرد حتى يحضر الموكل وهو المشتري فيحلف بالله ما رضي بالعيب؛ وذلك لأنه لو لم ينتظر يمين الموكل ورد بالعيب يلحق البائع ضرر ولا يمكن تداركه؛ لأن الفسخ ينفذ ظاهراً وباطناً فلا يقع التدارك بالنكوك بخلاف فصل الدين، وقد ذكرنا ذلك في موضع فلهذا لا يرد، وإذا لم يكن للوكيل ولاية الرد إلى أن يحضر الموكل وهو المشتري ويحلف لم يكن في كتاب القاضي فائدة، فلهذا لم يجز. ثم ذكر هاهنا أن الوكيل لا يملك الرد بالعيب إلى أن يحضر المشتري ويحلف بالله ما رضي بالعيب، وإن لم يدع البائع رضا المشتري، هكذا ذكر الخصاف والجصاص وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵏.
وذكر محمد ﵀ في «المبسوط» أن الوكيل يملك الرد بالعيب إلا إذا ادعى البائع رضا المشتري وحد ما ذكر هنا أن على القاضي صيانة قضائه عن النقص وجميع أنواع البينة وصيانة حق العباد، وذلك بانتظاره المشتري واعتبر بما إذا أراد المشتري الرد بالعيب بعد موت البائع، فإن القاضي يستحلف المشتري بالله ما رضي بالعيب وإن لم يدع الوارث ذلك.
وجه ما ذكر في «المبسوط» : أن القاضي نصب لفصل الخصومات، لا لإنشائها، وفي الاستحلاف بدون طلب المدعي إنشاء الخصومة، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لا يستحلف الولي في باب القصاص بالله ما عفى بدون طلب القاتل، والقصاص مما يدرئ
стр. 3602
بالشبهات، فلأن لا يستحلف هاهنا أولى؛ ولأن الاستحلاف لنظر البائع، والبائع قادر على النظر لنفسه، بأن يدعي الرضا على البائع، فإذا ترك الدعوى لم ينظر لنفسه والقاضي نصب ناظراً لكل من عجز عن النظر بنفسه، فلهذا يستحلف له الولي على بلدة من بلاد المسلمين إذا أراد أن يكتب الكتاب الحكمية، فإن كان الخليفة قد ولاه القضاء جاز وإن لم يوله لم يجز، وهذا لأن الولاية تقبل التخصيص والتعميم فينظر إلى سببها وهو التقليد، فإن كان التقليد خاصاً تتخصص ولايته، وإن كان عاماً تتعمم ولايته، وإن لم يكن فيه ما يدل على التعميم لا تتعمم ولايته؛ لأنه عديم الولاية في الأصل، فإنما يثبت له بقدر ما أثبت له، وإذا لم يدخل القضاء في ولايته لا يصح فيه الكتاب الحكمي، إنما يصح ممن يصح منه القضاء؛ لأن له حكم القضاء.
ولو كان هذا الوالي قلد إنساناً وأجاز له أن يقضي هل يقبل كتاب هذا القاضي؟ ينظر إن كان الخليفة أذن لهذا الوالي بالتقليد قبل كتابه وما لا فلا؛ لأنه إذا لم يؤذن بالتقليد لم يصح منه التقليد ولم يصر المقلد قاضياً وكتاب غير القاضي لا يقبل، فأما إذا فوض إليه التقليد صح منه التقليد، وصار المقلد قاضياً فيقبل كتابه.
ذكر في كتاب «الأقضية» : إن كتب الخليفة إلى قضاته إذا كان الكتاب في الحكم بشهادة شاهدين شهدا عنده بمنزلة كتاب القاضي إلى القاضي لا يقبل إلا بالشرائط التي ذكرناها، وأما كتابه أنه ولى فلاناً أو عزل فلاناً يقبل عنه بدون تلك الشرائط ويعمل به المكتوب إليه إذا وقع في قلبه أنه حق ويمضي عليه، وهو نظير كتاب سائر الرعايا بشيء من المعاملات؛ فإنه يقبل بدون تلك الشرائط ويعمل به المكتوب إليه إذا وقع في قلبه أنه حق كذا هنا في الكتاب.
