Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
وأما شهادة المرتد والمرتدة فلا ذكر لها في شيء من الكتب، وقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: تقبل على الكفار، وقال بعضهم: تقبل على مرتد مثله، والأصح أنها لا تقبل على كل حال، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: لا أجيز شهادة اليهودي والنصراني وغيرهما من أهل الذمة إذا سكروا؛ لأن السكر حرام في الأديان كلها، فيوجب سقوط العدالة، وإذا شهد شاهدان من أهل الكفر على شهادة شاهدين من أهل الإسلام على كافر لا تقبل شهادتهما؛ لأنها شهادة على كافر قامت على إثبات أمر على المسلم؛ لأنها قامت على إثبات شهادة المسلم، فلا تقبل قياساً على ما لو شهدا على المسلم بمال، وكذلك إذا شهدا على قضاء قاض من قضاة المسلمين لكافر على كافر، لا تقبل شهادتهما لأنها قامت على إثبات أمر على المسلم، لأنها قامت على القاضي بإثبات قضائه، وهذا بخلاف ما لو شهدا على كافر بمال، فإنه تقبل شهادتهما وإن كان فيه إيجاب القضاء على القاضي المسلم، وذلك لأن إيجاب القضاء على القاضي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصاً ولا اقتضاءً.
أما نصاً: فلا شك، وأما اقتضاء: فلأن المقتضي ما يثبت ضرورة المنصوص عليه ولا ضرورة للمنصوص عليه وهو الوجوب على المشهود عليه، إلى وجوب القضاء بذلك على هذا القاضي المعين؛ لأنه مما ينفك عنه في الجملة بأن لا يكون قاضياً، والمقضي إنما يثبت ضرورة المنصوص عليه إذا كان لا ينفك عنه بحال، فهو معنى قولنا: إن وجوب القضاء على القاضي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصاً ولا اقتضاءً فلا يمنع قبول شهادتهما؛ ولا هاهنا شهدا على إثبات أمر على المسلم نصاً ومثل هذه الشهادة لا تقبل، ونظير هذا ما قال محمد ﵀ في كافر مات وأوصى إلى مسلم، فشهد كافران بدين على الميت، فإن القاضي يقبل شهادتهما وإن كان لو قبل هذه الشهادة يجب قضاء الدين على الوصي وهو مسلم؛ لأن وجوب قضاء الدين على هذا الوصي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصاً وهذا ظاهر، ولا يقتضي وجوب الدين على الميت؛ لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين على الميت وجوب القضاء على هذا الوصي، فإنه لو لم يكن هو وصياً لا يجب عليه قضاء الدين، فلم يمتنع قبول شهادتهما كذا هاهنا.
قال: أمة في يدي رجل كافر اشتراها من مسلم، أو وهبها من مسلم، أو تصدق بها عليه مسلم، ثم جاء كافر وادعى لنفسه ملكاً مطلقاً، وأقام على ذلك شاهدين كافرين، فشهدا له بالملك المطلق، قال أبو حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف أولاً: لا تقبل هذه الشهادة أصلاً، وقال أبو يوسف آخراً: تقبل هذه الشهادة ويقضى لها على المشتري خاصة، ولا يقضي بها على غيره حتى لا يكون للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن.
وجه قول أبي يوسف آخراً: أن هذه شهادة كافر قامت على كافر وهو المشتري باستحقاق الملك عليه، وقامت على مسلم وهو البائع بالرجوع عليه بالثمن، وأمكن القضاء بها في حق الكافر فيقضى بها للكافر، قياساً على ما لو شهد كافران على كافر ومسلم بدين ألف درهم، فإنه تقبل شهادتهما على الكافر، ولا تقبل شهادتهما على
стр. 3852
المسلم، بيان إمكان القضاء في حق الكافر: أن يقضي بالملك للمدعي بسبب جديد من جهة المدعى عليه، وهذا لأن الشهود وإن شهدوا بالملك المطلق إلا أن الملك المطلق يحتمل الملك الحادث، فيحتمل أن الشهود عاينوا بسبب الملك فيما بينهما، لكن لم يذكر السبب في شهادتهما، فيحمل على هذا الوجه، تصحيحاً للشهادة بقدر الممكن، ولهما أن هذه شهادة كافر قامت على كافر ومسلم، وتعذر القضاء بها في حق الكافر، فلا تقبل أصلاً قياساً على ما لو شهد كافران لكافر على كافر، أن القاضي قضى لهذا على هذا بكذا، فإنه لا تقبل هذه الشهادة أصلاً، وإنها لا تقبل لما قلنا. وبيان تعذر القضاء بها في حق الكافر: أن الشهود شهدوا بالملك المطلق للمدعي والشهادة بالملك المطلق شهادة بالملك من الأصل؛ ألا ترى أنه يستحق العين بزوائده المتصلة والمنفصلة جميعاً، ولا يمكن القضاء بالملك في حق المشتري من الأصل إلا بالقضاء بالملك من الأصل في حق البائع؛ لأنه ما بقي الملك للبائع لا يكون الملك لهذا المدعي من الأصل فإن قيل الشهادة بالملك المطلق إنما تكون شهادة بالملك من الأصل إذا كانت الشهادة (١٣٦أ٤) حجة للقضاء بالملك من الأصل، كشهادة المسلمين أما إذا لم يكن حجة للقضاء بالملك من الأصل يجعل شهادة بالملك الحادث بسبب حادث من جهة المدعى عليه، ألا ترى أن الإقرار بالملك المطلق جعل إقراراً بملك حادث، وإن كان الإقرار إخباراً في موضوعه حتى صح بالحق.
والجواب: أن الإقرار يخالف الشهادة، لأن الإقرار بالملك المطلق فيما يقبل النقل من ملك إلى ملك جعل إقراراً بملك جديد من حيث الحكم كأن المقر قال: هذا لفلان؛ لأني ممكنه منه، ولهذا لا يستحق المقر له المقر به بالزوائد المتصلة والمنفصلة، ولا يكون للمقر الرجوع على بائعه، ولو أن المقر نصّ على ملك جديد للمقر له بسبب جديد من جهة يتعذر القضاء بالملك من الأصل من حيث الحكم كأن الشهود قالوا: هذا ملك هذا المدعي من الأصل حتى يستحق العين بالزوائد المتصلة والمنفصلة ويرجع المستحق عليه على بائعه بالثمن، ولو نص الشهود على هذا يتعذر القضاء بالملك الجديد بالسبب الجديد من جهة المستحق عليه، فكذا إذا جعل في الحكم هكذا إذا مات الكافر وترك اثنين وترك ألفي درهم فاقتسماهما بينهما، ثم أسلم أحدهما ثم جاء كافر وادعى لنفسه ديناً على الميت، وأقام على ذلك شاهدين كافرين، قال في «الكتاب» : أجزت ذلك في حصة الكافر خاصة؛ لأن شهادة الكافر حجة في حق الكافر دون المسلم، فثبت الدين بهذه الشهادة في حق استحقاق نصيب الكافر وإبطال يده عليه، لا في حق استحقاق نصيب المسلم وإبطال يده عليه، إذا مات الكافر وجاء مسلم وكافر وادعى كل واحد منهما ديناً، وأقام كل واحد منهما بينة من أهل الكفر، قال في «الكتاب» أجزت بينة المسلم وأعطيت حقه فإن بقي شيء كان للكافر، وروى الحسن بن زياد وعن أبي حنيفة أن التركة تقسم بينهما على مقدار دينهما؛ لأن كل واحد منهما يثبت دينه على الميت، وما أقام كل واحد منهما حجة على الميت، وجه ظاهر الرواية: أن دين الكافر ثبت في حق
стр. 3853
الميت وفي حق الغريم الكافر ودين الكافر ثبت في حق الميت أما لم يثبت في حق الغريم المسلم؛ لأن حجة المسلم حجة على الميت والكافر؛ وحجة الكافر حجة على الميت وليس بحجة على المسلم، أو المزاحمة إنما تثبت عند المساواة وإنما تثبت المساواة إذا ثبت دين كل واحد من الغريمين في حق صاحبه، فهو بمنزلة الدين
المقر به في حالة الصحة مع الدين المقر به في حالة المرض.
مسلم له عبد كافر أذن له بالبيع والشراء، فشهد عليه شاهدان كافران بشراء أو بيع جازت شهادتهما عليه؛ لأن هذه شهادة كافر قامت على إثبات أمر على الكافر.
فإن قيل: هذه الشهادة كما قامت على العبد قامت على المولى، فإنه يستحق مالية المولى متى ثبت الدين على العبد المأذون والمولى مسلم.
قلنا: استحقاق مالية العبد غير مضاف إلى الشهادة لا نصاً وهذا الظاهر ولا اقتضاء؛ لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين على العبد بسبب البيع والشراء استحقاق مالية المولى، وألا ترى أن العبد لو كان محجوراً، واشترى لا يستحق به مالية المولى مع أن الثمن وجب عليه بالشراء حتى يؤاخذ به بعد العتق، إذا لم يكن استحقاق مالية المولى مضافاً إلى شهادة الكافر لا تمنع بسببه قبول شهادة الكافر، ولو كان الكافر كافراً والعبد المأذون مسلم لا تقبل شهادة الكافر؛ لأن هذه شهادة كافر قامت على إثبات أمر على المسلم نصاً.
ولو كان كافر وكل مسلماً بشراء أو بيع لم أجز على الوكيل الشهود إلا مسلمين، ولو أن مسلماً وكل كافراً بذلك أجزت على الوكيل الشهود من أهل الكفر، وهو يخرج على ما ذكرنا من المعنى في فصل العبد.
وفي «النوادر» : وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا وكل النصراني مسلماً يبيع له ثوباً، أو اشترى له ثوباً، فشهد عليه نصرانيان بالبيع وهو يجحد أن ذلك جائز وكذا الشراء.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : نصراني مات وترك مئة درهم لا غير، فأقام مسلم شاهدين نصرانيين عليه بمئة درهم بينهما يقضي للمسلم المتفرد بثلثي المئة، ويقضي بثلث المئة بين الشريكين نصفان؛ لأن النصراني الشريك أقام ما ليس بحجة على المسلم المنفرد؛ لأنه يتضرر به فيطلب بينة النصراني للشريك، فإذا بطلت بينة النصراني للشريك، بقي المسلم الشريك والمسلم المنفرد وكل واحد منهما أقام ما هو حجة على الميت دون صاحبه فاستويا، فنصرت المسلم المنفرد بحقه وذلك مئة، والمسلم الشريك بحقه وذلك خمسون، فقسمت المئة بينهما أثلاثاً، ثم النصراني الشريك يأخذ من شريكه المسلم نصف ما أخذ لتصادقهما أن الدين مشترك بينهما.
فإن قيل: أليس إن كل واحد من المسلمين يتضرر بشهادة شهود صاحبه وهم كفار، فينبغي أن لا تقبل؟.
قلنا: الضرر عليهما في امتناع القبول فوق الضرر عليهما في القبول، فإن عند قبول
стр. 3854
الشهادتين يصل إلى كل واحد من المسلمين بعض حقه، وعند عدم القبول لا يصل إلى كل واحد من المسلمين شيء، وعند التعارض يتحمل الأدنى لدفع الأعلى، ولو كان مكان المسلم المنفرد نصرانياً منفرداً وباقي المسألة بحاله فالمئة تقسم بينهم أثلاثاً لكل واحد الثلث، لأن بينة النصراني المنفرد غير مقبولة على المسلم الشريك لما مر، وبينة المسلم الشريك حجة في حق النصراني المنفرد، فيأخذ المسلم الشريك حقه وذلك خمسون، بقي من التركة خمسون وقد تنازع فيهما نصرانيان، وأقام كل واحد ما هو حجة على صاحبه إلا أن حق النصراني المنفرد في المئة، وحق النصراني الشريك في خمسين فيقسم للنصراني الشريك، وذلك ستة عشر وثلثان، ثم ما في يد النصراني الشريك يضم إلى ما في يد شريكه المسلم فيصير ستة وستون وثلثاً، تقسم بينهما نصفين لتصادقهما على التركة فنصيب كل واحد في الحاصل ثلث المئة فلهذا قال: تقسم المئة بينهم أثلاثاً ولو كان شهود الشريكين مسلمين، وشهود النصراني المنفرد نصراني، وباقي المسألة بحاله كان هذا والأول سواء؛ لأن المسلم الشريك أقام ما هو حجة في حق النصراني المنفرد؛ والنصراني المنفرد أقام ما ليس بحجة في حق المسلم الشريك، فيطلب بينة النصراني المنفرد في حق المسلم فيأخذ المسلم حقه وذلك خمسون بقي من التركة خمسون، وقد تنازع فيه نصرانيان وأقام كل واحد ما هو حجة على صاحبه فيقسم بينهما على قدر حقوقهما أثلاثاً، ثم الباقي إلى آخر ما مر قبل هذا، فإن كان شهود النصراني المنفرد مسلمين وشهود الشريكين نصارى، وباقي المسألة بحالها يقضي للنصراني المنفرد بنصف المئة ويقضي بالنصف الآخر للشريكين؛ لأن المنفرد أقام ما هو حجة على الشريكين، وهما أقاما ما هو حجة على المنفرد فلهذا قسمت المئة نصفين.
قال: نصراني مات وترك مئتي درهم وترك ابنين نصرانيين فأسلم أحدهما، ثم جاء رجل وادعى على الميت مئة درهم فأقام شاهدين نصرانيين، فإن القاضي يقضي بذلك في نصيب الكافر؛ لأن ما أقام المدعي حجة على الابن النصراني دون الابن المسلم لما فيها من الضرر للمسلم، فلم تصح على المسلم وصحت على الكافر فيستوفي الدين من نصيب من صحت البينة عليه، كما لو أقر أحد الابنين بذلك ولا يدخل الابن النصراني على أخيه المسلم في نصيبه، قال محمد في الكتاب: ولا يشبه هذا الدين وأراد به المسألة الأولى، فإن هناك المسلم الشريك إذا أخذ شيئاً من المئة يدخل عليه الشريك النصراني، وهاهنا الابن النصراني لا يدخل على أخيه المسلم في نصيبه.
والفرق بينهما: أن النصراني الشريك إنما يزاحم المسلم الشريك بسبب الدين، ودين النصراني ثابت في ذمة الميت، لم يرد عليه الاستحقاق، إنما ورد الاستحقاق على المال الذي نفع به القضاء، فيبقى دينه في ذمة الميت، ويجعل ما أخذه المسلم كالهالك، وإذا بقي دين النصراني الشريك وجبت الشركة في باقي المال، فأما الميراث إنما يجب بعد الدين، فإذا ثبت الدين في حق الابن الكافر بطل به ميراثه والشركة بناء عليه، فإذا بطل الميراث بطلت الشركة، وفي مسألة الدين إذا بقي تثبت الشركة في محل الحق فلهذا
стр. 3855
(١٣٦ب٤) افترقا وذكر عين هذه المسألة في «المنتقى» .
وذكر عن أبي حنيفة ﵀: إني أقضي بنصف الدين في حصة النصراني وأبطل النصف، وذكر عن أبي يوسف ﵀ أني أقضي بذلك في حصة النصراني، ولا أقضي على المسلم بشيء وتبين بما ذكر في «المنتقى» أن المذكور في قول أبي يوسف ومحمد وستأتي هذه المسألة بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : مسلم ادعى أن فلاناً النصراني مات، وأوصى إليه وأقام شهوداً من نصارى فإن أحضر غريماً نصرانياً قبلت الشهادة عليه قياساً واستحساناً، وعدى إلى غيره لما نبين بعد هذا في الوكالة، وأما إذا أحضر غريماً مسلماً، القياس: أن لا تقبل شهادتهم عليه، وهو قول محمد ﵀ أولاً وفي الاستحسان تقبل.
وجه القياس: أن هذه شهادة الكافر على المسلم مقصوداً فلا تقبل، وجه الاستحسان: ما أشار إليه محمد في «الكتاب» : أن موت النصارى لا يحضره المسلمون، ومعنى هذا الكلام أن الإيصاء غالباً إنما يكون حالة الموت في دورهم، والمسلمون لا يحضرون دورهم عند موتهم غالباً، فلو لم تقبل شهادتهم على المسلم في إثبات الموت والإيصاء أدى إلى ضياع حقوقهم المتعلقة بالموت والإيصاء فتقبل إحياءً لحقوقهم، وإن كان الإحياء قد يحصل بحضرة المسلمين اعتباراً للغالب، ألا ترى أن شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال صارت حجة للضرورة، وإن كان الحادثة بحال يجوز للرجال حضور تلك الحادثة لتحمل الشهادة اعتباراً للغالب، كذا هاهنا والذي بينا من الجواب في الوصاية فهو الجواب في النسب، حتى لو أقام نصراني بينة من النصارى، أن فلاناً مات وأنه ابنه ووارثه لا يعلمون وارثاً غيره وأحضر غريماً للميت كافراً، تقبل شهادتهم قياساً واستحساناً، فإن أحضر غريماً مسلماً، القياس: أن لا تقبل لما مر، وفي الاستحسان تقبل؛ لأن النسب إنما يثبت بالفراش والفراش إنما يثبت بالنكاح ونكاح أهل الذمة إنما تكون في دورهم غالباً ولا يحضره المسلمون في الغالب فلو لم تقبل شهادتهم أدى إلى تضييع حقوقهم المتعلقة بالنسب.
ولو أن مسلماً أدى وكالة من نصراني بكل حق له بالكوفة وأحضر غريماً مسلماً وأقام عليه شهوداً نصرانياً لا تقبل؛ لأن هذه (شهادة) نصراني قامت على المسلم مقصوداً فلا تقبل، فرق بين الوصاية والوكالة، والفرق ما ذكرنا: أن الإيصاء غالباً يكون حالة الموت في دورهم والمسلمون لا يحضرون دورهم عند موتهم غالباً، فقبلنا شهادتهم صيانة لحقهم عن البطلان، أما الوكالة فتقع خارج دورهم غالباً، والمسلمون يخالطوهم خارج دورهم، فأمكن إشهاد المسلمين عليها، فلا ضرورة إلى قبول شهادة أهل الذمة، فإن أحضر نصرانياً قبلت شهادتهم لكونها حجة على النصراني، وإذا قبل القاضي هذه الشهادة وقضى له بالوكالة كان ذلك قضاءً على جميع الغرماء من المسلمين وغيرهم، حتى لو أحضر غريماً مسلماً بعد ذلك، وهو يجحد وكالته، لم يكلفه القاضي إقامة البينة على
стр. 3856
الوكالة في حق جميع من كان بالكوفة لما مر قبل هذا، وقد يثبت الشيء ضرورة غيره، وإن كان لا يثبت مقصوداً بينته، كعزل الوكيل لا يثبت حال غيبة الوكيل مقصوداً، ويثبت ضرورة نفاذ بيع ما يوكل ببيعه كذا هاهنا.
