← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

مقبول؛ لأنه ثبت مع الشبهات، فيقبل فيه كتاب القاضي كما في سائر الحقوق التي تثبت مع الشبهات. وإذا مات الرجل فأقام رجل البينة أنه فلان ابن فلان الفلاني، وأن الميت فلان بن فلان الفلاني حتى التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة، وهو عصبة الميت ووارثه، لا نعلم له وارثاً غيره قضى له بالميراث؛ لأنه أثبت بالبينة أنه ابن عم الميت لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لأنهما التقيا إلى أب واحد وإنما يلتقيان إلى أب واحد إذا كان المدعي ابن عم الميت من جهة الأب والأم أو من جهة الأب، فأما إذا كان ابن عمه لأم لا يلتقيان إلى أب واحد، وهو معنى قولنا: إنه أثبت بالبينة أنه ابن عم الميت لأبيه وأمه أو لأبيه وقد شهدوا أنه وارثه لا نعلم له وارثاً غيره له فوجب القضاء له بالميراث، فإن جاء آخر بعد ذلك وأقام بينة أنه عصبة الميت، فإن أثبت الثاني مثل ما أثبته الأول بأن أثبت أنه فلان بن فلان الفلاني، والميت فلان بن فلان الفلاني حتى التقيا إلى أب واحد قبلت بينة الثاني، إذا التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة وإن كانا من قبيلتين بأن ادعى الأول أنه من العرب، وادعى الثاني أنه من العجم لا تقبل بينة الثاني؛ لأن العمل بالبينة متعذر، إذ يستحيل أن يكون للرجل ابنا عم من قبيلتين، فترجحت البينة الأولى بالقضاء، وإن أثبت الثاني نسباً أبعد عن الأول بأن أثبت الثاني أنه ابن ابن عمه، فالقاضي لا يلتفت إلى بينته التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة، أو من قبيلتين؛ لأنه لا يستحق شيئاً من الميراث مع الأقرب. وإن أثبت الثاني نسباً فوق الأول، بأن ادعى الثاني أن الميت ابنه ولد على فراشه، وأنه أبوه لا وارث له غيره. فهذا على وجهين: إن ادعى الأب نسبه من القبيلة التي ادعاها ابن العم تقبل بينة الأب، وينقض القضاء الأول في حق الميراث دون النسب حتى لا يبقى الأول ابن عم له حتى لو مات هذا الأب يرث الأول منه إذا لم يكن له وارث أقرب منه؛ لأن العمل بالبينتين في حق ثبات النسب ممكن، إذ يجوز أن يكون للإنسان أب وابن عم من قبيلة واحدة، وإذا أمكن العمل في حق ثبات النسب لم ينقض القضاء الأول في حق النسب، وينقضه في حق الميراث؛ لأن ابن العم لا يرث مع الأب. وإن ادعى الأب نسبه من قبيلة أخرى قبلت بينة الأب وينقض القضاء الأول في حق الميراث والنسب جميعاً؛ لأن العمل بالبينتين في حق النسب متعذر ههنا، لأن.... دعواهما أن للميت أبوان، هذا المدعي وأخ أب ابن العم، ولا يتصور من حيث الحقيقة أن يكون للشخص الواحد أبوان، وإذا تعذر العمل بهما في حق النسب وجب العمل ببينة الأب، لأن في بينة (١٢٩ب٤) الأب زيادة إثبات؛ لأن الأب أقرب. فإن قيل: لا بل العمل بالبينتين في حق النسب ممكن بأن كان بين رجلين جارية جاءت بولد فادعياه، فينبغي أن لا ينقض القضاء الأول في حق النسب، فلا يجوز أن

стр. 3817

يكون للولد الواحد أبوان من حيث الحكم كما قلتم، إلا أن من شرط ثبوت أبوتهما للواحد أن يدعيا معاً، أما إذا سبق أحدهم الآخر في الدعوة لا يصح دعوة الثاني، وههنا مدعي الأبوة صار سابقاً معنى وإن كان ابن العم سابقاً في الدعوة صورة؛ لأن الأب ادعى لنفسه زيادة قرب لم يدعيه ابن العم، فصار الأب منفرداً بهذه الزيادة ولم يزاحمه ابن العم في ذلك، فصار سابقاً معنى، فيعتبر بما لو كان سابقاً حقيقة لا تصح دعوى ابن العم في ذلك كذا ههنا، فإن قيل: إذا تعذر العمل بها من حيث الحقيقة والحكم كان يجب أن تترجح البينة التي اتصل بها القضاء كما ادعى الثاني أنه ابن عمه من قبيلة أخرى. قلنا: إنما تترجح البينة التي اتصل بها القضاء حالة التنافي إذا لم يكن في البينة الثانية زيادة إثبات كما في ابني العم، فعند الاستواء في الإثبات تترجح الأولى بحكم اتصال القضاء بها، وههنا في البينة الثانية زيادة إثبات، وفي مثل هذا، الترجيح بزيادة الإثبات لا باتصال القضاء؛ لأن الترجيح من حيث زيادة الإثبات ترجيح في نفس الشهادة، والترجيح من حيث القضاء ترجيح من حيث الحكم. وخرج على المعنى الذي قلنا الولد إذا تنازع فيه رجلان، فأقام أحدهما البينة وقضى القاضي بالولد، ثم أقام الآخر بينة بعد ذلك لم تقبل بينته، وترجح الأول بالقضاء؛ لأنه ليس في البينة الثانية زيادة إثبات، والجمع بينهما غير ممكن، فرجحنا الأول باتصال القضاء بها. وإذا شهد شاهدان أن فلاناً أعتق هذا الميت وأن الرجل عصبة الذي أعتق، وأنه عصبة المعتق لذلك لا تقبل شهادتهما ما لم يبينا سبب العصوبة (من) أنه ابن الذي أعتق أو أبوه أو أخوه أو ما أشبه ذلك، وهذا لأن أسباب العصوبة كثيرة، ومن العصبات من لا يصير محجوباً بغيره، ومنهم من يصير محجوبا بغيره، فلا بد من أن يعلم القاضي سبب عصوبته حتى إذا جاء آخر فادعى عصوبته، فالقاضي يعلم أن الثاني محجوب بالأول وهو حاجب له، وصارت الشهادة على الميراث، ودعوى الميراث دعوى تلقي الملك من جهة الميت، نظير الشهادة على دعوى تلقي الملك من جهة حالة الحياة. ومن ادعى تلقي الملك من جهة الحيوة وشهد الشهود بذلك ولم يبينوا سببه، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم؛ لأن في أسباب الملك كثيرة وأحكامها مختلفة، فالبيع لا يوجب ملكاً لأنه جاء بعوض، والهبة توجب ملكاً غير لازم بغير عوض، فكذا في دعوى الميراث. وإذا شهد الشهود بوراثة رجل وبينوا سببه ولم يزيدوا عليه، فاعلم بأن ههنا فصول: أحدها: هذا، والحكم فيه أن الشهادة مقبولة إلا أن القاضي لا يدفع المال إلى المشهود له للحال بل يتلوم زماناً لجواز أن يظهر وارث آخر للميت هو مزاحم للمشهود له، أو هو مقدم عليه.

стр. 3818

الثاني: إذا شهدوا بوراثته وبينوا سببه وقالوا: لا نعلم له وارثاً آخر، وهذه الشهادة مقبولة، ويدفع القاضي المال إليه للحال من غير تلوم، وقوله: لا نعلم له وارثاً سوى هذا ليس من صلب الشهادة، بل هو لإسقاط مؤنة التلوم عن القاضي؛ لأن بدون ذكر هذه الزيادة القاضي يتلوم، وبعد ذكر هذه الزيادة لا يتلوم. الثالث: إذا شهد أنه وارثه لا وارث له غيره، وهذه الشهادة مردودة قياساً مقبولة استحساناً، وجه القياس: أن هذه شهادة بما يعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الحكم بمعاينة الحكم، أما من حيث الحقيقة فظاهر، وأما من حيث الحكم بمعاينة السبب؛ لأنه لا يوجد في النفي سبب موضوع يوجب النفي بخلاف الشهادة على الإثبات؛ لأن من الإثبات ما يعلم حقيقة، كالأفعال نحو الغصب والقتل، ومنها ما يعلم من حيث الظاهر بمعاينة الأسباب كالأملاك، فلم تكن الشهادة على الإثبات شهادة بما يعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به وبخلاف قوله: لا نعلم له وارثاً غيره لأن قوله لا نعلم له وارثاً غيره إخبار عن عدم علمه بوارث آخر، وهو يعلم عدم علمه بوارث آخر، فلم تكن هذه شهادة بعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به، وأما قوله: لا وارث له غيره إخبار عن نفي وارث آخر في نفسه، ولا علم له بذلك لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الظاهر بمعاينة السبب على ما ذكرنا. وجه الاستحسان: أن العمل بحقيقة هذه الشهادة إن تعذر من الوجه الذي قلتم أمكن العمل بمجازها بأن يجعل قولهما: لا وارث له غيره، كناية عن قولهما: لا نعلم وارثاً غيره، لأن عدم وارث آخر غير هذا المدعي متى ثبت على الحقيقة ثبت عدم العلم بوارث آخر غيره، فيمكن أن يجعل نفسه على الحقيقة كناية عن نفي علم. الرابع: إذا قالا: لا نعلم له وارثاً آخر بأرض كذا غير فلان، قال أبو حنيفة ﵀: هذه الشهادة جائزة ويقضي له بالميراث، وقالا: لا تجوز هذه الشهادة ولا يقضى له بالميراث، وجه قولهما، أن وجود وارث في مكان آخر إن لم يثبت بشهادتهما نصاً فقد ثبت مقتضى تخصيصهما هذا المكان بنفي وارث آخر فيه، لأنه لو لم يكن له وارث آخر في مكان آخر لم يكن لتخصيص هذا المكان بالنفي فائدة والثابت اقتضاءً والثابت نصاً سواء، ولو ثبت وجود وارث آخر في مكان آخر نصاً بأن قالا: لا نعلم له وارثاً آخر في مكان كذا وله وارث آخر في مكان كذا، أليس إن القاضي لا يدفع المال إليه؟ كذا ههنا، ألا ترى أنهما لو قالا: لا نعلم له وارثاً آخر في هذا المجلس لا يقضى بالميراث له وطريقه ما قلنا، ولأبي حنيفة ﵀ أن وجود آخر في مكان آخر لم يثبت بشهادتهما لا نصاً، ولا يقتضي تخصيصهما هذا المكان بالنفي فيه؛ لأن بهذا التخصيص فائدة أخرى. ووجه ذلك: أنما لما لم يكن له وارث آخر في هذا المكان مع أنه مسقط رأسه، أولى أن لا يكون له وارث آخر في مكان آخر، ثم يقول: إن في هذا الكلام تقديم وتأخير يمكن تصحيح الشهادة لو حمل عليه، فيحمل عليه إذ يحتال بتصحيح الشهادة بقدر

стр. 3819

الممكن، ووجه التقديم والتأخير أنا لا نعلم له وارثاً آخر غير فلان بأرض كذا، فيكون ذكر الأرض لكون فلان فيها، ونفي غيره على العموم، أما أن يكون ذكر الأرض لتخصيصه بالنفي فيه فلا، ثم الشهود إذا شهدوا على وراثة شخص وبينوا سببها، وهذا الشخص ممن يستحق جميع المال، ولا يصير محجوباً بغيره، كالابن والبنت والأب إن قالوا: لا نعلم له وارثاً آخر غيره، فالقاضي يدفع جميع المال إليه من غير تلوم؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت بعلم القاضي، ولو علم القاضي بذلك كان يدفع المال إليه كذا ههنا. فإن قيل: نفي وارث آخر ثابت بعضه بالأصل، فإن الأصل هو العدم، فلماذا يشترط نفيه بالشهادة؟. قلنا: نعم الأصل هو العدم، إلا أن العدم ثابت باستصحاب الحال لا بدليله، والثابت باستصحاب الحال يصلح للدفع لا للاستحقاق، فلهذا شرطنا ثبوت النفي بدليله حتى يصلح لاثبات استحقاق ما لم يكن ثابتاً، فأما إذا شهدوا أنه ابنه ولم يزيدوا على هذا، فالقاضي لا يدفع جميع المال إليه بل يتلوم زماناً يقع في غالب رأي القاضي أنه لو كان معه وارث آخر لظهر في هذه المدة، ولم يقدر محمد ﵀ في «الأصل» لذلك مقداراً، ولكن فوض ذلك إلى رأي القاضي، وهكذا ذكر في «الجامع» فالمذكور في «الجامع الكبير» : أن القاضي يتأنى ويتلوم في ذلك زماناً قدر ما يقع في غالب رأيه أنه لو كان له وارث آخر لظهر في مثل هذه المدة، وذكر الطحاوي ﵀ في مختصره وقدر لذلك حولاً؛ لأن الغيبة قد تمتد إلى حول، قالوا: ما ذكر الطحاوي قولهما؛ لأنهما يثبتان المقدار فيما لا نص فيه ولا إجماع بالاجتهاد، وما ذكر في «الأصل» وفي «الجامع» قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يثبت المقدار فيما لا نص فيه ولا إجماع بالاجتهاد، بل يفوضه إلى رأي من ابتلي به، فإنه إذا تلوم حولاً أو مقداراً وقع في قلبه أنه لو كان له وارث آخر لظهر دفع المال إليه؛ لأن نفي وارث آخر ثبت بنوع دليل وهو التلوم، فصار كما لو ثبت بالشهادة، فأما قبل التلوم لا يدفع المال إليه؛ لأن نفي وارث آخر قبل التلوم ثابت باستصحاب الحال (١٣٠أ٤) وإنه لا يصح لإثبات استحقاق ما لم يكن ثابتا فرق بين هذا وبينما إذا شهدوا أنه جد الميت أب أبيه أو أخوه لأبيه وأمه ولم يزيدوا على هذا فإن القاضي لا يدفع المال إليه بالتلوم ما لم يشهد الشهود بالنفي، وفي الابن قال: يدفع المال اليه بالتلوم والفرق أن في مسألة الابن وقع الشك في دفع بعض المال لا في دفع الكل لأنه مستحق للبعض على كل حال، وفي مسألة الجد والأخ الشك وقع في الكل لأنهما يحجبان بوارث آخر ولا شك أن الشك للتمكن في دفع الكل فوق الشك المتمكن في دفع البعض، والنفي الثابت بالتلوم دون النفي الثابت بالشهادة من حيث الحقيقة؛ فاكتفى بالتلوم للنفي متى وقع الشك في دفع البعض، ولم يكتف متى وقع الشك في دفع الكل ليظهر نقصان ريبة التلوم عن ريبة الشهادة وصار وزان مسألة الجد والأخ مسألة الابن: أن لو شهد أنه جده أب أبيه ووارثه، أو شهدا أنه أخوه لأبيه وأمه ووارثه حتى

стр. 3820

ثبت له استحقاق البعض ووقع الشك في الباقي، ولو كان كذلك كان يدفع المال إليه بالتلوم، وإذا عرفت الجواب في الابن فهو الجواب في الابنة والأبوين؛ لأن الشك في حقهم يمكن في البعض؛ لأنهم لا يحجبون بحال، والجواب في ابن الابن وفي ابن الأخ والعم وابن العم، كالجواب في الجد والأخ؛ لأن في حق هؤلاء وقع الشك في دفع الكل؛ لأنهم يحجبون بغيرهم هذا الذي ذكرنا إذا كان المدعي استحق جميع المال، وهو ممن لا يحجب بغيره كالابن والابنة أو ممن يحجب بغيره كالأخ والعم وابن الأب وأشباههم، وأما إذا كان المدعي وارثاً لا يستحق جميع المال ولكن لا يصير محجوباً بغيره. كالزوج والزوجة إن شهدا أنه زوجها أو أنها زوجته لا يعلم له وارثاً غيره دفع إلى الزوج النصف وإلى المرأة الربع، لأن نفي وارث آخر ثبت بالشهادة فصار كالثابت بعلم القاضي، وأما إذا شهدوا أنه زوجها أو شهدوا أنها زوجته ولم يزيدوا على هذا؛ أجمعوا على أن قبل التلوم لا يدفع إليه أكثر النصيبين؛ لأن استحقاق أكثر النصيبين معلق بعدم الولد وأنه لم يثبت بدليله، والعدم الثابت باستصحاب الحال لا يكفي، وأما إذا تلوم زماناً ولم يظهر وارث آخر. قال محمد ﵀ في دعوى «الأصل» : إن القاضي يدفع إليه أكثر النصيبين، إن كان زوجاً يدفع إليه النصف، وإن كان زوجة يدفع إليها الربع، وقال أبو يوسف ﵀: يدفع إليه أقل النصيبين؛ إن كان زوجاً الربع وإن كان زوجة الثمن، ولم يذكر قول أبي حنيفة مع أبي يوسف في «المبسوط» و «الطحاوي» : في مختصره ذكر قول أبي حنيفة مع أبي يوسف والخصاف ذكر قوله مع قول محمد. وإذا ادعى داراً في يدي إنسان أنها له ورثها عن أبيه وجاء شهود وشهدوا أنها كانت لأبيه إلى أن مات وتركها ميراثاً له لا يعلم له وارثاً غيره، فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي وهذا ظاهر، وكذلك إذا شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت، فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي، وإن لم يشهدوا أنه تركها ميراثاً له؛ لأنهم إن لم يشهدوا بذلك صريحاً فقد شهدوا بذلك دلالة، لأن ما كان للإنسان يوم الموت يصير ميراثا لورثته لا محالة، وكذلك إذا شهدوا أنها كانت في يد أبيه إلى أن مات، أو شهدوا أنها كانت في يد أبيه يوم الموت فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي؛ لأن الشهادة باليد يوم الموت شهادة بالملك له يوم الموت، لأن اليد المجهولة تنقلب يد ملك عند الموت؛ لأن الظاهر من حال من حضره الموت أن يسوي أسبابه، ويبين ما كان عنده من الودائع أو الغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر أن ما في يده ملكه فجعلنا اليد عند الموت ملك من هذا الوجه، وروى الحسن بن زياد وعلي بن يزيد الطبري صاحب محمد بن الحسن ﵏، أنه لا تقبل الشهادة في هذه الصورة؛ لأنهم شهدوا بيد عَرَف القاضي زوالها، ولم يشهدوا بالملك للمورث، ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح لما ذكرنا أن الأيدي المجهولة تنقلب عند الموت يد ملك، فكانت