ولا تقبل شهادة أهل الذمة على كتاب قاضي المسلمين لذمي على ذمي؛ لأن لكتاب القاضي إلى القاضي حكم القضاء، ثم سائر الأقضية لذمي على ذمي لا تثبت بشهادة أهل الذمة، فكذا كتاب القاضي. والمعنى في ذلك أنهم يشهدون على فعل المسلم وهو القاضي، وشهادة أهل الذمة لا تكون حجة في إثبات فعل المسلمين.
وفي «نوادر ابن سماعة» : عن أبي يوسف ﵀: رجل جاء بكتاب قاض إلى قاض وقبل المكتوب إليه الكتاب، وشهد الشهود على الكتاب، ثم قَدِمت بينة صاحب الحق على أصل الحق ينتظر المكتوب إليه، فإن المكتوب إليه لا يعمل بالكتاب ويأمر الطالب أن يحضر البينة على أصل الحق من قبل أن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، وشهود الأصل إذا حضروا بأنفسهم لم تقبل شهادة الفروع على شهادتهم كذا هنا. في «المنتقى» : ويكتب القاضي في كتابه الشهادة على الشهادة كما يكتب.
ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : وإذا تكسر خاتم القاضي الذي على الكتاب أو كان الكتاب مقشوراً وفي أسفله خاتم القاضي، فإن القاضي المكتوب إليه يقبل
стр. 3603
الكتاب إذا شهد الشهود أن هذا كتاب قاضي فلان، وأنه قرأه عليهم، فإن الخصاف ﵀ عقيب هاتين المسألتين (قال:) وهذا قول أبي يوسف ﵀، فأما على قول أبي حنيفة ومحمد القاضي المكتوب إليه لا يقبل الكتاب إذا لم يكن مختوماً، غير أن أبا يوسف يقول: إذا كان الكتاب غير مختوم لا تصح الشهادة على الكتاب ما لم يشهد الشهود بما في الكتاب؛ لأنه إذا كان غير مختوم فهو بمنزلة الصك، وعلم الشهود بما في الصك شرط صحة الشهادة عنده، وإذا كان الكتاب مختوماً فعلم الشهود بما في الكتاب ليس بشرط.
ذكر الفقيه الإمام أبو بكر الرازي والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني أن قبول الكتاب مع كسر الخاتم قولهم جميعاً؛ لأن هذا مما يبتلى به الناس قالا رحمهما الله: والإضافة إلى أبي يوسف من الخصاف يحتمل أن يكون منصرفاً إلى المسألة الثانية، وهو ما إذا كان الخاتم في أسفل الكتاب ولكن هذا ليس بصواب، فقد ذكر الحسن بن زياد في كتاب الاختلاف إذا انكسر خاتم القاضي الذي على الكتاب، فالقاضي المكتوب إليه لا ينفذه عند أبي حنيفة وزفر رحمهما الله كما إذا لم يكن مختوماً في الأصل، وعن أبي يوسف ﵀ أنه ينفذه إذا قامت عليه البينة كما لو لم يكن مختوماً في الأصل.
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀، كان نقول: إن كتاب القاضي إذا لم يكن مختوماً لا يقبل عند أبي يوسف ﵀ حتى وقفنا على رواية الخصاف أنه يقبل، والرواية هذه؛ لأنه إذا انكسر خاتم القاضي أو كان الخاتم في أسفل الكتاب كان كأنه لم يختم ومع هذا جاز قبوله، وقد ذكرنا رواية الحسن عن أبي يوسف في هذا نصاً، قال أبو يوسف ﵀: ويكتب القاضي بشاهد واحد إلى قاض آخر، يريد به أن يجوز نقل شهادة شاهد واحد (٩٣أ٤) بالكتاب؛ وهذا لأن كتاب القاضي إنما جوز باعتبار الحاجة وقد تمس الحاجة إلى هذا بأن يكون إحدى شاهدي المدعي هاهنا، والشاهد الآخر في بلد المطلوب، فيحتاج إلى نقل شهادة هذا الشاهد حتى تنضم معه شهادة ذلك الشاهد الذي في بلد المطلوب.