قال ابن سماعة عن محمد ﵀: في رجل مات وترك ابنين، أحدهما مسلم والآخر نصراني، فقال المسلم منهما: أسلم أبي قبل موته وأنا وارثه، وقال النصراني: إنه لم يسلم وأنا وارثه، فالقول قول النصراني منهما؛ لأنه عرف كونه كافراً، فالنصراني تمسك بالأصل وهو بقاء الكفر، والمسلم يدعي زواله بالإسلام، فكان القول قول من يدعي البقاء، ولأن اختلاف الدينين مانع من جريان الإرث وقد عرف وجود، فإذا ادعى الابن المسلم الإسلام فقد ادعى زوال المانع، والابن ينكر، والقول قول المنكر ولكنه يصلي على الميت بإخبار الابن المسلم أنه أسلم لأنه أخبر بخبر ديني وهو وجوب الصلاة عليه، وخبر المسلم الواحد في أمور الدين مقبول، فيصلي عليه وليس من ضرورة الصلاة عليه ثبوت استحقاق الميراث للابن المسلم، لأنه ينفصل أمر الصلاة عن الميراث في الجملة فلم يكن من ضرورة استحقاق الميراث للابن المسلم، ولو أقام المسلم نصرانيين أنه مات مسلماً وأقام النصراني مسلمين أو نصرانيين أنه مات نصرانياً قضيت بالميراث للمسلم منهما، أما إذا أقام النصراني نصرانيين؛ لأن الابن المسلم أقام ما هو حجة على النصراني، والابن النصراني أقام ما ليس بحجة على الابن المسلم، وأما إذا أقام النصراني مسلمين؛ فلأنه وإن أقام ما هو حجة على المسلم ولكن مع هذا ترجحت بينة المسلم لوجهين.
أحدهما: أن البينات للإثبات وبينة المسلم تثبت أمراً حادثاً وهو الإسلام ويثبت استحقاق الميراث للابن المسلم وبينة النصراني تنفي ذلك، فلهذا جعلنا القول قول الابن النصراني، لأنه ينفي استحقاق الابن المسلم، فتكون البينة بينة المسلم؛ لأنه يثبت الاستحقاق لنفسه.
الوجه الثاني: أن الإسلام أقوى قال ﵇: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» فكان الترجيح لبينة المسلم من هذه الوجوه، ولهذا قلنا: إن المولود بين مسلم وكافر يكون مسلماً تبعاً للمسلم بهما لقوة الإسلام، كذا بهذا، وأما حكم الصلاة فإنه يصلى عليه لا بالشهادة فإن الشهود نصارى فلا تقبل شهادتهم في الأمور الدينية، والصلاة أمر ديني، ولكن لإخبار الابن المسلم بإسلامه، وخبره حجة في حق الصلاة عليه كما ذكرنا، فإن كان للميت بنون صغار ورثتهم عن الميت مع ابنه المسلم، وجعلتهم مسلمين؛ لأنه لما قضى بالميراث للابن المسلم بالبينة فقد قضى بإسلام الأب لا محالة ليمكن توريث
стр. 3857
المسلم منه، فإذا جعلناه مسلماً لابد من الحكم بإسلام أولاده الصغار تبعاً له؛ لأنهم يتبعون خير الأبوين في الدين، قال في «المنتقى» : فلو لم يقم الابن المسلم بينة على إسلام أبيه قبل موته حتى ادعى رجل على الميت ديناً، وأقام بينة من النصارى على إسلام الأب قبل موته قال محمد ﵀: إن كان الغريم مسلماً لم أبطل دينه بشهادة أهل الذمة ولم أرد القضاء، وإن كان ذمياً رددت القضاء وأنفدت للابن المسلم جميع الميراث، أما إذا كان الغريم ذمياً؛ فلأن الابن المسلم أقام ما هو حجة على الابن النصراني وعلى الغريم فثبت وراثته واستحقاقه التركة، ولم يثبت استحقاق الغريم بما أقام من الحجة؛ لأن ما أقام من الحجة، ليست بحجة لا في حق الابن المسلم ولا في حق الميت لأنا حكمنا بإسلامه ضرورة الحكم بميراثه للابن المسلم، وأما إذا كان الغريم مسلما فلأن ما أقام الابن المسلم من الحجة ليست حجة في حق الغريم، فلم تثبت وراثة الابن المسلم في حق الغريم، فلا يحتاج الغريم إلى إقامة البينة على الابن المسلم، وإنما يحتاج إلى إقامتها على الابن النصراني، وما أقام الغريم حجة في حق الابن النصراني.a
قال: ولو لم يكن يترك الميت مالاً وأقام الابن المسلم شهادة من النصارى على أنه مات مسلماً، وأراد أحد أخويه الصغار لم تقبل بينته عل ذلك، بخلاف ما إذا ترك مالاً.
والفرق: أنه إذا ترك مالاً فبينة الابن المسلم من أهل الذمة إنما تقبل على المال وعلى الميراث، ومن ضرورة قبولها على الميراث القضاء بإسلام الميت، فيتعدى ذلك إلى أولاده الصغار، فأما إذا لم يترك مالاً لا يمكن قبول بينة أهل الذمة على المال لانعدامه، ولا يمكن قبولها على إسلام الميت وحده، لأنه أمر ديني، وشهادة أهل الذمة لا تقبل في الأمور الدينية، وهذا الحكم لا يختص بهذا الموضع بل في كل موضع يشهد قوم من أهل الذمة على إسلام ميت، إن كان الميت لم يترك مالاً تقام البينة لأجله لا تقبل شهادتهم ولا يحكم بإسلامه، وروى «المعلى» عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: لا أقبل شهادة أهل الذمة على إسلام الكافر في حالة الحياة وأقبلها بعد الموت، وإن لم يكن له ميراث يجب لأحد بشهادتهم، وروى عمرو عن محمد ﵀ في «الإملاء» رجل من أهل الذمة مات فشهد مسلم عدل أو مسلمة أنه أسلم قبل موته (١٣٧أ٤) وأنكر أولياؤه من أهل الذمة ذلك، فميراثه لأوليائه من أهل الذمة بحاله وإنه ظاهر، قال: وينبغي للمسلمين أن يغسلوه ويكفنوه ويصلون عليه، وكذلك إن كان محدوداً في قذف يعني المخبر بعد أن يكون عدلاً، قال: وشهادة الفساق من المسلمين على إسلامه لا تقبل ولا يصلى عليه بشهادتهم، قال: ولو شهد على إسلام النصراني رجل وامرأتان من المسلمين، وهو يجحد أجبر على الإسلام ولا تقبل.
ولو شهد عليه رجلان من أهل دينه وهو يجحد فشهادتهما باطلة، قال: لأن في زعمهم أنه مرتد ولا شهادة لأهل الذمة على المرتد، ولو قال الابن المسلم: لم يزل كان مسلمااً وقال النصراني: لم يزل كان نصرانياً، فالقول قول المسلم، لأن كل واحد منهما يدعي ما هو أصل من وجه حادث من وجه، أما الابن المسلم فلأنه يدعي الإسلام
стр. 3858
والإسلام أصل في بني آدم من وجه من حيث إنهم أولاد آدم وحواء وهما كانا مسلمين وحادث من وجه، من حيث إنه علم بالله تعالى ورسله وكتبه والعلم حادث، وأما الابن النصراني فلأنه يدعي الكفر، والكفر أصل من وجه من حيث إنه جهل والجهل أصل في الأدمي حادث من وجه من حيث إن الأصل في الأدمي الإسلام تبعاً لآدم وحواء، فهو معنى قولنا: إن كل واحد منهما يدعي ما هو الأصل من وجه، وما هو حادث من وجه، فاستويا من هذا الوجه وترجح دعوى الابن المسلم لقوة الإسلام وعلوه، فجعلنا القول قول الابن المسلم، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الابن المسلم أيضاً، لأنها تثبت أمرا حادثاً وهو العلم.
ولو أن الابن المسلم، أقام بينة على إسلام الأب قبل موته من المسلمين، لم أقبل ذلك حتى يصفوا الإسلام.
وكذلك إذا أشهد شاهداً ادعى على نصراني حي أنه أسلم لا تقبل شهادتهما حتى يصفوا الإسلام، وهذا لأن الشاهدين عسى لا يعرفان ما يصير الكافر به مسلماً وما يحتاج إليه لدخوله في الإسلام، فإن لذلك شرائط وبعضها خفية، ويحمل ما عندهما غير ما هو عند القاضي، فلا بد من الوصف حتى ينظر القاضي فيه إن كان ذلك يوجب دخوله في الإسلام، يجعله مسلماً ومالا فلا، ألا ترى أنا شرطنا لقبول الشهادة على الزنا أن يفسر الشهود الزنا، لأنهم عسى يعرفون من أنواع الزنا أنه يوجب الحد، ولا يكون كذلك كذا هاهنا.
وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ في آخر «شرح السير» أن الشاهد إذا كان فقيهاً تقبل شهادته من غير أن يصف الإسلام، وإذا كان جاهلاً لا تقبل شهادته ما لم يصف الإسلام.
قال ابن سماعة: قلت لمحمد ﵀: فإن كان الشهود غريم المسلم من المسلمين وقضيت بشهادتهم بحضرة الابن النصراني، ثم جاء الابن المسلم ببينة من أهل الذمة أن الأب مات مسلماً؟ قال محمد ﵀: هو الوارث فيما كان للنصراني الميت من المال، ولا يقضي على الغريم بشيء، لأن الابن المسلم أقام ما هو حجة على الابن النصراني دون الغريم المسلم، والقضاء بحسب الحجة، فيقتصر القضاء على الابن النصراني، واستشهد بما إذا كان البنون ثلاثة: أحدهم مسلم والآخران نصرانيان، فاقتسم النصرانيان الميراث نصفين، ثم أسلم أحد الابنين النصرانيين، ثم أقام الابن المسلم بينة من أهل الذمة أن الأب مات مسلماً، فإني أقضي له على الوارث الذي لم يسلم ولا أقضي له على الذي أسلم، وطريقه ما قلنا.
قال ابن سماعة: قلت لمحمد ﵀: فإذا كان الغريم والابن المسلم أقام كل واحد منهما شاهدين ذميين، قال: إذا جاؤوا معاً فالخصم هو المسلم، لأنه يثبت وارثه بما أقام من البينة، وإنما تقبل بينة الغريم على الوارث، فإذا كان الوارث مسلماً فشهادة أهل الذمة ليست بحجة عليه، فلا يستحق الغريم بها شيئاً.
стр. 3859
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف ﵀ قال في نصراني مات وترك ألف درهم، فأقام مسلم شهوداً من النصارى على ألف درهم له على الميت، وأقام نصراني شاهدين من النصارى على ألف درهم له على الميت، وأقام نصراني شاهدين من النصارى على ألف درهم على الميت، فإنه يدفع الألف المتروك إلى المسلم، ولا يتحاصان فيها عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ﵀: يتحاصان في الألف، وقول محمد كقول أبي حنيفة، وحاصل الخلاف راجع إلى أن بينة الغريم النصراني هل هي مقبولة في هذه الصورة؟ على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: هي غير مقبولة وعلى قول أبي يوسف هي مقبولة، فأبو يوسف يقول: إن هذه شهادة قامت على الميت؛ لأنهم شهدوا بدين على الميت، والميت ذمي فتقبل شهادة أهل الذمة عليه، اقصى ما في الباب أنه إذا قبلت بينته وثبت دينه على الميت بشهادتهم، تضرر به الغريم المسلم، فإنه بخاصة في الألف المتروكة فينتقص حقه حيث لا يصل إليه تمام الأصل، ولكن لا يجوز أن يمتنع قبول الشهادة لأجلها، لأنه إنما يعتبر من قامت عليه الشهادة لا من يتعدى إليه في الجملة، ألا ترى أن شهادة أهل الذمة على الذمي بإعتاق عبده المسلم جائزة، وإن كان يتوهم تعدي الضرر إلى المسلم؟ فإنه تقبل شهادته بعد ذلك على سائر المسلمين، ولم يعتبر ذلك شهادة على المسلم فكذا هذا، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا بأن هذه شهادة قامت على الميت من وجه، وعلى الغريم المسلم من وجه، فتقبل في حق الميت الكافر، ولا تقبل في حق المسلم الغريم، وهذا لأن هذه الشهادة من حيث إنما قامت على أصل الدين، فهي شهادة على الميت، ومن حيث إن الدين بعد الموت إنما يتعلق بالتركة، والتركة مشغولة بدين الغريم المسلم، كانت هذه شهادة على المسلم، فهذه الشهادة حجة على الكافر دون المسلم، فقلنا: بأنه تقبل هذه الشهادة على الميت بثبوت الدين، ولم يظهر ذلك في حق المسلم، حتى لا يزاحمه في التركة، فإذا قضي دين الغريم
المسلم، فإن فضل شيء كان ذلك لأن دينه ثبت على الميت، وليس في ظهوره في حق التركة بعد فراغها عن دين المسلم إبطال حق المسلم، فقبلت بخلاف ما قبل فراغ التركة عن دين المسلم، لأن هناك في إظهاره في التركة إبطال حق المسلم عن التركة بشهادة الكفار، وإنه لا يجوز، قال ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: في نصراني مات وترك ابنين فأسلم أحدهما بعد موت أبيه، ثم إن رجلاً نصرانياً أقام بينته من النصارى أنه ابن الميت النصراني، قال: فإني أقبل بينته على النسب، فأجعله شريك النصراني منهما، ولا أجعله شريك المسلم فيما في يديه، لأن هذه الشهادة تضمنت إثبات النسب من الميت، وإنه مختص بالميت الذمي، فتقبل شهادتهم لإثبات هذا الحكم، وتضمنت استحقاق بعض ما في يد الاثنين؛ لأنه ظهر لهما شريك ثالث، فيكون له حق مشاركتهما وإنه حجة في حق الذي لم يسلم، فيثبت له حق مشاركته، وليست بحجة في حق الذي أسلم، فلا يثبت له حق مشاركته أيّاً ولعذر الحجة في حقه.
وكذلك لو ترك ابنا واحداً نصرانياً، فأسلم بعد موت أبيه، ثم جاء نصراني وادعى أنه ابن الميت وأقام بينة من النصارى، فإني أقضي بنسبه من الميت، لأن النسب أمر يختص الميت، وهذه الشهادة حجة في حقه ولا أعطيه شيئاً مما في يد الابن المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، فلا يجوز استحقاق شيء مما في يد المسلم بشهادتهم.
استشهد بمسألة الغريمين، أحدهما مسلم والآخر ذمي، وأقاما بينة بدين لهما على ميت ذمي من أهل الذمة، أنه يقبل بينتهما في حق المديون الميت وأما في حق المزاحمة فلا تقبل بينة الذمي على المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، وإن خرج للميت النصراني مال فضل على دين المسلم، كان للغريم الذمي، لأن مزاحمة المسلم انقطعت فبقي هذا المال للذمي وهذه البينة حجة في حقه.
وكذلك أمر الابنين الوارثين أحدهما ذمي والآخر مسلم بعد موت المورث إذا لم تكن بينة الذمي حجة على المسلم، وأنهما حجة في حق الميت الذمي الذي ثبت بسبب الذمي من الميت بهذه البينة؛ لأنها حجة في حقه، ولكن لما لم تكن حجة في حق المسلم لم يكن له حق مشاركته.
وكذلك لو ترك ابنا واحداً نصرانياً، فأسلم بعد موت أبيه، ثم جاء نصراني وادعى أنه ابن الميت وأقام بينة من النصارى، فإني أقضي بنسبه من الميت، لأن النسب أمر
стр. 3860
يختص الميت، وهذه الشهادة حجة في حقه ولا أعطيه شيئاً مما في يد الابن المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، فلا يجوز استحقاق شيء مما في يد المسلم بشهادتهم.
استشهد بمسألة الغريمين، أحدهما مسلم والآخر ذمي، وأقاما بينة بدين لهما على ميت ذمي من أهل الذمة، أنه يقبل بينتهما في حق المديون الميت وأما في حق المزاحمة فلا تقبل بينة الذمي على المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، وإن خرج للميت النصراني مال فضل على دين المسلم، كان للغريم الذمي، لأن مزاحمة المسلم انقطعت فبقي هذا المال للذمي وهذه البينة حجة في حقه.
وكذلك أمر الابنين الوارثين أحدهما ذمي والآخر مسلم بعد موت المورث إذا لم تكن بينة الذمي حجة على المسلم، وأنهما حجة في حق الميت الذمي الذي ثبت بسبب الذمي من الميت بهذه البينة؛ لأنها حجة في حقه، ولكن لما لم تكن حجة في حق المسلم لم يكن له حق مشاركته.
فرع على ما إذا كان الابن واحدا
قال: وإن خرج للميت مال كان ذلك كله للمسلم؛ لأن وراثته ثابتة (١٣٧ب٤) مطلقاً ووراثة الذمي غير ثابتة في حق الابن المسلم، فلا يكون له أن يشاركه فيه، قال: فإن مات المسلم ورث أخاه يريد به أن بعدما مات الابن المسلم فميراث الميت الذمي للابن الذمي؛ لأن نسبه لما ثبت من الميت ثبتت وراثته، إلا أنها لم تظهر في حق المسلم لمزاحمته إياه، فإذا مات انقطعت مزاحمته فورث هذا الابن. قال ابن سماعة: إنما لا يكون للابن الذمي حق المزاحمة مع الابن المسلم في هذه المسألة إذا أسلم قبل أن يثبت نسب الابن الذمي، أما لو ثبت نسبه قبل إسلامه بهذه البينة كان له مزاحمة الابن المسلم؛ لأنه حال ما أقام البينة هو في مثل حال ذمي فيقبل بينة أهل الذمة عليه فكان له أن يشاركه، فأما بعدما أسلم لم يثبت حق المشاركة بهذه البينة؛ لأنها ليست بحجة في حقه.