стр. 3821

هذه شهادة بالملك من حيث المعنى، ولو شهدوا أنها كانت لأبيه ولم يجروا الميراث الى المدعي، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة في قول أبي حنيفة ﵀، وهو قول أبي يوسف ﵀ أولاً، رجع أبو يوسف عن هذا القول وقال: تقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي. وجه قول أبي يوسف آخر: أن كون هذه الدار ملكاً للميت يوم الموت إن لم يثبت بنص الشهادة ثبت بمقتضى الشهادة أنها كانت لأبيه؛ لأن ما كان للانسان يبقى له إلى أن يوجد ما يزيله فيبقى إلى يوم الموت، فصار هذا وما لو شهد بكونه له يوم الموت سواء، والدليل عليه أن الأب لو كان حياً وادعى الدار لنفسه، وجاء المدعي بشهود وشهدوا أنها كانت للمدعي، فالقاضي يقبل هذه الشهادة؛ لأن الشهادة بأنها كانت للمدعي شهادة بأنها للمدعي في الحال. والدليل عليه ما لو شهدوا على إقرار ذي اليد أنها كانت للميت فإنه تقبل هذه الشهادة، وجعل هذا بمنزلة إقراره أنها كانت للميت يوم الموت بالطريق الذي قلنا. والدليل عليه: من ادعى عيناً في يد إنسان أنه له اشتراه من فلان الغائب وجاء بشهود ولا بد للشهود أن يذكروا في شهادتهم ملك البائع، فلو شهد شهوده أنه كان للبائع فإنه يقضي للمشتري وإن لم يشهدوا بكونه ملكاً للبائع يوم البيع ما كان الطريق إلا ما قلنا. وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن كون هذه الدار ملكاً للميت يوم الموت باستصحاب الحال لا بالبينة، فإنهم لم يشهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت، وإنما شهدوا أنها كانت لأبيه لا غير، إلا أن ما ثبت للأب فإنه يبقى إلى يوم الموت ما لم يوجد دليل الزوال باستصحاب الحال لا بدليل يوجب قيام. قلنا: والثابت باستصحاب الحال يصلح لإبقاء ما هو ثابت ولا يصلح لإثبات ما هو غير ثابت على ما عرف، فاعتبرنا كون الثابت يوم الموت باستصحاب الحال لا بالبينة لإبقاء ما كان ثابتاً وهو الملك للميت، فإنه لا يثبت الوارث بالموت ملك جديد بل يبقي عين ما كان للميت حتى يرد بالعيب، ويرد عليه ولم يصر في حق مالكية الوارث؛ لأن اعتباره في حق مالكية الوارث لم يكن ثابتاً، وإنما ثبت للحال فيأخذ الاعتبارين إن وجب القضاء بهذه البينة، فباعتبار الآخر لا يجب فلا يجب بالشك والاحتمال، وليس كما شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت للميت ثابت بالبينة يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتاً، أما في مسألتنا هذه فتكون هذه الدار للميت يوم الموت غير ثابت بالبينة والتقريب ما مر، وبخلاف ما إذا شهدوا أنه كان في يده يوم الموت، لأن الشهادة باليد للميت يوم الموت شهادة بالملك له على ما بينا. وإذا كانت شهادة بالملك له فيكون هذا الشيء ملكاً للميت يوم الموت ثبت بنص البينة، وليس كما لو ادعى الملك لنفسه، وشهدوا أنها كانت للمدعي، فإنه يقضي بها للمدعي، وإن ثبت كونها ملكاً للمدعي للحال باستصحاب الحال لا بالبينة، لأن هناك لا

стр. 3822

يعتبر الكون الثابت للحال باستصحاب الحال لإثبات ما لم يكن ثابتاً، بل يعيده لإبقاء ما كان ثابتا له من الملك والمالكية جميعاً، بخلاف ما نحن فيه. وليس كمسألة الشراء لأن ملك المشتري مضاف الى الشراء الثابت بالبينة لا إلى بقاء ملك البائع في البيع الثابت له وقت الشراء باستصحاب الحال، وإن كان لابد لإثبات ملك المشتري من بقاء ملك البائع إلى يوم الشراء أحدهما: وجود، أو أنه لا يوجد حكماً لبقاء ملك البائع يوم الشراء، وإنما يوجد بالمباشرة عن اختيار، وإنه للملك فإنه موضوع كذلك، ألا ترى أنه لا يتحقق من غير إيجاب الملك فيكون الملك الثابت للمشتري مضافا إلى الشراء الذي ثبت بالبينة، لا إلى بقاء ملك البائع الثابت باستصحاب الحال، وما ثبت بالبينة يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتاً. وأما معنى ثبوت الملك للوارث مضاف إلى كون المال ملكاً للميت وقت الموت، لا إلى الموت الثابت معاينة، لأن الموت ليس بسبب للملك، فإنه موضوع لإبطال الحياة لا لإيجاب الملك حتى يتحقق من غير إيجاب ملك لأحد، وبقاء ملك الميت إلى يوم الموت فيما نحن فيه ثابت باستصحاب الحال لأن الشهود لم يشهدوا بذلك (١٣٠ب٤) والثابت باستصحاب الحال لا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتاً إن صلح، لإبقاء ما كان ثابتاً. وأما مسألة الإقرار قلنا: الملك الثابت للوارث هناك مضاف إلى إقرار ذي اليد الثابت بالبينة لا إلى بقاء ملك أبيه يوم الموت الثابت باستصحاب الحال، وإن كان لابد للميراث من الأمرين جميعاً كما في الشراء إلا أن الإقرار أحدهما: وجود أو أنه يصلح سبب ملك من وجه لأنه تمليك من جهة المقر إن كان إخباراً من وجه، ولهذا لا يصلح إذا لم يعد للمقر له ملكاً والإقرار ثابت بالبينة والثابت بالبينة يصلح لإثبات ما لم يكن تاماً، فأما ما ملك الوارث مضاف إلى كون هذه الدار ملكاً للأب يوم الموت لا إلى الموت الثابت معاينة، وكون هذا المال لأبيه يوم الموت ثابت باستصحاب الحال، وأنه لا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتاً فهذا هو الفرق بين هذا وبين الإقرار. فإذا شهد أنها لأبيه لا تقبل هذه الشهادة، ذكر محمد ﵀ المسألة في كتاب «الدعوى» من غير ذكر خلاف، وقد اختلف المشايخ فيه، من قال: المسألة على الخلاف على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: تقبل لأنهم شهدوا بالملك للميت والثابت للوارث عين ما كان ثابتاً للمورث.g والحاصل: أن أبا يوسف اعتبر جانب الملك ولا استحالة في جانب الملك، وهما اعتبرا جانب المالكية فقالا: أثبتنا المالكية للميت في الحال ولا مالكية للميت في الحال فكانت هذه شهادة بالمستحيل، ومنهم من قال: لا تقبل هذه الشهادة بلا خلاف وإليه ذهب الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ فكان يقول بأن محمداً ﵀ ذكر كلا الفصلين في «الكتاب» ثم خص رجوع أبي يوسف في مسألة الكون للميت، ولو كان الخلاف فيهما واحداً لذكر رجوعه فيهما، فعلى هذا: أبو يوسف يحتاج إلى الفرق

стр. 3823

بين هذه المسألة وبين تلك المسألة، ووجه الفرق له أن يقال: بأن الاستحالة في هذه المسألة إن لم تتحقق في جانب الملك؛ لأن الملك لم يتجدد للوارث بل قام مقام الميت كأنه وكيله فتحقق الاستحالة في إثبات المالكية للميت للحال يمنع قبول الشهادة واعتبار إثبات الملك للورثة للحال، وأنه غير مستحيل للحال يوجب قبوله، فلا يجب القبول بالشك، بخلاف ما لو شهدا أنه كان لأبيه لأنها غير مستحيلة باعتبار الملك والمالكية جميعاً؛ لأنهم أثبتوا كلا الأمرين في حالة الحياة فوجب القبول، فإذا وجب القبول نفى الملك إلى يوم الميت باستصحاب الحال، ثم ثبت مالكية الوارث حكماً ثم هذا الاختلاف فيما إذا لم يجروا الميراث، فأما إذا جروا وقالوا: هذا لأبيه مات وتركها ميراثاً له، تقبل هذه الشهادة بلا خلاف، وذكر محمد ﵀ مثل هذا في مسألة الحد في «الأصل» على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. وفي «فتاوى النسفي» ﵀: إذا شهد الشهود بالوراثة وقالوا: أين محدود ملك فلان يود وحق وي وريدست وي تا أول ترك بمرد وميراث ما ندخر وندان بشر رأ فلان وفلان رأى أنه ليس بتام ولا بد من أن يقول: ميراث ما نداين محدود رأى ويقول: ميراث ما ندش حتى يتم حكم الميراث في المحدود المدعى. قال الشيخ الإمام نجم الدين عمر النسفي ﵀: وكتبت الفتوى في حد الميراث وبالغت في شرائط الحد غير أني تركت الهاء عند قوله: وتركه ميراثاً، وكتبت: وترك ميراثاً فقال لي السيد الإمام: ألحق بالهاء واجعل وتركه ميراثاً حتى أفتي بالصحة. وينبغي أن يقال إذا شهدوا: أنه ملكه يوم موته أو شهدوا أنه كان في يده يوم مات أن لا يحتاج فيه إلى؟ الميراث، وإنما يحتاج إليه إذا شهدوا أنه كان ملكه ولم يتعرضوا ليوم الموت، بدليل المسائل التي تقدم ذكرها. قال: وإذا شهد شاهدان أن فلاناً (مات) وترك هذه الدار ميراثاً لفلان ابنه هذا، لا يعلمون له وارثاً غيره، ولم يدركا فلاناً الميت لا تقبل شهادتهما لا تحلل في جر الميراث؛ لأنهم جروا الميراث إليه على وجهه، حيث قالوا: وتركها ميراثاً له، ولا يحلل في الشهادة بالنسب والموت من حيث أنهم شهدوا بالشهرة والتسامع؛ لأن الشهادة بالنسب والموت بالشهرة جائزة، ولكن إنما لم تقبل شهادتهما لخلل في شهادتهما بالملك؛ لأنهم شهدوا بالملك للميت بالشهرة والتسامع فإن ما لا يكون مملوكاً للميت لا يصير ميراثاً لورثته، وإذا لم يدركوا الميت، لم يعاينوا سبب الملك منه في الدار، ولا كون الدار في يده يتصرف فيه تصرف الملاك، فعلم أن شهادتهما بالملك للميت بحكم الشهرة والتسامع لا تجوز هذا إذا كان نسب المدعي معروفاً من الميت، وإن لم يكن نسبه معروفاً من الميت فشهدا أنه فلان بن فلان الميت، وأن فلان الميت ترك هذه الدار ميراثاً له ولم يدركا الميت لم يذكر هذا الفصل ههنا، وذكر في «المنتقى» أجرى شهادتهما في النسب، وأبطلها في الميراث.

стр. 3824

ولو شهدوا على دار في يدي رجل أنها لفلان جد هذا الرجل المدعي وخطيه وقد أدركوا الجد، والمدعي يدعي أنها كانت لأمه فاعلم بأن ههنا فصلان: أحدهما: إذا شهدوا أنها كانت لجد المدعي، وأنه على وجهين، الأول: إذا جروا الميراث بأن شهدوا أنها كانت لجد هذا المدعي فلان، مات الجد وتركها ميراثاً لهذا المدعي، وفي هذا الوجه تقبل الشهادة، ويقضي بالدار للمدعي. الوجه الثاني: إذا لم يجروا الميراث بأن شهدوا أنها كانت لجد المدعي ولم يزيدوا على هذا، وفي هذا الوجه إن لم يعلم تقدم موت الجد على موت الأب لا يقضى بالدار للمدعي بالإجماع، وإن علم فكذلك الجواب عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف ﵏ أولاً، ثم رجع أبو يوسف وقال: يقضى بالدار للمدعي. والاختلاف في هذا نظير الاختلاف فيما إذا شهدوا أنها كانت لأبيه، ولو شهدوا على إقرار ذي اليد أن هذه الدار كانت لجد المدعي ولم يجروا الميراث، فإن القاضي يقضي بالدار للمدعي إذا لم يكن له وارث آخر، كما لو شهدوا على إقرار ذي اليد أنها كانت لأبيه وبعض مشايخنا قالوا في مسألة الجد: لا تقبل الشهادة بلا خلاف. الفصل الثاني: إذا شهدوا أن هذه الدار لجد هذا المدعي ولم يقولوا كانت لجده، فإن جروا الميراث تقبل الشهادة ويقضى بالدار للمدعي؛ لأن تفسير الجر أن يقولوا: هذه الدار لجده، مات الجد وتركها ميراثاً لأبيه، ثم مات أبوه وتركها ميراثاً لهذا المدعي، ومتى قالوا: مات الجد وتركها ميراثاً لأبيه فقد شهدوا بالملك لأبيه حال حياته، وصار من حيث المعنى كأنه قال: كانت لأبيه وجروا الميراث، فأما إذا لم يجروا الميراث فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ومحمد فههنا أولى، وأما على قول أبي يوسف الآخر ﵀: فقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: تقبل هذه الشهادة؛ لأن معنى قول الشاهد: إنها لجده عرفاً وعادة أنها كانت لجده، ولو شهدوا أنها كانت لجده أليس أنه يقضى بها للمدعي عنده كذا ههنا، ومنهم من قال: لا تقبل الشهادة ولا يقضى بالدار للمدعي عنده أيضا. والفرق: لأبي يوسف: بينما إذا شهدا أنها كانت لجد المدعي وبينما إذا شهدا أنها لجد المدعي، والفرق: أنهم إذا شهدوا أنها كانت لجد المدعي فقد أثبتوا الملك لجده حال حياته وهو من أهل الملك في حياته، فيثبت الملك للجد في حياته بهذه الشهادة، وما ثبت للجد ينتقل إلى المدعي ما لم يثبت الزوال من الجد قبل موته إلى غيره، وأما في هذه المسألة أثبتوا الملك للجد بعد الموت لأن قولهم: له عبارة عن الحال، وهو ميت في الحال، والميت ليس من أهل الملك فلم يثبت الملك للجد، فكيف ينتقل إلى المدعي؟. وإن شهدوا أن الدار كانت لجد هذا المدعي مات الجد، وقد ترك أب هذا المدعي

стр. 3825

وارثاً لا وارث له غيره، ولم يزيدوا على هذا يعني: لم يشهدوا أن أب هذا المدعي مات وتركها ميراثاً له، فالمسألة على الخلاف الذي ذكرنا؛ لأنهم شهدوا بملك الجد والانتقال إلى ابنه فكأنهم شهدوا أنها كانت لأبيه، كلفتهم البينة على عدد الورثة، ثم نفذت القضاء لأنهم ما لم يشهدوا على عدد الورثة لا يصير نصيب المدعي معلوماً والقضاء بالمجهول لا يجوز؛ وكذلك إذا شهدوا أنها كانت لجد المدعي، كلفتهم البينة على عدد الورثة ثم نفذت القضية (١٣١أ٤) بحصة هذا المدعي، وهذا لأن الشهادة على أنها كانت لأبيه أو على أنها كانت لجده شهادة معتبرة عند أبي يوسف ﵀، وبها يثبت كون الدار مملوكاً للأب أو للجد عند الموت، وما كان للمورث عند الموت يصير ميراثاً لورثته، إلا أنا نعلم كم نصيب هذا المدعي من الميراث، فشرط بيان عدد الورثة ليعلم مقدار نصيب المدعي. قال في كتاب «الأقضية» : دار في يدي رجل، أقام أحد البينة أن أبي اشتراها منه بألف درهم، وقد مات أبي والبائع يجحد ذلك، فإني لا أكلفه البينة أن أباه مات وتركها ميراثاً له ولكن أسأله البينة أنهم لا يعلمون له وارثاً غيره، فإن أقامها أمرته بدفع الدار إليه. وإنما لم يكلفه إقامة البينة أن أباه مات وتركها ميراثاً له لأنه لما أقام البينة على الشراء منه، ومعلوم أن كل مانع مقر بالملك لمورثه وقد ذكرنا أن صاحب الدين إذا أقام البينة على إقرار ذي اليد بالملك لمورثه، كفى ذلك حجة للقضاء ولا يحتاج إلى جر الميراث كذا ههنا، وإنما سأله البينة على أنهم لا يعلمون له وارثاً غيره لدفع شبهة التلوم عن نفسه، وإلا هذا القدر كاف لتوجه القضاء به. وإن كانت الدار في يد غير البائع سألته البينة أن أباه مات وترك هذه الدار ميراثاً له، لأن المدعي على ذي اليد ههنا نفس الملك للمورث والانتقال إلى نفسه بسبب الإرث، لا إقرار ذي اليد بالملك للمورث وهذا لأن دعوى القرار على ذي اليد في المسألة الأولى في ضمن دعوى البيع عليه، والمدعي ههنا لا يدعي البيع على ذي اليد فكان هذا في حق ذي اليد دعوى نفس الملك للمورث فلا بد من جر الميراث. وفي «الكتاب» يقول على وجه التعليل للمسألة الأولى: أن البائع بمنزلة المرتهن، ولو أقام البينة أن أباه رهن العبد عنده وجاء بالمال لينقده ويقبض الرهن، كلف إقامة البينة على عدد الورثة ولا يكلف جر الميراث كذا ههنا، فقد أشار إلى أن البيع في يد البائع محبوس لينقد الثمن، كالرهن محبوس في يد المرتهن لينقد الدين، وحكم الرهن ما ذكرنا. وحقيقة المعنى: أن المرتهن مقر بالملك للراهن أيضاً، لأنه مقر بصحة الرهن وذلك ملك الراهن فيعتبر بما لو أقر به صريحاً، ولو ادعى إقراره صريحاً قبلت البينة من غير جر الميراث كذا ههنا. فكذا في مسألة البيع: البائع مقر بصحة البيع، فيكون مقراً بملك المشتري ضرورة. قال في «الأصل» : دار في يدي رجل جاء ابن أخ صاحب اليد وأقام بينة أن هذه الدار كانت لجده، مات وتركها ميراثاً بين أبيه وبين عمه هذا الذي الدار في يده نصفان،