إبراهيم عن محمد ﵀: إذا غلب الخوارج على بلدة واستقضوا عليها قاضياً من أهل البلدة، فكتب هذا القاضي كتاباً إلى قاضي أهل العدل، فإن المكتوب إليه يعلم أن الشهود الذين شهدوا عند الكاتب من أهل البغي لا يقبل الكتاب؛ لأن الكتاب لنقل الشهود وأولئك الشهود لو حضروا عند هذا القاضي وشهدوا لا تقبل شهادتهم لفقه، وهو أن الخوارج يستحلون دمائنا وأموالنا فلو قبلنا شهادتهم علينا ذهبوا بدمائنا وأموالنا، وإذا لم يقبل شهادتهم لو حضروا فكذا لا يعمل بشهادتهم إذا صارت منقولة إليه وإن كان يعلم أن الشهود من أهل العدل قبل الكتاب، فإن لم يعلم أن الشهود من أهل العدل أو من أهل الخوارج لا يقبل الكتاب؛ لأن على أحد الاعتبارين لا يقبل فلا يقبل بالشك أو يقول من كان في منعة الخوارج، فالظاهر أنه منهم.
стр. 3604
الفصل الخامس والعشرون: في اليمين
يجب أن يعلم بأن الاستحلاف في الدعاوي مشروعة، ثبت شروعه بالسنة وهو قوله ﵇: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» وقوله ﵇ في قصة الحضرمي والكندي للمدعي منهما «ألك بينة» فقال: لا، فقال: «لك يمينه» والمعنى فيه: أن المدعى عليه أنوى حقه بإنكاره فالشرع شرع اليمين في جائز المدعى عليه حتى أن الأمر إن كان كما زعم المدعي كان هذا إتواء للمدعى عليه، لأن اليمين الكاذبة مهلكة للنفس والمال جميعاً فيكون إتواءان، وإن كان الأمر كما زعم المدعى عليه فالمدعى عليه بيمينه يدفع خصومة المدعي عن نفسه من غير ضرر يلحقه فيتحقق العدل والإنصاف، بعد هذا يحتاج إلى بيان موضع شرعيته وصفته وكيفيته.
أما بيان موضع شرعيته فنقول: الدعاوى نوعان: صحيحة وفاسدة، فالاستحلاف إنما يجري في الصحيحة منهما لا في الفاسدة، وإذا ادعى المدعي عند القاضي دعوى فعلى القاضي أن ينظر فيه، فإن كان فاسداً لا يلتفت إليه، وأمر المدعي بالكف عنه، وإن كان صحيحاً سمعه وأقبل على المدعى عليه، فإن أقر بما ادعاه المدعي ألزمه ما أقربه وإن أنكر أقبل على المدعي وقال له: إلك بينة؟، فإن قال: لا أو قال: شهودي غيّب أو مرضى حلّف المدعى عليه.
هكذا ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : قيل هذا السؤال إنما يستقيم على قول أبي حنيفة ﵀ (لا يستقيم) على قولهما؛ لأن على قولهما القاضي يستحلف المدعى عليه بطلب المدعي وإن قال لي بينة حاضرة في المصر فلا فائدة لهذا السؤال على قولهما، وقال مشايخنا إذا قال المدعي: شهودي غيب أو مرضى إنما يحلف المدعى عليه إذا بعث القاضي أميناً من أمنائه إلى محلة الشهود الذين سماهم المدعي حتى يسأل عن الشهود، قال: وأخبر أنهم غيب أو مرضى أما بدون ذلك لا يحلفه على قول من لا يرى الاستحلاف إذا كان له بينة حاضرة في المصر؛ لأنه وقع الشك في الاستحلاف على قوله ثم بعد صحة الدعوى إنما يستحلف فيما سوى القصاص في النفس في موضع جاز القضاء بالنكول فيه، وفي كل موضع لا يجوز القضاء فيه، وبالنكوك لا يستخلف فيه وفي القصاص بالنفس يستحلف ولا يقضى فيه بالنكول تعظيماً لأمر الدم.
стр. 3605
وأما بيان صفته فيقول: إن اكتفى بذكر اسم الله تعالى وحده بأن قال: بالله والله جاز؛ لأنه هو الأصل في اليمين وبه ورد الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ (الأنعام: ١٠٩) ، وأما السنة فما روي أن النبي ﷺ «حلف ابن ركانة حين طلق امرأته بلفظ ألبتة بالله ما أردت به ثلاثاً وحلف يهود خيبر بالله ما قتلتموه ولا علمتم له قاتلاً» . وإن غلظ في اليمين جاز، والتغليظ في اليمين عرف بالكتاب والسنة.
