Полный текст (4 583 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكان بحيث لو جمع يبلغ ملء الفم هل يجمع؟ وهل يحكم بانتقاض الطهارة؟ لم يذكر هذا الفصل في «ظاهر الرواية» . وذكر في «النوادر» خلافاً بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فقال: على قول أبي يوسف ﵀: إن اتحد المجلس يجمع، وإن اختلف لا يجمع؛ لأن المجلس الواحد عرف جامعاً في الشرع، والمجالس المختلفة لا.
وقال محمد ﵀: إن اتحد السبب يجمع وإن اختلف لا يجمع، وتفسير اتخاذه عند محمد أن تكون المرة الثانية والثالثة قبل سكون الغثيان الأول، وعن أبي علي الدقاق أنه كان يقول بالجمع، اتحد المجلس أو اختلف، اتحد السبب أو اختلف، هذا إذا قاء مُرة أو طعاماً أو ماءً، وإن قاء بلغماً إن كان نزل من الرأس لا ينتقض وضوءه، وإن كان ملء الفم بالاتفاق، وإن صعد من الجوف على قول أبي يوسف ﵀ ينتقض وضوءه إذا كان ملء الفم، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا ينتقض، وإن كان ملء الفم، وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من ملء الفم إنه لا ينتقض وضوءه.
والحاصل: أن نجاسة الخارج أمر لا بد منها لكون الخارج حدثاً، والبلغم طاهر عندهما، وعند أبي يوسف نجس، وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف حتى روي عنه أنه قال: يكره للإنسان أن يأخذ البلغم بطرف ردائه أو كمه ويصلي معه، فمن مشايخنا من أسقط الخلاف، وقال: قولهما محمول على ما إذا نزل من الرأس وذلك طاهر بالإجماع، وقول أبي يوسف محمول على ما إذا خرج من المعدة وذلك نجس بالإجماع لما نبين إن شاء الله تعالى.
ومنهم من حقق الخلاف فيما إذا خرج من المعدة، وهو الصحيح، فوجه قول أبي يوسف ﵀ أن الخارج من المعدة جاور أنجاس المعدة، فيصير نجساً بحكم المجاورة. دليله الطعام. وجه قولهما قوله ﵇ لعمار بن ياسر ﵁: «ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواسية» (قرن) النخامة بالماء الذي في ركوته فيدل على طهارتها، والدليل عليه: أن الناس من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا تعارفوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم من غير نكير منكر، ولو كان نجساً لوجد الإنكار من منكر كما في سائر الأنجاس، وما قال من المعنى بأنه جاور أنجاس المعدة فمسلم، إلا أن البلغم شيء لزج لا يحتمل النجاسة للزوجته كالسيف الصقيل، فلا يصير نفسه نجساً، وإنما تكون النجاسة على ظاهره، وإنه قليل لا يبلغ ملء الفم بخلاف الطعام والشراب، لأنهما يحملان النجاسة فينجسان بمجاورة أنجاس المعدة، وإن قاء طعاماً أو ما أشبهه مختلطاً بالبلغم ننظر إن كانت الغلبة للطعام، وكان بحال لو انفرد الطعام بنفسه كان ملء الفم نقض وضوءه، وإن كانت الغلبة للبلغم وكان بحال لو انفرد البلغم بلغ ملء الفم كانت المسألة على الاختلاف، وإنما كان كذلك، لأن العبرة في أحكام الشرع للغالب، والمغلوب ساقط الاعتبار بمقابلة الغالب.