стр. 3826

ثم مات أبوه وترك نصيبه ميراثاً له، فالقاضي يقبل هذه البينة ويقضي بالدار بين المدعي وبين عمه نصفان. وإن لم يقض القاضي ببينة ابن الأخ، حتى أقام العم بينة أن أخاه وهو أب هذا المدعي مات قبل موت الجد وورث الجد منه السدس، ثم مات الجد وصار جميع الدار ميراثاً لي فهذه المسألة على وجهين: الأول: أن لا يكون في يد ابن الأخ شيء من تركة أبيه، وفي هذا الوجه بينة ابن الأخ أولى، لأن العمل بالبينتين جميعاً متعذر، لأن ابن الأخ ببينته يثبت موت الجد لاحتماله، فلا يتصور أن يكون موت الجد سابقاً على أب المدعي ولاحتماله، فلا بد من العمل بالراجح منها فنقول: بينة ابن الأخ راجح لوجهين أحدهما: ما أشار إليه في «الكتاب» فقال: لأن ابن الأخ هو المدعي، ومعنى هذا الكلام أن ابن الأخ يثبت الملك لنفسه في نصف الدار ببينة ابن العم والعم لا يثبت لنفسه شيئاً على ابن الأخ ببينته، وإنما بقي بينة ما أثبت هو لنفسه من نصف الدار، والبينات شرعت للإثبات لا للنفي. الثاني: إن كانت بينة العم مثبتة أيضاً، إلا أن بينة ابن الأخ أكثر إثباتاً لأنها تثبت الملك لأبيه في نصف الدار أولاً، ثم يثبت الملك له في نصف الدار من جهة الإرث، وبينة العم تثبت الملك للعم أما لا تثبت الملك لأبيه والجد لأن الملك ثابت للجد باتفاقهما، والبينات شُرعت للإثبات فما كانت أكثر إثباتاً، كان أولى بالقبول فإن قيل: إن كانت لبينة ابن الأخ رجحاناً من هذا الوجه فلبينة العم رجحاناً من وجه آخر، فإن للعم مع البينة اليد واليد مما يقع بها الترجيح إذا كان الدعوى في تلقي الملك من جهة الثالث. كما في دعوى الشراء من ثالث، فإن الرجلين إذا ادعيا شراء عين من ثالث، وأقاما البينة والعين في يد أحدهما فإنه يقضي بالعين لصاحب اليد. والجواب عن هذا أن يقال: بأن الملك فوق اليد، ألا ترى أن الشهود إذا شهدوا أن هذه الدار كانت لهذا المدعي، تقبل الشهادة ويقضي بالدار للمدعي، ولو شهدوا أن هذه الدار كانت في يد المدعي كانت المسألة على الاختلاف، وإذا كان الملك فوق اليد كان الترجيح بالملك أولى من الترجيح باليد. بخلاف ما إذا ادعيا الشراء من ثالث لأن هناك استوى المدعيان في إثبات الملك ولأحدهما يد فكان هو أولى، كما في دعوى الأخ أما ههنا بخلافه. الوجه الثاني: إذا كان في يد ابن الأخ بشيء من ميراث أبيه، وباقي المسألة بحالها وفي هذا الوجه ميراث الجد كلها للعم وميراث الأخ كلها لابن الأخ، ويجعل كأنهما ماتا معاً، وهذا لأن البينتين استويا في الإثبات من كل وجه؛ لأن بينة ابن الأخ أثبتت موت الجد سابقاً على موت أبيه وأثبت لأبيه ميراثاً من الجد وهو: نصف الدار التي في يد العم وأثبت ذلك لنفسه من جهة أبيه، وبينة العم تثبت بموت الأخ سابقاً على موت الجد وأثبت الجد ميراثاً من أخيه وهو سدس ما في يد ابن الأخ، ثم أثبت ذلك لنفسه من الجد. وهو معنى قولنا: البينتان استويا في الإثبات من كل وجه، والمدعيان استويا في اليد أيضاً فلا ترجيح لأحد البينتين على الأخرى، ولا لأحد المدعيين على صاحبه، فلا يعمل بينة كل

стр. 3827

واحد منهما فخرجت البينتان من البين، وموت كل واحد منهما قد ظهر والتاريخ بينهما ليس بمعلوم، فيجعل كأنهما ماتا معاً في الغرقى والحرقى، ولو ماتا معاً لا يرث أحدهما من صاحبه، ويجعل مال كل واحد منهما لورثته كذا ههنا، بخلاف ما إذا لم يكن في يد ابن الأخ شيء من تركة أبيه، لأن هناك ترجحت بينة ابن الأخ بكثرة الإثبات أما ههنا بخلافه. قال في «الأصل» أيضاً: لو أقام رجل البينة على ميراث رجل أنه مات سنة خمسين وأنه ابنه ووارثه لا وارث له غيره وقضى القاضي بذلك، ثم أقامت امرأة البينة أنه زوجها سنة إحدى وخمسين، ومات بعد ذلك ذكر أنه تقبل بينة المرأة وتشارك الابن في الميراث ويقضي لها بالمهر هكذا ذكر، ويجب أن لا تقبل بينة المرأة؛ لأن العمل بالبينتين جميعاً متعذر لأن الابن أثبت موت أبيه سنة خمسين وقضى القاضي بذلك، وإذا صار موته مقضياً به في سنة خمسين، لا يتصور أن يكون مقضياً به في سنة إحدى وخمسين، لأن الموت مما لا يتكرر، وكل واحدة منهما في الإثبات مثل صاحبتها؛ لأن كل واحد من البينتين أثبت موت مورثه وسبب وراثته من الميت، وهو النسب والنكاح فكان يجب أن تترجح الأولى بإيصال القضاء بها، لما تعذر العمل بها قياساً على ما إذا أقامت امرأة بينة أنه تزوجها يوم النحر بمكة وقضى القاضي بذلك، ثم أقامت امرأة أخرى بينة أنه تزوجها يوم النحر بخراسان، قال: لا تقبل البينة الثانية وتترجح الأولى باتصال القضاء بها؛ لأن كل واحدة منهما في الإثبات مثل صاحبتها والعمل بها متعذر لأن الشخص الواحد في يوم واحد لا يكون بمكة وخراسان، فترجحت الأولى باتصال القضاء بها فكذا هذا. والدليل عليه: ما لو كان مكان الموت قتلاً لو أقام الابن البينة أن فلاناً قتل أباه سنة خمسين وأنه ابنه ووارثه وقضى القاضي بذلك، ثم جاءت امرأة وأقامت البينة أنه تزوجها سنة إحدى وخمسين ثم قتله فلان بعد ذلك؛ فإنه لا تقبل بينة المرأة وتترجح الأولى باتصال القضاء بها لأن كل واحدة منهما في الإثبات مثل الأخرى والعمل بهما متعذر، فترجحت الأولى باتصال القضاء بها. إلا أن الجواب عنه، وهو الفرق بين مسألة الموت والقتل، وبين مسألة مكة وخراسان، أن يقال: بأن البينة الأولى إنما ترجحت بالقضاء في مسألة القتل؛ لأن القتل صار مقضي به بالبينة الأولى لأن القاضي قضى بالضمان على القاتل فلا بد للقضاء بضمان القتل من القضاء بالقتل لأنه سببه، كما لا بد للقضاء بالملك بالشراء من القضاء بالشراء؛ لأن الشراء مسببه. وإذا صار القتل مقضياً به ضرورة القضاء بضمان القتل صار التاريخ معه مقضياً به لأن القتل لابد وأن يكون في الزمان كما في الشراء، وإذا صار القتل مقضياً به في سنة (١٣١ب٤) خمسين لم يتصور ثانياً في سنة إحدى وخمسين؛ لأنه لا يتكرر فترجحت الأولى بالقضاء لهذا، وكذلك كون المتزوج بمكة في مسألة مكة وخراسان صار مقضياً به مع النكاح وإن لم يكن كونه بمكة سبباً للاستحقاق، بل سبب الاستحقاق هو النكاح لأنه

стр. 3828

لا يمكن القضاء بالنكاح بدون المكان، فإنه لابد للنكاح من كون الناكح في مكان، وإذا لم يكن للنكاح بد من المكان صار المكان الذي ذكره الشهود أولى بالقضاء من غيرها من الأمكنة، وإذا صار كونه بمكة مقضياً به يوم النحر، لم يتصور أن يصير كونه بخراسان مقضياً به في ذلك اليوم مرة أخرى فترجحت الأولى بالقضاء. وأما في مسألة الموت: فالموت لم يصر مقضيا به لضرورة القضاء بالنسب فإنه يتصور القضاء بالنسب من غير موت أصلاً، كما لو أقام البينة أنه ابنه في حال حياة أبيه، وأما ضرورة القضاء بالميراث لأن استحقاق الميراث مضافاً إلى النسب خاصة، لا إلى الموت والنسب؛ لأن النسب يكفي لإضافة استحقاق الميراث إليه فإن النسب إذا تأخر عن الموت بأن كان الموت ظاهراً والنسب غير ظاهر. فإذا ثبت النسب بشهادة الشهود بعد الموت، كان الاستحقاق مضافاً إلى النسب حتى لو رجع الشهود ضمنوا، وإذا كان النسب كافياً لاستحقاق الميراث لم يصر الموت مقضياً به ضرورة القضاء بالنسب لم يصر التاريخ مقضياً به بالبينة أيضاً، لأن التاريخ صفته، وإذا لم يصر التاريخ مقضيا به بالبينة الأولى صار وجود التاريخ وعدمه بمنزلة، فكأن الابن أقام البينة على الموت والنسب من غير تاريخ، وقضى القاضي له بذلك ثم أقامت المرأة البينة على النكاح والموت، ولو كان كذلك قضى بالأمرين جميعاً لأنه لا تنافي بينهما وكذلك هذا. فإن قيل: كما يضاف استحقاق الميراث إلى النسب وحده إذا تأخر فكذا يضاف إلى الميت إذا تأخر، فإن النسب إذا كان ثابتاً ثم ثبت الموت بالبينة بعد ذلك فإن الاستحقاق يضاف إلى الموت، حتى لو رجع الشهود ضمنوا فإذا كان كل واحد منهما مما يضاف الاستحقاق إليه إذا انفرد فحالة الاجتماع يكون الاستحقاق مضافاً إليهما لا إلى النسب خاصة، وإذا أضيف إليهما صار الموت مقضياً به مع التاريخ فوجب أن لا تقبل بينة المرأة بعد ذلك. والجواب عنه أن يقال: بل الموت يصلح لإضافة استحقاق الميراث إليه إذا تأخر عن النسب إلا أن عند اجتماع النسب أولى بإضافة الاستحقاق إليه من الموت؛ لأن النسب في الأصل مشروع للاستحقاق، استحقاق ضره ونفعه وكثير من الأمور لا يخلو إثبات النسب عن استحقاق شيء من الحقوق التي ذكرنا، فأما الموت غير مشروع للاستحقاق لا محالة، بل مشروع لإبطال الحياة حتى يتحقق من غير إيجاب حق أصلاً لأحد، فيكون الإضافة إلى النسب أولى إذا ثبتا معاً، وقد يجوز أن يضاف الحكم إلى الشيء حالة الانفراد، ثم مع غيره لا يضاف إليه بل يضاف إلى ذلك الغير، كالخر يصلح سبباً لإضافة التلف إليه فكذلك مسألتنا: إذا اجتمع الموت والنسب، يضاف الاستحقاق إلى النسب وإن كان يضاف إلى الموت إذا انفرد وتأخر عن النسب.

стр. 3829

وإذا أضيف استحقاق الميراث ولا في حق إمكان القضاء بالنسب لأن الإمكان يثبت بدون الموت أصلاً، وإليه أشار محمد ﵀ في «الكتاب» فإنه قال في مسألة الموت: لأني لم أوجب بموته يعني لم أقض به. قالوا: وقال في مسألة مكة وخراسان: لأني جعلته في ذلك اليوم بمكة أي نصبت بكونه بمكة ضرورة إمكان القضاء بالنكاح، بهذا فرق محمد ﵀. وكذلك لو أقامت امرأة أخرى البينة بعدما قضيت بموته في توريث امرأته وأنه تزوجها بعد ذلك الوقت، فإنه تقبل بينتها لما ذكرنا أن الموت لم يصر مقضياً به لا في حق إضافة الاستحقاق ولا في حق إمكان القضاء بالنكاح؛ لأن القضاء بالنكاح ممكن بدون الموت وإذا لم يصر الموت مقضياً به لم يصر التاريخ مقضياً به فكأن الأول أثبت العقد والموت والثانية كذلك، ولم يؤرخا ولو كان كذلك قضى بالأمرين لأنه لا تنافي بينهما، فكذلك هذا. ولهذه المسألة بطل ما يقول بعض مشايخنا في الفرق بين مسألة الموت ومكة وخراسان: أن بنية المرأة إنما قبلت لأن فيها زيادة إثبات، وهو إيجاب المهر ليس ذلك في بينة الابن، والأولى إنما يترجح بالقضاء حال تعذر العمل بهما إذا لم يكن في الثانية زيادة إثبات بخلاف مسألة مكة وخراسان؛ لأنهما استويا في الإثبات وبين الأمرين تنافي، فترجحت الأولى بالقضاء لأن هذا يشكل ما لو أقامت المرأة الأخرى بينة أنه تزوجها بعد الوقت ثم مات، فإنه لم يقبل بينة المرأة الثانية، والمرأتان قد استويا في الإثبات. ويشكل بمسألة القتل فإنه لم يقبل بينة المرأة وإن كانت في بينتها زيادة إثبات ولأن الثانية متى ترجحت بسبب الزيادة تبطل الأولى وإن اتصل بها القضاء متى كان بين الأمرين منافاة كما في مسألة العم والأب من قبيلين مختلفين، وههنا القضاء للابن لا يبطل علمنا أن الصحيح من الطريقة ما أشار إليها محمد ﵀، وفي «المنتقى» : إذا شهد الشهود على رجل أنه قتل أب هذا عمداً ولا وارث له غيره، وأن القتل كان في شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين ومائة، وأقام المدعى عليه بينة أن أباه كان حياً وأنه أقرضه في محرم سنة ست وثمانين ومئة، مئة درهم وأنها دين عليه، فالبينة بينة الابن؛ لأنهما أمران لا يستقيم أن يكونا فيؤخذ بالوقت الأول إلا أن أبا حنيفة ﵀ استحسن في هذا الباب شيئاً واحداً فقال: إذا أقام الابن البينة أن هذا قتل أباه عمداً بالسيف منذ عشر سنين، وأنه لا وارث له غيره.w وجاءت امرأة وأقامت البينة أنه تزوجها منذ خمس عشر، وأن هذا ولده منها وأن هذا وارثه مع أبيه هذا قال أبو حنيفة ﵀: أستحسن في هذا أن أجر بينة المرأة وأبطل بينة الابن على القتل، ولو أقامت المرأة البينة على النكاح ولم تأت بولد فالبينة بينة الابن والميراث للابن دون المرأة ويقتل القاتل إنما استحسن في النسب خاصة وهو قول أبي يوسف ومحمد، ولو شهدوا أن أباه مات في هذه الدار لا تقبل الشهادة. والأصل في حبس هذه المسائل أن الشهود شهدوا على فعل من المورث في العين عند موته فهذا على وجهين: إما إن شهدوا بفعل هو دليل اليد أو بفعل ليس هو دليل اليد فعل يوجد من المالك في الغالب كالسكنى في الدور، فهذا النوع من الفعل إذا قامت البينة على وجوده من المورث في العين عند موته يقضي بالمدعي للمدعى؛ لأن هذه الأفعال لما كانت دليل اليد صارت الشهادة عليها عند الموت، والشهادة على اليد سواء والدين ليس بدليل اليد في التقلبات فعل يتأتى بدون الفعل، ولا يحصل في الغالب للنقل كالجلوس على البساط وفي جر التقلبات الذي ليس بدليل اليد، فعل يوجد من غير الملاك في الغالب كالجلوس والنوم في الدار فهذا النوع من الفعل إذا قامت

стр. 3830

الشهادة على وجوده من المورث في العين عند موته، لا يقضي بالعين للمدعي، لعدم دليل الملك، وعدم دليل اليد التي هي دلالة الملك إذا ثبت هذا. جئنا إلى المسائل فنقول: إذا شهد الشهود أن أباه مات، وهو لابس هذا القميص أو لابس هذا الخاتم، تقبل الشهادة لأنهما فعلان لا يتهيأ ثبوتها إلا بالنقل وهو دليل اليد، وكذلك لو شهدوا أنه مات وهو حامل لهذا الثوب، تقبل الشهادة لأن الحمل لا يتهيأ بدون النقل. أطلق محمد ﵀ الجواب في الخاتم، وحكى عن القاضي أبي الهيثم عن القضاة الثلاثة ﵏ أنهم كانوا يفصلون الجواب في ذلك ويقولون: إن شهدوا أن الخاتم كان في خنصره أو بنصره يوم الموت، تقبل الشهادة وإن شهدوا أنه كان في السبابة أو في الوسطى أو في الإبهام لا تقبل الشهادة، ولكن الصحيح أن يجري في إطلاقه كما ذكره محمد ﵀؛ لأن الفعل الذي لا يتهيأ إلا بالنقل والتحويل في النقليات أقيم مقام اليد على ما قر، ولبس الخاتم في أي موضع كان لا يتهيأ إلا بالنقل والتحويل، ولو شهدوا أن أباه مات وهو راكب على هذه الدابة قضي بالدابة للوارث، وإن كان الركوب يتحقق بدون النقل إلا أنه لا يحصل في الغالب إلا بالنقل، ولو شهدوا أن أباه مات وهو ساكن في هذه الدار تقبل الشهادة لأن السكنى إنما تكون من المالك غالباً لأن الساكن في الدار من إليه إسكان غيره (١٣٢أ٤) وإزعاجه، وفتح الباب وإغلاقه، وهذا عادة لا يكون إلا من الملك، وعن أبي يوسف برواية «المعلى» ﵀: إذا شهد شاهدان أن فلاناً مات وهو ساكن في هذه الدار، لا يقضي بالدار لورثته، ولو شهدوا أن أباه مات في هذه الدار، لا تقبل الشهادة لأنه ليس بفعل يفعله الملاك غالباً؛ لأن الدار قد يموت فيها الملاك، وقد يموت فيها الضيفان فلا يكون دليلاً على اليد، بخلاف السكنى على ما هو. ولو شهدوا أن أباه مات وهو قاعد على هذا الفرس أو على هذا البساط أو نائم عليه، لا تقبل هذه الشهادة لأن هذه الأفعال تتصور بدون النقل فلا يكون دليلاً على اليد. ولو شهدوا أن أباه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه، ولم يشهدوا أنه كان حاملاً له، لا تقبل هذه الشهادة ولا يقضى للوارث، لأن الوضع قد يكون منه فثبت منه النقل والتحويل فيكون ذلك دليل يده، وقد يكون من غيره فلا يثبت منه النقل والتحويل فيكون ذلك دليل يده، فقد وقع الشك في يده فلا تثبت يده بالشك حتى لو قالوا: لو شهدوا أنه كان هو الواضع على رأسه تقبل شهادتهم؛ لأن الوضع من فعل لا يتأتى إلا بالنقل فكان دليلاً على اليد. هكذا حكي عن القاضي أبي الهيثم.