أما الكتاب: فإن الله شرع اللعان، وأما السنة: فما روي أن رسول الله ﷺ «حلف بن يهودياً بالله الذي أنزل التوراة على موسى، كيف تجدون حد الزنا في كتابكم» والمعنى في ذلك أن التغليظ في اليمين في معنى الزجر عن اليمين الكاذبة، فالإنسان قد يمتنع عن اليمين الكاذبة عند التغليظ ولا يمتنع عنها بدون التغليظ. ثم اختلف المشايخ فيه بعد ذلك، بعضهم قالوا: القاضي بالخيار في كل مدعى به وعلى كل مدعى عليه إن شاء غلظ وإن شاء لم يغلظ، وبعضهم قالوا: القاضي ينظر إلى المدعى عليه إن عرفه بالخير والصلاح أو رأى عليه سيما الخير ولم يتهمه اكتفى بذكر اسم الله وحده، وإن كان على خلاف ذلك غلظ، وبعضهم قالوا: نظر إلى المدعى به إن كان مالاً عظيماً غلظ عليه، وإن كان حقيراً اكتفى بذكر اسم الله وحده، وإن كان على خلاف ذلك غلظ، وبعضهم قالوا: نظر إلى المدعى به إن كان مالاً، ثم بعضهم قدروا العظيم بنصاب الزكاة، وبعضهم قدروا بنصاب السرقة.
وإذا غلظ بصفات الله وأسمائه ينبغي أن يتأمل حتى لا يكرر عليه اليمين بتكرار حرف القسم، فإن تكرر حرف القسم يتكرر اليمين، فإنه لو حلف بالله الرحمن الرحيم كان يميناً واحداً، وإذا حلف والله والرحمن والرحيم كانت ثلاثة أيمان ولا يجوز الاستحلاف في الدعوى الواحدة إلا بيمين واحدة.
ثم القضاة مختلفون في كيفية التغليظ وصفته واختار كل واحد لنفسه شيئاً ومختار الخصاف ﵀ أن يقول له: قل والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب المدرك الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، فهذا هو مختار الخصاف، فإن شاء القاضي اختار هذا وإن شاء زاد عليه وإن شاء نقص عنه، ولا يغلظ بالمكان عند علمائنا ﵏.
وقال الشافعي ﵀: إن كان المدعى به دم عمد أو مالاً عظيماً يبلغ عشرين مثقالاً من الذهب يغلظ بالمكان، فيحلف بأشرف الأماكن، فإن كان بمكة يحلف بين المقام والبيت، وإن كان بالمدينة يحلف بين الروضة والمنبر، وفي سائر الأمصار يحلف
стр. 3606
في المسجد الجامع عند المنبر، وإن كان في موضع ليس فيه مسجد جامع يحلف في مسجد من المساجد، وهو قول أهل المدينة وأهل مكة، وهكذا روي عن أبي يوسف إلا أنه زاد فقال: يوضع المصحف في حجره ويقرأ عليه ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ (آل عمران: ٧٧) الآية، حجتهم في ذلك أن التغليظ بذكر صفات الله تعالى، إنما يشرع للمبالغة في الزجر عن اليمين الكاذبة، وهذا المعنى يقتضي شرع التغليظ بالتحليف في أشرف الأماكن من غير نكير منكر؛ ولأن النصوص المقتضية للاستحلاف مطلقة عن المكان، فالتقييد بالمكان يكون زيادة على النص والزيادة بمعنى الفسخ.
وإن أراد التغليظ على اليهود يحلفه بالله الذي أنزل التوراة على موسى؛ لأنه يعتقد حرمة التوراة ونبوة موسى ﵇.
وإن أراد التغليظ على النصراني يحلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى؛ لأنه يعتقد حرمة الإنجيل ونبوة عيسى ﵇.
وإن أراد أن يغلظ على المجوسي يحلفه بالله الذي خلق النار؛ لأنهم يعظمون النار، هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» ، ولم ينقل عن أبي حنيفة ﵀ فيه شيء في ظاهر الرواية. وروي في «النوادر» عنه أنه لا ينبغي أن يستحلف أحداً إلا بالله.