стр. 37
وإن قاء دماً إن نزل من الرأس وهو سائل انتقض وضوءه، وإن كان علقاً لا ينتقض وضوءه، وإن صعد من الجوف إن كان علقاً لا ينتقض وضوءه إلا أن يملأ الفم؛ لأنه يحتمل أنه صفراء تجمد أو سوداء انعقد أو بلغم احترق، فيشترط فيه ملء الفم، وإن كان سائلاً وقد صعد من الجوف على قول أبي حنيفة ﵀ ينتقض وضوءه، وإن لم يكن ملأ الفم، وقول أبي يوسف مضطرب، وإنما يعرف بسيلانه، وعلى قول محمد ﵀: لا ينتقض وضوءه إلا إذا كان ملأ الفم إذا خرج بقوة نفسه لا بقوة البزاق.p
وجه قول محمد ﵀ أنه صاعد من الجوف، والفم أعطي له حكم الباطن فيما بينه وبين الجوف إلا أن يخرج منه دماً دون ملء الفم ليس له حكم الخارج على ما مر، ولأبي حنيفة ﵀ أن الفم في حق الدم ظاهر من كل وجه؛ لأن الفم إنما أعطي له حكم الباطن، فيما يخرج من المعدة، لأن الفم متصل بالمعدة بمنفذ أصلي، والمعدة ليست بمحل للدم، إنما محل الدم العروق، والفم لا يتصل بالعروق بمنفذ أصلي، وله اتصال بالوجه، فيكون الفم ظاهراً في حق الدم من كل وجه، فكان كالخارج من الأسنان، فيشترط فيه السيلان لا غير، بخلاف ما يخرج من المعدة؛ لأن الفم أعطي له حكم الباطن فيما يخرج من المعدة؛ لأن للفم اتصالاً بالمعدة بمنفذ أصلي، فيشترط فيه ملء الفم على ما مر، أما ههنا بخلافه، فمن مشايخنا من قال: لا خلاف في المسألة على الحقيقة؛ لأن ما قاله أبو حنيفة ﵀ محمول على ما إذا خرج الدم من منابت الأسنان، من اللهوات وكان أقل من ملء الفم.
وعند محمد ﵀ في هذه الصورة الجواب كما قال أبو حنيفة، وما قاله محمد محمول على ما إذا خرج من المعدة، وعند أبي حنيفة الجواب في هذه الصورة كما قاله محمد، ومنهم من حقق الخلاف فيما إذا خرج من المعدة على نحو ما بينا والله تعالى أعلم.
ومما يتصل بهذا النوع من المسائل: روى ابن رستم في «نوادره» عن محمد ﵀: إذا دخل العلق حلق إنسان ثم خرج من حلقه دم رقيق سائل لا ينتقض وضوءه ما لم يملأ الفم، وإذا بزق وخرج في بزاقه دم، إن كان الدم هو الغالب ينتقض وضوءه وإن كان أقل من ملء الفم، وهذا لأن الحدث هو الخارج النجس، وقد تحقق الخروج إذا كانت الغلبة للدم لأنه إذا كانت الغلبة للدم على أنه خرج بقوة نفسه، وما أخرجه البزاق وإن كانت الغلبة للبزاق لا ينتقض وضوءه؛ لأنه إذا كانت الغلبة للبزاق علم أن البزاق أخرجه، وما خرج بقوة نفسه، وإن كانا سواء، فالقياس أن لا تنتقض طهارته؛ لأنه يحتمل أنه خرج بقوة نفسه، ويحتمل أن البزاق أخرجه فوقع الشك في انتقاض الطهارة.
وفي الاستحسان: ينتقض وضوءه؛ لأنه لما احتمل الخروج بقوة نفسه، رجحنا جانب الخروج احتياطاً لأمر العبادة؛ بخلاف ما إذا شك في الحدث؛ لأن الموجود هناك مجرد الشك ولا عبرة لمجرد الشك مع اليقين بخلافه، وههنا الحدث وجد من وجه دون وجه، فرجحنا جانب الوجود احتياطاً.
стр. 38
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في هذا الفصل: وهو ما إذا كان الدم والبزاق على السواء، عامة مشايخنا على أن وضوءه بهذا ينتقض، وكان الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ يقول: آمره بإعادة الوضوء احتياطاً، وهو باقٍ على وضوئه الأول، وكان الفقيه أبو جعفر ﵀ يقول: إن كان لونه يضرب إلى الصفرة، فليس بناقض، وإن كان يضرب إلى الحمرة فهو ناقض، وإذا كانت عروق الدم تجري بين البزاق كالعلقة لم يكن ناقضاً.
وفي «النوادر» عن أبي حنيفة: إذا بزق أو امتخط ورأى في ذلك علقة من الدم لم ينتقض وضوءه، وإن كان الذي يرى من الدم في جميع البزاق أو النخامة، فكانت حمرته أو صفرته غالبة على البزاق (٧أ١) فعليه الوضوء، وإن كان الذي فيه شبيه غسالة اللحم، وكان البياض غالباً، فلا وضوء.
وذكر هشام عن أبي يوسف ﵀: إذا اصفر البزاق من الدم، فلا وضوء، وإن احمر فعليه الوضوء، وهذه الرواية موافقة لقول الفقيه أبي جعفر على ما تقدم ذكره، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إن كان البزاق يخرج من لهاته أو لسانه فهو على التفصيل إن (كان) الدم غالباً أو مغلوباً، أو كانا على السواء، فأما إذا خرج ذلك من جوفه فالأمر فيه أسهل، والله أعلم.