стр. 3831

ثم قال محمد ﵀ عقيب هذه المسائل: أرأيت لو أن رجلاً في يديه دار قال لآخر: كنت أمس ساكن هذه الدار فقال الآخر: صدقت وهي لي، فقال المقر: ليست لك، كان للمقر له بالسكنى أن يأخذها أشار ما قلنا: أن السكنى دليل الملك، فكان الإقرار بالسكنى إقرار له بالملك. قال في دعوى الأصل: إذا كانت الدار في يدي رجل وابن أخيه، فادعى العم أن أباه مات وتركها ميراثاً له، لا وارث له غيره، وادعى ابن الأخ أن أباه مات وتركها لا وارث له غيره قضي بالدار بينهما نصفان؛ لأن كل واحد منهما أثبت الملك لأبيه في الدار، ثم أثبت الانتقال إلى نفسه فكأن الأبوين حيان حضرا وادعى كل واحد الدار لنفسه والدار في أيديهما، وهناك يقضي لكل واحد منهما بنصف الدار بالقضاء لأب كل واحد منهما تصير ميراثاً لولده، فإن قال العم: هذه الدار كانت بين أبي وبين أخي نصفان، وصدقه ابن الأخ في ذلك إلا أن العم قال لابن الأخ: مات أخي قبل موت الجد، وصار النصف الذي كان لأخي ميراثاً بين الجد وبينك أسداساً، ثم مات الجد فورثت ذلك السدس منه، وقال ابن الأخ: مات الجد أولاً وصار النصف الذي للجد ميراثاً بينك وبين أبي نصفان، ثم مات أبي فورثت ذلك منه. فنقول: حاصل المسألة: أن العم يدعي لنفسه سدس ما في يد ابن الأخ، وابن الأخ يدعي لنفسه نصف ما في يد العم، فحصل كل واحد منهما مدعياً ومدعى عليه، فإن لم تقم لهما بينة ولا لأحدهما، حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه فإن حلفا برئا، وصار الحال بعد الحلف كالحال قبل الحلف، وقبل الحلف كانت الدار بينهما نصفان لكونها في أيديهما، فكذا ههنا فإن حلف أحدهما ونكل الآخر يقضي للحالف بما نكل له صاحبه، وإن أقام أحدهما بينة قضى بما شهد له ببينته، وإن أقاما جميعا البينة قضي بالدار بينهما نصفان؛ لأنه قد ظهر الموتان ولم يعرف سبق أحدهما، فيجعل كأنهما وقعا معاً فلا يرث ميت من ميت، وإنما يرث من كل ميت ورثته الأحياء، ووارث الجد العم فنصيبه من الدار يصير له، وذلك النصف يصير له أيضاً. قال: وإذا كانت الدار في يدي رجل، جاء رجل وادعى أن أباه مات، وترك هذه الدار ميراثاً له ولأخوته فلان وفلان وفلان، لا يعلمون له وارثاً غيرهم وإخوته كلهم غيب، أجمعوا على أن هذه البينة في حق استحقاق جميع الدار للميت مقبولة، لأن آخذ الورثة ينتصب خصماً عن الميت فيما يستحق أو عليه، ألا ترى أنه لو ادعى على ميت ديناً بحضرة أحدهم وأقيم عليه البينة ثبت الدين في حق الكل، وكذلك لو ادعى أحد الورثة ديناً على إنسان للميت وأقام على ذلك بينة، ثبت الدين في حق الكل، وأجمعوا على أنه يدفع إلى الحاضر نصيب الحاضر، وأجمعوا على أنه لا يدفع إلى الحاضر نصيب الغائب. بعد هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يؤخذ نصيب الغائب ويوضع على يدي عدل، وقال أبو حنيفة ﵀: لا يؤخذ. وأجمعوا على أن صاحب اليد لو كان

стр. 3832

مقراً لا يؤخذ نصيب الغائب من يده هذا هو الكلام في العقار. وأما المنقول: فلا شك أن على قولهما يؤخذ نصيب الحاضر من يده، وأما على قول أبي حنيفة: اختلف المشايخ فيه، وإنما اختلفوا لاختلافهم في علة أبي حنيفة في فصل العقار، فمن قال: بأن طريق أبي حنيفة في فصل العقار أن هذا مال غائب، لا يخشى عليه التلف بإنكار ذي اليد، فلا يأخذه القاضي من يد صاحب اليد لأن الأخذ لا يؤرخ، وبهذا الطريق لا يؤخذ إذا كان صاحب اليد مقراً بيان أنه لا يخشى عليه التلف بإنكار ذي اليد، لأن الدعوى بعد قضاء القاضي بإنكار ذي اليد إنما يكون بموت القاضي، أو بموت الشهود الذين عاينوا القضاء، أو بنسيان القاضي القضاء. وضياع الكتاب وكل ذلك نادر ولا عبرة للنادر في الشرع، فهذا القائل يقول: لا ينزع المنقول من يد صاحب اليد عنده، لأنه لا يخشى عليه التلف بإنكار ذي اليد، من قال بأن طريق أبي حنيفة في العقار: أن القاضي لا يملك حفظ هذا المال على الغائب بالبيع، فلا يملك حفظه بالنقل من يد إلى يد يقول: بأن المنقول ينزع من يد صاحب اليد، لأن القاضي يملك حفظ المنقول على الغايب بالبيع، فيملك الحفظ بالنقل من يد إلى يد. ثم في فصل العقار إذا حضر الغائب هل يحتاج إلى إعادة البينة؟ قال بعض مشايخنا: يحتاج، والأصح لا يحتاج لما ذكرنا أن أحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت، والحاضر أثبت كل الدار للميت بما أقام من البينة، فلا يحتاج الغائب إلى إعادة البينة. قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجلان أقام كل واحد منهما بينة على دار في يدي رجل أنها كانت لأبيه، مات وتركها ميراثاً له لا يعلمون له وارثاً غيره، وأحد هذين الرجلين ابن أخ ذي اليد ووارثه لا وارث له غيره، فلم يترك البينتان حتى مات المدعى عليه، فصار الدار في يد ابن أخيه، ولم يوص إلى أحد ثم إن البينتين جميعاً زكيتا، فالقاضي يقضي بالدار بين الأخ وبين الرجل الأجنبي نصفين، وإن صار ابن الأخ ذو اليد والآخر خارج، لأن ابن الأخ ملك الدار بحكم الإرث مع هذا قال: يقضى بالدار بينهما لوجهين: أحدهما: أنه لما زكيت البينتان، ظهر أن الأجنبي أقام البينة العادلة، وهي سبب للاستحقاق فثبت له بإقامة البينة العادلة حق الملك، وكون التركة مشغولة بحق الأجنبي يمنع الإرث فلم تصر الدار ميراثاً لابن الأخ، فيثبت الدار على حكم ملك الميت، وجعل يد ابن الأخ كيد الميت، فصار ابن الأخ في حق نفسه خارجاً. والثاني: إن ثبت الملك لابن الأخ في الدار بالإرث إلا أن هذا الملك غير الملك الذي يدعيه وله في الملك الذي يدعي فائدة، وهو أن يتعلق بالدار دين عمه ولا وصية، فاعتبر خارجاً إذ الخارج من يحتاج إلى إثبات ما يدعي بالبينة، وذو اليد من يحتاج إلى إثبات ذلك بالبينة، لقيام ظاهر يده على ما يدعي، فإذا اعتبر ابن الأخ خارجاً قضي بالدار بينهما نصفان لو أقام الأجنبي البينة على ابن الأخ أن الدار داره ورثها من أبيه، لم تسمع بينته لأن القاضي لما قضى بالدار نصفان صار كل واحد منهما مقضياً عليه في النصف من

стр. 3833

جهة صاحبه لأن كل واحد منهما أقام البينة على كل الدار، ولولا بينة صاحبه لما حرم من النصف فثبت أن كل واحد منهم صار مقضيا عليه في النصف من جهة صاحبه، وقد عرف أن من صار مقضياً عليه في شيء لا يسمع دعواه في عين ذلك الشيء، إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له ولم يوجد. ولو أن القاضي زكى شهود الأجنبي بعد موت العم ولم يزك شهود ابن الأخ فقضى بالدار كلها للأجنبي، ثم زكيت بينة ابن الأخ لم يقض له بشيء وقد بطلت بينته؛ لأنه لما قضى بالدار كلها للأجنبي ولا يجوز القضاء بالدار كلها للأجنبي مع قيام ما يوجب القضاء بالنصف لابن الأخ فضمن القضاء بكل الدار للأجنبي إبطال شهود ابن الأخ، وللقاضي ولاية إبطال الشهادة إذا وجد دليل الإبطال، والقاضي متى رد شهادة إنسان في حادثة فإنه يتأيد الرد في تلك الحادثة فإن أعاد ابن الأخ شهوده على الأجنبي، فشهدوا أن الدار داره بسبب الإرث على ما ادعى، قضى بجميع الدار لابن الأخ لأنه لم يصر مقضياً عليه ببينه الأجنبي (١٣٢ب٤) لأن تلك البينة قامت على العم دون ابن الأخ، وهذا لا يشكل فيما إذا أقام ابن العم شهوداً آخرين، إنما يشكل فيما إذا أعاد تلك الشهود وإنما كان هكذا، وذلك لأن القاضي ما رد شهادتهم لتهمة الكذب، بل لضرورة القضاء للأجنبي، وما ثبت بطريق الضرورة لا يعمل وموضع الضرورة، فلم يصر محكومه يكذبها، ولأن المشهود عليه في المرة الثانية غير المشهود عليه في المرة الأولى في هذا لا يتأيد الرد، كفاسقين إذا شهدا وردت شهادتهم ثم تابا، وشهدا للمشهود له الأول في حادثة أخرى قبلت شهادتهما كذا ههنا، وإن أقام الأجنبي بعد هذا بينة أن الدار داره لم تقبل؛ لأنه صار مقضياً عليه ببينة الأخ فلا يقضى له فيما قضي به عليه، ولو زكى شهود ابن الأخ ولم يزك شهود الأجنبي فقضى بالدار لابن الأخ ثم زكى شهود الأجنبي بعد ذلك لم يلتفت إلى ذلك لما مر، ولو أعاد الأجنبي شهوده على ابن الأخ قضى بجميع الدار لما مر، فإن قال ابن الأخ: أنا أعيد شهودي، لم يلتفت إلى ذلك لأنه صار مقضياً عليه لما مر، ولو كان الأجنبي أقام البينة في حياة العم ولم يقم ابن الأخ حتى مات العم قبل تزكيته شهود الأجنبي، ثم أقام ابن الأخ البينة أنها دار ورثها من أبيه وزكيت البينتان جميعاً قضى بالدار بينهما نصفان لما مر من الوجهين، ولو أن ابن الأخ لم يقم البينة على شيء حتى قضى بالدار للأجنبي، ثم ابن الأخ أقام على الأجنبي بينة أنها داره ورثها من أبيه قضى بالدار لابن الأخ؛ لأن ابن الأخ لم يصر مقضياً ببينة الأجنبي؛ لأن تلك البينة قامت على العم لا على ابن الأخ، ولو كان ابن الأخ هو الذي أقام البينة في حياة العم، ومات العم ثم أقام الأجنبي البينة فزكيت البينتان يقضى بالدار للأجنبي، فرق بين هذا وبينما إذا أقام الأجنبي البينة في حياة العم وأقام ابن الأخ البينة بعد موت العم حيث يقضى بالدار بينهما نصفان. والفرق بينهما: إما على المعنى الأول فلأن إقامة الأجنبي البينة العادلة أو حيث شغل الدار بحق الأجنبي، وهذا يمنع جريان الإرث، فبقي ابن الأخ خارجاً كالأجنبي

стр. 3834

فقضى بالدار بينهما وإقامة ابن الأخ البينة وإن أوجبت شغلاً في الدار بحق ابن الأخ، ولكن حقه لا يمنع ثبوت حقه بالإرث فصار ابن الأخ ذا يد والأجنبي خارج فيقضى بها للخارج، وإما على المعنى الثاني: فلأن الإرث وإن جرى إلا أن ابن الأخ إنما اعتبر خارجاً تحقيقاً لعرضه بشرط قيام المنازع، وعند إقامة الأجنبي البينة وجد له المنازع فاعتبر ابن الأخ خارجاً، فأما عند عدم إقامة الأجنبي البينة لم يوجد المنازع إذ الأجنبي لا يعتبر منازعاً لعدم ثبوت الخصوصية له من بين سائر الناس بمجرد الدعوى، فاعتبر ابن الأخ ذا يد فقضي بالدار للأجنبي لهذا، ولو أقام كل واحد منهما شاهداً واحداً على العم، فمات العم فورثه ابن الأخ ثم أحضر كل واحد منهما شاهداً آخر فزكيت البينتان يقضى بالدار بينهما نصفان، وهذا لا يشكل على الوجه الثاني؛ لأن ابن الأخ اعتبر خارجاً على الوجه الثاني، وإن ملك الدار بالإرث على ما مر، إنما يشكل على الوجه الأول لأن إقامة الأجنبي شاهداً واحداً لا يوجب شغلا في الدار لحق الأجنبي فيملك ابن الأخ الدار بالإرث فيصير هو ذا اليد، والوجه في هذا أن يقال: بأن إقامة الأجنبي شاهداً واحداً وإن لم تصر الدار مشغولاً لحق الأجنبي مع هذا ابن الأخ لا يرث الدار من عمه؛ لأنه لو ورثها أدى إلى أمر محال. بيانه: أن شهادة الشاهد الواحد انعقدت معتبرة في الجملة فلو ورث ابن الأخ الدار وصار ذا اليد لا بد وأن يجعل القول قوله في أنه ورثها عن أبيه لأن قول الإنسان فيما في يده مقبول ومتى جعلنا القول قوله في أنه ورثها من أبيه وإبطال الشهادة المنعقدة بقول يحتمل الصدق والكذب محال فإن قال أحدهما: بعد ما قضى بالدار بينهما نصفان: أنا أقيم البينة على صاحبي لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن كل واحد منهما صار مقضياً عليه فيما قضي به لصاحبه على ما مر، ولو كان كل واحد منهما أقام شاهداً واحداً على العم فلما مات العم أقام الأجنبي شاهداً آخر، فزكيت شاهده وقضى له بشهادتهما ثم جاء الابن بشاهد آخر لا يلتفت إلى ذلك؛ لأنه لو أقام شاهدين على العم بطلب القضاء للأجنبي فإذا أقام شاهداً واحداً أولى، فإن أعاد ابن الأخ شاهدين على الأجنبي قضي بها لابن الأخ؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه ببينة الأجنبي؛ لأنها قامت على العم لا عليه. وفي «المنتقى» : رجل توفي فادعى رجلان ميراثه، يدعي كل واحد منهما أن الميت مولاه أعتقه ولا وارث له غيره وأقام اليينة على ما ادعى ولم يؤقتوا للعتق وقتاً فالميراث بينهما، ولو وقتوا للعتق وقتاً فصاحب الوقت الأول أولى. وفي «نوادر بشر» : عن أبي يوسف ﵀ رجلان أخوان لأب وأم في أيديهما دار، أقام أحدهما بينة أن هذه الدار كانت لأمي مات وتركتها ميراثاً بيني وبين أبي أرباعاً ثم مات الأب وترك ذلك الربع بيني وبينك، وأقام الآخر بينة أن هذه الدار كانت لأبي وتركها ميراثاً بين وبينك قال: آخذ ببينته الذي ادعى ثلاثة أرباع الدار له، ولا أقبل بينة الآخر؛ لأن الآخر يدعي النصف لنفسه وهي في يده ولا يدعي شيئاً مما في يد مدعي ثلاثة الأرباع فلا يسمع بينته، ومدعي ثلاثة الأرباع مدعي لنفسه بعض ما في يد الآخر

стр. 3835

فتقبل بينته فيكون له ثلاثة أرباع الدار من قبل أمه ونصف الربع الآخر له من قبل أبيه ونصف الربع الآخر للآخر؛ لأنه مدعي ذلك لنفسه ولا يتنازع له فيه. المعلى عن أبي يوسف ﵀ رجل أقام بينة على ميت أنه أخوه لأبيه وأمه، لا يعلمون له وارثاً غيره وأقامت امرأة البينة أنها ابنة الميت جعلت الميراث بينهما نصفان، ولا أسألهما بينة أنهم لا يعلمون له وارثاً غيرهما، فكل أحد أقام بينة على نسبه أشركته في الميراث، ولا أسأله بينة على عدد جميع الورثة. قال: وإذا ادعى رجل داراً ميراثاً من أبيه أو أمه ولم يذكر اسم المورث ونسبه، حكي عن شيخ الاسلام الأوزجندي: أنه لا يسمع دعواه. في «فتاوى أبي الليث» : رجل زوج ابنة امرأة وسمى لها منزلاً وباعه منها بيعاً صحيحاً، ثم إن هذا الرجل مات وادعى ورثته أن أباهم باع هذا المنزل من فلان قبل أن يسميه لها، يعني قبل أن يبيعها من امرأة الابن فإنهم لا يصدقون على ذلك والمنزل لها، وعلى فلان أن يقيم البينة على شرائه قبل تاريخ شراء المرأة ولا تقبل شهادة الثانية في ذلك؛ لأنهم يريدون بشهادتهم إبراء أنفسهم عن عهدة شراء المرأة، فإن المرأة لو وجدت بالمنزل عيباً ردته عليهم وحاصصتهم. قال: رجل ادعى داراً في يدي إنسان وقال في دعواه: هذه الدار كانت لأبي فلان مات وتركها ميراثاً لي ولأختي فلانة لا وارث له غيرنا ترك ثياباً ودواباً فقسمنا الميراث، ووقعت هذه الدار في نصيبي بالقسمة واليوم جميع هذه الدار ملكي، بهذا السبب وفي يد هذا بغير حق فدعواه صحيحة؛ لأنه ادعى جميع الدار لنفسه ثلثاها بسبب الإرث وثلثها بسبب القسمة، ولكن لابد وأن يقول: وأخذت أختي نصيبها من تلك الأموال حتى يصح منه مطالبة المدعي بتسليم كل الدار إليه، ولو كان قال في دعواه: مات أبي وتركها ميراثاً لي ولأختي، ثم إن أختي أقرت بجميعه لي وصدقتها في إقرارها، حكي عن شيخ الإسلام الأول الأوزجندي ﵀ أنه قال: دعواه صحيحة، والصحيح أن لا يصح دعواه في الثلث؛ لأن هذا دعوى الملك في الثلث بسبب الإقرار ودعوى الملك بسبب القرار غير صحيح، عليه عامة المشايخ، والمسألة في «الأقضية» : سئل شمس الإسلام الأوزجندي ﵀ عمن ادعى عيناً في يده وقال: هذا كان ملك أبي وتركه ميراثاً لي ولفلان وفلان سمى الورثة ولم يبين حصة نفسه صح منه هذه الدعوى، وإذا أقام البينة على هذا الوجه قبلت بينته، ولكن إذا آل الأمر إلى المطالبة بالتسليم لابد وأن يبين حصته، ولكن لم يبين عدد الورثة بأن قال: مات أبي وترك هذا العين ميراثاً لي ولجماعة سواي، وحصتي منه كذا وطالبه بتسليم ذلك لا يصح منه الدعوى ولابد من بيان عدد الورثة لجواز أنه لو بين كان نصيبه أنقص مما سمى، وإذا شهد الرجل بوراثة رجل فقال: لا وارث لهذا الميت غيره لا يعلم له وارثاً غيره ثم شهد بعد ذلك بوراثة رجل آخر عن هذا الميت قبلت هذه الشهادة؛ لأن (١٣٣أ٤) قوله لا وارث له غيره ليس من صلب الشهادة بل هو أمر زائد؛ لأن الشهادة مقبولة بدونه على ما مر، فصار ذكره ولا ذكر سواء؛ ولأن التوفيق ممكن فإنه