وذكر الخصاف أن غير اليهودي والنصراني يستحلف بالله، فهذا إشارة إلى أنه لا يذكر النار في استحلاف المجوسي، وعليه بعض المتأخرين من مشايخنا؛ لأن ذكره يشير إلى تعظيمه، وإنه لا يجوز. ألا ترى أن المسلم لا يستحلف بالله الذي خلق الشمس بخلاف اليهودي والنصراني حيث يذكر في استحلافهم التوراة والإنجيل؛ لأن التوراة والإنجيل كلام الله تعالى فلا يكون فيه تعظيم غير الله تعالى بخلاف النار، أما سائر المشركين يستحلفون بالله لأنهم يقرون بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ (الزخرف:٨٧) .
وأما بيان كيفيته فنقول: إن وقع الدعوى على فعل المدعى عليه من كل وجه بأن ادعى عليه أنك سرقت هذا العين مني، غصبت هذا العين مني يستحلف على الثبات، وإن وقع الدعوى على فعل الغير من كل وجه حلف على العلم، حتى لو ادعى المدعي ديناً على ميت بحضرة وارثه بسبب الاستهلاك، أو ادعى أن أباك سرق هذا العين مني غصبه مني، حلف على العلم، وهذا مذهبنا والأصل فيه: حديث القسامة، فإن رسول الله ﷺ حلف اليهود على فعل أنفسهم على الثبات وعلى فعل غيرهم على العلم (٩٣ب٤) .
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: هذا الأصل مستقيم في المسائل كلها أن التحليف على فعل الغير يكون على العلم إلا في الرد بالعيب، يريد به: أن المشتري إذا ادعى أن العبد سارق أو آبق وأثبت إباقه أو سرقته في يد نفسه وادعى أنه أبق
стр. 3607
أو سرق في يد البائع وأراد تحليف البائع يحلف البائع على الثبات بالله ما سرق في يدك على ما عرف، وهذا تحليف على فعل الغير، قال الله تعالى إنما كان كذلك؛ لأن البائع التزم تسليم المعقود عليه سليماً عن العيوب، فالاستحلاف يرجع إلى ما ضمن بنفسه، فلذلك كان على الثبات.
وحكي عن الشيخ الإمام فخر الإسلام ﵀ أنه كان يريد في هذا الأصل حرفاً كان يقول: التحليف على فعل نفسه على الثبات، والتحليف على فعل الغير يكون على العلم إلا إذا كان شيئاً يتصل يحلف على الثبات، خرج على هذا فصل الرد بالعيب؛ لأن ذلك مما يتصل به؛ لأن تسليم العبد سليماً واجب على البائع، وقد قيل بأن التحليف على فعل الغير إنما يكون على العلم إذا قال الذي استحلف: لا علم لي بذلك، فأما إذا قال: لي علم بذلك يحلف على الثبات.
ألا ترى أن المودع إذا قال: قبض صاحب الوديعة مني الوديعة، فإنه يحلف المودع على الثبات وألا ترى أن ما ذكر محمد ﵀ في «الجامع» : إذا وكل الرجل رجلاً ببيع عبده بألف درهم فباعه وسلمه إلى المشتري ثم أقر البائع الوكيل أن الآمر قبض الثمن، وجحد الآمر فالقول قول الوكيل في ذلك: أن الآمر قد قبض مع يمينه، فإذا حلف برئ المشتري عن الثمن ويحلف الوكيل على الثبات بالله لقد قبض الآمر وهذا تحليف على فعل الغير، ولكن الوكيل يدعي أن له علماً بذلك، فإنه قال: قبض الموكل الثمن وما كان له علم بذلك فيحلف على الثبات لهذا.