ولو مات مولى النصراني الميت ولم يمت الابن، فإني أجعل ميراثه من المسلم والنصراني. قال ابن سماعة: يعني إذا كان أسلم بعد موته، قال: لأن هذا مال حدث الساعة وليس بمنزلة مال تركه النصراني ميراثاً، أشار إلى ما ذكرنا أن بينة النصراني مقبولة في حق الميت حتى يثبت نسبه منه، وإنما لم يشاركه الابن المسلم فيما قبض؛ لأن هذه البينة ليست بحجة عليه، فبقي ما أخذه الابن المسلم لا يظهر وراثته في حقه حتى لا يكون قضاء على المسلم بشهادة النصراني، فأما فيما سواه فالتركة مبقاة على حكم ملك الميت قبل القسمة على ما عرف في موضعه، فكانت هذه شهادة على الميت وإنما يستحق بها مال الميت، وشهادة أهل الذمة حجة في حقه، وكذلك إنما يرث من مولى النصراني بحكم الولاد أنه ثابت له بهذه البينة، فهذه الشهادة حجة في حقه؛ لأنه ذمي مثله فصلح أن يكون مستحقاً لميراثه بهذه البينة، وهذا استحقاق عليه لا على الابن المسلم لما قلنا، فلهذا كان ميراثه بينهما، وإنما فسره ابن سماعة بأنه أسلم بعد موته؛ لأنه لو كان أسلم قبل موته لا يرث منه لاختلاف دينهما.
стр. 3861
قال في «المنتقى» : وإذا شهد رجل على امرأته مع آخر أنها ارتدت والعياذ بالله، وهي تجحد وتقر بالإسلام فرقت بينهما وجعلت عليه نصف المهر إن لم يكن دخل بها، قال: أقبل شهادة الزوج في الردة، ولا أبرئه عن المهر وأجعل جحودها للردة وإقرارها بالإسلام توبة، ولو شهدا عليه أنها أسلمت وهي تجحد، وأصل دينها كان النصرانية قبلت شهادتهما على الإسلام وأجعل جحودها وبيانها على النصرانية ردة ولا يبرأ من نصف المهر.
وفيه أيضاً: مسلم قال: إن دخل عبدي هذه الدار فهو حر، وقال نصراني: إن دخل هذا العبد هذه الدار فامرأته طالق، فشهد نصرانيين أنه دخلها بعد اليمينين، فإن كان العبد مسلماً لا تقبل هذه الشهادة، لأنهما شهدا على فعل مسلم، وإن كان العبد نصرانياً قبلت الشهادة على طلاق المرأة، ولا تقبل على عتق العبد، وهذا بناء على ما مر أن شهادة النصراني حجة في حق النصارى، وليست بحجة في حق المسلمين.
قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله في النصرانيين شهدا على مسلم ونصراني أنهما قتلا مسلماً عمداً، قال: لا أجوز شهادتهما على المسلم وأدرأ عن النصراني القتل، وأجعل عليه الدية في ماله، أما لا تقبل شهادتهما على المسلم فظاهر، وأما درء القتل عن النصراني؛ لأن القتل واحد ولم يثبت في حق المسلم لقصور الحجة، فتورث الشبهة في حق الكافر والقصاص لا يستوفى مع الشبهات، قال: وأجعل عليه الدية في ماله، لأن الشهادة على قتلهما ليست بشهادة على اشتراكهما في جرح واحد، لكن هذه شهادة على جرح موجود من الكافر، وجرح من المسلم، فإذا شاهدا ظهور الموت عقيب الجرحين كان لهما أن يشهدا عليهما بالقتل، فأقصى ما في الباب: أن الجرح من المسلم لم يثبت لقصور الحجة، ولكنه قد تكاملت الحجة على الكافر، فيثبت جرحه، وظهور الموت عقيبه وتعذر إيجاب القصاص به للشبهة فوجبت الدية، ثم تجب الدية في ماله، لأن المشهود به القتل العمد، والعاقلة لا تعقل العمد.
قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: في مسلم ادعى على مسلم ونصراني ألف درهم من ثمن متاع باعه منهما، وأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه وأقام شاهدين من النصارى عليهما بذلك، قبلت بينته على النصارى ويأخذ منه جميع الألف، ولا يرجع النصراني بذلك على المسلم، وإنما تقبل بينته على النصراني؛ لأن بينته حجة في حقه، ويأخذ منه جميع الألف، النصف بحكم الأصالة لقيام الحجة عليه، والنصف بحكم الكفالة؛ لأن هذه البينة تقتضي ثبوت الألف كلها عليهما، إلا أنها إن لم تعمل في حق المسلم؛ لأنها ليست بحجة عليه، أما هي حجة على الكفيل، فيعمل في حق الكفيل فيثبت المال عل المسلم فيما يرجع إلى استحقاق المطالبة والأخذ من يد الكفيل، وإن كان لا يثبت فيما يرجع إلى استحقاق مطالبة المسلم الأصيل والأخذ من يده.
واستشهد في «الكتاب» فقال: ألا ترى أن رجلاً لو ضمن مالاً على رجل، والمدعى عليه ينكر المال، ولم تقم عليه بينة أن الضمان جائز؟ لأن شرط صحة الضمان
стр. 3862
وجوب المضمون على الأصيل في حق الكفيل وقد وجد؛ لأنه أقر بذلك وإقراره حجة عليه، إن لم (يكن) حجة على الأصيل، فكذا في مسألتنا ظهر وجوب الدين على المسلم في حق النصراني، وإن لم يظهر في حق المسلم لقيام ما هو حجة في حق الكفيل إن لم يكن حجة في حق المسلم الأصيل، فجاز أن يؤاخذ الكفيل بذلك، ثم لا يرجع الكفيل على المسلم، لأن الرجوع عليه من حكم ظهور الاستحقاق في حقه ولم يظهر؛ لأن هذه البينة ليست بحجة عليه.
قال ابن سماعة: عن محمد رحمهما الله: في نصراني اشترى من مسلم عبدا وقبضه وباعه من نصراني آخر، ثم إن المشتري الثاني وجد به عيباً بعدما قبضه، وأقام بينة من النصارى، أن هذا العيب كان به عند المسلم قبل أن يبيعه من النصراني المشترى، كان له أن يرده على بائعه النصراني، وإن كان بائعه لا يقدر على رده على بائعه المسلم بهذه البينة، وبهذه المسألة يحتج أبو يوسف ﵀ في مسألة الاستحقاق التي مرت في أول هذا الفصل، وقال: الشهادة في هذه المسألة لما تضمنت حكمين: الرد على النصراني، وولاية الرد لذلك النصراني على المسلم، وهذه البينة حجة في حق النصراني ليست بحجة في حق المسلم، ثبت حكمه في حق النصراني لقيام الحجة في حق النصراني، وإن امتنع ثبوت حكمه في حق المسلم فكذلك في المسألة المختلفة، ولكن الجواب عنه وهو الفرق أن في هذه المسألة المشهود به العيب وإذا كان مما يحدث مثله لم تكن البينة عليه مقتضية كون العيب ثابتاً من الأصل، ولكنه يليق بقدر ما يحتاج إليه الرد، فلم تكن هذه البينة مستمعة حكماً على البائع المسلم ليمتنع قبولها.
يوضحه: أن هذه البينة لا تثبت حق (الرد) إلا للمشتري الآخر؛ لأن المشتري الأول لا يقدر على رده إلا بعد عود قد تم ملكه إليه ولم يعد إليه بعد، وإذا لم تكن هذه البينة مثبتة حق الرد للمشتري الأول للحال، لم تكن هذه البينة قائمة على البائع المسلم بل هي قائمة على هذا البائع النصراني، وإنها حجة في حقه، فسمعت عليه وأما في المسألة المختلفة، فالمشهود به الملك المطلق، وهو الملك من الأصل، فإذا ظهر بالبينة أن الملك من الأصل للمستحق، ظهر بطلان ملك الباعة كلهم، فكانت قائمة على الباعة جميعاً، فيكون القضاء بها قضاء على جميع الباعة، فيكون قضاء على البائع المسلم، ولهذا لا تقبل بينة واحد من الباعة على الملك المطلق لنفسه، لأنه صار مقضياً عليه، ولهذا كان لكل واحد أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد.
والدليل عليه أنه انفسخ البياعات الواقعة عندهما على ما روى الخصاف ﵀، فثبت أنه قضاء على المسلم البائع، ولا يجوز القضاء على المسلم ببينة أهل الكفر.
ثم استشهد لإيضاح الفرق فقال: ألا ترى أن رجلاً اشترى عبداً فباعه من آخر فاستحقه رجل من يد المشتري، فرجع المشتري بالثمن على بائعه إن لبائعه أن يرجع على بائعه من غير إعادة البينة، وبمثله لو رده المشتري على بائعه بالعيب بالبينة لم يكن لبائعه أن يرده على
стр. 3863
من اشتراه منه حتى يعيد البينة عليه، وهذا إشارة إلى أن ما ذكرنا من الفرق، أن القضاء بالملك المطلق للمستحق قضاء على جميع الباعة، فاستغنى عن إعادة البينة؛ لأن تلك البينة قائمة (١٣٨أ٤) عليه لأنها قامت على من انتصب خصماً منه وهو المشتري بخلاف مسألة العيب، لأن البينة على العيب قائمة على البائع دون بائع البائع؛ لأنه لا يتعدى حكمه إليه للحال كما ذكرنا.
والذي يوضح الفرق أن القضاء بالملك، لما كان قضاء بالملك من الأصل لابد وأن يكون البائع المسلم مقضياً عليه بشهادة الكفار وإنه لا يجوز، وأما شهادة الشهود على أن هذا العيب كان عند البائع المسلم، شهادة أنه كان في يد البائع الكافر الذي اشتراه من المسلم، لأنهم شهدوا ببقاء ذلك العيب إلى هذا الوقت، فقد شهدوا بقيام العيب عند البائع النصراني وشهادتهم حجة عليه، فقبلت وثبت قيام هذا العيب في يده وشهدوا أيضاً بإسناد عيب إلى زمان سابق، وهو حال ما كان في يد المسلم وشهادتهم ليست بحجة عليه، فيثبت قدر ما أمكن إثباته بشهادتهم، وهو كون العيب موجوداً في يد الكافر دون المسلم، وإنه غير مستحيل، ليكون عملاً بقدر الدليل.
قال ابن سماعة: سمعت محمداً ﵀ يقول في المسلم قطع يد النصراني عمداً، وادعى القاطع أنه يعني القاطع عبد لنصراني، وادعى المقطوعة يده أنه حر، فأقام رجل وامرأتين من المسلمين على أنه أعتقه مولاه منذ سنة، قال: أجعله حراً وأقتص منه وهذا لأنه ادعى لنفسه حق استيفاء القصاص من القاطع، ولا يمكنه ذلك إلا بإثبات حرية القاطع، فالقصاص في الأطراف لا يجري بين العبيد ولا بين العبد والحر، وإذا كان لا يمكنه إثبات القصاص إلا بإثبات العتق صار خصماً في حق إثبات العتق، فهذه بينة قامت على خصم فقبلت.
وكذلك العبد لا يمكنه دفع القصاص إلا بإنكار العتق فانتصب خصماً عن مولاه في إنكار العتق، فقامت هذه البينة على خصم فقبلت هذه البينة.
ثم الثابت بهذه البينة في صورة جريان القصاص فكان كاللإحصان في باب الرجم، وأنه يثبت بشهادة رجل وامرأتين عندنا كذا هذا.
وإن أقام المقطوعة يده شاهدين نصرانيين أن مولاه اأعتقه عند شهر وأراد أن يقتص له، فإنه يعتق بهذه الشهادة ولا أقتص من القاطع المسلم بشهادة النصرانيين؛ لأن هذه الشهادة حجة على المولى النصراني، فثبت العتق في حقه بهذه الشهادة، وليست بحجة على القاطع، فلم يظهر العتق في حقه لاستيفاء القصاص منه، وقالوا: ينبغي أن يكون القضاء بالعتق في هذه الصورة قولهما؛ لا قول أبي حنيفة ﵀ فإن أبا حنيفة ﵀، لا يرى قبول الشهادة على عتق العبد بدون دعواه، ولم يوجد هاهنا دعوى العبد فإنه منكر لذلك.
قال: ألا ترى لو أن مسلماً قال: إن طلق فلان النصراني امرأته فعبدي حر فشهد نصرانيان أن فلاناً طلق امرأته بعد هذا القول أني أطلق امرأة النصراني، ولا أعتق عبد
стр. 3864
المسلم؟ لأن الشهادة حجة في حق النصارى دون المسلم، والطلاق منفصل عن العتق فأمكن إثبات أحدهما دون الآخر، فيثبت الطلاق دون العتق ويجعل في حق العين كأن الطلاق غير نازل لعدم الحجة على ظهوره في حق المسلم كذا هذا.٦
قال: ألا ترى أن نصرانياً لو مات وترك ألفاً لا مال له غيره فأقام كل واحد من مسلم ونصراني بينة من النصارى أن له عليه ألفاً، أنه يقضي بها للمسلم ولا يشاركه النصراني، لأن شهادة النصراني حجة على النصراني دون المسلم، فثبت بقدر الحجة فكذا هاهنا قال: ألا ترى أن نصرانياً في يده طيلسان أقام كل واحد من مسلم ونصراني نصرانيين أن النصراني أقر بالطيلسان له، أني أقضي به للمسلم؟ لما قلنا كذا هذا.
ألا ترى أن رجلاً لو شهد عليه ابناه أن لفلان عليه ألف درهم، فقال: إن كان لفلان علي ألف درهم فأمهما طالق، فشهد ابناه بالمال، أني أقضي بالمال ولا أطلق الأم إذا ادعت؟، لأن شهادتهما للأم غير مقبولة، وللأجنبي مقبولة، فتقبل شهادتهما للأجنبي بالمال على وجه لا يظهر في حق أمهما كذا هذا.
وما ذكر محمد ﵀ في ابتداء المسألة أن المقطوعة يده إذا أقام رجلاً وامرأتين من المسلمين على أن المولى أعتقه اقتصصت منه قوله.
وفي «نوادر هشام» : قال: سألت أبا يوسف عن رجل قال: إن اشتريت خمراً فعبدي حر، فشهد رجل وامرأتان أنه قد شرب الخمر، قال: أعتق العبد ولا أحده، ولا فرق بين المسألتين لأن الثابت في المسألتين بهذه البينة في صورة الشرط جريان القصاص، وفي صورة الشرط جريان الحد.
ولو شهد رجل وامرأتان أن لفلان على زوج إحدى المرأتين ألف درهم، وقد كان قال الزوج: إن كان لفلان علي ألف فأنت طالق، فإني أقضي بالمال ولا أطلق المرأة؛ لأنها شهدت لنفسها بوقوع الطلاق، ولأجنبي بالمال فتقبل الشهادة للأجنبي ولم أثبت المال عليه في حق كونه شرطاً لوقوع الطلاق لما ذكرنا من المعنى كذا هذا.
قال في كتاب الرهن: ذمي مات وادعى ذمي بعض متاعه رهناً وأقام بينة من أهل الذمة، وادعى مسلم عليه ديناً، وأقام بينة من المسلمين، أو من أهل الذمة فإني آخذ بينة المسلم فأبدأ بدينه حتى يستوفي المسلم ماله، فإن بقي شيء كان للذمي، وهذا لأن بينة الذمي قامت بالدين على الميت وعلى الغريم المسلم بالمزاحمة، وإنها حجة تامة في حق الميت لأنه كافر، وليست بحجة في حق المسلم، فلم يظهر الدين بهذه البينة في حق المزاحمة للمسلم، وبينة المسلم حجة على الميت والغريم النصراني فكانت أولى، فلهذا يبدأ بدين الميت، ثم قال: ولا يجوز رهن الذمي حتى يستوفي المسلم دينه؛ لأن الحجة على الرهن بشهادة أهل الذمة، وإنها ليست بحجة على المسلم، فلم يثبت الرهن في حقه فكأن أخص به كما في غيره من التركة، فإن كان شهود الذمي مسلمين وشهود المسلم
стр. 3865
ذميين أو مسلمين كان الذمي أحق بالرهن حتى يستوفي دينه، لأن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على الميت وعلى صاحبه فقبلت بينتهما، وثبت ببينة الذمي اختصاص الذمي بالرهن، ولم يعرف مثل هذا الاختصاص للمسلم به فصار الذمي أولى بالرهن من هذا الوجه.
قال في «المنتقى» : عبد باعه نصراني من نصراني، ثم باعه المشتري من نصراني آخر ثم وثم، حتى تداولته عشرة أيد من الباعة كلهم نصارى، ثم أسلم واحد منهم، ثم ادعى العبد أنه حر الأصل وأقام على ذلك شهوداً من النصارى، قال زفر ﵀: لا تقبل بينته سواء أسلم أولهم أو آخرهم أو أوسطهم حتى يقيم بينة من المسلمين، وقال أبو يوسف ﵀: إن كان المشتري الآخر هو الذي أسلم لم تقبل بينته، وإن كان غيره أسلم قضي بعتقه، ويرادون الثمن فيما بينهم حتى ينتهوا إلى المسلم، فلا يؤمر برد الثمن ولا من قبله من الباعة، فإن كان العبد أقام البينة على الإعتاق فإن أقام بينة أن البائع الأول قد أعتقه وقد أسلم الأول والشهود نصارى لا أقبل بينته، وكذلك إن كان الأوسط هو الذي أسلم لا تقبل بينته على عتق الأوسط وعلى عتق من بعده، وتقبل بينته على عتق من قبله وهذا قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: أي الباعة أقام عليه البينة من النصارى أنه أعتقه، الذي قبل المسلم والذي بعده سواء تقبل شهادته وقضى بعتقه إلا أن تقوم البينة على المسلم فلا تقبل، وإذا أقام على غيره يتراجعون حتى ينتهوا إلى المسلم فلا يرجع عليه ولا على من قبله إلا أن يقر بذلك، ويترادون بالثمن حتى ينتهوا إلى الذي أعتقه.
قال محمد ﵀ في كتاب الحوالة والكفالة: إذا ادعى مسلم على كافر مالاً، وادعى ضمان مسلم عنه، وأقام بينة من أهل الكفر بأصل المال وبكفالة المسلم عنه، فإن المال ثبت في حق الأصيل، ولا يثبت في حق الكفيل؛ لأن شهادة أهل الذمة حجة في حق الأصيل؛ لأنه ذمي وليس بحجة في حق الكفيل لأنه مسلم، فصار في حق الكفيل كأنه لم يقم البينة أصلاً وإنما وجد في حقه مجرد الدعوى.
ولو أن رجلاً مسلماً كفل لكافر عن كافر بألف درهم، فقال الكافر الذي عليه الأصل: لم آمره أن يضمن عني، فجاء المسلم بشاهدين من أهل الكفر (١٣٨ب٤) أنه قد أمر بالضمان، وأقر الطالب أنه قد استوفى منه المال كان (له) أن يرجع عليه؛ لأن شهادة الذمي حجة على الذمي كشهادة المسلم، ولو شهد بذلك الأمر شاهدان مسلمان، وأقر الطالب أنه استوفى رجع الكفيل بذلك على الذي عليه الأصل فكذلك هذا.