стр. 3836

يمكنه أن يقول: ما علمت له وارثاً آخر حال ما شهدت، ثم علمت بعد ذلك. ذكر في «دعوى المنتقى» : دار في يدي رجل ادعى رجل أنها بينه وبين الذي في يديه نصفان ميراثاً عن أبيه وجحد ذلك الذي هو في يده وادعى أن كلها له فجاء المدعي بشهود شهدوا أن هذه الدار كانت لأب المدعي فلان، مات وتركها ميراثاً له خاصة لا وارث له غيره قال: إن لم يدع المدعي أن النصف خرج إلى الذي الدار في يده بسبب من قبله فشهادة شهوده باطلة، وإن قال: كنت بعت نصيبها بألف درهم لم يصدقه القاضي على البيع ولم يجعله مكذباً لشهوده وقضى له بنصف الدار ميراثاً عن أبيه وإن أحضر بينة على أنه باع النصف من المدعى عليه بألف درهم، أو أنه صالحه من الدار على أن يسلم له النصف منها قبلت بينته على ذلك، وقضى بالدار كلها ميراثاً للمدعي من الوالد وقضى بنصف الدار بيعاً من المدعى عليه إن كان ادعى البيع، وكان للمدعي على المدعى الثمن، وإن كان أقام البينة على الصلح أبطلت الصلح أو ردت الدار كلها إلى المدعي، لأنه لم يأخذ للنصف عوضاً والله أعلم. الفصل التاسع: في الشهادة على الشهادة الأصل إن كل ما يثبت بشهادة النساء مع الرجال يثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأن الشهادة على الشهادة نظير شهادة النساء مع الرجال؛ لأن المتمكن في الشهادة على الشهادة تهمتان تهمة الكذب في الأصول وتهمة الكذب في الفروع، والمتمكن في شهادة النساء مع الرجال تهمتان أيضاً، تهمة الكذب بسبب عدم الصحة وتهمة الضلال والنسيان، فكانا نظيرين إلا أن الشهادة على الشهادة إنما تقبل حالة العجز عن شهادة الأصول وشهادة النساء مع الرجال تقبل مع القدرة على شهادة الرجال؛ لأن شهادة الفروع بدل من كل وجه لأن الفرع لا يعاين سبب الحق إنما عاينه الأصل، وأما شهادة النساء نظير شهادة الرجال من حيث معاينة سبب الحق وإنما البدلية من حيث الصورة فلهذا افترقا. وإنما يقع العجز عن شهادة الأصول بأحد أسباب ثلاث: أما بمرض الأصول مرضاً لا تستطيع الحضور معه مجلس الحكم، أو بغيبة الأصول غيبة سفر هكذا، قال صاحب «الأقضية» والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني، والشيخ القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي، والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده ﵏. وعن أبي يوسف ﵀: أن الأصل إذا كان في موضع لو حضر مجلس الحكم وشهد لا يمكنه البيتوتة في أهله أجازت الشهادة على شهادته، وإن أمكنه البيتونة في منزله لا يجوز الشهادة على شهادته؛ لأن الشاهد في هذه الصورة لايكلف بالحضور مجلس

стр. 3837

الحكم لأداء الشهادة؛ لأنه يخرج بالبيتوتة في غير أهله والشاهد محتسب في أداء الشهادة، والمحتسب لا يكلف بما فيه حرج، لو لم يجز الشهادة على شهادته في هذه الصورة لتعطلت الحقوق وكثير من المشايخ أخذوا بهذه الرواية. وروي عن محمد ﵀: أن الشهادة على الشهادة يجوز كيف ما كان حتى روي عنه: إذا كان الأصل في زاوية المسجد فشهد الفرع على شهادته في زاوية أخرى من ذلك المجلس المسجد تقبل شهادتهم. وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمهما الله في شرح «أدب القاضي» للخصاف: إذا شهد الفرع على شهادة الأصول والأصول في المصر يجب أن تجوز على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا تجوز بناء على أن التوكيل بغير رضى الخصم عند أبي حنيفة ﵁ لا يجوز وعندهما يجوز، ووجه البناء على تلك المسألة أن الجواب في تلك المسألة مستحق على المدعى عليه بلسانه فاستحق عليه الحضور مجلس الحكم للجواب، كما أن في هذه المسألة استحق على الشاهد أداء الشهادة، فاستحق عليه الحضور مجلس الحكم لأداء الشهادة، ثم إن عند أبي حنيفة ﵀: لما لم يملك المدعى عليه أنابه غيره مناب نفسه في الجواب إلا بعذر، فكذا لا يملك الأصل إنابة غيره مناب نفسه في الشهادة إلا بعذر وعندهما لما ملك المدعى عليه أنابه غيره مناب نفسه، وفي الجواب من غير عذر فكذا يملك الأصل إقامة الفرع مقام نفسه في أداء الشهادة من غير عذر. وفي «نوادر هشام» قال: سألت محمداً ﵀ عن رجل خرج وتبعه قوم وهو يريد مكة أو سفراً آخر سماه، ثم ودعه القوم وانصرفوا ثم شهد قوم آخر على شهادته، وادعى المشهود عليه أنه حاضر وقد شهدت البينة على ما سمينا، ولم يزيدوا على ذلك هل تقبل الشهادة على شهادته في قول من لا يقبل الشهادة على حاضر؟ قال: بلى؛ لأن الغيبة تكون هكذا، فإن كان ودعهم وهو في منزله لم يرده حين خرج لا أقبل شهادتهم؛ لأنه كان في منزل، هذا هو الكلام في طرف الأداء. جئنا إلى طرف الإشهاد فنقول الإشهاد على الشهادة صحيح، وإن كان الأصل في المصر بلا خلاف حتى إذا غاب الأصل بعد ذلك أو مات فالفرع يشهد على شهادته وتقبل شهادته؛ لأن العبرة لحالة الأداء لأن الحكم يقطع عند الأداء فيشترط غيبة الأصل حالة الأداء، وإن كان الأصل محبوساً في المصر فأشهد على شهادته هل يجوز للفرع أن يشهد على شهادته؟ وإذا شهد عند القاضي فالقاضي هل يعمل بشهادته؟ لا، ذكر لهذه المسألة في شيء من الكتب، فقد اختلف مشايخ زماننا بعضهم قالوا: إن كان محبوساً في سجن هذا القاضي لا يجوز؛ لأن القاضي يخرجه من سجنه حتى يشهد ثم يعيد إلى السجن، وإن كان محبوساً في سجن الوالي ولا يمكنه من الإخراج من الحبس للخصومة يجوز، لأن عجزه بسبب الحبس أبلغ من عجزه بسبب المرض وإذا جازت الشهادة على الشهادة بعذر المرض، فكذلك بعذر الحبس ويستدل هذا القائل بمسألة التوكيل بغير رضى الخصم على

стр. 3838

مذهبه لا يجوز إلا بعذره، وجعل الحبس في السجن الوالي عذراً كالمرض حتى قال بجواز التوكيل من غير رضى الخصم إذا كان المطلوب محبوساً في سجن الوالي كما قال بجوازه إذا كان المطلوب مريضاً، وقيل: ينبغي أن لا يجوز ويستدل هذا القائل بما ذكر محمد ﵀ في كفالة «الأصل» : إذا كان المكفول بالنفس محبوساً بالدين في سجن هذا القاضي الذي تخاصما إليه، لا يؤاخذ الكفيل به، وإن كان محبوساً في سجن قاض آخر في المصر الذي وقعت فيه الكفالة أو كان محبوساً في سجن والي هذا المصر، فالقياس أن يؤاخذ الكفيل بتسليم النفس؛ لأن المكفول بالنفس ليس في يد هذا القاضي لا حقيقة، وهذا ظاهر ولا حكماً لأن سجن الوالي وسجن قاض آخر ليس في يد هذا القاضي حتى يجعل من في السجن كأنه في يده، فيطالب الكفيل بالتسليم إذا كان قادراً عليه وهو قادر على تسليمه بأن يؤدي ما عليه. وفي الاستحسان لا يطلب الكفيل بتسليمه، لأن سجن أمير البلد وسجن قاضي آخر في هذا المنزل بمنزلة سجنه؛ لأن له ولاية على أهل المصر كلهم، إلا أنه نصب قاض آخر من جانب آخر إذا كانت البلدة عظيمة؛ لأنه ربما لا يمكنه القيام بأمور جميع أهل البلدة أو يتعذر على الناس الذهاب من جانب إلى جانب لبعد المسافة لا لقصور ولاية هذا القاضي عن بعض أهل المصر، وإذا كان كذلك صار سجن القاضي الآخر في هذا المصر وسجن الوالي بمنزلة سجن هذا القاضي أفلا ترى أن سجن الوالي جعل كسجن هذا القاضي في أن لا نطالب الكفيل بتسليم المكفول له، فكذا في حق الشهادة على الشهادة يجعل سجن الوالي كسجن هذا القاضي، ولو كان الأصل في سجن هذا القاضي، لم يجز الشهادة على الشهادة، فكذا إذا كان في سجن هذا الوالي، ثم جواز الشهادة على الشهادة استحساناً أخذ به علماؤنا ﵏، والقياس يأبى جوازها؛ لأنه لا يمكن تجويزها بطريق نيابة الفروع عن الأصول؛ لأن الشهادة فرض يتأدى بالبدن وفي مثله لا تجري النيابة كما في الصوم والصلاة ولا يمكن تجويزها باعتبار أنه يقع العلم للفروع بشهادة الأصول، لأن شهادة الأصول وجدت في غير مجلس القضاء والشهادة في غير مجلس القضاء لا يفيد علماً يوجب العمل ولا يمكن تجويزها من حيث أن الفروع بشهادتهم يثبتون شهادة الأصول؛ لأن الشهادة ليست من قبيل الحقوق التي يمكن إثباتها بالشهادة عند القاضي، ألا ترى أن الشاهد إذا أنكر أن يكون له شهادة لفلان فأراد المشهود له أن يثبت ذلك بالبينة لا يقدر عليه؟ إلا أنا استحسنا وقلنا بجوازها لتعامل الناس، والناس إنما تعاملوا ذلك لإحياء الحقوق؛ لأن الأصل قد نجز عن أداء الشهادة إما بموت أو سفر، فلو لم تجز الشهادة على الشهادة لتعطلت الحقوق، وطريق الجواز أن ينقل الفرع بشهادته شهادة الأصول عند القاضي ويقطع القاضي بشهادة الأصول (١٣٣ب٤) القائمة في مجلس القاضي بنقل الفروع إياها في مجلس القاضي، ومن جملة ما عملوا فيها بالقياس القصاص والحدود حتى قلنا: لا تجوز الشهادة على الشهادة في القصاص والحدود، قال محمد: ﵀ والمعني فيه أن في الشهادة على الشهادة زيادة شبهة،

стр. 3839

إما لأن الخبر إذا تداولته الألسنة تمكن فيها زيادة أو نقصان، أو لأنه تمكن في الشهادة على الشهادة تهمة الكذب في موضعين، والحدود والقصاص لا تجب مع الشبهات، وفي «شهادات الأصل» : لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين أن قاضي كذا ضرب فلاناً حداً في قذف فهو جائز، وذكر في «زيادات الأصل» : أنه لا يجوز وجه ما ذكر في الشهادات أن الشهادة على الشهادة قامت على استيفاء الحد لا على إيجابه، واستيفاء الحد يثبت بالشهادة على الشهادة إنما لا يثبت الإيجاب وإنما قلنا: أنها قامت على استيفاء الحد لأنهم شهدوا أنه حده حد القذف، وحد القذف يثبت بالجلد ورد الشهادة والجلد قد استوفي، ورد الشهادة استوفي فيما مضى إذا لم يستوف في المستقبل، فكان المستوفي أكثر، وعلى رواية الديات اعتبر ما يستقبل من المدة وفيما يستقبل من المدة رد الشهادة لم يستوف بعد فتكون شهادة على إيجاب الحد بهذا القدر، والشهادة على الشهادة لا تقبل في إيجاب الحد قل أو كثر ولا تثبت شهادة الأصلين عند القاضي ما لم يشهد على شهادة كل واحد منهما اثنان من الفروع. وقال مالك: إذا شهد على شهادة كل أصل فرع واحد كفاه، والكلام بيننا وبينه في هذه المسألة فرع لمسألة أخرى بيننا وبينه: أن الفرعين إذا سمعا شهادة الأصلين بحق من الحقوق وهما عدلان هل لكلا الفرعين أن يشهدا بأصل الحق فيقولان: نشهد أن لفلان على فلان كذا ولا ينقلان شهادة الأصل وعلى قول علمائنا ﵏: لا يحل لهما ذلك بل ينقلان شهادة الأصلين وعلى قول مالك يحل لهما أن يشهدا بأصل الحق ويقضي القاضي بشهادتهما، فإذا كان على قوله يقضي بشهادة الفرعين بأصل المال، فلأن يقضي بشهادتهما وقد شهد كل واحد بشهادة الأصل أولى. وعندنا الفرع لا يشهد على أصل الحق ولكن ينقل شهادة الأصل إلى مجلس القاضي، ونقل الشهادة إلى مجلس القاضي لا يثبت إلا بشهادة المثنى كنقل الإقرار، وكنقل البيع وسائر التصرفات، وجه قوله في تلك المسألة: أن شهادة العدلين في إفادة العلم بمنزلة معاينة سبب أصل الحق أو الإقرار به ألا ترى إلى ما ذكر في كتاب الاستحسان: إذا شهد عند المرأة عدلان أن زوجها طلقها ثلاثاً فإنه لا يحل لها أن تمكن نفسها من زوجها، كما لو سمعت الطلاق من زوجها أو أقر الزوج أنه طلقها ثلاثاً، ولو عاين الفرعان سبب الحق أو إقرار من عليه حل لهما الشهادة بأصل الحق فكذا هذا، وعلماؤنا احتجوا في هذه المسألة بما روي عن علي ﵁ أنه قال: «لا تجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين» ولم ينقل عن غيره خلافه، واحتجوا في تلك وقالوا: القياس أن لا تكون الشهادة حجة وإنما جعلت حجة شرعاً إذا اتصل بها قضاء القاضي، فبدون اتصال القضاء لا تكون حجة فلا تفيد العلم بأصل الحق، فلا يحل له الشهادة بأصل الحق وليس كمسألة الطلاق؛ لأن في الطلاق حق لله تعالى لما فيه من تحريم الفرج، ولهذا قبلت الشهادة عليه من غير دعوى، وحق الله تعالى يثبت بقول الشاهد الواحد إذا كان عدلاً بلفظ الخبر من غير قضاء قاض، كما في حرمة الأكل، فإنها تثبت

стр. 3840

بقول الواحد العدل حتى إن عدلاً لو أخبر: أن هذا اللحم متروك التسمية، أو ذبيحة مجوسي يحرم تناوله؛ لأن حرمة الأكل من حق الله تعالى، إلا أن في الطلاق حق العبد أيضاً وهو إزالة ملك النكاح، فأثبتنا ما هو حق الله تعالى وهو الحرمة بنفس الشهادة قبل القضاء، ولم نثبت ما هو حق العبد ما لم يتصل القضاء بالشهادة. ولو شهد فرعان على شهادة أصلين جاز؛ لأن شهادة كل أصل تثبت شهادة المثنى، ولو شهد رجل بأصل الحق، ثم شهد هو مع فرع آخر بشهادة أصل آخر فالقياس أن يقضي بهذه الشهادة لأن شهادة الأصل الغائب قد ثبت بشهادة الفرعين فكان الأصل الغائب حضر بنفسه وشهدا مع هذا الأصل الآخر، وفي الاستحسان لا يقضي بهذه الشهادة؛ لأن شهادة الأصل الغائب لم يثبت عند القاضي، فكأنه شهد عنده أصل واحد ولو كان كذلك لا يقضي بالمال فكذلك هذا، وإنما قلنا ذلك لأن شهادة الأصل الحاضر على شهادة الأصل الغائب غير مقبولة؛ لأنه لو قبل أدى إلى أن يثبت بشهادته ثلاثة أرباع الحق، نصف الحق بشهادته، وربع الحق بشهادته مع آخر على شهادة الغائب، ولا يجوز أن يثبت بشهادة الواحد ثلاثة أرباع الحق، كما لا يجوز أن يثبت به أصل الحق، وإذا لم تقبل شهادته على شهادة الأصل الغائب بقي على شهادة الأصل الغائب شاهد واحد وبالشاهد الواحد لا تثبت شهادة الأصل. قال محمد ﵀ في «الجامع الكبير» : لو أن رجلين سمعا من رجلين يقولان: نشهد أن لفلان على فلان كذا، لم يسعهما أن يشهدا على شهادة الرجلين حتى يقول لهما الرجلان: اشهدا على شهادتنا، ولو سمعا قاضيا يقول لرجل: قضيت عليك لهذا الرجل بكذا، وسعهما أن يشهدا على قضائه وإن لم يقل لهما القاضي: اشهدا على قضائي بذلك، فقد شرط لصحة تحمل الشهادة على الشهادة الأمر بالشهادة، ولم يشترط لصحة تحمل الشهادة على القضاء الأمر بالشهادة. واختلفت عبارة المشايخ في الفرق بعضهم قالوا: قضاء القاضي وقوله حجة تلزمه المال على المدعي بمنزلة الإقرار وسائر الأفاعيل والأقاويل الملزمة، وقد عاين ذلك بيقين ومن عاين حجة أو سمعها وسعه أن يشهد ذلك بيقين عليها بدون إشهاده وأما الشهادة غير حجة إلا في مجلس القاضي فلا يحصل العلم للفرع بقيام الحق بمجرد شهادة الأصل في غير مجلس القاضي حتى يشهد الفرع على أصل الحق فتعذر كونه شهادة الفرع على أصل الحق فتتعين جهة نقل شهادة الأصل إلى مجلس القاضي لجواز الشهادة على الشهادة، فصار شاهد الفرع بمنزلة الوكيل عن الأصل والوكالة لابد لها من التوكيل وزان مسئلتنا من مسألة القضاء ما إذا عاين قضاء القاضي في غير المصر الذي هو قاض (فيه) وهناك لا يجوز له أن يشهد على قضائه كذا ههنا، وبعضهم قالوا: الأصل له منفعة في نقل الفرع شهادته من وجه ومضرة من وجه منفعة؛ لأن الشهادة حق على الأصل يلزمه الأداء متى وجد الطلب من صاحب الحق، كما لو كان عليه دين، فمن هذا الوجه يكون قاضياً ما عليه فيكون الأصل منفعة، كما لو قضى عليه ديناً وجب عليه لغيره، فبهذا