وإن وقع الدعوى على فعل المدعى عليه من وجه وعلى فعل غيره من وجه بأن قال: اشتريت مني استأجرت مني استقرضت مني، فإن هذه الأفعال فعله وفعل غيره، فإنها تقوم باثنين يحلف على الثبات، وهذا مشكل؛ لأن اعتبار فعل الغير يوجب التحليف على العلم، إن كان اعتبار فعله يوجب التحليف على الثبات، إلا أنه يرجح جانب الثبات؛ لأنه يوجب زيادة زجر، لأنه متى حلف على الثبات وقد اشترى حنث في يمينه علم بالشراء أو لم يعلم، ومتى حلف على العلم وقد اشترى إن كان عالماً بالشراء حنث في يمينه، وإن لم يكن عالماً به لا يحنث فكان في هذا زيادة زجر، فكان الترجيح لجانب الثبات بعد هذه المسألة على وجوه:
أما إن ادعى المدعي ديناً أو ملكاً في عين أو حقاً وكل ذلك على وجهين: إما أن يدعيه مطلقاً ولم يذكر له سبباً أو ادعاه بناء على السبب، فإن ادعى ديناً ولم يذكر له سبباً يحلف على الحاصل فيحلف بالله ما لهذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا ولا شيء منه فقد جمع بين قوله: عليك وقبلك وإليه أشار محمد ﵀، وهكذا ذكر الخصاف ﵀ في كتاب الصلح وإنما جمع بينهما؛ لأنه لو اقتصر على قوله: عليك إنما يتأول أنه ليس على رأسه أو عاتقه شيء، ولو اقتصر على قوله: قبلك عسى يتأول الأمانة؛ لأن قوله قبلك يستعمل في الأمانات كما
стр. 3608
يستعمل في الديون فيجمع بينهما احتياطاً، وجمع أيضاً بين كل المدعى به وبين بعضه؛ لأنه ربما أداه بعض هذا المال وأبرأه عن بعض المال، فلو حلفناه على الكل يحلف، ويكون صادقاً في الحلف ولا يلزم الحنث، فيجمع بين الكل وبين البعض احتياطاً.
قال أبو عمرو الطبري: لا ينبغي للحاكم أن يقول في الاستحلاف: ولا شيء منه؛ لأن التحليف بناء على الدعوى، فلا يزاد على مقدار الدعوى.
وكذلك إذا ادعى ملكاً في عين حاضر أو حقاً في عين حاضر ادعاه مطلقاً، ولم يذكر له سبباً يحلف على الحاصل، فيحلف بالله ما هذا العين لفلان بن فلان، ولا شيء منه يجمع بين الكل وبين البعض احتياطاً، وإن ادعاه بناء على السبب بأن ادعى عليه ديناً بسبب القرض أو بسبب الشراء، أو ادعى ملكاً بسبب البيع أو الهبة، أو ادعى غصباً أو وديعة أو عارية يستحلف على حاصل الدعوى في ظاهر رواية أصحابنا ﵏، ولا يستحلف على السبب قضى عليه في كتاب الحوالة والكفالة حتى لا يستحلف: ما استقرضت منه هذا المال، ما غصبته، ما أودعته، ما اشتريت منه هذا العين بكذا، ما بعت منه هذا العين.
ووجه ذلك: أن في الاستحلاف على السبب ضرراً بالمدعى عليه، فالسبب قد يوجد ويثبت حكمه ثم ينفسخ السبب ويبطل حكمه، أو يبطل الدين بالإبراء والإيفاء، ويعود الملك إليه في العين بالهبة أو البيع ويبطل حكم الغصب والوديعة والعارية بالرد، فلو حلف على السبب لا يمكنه أن يحلف على انتفاء السبب لوجوده، ولو أقر بالسبب وادعى الناقض والمبطل لكانت الحجة عليه، وربما لا يمكنه إقامة الحجة وفيه من الضرر ما لا يخفى، وليس في الاستحلاف على الحاصل ضرر بالمدعي، فيحلف على الحاصل لهذا حتى لو كان في الاستحلاف على الحاصل ضرر بالمدعي بأن كان بين العلماء اختلاف أن ما يدعيه هل هو سبب لذلك الحكم؟ يحلف على السبب؛ لأنه لو حلف على الحاصل يحلف ويتأول قول من يقول بأنه ليس بسبب، وإن الحكم ليس ثابت فيحلف على السبب دفعاً للضرر عن المدعي، وكذلك إذا لم يكن في التحليف على السبب ضرر بالمدعى عليه بأن كان ما يدعيه شيئاً لا يحتمل الانفساخ وحكمه لا يحتمل البطلان كإعتاق العبد المسلم يحلف على السبب ليكون التحليف موافقاً للدعوى والإنكار.