قال: وإذا ادعى رجل مسلم على رجل مسلم مالاً وجحده المطلوب، وادعى الطالب كفالة رجل من أهل الذمة بالمال بأمره وجحد الكفيل ذلك، فشهد رجلان من أهل الذمة على ذلك، فإنه لا يجوز على المسلم شيء من ذلك، ويجوز على الذمي حتى يؤخذ الكفيل بالمال، وإذا أدى لا يرجع على الأصيل، هكذا ذكر في عامة روايات هذا الكتاب، وذكر في بعض روايات هذا الكتاب، وقال: لا تقبل الشهادة أصلاً، وجه ما
стр. 3866
ذكر في بعض روايات هذا الكتاب وهو أن الكفيل يتحمل عن الأصيل ولا يلزم الأصيل شيء بهذه الشهادة فلا يلزم الكفيل، وجه ما ذكر في بعض الروايات: أن شهادة أهل الذمة حجة في حق الذمي الكفيل وليس بحجة في حق الأصيل، فيثبت بهذه الشهادة المال على الأصيل في حق الكفيل، وإن كان لا يثبت في حق الأصيل نفسه، ويجوز أن يعتبر الدين واجباً في حق الكفيل، ولا يعتبر في حق الأصيل كمن قال: لك على فلان ألف درهم فكفلت لك عنه، وأنكر الأصيل أخذ الكفيل به ولم يؤاخذ به الأصيل فكذلك هذا.
وإذا كان الصك عليهما فكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه بجميع المال بشهادة أهل الذمة وهما يجحدان، فإن الذمي يؤخذ بالمال كله ولا يؤخذ المسلم، وإذا أدي لا يرجع على المسلم وقد مرت المسألة من قبل، وإذا كفل مسلم بنفس ذمي أو بمال عليه لمسلم أو لذمي وشهد عليه أهل الذمة فإن جحد المسلم الكفالة لم يجز ذلك عليه؛ لأن شهادة أهل الذمة ليست بحجة على المسلم، وإن أقر بها جاز ذلك عليه لإقراره، فإن أدى المال وشهد شهود من أهل الذمة أنه كفل بأمره، رجع به لأن شهادة أهل الذمة حجة على الذمي، وفي إثبات الأمر قامت على ذمي لمسلم فقبلت.
قال ابن سماعة: عن محمد رحمهما الله في رجل مسلم أذن لعبده النصراني في التجارة فشهد عليه نصرانيان أنه اشترى متاعاً بألف درهم، جاز وقد مرت المسألة من قبل.
ولو شهد نصرانيان عليه أنه قتل هذا الرجل أو فرسه، لا تجوز شهادتهما على قتل الرجل ويجوز على قتل الفرس، لأن ضمان استهلاك الفرس يلزم العبد فكان هو الخصم، والشهادة إنما تقوم حجة عليه وهو كافر، فصح ولزم، وأما حكم القتل وهو وجوب القصاص إن كان عمداً وإن كان خطأ، فالتخيير بين الدفع والفداء، إنما يلزم المولى باعتبار أنه تلف بمال نفسه في القصاص، ويستحق عليه دفع العبد الذي هو ملكه في الخطأ، وعلى كلا الوجهين، هذه الشهادة قامت على المولى وهو المسلم، فلا تقبل شهادتهما عليه فهذا عندهما، فأما عند أبي يوسف ﵀، تقبل البينة عليه في القصاص دون المال في الخطأ.
قال محمد ﵀: وأصل ذلك أن كل شيء أجزت إقراره فيه لو أقر به أجري عليه شهادة أهل ذمته إذا أنكره؛ لأن مولاه أذن له في ذلك وإقراره فيه جارٍ، وبيانه: أن إقرار الإنسان إنما يصح على نفسه لا على غيره، وإذا صححنا إقراره علم أن المقر به بحصته، ولا يتعدى بسببه شيء إلى غيره؛ إذ لو كان كذلك لامتنع صحة الإقرار لمكان ذلك الغير، فلما جاز إقراره في ضمان المبايعة وضمان استهلاك الفرس علم أن هذا حكم بحصته، فإذا أنكر وقامت عليه البينة بذلك من أهل الكفر، فهذه شهادة قامت عليه لا على المسلم فقبلت، وما لا يصح إقراره فيه علم أنه حق غيره، فإذا أنكر لا يمكن إثباته إلا على ذلك الخصم.
قال: ألا ترى لو أن رجلاً أمر هذا العبد وهو محجور عليه أن يشتري له عبد فلان
стр. 3867
بثمن مسمى، فأذن له المولى في ذلك فاشترى منه إنه جائز؟ لأن العبد من أهل الشراء لأنه كلام وهو من أهل الكلام الصحيح وإنما امتنع نفاذ تصرفه لضرر يلحق المولى، فإذا رضي له بعد ذلك، فإن جحد أن يكون اشتراه فشهدت عليه بينة من النصارى أنه اشتراه جازت شهادتهم، لأن هذه شهادة على العبد وهو كافر، والضرر الذي يلحق المولى من جهة العبد قد وصى بذلك حين أذن له.
قال: عبد أو صبي مأذون له في التجارة شهد عليه ذميان بغصب أو وديعة أو بضاعة أو مضاربة استهلكها أو جحدها أو شهدا بإقراره بذلك أو شهدا عليه ببيع أو شراء، أو قرض، أو رهن وهو يجحد فإنه لا يخلو، إما أن كان المشهود عليه مسلماً والآذن وهو المولى أو الوصي كافراً، أو كان الآذن مسلماً أو المشهود عليه كافراً فان كان المشهود عليه مسلما لا تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادة عليه دون الآذن وهو مسلم، ولا شهادة للكافر على المسلم، وإن كان المشهود عليه كافراً تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادة عليه دون الآذن، وإنه كافر فيقبل شهادتهما، ولا يمنع قبول هذه الشهادة لمكان ضرر المولى؛ لأنه قد رضي به حين أذن، ألا ترى أنه جاز إقراره على نفسه بذلك وإن لحق المولى ضرر لما ذكرنا.
ثم إذا قبلت هذه الشهادة فظهر عليه الدين تباع رقبته فيه، لأن الدين إنما يجب في ذمة العبد شاغلاً بالبينة، فإن باع العبد بألف درهم وأوفى الغريم دينه وهو ألف درهم ثم أقام مسلم شاهدين مسلمين أن له على العبد ألف درهم دين قبل أن يباع، فإنه يأخذ الألف من الغريم الذي كان قضاه ويدفعه إلى هذا المسلم، لأن شهادة شهود الغريم المسلم حجة على العبد والغريم الأول وشهادة شهود الغريم الأول ليست بحجة في حق الغريم المسلم لأنهم كفار، فلم يكن له أن يزاحمه فكان المسلم أولى به، ألا ترى أنه لو حضر وأقام شهوده قبل القضاء كان مقدماً عليه فكذلك بعده فصار هذا كالمقضي عليه بالملك المطلق لو أقام بنية على التاج رد عليه لأنه لو أقامها قبل القضاء قضي له، فكذلك بعده كذا هذا.
ولو كان شهود الغريم الأول مسلمين، والغريم الأول كافر ثم أقام مسلم أو كافر كافرين أنه كان له على العبد ألف درهم اشتركا فيه؛ لأن شهادة كل فريق حجة على الفريق الآخر، فاستويا في الاستحقاق فيشتركان في الألف ويكون بينهما نصفين، ألا ترى أن الغريم الثاني لو أقام شهوده قبل القضاء اشتركا فيه؟ فكذلك بعده.
قال: ألا ترى أن كافراً لو هلك فأسلم وارثه فأقام كافر مسلمين أن له على الميت ألف درهم فإن القاضي يقضي بالألف له قضاء من دينه، فإن قضى له بذلك، ثم إن مسلماً أو كافراً أقام كافرين أن له على الميت ألف درهم إن الغريم الثاني يشارك الغريم الأول على قدر دينهما؛ لأن هذه البينة قامت على الميت وإنه كافر فيقبل شهادة أهل الكفر عليه كما تقبل شهادة المسلمين، والغريمان كافران وشهادة أهل الكفر عليهما حجة كشهادة المسلمين، ولم تعتبر الشهادة الثانية قائمة على الابن إذ لو اعتبرت قائمة على الابن لما
стр. 3868
قبلت، لأن الابن مسلم إنما لم يفعل كذلك؛ لأن الغريم الأول لما استحق ألف بما هو حجة على الابن المسلم خرجت تلك الألف من أن تكون لذلك الابن فيه حق، فكان هذا استحقاقاً على الغريم لا على الابن، والغريم كافر فتقبل هذه الشهادة عليه.
فإن أذن المسلم لعبده الذمي في التجارة، فادعى عليه مسلمان كل واحد منهما ألفاً وأقام أحدهما مسلمين والآخر ذميين، فإن القاضي يقضي بالدين كله؛ لأن هذا قضاء على العبد وإنه كافر وقد أقام كل واحد منهما ما هو حجة عليه، ولكنه يبدأ فيوفي الذي شهد له المسلمان؛ لأن شهادة شهود المسلمين حجة على العبد وعلى صاحبه، وشهادة شهود صاحبه ليست بحجة عليه، لأنه مسلم وهو كافر، فلم (يجب أداء) دين صاحبه في حق مزاحمته، فإن فضل شيء كان للذي شهد له الكافر لأنه ثبت دينه على العبد فيستوفيه منه، فإن صدق العبد للذي شهد له الكافران اشتركا (١٣٩أ٤) فيه؛ لأنه سقط حكم شهادة الكافرين؛ لأن شرط قبول الشهادة الإنكار من الخصم وقد انعدم وثبت الدين له على العبد بإقراره، وما يثبت بإقرار العبد في حالة الإذن والصحة مساو للدين الثابت بالبينة فلهذا اشتركا.
وكذلك إن كان الذي شهد له الكافران مسلماً، والذي شهد له المسلمان كافراً، لأن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على صاحبه، فاستويا فاشتركا.
ولو أقام مسلم مسلمين بألف درهم على العبد، وأقام ذمي مسلمين أيضا بألف درهم، وأقام ذمي ذميين أيضا بألف درهم، فإن القاضي يقضي بدينهم على العبد فيباع العبد وما في يديه، فيعطى المسلم والذمي الذي شهد له المسلمان كل واحد منهما نصف ذلك، وإنما قضى القاضي بدينهم على العبد؛ لأن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على العبد، فوجب القضاء بها عليه إذ لا تنافي في الوجوب عليه فلا تقع المزاحمة، وإذا آل الأمر إلى الاستيفاء ووقعت المزاحمة وبيع العبد وما في يده ولم يف ذلك بالديون يقدم دين المسلم والذمي الذي شهد له شاهدان مسلمان، لأن ما أقام الذمي الآخر ليس بحجة في حق المسلم، فلم يظهر دينه في حق المسلم فلا يشاركه، والذمي الذي أقام مسلمين مع المسلم، أقام كل واحد منهما ما هو حجة في حقه، فقسم ثمن العبد وما في يده بينهما، ثم الذي شهد له الكافران يرجع على الذمي الذي شهد له المسلمان، فيأخذ نصف ما في يده، لأن دين المسلم يثبت بما هو حجة في حق هذا الذمي، ودين هذا الذمي ثبت بما ليس بحجة في حق هذا المسلم، فأي شيء يكون من ثمن العبد لا يكون لهذا الذمي حق المشاركة فيه معه، كان ينبغي أن يأخذ جميع ما في يده؛ لأن جميع ما في يده ثمن العبد وحق المسلم في ثمن العبد يقدم على حق الذمي، إلا أنه لا يأخذ جميع ذلك؛ لأنه أخذ كان للذمي الذي شهد له مسلمان أن يأخذ منه نصفه لأنه يساويه في ثمن العبد فلا يفيد أخذ الكل، أما إذا أخذ المسلم نصف ذلك لا يكون للذمي الذي شهد له مسلمان أن يأخذ شيئاً، لأن من حجة المسلم أن يقول: حصتك مما كان في يد هذا الذمي باق في يده ولا سبيل لك عليه.
стр. 3869
ولو كان أحد الغرماء كافراً شهد له مسلمان، والآخران مسلمان شهد لأحد المسلمين مسلمان، وللمسلم الآخر كافران، فإن ثمن العبد يقسم بين المسلم الذي شهد له مسلمان وبين الكافر نصفين لاستوائهما، فإن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على صاحبه، ثم يدخل المسلم الذي شهد له الكافران على الكافر، فيأخذ منه نصف ما في يده، لأن حجة كل واحد منهما حجة على صاحبه فيستويان في الاستحقاق.
ولو كان العبد مسلماً والمولى كافراً وأحد غريمي العبد مسلم شهد له كافران والغريم الآخر كافر شهد له مسلمان، فإنه يقضي للكافر دون المسلم لأن الكافر أقام ما هو حجة على العبد؛ لأن العبد مسلم وشهود الكافر مسلمون، والمسلم أقام ما ليس بحجة على العبد؛ لأن شهود المسلم كافران وليس للمسلم أن يشارك الكافر ويقول: شهودي حجة عليك كما فيما تقدم من المسائل؛ لأن المشاركة إنما تكون بعد ثبوت أصل الدين، وفي المسألة المتقدمة أصل الدين ثابت على العبد لأنه كافر وشهادة الكفار على الكافر حجة وفي هذه المسألة أصل الدين غير ثابت لأن العبد مسلم وشهادة الكفار على المسلم ليست بحجة.
ولو كان العبد مسلماً محجوراً عليه والمولى كافراً كان بمنزلة ما وصفت، يعني لا تقبل شهادة الكافر على العبد فيقضي للكافر الذي شهد له مسلمان ولا يقضي للمسلم الذي شهد له كافران، وهذا يشكل لأن المولى في العبد المحجور عليه هو المقضي عليه والضرر راجع عليه والمولى كافر فيكون شهادة الكفار حجة عليه ولكن الوجه في ذلك أن هذه الشهادة على إثبات فعل المسلم لا تقبل وقد مر هذا.
ولو كان العبد المحجور كافراً والمولى مسلماً فأقام مسلم ذميين على العبد بغصب ألف درهم، وأقام ذمي مسلمين عليه بغصب ألف درهم، فإن القاضي يقضي بثمن العبد للذمي؛ لأن الذمي أقام ما هو حجة على العبد وعلى المولى، فأما المسلم أقام ما ليس بحجة على المولى، والمقضي عليه في المحجور هو المولى.
قال: ثم إذا قبض الكافر دينه يشاركه المسلم فيما قبض؛ لأن أصل دينه قد ثبت على العبد، لأن شهوده حجة على العبد وعلى شريكه الذمي، فيثبت له حق المشاركة مع الذمي، لأن أصل دينه لم يثبت، لأن الخصم فيه المولى، وهو مسلم وصار هذا نظير العبد المأذون المسلم إذا شهد عليه كافران لمسلم بدين ألف درهم، وشهد عليه مسلمان لكافر بدين ألف وقضى القاضي بدين الكافر، وإذا قبض الكافر دينه فليس للمسلم أن يشاركه فيما يقبض؛ لأن دين المسلم لم يثبت، لأن العبد مسلم وشهود المسلم كفار.
والجواب عن هذا الطعن وهو الفرق بين المسألتين: أن في تلك المسألة العبد مسلم وشهود المسلم كفار، وشهادة الكافر ليست بحجة على المسلم، فلم يثبت دون المسلم على العبد، ولم يستحق المسلم شيئاً من كسبه، فلا يثبت للمسلم حق المشاركة في الكسب إنما يثبت بعد استحقاق الكسب بناء على ثبوت الدين على العبد، أما هاهنا العبد كافر، فأمكن القول بثبوت الدين على العبد، إلا أنه لا يقضى للمسلم بالمشاركة في
стр. 3870
الابتداء؛ لأن في الابتداء الاستحقاق على المولى، ودين المسلم لم يثبت على العبد في حق المولى، لأن المولى مسلم وشهود الغريم المسلم كفار، فإذا قضينا بدين الكافر وخلص ثمن العبد للكافر والمشاركة في هذه الحالة تقع استحقاقاً على الكافر.
قال: مسلم أو حربي أو ذمي أذن لعبده الذي ليس بمسلم في التجارة، فشهد عليه مسلمان لمسلم بدين، وذميان لمسلم بدين، وحربيان مستأمنان لمسلم بدين، فإن شهادة الحربيين لا تقبل.
أما إذا كان المولى مسلماً أو ذمياً، لأن العبد ذمي في هذه الصورة، لأنه بقي في دارنا على التأبيد تبعاً لمولاه، وهذه الشهادة على العبد، وشهادة أهل الحرب على الذمي لا تقبل.
وأما إذا كان المولى حربياً مستأمناً، فلأن المسألة متصورة فيما إذا اشترى الحربي عبداً في دار الإسلام، والحربي المستأمن لا يمكن من إدخال رقيق اشتراهم في دار الإسلام دار الحرب، بل يبقى في دارنا على التأبيد ويصير ذمياً، ولكن يقضى عليه بشهادة المسلمين والذميين، لأن شهادتهم حجة على العبد وعلى الغريم الآخر، وشهادة الغريم الآخر إن كانت حجة على العبد فهي ليست بحجة على الآخر، ثم يبدأ بدين المسلم الذي شهد له مسلمان، لأن شهادة شهوده حجة على العبد وعلى المسلم الآخر، وشهادة شهود المسلم الآخر ليست بحجة على هذا المسلم.
ولو كان العبد ومولاه حربيين قضي بدينهم جملة، يريد به: إذا دخل الحربي دار الإسلام ومعه عبد حربي استأمن على نفسه وعلى العبد، والعبد يكون حربياً في هذه الصورة مثل المولى، ألا ترى أن المولى عن من إدخاله دار الحرب؟ وشهادة الحربي حجة على الحربي، كما أن شهادة المسلم والذمي حجة عليه، ولكن يبدأ بدين المسلم الذي ثبت بشهادة المسلمين؛ لأن شهادة شهوده حجة على العبد وعلى الغريمين الآخرين، وشهادة شهود الغريمين الآخرين إن كانت حجة على العبد فليست بحجة على هذا المسلم، فلم يثبت دين الغريمين الآخرين في حق هذا المسلم، فلهذا بدأ بدينه.
كافران شهدا على كافر بدين أو وديعة أو طلاق أو إعتاق فأنفذ القضاء ذلك، ثم أسلم المشهود عليه، فإني أجيز ذلك، ولا أرده لأن القضاء قد تم لاستجماع شرائطه، وقيام حجة القضاء، وهي الشهادة، فإن شهادة الكافر حجة القضاء على الكافر، وإنه كان كافراً وقت القضاء فيلزمه ذلك بشهادتهم، وبإسلامه من بعده يظهر أن تلك الشهادة لم تكن حجة عليه فلا يظهر بطلان القضاء.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : نصراني مات فجاءت امرأته مسلمة، فقالت: أسلمت بعد موته ولي الميراث، وقالت الورثة: لا بل أسلمت قبل موته، فالقول قول الورثة، لأن المرأة ادعت ما هو حادث من كل وجه، لأن الإسلام بعد الكفر حادث من كل وجه، فكانت مدعية فلا يقبل قولها إلا بحجة.l
فإن قيل: لماذا لا تترجح دعواها بسبب الإسلام؟ قلنا: الإسلام إنما يعتبر ترجيحاً
стр. 3871
حالة المساواة في الدعوى ولا مساواة هاهنا.