стр. 3841

الاعتبار لا يحتاج إلى الأمر، ولكن له مضرة من حيث زوال ولائه في تنفيذ قوله على المشهود عليه؛ لأنه لما عاين سبب وجوب الحق فقد ثبت له ولاية على المشهود عليه، فإذا نقله الفرع من غير أمره، لو صح النقل زال ما ثبت له من الولاية على المشهود عليه، وإزالة الولاية الثانية للغير ضرر عليه، فبهذا الاعتبار لا يصح إلا بالأمر. كما قالوا في الأجنبي: إذا زوج وليه إنسان بغير أمره؛ فإنه لا يجوز وإن قضى حقاً عليه وله في ذلك منفعة؛ لأنه مضرة من وجه فإنه أزال ولايته عن وليته نفذ عقده، وفي هذا ضرر عليه؛ لأنه إبطال حق عليه فاحتيج إلى الأمر من جهته فكذا هذا احتيج إلى الأمر من جهته ليصح التحمل هذا المعنى لا يتأتى في فصل القضاء، فلا يحتاج فيه إلى الأمر. ولو قال رجلان لرجلين: نشهد أن لفلان على فلان ألف درهم فاشهدا على شهادتنا ذلك، فسمع هذه المقالة رجلان آخران لم يسعهما أن يشهدا على شهادتهما، لما ذكرنا أن الفرع بمنزلة الوكيل، ولا وكالة له بدون التوكيل، ولا توكيل في حق الآخرين. قد ذكرنا أن من سمع قاضياً يقول لرجل: قضيت عليك لهذا الرجل ألف درهم وسعه أن يشهد على قضائه وإن لم يشهده على قضائه ولو بينا للقاضي فقالا: سمعنا قاضي كذا قال: قضيت على هذا الرجل لهذا الرجل بكذا، ولكن لم يشهدنا على قضائه لا يوجب ذلك خللاً في شهادتهما، فرق بين هذا وبينما إذا رأى عيناً في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك حل له أن يشهد بالملك له بظاهر يده، فلو بينا ذلك للقاضي أنهما شهدا بالملك له لأنهما (١٣٤أ٤) رأياه في يده لا تقبل شهادتهما. والفرق: أن قضاء القاضي حجة بيقين وقد أخبر عن معاينته فقد أخبر عن معاينة ما هو حجة، فلا يوجب خللاً في الشهادة، كما أخبر عن معاينة الإقرار أو البيع، وأما اليد فليس بدليل على الملك يقيناً، إنما كان دليلاً بنوع ظاهر مع الاحتمال، ولكن مع هذا كان للشاهد أن يعتمد على ذلك الظاهر للشهادة عند عدم المنازع ضرورة أنه لا دليل للشهادة سوى ذلك، ولا ضرورة في حق القاضي أن يعتمد على هذا الظاهر؛ لأن في حقه دليل آخر أقوى، وهو الشهادة بالملك مطلقاً كيف وإن القاضي لو اعتمد على هذا الظاهر فإنما اعتمد عليه عند وجود المنازع؟ لأن الشهادة إنما يحتاج إليها عند وجود المنازع، واليد ليس بحجة عند وجود المنازع، فلا يقضي بشهادتهما لهذا، وإن بينا أنهما سمعا منه في غير البلد الذي هو فيه قاض، لا تقبل شهادتهما ولا ينبغي لهما أن يشهدا؛ لأنه في غير بلده بمنزلة سائر الرعايا فلم يقبل منه إقراره بالقضاء؛ لأن كلامه ليس بحجة وقوله ليس بقضاء، ثم إن كثيراً من مشايخنا كالخصاف وغيره طولوا لفظ الشهادة على الشهادة ولفظ أداء الشهادة وبالغوا فيه قالوا في الإشهاد: يقول شاهد الأصل بين يدي شاهد الفرع: اشهد أن لفلان على فلان كذا، وأنا أشهدك على شهادتي أنت على شهادتي بذلك فيحتاج إلى خمس شينات.

стр. 3842

وقالوا في أداء الشهادة على الشهادة: أن الفرع يقول بين يدي القاضي: أشهد أن فلاناً عندي شهد أن لفلان على فلان كذا من المال، وأشهدني على شهادته وأمرني أن أشهد على شهادته، وأنا أشهد على شهادته بذلك الآن فيحتاج إلى ثماني شينات. قال الخصاف وجماعة من المحققين من مشايخنا كالفقيه أبي جعفر الهندواني وغيرهم: تكلف وما دونه يكفي وهو أن يقول الأصل في الإشهاد: اشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهد أنت على شهادتي بذلك فيكون ثلاث شينات، وفي الأداء يقول شاهد الفرع بين يدي القاضي: اشهد أن فلاناً شهد عندي أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته بذلك فيكفيه ست شينات. واختار الشيخ الإمام الأجَلّ شمس الأئمة الحلواني ﵀ على لفظ آخر، وهو أن يقول في الأداء: أشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان كذا، أشهدنا على شهادته وأمرنا أن نشهد بها، فيكفيه ذكر خمس شينات، أو يقول: أشهد أن فلاناً شهد عندي أن لفلان على فلان كذا فأشهدني على شهادته بذلك وأنا أشهد بذلك كله. وفي «الفتاوى» : للفقيه أبي الليث عن الفقيه أبي جعفر إذا قال الفرع: أشهد على شهادة فلان بكذا جاز، ولا يحتاج إلى زيادة شيء، وهكذا حكى فتوى شمس الأئمة السرخسي فلو اعتمدا أحد على هذا كان في سعة من ذلك وهو أسهل وأيسر، وعن أبي القاسم الصفار أنه قال: لابد للفرع أنه يقول: أمرني فلان أن أشهد على شهادته، وإذا قال رجلان: نشهد أنا سمعنا فلاناً يقر لفلان بألف درهم فاشهدا بذلك كان باطلاً؛ لأنه إما أن يجعل المشهود به المال وقوله: ذلك إشارة إلى المال وإنه باطل؛ لأنه قبل نقل الشهادة إلى مجلس القضاء لم يكن شهادة الأصول وقوله: ذلك إشارة إلى شهادة الأصول وأنه باطل أيضاً؛ لأن شهادة الأصول لا تصلح مشهوداً بها لما مر، فتعين جهة البطلان فيه، وكذلك إذا قال: فاشهدا علينا بذلك؛ لأنه تنصيص على أن الأصل مشهود عليه وقوله بذلك إن كان إشارة إلى المال فيكون هذا أمراً بالشهادة بالمال على الأصل وأنه لا يجوز، وإن كان إشارة إلى شهادة الأصل، فهي لا تصلح مشهوداً بها فكان باطلاً، وكذلك إذا قالا: فاشهدا علينا أنا نشهد بذلك لفلان على فلان؛ لأنهما جعلا أنفسهما مشهوداً عليه بشهادة الفرع، وأنه باطل؛ لأنه يخالف اللفظ المنصوص، وهذا لما ذكرنا أن القياس إلى جواز الشهادة على الشهادة، لكن تركنا القياس بالأثر وتعامل الناس، فيراعى فيه اللفظ الذي ورد به الأثر وجرى به التعامل وهو لفظ الشهادة على الشهادة وكذلك إذا قالا: فاشهدا بما شهدنا به؛ لأنه إن جعل المشهود به المال فهو باطل لما قلنا، وكذلك إن جعل المشهود به الشهادة؛ لأنها لا تصلح مشهوداً بها، وكذلك إذا قالا: فاشهدا علينا بما شهدنا به أو بما أشهدناكما به؛ لأنه تنصيص على أن الأصل مشهود عليه وقوله: بذلك إن كان إشارة إلى المال يكون هذا أمراً بالشهادة بالمال على الأصل وأنه لا يجوز، وإن كان إشارة إلى شهادة الأصل عليه وأنه باطل وكذلك إذا قالا: فاشهدا أن شهادتنا عليه بذلك لأنه غير تام فيحتمل أن يكون تأويله شهادتنا عليه بذلك

стр. 3843

الحق، ويحتمل باطل وعلى كلا الوجهين لا يجوز؛ لأنه لم يوجد إشهادهما وتحميلهما شهادة بالمال، وكذلك إذا قال الأصلان: نشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهدا أنا نشهد بذلك، أو قالا: فاشهدا علينا أنا نشهد بذلك لفلان على فلان كذا فاشهدا أنا نشهد بذلك، أو قالا: فاشهدا علينا أنا نشهد بذلك لفلان على فلان، كان ذلك باطلاً؛ لأن قول الأصلين: فاشهدا أنا نشهد بذلك عليه، يحتمل الاستقبال يعني اشهدا أنا نشهد في الزمان الثاني بذلك، فيكون هذا أمراً بالشهادة أنه وعد أن يشهد، لا أن يكون هذا إشهاداً على الشهادة.v وقال أبو يوسف ﵀ في «الأملاك» : أقبل ذلك. ووجهه: أن المقصود من هذه الشهادة على الشهادة فلو اعتبرنا المقصود يصح تصرفهما، ولو اعتبرنا الحقيقة يبطل تصرفهما وكلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن وإن قال الأصلان للفرعين: نشهد أن فلاناً أشهدنا أن لفلان عليه ألف فاشهدا على شهادتنا بذلك، فشهد الفرعان بما وصفت لك، وقد غاب الأصلان فشهادة الفرعين جائزة؛ لأنه موافق للفظ المنصوص الوارد في باب الشهادة على الشهادة، لأن قوله على شهادتنا لبناء الشهادة عليه، كما تقول شهد على إقراره وما أشبه ذلك، وصورة الشهادة على الشهادة وتفسيرها ليس إلا هذا. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إذا قال الفرع: أشهد أن فلاناً أشهدني أنه يشهد بكذا، أو قال: أشهدني فلان أنه يشهد بكذا، فهو باطل لانعدام اللفظ المنصوص الوارد في باب الشهادة على الشهادة. قال الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : وإذا شهد الرجلان عند القاضي على شهادة رجل وصححا الشهادة، فينبغي للقاضي أن يسألهما عن عدالة الذي شهدا على شهادته، ولم يشترط محمد ﵀ في «المبسوط» هذا، فهو أن يسألهما القاضي عن عدالة الأصول، وإنما عرف هذا من جهة الخصاف، وهذا لأن القاضي إنما يقضي بشهادة الفروع إذا كان الأصل عدلا، أما إذا لم يكن فلا ينبغي للقاضي أن يسأل عن ذلك حتى يعرف أيجوز له القضاء بشهادة الفروع فيلتفت إليها أو لا يجوز، فلا يلتفت إليها؟ فإن قالا: هم عدول، أثبت ذلك في موضع شهادتهما في المحضر، فإن كان القاضي لا يعرفهما بالعدالة يعني الفرعين سأل عنهما فإن عدلا تثبت عدالة الأصل أيضاً، هكذا ذكر في ظاهر الرواية. وروي عن محمد: أن تعديلهما الأصل لا يكون صحيحاً، وهكذا روي عن أبي يوسف لأن الفرع نائب عن الأصل فتعديله الأصل يكون بمنزلة تعديل الأصل نفسه، والأصل لو عدل نفسه لا يكون هذا التعديل صحيحاً، فكذلك الفرع إذا عدله لا يعتبر، وجه ظاهر الرواية وذلك لأن الفرع نائب عن الأصل في نقل عبارته إلى مجلس القاضي فكما نقل عبارته إلى مجلس القاضي فقد انتهى حكم الأمانة، وصار هو بمنزلة سائر الأجانب، فكما أن التعديل من سائر الأجانب يكون صحيحاً، فكذلك التعديل من الفروع ينبغي أن يكون معتبراً، وهذا لأن الشهادة على الشهادة إنما تعرف بقول الفروع، فأما

стр. 3844

القاضي لا يعرف الأصول وربما لا يظفر بمن يعرف الأصول لأن الشهادة على الشهادة غالباً إنما تكون من بلدة إلى بلدة فلو لم يعتبر تعديل الفروع يؤدي إلى تعطيل الحقوق، وإنما جعل الشهادة على الشهادة حجة صيانة لحقوق الناس (١٣٤ب٤) عن التعطيل وهذا المعنى يقتضي اعتبار تعديل الفروع فإن قالوا: هم ليسوا بعدول، فالقاضي لا يقضي بشهادتهما، وإن قالا: لا نعرفه، ذكر الخصاف: أن القاضي لا يقضي بشهادتهما، وكذلك إذا قالا: لا نخبرك، لأنهما حملا شهادتهما ولم يعدّلا الأصول، فكأنهما لم يصدقاهم فيما شهدوا به؛ لأن دليل الصدق العدالة فصار كأنهما قالا: إنا نتهمها في الشهادة، ولو قالا هكذا فالقاضي لا يقبل شهادتهم فكذلك هذا. وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: أن القاضي يقبل شهادتهما ويسأل الأصل، وهكذا روي عن أبي يوسف ﵀، وهو الصحيح لأن الأصل بقي مستوراً وينبغي أن يذكر الفرع اسم الشاهد الأصل واسم أبيه وجده، ذكر القاضي أبو علي النسفي ﵀ في «شرحه» : وإذا قضى القاضي بشهادة الفروع يجب أن يكتب في السجل أسماء الأصول ذكره الخصاف في «أدب القاضي» ، وفي «الأصل» . وتجوز الشهادة على الشهادة في كتب القضاء وصورتها: أن يكتب القاضي كتاباً إلى قاض آخر لحقٍ من الحقوق، وأشهد على كتابه شاهدين ثم بدا للشاهدين عذر، فأشهدا على شهادتهما شاهدين. وإذا أراد الرجل أن يشهد غيره على شهادته ينبغي أن يحضر الطالب والمطلوب ويشير إليهما، وإن أراد أن يشهد عند غيبتهما ينبغي أن يذكر اسمهما ونسبهما؛ وهذا لأن الشهادة عند الشاهد ليتحمل الشهادة بمنزلة أداء الشهادة عند القاضي ليقضي به، وكما أن في الشهادة عند القاضي يعتبر الإعلام بأقصى ما يمكن، فكذلك يشترط هذا المعنى عند الشاهد ليتحمل عنه الشهادة إلا أنه إذا كان المشهود عليه غائباً فذكر الاسم والنسب يجوز الإشهاد ولا يكفي هذا القدر للقضاء؛ لأن القضاء للإلزام والإلزام على الغائب لا يتحقق، فلا بد من الخصم للإلزام عليه بالبينة، والقضاء بخلاف الإشهاد على الشهادة؛ لأن الشهادة ليست بموجبة شيئاً ما لم يتصل بها قضاء القاضي فلا يتحقق فيه معنى الإلزام على الغائب. فقلنا: بأنه إذا نفي الاسم والنسب فإنه يجوز، وفي «المنتقى» : إذا قال الشاهد لغيره: اشهد ولم يقل على شهادتي لم يجز، وقال أبو يوسف ﵀: يجوز؛ لأن معناه اشهد على شهادتي، وكذلك لو قال: فاشهد بذلك، ومعنى المسألة أن يحكي الرجل لغيره شهادة نفسه في حادثة لرجل على رجل فقال له: اشهد أو قال: فاشهد بذلك. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين فقالا: نشهد أن فلاناً أشهدنا أنه يشهد أن لفلان على فلان كذا، ولم يقولا: أشهدنا على شهادته، وقال أبو حنيفة ﵀: لا أقبل ذلك حتى يقولا: أشهدنا على شهادته، وقال

стр. 3845

أبو يوسف: أنا أقبل ذلك. قال في كتاب «الأقضية» : وإذا أشهد الرجل رجلاً على شهادته ثم صار بحال لا تجوز شهادته يعني الأصل، ثم صار بحال تجوز شهادته بأن فسق ثم تاب، ثم إن الفرع شهد على شهادة الأصل جازت شهادته، لأنا إن نظرنا إلى حالة التحمل فالأصل أهل للشهادة والإشهاد، فصح منه التحمل وإن نظرنا إلى حالة الأداء فالأصل أهل للشهادة فتقبل شهادته، وكذلك إن أشهد على شهادته رجلاً بعد ما تاب جازت لصحة الإشهاد باعتبار أهلية الأداء للأصل حالة الإشهاد، وإن أشهد رجلان على شهادتهما وهما عدلان * يعني الفرعان * ثم صارا عدلين، فشهدا أو أشهدا على شهادتهما فهو جائز؛ لأن تأثير الفسق في رد الشهادة مع صحتها لا في بطلان الشهادة، وإن شهد الفرعان عند القاضي شهادتهما لتهمة في الأولين لا نقبلهما بعد ذلك، لا من الأولين ولا ممن يشهد على شهادتهما؛ لأن الفرعين ينقلان شهادة الأصلين فصار كما لو حضرا وشهدا، ورد القاضي شهادتهما لتهمة الفسق، وهناك لا تقبل منهما تلك الشهادة بعد ذلك وإن تابا كذا ههنا، وإن كان رد شهادة الآخرين لتهمة فيهما فشهادة الأولين جائزة إذا كانا عدلين، وكذلك إن أشهدا رجلين عدلين آخرين بخلاف المسألة الأولى. والفرق: أن في هذه المسألة القاضي أبطل نقل الفرعين لأجل فسقهما، أما ما أبطل شهادة الأصلين؛ لأن شهادة الأصلين لم تصر منقولة إلى مجلسه بنقل الفاسقين، فجازت شهادة الأصل بنفسه، وكذلك جاز له أن يشهد غيره على شهادة نفسه، أما في المسألة الأولى: النقل ثبت بشهادة الفرعين؛ لأنهما عدلان من أجل الشهادة، وقد أبطل القاضي المنقول لفسق الأصلين، فلا يقبلهما بعد ذلك أصلاً. قال في كتاب الوكالة: إذا أشهد الفاسقان على شهادتهما لم يجز؛ لأن أداء الشهادة عند الفرعين كأدائهما عند القاضي، ثم فسق الشاهد يمنع القاضي عن العمل بشهادته، فكذا فسق الأصلين يمنع الفرعين عن نقل شهادتهما، وإن تابا وأصلحا وشهدا بأنفسهما جاز، وكذلك لو أشهدا على شهادتهما ذلك الشاهدين أو غيرهما جاز. ولو أن شاهدي الأصل ارتدا ثم أسلما لم تجز شهادة الفرعين على شهادتهما، ولو شهد الأصلان بأنفسهما بعدما أسلما تقبل شهادتهما. والفرق: أن بالردة لا تبطل أصل شهادة الأصلين؛ لأن سببها المعاينة، وذلك لا ينعدم بالردة، ألا ترى أن اقتران الردة بالتحمل لا يمنع صحة التحمل فلا يمنع البقاء من الطريق الأولى، ولكن بالردة يبطل الأداء، ألا ترى أن اقتران الردة بالأداء يمنع صحة الأداء، فاعتراضها على الأداء قبل حصول المقصود يبطل الأداء أيضاً، وبالإسلام يحدث له أهلية الأداء فيجوز له الأداء، فأما الفرع مأمور من جهة الأصل بنقل شهادته، ولهذا يشترط لصحة الإشهاد الأمر بالنقل من الأصل، قلنا: ولبقاء الأمر حكم الإبتداء إذا كان غير لازم وهذا الأمر غير لازم؛ لأن نهي الأصل عامل، وإذا كان لبقاء هذا الأمر حكم الإبتداء صار كأنه وجد الأمر بالنقل في حالة الإرتداد، والأمر بالنقل بعد الإرتداد لا يصح، وإذا لم يصح صار وجوده والعدم بمنزلة.