وروي عن أبي يوسف أنه يستحلف على السبب في هذه الصورة؛ لأن الاستحلاف يترتب على الدعوى، فيكون على وفق الدعوى والإنكار. وما ذكر من وهم الضرر يندفع بالتعريض بأن يقول المدعى عليه للقاضي: الإنسان قد يلزمه المال بسبب ثم يبطل المال عنه، إما بانفساخ السبب أو بالإيفاء أو بالإبراء، ولو أقر بالسبب عسى لا يمكنه إثبات ذلك الفسخ، أو الإبراء فيلزمه المال فإذا عرض على هذا الوجه، فالقاضي لا يحلفه على السبب، بل يحلفه على الحاصل.
وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب رواية أخرى عن أبي يوسف ﵀: أنه إذا أنكر المدعى عليه السبب بأن أنكر
стр. 3609
الاستقراض، وقال: ما استقرضت يحلف على السبب بالله ما استقرضت، وإن قال: ليس له علي ما يدعي، يحلف على الحاصل بالله ليس له عليك ولا قبلك هذا المال الذي يدعي ولا شيء منه، قال ﵀: هذا أحسن الأقاويل عندي وعليه أكثر القضاة.
وقال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام على البزدوي ﵀: ينبغي أن يفوض الأمر إلى رأي القاضي في هذا إن رأى المصلحة في التحليف على السبب حلف على السبب، وإن رأى المصلحة في التحليف على الحاصل حلف على الحاصل، قال: لأن من الناس من يكون تحليفه على السبب أولىو منهم من يكون تحليفه على الحاصل أولى، فيفوض إلى رأي القاضي.
لهذا قال الخصاف في «أدب القاضي» وفي الوديعة: إذا حلف الوديعة (ليست في يديك) ولا شيء منه ولا له قبلك حق منه؛ لأنه متى استهلكها أو دل إنساناً عليها، فلا تكون في يديه ولكن ضمان القيمة في ذمته، فلا يكتفى بقوله: في يديك بل يضم إليه ولا له قبلك حق منه احتياطاً، وهذا الجواب إنما يستقيم على ظاهر الرواية؛ لأن على ظاهر الرواية؛ التحليف على الحاصل، أما على (ما) روي عن أبي يوسف ﵀ يستحلف بالله ما أودعك هذا كذا وكذا.
وإن ادعى قبله ضيعة أو عقاراً وحدده وسمى موضعه وبلده على نحو ما بينا يحلفه بالله ما هذه الضيعة ولا هذه الدار التي حدد وسمى لفلان بن فلان هذا في يديك ولا شيء منها ولا له قبلك منها حق ولا بسببها، جمع بين هذا؛ لأنه أحوط.
وإن ادعى جارية أو غلاماً أو عرضاً من العروض مما ينقل ويحول، فإن كان حاضراً في مجلس القاضي، فالقاضي يحلفه بالله ما هذا العبد ملك هذا المدعي من الوجه الذي ادعاه ولا شيء منه لجواز أن يكون بعضه ملك المدعي، فلو لم يقل ولا شيء منه يتأول ذلك، فيكون صادقاً في يمينه ولا يلزمه الحنث.
وذكر في كتاب الاستحلاف: أنه يحلف المدعى عليه بالله ما لهذا (٩٤أ٤) المدعي في هذا العبد حق، والصحيح ما ذكرنا؛ لأن لفظة الحق تنطلق على غير الملك من حق الإجارة والرهن، والمدعي ادعى الملك فيه دون الحق، وإنما يجب الاستحلاف على ما ادعاه المدعي، ولكن إن زاد في آخر اليمين ولا له فيها حق، كان مستقيماً، فإنه يكون تأكيداً للأول، وإن كان غائباً عن مجلس القاضي بأن كان المدعى عليه مقراً أنه في يده، إلا أنه ينكر كونه ملك المدعي كلفه القاضي الإحضار حتى يمكنه الإشارة إليه في الدعوى؛ وهذا لأن الدعوى إنما تسمع في المعلوم، فيشترط إعلام المدعي به بأبلغ وجوه الإعلام ما أمكن، والإشارة أبلغ في وجوه الإعلام، وإنما تكون الإشارة بعد الإحضار.