فإن قيل: إذا كان الإسلام بعد الكفر حادثاً من كل وجه، والأصل في الحوادث أن يحال لحدوثها على أقرب الأوقات وأقرب الأوقات ما بعد موت الزوج يجب أن يجعل القول قولها لتمسكها بما هو الأصل، قلنا: هذا الأصل معارض بأصل آخر، فإن الأصل أن يجعل القول قول من يشهد له الظاهر، والظاهر شاهد للوارث، فإنها مسلمة للحال، والحال حكم في التعرف عما مضى في الدفع دون الإلزام كما في مسألة الطاحونة، فالحال يشهد للورثة وفي اعتبار الحال دفع الميراث لا إبطال شيء أو إلزام شيء على الغير، فوقعت المعارضة بين الأصلين فتساقطا، بقي ما ذكرنا وهو (١٣٩ب٤) دعواها أمراً حادثاً من كل وجه خالياً عن المعارض فلا يقبل قولها إلا بحجة.
ولو مات المسلم وله امرأة نصرانية، فتقول وهي مسلمة وقت الخصومة: أسلمت قبل موته، وقالت الورثة: لا بل أسلمت بعد موته، فالقول قول الورثة أيضاً لما ذكرنا: أنها تدعي أمراً حادثاً من كل وجه.
فإن قيل: ينبغي أن يجعل الحال حكماً في معرفة حكم ما مضى كما في المسألة المتقدمة، وهي مسلمة في الحال فيحكم بإسلامها فيما مضى، قلنا: الحال حكم ظاهر في الدلالة على الماضي، وليست بدليل قطعي والظاهر يصلح حجة للدفع، لا لإثبات شيء لم يكن، والورثة هم الدافعون في المسألتين جميعاً أما في المسألة الأولى فظاهر، وأما في المسألة الثانية فلأنهم ينكرون إسلامها فيما مضى لدفع الميراث تحقق أن سبب الحرمان ظهر في الفصلين وهو اختلاف الدين فهي تدعي الوراثة بعد ظهور سبب الحرمان بدعوى أمر حادث من كل وجه، والورثة ينكرون ذلك فكان القول قولهم.
قال في «الأصل» : وإذا مات الرجل وترك ابنين مسلمين، فقال أحدهما: مات أبي مسلماً وقد كنت مسلماً أسلمت حال حياة الأب، فقال الآخر: صدقت وقد كنت أيضاً مسلماً أسلمت حال حياة الأب وكذبه الابن المتفق على إسلامه وقال: إنما أسلمت بعد موت الأب، فإن الميراث للابن المتفق على إسلامه؛ لأن وراثة الابن المتفق على إسلامه ثابت باتفاقهما، فإنهما يصدقان على موت الأب مسلماً وعلى إسلامه قبل موت أبيه.
وعلى الآخر البينة وذلك لأن الآخر ادعى أنه أسلم قبل موت أبيه، والابن المتفق عليه يقول: أسلمت بعد موت الأب، والإسلام أمر حادث من كل وجه، بعدما اتفقا على الكفر، والأصل في الحوادث أنه يحكم بحدوثها لأقرب ما ظهر، والابن المتفق على إسلامه بدعوى حدوث الإسلام لأقرب ما ظهر متمسك بما هو الأصل في الحوادث، فيكون منكراً والآخر مدعياً فكان عليه البينة ولا يحكم الحال.
وإن وقع الاختلاف في إسلام الابن المختلف فيه فيما مضى وهو مسلم للحال، فالحال يدل على ما مضى إذا لم يعرف حدوثه للحال، بخلاف مسألة الطاحونة، ووجه الفرق بينهما وهو: أن تحكيم الحال إنما يجوز لإثبات ما مضى إذا كان ما ثبت في الماضي ثابتاً للحال، لأن الحال يدل على الماضي إذا لم يعرف حدوثه للحال فأما إذا لم
стр. 3872
يكن ثابتاً للحال لا يجعل حكماً على ما مضى، ألا ترى أن في مسألة الطاحونة لو اتفقا على انقطاع في بعض مدة الإجارة واختلفا في مقداره، فإن قال المستأجر: كان الماء منقطعاً شهرين، وقال صاحب الطاحونة: لا بل انقطع شهراً، فإنه لا يحكم الحال ولكن القول قول المستأجر مع يمينه، لأنهما اختلفا في مقدار مدة الانقطاع، ومقدار مدة الانقطاع للحال غير ثابت إنما الثابت للحال نفس الانقطاع إن كان الماء للحال منقطعاً لا انقطاع، مقدار شهر أو شهرين، وكذلك إن كان القيام هو الحرمان، وفي مسألتنا حاصل الخلاف وقع في مقدار مدة الإسلام لا في نفس الإسلام إنه كان أو لم يكن، والثابت في الحال نفس الإسلام لا إسلام مقدر بقدر شهر أو شهرين، بخلاف ما لو اختلفا في انقطاع الماء، ادعى المستأجر انقطاعه وأنكر صاحب الطاحونة، وذلك لأن الاختلاف وقع في نفس الانقطاع فيما مضى لا في مقداره، ونفس الانقطاع للحال يدل على ثبوته فيما مضى، إذا لم يحدث للحال معاينة، فوجب تحكيم الحال على ما مضى.
وإذا كانت الدار في يدي ذمي، فادعى رجل مسلم أن أباه مات وتركها ميراثاً له لا يعلمون له وارثاً غيره، وأقام بينة على ذلك من أهل الذمة، وادعى ذمي فيها مثل ذلك، وأقام بينة من أهل الذمة، فإنه يقضي بها للمسلم، وذلك لأن بينة المسلم حجة على ذي اليد وعلى من ينازعه وهو الذمي الخارج، وبينة الذمي إن كانت حجة على ذي اليد؛ لأن ذا اليد ذمي، فليس بحجة على المسلم الخارج، وكما يصير ذو اليد مقضياً عليه ببينة كل واحد من المدعين، فكل واحد من المدعيين الخارجين يصير مقضياً عليه في النصف من جهة صاحبه، ولهذا قالوا: لو ادعى أحد المدعيين النصف الذي قضي به لصاحبه، وأراد أن يقيم البينة على ذلك لا يسمع ما لم يدع تلقي الملك من جهة المدعيين، وإذا لم تكن هذه البينة حجة في حق الاستحقاق على المسلم، صار وجود مدة البينة في حق المسلم وعدمه بمنزلة، ولو عدم بينة الذمي أصلاً كان يقضي بجميع الدار للمسلم فكذا هذا، ولو كانت بينة الذمي مسلمين قضيت بالدار بينهما نصفان.
فرق بين هذا وبينما إذا مات الرجل وترك ابنين أحدهما مسلم والآخر ذمي، أقام كل واحد من الابنين بينة أن أباه مات على دينه، كانت بينة المسلم أولى، ولم تترجح بينة المسلم منهما، وذلك لأن في تلك المسألة البينتان إنما قامتا لإثبات إسلام الميت وكفره، وقد استويا في الإثبات من الوجه الذي ذكرنا، ويرجح ما يوجب الإسلام على ما يوجب الكفر على ما مر، فأما هاهنا البينتان قامتا لإثبات الملك لا لإثبات الإسلام والكفر، فإن ذلك ثابت باتفاق الخصمين، إلا أن أحدهما يثبت الملك للمسلم، والآخر للكافر، ولم يوجد ما يوجب ترجيح بينة المسلم في حق إثبات الملك له، فإن الكافر في تملك الأموال والمسلم سواء، ألا ترى أنهما لو أخذا صيداً أو اشتريا مالاً كان بينهما نصفين؟ فلهذا يقضى بينهما نصفين.
وإذا مات الرجل وترك داراً فقال ابن الميت وهو مسلم: مات أبي وهو مسلم وترك هذه الدار ميراثاً لي، وجاء أخ الميت وهو ذمي فقال: مات أخي وهو كافر على ديني
стр. 3873
وابنه هذا مسلم، فالقول قول الابن وله الميراث، وذلك لأن مدعي الكفر لو كان مساوياً للمسلم في الدعوى وسبب الاستحقاق، بأن كان ابناً كان القول قول المسلم بسبب الإسلام، فإذا كان دونه في سبب الاستحقاق أولى أن يكون القول قول المسلم.
ولو أقاما جميعاً على مقالتهما بينة أخذت بينة المسلم؛ لأن المدعي بكفر الميت لو كان مساوياً لمدعي الإسلام في الاستحقاق، بأن كان ابناً كانت بينة المسلم أولى، فإذا لم يكن مساوياً له في الاستحقاق أولى أن تكون البينة بينته.
ولو أقام الأخ بينة من أهل الذمة على ما قال ولم يقم الابن البينة لم أجز بينة الأخ ليست بحجة على الابن، لأنه مسلم ولا شهادة للكافر على المسلم، فصار وجودها وعدمها بمنزلة، فأما إذا أقام الأخ مسلمين على ما ادعى من كفر الميت الآن يقضى بالميراث للأخ؛ لأن سبب الحرمان يثبت في حق الابن وهو كفر الميت؛ لأن الأخ أقام البينة على الكفر ولم يقم الابن بينة إنما له مجرد الدعوى ولا عبرة للدعوى بمقابلة البينة، وكان بمنزلة ما لو أقام الأخ البينة أن الابن قتل الأب والابن يقول: لم أقتل كان الميراث للأخ، بخلاف ما لو أقام البينة ولم يقم لهما بينة، لأن هناك الموجود مجرد الدعوى من الجانبين أو الدعوى مع البينة، ولا مساواة بين الدعوتين، وسبب الاستحقاق وحالة المسلم منهما أولى فحال عدم المساواة أولى أن يكون أولى.
وإذا كانت الدار ميراثاً في يدي ورثة فقالت امرأة الميت وهي مسلمة: زوجي كان على ديني في الأصل ومات وهو مسلم، وقال أولاده وهم كفار: بل مات أبونا وهو كافر وللميت أخ مسلم، فإن القول قول المرأة وذلك لأن المرأة ساوت الأولاد في الدعوى وسبب الاستحقاق، وعند الاستواء في الدعوى وسبب الاستحقاق يترجح قول المسلم منهما بسبب الإسلام، كما (لو) كان للميت ابنان وأحدهما مسلم يدعي إسلامه والآخر كافر يدعي كفره وإنما قلنا: استويا في الدعوى، لأن كل واحد منهما تمسك بما هو ثابت في الأصل من وجه وبما هو حادث من وجه، فاستويا في الدعوى والإنكار، وإنما قلنا: استويا في سبب الاستحقاق؛ لأن الزوجية سبب استحقاق الإرث كالولاد، ألا ترى أن المرأة تستحق الميراث على كل حال لا تحجب بوارث آخر كالولد إلا أن الولد يستحق الأكثر والمرأة الأقل؟ إلا أن العبرة لاستوائهما في أصل الاستحقاق لا في مقدار المستحق، ألا ترى أن المدعي لإسلام الميت لو كانت ابنته مسلمة والمدعي للكفر ابناً كافراً، كان القول قول الابنة لأنها ساوته في الدعوى والإنكار، وفي أصل الاستحقاق إن لم تساوه في قدر الاستحقاق فكذلك هذا، وإذا جعلنا القول قول المرأة يثبت إسلام الميت بقولها، فكان كالثابت بالبينة ولو ثبت بالبينة كان ما بقي بعد فرض المرأة للأخ لا للولد، فكذلك إذا ثبت بقولها.
ولو لم يكن له امرأة وكان له ابن كافر وأخ مسلم، فقال الأخ المسلم: مات على ديني، وقال الابن: لا بل مات كافراً، فإن القول قول الابن ولم يترجح قول الأخ بسبب الإسلام، وقد استويا في الدعوى فإن كل واحد منهما ادعى ما هو ثابت في الأصل من
стр. 3874
وجه وما هو حادث من وجه، وفي مسألة الزوجة مع الولد، وفي مسألة الابنين لما استويا في الدعوى والإنكار يرجح قول المسلم (١٤٠أ٤) منهما بسبب الإسلام، ووجه الفرق بينهما: أن في مسألة الابنين إنما اعتبرنا الإسلام مرجحاً لأنهما استويا في الدعوى والإنكار وفي سبب الاستحقاق أيضاً، فإن سبب الاستحقاق لكل واحد منهما البنوة، فرجحنا قول أحدهما بسبب الإسلام، والابن والأخ إن استويا في الدعوى والإنكار لم يستويا في سبب الاستحقاق، فإن سبب الاستحقاق للابن البنوة وسبب الاستحقاق للأخ الأخوة ولا مساواة بينهما في الاستحقاق، فإن الابن لا يحجب بأحد والأخ يحجب بالابن، ولما لم يستويا في الدعوى وسبب الاستحقاق لم يمكن أن يعتبر للإسلام ترجيحاً، وكان كالولد الحادث بين أبوين كافرين وله جد مسلم، فإنه لا يحكم بإسلامه تبعاً للجد، لأنه لا مساواة بين الجد والأبوين في سبب التبعية، وهي الولاد؛ لأن الولاد بين الأبوين ثابت بغير واسطة وللجد مع الواسطة، ولما لم يستويا في سبب التبعية لم يعتبر للإسلام ترجيحاً فكذلك هذا.
الفصل الثاني عشر: في المسائل التي تتعلق بحدود المدعي والمشهود به
بعض مسائل هذا الفصل ذكرناه في كتاب «أدب القاضي» فنذكر هاهنا ما لم يذكر ثمة، ذكر في «فتاوى النسفي» : إذا قال الشاهد بالفارسية: أين تدعي عليه أين محدود باسمه حدها وحقها دعي بفروخت بدين مدعى، ولم يقل: بهمه حدها وحقها فالشهادة صحيحة، قال ثمة: وقد وقعت هذه المسألة مرة بسمرقند، ومشايخنا أجابوا بالصحة، وهذا لأن معنى قوله بحدوده، مع حدوده لأن الحديد يدخل تحت البيع، ولو شهدوا بهمسه حدها دعي أليس أنه تصح الشهادة كذا هنا.
قالوا: فالصحيح من الجواب أن يقال: إن ذكر في الحدود لزيق دار فلان، أو ينتهي إلى دار فلان أو ما أشبهه فالشهادة صحيحة. وإن ذكروا دار فلان أو ذكروا في الحدود الطريق أو المسجد لا تصح الشهادة، وفي كتاب الشروط: إذا كتب أحد حدود هذه الدار دار فلان والثاني والثالث والرابع كذلك لا يكتب اشتريتها بحدودها، لأن الحد يدخل وإذا كتب أحد حدوده ينتهي إلى دار فلان أو ملازق دار فلان كتب اشتريتها بحدودها، وإذا غلظ الشاهد في أحد الحدود لا تقبل شهادته بخلاف ما إذا ترك أحد الحدود وقد ذكرنا هذا في كتاب «أدب القاضي» وإنما يثبت غلط الشاهد في ذلك بإقرار الشاهد: أني قد غلظت في ذلك، أما لو ادعى المدعى عليه أن الشاهد قد غلظ في الحدود أو في بعضها، لا يسمع دعواه، ولو أقام البينة على ذلك لا يسمع بينته، هكذا حكي فتوى شمس الأئمة السرخسي وشمس الإسلام الأوزجندي ﵀، وهذا لأن دعوى الغلط من المدعى عليه على الشاهد إنما دعوى المدعي والجواب من المدعى عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بعد دعوى المدعي، والجواب من المدعى عليه، والمدعى عليه
стр. 3875
حين أجاب المدعي عن دعواه فقد صدقه أن المدعي بهذه الحدود، فيصير بدعوى الخطأ بعد ذلك في الحدود كلاً أو بعضاً متناقضاً.
أو يقول: تفسير دعوى الغلط في أحد الحدود، أن يقول المدعى عليه: أحد الحدود ليس ما ذكره الشهود، أو يقول: صاحب أحد الحدود ليس بهذا الاسم الذي ذكره الشهود، وكل ذلك نفي والشهادة على النفي لا تقبل.
وكذلك لو ادعى المدعى عليه إقرار المدعي بغلط الشاهد في الحد لا يسمع دعواه، وحكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ أنه قال: إذا أخطأ الشاهد في بعض الحد، ثم تدارك وأعاد الشهادة وأصاب ذلك، قبلت شهادته عند إمكان التوفيق، سواء تدارك في ذلك المجلس أو في مجلس آخر وتفسير إمكان التوفيق، أنه قال: كان صاحب الحد فلان إلا أنه باع داره من فلان ونحن ما علمنا به، أو يقول: كان اسم صاحب الحد ما قلنا، إلا أنه سمي بعد ذلك بهذا الاسم ونحن ما علمنا وعلى هذا فافهم، هذا إذا ترك الشاهد أحد الحدود أو غلط، وأما إذا ترك المدعي أحد الحدود أو غلط فيه، فهو على نحو ما ذكرنا في الشاهد.
وإذا ادعى المدعى عليه أن المدعي أخطأ في أحد الحدود وكان ذلك بعدما قضي على المدعى عليه بنكوله أو ببينته لا تصح دعواه لوجهين.
أحدهما: ما ذكرنا في فصل الشاهد: أن المدعى عليه في دعوى الغلط بعدما أجاب المدعي عن دعواه متناقض.
والثاني: أن دعواه الخطأ في الحدود ليس فيه أكثر من إنكاره أن المحدود المدعى في يده، أو أن المحدود الذي يدعي ليس ملك ولا يندفع عنه دعوى المدعي من هذين الوجهين، وإن أقام على ذلك بينة كذا هاهنا.
إذا قال القاضي لمدعي العقار: هل تعرف حدود المدعى؟ قال: لا، ثم أعاد الدعوى وذكر الحدود لا يسمع دعواه، ولو قال: لا أعرف أسماء أصحاب الحدود يعني الجيران، ثم أعاد الدعوى وذكر أسماءهم يسمع دعواهم.