(نوع آخر) في النوم والإغمام والغشي والجنون والسكر
إذا نام في صلاته قائماً أو راكعاً أو ساجداً، فلا وضوء عليه، ولو نام مضطجعاً أو متوركاً، فعليه الوضوء، والأصل في ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ أنه نام في صلاته، ومضى فيها، فلما فرغ قال: «إذا نام الرجل راكعاً أو ساجداً أو قائماً، فلا وضوء عليه، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً فإنه إذا نام مضطجعاً استرخت مفاصله» فهذا الحديث حجة لنا في الفصول كلها من حيث النص، وإنه ظاهر، وكذلك من حيث التعليل حجة؛ لأن النبي ﵇ علل لوجوب الوضوء باسترخاء المفاصل، ولم يرد به أصل الاسترخاء؛ لأن أصل الاسترخاء موجود في حالة الركوع والسجود، لأن الاسترخاء نتيجة النوم، والنوم موجود في الأحوال كلها. ولو حمل آخر الحديث على أصل الاسترخاء صار كأن النبي ﵇، قال في صدر الحديث: «لا وضوء على من استرخت مفاصله» ، ثم قال في آخر الحديث: «إنما الوضوء على من استرخت مفاصله» وفيه تناقض ظاهر، فلضرورة رفع التناقض يحمل آخر الحديث على النهاية في الاسترخاء، وإذا حمل عليه صار كأن النبي ﵇ قال: إذا وجد استرخاء المفاصل على النهاية والمبالغة، بأن زال التماسك من كل وجه وجب الوضوء، فالاسترخاء على النهاية والمبالغة، لا توجد في حال القيام والركوع والسجود، لأن بعض التماسك في هذه الأحوال باقٍ؛ إذ لو لم يكن باقياً لكان سقط، وإذا كان بعض التماسك باقياً في هذه
стр. 39
الأحوال لم يكن الاسترخاء في هذه الأحوال على سبيل النهاية
والمبالغة، والنبي ﵇ إنما جعل النوم حدثاً حال وجود الاسترخاء على سبيل النهاية والمبالغة.
ثم لم يفصل محمد ﵀ في «الأصل» بينما إذا غلبه النوم، وبينما إذا نام متعمداً، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إنما لا ينتقض وضوءه إذا غلبه النوم، أما إذا نام متعمداً ينتقض وضوءه على كل حال، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرح الأصل» ، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ قول أبي يوسف ﵀ في السجود إذا تعمد النوم. والصحيح: ما ذكر في ظاهر الرواية: إذ لا فصل في الحديث.
وإن نام قاعداً وهو يتمايل في حال نومه ويضطرب، وربما يزول مقعده عن الأرض، إلا أنه لم يسقط، ظاهر المذهب أنه ليس بحدث، وعن أبي يوسف ﵀ أنه حدث، وفي النوم مضطجعاً، الحال لا يخلو إن غلبت عيناه، فنام ثم اضطجع في حال نومه، فهو بمنزلة ما لو سبقه الحدث، فيتوضأ ويبني، ولو تعمد النوم في الصلاة مضطجعاً، فإنه يتوضأ ويستقبل الصلاة، هكذا حكي عن مشايخنا ﵏.
وفي «الفتاوى» : في المريض لا يستطيع أداء الصلاة إلا مضطجعاً، فنام في الصلاة انتقض وضوءه، قال الفقيه أبو الليث ﵀: وقد قيل: لا ينتقض، والأول أصح.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد ﵀ إذا قعد في الصلاة وإحدى إليتيه على قدمه فنام، فلا وضوء عليه، قال الحاكم أبو الفضل ﵀: هذا خلاف ما روي عن محمد ﵀ في «الأصل» ، هذا إذا نام في الصلاة، وأما إذا نام خارج الصلاة إن نام مضطجعاً أو متوركاً ينتقض وضوءه، وإن نام قائماً أو على هيئة الراكع أو الساجد ذكر القدوري ﵀ في «شرحه» أنه لا ينتقض وضوءه.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرح المبسوط» فيما إذا نام ساجداً أن فيه اختلاف المشايخ، وذكر هو أيضاً عن علي بن موسى العمّي أنه قال: لا نص في هذه الصورة عن أصحابنا ﵏، وينبغي أن لا ينتقض وضوءه إذا نام على هيئة الساجد على وجه السنّة، بأن كان رافعاً بطنه عن فخذيه جافياً عضديه عن جنبيه.