وإن أنكر المدعى عليه أن يكون ذلك في يديه. ذكر الخصاف ﵀: أن القاضي يقول للمدعي: سمه وانسبه إلى جنسه، وسم قيمته، شرط بيان القيمة لسماع الدعوى، وقد ذكرنا هذا الفصل وما فيه من الاختلاف قبل هذا ثم إذا سمى جميع ذلك حتى صح دعواه بلا خلاف، وأراد استحلاف المدعى عليه استحلفه القاضي بالله ما لهذا
стр. 3610
لديك هذه الجارية التي ذكرها ولا شيئاً منها ولا بقي له عليك ولا قبلك ولا قيمتها التي سمى وهي كذا وكذا، بذكر شيء منه لجواز أن في يديه بعض الجارية فيتأول، وإنما يذكر القيمة لجواز أنها مستهلكة، فلا تكون في يديه ولكن يجب عليه القيمة، وإنما يذكر شيئاً من القيمة لجواز أنه سقط بعض القيمة عنه فيتأول، وإنما يذكر ولا شيء له عليك ولا قبلك؛ لأن من مذهب بعض العلماء أن الحيوان يكون مغصوباً بالمثل فربما يتأول ذلك القول.
وإن ادعى شراء ضيعة وبين حدودها وموضعها وبين الثمن، وأنكر المدعى عليه أنه باعه ذلك، وأراد القاضي أن يحلفه على الحاصل كما هو جواب ظاهر الرواية كيف يحلفه؟ قال: يحلفه بالله ما بينك وبين هذا البيع قائم الساعة فيما ادعاه، أو يحلفه بالله ما هذه الضيعة شراء لهذا الساعة بما ادعاه من الثمن أو يحلفه بالله ما عليك تسليم هذه الضيعة إلى هذا بهذا البيع الذي ادعاه وهاهنا أشياء أخر تأتي بعد هذا.
وإن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها فهو على وجوه:
الأول: تدعي الطلاق الثلاث، وفي هذا الوجه إذ أراد القاضي أن يحلفه حلّفه بالله ما هذه المرأة بائن منك بثلاث تطليقات كما ادعت، وهذا تحليف على الحاصل، وإنه جواب ظاهر الراوية. قالوا: وإن شاء القاضي حلفه على السبب بالله ما طلقتها ثلاثاً في هذا النكاح الذي تدعي أنك مقيم عليها فيه؛ لأن هذا سبب لا يحتمل الانتقاض إلا أنه لا يستحلف بالله ما طلقتها ثلاثاً ثم عادت إليه بنكاح مستقبل بعدما تزوجت بزوج آخر، فلو حلفناه كذلك لتضرر وكذلك إذا لم تدع المرأة ذلك ولكن شهد عند القاضي شاهد واحد عدل أو جماعة من الفساق بذلك؛ لأن حرمة الفرج حق الشرع، فكان على القاضي الاحتياط في مثله بالاستحلاف.
الوجه الثاني: أن تدعي تطليقة، كما ادعت أنما هي محرمة عليك بتطليقة كما ادعت؛ يستحلف على حاصل الدعوى في ظاهر الرواية، قال مشايخنا: وفي هذا الجواب نوع نظر؛ لأن عند الشافعي الكنايات رواجع فلو حلفناه على الحاصل ربما يتأول قول الشافعي ﵀، فيحلف على السبب بالله ما طلقتها بلفظ كذا، كما ادعت في هذا النكاح الذي تدعي أنك مقيم عليها فيه حتى لا يمكنه التأويل إلا إذا ادعت الخلع أو ادعت تطليقة بائنة قبل الدخول، فإن هناك تثبت البينونة بلا خلاف، فلا يمكنه التأويل فيحلف على الحاصل.
الوجه الثالث: أن تدعي تطليقة رجعية، وفي هذا الوجه يحلف على الحاصل في ظاهر الرواية، فيحلف ما هي طالق منك الساعة، وهذا لأن الطلاق الرجعي يزيل النكاح بعد انقضاء العدة، إن كان لا يزيل النكاح في الحال ويؤثر في إزالة حل المحلية عند انضمام تطليقتين إليه، فيفيد الاستحلاف.
وإن ادعت أمة على مولاها أنه اعتقها، ففي ظاهر الرواية يستحلف على الحاصل بالله ما هي حرة الساعة بما ادعت من العتق؛ لأنه يتصور زوال الحرية عنها بعد ثبوتها
следующие страницы →