ولو أنه قال: لا أعرف الحدود ثم ذكر الحدود بعد ذلك وقال: عنيت بقولي لا أعرف الحدود، ولا أعرف أصحاب الحدود، قبل ذلك منه وسمع دعواه ثانياً إذا ذكر في الدعوى أو الشهادة أحد حدود الأرض المدعى لزيق أرض فلان، ولفلان في القرية التي فيها الأرض المدعى أراض كثيرة مختلفة متفرقة، صحت الدعوى وصحت الشهادة، وإن كان فيه نوع جهالة إلا أنها تحملت لضرورة، فإنه عسى لا تكون لأرض فلان علامة لكن يعرفها بتلك العلامة، وهذا هو الغالب من حال الأراضي في القرى، فيتعين للتعريف ذكر اسم صاحبه، ألا ترى أنه إذا ذكر في اسم صاحب الحد بناء محمد بن أحمد بن محمد فذلك يكفي وإن كان فيه نوع جهالة؛ لأن كثيراً من الناس يكونون بهذا الاسم والنسب، وقد تحمل ذلك لمكان الضرورة؟ فكذا هاهنا.
ولو ذكر في الحدود كنية صاحب الحد أبو فلان أو ذكر ابن فلان، فذلك لا يكفي
стр. 3876
إلا إذا كان صاحب الحد مشهوراً بذلك، كشهرة أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله، وقد ذكرنا نظير هذا في كتاب «أدب القاضي» .
ولو ذكر في الحدود: لزيق أرض سيان ديهي فذلك لا يكفي؛ لأن سيان ديهي مجهول جهالة متفاحشة، فالأراضي التي غاب أربابها، أو مات أربابها ولا ولد لهم، تسمى: ديهي، وكذلك الأراضي تركت لرعي الدواب، ولم تدخل تحت القسمة تسمى: سيان ديهي، وكذلك إذا ذكر في الحد لزيق أرض وقف، فذلك لا يكفي وينبغي أن يذكر أنها وقف على الفقراء أو على مسجد كذا أو ما أشبهه.
وكذلك إذا ذكر في الحد أرض لزيق أرض ورثة فلان فذلك لا يكفي؛ لأن الورثة مجهولون، فمنهم صاحب فرض ومنهم عصبة ومنهم ذووا الأرحام، فكان مجهولاً جهالة متفاحشة، ألا ترى أن الشهود لو شهدوا أن هذا وارث فلان، فالقاضي لا يقبل شهادتهم؟ وإنما لا تقبل لمكان الجهالة في الوارث.
يوضحه: أن المقصود من ذكر الحدود، وذكر صاحب الحد، التعريف، وربما يكون صاحب الحد من جملة ذوي أرحام فلان، ويكون بعيداً عنه بحيث لا يعرفه الناس وارثاً لفلان مع كونه وارثاً له حقيقة فلا يحصل به التعريف.
وإذا ادعى أرضاً مثلثة وذكر حدين لا غير والشهود أيضاً ذكروا حدين لا غير تصح الدعوى وتصح الشهادة، وهذا وما لو ذكر الحدود الثلاثة في الأرض المربعة على السواء، وإذا شهدوا بملكية الأرض وبينوا حدودها، وقالوا: هي مقدار خمس مكاييل بذر، والمدعي يدعي ذلك ذكر ذلك في دعواه وأصابوا في بيان الحدود إلا أنهم أخطؤوا في بيان المقدار فهي تسع قدر ثلاث مكاييل بذر، حكي عن شيخ الإسلام أبي الحسن السغدي أنه قال: لا تبطل دعوى المدعي ولا شهادة شهوده، لأن بيان مقدار البذر بعد ذكر الحدود غير محتاج إليه، فصار ذكره ولا ذكره سواء، وأجاب بعض مشايخ زمانه ببطلان الدعوى والشهادة.
وقد يجب أن تكون المسألة على التفصيل إن شهدوا بحضرة الأرض المدعى به وأشاروا إليها تقبل (١٤٠ب٤) وبلغوا ذكر الوصف، وهو بيان قبول مقدار البذر، وإن شهدوا بغيبة الأرض لا تثبت بهذه الشهادة ملكية أرض تسع فيها خمس مكاييل بذر.
وقيل: لا تقبل البينة على كل حال وهو الأظهر والأشبه بالفقه.
وإذا جعل الحد طريق العامة لا يشترط أن يذكر طريق القرية أو طريق البلد، ويجب أن يعلم أن الطريق يصلح حداً، ولا حاجة فيه إلى بيان الطول والعرض إلا على قول لشمس الأئمة السرخسي ﵀ فإنه كان يقول: يبين الطريق بالذراع، والنهر لا يصلح حداً عند بعض أهل الشروط، وكذلك التنور وهو رواية عن أبي حنيفة، وظاهر المذهب أنه يصلح حداً وفي اشتراط حدود المستثنيات نحو الطريق والمقبرة والحياض اختلاف المشايخ، فمنهم من شرط ذلك ومنهم من لم يشترط، وكان الشيخ الإمام ظهير الدين ﵀ يقول: إذا كانت المقبرة تلاً لا يحتاج إلى ذكر حدودها وإذا لم تكن تلاً يحتاج لأنها عسى تزداد.
стр. 3877
وإذا ادعى محدوداً في يد رجل وأحد حدوده أو جميع حدوده متصل بملك المدعي هل يحتاج إلى ذكر الفاصل؟ فقيل: لا يحتاج، ولو كان متصلاً بملك المدعى عليه يحتاج إلى ذكر الفاصل؛ لأن في الوجه الأول اختلاف اليد فاصل ولا كذلك في الوجه الثاني، وقيل: إن كان المدعى أرضاً فكذلك الجواب، وإن كان بيتاً أو داراً أو منزلاً فلا حاجة إلى الفاصل والجدار فاصل، وإذا كان المدعى أرضاً واحتيج إلى ذكر الفاصل، فذكروا الفاصل شجرة، فذلك لا يكفي هكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي، وهذا لأن الشجرة لا تحيط بجميع المدعى به، والفاصل يجب أن يكون محيطاً بجميع المدعى به حتى يصير المدعى به معلوماً، فإذا ادعى أرضين محدودة معلومة، ثم ترك الدعوى في أحد الأرضين، وأدعى الأرض الأخرى ولم يذكر الحدود فقد قيل: لا تصح الدعوى ولا الشهادة لمكان الجهالة.
وإذا ادعى محدود في موضع كذا وبين الحدود ولم يبين أن المحدود ما هو كرم أو أرض أو دار، هل يوجب هذا جهالة في المدعى به؟ وإذا شهد الشهود على هذا الوجه هل تقبل شهادتهم؟ حكي فتوى شمس الأئمة السرخسي: أنه لا تصح هذه الدعوى، ولا تقبل هذه الشهادة، وحكى فتوى شمس الإسلام الأوجندي: أن المدعي إذا بين المصر والمحلة والموضع والحدود يصح الدعوى، ولا يوجب ترك بيان المحدود جهالة في المدعى به، وكان الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني يكتب في جواب الفتوى: لو سمع قاضي هذه الدعوى يجوز، وقيل: ذكر القرية والمصر والمحلة والسكة ليس بلازم.
وإذا ادعى ألف درهم ثمن لدار مقبوضة، ولم يذكر حدود الدار والشهود شهدوا كذلك، فالدعوى صحيحة والشهادة مقبولة، لأن الدار إذا كانت مقبوضة فلا حاجة إلى القضاء بها، فترك الحد فيها لا يضره.
وإذا قال الشهود في شهادتهم: أحد حدود هذه الأرض لزيق شط الوادي، ثم أقر المدعي أن بين شط الوادي وبين أرض المدعى طريق عامة بطلت الشهادة؛ لأنه أكذب الشهود في بعض ما شهدوا، وإنه يوجب بطلان الشهادة في الكل، وإن ظهر ذلك عند القاضي بما هو طريق حصول العلم، بطلت الشهادة في مقدار الطريق وتقبل فيما سواه، وقيل: لا تقبل الشهادة لأنه اختلف الحد، وكذلك إذا شهد الشهود أن هذه الأراضي ملك المدعي، ثم ظهر أن في الأراضي طريق العامة، إن ظهر ذلك بإقرار المدعي، لا تقبل شهادة الشهود، وإن ظهر ذلك بإخبار واحد من المسلمين لا يمنع قبول الشهادة، وإن حصل العلم للقاضي بما هو طريق حصول العلم، لا تقبل الشهادة في الطريق، وتقبل فيما سواه، وإذا كانت الدار معروفة لابد من ذكر الحدود عند الدعوى والشهادة عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: إذا كانت الدار معروفة مثل دار عمرو بن الحارث بالكوفة تقبل الشهادة من غير ذكر الحدود، وتصح الدعوة أيضاً.Y
стр. 3878
الفصل الثالث عشر: في شهادة الوارث بالوصية والرجوع عنها وفي شهادةالوصي للميت وفي شهادة الوكيل للموكل
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : إذا هلك الرجل، وترك ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء لا مال له غيرهم، فشهد شاهدان أن الميت أوصى بهذا العبد لهذا الرجل، وشهد وارثان أن الميت أوصى بهذا العبد الآخر لهذا الرجل الآخر فهذا على وجهين.
الأول: أن تكون هذه الشهادة من الوارثين قبل قضاء القاضي بالوصية الأولى، وفي هذا الوجه القاضي يقبل شهادة الوارثين ذكرا رجوعاً عن الوصية الأولى أو (لم) يذكرا رجوعاً عنها، غير أنهما إن لم يذكرا رجوعاً عن الوصية الأولى، بقيت الوصية الأولى، ووجبت الوصية الثانية، ووجب تنفيذهما من الثلث؛ لأن محل الوصية الثلث، فيأخذ كل واحد منهما نصف العبد الموصى به له.
فإن ذكرا رجوعاً عن الوصية الأولى بطلت الوصية الأولى، ويكون العبد الثاني للموصى له الآخر اعتباراً للثابت بالبينة بالثابت عياناً، وإن كان القاضي قضى بالوصية الأولى، ثم شهد الوارثان بما ذكرنا، لا تقبل شهادتهما ذكرا رجوعاً عن الوصية الأولى، أو لم يذكرا رجوعاً، إن ذكرا رجوعاً؛ لأنهما بشهادتهما يبطلان قضاء القاضي عليهما؛ لأن الوارث يصير مقضياً عليه بطريق الخلافة عن الميت.
ولهذا قلنا: إن الوارث لو ادعاه لنفسه ملكاً مطلقاً لا يصح لصيرورته مقضياً عليه، ولأنهما بهذه الشهادة يعيدان العبد الأول إلى ملكهما، لأن العبد الأول قد زال عن ملكهما بقضاء القاضي، وكل ذلك مانع قبول الشهادة ولا شيء للثاني بحكم إقرارهما، لأنهما أقرا بحق الثاني من الثلث بطريق الوصية، والقاضي جعل كل الثلث للأول فلم يبقي محل حق الثاني فلهذا لا يسلم له شيء.
وأما إذا لم يذكرا رجوعاً فلأنهما بهذه الشهادة يعيدان نصف العبد الأول إلى ملكهما بنصف العبد الثاني فيكون في معنى البيع، والبيع لا يثبت بشهادتهما بخلاف ما قبل القضاء لأن قبل القضاء العبد الأول لم يزل عن ملكهما فلا يتصور البيع أما هاهنا بخلافه.
وكذلك لو كان مكان الوصية الثانية عتقاً بأن شهد الوارثان أن الميت أعتق هذا العبد الآخر في مرض موته إن كان شهادتهما بعدما قضى القاضي بالوصية الأولى لا تقبل شهادتهما، وإن كان قبل قضاء القاضي تقبل شهادتهما.
لأن بعد القضاء لو قبلت شهادتهما احتجنا إلى نقض قضاء أمضى عليهما وذلك لا يجوز ولا كلذلك قبل القضاء، ولكن مع أنه لا تقبل شهادتهما بحكم بعتق العبد؛ لأنهما مالكان أقرا بعتق مملوك لهما ويسعى العبد في قيمته؛ لأنهما أقرا بعتقه بطريق الوصية من الثلث، والثلث صار مستحقاً
стр. 3879
للأول بقضاء ألقاضي فيجب رد العتق، وتعذر رده صورة فيجب رده معنى بإيجاب السعاية.
وإن كان الوارثان شهدا بذلك العبد وصية للثاني من جهة الميت إن كان قبل قضاء القاضي بالوصية الأولى قبلت شهادتهما والكلام هاهنا أظهر؛ لأن هاهنا لا يصل إليهما شيء من العبد فبعد ذلك إن ذكرا رجوعاً فالعبد للثاني خاصة، وإن لم يذكرا رجوعاً كان العبد بينهما إذا لا تنافي بين الوصيتين.
وإن شهدا بذلك بعدما قضى القاضي بالوصية الأولى إن لم يذكرا رجوعاً قبلت شهادتهما وقضي بالعبد بينهما؛ لأن هذه الشهادة لم تتضمن نقض القضاء ولا إعادة شيء من العبد إلى ملكهما ليصير في معنى البيع.
أما إعادة شيء من العبد إلى ملكهما فظاهر، وأما نقض القضاء فلأنها لا تبطل شيئاً من حق الأول بل توجب الحق للثاني، فتثبت الوصية الثانية مع بقاء الوصية الأولى بجميع العبد، وهذا لأن الوصية عقد خلافة في المال المسمى في الوصية، وكون الثاني خليفة في المال لا ينافي كون الأول خليفة ولهذا يضرب كل واحد منهما بجميع حقه ولهذا لو رد أحدهما الوصية كان العبد كله للآخر، ولما كان هكذا فقد أثبت حق الثاني مع بقاء حق الأول بينهما وقضي بالعبد بينهما لاستوائهما في سبب الاستحقاق وضيق المحل.
وإن ذكرا رجوعاً عن الوصية الأولى لا تقبل شهادتهما على الرجوع لما فيه من إبطال قضاء أمضى عليهما، وقبلت شهادتهما على الوصية الثانية إذ ليس فيه إبطال قضاء أمضى عليهما، ولو كان القاضي دفع العبد إلى الموصى له الأول بشهادة الفريق الأول، ودفع العبدين (١٤١أ٤) إلى الوارثين على وجه القسمة ثم شهد الوارثان أن الميت أوصى بهذا العبد بعينه لهذا الآخر، لا تقبل شهادتهما وإن لم يذكرا رجوعاً عن الوصية الأولى، لأن هذه الشهادة تتضمن نقض تسليم القاضي في بعض العبد، وبعض قسمته لأن القاضي قسم العبد بينهم أثلاثاً، فلو قبلت هذه الشهادة تصير القسمة أسداساً، وتسليم القاضي وقسمته قضاء منه، وكما لم تقبل شهادتهما إذا تضمنت إبطال القضاء، فكذا إذا تضمنت إبطال التسليم والقسمة.
وكذا لو أن القاضي قضى بالوصية الأولى، ثم شهد الوارثان أن الميت أعتق هذا العبد بعينه في مرضه، لا تقبل شهادتهما؛ لأنها لو قبلت تضمنت بعض القضاء بالوصية الأولى، لأن العتق الموقع أولى بالاعتبار من سائر الوصايا.
ولو أن رجلاً مات وترك ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء لا مال له غيرهم، فشهد شاهدان أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الرجل الآخر، إن كانت شهادة الوارثين قبل قضاء القاضي بالوصية الأولى قبلت شهادتهما، لأن هذه الشهادة لا تتضمن نقض القضاء ولا إعادة شيء زال عن ملكهما إليهما، وإن كانت شهادتهما بعد قضاء القاضي بالوصية
стр. 3880
الأولى، إن لم يذكرا رجوعاً عن الوصية الأولى قبلت شهادتهما، لأن هذه الشهادة لا تتضمن نقض القضاء ولا إعادة شيء زال عن ملكهما إليهما، وإن ذكرا رجوعاً لا تقبل شهادتهما على الوصية الثانية؛ لأنها لا تتضمن إبطال القضاء وتقبل شهادتهما على الوصية الثانية، لأنها لا تتضمن إبطال القضاء، ثم يشتركان في الثلث بحكم المزاحمة وضيق المحل.
ولو أن الوارثين شهدا أن الميت أعتق هذا العبد في مرضه، وكان ذلك بعد قضاء القاضي بالوصية الأولى لا تقبل شهادتهما؛ لأنها لو قبلت بطل قضاء القاضي بالوصية الأولى، لأن العتق الموقع يقدم على سائر الوصايا، ولكن يعتق العبد؛ لأنهما أقرا بعتقه ولهما فيه ملك ويجب على العبد السعاية لما ذكرنا، ويكون ثلثا السعاية للموصي له؛ لأنه استحق الثلث من كل التركة والثلثان للورثة، فإن قال الموصى له بالثلث: قد وجب في ثلث العبد وصية وقد أتلف الوارثان، على حين أقرا بعتقه، فلي أن أضمنهما ليس له ذلك، لأن الوارثين ما أعتقا هذا العبد وما أقرا بعتقه بإعتاق منهما، وإنما حكيا الإعتاق من جهة الميت ولا ضمان في مثل هذا كرجلين اشتريا عبداً وأقر أحدهما أن البائع كان أعتقه، فإنه لا يضمن لشريكه شيئاً.
كذا هنا ولو أن القاضي قسم العبد بين الورثة وبين الموصى له الأول، فأعطى الموصى له بالثلث والورثة الثلثين، وشهد الوارثان أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الرجل الآخر، لا تقبل شهادتهما، لأن هذه الشهادة تتضمن نقض تسليم القاضي وقسمته.
قال في «الكتاب» : ألا ترى أن الوارثين لو أقرا بدين لرجل ومعهما ورثة غيرهما، فلم يقض القاضي بشيء بحكم إقرارهما، حتى شهدا لذلك الرجل على الميت بذلك الدين قبلت شهادتهما عليهما وعلى باقي الورثة، حتى يستوفي جميع الدين من جميع التركة، ولو كان القاضي قضى بالدين عليهما في نصيبهما حين أقرا بالدين، ثم شهدا بعد ذلك لصاحب الدين بالدين على الميت، فالقاضي لا يقبل شهادتهما على باقي الورثة، لأن بقضاء القاضي ثبت الدين على الميت في حقهما، واستحق جميع ذلك في نصيبهما، فهما إلى باقي الورثة، أورد هذه المسألة لبيان أن الشهادة إذا تضمنت نقض القضاء لا تقبل، والفصل الأول يصير حجة للشافعي ﵀ في مسألة أحد الورثة إذا أقر بدين على الميت وكذبه باقي الورثة، فعندنا يستوفي كل الدين من نصيب الوارث المقر، وعند الشافعي ﵀ يلزمه بقدر حصته.
ووجه الاحتجاج بها: أنه لو كان يلزم المقر كل الدين في نصيبه كان بالشهادة محولا بعض ما لزمه إلى غيره فينبغي ألا يقبل شهادة الوارثين بالدين لصاحب الدين على الميت قبل قضاء القاضي عليهما بالدين في نصيبهما، وهذا لأن الإقرار يلزم بنفسه فكان الحال فيه قبل القضاء وبعد القضاء سواء، ولا كذلك الشهادة لأن الشهادة لا يكون ملزمه بنفسها، ما لم يتصل بها قضاء القاضي، فجاز أن يفرق الحال فيها قبل القضاء وبعده والجواب لعلمائنا ﵏: أن بمجرد الإقرار لا يلزم كل الدين في نصيب المقر ما لم يتصل به قضاء القاضي.