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا نام ساجد في غير الصلاة، فظاهر المذهب أن يكون حدثاً.
قال ﵀: وقد ذكر الحاكم الشهيد ﵀ في «إشاراته» ، وقد قال بعض العلماء: إن النوم في حالة السجود لا يكون حدثاً وإن كان خارج الصلاة، وذكر محمد
стр. 40
رحمه الله في «صلاة الأثر» أن من نام قاعداً أو واضعاً إليتيه على عقبيه وصار شبه المكب على وجهه واضعاً بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوءه، وعن علي بن يزيد الطبري قال: سمعت محمداً ﵀ يقول: من نام هكذا على وجهه لا ينتقض وضوءه.
وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إن الشرط عند محمد ﵀ أن يضطجع على غيره، أما اضطجاعه على نفسه لا يعتبر، وقال أبو يوسف ﵀: اضطجاعه على نفسه كاضطجاعه على غيره في زوال الاستمساك، فيكون حدثاً ولم يذكر قول أبي حنيفة، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وقد نقل عنه فصل يدل على أنه كان يميل إلى ما قاله أبو يوسف ﵀، فإنه قال فيمن كان محدودباً، فسجد على فخذه أو ركبته بأن وضع أنفه على طرف ركبتيه صح سجوده، وجعل سجوده بمنزلة السجود على الوسادة أو اللبنة، فجعل سجوده على نفسه كسجوده على غيره، فجاز أن يجعل اضطجاعه على نفسه كاضطجاعه على غيره.
وجه قول من يقول إنه ينتقض وضوءه أنه نام والمسكة زائلة عن مستوى جلوسه، فيكون حدثاً كما لو نام مضطجعاً على غيره، وكان القياس في حالة الصلاة كذلك لكن عرفناه بالأثر.
وجه قول من قال: إنه لا يكون حدثاً أن النوم في هذه الأحوال إنما لم يجعل حدثاً في الصلاة لانعدام استرخاء المفاصل على سبيل النهاية والمبالغة، وهذا المعنى موجود في غير حالة الصلاة، وأما إذا نام قاعداً مسوياً إليتيه على الأرض لا ينتقض وضوءه، وإن نام قاعداً (على) مستوى الجلوس، ولكن مستنداً إلى جدار أو أسطوانة، ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ أن ظاهر المذهب أنه لا ينتقض وضوءه.
وعن الطحاوي ﵀: أنه قال: إن كان بحيث لو أزيل السناد سقط، فهو كالمضطجع، وعلى هذا بعض المشايخ، وهذا لأنه إذا كان بهذه الصفة، فقد وجد زوال التماسك من كل وجه؛ لأنه لم يقعد لقوة نفسه إنما قعد لقوة الأسطوانة أو الحائط، فينتقض وضوءه.
وفي «القدوري» : روى أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا ينتقض وضوءه إذا كانت إليتاه مستوية على الأرض، وذكر شيخ الإسلام رواية عن أبي حنيفة غير مقيدة بما إذا كانت إليتاه مستوية على الأرض، ومنهم من قال: إن جعل عقبه عند مقعده، واستند إلى شيء ونام، لا يكون حدثاً، وقيل: إذا كان مستقراً على الأرض غير مستوقر لا ينتقض وضوءه، وإن كان بحال لو أزيل السناد سقط، وإن كان مستوقراً غير مستقر على الأرض ينتقض وضوءه، وإن كان بحال لو أزيل السناد لا يسقط، ولو نام قاعداً مستوي الجلوس فسقط على الأرض ذكر شمس الأئمة ﵀: أن ظاهر الجواب عند أبي حنيفة ﵀ أنه إن انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض في حال سقوطه لم تنتقض طهارته.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لو استيقظ حتى يضع جنبيه على الأرض، فلا وضوء عليه، وإن وضع جنبيه وهو نائم بطل وضوءه؛ لأنه وجد شيء من النوم مضطجعاً فينتقض وضوءه. وعلى قولهما لا تنتقض طهارته حتى يسقط على الأرض قبل أن ينتبه، ويشترط لانتقاض الطهارة عند أبي يوسف ﵀ أن يكون الانتباه بعدما استقر نائماً على الأرض، وهكذا روى ابن رستم عن محمد، وعن محمد ﵀ في رواية كلما اضطجع إذا انتبه فعليه أن يتوضأ، لأنه وجد شيء من النوم
стр. 41
مضطجعاً.