стр. 3846

وبدون الأمر بالنقل من الأصل لا تصح شهادة الفرع، وهذا الفرق مشكل عندي ثم في هذا الفرق يشير إلى أن نهي الأصل الفرع يعمل. وهذا فصل اختلف فيه المشايخ بعضهم قالوا: لا يعمل وإليه مال الشيخ شمس الأئمة السرخسي ﵀ ذكر في «شرح الجامع» الذي علقه على القاضي الإمام أبي عاصم العامري ﵀: وإذا شهد شاهدان على شهادة عبدين أو مكاتبين أو كافرين على مسلم فردها القاضي بذلك ثم عتق العبدان والمكاتبان وأسلم الكافران وشهدا بذلك أو أشهداهما أو غيرهما على شهادتهما جاز؛ لأن المنقول شهادة الفرعين شهادة الأصلين، ولا شهادة للعبدين ولا للمكاتبين ولا للكافرين على المسلم فلا يكون المردود شهادة، وقد حدث لهما بالإسلام والعتق أهلية أداء الشهادة، فجاز لهما الأداء والإشهاد على شهادتهما. قال في «الجامع» : إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين على القتل خطأ، وقضى القاضي بالدية على العاقلة ثم جاء المشهود بقتله حياً فلا ضمان على الفروع؛ لأنه لم يثبت كذبهما إذ ليس من ضرورة حياته عدم إشهاد الأصول الفروع على شهادتهم، ولكن يرد الوالي الدية على العاقلة؛ لأنه ظهر أنه أخذها منهم بغير حق، ولو جاء الشاهدان الأصلان وأنكرا الشهادة لم يصح إقرارهما في حق الفرعين، حتى لا يجب عليهما الضمان، ولا ضمان على الأصلين أيضاً، وهذا لا يشكل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن الأصلين لو رجعا عن شهادتهما بأن أقرا أنهما أشهداهما بباطل لا ضمان عليهما عندهما فههنا أحق، وإنما يشكل على قول محمد ﵀؛ لأن عنده لو رجع الأصلان عن شهادتهما ضمنا عنده؛ لأن شهادة الأصلين صارت منقولة إلى مجلس القضاء بشهادة الفرعين، فكأنهما شهدا بأنفسهما ثم رجعا حتى ظن بعض مشايخنا أن قول محمد ﵀ محمول على ما إذا أنكر الأصلان الشهادة، ولم يظهر المشهود بقتله حياً، وبعضهم قالوا: لا بل قول محمد في الكل واحد، والعذر لمحمد أن شهادة الأصلين إنما تصير منقولة إلى مجلس القضاء حكماً لا حقيقة لأنها موجودة في غير مجلس القضاء (١٣٥أ٤) حقيقة، والشهادة في غير مجلس القضاء لا يكون سبباً للضمان وأن ظهر كذب الشهود في الشهادة فاعتبر الحكم حال رجوع الأصلين فاعتبرنا الحقيقة متى أنكر الأصلان الشهادة ولم يرجعا عن شهادتهما عملاً بالدليلين بقدر الإمكان، وإن قال: الأصول قد أشهدناهما بباطل ونحن نعلم يومئذ أنا كاذبين، لم يضمنا شيئاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد العاقلة بالخيار إن شاؤوا ضمنوا الأصول، وإن شاؤوا ضمنوا الولي فإن ضمنوا الأصلين رجعا على الولي، وإن ضمنوا الولي لم يرجع على الأصلين، وجه قول محمد ﵀: أن شهادة الأصلين منقولة إلى مجلس القضاء حكماً لا حقيقة فعملنا بالحقيقة والحكم على الوجه الذي مر وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: القياس يأبى قبول الشهادة على الشهادة؛ لأن المنقول إلى مجلس القضاء شهادة الأصلين في غير مجلس القضاء والشهادة في غير مجلس القضاء ليست بحجة، والقضاء

стр. 3847

بما ليس بحجة لا يجوز، لكن تركنا قصة هذا القياس وجوزنا القضاء بها وجعلنا شهادة الأصلين كالموجود في مجلس القضاء، وفي حق إيجاب الضمان بعد الرجوع يبقى على أصل القياس. في «المنتقى» : إذا قال الفروع: لا نعرف المشهود عليه بالحق، قبلت شهادتهم نريد به إذا قال الفروع: أشهدنا الأصول على شهادتهم لفلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا، إلا أنا لا نعرف فلان بن فلان المشهود عليه بكذا وكذا، فالقاضي يقبل الشهادة ويأمر المدعي أن يقيم بينة أن الذي أحضره فلان بن فلان هذا هو الكلام في الشهادة على الشهادة وأما الشهادة على الشهادة، فقد ذكر محمد ﵀ في «الجامع» مسألة تدل على أنها مقبولة. وصورة تلك المسألة: رجل ادعى على رجل ألف درهم وجاء بشهود ثلاثة شهد واحد منهم على شهادة شاهدين، على شهادة ثلاثة نفر أنهم شهدوا على إقرار المدعى عليه بألف درهم وشهد من الثلاثة على شهادة أحد الشاهدين بعينه على شهادة الثلاثة الذين هم شهدوا على إقرار المدعى عليه بالألف وشهدوا وشهد واحد آخر من الثلاثة الذين هم أصول بعينه، فالقاضي يقطع بهذه الشهادة حقاً، واعلم بأن هذه المسألة من المسائل التي ظهرت الرواية فيها ظهرت الثلاثة، وإنما تظهر الرواية فيها لو سمينا الأصول الثلاثة على أصل الحق وسمينا الفرعين الذي يشهدان على شهادة الأصول الثلاثة على أصل الحق، فنقول أسماء الأصول الثلاثة: عبد الله ومحمد وصالح، واسم الفرعين اللذين يشهدان على شهادة الأصول الثلاثة زيد وعمرو، وحضر مجلس الحكم ثلاثة، شهد واحد من الذين حضروا مجلس الحكم على شهادة زيد بعينه على شهادة محمد وعبد الله وصالح، فثبت بشهادتهما شهادة زيد، فكأن زيداً وهو أحد الفرعين حضر نفسه وشهد على شهادة محمد وعبد الله وصالح، فإذا شهد واحد من الثلاثة الذين حضروا مجلس الحكم على شهادة واحد من الأصول بعينه وهو صالح مثلاً، فقد ثبت شهادة صالح؛ لأنه شهد على شهادته اثنان زيد والذي يشهد على شهادته من الذين حضروا مجلس الحكم أما لم يثبت شهادة محمد وعبد الله؛ لأنه لم يشهد على شهادتهما شاهد واحد وهو أحد الفرعين زيد، فلم يثبت بهذه الشهادة من شهادة الأصول إلا شهادة واحد وهو صالح، وبشهادة الواحد لا يقطع الحكم، فلا يقضي القاضي للمدعي بشيء ما لم يحضر محمد وعبد الله مجلس الحكم، وشهد بنفسه أو شهد شاهد آخر على شهادة عمرو وهو أحد الفرعين على شهادة الأصول الثلاثة لتثبت شهادة عمرو بشهادة شاهدين ويصير كأن عمراً بنفسه حضر مجلس الحكم وشهد على شهادة محمد وعبد الله وصالح، فتثبت شهادة محمد وعبد الله وصالح بشهادة شاهدين وهما زيد وعمرو، فهذه الثلاثة تدل على أن الشهادة على الشهادة مقبولة والله أعلم.

стр. 3848

الفصل العاشر: في شهادة الشهود بعضهم لبعض وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: في رجل مات ولا يعرف له، فجاء أربعة نفر فشهد كل اثنين منهم للآخرين أن الميت أوصى لهما بثلث ماله، أو شهد كل اثنين منهم للآخرين أنهما ابنا الميت والمشهود لهما يصدقهما في الوصية وفي أنهما ابنا الميت، أو يكذبهما لا تقبل شهادتهما، أما شهادة كل فريق للفريق الآخر بالوصية بالثلث فلأنهما يثبتان الشركة؛ لأن الوصية محل التركة حتى أن الوارث لو أراد أن يعطي الوصية من غير التركة ويستخلص التركة لنفسه لا يملك، وإذا كان من حكم الوصيتين اشتراكهما كانت شهادة كل فريق شهادة لنفسه من وجه، وأما شهادة كل فريق للفريق الآخر بالوراثة يشتركون في التركة، فكانت هذه شهادة لنفسه أيضاً. وفيه أيضاً: عن محمد ﵀ في شاهدين شهدا على رجل لرجلين بألف درهم وشهد المشهود لهما للشاهدين على هذا الرجل بدين ألف درهم والمشهود عليه حي فشهادتهما جائزة، لأن الدين يجب في ذمة الحي غير متعلق بماله، فلم تتحقق الشركة بينهما، ولهذا لا يشارك بعضهم بعضاً فيما قبض، فانعدم معنى التهمة فقبلت شهادتهما، ولو كان المشهود عليه ميتاً لا تقبل هذه الشهادة، وقال محمد ﵀: هي عندي جائزة، هكذا ذكر ابن سماعة فقد ذكر محمد أولاً أن شهادة الفريقين على الميت غير مقبولة، وقال بعد ذلك: وهي عندي جائزة، أشار إلى أن ما ذكرنا أولاً قول غيره، ولم يذكر أنه قول من، وقد ذكر الخصاص: أن على قول أبي حنيفة ﵀ لا تقبل هذه الشهادة، وهكذا ذكر في «الأمالي» وذكر في «الجامع الصغير» أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تقبل هذه الشهادة وهكذا ذكر في وصايا «المبسوط» . وجه الرواية التي قال: إن الشهادة باطلة ما ذكرنا أن الدين بعد الموت على التركة، وتصير التركة مشتركة بين الغرماء معنى، ألا ترى أن الدين إذا كان مستغرقاً إذا قبض أحد الغرماء شيئاً كان للباقين حق المشاركة، فقد شهدا بما لهما فيه شركة. وجه رواية الجواز: أن الدين حالة الحياة يجب في الذمة، وبعد الموت يتحول إلى التركة يعني أن التركة تصير مستحقة به، ألا ترى أن الوارث لو أراد أن يقضي الدين من ماله ويستخلص التركة لنفسه كان له ذلك فكانت هذه شهادة بما لا شركة لهما فيه فتقبل. وروى الخصاف عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله: أنهم إذا جاءوا معاً لا تقبل شهادتهم وإن جاءوا متفرقين تقبل؛ لأنهم إذا جاءوا مجتمعين فقد تمكنت تهمة المواضعة، يصير كأن كل فريق يقول للفريق الآخر: اشهدوا لنا على أن نشهد لكم، فتتفاحش التهمة فيمنع قبول الشهادة، فأما إذا جاءوا متفرقين تقل التهمة ولا تتفاحش، فلا

стр. 3849

يمنع قبول الشهادة ولو لم يكن الأمر على هذا الوجه. ولكن ادعى رجلان داراً أو عبداً أو عرضاً من العروض في يدي ورثة الميت أن الميت غصبه ذلك، وشهد لهما شاهدان بذلك، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين ألف درهم فإن الشهادة كلها جائزة، كذا ذكره الخصاف ﵀، وهذا يجب أن يكون على الروايات كلها؛ لأن تهمة الشركة لا تتأتى ههنا، وكذلك لو لم يدعيا الغصب ولكن ادعيا الشراء من الميت ونقد الثمن، كان الجواب كما قلنا في دعوى الغصب؛ لأن ما باعه الميت في حياته لا يكون تركة له، فلا يتعلق حق الغرماء بذلك العين فلا تتأتى تهمة الشركة، وهذا يجب أن يكون على الروايات كلها، وكذلك إذا ادعى أحد الفريقين عيناً وادعى الفريق الآخر عيناً آخر تقبل شهادتهم، وهذا أيضاً يجب أن يكون على الروايات كلها، وكذلك إذا ادعى أحد الفريقين الوصية بعد تعيينه، وادعى الفريق الآخر الوصية بعين آخر قبلت شهادتهم بالاتفاق، ولو ادعى أحدهما الوصية بالثلث وادعى الآخر الوصية بعد بعينه أو بعين آخر لا تقبل شهادة الفريقين؛ لأن صاحب الثلث يشارك الآخر في العبد فيتمكن تهمة الشركة وفي المسألة إشكال، وكذلك لو ادعى أحدهما الوصية بالثلث وادعى الآخر الوصية بالسدس لا تقبل شهادة الفريقين؛ لان تهمة الشركة تتأتى ههنا، وفي كل موضع لا تقبل شهادة الفريقين لا تقبل شهادة ابنيهما وأبويهما ونسوتهما مع رجل آخر، وفي كل موضع تقبل شهادتهما تقبل شهادة ابنيهما وأبويهما وامرأتيهما مع رجل، وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا وقعت الشركة في المشهود به لا تقبل شهادتهما، وإذا لم يقع في المشهود به شركة، فإن كان القاضي يعرفهما بالعدالة قبلت شهادتهما (١٣٥ب٤) . وإن لم يعرفهما بالعدالة أو شك في أمرهما، لا تقبل شهادتهما، لأن كل فريق يجر النفع إلى الآخر فيتمكن تهمة المواضعة، فيتفحص القاضي من حالهما ولا تقبل شهادتهما حتى يظهر عنده عدالتهما، وهو نظير ما روي عن أبي يوسف ﵀ فيمن ادعى عيناً في يدي إنسان فقال ذو اليد: إنه لفلان أودعنيه، وأقام البينة على ذلك لا تندفع عنه الخصومة إن كان معروفاً بالحيل والأباطيل، وإن كان معروفاً، بالعدالة والأمانة، تندفع عنه الخصومة، فما روي عنه هاهنا مستقيم على أصله، ولو شهد أحد الفريقين لصاحبه بالدراهم، وشهد الآخر بالدنانير، تقبل شهادة الفريقين، ذكره في «البقالي» . وفي «المنتقى» رجل في يديه دار مات فجاء أربعة رجال وادعى رجلان منهم نصف الدار شائعاً أنهما اشترياه من الميت، وشهد لهما الآخران بذلك ثم ادعى الآخران أنهما اشتريا النصف الباقي من الميت، وشهد لهما المدعيان الأوليان، فإن شهادتهم باطلة؛ لأنهم يصيرون شريك في الدار، وكذلك إذا كان القاضي قد قضى للأولين ثم ادعى الآخران وشهد لهما الأولان، فإني أبطل القضاء كله، وإن كانت الشهادة على نصف دار مقسومة لهذين، وعلى نصف دار مقسومة لهذين فإن كان لكل نصف باب على حده وطريق على حده فالشهادتان جائزتان، وإن كان بابهم واحداً وطريقهم واحداً أبطلت

стр. 3850

شهادتهم، وإن أشهدا أبناء الميت أو غيرهما لرجلين على الميت بدين، ثم شهد هذان المشهود لهما لرجلين آخرين على الميت بدين جازت شهادتهم، لأنه لا تهمة في هذه الشهادة؛ لأنه عسى يلحقهما ضرر بنقصان حقهما إذا لم تف التركة بحقهما ولا تعلق لدين الغير بدينهما فقبلت شهادتهما لهذا.٥ وذكر الخصاف في «أدب القاضي» إذا شهد رجلان لرجلين أنهما ابنا الميت، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين، لا تقبل شهادتهما؛ لأن حق الغريم يثبت في التركة كما أن حق الوارث يثبت في التركة، فيتمكن تهمة الشركة في هذه الشهادة. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد رحمهما الله: في رجل له على ميت دين فقضى القاضي له بدينه، وقد ترك الميت وفاء مما عليه من الدين، ثم إن المقضي له شهد لورثة الميت بحق للميت لا تجوز شهادته؛ لأن ذمة الميت إذا حرمت بالموت يتعلق الدين بتركته، فإذا شهد الغريم بحق للميت فقد شهد بما هو متعلق حقه، فكانت هذه شهادة لنفسه فتقبل. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: في رجلين لهما على رجل ألف درهم بينهما نصفان، فشهد أحدهما على صاحبه ورجل آخر أنه أقر أن اسمه في الصك عارية وأن حصته من ذلك المال لفلان، قال: شهادة الشريك جائزة؛ لأن هذه شهادة استجمعت شرائطها ولا تهمة فيها، لأن الشريك بهذه الشهادة لا يجّر إلى نفسه مغنماً، ولا يدفع عن نفسه مغرماً، أقصى ما في الباب أنه يتوهم له نوع منفعة هاهنا بإبطال حق الرجوع على المشهود عليه في الثاني إذا قبض الشاهد نصيبه من الألف، إلا أن هذا وهم عسى أن لا يكون بأن يقبضا جميعاً أو يبرئا الأجراء فهو عن نصيبه، ولا يجوز رد شهادة استجمعت شرائطها بالوهم ولو كان قبض من المال نصفه أو شيئاً منه ثم شهدا لهذا لم أقبل شهادتهما، لأنه ثبت لشريكه حق مشاركته فيما قبض، فهو بهذه الشهادة يريد إبطال ذلك الحق. قال: وإنما هذا بمنزلة ثلاثة نفر لهم على رجل ألف درهم، فشهد اثنان منهم على الثالث أنه أبرأ الغريم عن حصته، إن شهدا قبل أن يقبضا شيئاً من المال، قبلت شهادتهما وإن شهدا بعدما قبضا شيئاً من المال، لا تقبل شهادتهما؛ لأن بعد القبض بشهادتهما يريدان إبطال حق المشاركة على الشريك فيما قبضا، ولا كذلك قبل القبض فكذا هاهنا. الفصل الحادي عشر: في شهادة أهل الكفر والشهادة عليهم شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة، اتفقت مللهم أو اختلفت وكذلك شهادة أهل الذمة على المستأمنين مقبولة، وشهادة المستأمنين بعضهم على بعض مقبولة، إذا كانوا من أهل دار واحدة، وإن كانوا من أهل دارين مختلفين، كالروم والترك لا تقبل