стр. 3881
وبيان ذلك من وجهين، أحدهما: أن هذا الإقرار في معنى الشهادة فإنه إقرار على الغير وهو الميت فكما أن الشهادة التي فيها تنفيذ القول على الغير لا تصير موجبة إلا بقضاء القاضي، فكذا الإقرار الذي هو في معنى الشهادة.
والثاني: أنه يحتمل أن رب الدين يجد بينة على ذلك، أو يصدقه باقي الورثة، فلو ألزمنا المقر جميع الدين في نصيبه للحال فقد ألزمناه مع الاحتمال، وإنه لا يجوز وإنما ينقطع هذا الاحتمال، ويلزمه كل المال في نصيبه بقضاء القاضي، فإذا شهدا قبل القضاء يحولا إلى غيرهما بعض ما لزمهما فتقبل شهادتهما، وإذا شهدا بعد القضاء فقد حولا إلى غيرهما بعض ما لزمهما فلا تقبل شهادتهما.
فإن قيل: إذا كان لا يلزم المقر كل الدين في نصيبه بمجرد إقراره فبأي طريق يقضي القاضي عليه بكل الدين؟ قلنا: طريقه أن الدين يقضى من أيسر المالين قضاء، ألا ترى أنه إذا كان في التركة دين وعين فالدين يقضى من العين دون الدين؟ وكذا إذا كان بعض التركة حاضراً وبعضها غائباً فالدين يقضى من الحاضر.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا لم يجد رب المال الدين بينة ولم يصدقه باقي الورثة، فقضاء القاضي من نصيب المقر أيسر فقضى عليه، وإن كان الدين متعلقاً بكل التركة، قال في «الكتاب» أيضاً: ألا ترى لو أن رجلا مات، وشهد شاهدان أن الميت أوصى إلى هذا، فقبل أن يقضي القاضي بشهادتهما، شهد الوارثان أنه رجع عنه وأوصى إلى هذا الثاني، قبل القاضي شهادتهما، إذا كان الثاني يدعي ذلك ولو كان القاضي قضى للأول ثم شهد الوارثان بذلك فالقاضي لا يقبل شهادتهما؛ لأنها تضمنت إبطال قضاء القاضي.
أورد هذا الفصل إيضاحاً لما تقدم أيضاً، ثم لم يقل هاهنا: إن شهادة الوارثين تقبل في حق الإيصاء إلى الثاني دون الرجوع عن الإيصاء الأول كما ذكرنا فيما تقدم، قال مشايخنا: وينبغي على قول أبي يوسف: أن تقبل شهادتهما في حق الإيصاء إلى الثاني دون الرجوع عن الأول؛ لأن عنده أحد الوصيين ينفرد بالوصية فلم تكن في قبول شهادتهما في حق الإيصاء إلى الثاني دون الرجوع عن الأول، أما في قبول شهادتهما في حق الرجوع عن الأول نقض القضاء الأول، وأما على قولهما لا تقبل هذه الشهادة أصلاً؛ لأن عندهما أحد الوصيين لا ينفرد بالتصرف إلا في أشياء معهودة استحسنا في ذلك على ما عرف في موضعه فلو قبلت الشهادة في حق الإيصاء إلى الثاني لم يبق الأول منفرداً بالتصرف بعد أن كان منفرداً فكان في قبولها نقض القضاء الأول من حيث إن الأول لا يبقى منفرداً فلا تقبل شهادتهما عندهما أصلاً.
قال: رجل هلك وترك ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء لا مال له غيرهم، وترك ابناً لا وارث له غيره، فأقر الابن أن أباه أوصى بهذا العبد لفلان، فسمع القاضي إقراره ولم يقض عليه شيء حتى شهد هو ورجل آخر أن الميت أوصى بهذا العبد الآخر لهذا الرجل الآخر، قبل القاضي هذه الشهادة؛ لأن الوارث أقر على الميت بالوصية بالعبد الأول، وإقراره على الميت لا يلزمه شيء ما لم يتصل به قضاء القاضي على ما مر قبل هذا.
стр. 3882
فلم تكن الشهادة منه بالوصية بالعبد الآخر إعادة إلى نفسه بعض ما صار مستحقاً عليه، فلم يكن بهذه الشهادة دافعاً عن نفسه مغرماً ولا جاراً إلى نفسه مغنماً ولا ساعياً في نقض ما تم قضاء أمضى عليه، فقبلت وإذا قبلت لا شيء للموصى له الأول؛ لأن وصيته تثبت بالإقرار، والإقرار لا يعارض الشهادة؛ لأن الإقرار (حجة) قاصرة والشهادة حجة متعدية، فعند تعذر اعتبارهما كان اعتبار الشهادة أولى، وإذا اعتبرت الشهادة صار كل الثلث مستحقاً للموصى له الثاني، فلا يكون للموصى له الأول شيئاً.
ولو كان القاضي قضى على الوارث بالعبد بإقراره، ثم شهد مع أجنبي آخر على نحو ما بينا لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنها لو قبلت بطل قضاء القاضي بالإقرار لكون الشهادة أقوى من الإقرار، واندفع عن الشاهد ما لزمه بإقراره فلهذا لا تقبل هذه الشهادة وإذا لم تقبل هذه الشهادة لا شيء (١٤١ب٤) للموصى له الثاني؛ لأن الثلث صار مستحقاً للأول بكماله بتسليم القاضي إليه، ومحل الوصايا الثلث فلم يبق للثاني شيء، وكذلك لو كانت الشهادة الثانية في العبد المقر بعينه.
كان الجواب على التفصيل الذي قلنا: إن كانت الشهادة قبل قضاء القاضي عليه بإقراره قبلت، وإن كانت بعد القضاء لا تقبل، وإذا لم تقبل الشهادة لا يضمن الوارث للمشهود له فيما سلم القاضي إلى المقر له حصلت الشهادة في العبد المقر بعينه، أو في عبد آخر، لأنه لو ضمن إما أن يضمن بالإقرار أو بالتسليم، لا وجه إلى الأول لأن مجرد الإقرار لا يوجب شيئاً منها على ما مر، ولا وجه إلى الثاني؛ لأن التسليم حصل بقضاء القاضي.
ولو كان الوارث حين أقر سلم العبد المقر به إلى المقر له بنفسه من غير قضاء القاضي، ثم شهد الثاني بذلك العبد بعينه أو بعبد آخر لا تقبل هذه الشهادة لأنه سعى في نقض ما تم به وهو التسليم وسعي الإنسان في نقض ما تم به مردود.
وإذا لم تقبل شهادته ضمن للثاني نصف قيمة العبد المقر به إن كان العبد واحداً، وإن كان عبدين ضمن نصف قيمة العبد المشهود به للثاني، لأنه لما شهد للثاني فقد أقر أنه يسلم إلى الأول ما هو حق الثاني بغير حق فيصير ضامناً له، ولو كان الوارث أقر بثلث المال وصية لرجل، ثم شهد مع أجنبي بالثلث وصية لرجل آخر، إن كانت الشهادة قبل قضاء القاضي عليه بالإقرار قبلت، وإن كانت بعد القضاء لا تقبل لما قلنا.
ولو شهد الوارثان مع أجنبي بالثلث وصية لرجل، ثم شهدا بالثلث وصية لرجل آخر قبل القاضي شهادتهما سواء شهدا للثاني قبل قضاء القاضي للأول أو بعده، لأن الشهادة الثانية هاهنا لا تتضمن بطلان القضاء لأن الشهادة تعارض الشهادة، ألا ترى أنهما يتحاصان في الثلث؟ بخلاف ما إذا أقر الوارث بالثلث وصية لرجل وقضى به القاضي، ثم شهد هو مع أجنبي وصية بالثلث لرجل آخر، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة؛ لأن هذه الشهادة هنا تتضمن بطلان القضاء الأول؛ لأن الإقرار لا يعارض الشهادة.
قال في «الكتاب» : ألا ترى أن الوارث لو شهد مع أجنبي بدين على الميت وقضى
стр. 3883
به القاضي، ثم شهد ابنن آخر لرجل على الميت، وليس في التركة وفاء بالدينين قبل القاضي شهادتهما، لأن الشهادة الثانية لا تتضمن بطلان القضاء الأول بل يتحاصان إذا ثبت الدينان.
ولو كان الوارث أقر بدين لرجل على الميت وقضى به القاضي، ثم شهد هو مع أجنبي لرجل آخر بدين على الميت، وليس في التركة وفاء بالدينين، فالقاضي لا يقبل الشهادة لأن هذه الشهادة تتضمن بطلان القضاء فكذا فيما تقدم.
ولو كان الوارث أقر بالدين وسلم إلى الغريم بنفسه، ثم شهد مع آخر بالدين لرجل آخر لا تقبل شهادتهما، لما ذكرنا أنه ساع في نقض ما تم به من التسليم ويضمن نصف ما سلم إلى الأول للثاني إن كان الدينان سواء والتركة لا تفي إلا بواحد منهما؛ لأنه أتلف ذلك القدر على الثاني بغير حق، بخلاف ما إذا كان التسليم بقضاء القاضي حيث لا يضمن للثاني شيئاً، والمعنى ما ذكرنا.
قال: رجلان شهدا أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الرجل، ثم شهد وارثان أن الميت رجع عن ذلك الوصية، وأوصى بالثلث لوارثه فلان، وأنهما يعني: الشاهدان وجميع الورثة أجازوا ذلك بعد الموت، فشهادة الوارثين جائزة، والثلث للوارث في قول أبي يوسف الأول لأنه لا تهمة في شهادتهما؛ لأن الثلث بالرجوع ينتقل من الموصى له الأول إلى الوارث الموصى له، ولا حق للشاهدين فيه، فصار النقل إلى الوارث والنقل إلى الأجنبي سواء، وعلى قوله الآخر وهو قول محمد ﵀: شهادة الوارثين على الرجوع باطلة، لأنهما بشهادتهما على الرجوع يثبتان لأنفسهما حقاً في الثلث، حتى إنهما إن شاءا أجازا الوصية للوارث، وإن شاءا لم يجيزا فكانا متهمين في هذه الشهادة، بخلاف ما إذا شهدا لأجنبي لان هناك لا يتعلق نفاذ الوصية الثانية بإجازتهما فانتفت تهمة الحق أما هاهنا بخلافه.
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : رجل مات وقد كان أوصى إلى رجل، وقبل الوصي الوصاية بعد موته، فلم يخاصم الوصي عند القاضي حتى عزله القاضي عن الوصاية ونصب للميت وصياً آخر، ثم إن الموصى (له) الأول شهد للميت بمال أو غيره على إنسان فشهادته باطلة؛ لأن الميت بالإيصاء أقامه مقام نفسه بطريق الخلافة وله ولاية الخلافة، فإذا مات وقبل الموصى الوصاية فقد قبل الخلافة فتمت الخلافة ونفدت الإقامة، فصار الوصي قائماً مقام الموصي كالوارث، ومن ضرورة قيامه مقام الموصي صيرورته خصماً فيما كان الموصي فيه خصماً، وإذا صار خصماً خرج من أن يكون شاهداً، وبعد ما خرج الإنسان من أن يكون شاهداً في حادثة لا يعود فيها شاهداً أبداً هكذا ذكر المسألة في «الزيادات» .
وفي «شرح حيل الخصاف» أن شهادة الوصي بعدما خرج عن الوصاية للميت مقبولة فيصير في المسألة روايتان، هذا إذا قبل الوصي الوصاية بعد موت الموصي، ولو أنه لم يقبل ولم يرد حتى شهد عند القاضي، فالقاضي يقول له أتقبل الوصاية أم تردها؟ فإن قبل
стр. 3884
بطلت شهادته لصيرورته خصماً من وقت الموت، وإن رد أمضى شهادته لعدم صيرورته خصماً، وإن سكت ولم يجز بشيء، توقف القاضي في شهادته، لأن سبب الرد موقوف، لأن سبب الرد صيرورته خصماً بثبوت الخلافة، والخلافة لا تثبت إلا بالقبول، وإذا كان في سبب الرد توقفاً كان في الشهادة توقفاً وصار كالشفيع إذا شهد بالبيع إن طلب الشفعة بطلت شهادته، وإن سلم قبلت شهادته، وإن سكت ولم يجز بشيء توقف القاضي في شهادته كذا هاهنا.
قال: رجل وكل رجلاً بالخصومة في شيء قبل رجل وقبل الوكيل الوكالة، ثم عزله الموكل فشهد للموكل في ذلك الشيء ينظر: إن كان الوكيل خاصم فيه قبل أن يعزله لم تقبل شهادته، وإن كان لم يخاصم فيه قبلت شهادته عند أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف لا تقبل وهذا بناء على أن عند أبي يوسف بمجرد قبول الوكالة يصير خصماً خاصم أو لم يخاصم، ولهذا لو أقر على موكله في غير مجلس القضاء نفد إقراره عليه، وهذا لأن الموكل بالتوكيل أقامه مقام نفسه فإذا قبلت الوكالة تمت الإقامة فقام مقامه كما في الوصاية، ألا ترى أن الإيصاء توكيل بعد الموت فكان كالتوكيل في حالة الخصومة، وعندهما بمجرد قبول الوكالة لا يصير خصماً ولهذا لو أقر على موكله في غير مجلس القضاء لا ينفذ إقراره عليه عندهما، وفرقا بين التوكيل والإيصاء.
والفرق: وهو أن الإيصاء إقامة نفس الوصي مقام نفسه بطريق الخلافة، فلا يتعلق ثبوتها وتمامها للفعل وهو الخصومة قياساً على الإرث، فإن نفس الوارث لما كان يقوم مقام نفس المورث بطريق الخلافة لا يتوقف تمامه على الخصومة حتى يصير الوارث خصماً بنفس موت المورث خاصم أولم يخاصم، فكذا الوصي.
فأما التوكيل اعتبر بالفعل وإقامة فعل الوكيل وهو الخصم مقام فعل نفسه لا إقامة نفس الوكيل مقام نفسه ولكن إذا فعل الوكيل وقام فعله مقام فعل الموكل تقوم نفسه مقام نفسه، فقبل الفعل وهو الخصومة لم تقم مقام الموكل أصلاً فلم يصر خصماً فتقبل شهادته، أما إذا خاصم قامت خصومته مقام خصومة الموكل فصار خصماً كالموكل وخرج من أن يكون شاهداً فلا تقبل شهادته بعد ذلك أبداً فهذا هو الفرق بينهما، ثم الشرط عندهما الخصومة في مجلس القضاء حتى لو خاصم في غير مجلس القضاء وعزله الموكل قبل الخصومة عند القاضي فشهد الموكل تقبل شهادته له عندهما، فصار تقدير المسألة عندهما كأن الموكل قال له: أنت وكيلي بالخصومة في مجلس القاضي، فلا يصير خصماً قبله.
قال: رجل وكل رجلاً بالخصومة مع فلان في كل حق هو له، قبله بمحضر من القاضي، والقاضي يعرفهم، فقبل الوكيل الوكالة ولم يخاصم فلاناً في شيء من ذلك حتى عزله الموكل عن الوكالة، ثم شهد الوكيل للموكل بشيء من ذلك الذي وكله به، قبلت شهادته عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن المانع من قبول الشهادة صيرورته خصماً، والوكيل إنما يصير عندهما خصماً بالخصومة، ولم توجد الخصومة، وإنما شرط
стр. 3885
علم القاضي بالتوكيل حتى لا يحتاج الوكيل في إثباتها لو أنكر الخصم الوكالة.
وإن كان الوكيل خاصم فلاناً في ألف درهم للموكل وقضى القاضي أو لم يقض حتى عزل ثم شهد للموكل أنه شهد (١٤٢أ٤) بتلك الألف التي خاصم فيها لا تقبل شهادته إجماعاً، وإن شهد بمال آخر تقبل شهادته عندهما لأنه إنما يصير خصما عندهما بالخصومة، والخصومة خصت بتلك الألف، فصار خصماً فيها لا في مال آخر ففي مال آخر انعدم المانع من قبول الشهادة فقبلت.
ولو كان التوكيل بغير محضر من القاضي، فخاصم الوكيل فلاناً في ألف قبله للموكل فأنكر وكالته، فأقام الوكيل بينة عليه بالوكالة، وقضى القاضي بالوكالة، وقضى بالألف أولم يقض حتى عزل الموكل الوكيل، ثم شهد الوكيل للموكل على فلان بتلك الألف أو بمال آخر، لا تقبل شهادته، بخلاف الوجه الأول وهو ما إذا كان التوكيل بعلم القاضي.
والفرق: أن القاضي إذا لم يعلم بالوكالة، والوكيل يحتاج إلى إثباتها بالبينة، ومن ضرورة إثباتها في هذا الحق بالبينة ثبوتها في سائر الحقوق؛ لأن التوكيل واحد وقد حصل عاماً بكل حق، فلا يثبت بشيء حتى يثبت جملته، كما أثبته الموكل، والبينة إنما تعمل بعد الدعوى والخصومة، فإذا صار إثبات الوكالة بالبينة في هذا الحق إثباتاً لها في سائر الحقوق وصارت الخصومة في هذا الحق خصومة في سائر الحقوق لإثبات الوكالة فيها فسقطت شهادته في عامة الحقوق بالخصومة فيها، إلا أن يشهد بمال حادث بعد تاريخ الوكالة، لأن التوكيل بالخصومة في كل حق له قبل فلان إنما يتناول الحقوق الموجودة، ولا يتناول الحادث بعد التوكيل، فلا يصير خصماً في الحادث بعد التوكيل فلا تبطل شهادته، فأما إذا كان التوكيل بعلم القاضي فالوكيل لا يحتاج إلى إثبات الوكالة عند القاضي بعلم القاضي ذلك ليصير إثبات الوكالة في بعض الحقوق إثباتاً في جميع الحقوق، فيصير خصومته في بعض الحقوق خصومة في جميع الحقوق فلهذا افترقا.
واستشهد في «الكتاب» لإيضاح الفرق بين الوجهين فقال: ألا ترى أن القاضي لو قضى بوكالته بالبينة ثم مات أو عزل ورفع حكمه إلى قاض آخر وثبت ذلك عنده أمضى قضاء الأول وجعل لهذا خصماً في كل حق يدعيه قبل فلان؟ ولو ثبت عند القاضي الثاني علم القاضي الأول بما جرى عنده من الوكالة لم يجعله خصماً، ولم يمض قضاء الأول؛ لأن علم القاضي حجة في حقه، وليس بحجة في حق غيره، فأما حكمه حجة في حق الكل، فإذا ظهرت التفرقة بين علم القاضي وحكمه في حق قاض آخر جاز أن يظهر التفرقة بينهما في حق مال آخر في حق قبول الشهادة.