وإذا نام راكباً على دابة والدابة عريانة، فإن كان في حالة الصعود والاستواء لا ينتقض وضوءه (٧ب١) لأن مقعده يكون متمكناً على ظهر الدابة، فلا يخاف خروج شيء منه، كما لو كان جالساً على الأرض ومقعده متمكن من الأرض، أما حالة الهبوط يكون حدثاً؛ لأن مقعده لا يكون متمكناً على ظهر الدابة حالة الهبوط، فهو بمنزلة ما لو نام على الأرض متوركاً، هذا هو الكلام في النوم.
وأما النعاس في حالة الاضطجاع، فلا يخلو إما أن يكون ثقيلاً أو خفيفاً، فإن كان ثقيلاً فهو حدث، وإن كان خفيفاً لا يكون حدثاً، والفاصل بين الخفيف (والثقيل) أنه إن كان يسمع ما قيل عنده، فهو خفيف، وإن كان يخفى عليه عامة ما قيل عنده فهو ثقيل، هكذا حكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀.
والنوم في سجده التلاوة لا ينقض الوضوء، كالنوم في السجدة الصلبية، هكذا ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀. قال ﵀: وكذلك في سجدة الشكر عند محمد، وعند أبي حنيفة ﵀ حدث؛ لأن سجدة الشكر عنده ليست بمروية، وفي «فوائد القاضي» الإمام أبي علي النسفي قوله مثل قول محمد، قال القاضي الإمام ﵀: وسواء سجده على وجه السنة، والنوم في سجدة السهو ليس بحدث.
والإغماء ينقض الوضوء وإن قل، وكذلك الجنون والغشي؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء سبب لخروج النجاسة بواسطة الغفلة وزوال المسكة، فيقام مقام خروج النجاسة.
والسكر ينقض الوضوء أيضاً؛ لأنه سبب لخروج الحدث بواسطة استرخاء المفاصل، فيقام مقام خروج الحدث احتياطاً.
بعد هذا الكلام في حده وذكر بعض المشايخ في «شرح المبسوط» أن حد السكران هنا ما هو حد السكران في باب الحد، وهكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» ، فإنه قال: إن كان لا يعرف الرجل من المرأة ينتقض وضوءه، وهذا الحد ليس بلازم إذا دخل في بعض مشيته تحرك، فهو سكر ينتقض به وضوءه، كذا ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀، وهو الصحيح، وهذا لأن السكر إنما أوجب انتقاض الوضوء لكونه سبباً لخروج الحدث بواسطة الغفلة وزوال المسكة، فلما دخل في مشيته تحرك فقد زالت المسكة والله أعلم.
(نوع آخر) في القهقهة
يجب أن يعلم بأن القهقهة في كل صلاة فيها ركوع وسجود تنقض الصلاة والوضوء عندنا لحديث خالد الجهني قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّميصلي بأصحابه إذ أقبل أعمى، فوقع في بئر أدركته هناك، فضحك بعض القوم قهقهة، فلما فرغ النبي ﵇ من الصلاة
стр. 42
قال: «ألا من ضحك منكم، فليعد الوضوء والصلاة» ، والقهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء؛ لأن انتقاض الوضوء بالقهقهة عرف بالسنّة بخلاف القياس؛ لأن انتقاض الطهارة بخارج نجس، ولم يوجد ذلك، وليست القهقهة خارج الصلاة في معنى القهقهة في الصلاة؛ لأن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الله تعالى فتعظم الجناية بالقهقهة فيها، ولا كذلك القهقهة خارج الصلاة، فبقيت القهقهة خارج الصلاة على أصل القياس.
وكذلك القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا تنقض الوضوء؛ لأن انتقاض الوضوء بالقهقهة عرف بالسنّة، والسنّة وردت في صلاة مطلقة، وهذه ليست بصلاة مطلقاً، فيعمل فيها بالقياس؛ ولكن تبطل صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وكذلك القهقهة من النائم في الصلاة لا تنقض الوضوء، هكذا وقع في بعض الكتب.
وذكر الزندوستي في «نظمه» : إذا نام في صلاته قائماً أو ساجداً ثم قهقه: لا رواية لهذا في الأصول، قال شداد بن أوس: وقال أبو حنيفة ﵀: تفسد صلاته، ولا يفسد وضوءه، وهكذا أفتى الفقيه عبد الواحد ﵀، قال الحاكم أبو محمد الكفيني: فسدت صلاته ووضوءه جميعاً، وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطاً.