стр. 3851

وأما شهادة المرتد والمرتدة فلا ذكر لها في شيء من الكتب، وقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: تقبل على الكفار، وقال بعضهم: تقبل على مرتد مثله، والأصح أنها لا تقبل على كل حال، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: لا أجيز شهادة اليهودي والنصراني وغيرهما من أهل الذمة إذا سكروا؛ لأن السكر حرام في الأديان كلها، فيوجب سقوط العدالة، وإذا شهد شاهدان من أهل الكفر على شهادة شاهدين من أهل الإسلام على كافر لا تقبل شهادتهما؛ لأنها شهادة على كافر قامت على إثبات أمر على المسلم؛ لأنها قامت على إثبات شهادة المسلم، فلا تقبل قياساً على ما لو شهدا على المسلم بمال، وكذلك إذا شهدا على قضاء قاض من قضاة المسلمين لكافر على كافر، لا تقبل شهادتهما لأنها قامت على إثبات أمر على المسلم، لأنها قامت على القاضي بإثبات قضائه، وهذا بخلاف ما لو شهدا على كافر بمال، فإنه تقبل شهادتهما وإن كان فيه إيجاب القضاء على القاضي المسلم، وذلك لأن إيجاب القضاء على القاضي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصاً ولا اقتضاءً. أما نصاً: فلا شك، وأما اقتضاء: فلأن المقتضي ما يثبت ضرورة المنصوص عليه ولا ضرورة للمنصوص عليه وهو الوجوب على المشهود عليه، إلى وجوب القضاء بذلك على هذا القاضي المعين؛ لأنه مما ينفك عنه في الجملة بأن لا يكون قاضياً، والمقضي إنما يثبت ضرورة المنصوص عليه إذا كان لا ينفك عنه بحال، فهو معنى قولنا: إن وجوب القضاء على القاضي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصاً ولا اقتضاءً فلا يمنع قبول شهادتهما؛ ولا هاهنا شهدا على إثبات أمر على المسلم نصاً ومثل هذه الشهادة لا تقبل، ونظير هذا ما قال محمد ﵀ في كافر مات وأوصى إلى مسلم، فشهد كافران بدين على الميت، فإن القاضي يقبل شهادتهما وإن كان لو قبل هذه الشهادة يجب قضاء الدين على الوصي وهو مسلم؛ لأن وجوب قضاء الدين على هذا الوصي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصاً وهذا ظاهر، ولا يقتضي وجوب الدين على الميت؛ لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين على الميت وجوب القضاء على هذا الوصي، فإنه لو لم يكن هو وصياً لا يجب عليه قضاء الدين، فلم يمتنع قبول شهادتهما كذا هاهنا. قال: أمة في يدي رجل كافر اشتراها من مسلم، أو وهبها من مسلم، أو تصدق بها عليه مسلم، ثم جاء كافر وادعى لنفسه ملكاً مطلقاً، وأقام على ذلك شاهدين كافرين، فشهدا له بالملك المطلق، قال أبو حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف أولاً: لا تقبل هذه الشهادة أصلاً، وقال أبو يوسف آخراً: تقبل هذه الشهادة ويقضى لها على المشتري خاصة، ولا يقضي بها على غيره حتى لا يكون للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن. وجه قول أبي يوسف آخراً: أن هذه شهادة كافر قامت على كافر وهو المشتري باستحقاق الملك عليه، وقامت على مسلم وهو البائع بالرجوع عليه بالثمن، وأمكن القضاء بها في حق الكافر فيقضى بها للكافر، قياساً على ما لو شهد كافران على كافر ومسلم بدين ألف درهم، فإنه تقبل شهادتهما على الكافر، ولا تقبل شهادتهما على

стр. 3852

المسلم، بيان إمكان القضاء في حق الكافر: أن يقضي بالملك للمدعي بسبب جديد من جهة المدعى عليه، وهذا لأن الشهود وإن شهدوا بالملك المطلق إلا أن الملك المطلق يحتمل الملك الحادث، فيحتمل أن الشهود عاينوا بسبب الملك فيما بينهما، لكن لم يذكر السبب في شهادتهما، فيحمل على هذا الوجه، تصحيحاً للشهادة بقدر الممكن، ولهما أن هذه شهادة كافر قامت على كافر ومسلم، وتعذر القضاء بها في حق الكافر، فلا تقبل أصلاً قياساً على ما لو شهد كافران لكافر على كافر، أن القاضي قضى لهذا على هذا بكذا، فإنه لا تقبل هذه الشهادة أصلاً، وإنها لا تقبل لما قلنا. وبيان تعذر القضاء بها في حق الكافر: أن الشهود شهدوا بالملك المطلق للمدعي والشهادة بالملك المطلق شهادة بالملك من الأصل؛ ألا ترى أنه يستحق العين بزوائده المتصلة والمنفصلة جميعاً، ولا يمكن القضاء بالملك في حق المشتري من الأصل إلا بالقضاء بالملك من الأصل في حق البائع؛ لأنه ما بقي الملك للبائع لا يكون الملك لهذا المدعي من الأصل فإن قيل الشهادة بالملك المطلق إنما تكون شهادة بالملك من الأصل إذا كانت الشهادة (١٣٦أ٤) حجة للقضاء بالملك من الأصل، كشهادة المسلمين أما إذا لم يكن حجة للقضاء بالملك من الأصل يجعل شهادة بالملك الحادث بسبب حادث من جهة المدعى عليه، ألا ترى أن الإقرار بالملك المطلق جعل إقراراً بملك حادث، وإن كان الإقرار إخباراً في موضوعه حتى صح بالحق. والجواب: أن الإقرار يخالف الشهادة، لأن الإقرار بالملك المطلق فيما يقبل النقل من ملك إلى ملك جعل إقراراً بملك جديد من حيث الحكم كأن المقر قال: هذا لفلان؛ لأني ممكنه منه، ولهذا لا يستحق المقر له المقر به بالزوائد المتصلة والمنفصلة، ولا يكون للمقر الرجوع على بائعه، ولو أن المقر نصّ على ملك جديد للمقر له بسبب جديد من جهة يتعذر القضاء بالملك من الأصل من حيث الحكم كأن الشهود قالوا: هذا ملك هذا المدعي من الأصل حتى يستحق العين بالزوائد المتصلة والمنفصلة ويرجع المستحق عليه على بائعه بالثمن، ولو نص الشهود على هذا يتعذر القضاء بالملك الجديد بالسبب الجديد من جهة المستحق عليه، فكذا إذا جعل في الحكم هكذا إذا مات الكافر وترك اثنين وترك ألفي درهم فاقتسماهما بينهما، ثم أسلم أحدهما ثم جاء كافر وادعى لنفسه ديناً على الميت، وأقام على ذلك شاهدين كافرين، قال في «الكتاب» : أجزت ذلك في حصة الكافر خاصة؛ لأن شهادة الكافر حجة في حق الكافر دون المسلم، فثبت الدين بهذه الشهادة في حق استحقاق نصيب الكافر وإبطال يده عليه، لا في حق استحقاق نصيب المسلم وإبطال يده عليه، إذا مات الكافر وجاء مسلم وكافر وادعى كل واحد منهما ديناً، وأقام كل واحد منهما بينة من أهل الكفر، قال في «الكتاب» أجزت بينة المسلم وأعطيت حقه فإن بقي شيء كان للكافر، وروى الحسن بن زياد وعن أبي حنيفة أن التركة تقسم بينهما على مقدار دينهما؛ لأن كل واحد منهما يثبت دينه على الميت، وما أقام كل واحد منهما حجة على الميت، وجه ظاهر الرواية: أن دين الكافر ثبت في حق

стр. 3853

الميت وفي حق الغريم الكافر ودين الكافر ثبت في حق الميت أما لم يثبت في حق الغريم المسلم؛ لأن حجة المسلم حجة على الميت والكافر؛ وحجة الكافر حجة على الميت وليس بحجة على المسلم، أو المزاحمة إنما تثبت عند المساواة وإنما تثبت المساواة إذا ثبت دين كل واحد من الغريمين في حق صاحبه، فهو بمنزلة الدين المقر به في حالة الصحة مع الدين المقر به في حالة المرض. مسلم له عبد كافر أذن له بالبيع والشراء، فشهد عليه شاهدان كافران بشراء أو بيع جازت شهادتهما عليه؛ لأن هذه شهادة كافر قامت على إثبات أمر على الكافر. فإن قيل: هذه الشهادة كما قامت على العبد قامت على المولى، فإنه يستحق مالية المولى متى ثبت الدين على العبد المأذون والمولى مسلم. قلنا: استحقاق مالية العبد غير مضاف إلى الشهادة لا نصاً وهذا الظاهر ولا اقتضاء؛ لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين على العبد بسبب البيع والشراء استحقاق مالية المولى، وألا ترى أن العبد لو كان محجوراً، واشترى لا يستحق به مالية المولى مع أن الثمن وجب عليه بالشراء حتى يؤاخذ به بعد العتق، إذا لم يكن استحقاق مالية المولى مضافاً إلى شهادة الكافر لا تمنع بسببه قبول شهادة الكافر، ولو كان الكافر كافراً والعبد المأذون مسلم لا تقبل شهادة الكافر؛ لأن هذه شهادة كافر قامت على إثبات أمر على المسلم نصاً. ولو كان كافر وكل مسلماً بشراء أو بيع لم أجز على الوكيل الشهود إلا مسلمين، ولو أن مسلماً وكل كافراً بذلك أجزت على الوكيل الشهود من أهل الكفر، وهو يخرج على ما ذكرنا من المعنى في فصل العبد. وفي «النوادر» : وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا وكل النصراني مسلماً يبيع له ثوباً، أو اشترى له ثوباً، فشهد عليه نصرانيان بالبيع وهو يجحد أن ذلك جائز وكذا الشراء. قال محمد ﵀ في «الجامع» : نصراني مات وترك مئة درهم لا غير، فأقام مسلم شاهدين نصرانيين عليه بمئة درهم بينهما يقضي للمسلم المتفرد بثلثي المئة، ويقضي بثلث المئة بين الشريكين نصفان؛ لأن النصراني الشريك أقام ما ليس بحجة على المسلم المنفرد؛ لأنه يتضرر به فيطلب بينة النصراني للشريك، فإذا بطلت بينة النصراني للشريك، بقي المسلم الشريك والمسلم المنفرد وكل واحد منهما أقام ما هو حجة على الميت دون صاحبه فاستويا، فنصرت المسلم المنفرد بحقه وذلك مئة، والمسلم الشريك بحقه وذلك خمسون، فقسمت المئة بينهما أثلاثاً، ثم النصراني الشريك يأخذ من شريكه المسلم نصف ما أخذ لتصادقهما أن الدين مشترك بينهما. فإن قيل: أليس إن كل واحد من المسلمين يتضرر بشهادة شهود صاحبه وهم كفار، فينبغي أن لا تقبل؟. قلنا: الضرر عليهما في امتناع القبول فوق الضرر عليهما في القبول، فإن عند قبول

стр. 3854

الشهادتين يصل إلى كل واحد من المسلمين بعض حقه، وعند عدم القبول لا يصل إلى كل واحد من المسلمين شيء، وعند التعارض يتحمل الأدنى لدفع الأعلى، ولو كان مكان المسلم المنفرد نصرانياً منفرداً وباقي المسألة بحاله فالمئة تقسم بينهم أثلاثاً لكل واحد الثلث، لأن بينة النصراني المنفرد غير مقبولة على المسلم الشريك لما مر، وبينة المسلم الشريك حجة في حق النصراني المنفرد، فيأخذ المسلم الشريك حقه وذلك خمسون، بقي من التركة خمسون وقد تنازع فيهما نصرانيان، وأقام كل واحد ما هو حجة على صاحبه إلا أن حق النصراني المنفرد في المئة، وحق النصراني الشريك في خمسين فيقسم للنصراني الشريك، وذلك ستة عشر وثلثان، ثم ما في يد النصراني الشريك يضم إلى ما في يد شريكه المسلم فيصير ستة وستون وثلثاً، تقسم بينهما نصفين لتصادقهما على التركة فنصيب كل واحد في الحاصل ثلث المئة فلهذا قال: تقسم المئة بينهم أثلاثاً ولو كان شهود الشريكين مسلمين، وشهود النصراني المنفرد نصراني، وباقي المسألة بحاله كان هذا والأول سواء؛ لأن المسلم الشريك أقام ما هو حجة في حق النصراني المنفرد؛ والنصراني المنفرد أقام ما ليس بحجة في حق المسلم الشريك، فيطلب بينة النصراني المنفرد في حق المسلم فيأخذ المسلم حقه وذلك خمسون بقي من التركة خمسون، وقد تنازع فيه نصرانيان وأقام كل واحد ما هو حجة على صاحبه فيقسم بينهما على قدر حقوقهما أثلاثاً، ثم الباقي إلى آخر ما مر قبل هذا، فإن كان شهود النصراني المنفرد مسلمين وشهود الشريكين نصارى، وباقي المسألة بحالها يقضي للنصراني المنفرد بنصف المئة ويقضي بالنصف الآخر للشريكين؛ لأن المنفرد أقام ما هو حجة على الشريكين، وهما أقاما ما هو حجة على المنفرد فلهذا قسمت المئة نصفين. قال: نصراني مات وترك مئتي درهم وترك ابنين نصرانيين فأسلم أحدهما، ثم جاء رجل وادعى على الميت مئة درهم فأقام شاهدين نصرانيين، فإن القاضي يقضي بذلك في نصيب الكافر؛ لأن ما أقام المدعي حجة على الابن النصراني دون الابن المسلم لما فيها من الضرر للمسلم، فلم تصح على المسلم وصحت على الكافر فيستوفي الدين من نصيب من صحت البينة عليه، كما لو أقر أحد الابنين بذلك ولا يدخل الابن النصراني على أخيه المسلم في نصيبه، قال محمد في الكتاب: ولا يشبه هذا الدين وأراد به المسألة الأولى، فإن هناك المسلم الشريك إذا أخذ شيئاً من المئة يدخل عليه الشريك النصراني، وهاهنا الابن النصراني لا يدخل على أخيه المسلم في نصيبه. والفرق بينهما: أن النصراني الشريك إنما يزاحم المسلم الشريك بسبب الدين، ودين النصراني ثابت في ذمة الميت، لم يرد عليه الاستحقاق، إنما ورد الاستحقاق على المال الذي نفع به القضاء، فيبقى دينه في ذمة الميت، ويجعل ما أخذه المسلم كالهالك، وإذا بقي دين النصراني الشريك وجبت الشركة في باقي المال، فأما الميراث إنما يجب بعد الدين، فإذا ثبت الدين في حق الابن الكافر بطل به ميراثه والشركة بناء عليه، فإذا بطل الميراث بطلت الشركة، وفي مسألة الدين إذا بقي تثبت الشركة في محل الحق فلهذا

стр. 3855

(١٣٦ب٤) افترقا وذكر عين هذه المسألة في «المنتقى» . وذكر عن أبي حنيفة ﵀: إني أقضي بنصف الدين في حصة النصراني وأبطل النصف، وذكر عن أبي يوسف ﵀ أني أقضي بذلك في حصة النصراني، ولا أقضي على المسلم بشيء وتبين بما ذكر في «المنتقى» أن المذكور في قول أبي يوسف ومحمد وستأتي هذه المسألة بعد هذا إن شاء الله تعالى. قال محمد ﵀ في «الجامع» : مسلم ادعى أن فلاناً النصراني مات، وأوصى إليه وأقام شهوداً من نصارى فإن أحضر غريماً نصرانياً قبلت الشهادة عليه قياساً واستحساناً، وعدى إلى غيره لما نبين بعد هذا في الوكالة، وأما إذا أحضر غريماً مسلماً، القياس: أن لا تقبل شهادتهم عليه، وهو قول محمد ﵀ أولاً وفي الاستحسان تقبل. وجه القياس: أن هذه شهادة الكافر على المسلم مقصوداً فلا تقبل، وجه الاستحسان: ما أشار إليه محمد في «الكتاب» : أن موت النصارى لا يحضره المسلمون، ومعنى هذا الكلام أن الإيصاء غالباً إنما يكون حالة الموت في دورهم، والمسلمون لا يحضرون دورهم عند موتهم غالباً، فلو لم تقبل شهادتهم على المسلم في إثبات الموت والإيصاء أدى إلى ضياع حقوقهم المتعلقة بالموت والإيصاء فتقبل إحياءً لحقوقهم، وإن كان الإحياء قد يحصل بحضرة المسلمين اعتباراً للغالب، ألا ترى أن شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال صارت حجة للضرورة، وإن كان الحادثة بحال يجوز للرجال حضور تلك الحادثة لتحمل الشهادة اعتباراً للغالب، كذا هاهنا والذي بينا من الجواب في الوصاية فهو الجواب في النسب، حتى لو أقام نصراني بينة من النصارى، أن فلاناً مات وأنه ابنه ووارثه لا يعلمون وارثاً غيره وأحضر غريماً للميت كافراً، تقبل شهادتهم قياساً واستحساناً، فإن أحضر غريماً مسلماً، القياس: أن لا تقبل لما مر، وفي الاستحسان تقبل؛ لأن النسب إنما يثبت بالفراش والفراش إنما يثبت بالنكاح ونكاح أهل الذمة إنما تكون في دورهم غالباً ولا يحضره المسلمون في الغالب فلو لم تقبل شهادتهم أدى إلى تضييع حقوقهم المتعلقة بالنسب. ولو أن مسلماً أدى وكالة من نصراني بكل حق له بالكوفة وأحضر غريماً مسلماً وأقام عليه شهوداً نصرانياً لا تقبل؛ لأن هذه (شهادة) نصراني قامت على المسلم مقصوداً فلا تقبل، فرق بين الوصاية والوكالة، والفرق ما ذكرنا: أن الإيصاء غالباً يكون حالة الموت في دورهم والمسلمون لا يحضرون دورهم عند موتهم غالباً، فقبلنا شهادتهم صيانة لحقهم عن البطلان، أما الوكالة فتقع خارج دورهم غالباً، والمسلمون يخالطوهم خارج دورهم، فأمكن إشهاد المسلمين عليها، فلا ضرورة إلى قبول شهادة أهل الذمة، فإن أحضر نصرانياً قبلت شهادتهم لكونها حجة على النصراني، وإذا قبل القاضي هذه الشهادة وقضى له بالوكالة كان ذلك قضاءً على جميع الغرماء من المسلمين وغيرهم، حتى لو أحضر غريماً مسلماً بعد ذلك، وهو يجحد وكالته، لم يكلفه القاضي إقامة البينة على
следующие страницы →