قال: ولو أن رجلاً وكل رجلاً بكل حق له قبل فلان وفلان وفلان بغير محضر من القاضي، فأحضر الوكيل واحداً من هؤلاء، وأقام بينة على أن فلاناً وكله بكل حق له قبل فلان وفلان وفلان، وقضى القاضي بوكالته، ثم عزل الموكل الوكيل، فشهد الوكيل بعد ذلك للموكل على هذا الذي أحضره بحق أو على الآخرين لا تقبل شهادته، وكذلك لو
стр. 3886
وكله بكل حق له في مصر كذا وبالخصومة فيه، فأحضر الوكيل رجلاً من أهل ذلك المصر، وادعى عليه حقاً للموكل فجحد وكالته، فأقام الوكيل بينة على أن فلاناً وكله بكل حق له في ذلك المصر وبالخصومة فيه، وقضى القاضي بوكالته، ثم عزل الموكل الوكيل، فشهد الوكيل للموكل بعد ذلك بحق أو مال على ذلك الرجل أو على غيره من أهل ذلك المصر، لم تقبل شهادته، لأنه صار خصماً للغائبين كما صار خصماً للحاضر، لأن الخصومة مع الحاضر خصومة مع الغائبين لكون الحاضر نائباً عن الغائبين.
بيانه: أن ما ادعى على الحاضر من الوكالة لا يثبت إلا بإثباتها على الغائبين؛ لأن التوكيل واحد، وقد حصل عاماً فصار المدعي على الغائبين سبباً لثبوت المدعي الحاضر فانتصب الحاضر خصماً عن الغائبين ألا ترى أن القضاء على الحاضر صار قضاء على الغائبين؟ فكذا الخصومة مع الحاضر يكون خصومة مع الغائبين فبطلت شهادته في حقهم جميعاً.
إلا أن بين المسألتين فرقاً: فإن في مسألة المصر كما لا تقبل شهادة الوكيل للموكل بحق قائم وقت الوكالة لا تقبل شهادته له بحق حدث بعد الوكالة، والقياس في مسألة المصر أن لا تقبل شهادته بحق قائم وقت التوكيل لا بحق يحدث بعد التوكيل، اعتباراً للتقييد بالمكان بالتقييد بالشخص، إلا أنهم استحسنوا في مسألة المصر لمكان العرف، فإن العرف الظاهر فيما بين الناس أن من أراد سفراً يقيم غيره مقام نفسه، بطلب كل حق له في مصر ومراده من ذلك أن يقوم مقامه فيما هو واجب له وفيما يحدث، كيلا يضيع شيء من حقوقه، فلمكان العرف صرفنا الوكالة إلى الكل.
وهو نظير من وكل إنساناً بقبض غلاته، يريد به الواجب وما يحدث كيلا يحتاج إلى تجديد الوكالة في كل زمان فلا يقع في الحرج، وإذا انصرفت الوكالة إلى الكل صار خصماً في الكل، فلا تقبل شهادته في شيء من ذلك، مثل هذا العرف لا يوجد فيما إذا كانت الوكالة بكل حق له قبل شخص بعينه، أو قبل أشخاص بأعيانهم فيعمل بظاهر اللفظ وظاهر اللفظ يتناول القائم وقت التوكيل، لا ما يحدث بعد ذلك، فلم يصر خصماً فيما حدث بعد التوكيل، فجاز أن تقبل شهادته فيه.
فرع
على مسألة المصر فقال: لو شهد بحق حدث بعد العزل قبلت شهادته، لأنه لم يصر خصماً فيه بظاهر اللفظ، لأن التوكيل لم ينصرف إليه؛ لأن انصراف التوكيل إلى الحادث بعد التوكيل بحكم العرف، ولا عرف في الحادث بعد العزل، فيعمل فيه بظاهر اللفظ، وظاهر اللفظ لا يتناول الحادث بعد التوكيل ولا الحادث بعد العزل، قال: ولو كان هذا التوكيل بعلم القاضي، لم يبطل القضاء بشهادته بعد العزل إلا فيما كان خاصم فيه بعينه قبل العزل، والفرق ما ذكرنا.
قال: والتوكيل بكل حق له قبل الناس في انصرافه إلى القائم وقت التوكيل، والحادث بعده نظير التوكيل بكل حق له في مصر كذا بل أولى، لأن هذا أعم لأن هذا يتناول جميع الناس في كل مصر.
стр. 3887
وإذا ادعى رجل أن فلاناً وكله وفلاناً الغائب في كل حق له قبل الناس، وأحضر رجلاً وادعى عليه حقاً للموكل، وأقام البينة على وكالته على نحو ما ذكرنا، وقضى القاضي بها صار الحاضر مع الغائب وكيلين، حتى إن الغائب إذا حضر وادعى حقاً على أحد لا يكلف إعادة البينة على الوكالة، فإن عزلهما الموكل ثم شهدا بحق قبل هذا الرجل، أو قبل رجل آخر لا يقبل شهادتهما، القائم وقت الوكالة والحادث بعد الوكالة في ذلك على السواء، لأن خصومة أحدهما لما جعل كخصومتهما صار كأنه وجدت الخصومة منهما، ولو وجدت الخصومة منهما في حق من الحقوق كان ذلك بمنزلة الخصومة في سائر الحقوق، القائم وقت الوكالة والحادث بعدها سواء لما مر، فهاهنا كذلك والله أعلم.
الفصل الرابع عشر: في الشك في الشهادة والزيادة فيها والنقصان عنها ووجود الشاهد بعد القضاء بشهادته بصفة لا تجوز شهادته، وشهادة الشهود بعد قضاء القاضي بخلاف ما قضى
إبراهيم عن محمد في شاهدين شهدا لرجل أن له على هذا درهماً أو درهمين، فالشهادة جائزة على درهم، وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: في رجل في يديه درهمان صغير وكبير وأقر بأحدهما لرجل، ثم جحد فشهد عليه بذلك شاهدان، أجزت الشهادة على الصغير منهما استحساناً، وسواء أقر بأحدهما بغير عينه أو بعينه ثم نساه، هكذا ذكر، وفصل الإقرار بأحدهما بعينه والنسيان مشكل يعرف بالتأمل، قال: وكذلك الكيل كله، والوزن كله إذا كانا صنفاً واحداً فإني أقضي بالأوكس، وإذا اختلف النوعان فإني أبطلت الإقرار.
قال: وكل شيء يضمن فيه القيمة وقد صارت ديناً جعلت عليه أوكس القيمتين، نحو أن يشهد أنه غصب منه ثوباً همروياً أو مروياً وأحرقه قالا: أسمي لنا هكذا، أو قال: سمي لنا أحدهما بعينه فنسيناه، قضيت عليه بأوكس القيمتين.
روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله: في رجلين شهدا لرجل بشهادة، ثم زاد فيها قبل أن يقضي القاضي بها أو بعده وقالا: أوهمنا، وهما غير متهمين قبل ذلك منهما.
وروى بشر في «الإملاء» عن أبي يوسف رحمهما الله: في رجل يشهد عند القاضي بشهادة ثم يجيء بعد ذلك بيوم فيقول: شككت في كذا وكذا مبهماً، قال: إذا كان القاضي يعرفه بالصلاح قبل شهادته فيما بقي، وإن كان لا يعرفه فهذه تهمة ألغى شهادته، وكذلك لو قال: رجعت عن شهادتي في كذا وكذا من هذا المال غلطت في ذلك أو نسيت، فهو مثل قوله: شككت، وإذا لم يقل الشاهد: قد شككت، ولكن قال: قد
стр. 3888
تعمدت ولم أغلط ثم بدا لي أن أرجع عن ذلك، لم تقبل شهادته فيما بقي، ولا في غير ذلك حتى يحدث توبة ويعاقبه القاضي، وقال محمد ﵀ (١٤٢ب٤) .
فيمن شهد عند القاضي، فلا يبرح مكانه حتى يقول أوهمت بعض شهادتي جاز ذلك وقبل شهادته إذا كان عدلاً، قال: وهو قول أبي حنيفة ﵀، وهكذا ذكر في «الجامع الصغير» ، وفي «المنتقى» : إذا شهد رجل على دارٍ بحدودها، أو شهد بمال ثم رجع عن بعض تلك الدار أو بعض المال، قال محمد: إن كان عدلاً ورجع في مكانه، وقال أوهمت أستحسن أن أجيز شهادته إذا لم يكن في ذلك إكذاب من الشهود له.
وفي «نوادر هشام» : عن محمد ﵀: رجل ادعى داراً في يدي رجل، وأقام شاهدين شهدا أن الدار له، ثم قال الشاهدان بعد ذلك قبل القضاء: إن البناء ليس للمدعي إنما هو للمدعى عليه، قال: إذا قال ذلك قبل أن يتفرقا عن مجلس القضاء، قبلت شهادتهما، وهذا استحسان ما لم يطل ذلك، وإذا قاما أو طال ذلك بطلت شهادتهما.
وفي «نوادر بن سماعة» عن محمد رحمهما الله: إذا شهد الشهود بالدار للمدعي، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم إن الشهود قالوا: لا ندري لمن البناء، فإني لا أضمنهم قالوا: قد شككنا في شهادتنا، وإن قالوا: ليس البناء للمدعي ضمنوا قيمة البناء، كأنهم قالوا: قد شككنا في شهادتنا، وإن قالوا: ليس البناء للمدعي ضمنوا قيمة البناء للمشهود عليه.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد أيضاً: رجل مات وترك عبداً لا مال له غيره، وقيمته ألف درهم، ولا يعلم عليه دين، فأعتقه الوارث، ثم شهد العبد بشهادات واستقضى فقضي بقضايا، ثم أقام رجل بينة على الميت بالدين، فإن العبد يرد رقيقاً ويبطل عتقه، وما شهد به من الشهادة فإن أبرأ الغريم العبد من الدين جاز عتقه وحده، ولم يجز شيء من شهادته وقضاياه، وإن كان رجل قتل هذا لعبد غرم قيمته لورثة العبد، ولا يجعلهما لورثة المولى، قال: ألا ترى أنا لا نرده في الرق؟.
وروى إبراهيم عن محمد ﵀: في رجل أقام بينته أنه وصي فلان الميت وقضى القاضي بوصايته، وأخذ ما للميت من الديون على الناس، ثم وجد البينة عبيداً فقد برىء الغرماء، ولو كان مثله في الوكالة لم يبرؤوا.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل شهد عليه شاهدان: أن هذه الدار التي في يديه لفلان، فلم يقض القاضي بها حتى قالا: إنما شهدنا على العرصة، أجزت شهادتهما على ذلك ولم يكن هذا رجوعاً، ولو قضى القاضي بها وبالبناء، وقالا: شهدنا على العرصة ضمنتهما قيمة البناء.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف رحمهما الله: رجل مات فقاسمت امرأته ولده الميراث، وهم كبار، وأقروا أنها زوجة الميت، ثم وجدوا شهوداً أن زوجها قد كان طلقها ثلاثاً في صحته، فإنهم يرجعون عليها بما أخذت من الميراث.
стр. 3889
وكذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله في امرأة اختلعت من زوجها بمال، ثم أقامت البينة أنه كان طلقها ثلاثاً قبل الخلع وكذلك أمة كاتبها مولاها فأدت ثم أقامت البينة على إعتاق كان من المولى قبل الكتابة، وكذلك العبد.
وكذلك الزوج إذا قاسم أخ المرأة ميراثها، وأقر أن هذا ميراث، وأن هذا زوج الميت وهذا أخوها، ثم إن الأخ أقام بينة أن الزوج قد كان طلقها ثلاثاً في حال حياته، فذلك جائز ويرجع الأخ فيما أخذ الزوج من الميراث، وقد تحقق التناقض في هذه المسائل إلا أن هذا تناقض فيما طريقه طريق الخفاء؛ لأن الطلاق مما يستند به الزوج، والعتاق مما يستند به المولى، والتناقض فيما طريقه طريقة الخفاء لا يمنع صحة الدعوى وسماع البينة.
الفصل الخامس عشر: في الشهادة على الوكالة والوصاية
رجل أقام بينة عند القاضي أن فلاناً وكله بطلب كل حق له بالكوفة وبالخصومة فيه، جائز ما صنع فيه وليس معه خصم يدعي عليه حقاً، لم يسمع القاضي منه هذه البينة لقيامها على غائب ليس عنه خصم حاضر؛ وإن أحضر رجلاً يدعي الوكيل أن للموكل عليه حقاً وهو ينكر كونه وكيلاً، فأقام الوكيل بينة على وكالته، قضى القاضي عليه، لكونه وكيلاً لقيام البينة على خصم حاضر، وصار الثابت بالبينة كالثابت عيانا، ولو عاين القاضي توكيله قضى بكونه وكيلاً كذا هاهنا، فإن أحضر الوكيل رجلاً آخر من أهل الكوفة يدعي الموكل قبله حقاً، فأنكر الوكالة، لا يحتاج الوكيل إلى إقامة البينة على الوكالة؛ لأن القاضي حين قضى بوكالته ببينة قامت على الأول فإنما قضى بوكالته في حق جميع من بالكوفة؛ لأنه كان لا يتوصل إلى إثبات الوكالة على الأول إلا بإثبات الوكالة على الكل، لكون الوكالة واحدة بلفظ عام، فانتصب الذي حضر مجلس القاضي خصماً عن جميع من بالكوفة، فصار القضاء عليه بالوكالة قضاءً على الكل.
وهو نظير ما لو مات رجل، فجاء رجل إلى القاضي وأحضر معه رجلاً، وأقام بينة أنه ابن الميت، وأن للميت على هذا الذي أحضر مجلس القاضي دين، وقضى القاضي بنسبه يثبت نسبه عاماً في حق هذا المديون وفي حق مديون آخر لما قلنا من المعنى كذا هنا.
ولو كان الشهود شهدوا أن فلاناً وكله بطلب حقه قبل فلان بن فلان الفلاني، وبالخصومة فيه لم يسمع القاضي شهادتهم ما لم يحضر فلان بن فلان؛ لأن الخصم في هذه الوكالة متعين فلا يصير غيره قائماً مقامه إلا بإقامته ولم يوجد، ولو أن الموكل حضر عند القاضي فقال: إني وكلت هذا الرجل بطلب كل حق لي بالكوفة وبالخصومة، وليس
стр. 3890
معهما خصم ثم جاء الوكيل برجل وادعى أن للموكل قبله حقاً، فإن كان القاضي يعلم الموكل باسمه ونسبه يقضي بوكالته، ولا يكلفه إقامة البينة على الوكالة؛ لأن علم القاضي بالمعاينة فوق علمه بالخبر، فإذا كان يقضي بوكالته عند حصول العلم له بالخبر، فهذا أولى ولا يشترط حضرة الخصم عند التوكيل بصحة التوكيل عند القاضي، لأن حضرة الخصم إنما يحتاج إليه للجحود ليمكن إثبات الوكالة بالبينة، فيحصل العلم للقاضي بالبينة بكونه وكيلاً، فإذا كان العلم حاصلاً للقاضي بالمعاينة لا حاجة إلى اعتبار حضرة الخصم، فإن كان القاضي لا يعرف الموكل باسمه ونسبه لا يقضي بالوكالة؛ لأن الموكل غائب وقت القضاء بالوكالة، والغائب إنما يعرف بالاسم والنسب، فإذا لم يعرف القاضي ذلك بقي الموكل مجهولاً، والقضاء للمجهول وعلى المجهول باطل، بخلاف ما لو كان الموكل حاضراً حيث يقضى القاضي بوكالته، وإن لم يعرف اسمه ونسبه؛ لأنه معلوم لكونه حاضراً، فإن لم يعرف القاضي الموكل باسمه ونسبه فقال الموكل: أنا أقيم البينة أني فلان بن فلان ليقضي بالوكالة متى جئت، لا يلتفت القاضي إليه؛ لأن شرط سماع البينة على النسب، الخصومة في النسب ولم توجد، فإن غاب الموكل فأحضر الوكيل رجلاً فادعى أن للموكل عنده حقاً وأقام الوكيل البينة
عليه أن فلان بن فلان الفلاني وكله بالخصومة في كل حق له عند الناس بالكوفة، وأنكر ذلك الخصم وكالته، قبلت بينته وصار وكيلاً في حق جميع من كان بالكوفة لما قلنا.
وإن أرادوا من القاضي في هذه الوجوه كلها أن يسمع من الشهود بغير محضر من الخصم، ليكتب الكتاب بشهادتهم إلى قاضي آخر أجابهم القاضي إلى ذلك، لأن كتاب القاضي إلى القاضي ليس بقضاء ليحتاج فيه إلى حضرة الخصم، إنما هو من القاضي الكاتب نقل شهادة الشهود إلى مجلس القاضي المكتوب إليه، بمنزلة الشهادة على الشهادة، ثم الإشهاد على الشهادة صحيح من غير حضرة الخصم، فكذا كتاب القاضي إلى القاضي قد يجوز للقاضي المكتوب إليه القضاء بكتاب للقاضي وحده، وإن لم يجز له القضاء بشهادة هذا القاضي الكاتب بانفراده، بأن ذهب بنفسه إلى بلدة القاضي المكتوب إليه، وشهد بين يديه على شهادة هؤلاء، والفرق وهو أن القاضي الكاتب نقل شهادة الشهود إلى القاضي المكتوب إليه بكتابه وهو قاض، وقوله وهو قاض بمنزلة شهادة الشاهدين فكذلك كتابه، أما إذا ذهب بنفسه إلى تلك البلدة وشهد فقد نقل شهادة الشهود بقوله وهو ليس بقاض؛ لأنه بعدما خرج من البلدة التي هو قاض فيها لا يبقى قاضياً ويلتحق بواحد من الرعايا، فلا يثبت النقل بمجرد قوله، حتى لو كان قاضي تلك البلدة أيضاً بأن كان قاضي القضاة تثبت شهادة الشهود بمجرد قوله في مجلس القاضي الثاني.
ثم ما ذكر من الجواب قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو قول محمد الأول، وأما على قوله الآخر الذي رجع إليه لا تثبت شهادة الأصول عند المكتوب إليه بكتاب القاضي ما لم يشهد معه شاهد آخر والمسألة معروفة، والذي ذكرنا من الجواب في الوكيل، فكذا في الوصي في الفصول كلها؛ لأن الوصي وكيل بعد الوفاة فيعتبر بالوكيل حالة الحياة إلا
следующие страницы →