ولو نسي كونه في الصلاة ثم قهقهة قال شداد: قال أبو حنيفة ﵀: تفسد صلاته ولا يفسد وضوءه، وقال الحاكم الكفيني والفقيه عبد الواحد: فسدا جميعاً.
وجه قول من قال بفسادهما: أن هذه قهقهة حصلت في خلال الصلاة، فتنقض الوضوء كما في الذاكر المستيقظ.
وجه قول من قال بعدم فساد الوضوء: أن السنّة وردت في حق اليقظان الذاكر، وليس النائم والناسي في معنى المستيقظ الذاكر؛ لأن فعل النائم والناسي لا يوصف بكونه جناية، فيعمل فيه بالقياس، وقضية القياس أن لا يفسد الوضوء.
والقهقهة من الصبي في حالة الصلاة لا تنقض الوضوء؛ لأن فعل الصبي لا يوصف بالجناية، فيعمل فيه بالقياس.
وإذا أحدث الرجل فذهب وتوضأ وعاد إلى مكانه وقهقه في الطريق حكي عن بعض المشايخ أنه ينقض وضوءه، وذكر الشيخ الإمام الزاهد علي البزدوي، ﵀ أنها تنقض الصلاة، ولا تنقض الوضوء استحساناً.
ولو تبسم في صلاته لا ينقض وضوءه لما روي «أن رسول الله ﵇ كان إذا رأى جرير بن عبد الله تبسم ولو في الصلاة» ، وقال ﵇ في قصة الأعمى الذي
стр. 43
وقع في الركية: «ومن تبسم فلا شيء عليه» ؛ ولأن القهقهة عرفت ههنا بالسنّة بخلاف القياس، والتبسم ليس في معناها؛ لأن في القهقهة من المأثم والحرمة ما ليس في التبسم، فلم يكن التبسم في الجناية يظهر القهقهة، فيرد التبسم إلى أصل القياس.
ثم في حدّ القهقهة اختلاف المشايخ، قال بعضهم: القهقهة ما تكون مسموعاً له ولجيرانه، وقال بعضهم: ما يظهر فيه القاف والهاء، والتبسم: ما لا يكون مسموعاً له ولجيرانه، وما بينهما وهو ما يكون مسموعاً له ولا يكون مسموعاً لجيرانه، فسمي ضحكاً، وإنه ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء، وهكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرح المبسوط» .
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «شرح المبسوط» أن ما فوق التبسم ودون القهقهة لا ذكر له في «المبسوط» ، قال: وكان القاضي الإمام يحكي عن الشيخ الإمام أنه كان يقول: إذا ضحك حتى بدت نواجذه ومنعه عن القراءة أو عن التسبيح نقض وضوءه، قال ﵀: وغيره من المشايخ على أنه لا ينتقض الوضوء حتى يسمع صوته وإن قل.
والقهقهة عامداً كان أو ناسياً تنقض الوضوء ويبطل التيمم كما يبطل الوضوء، ولا تبطل طهارة الاغتسال، وقد قيل: تبطل طهارة الأعضاء الأربعة، لهذا إن المغتسل في الصلاة إذا قهقه بطلت الصلاة، وجاز له أن يصلي بعده من غير وضوء جديد على القول الأول، وعلى القول الآخر: لا يجوز له أن يصلي بعده من غير وضوء جديد.
ولو صلى الفريضة بالإيماء بعذر وقهقه فيها انتقض وضوءه؛ لأن هذه صلاة لها ركوع وسجود وقام الإيماء بعذر مقام الركوع والسجود، ولو صلى المكتوبة أو التطوع راكباً خارج المصر أو القرية وقهقه فيها انتقض وضوءه، وإن كان في مصر أو قرية لا ينتقض عند أبي حنيفة ﵀، لأنه ليس في الصلاة، وكذلك لو افتتح التطوع راكباً خارج المصر، ودخل المصر ثم قهقه، فلا وضوء عليه في قول أبي حنيفة ﵀.
ولو صلى في المصر ركعة من التطوع راكباً ثم خرج من المصر يريد السفر وقهقهة لا وضوء عليه في قول أبي حنيفة. ولو صلى راكباً وهو منهزم من العدو والدابة واقفة أو سائرة أو تعدو به وهو يومىء إيماء إلى القبلة أو إلى غيرها ثم قهقهة كان عليه الوضوء.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: إمام تشهد ثم ضحك قبل أن يسلم، فضحك بعده من خلفه، فعليهم الوضوء، علل فقال: لأني كنت آمرهم أن يسلموا، أشار إلى أن القوم لا يخرجون عن حرمة الصلاة بضحك الإمام، قال الحاكم أبو الفضل: قد روي عن محمد ﵀ أنه قال: لا آمرهم أن يسلموا أشار إلى أن ضحك الإمام يخرج القوم عن حرمة الصلاة، فلا يحتاجون إلى التسليم؛ لأن التسليم للتحليل.
ذكر الحاكم في إمام قعد في آخر صلاته قدر التشهد، ولم يتشهد والقوم على مثل حاله، فضحك الإمام ثم ضحك من خلفه، قال: أما في قول أبي حنيفة ﵀، فعلى
стр. 44
الإمام الوضوء، ولا وضوء على القوم من قبل أن الإمام قد أفسد عليهم ما بقي (٨أ١) من صلاتهم، وقال أبو يوسف ﵀: عليهم الوضوء من قبل أنهم لو لم يضحكوا كان عليهم أن يتشهدوا ويسلموا، فلم يفسد الإمام عليهم شيئاً.
ولو كان الإمام والقوم تشهدوا ثم سلم الإمام ثم ضحك القوم قبل أن يسلموا، فعليهم الوضوء عندهما، لأن سلام الإمام لا يفسد عليهم ما بقي، وكذلك الكلام، فأما الحدث متعمداً أو الضحك يفسد عليهم ما بقي، وعند محمد ﵀: لا وضوء على القوم في هذه الصورة، وهو ما إذا ضحكوا بعدما سلم الإمام؛ لأن عند سلام الإمام يخرج المقتدي عن حرمة الصلاة، فالضحك منهم لم يصادف حرمة الصلاة، فلا يوجب الوضوء.
أبو سليمان عن محمد ﵀ فيمن سها عن التشهد خلف الإمام في الثانية حتى يسلم الإمام في آخر الصلاة ثم ضحك هذا الرجل، فلا وضوء عليه، وليس هذا كسهوه عن التشهد في الرابعة.
في «الأمالي» عن أبي يوسف ﵀: لو أن إماماً انصرف من غير أن يسلم وخرج عن المسجد وضحك أو ضحك بعض القوم، فلا وضوء عليه ولا عليهم.
وابن سماعة عن أبي يوسف في «النوادر» : إذا صلى الجمعة ركعة ثم خرج وقتها ثم قهقهة، فلا وضوء عليه، وهذه المسألة تبنى على أصل أبي يوسف ﵀ أن خروج الوقت في صلاة الجمعة توجب الخروج عن الجمعة، فالقهقهة بعد ذلك لم تصادف حرمة صلاة مطلقة.
أبو سليمان عن محمد ﵀: ظن القوم أن الإمام كبر ولم يكن كبر، فكبروا ثم قهقهوا، فلا وضوء عليهم.
عمرو بن أبي عمرو في مسافر صلى ركعة من الظهر بغير قراءة ثم قهقه، فعليه الوضوء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد وزفر: لا وضوء عليه، وكذلك في المقيم: إذا صلى ركعة من الفجر بغير قراءة ثم قهقه، وكذلك قال أبو يوسف فيمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر ثم قهقه، وقاس على قول أبي حنيفة، وكذلك إن ذكر صلاة عليه وهو في صلاة أخرى ثم قهقه، وكذلك إن نوى الإمام إمامة النساء، فجاءت امرأة فقامت إلى جنبه تأتم به ثم قهقه، فعليه الوضوء، وأما في قول محمد وزفر، فلا وضوء عليه في شيء من ذلك إذا فسدت الصلاة، فكأنه تكلم فيها ثم قهقه.d
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذا إذا وقفت بجنب الإمام وكبرت بعد تكبيره، فأما إذا كبرت مع الإمام لا تنعقد تحريمة الإمام، فلا تنتقض طهارته. ولو وقفت المرأة بجنب إمام يؤمها ثم ضحكت قهقهة هل تنتقض طهارتها؟ في رواية لا تنتقض، وفي رواية تنتقض، والأول أصح، لأنها ليست في صلاة. وإذا صلى فريضة عند طلوع الشمس أو عند غروبها سوى عصر يومه لم يكن داخلاً في الصلاة حتى لا تنتقض طهارته بالقهقهة. وإذا شرع في التطوع عند طلوع الشمس أو عند غروبها ثم قهقهة كان عليه الوضوء.
стр. 45
حكي عن بشر عن أبي يوسف: كل صلاة افتتحت صحيحة ثم دخل فيها ما يفسدها على وجه ما سمينا ثم ضحك، فعليه الوضوء. وهو إشارة إلى المسائل المتقدمة.
وذكر المعلى عن أبي يوسف ﵀ في رجل صلى ركعتين تطوعاً ولم يقرأ في إحديهما ثم قهقه، فلا وضوء عليه. وهذا الجواب يخالف جوابه في المسائل المتقدمة، وقال: في «التحري» : إذا تبين له في خلال الصلاة أنه صلى إلى غير القبلة ثم ثبت على صلاته بعد العلم به فسدت صلاته، وإن قهقه، فلا وضوء عليه، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: إن عليه الوضوء.
فالحاصل أن في جنس هذه المسائل روايتين عن أبي يوسف، وقال فيمن انقضى وقت مسحه في صلاته ثم قهقه، فلا وضوء عليه، لأن هذا صار غير طاهر، وكذلك في الجبائر: إذا برىء في صلاته، قال: ولو أن صحيحاً افتتح مكتوبة قاعداً أو مضطجعاً من غير عذر ثم قهقه أعاد الوضوء، وكذلك: لو افتتح الصلاة خلف مومىء أو خلف أخرس أو أمي ثم قهقه، فعليه الوضوء، وكذلك لو افتتح المتوضىء خلف المتيم والمتوضىء يرى الماء والمتيمم لا يراه، وكذلك من يأتم بمن يعلم أن عليه صلاة قبلها ولا يعلمها الإمام أو الإمام على غير القبلة ولا يعلمها والمؤتم يعلم، وإن كان الإمام يعلم أنه افتتح لغير القبلة، فلا وضوء على المؤتم.
بشر عن أبي يوسف ﵀: لو سلم على تمام في نفسه ثم تذكر سجدة تلاوة عليه ثم قهقه قبل أن يسجد لها، فلا وضوء عليه. ولو اقتدى رجل بهذا الرجل بعد السلام لم يكن الرجل داخلاً في صلاته، قال الحاكم أبو الفضل: هذا الجواب خلاف جواب «الأصل» ، فقد ذكر في «الأصل» عليه الوضوء، ولو كان مسافراً ينوي الإقامة بعد السلام قبل الضحك كانت نيته قاطعة للصلاة، ولم يكن عليه أن يتمها وهو كمن سلم وعليه سجدتا السهو.
بشر عن أبي يوسف ﵀: في رجل لا يقرأ صلى ركعة بغير قراءة ثم تعلم سورة، قال: ينصرف على شفع وهو في الصلاة، وعليه الوضوء إن قهقه.
وعنه أيضاً: إذا صلى العريان ركعة ثم وجد ثوباً، فلبس في الصلاة، قال: ينصرف على شفع، ولا وضوء عليه إن قهقه. وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: عليه الوضوء، فصار في المسألة روايتان، ويجب أن تكون المسألة الأولى على الروايتين أيضاً، إذ لا تفاوت بينهما.
وعنه أيضاً: أمة صلت بغير قناع ركعة ثم أعتقت، فصلت ركعة أخرى بغير قناع وهي تعلم بالعتق، قال: إنها ليست في صلاة، لا وضوء عليها إن قهقهت، وقال في
стр. 46
موضع آخر من هذا الكتاب: عليها الوضوء.
وعنه أيضاً: لو دخل بنية العصر في صلاة رجل يصلي الظهر لزمه المضي معه وهو متطوع، وعليه الوضوء إن قهقه.
إذا سلم المقتدي قبل سلام الإمام بعدما قعد قدر التشهد ثم قهقهه لا وضوء عليه؛ لأنه صح خروجه عن الصلاة قبل خروج الإمام، فلا تنتقض طهارته بالقهقهة، وإذا قهقه القوم بعد التشهد دون الإمام تمت صلاتهم، وانتقضت طهارتهم، ولا تنتقض طهارة الإمام، ولو قهقه القوم بعد التشهد معاً تمت صلاتهم وانتقضت طهارتهم.
(نوع آخر) من هذا الفصل
مس الرجل المرأة أو المرأة الرجل لا ينقض الوضوء، وقال مالك إن كان بشهوة نقض الوضوء، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض؛ لأن المس عن شهوة سبب لاستطلاق وكاء المذي، فيقام مقامه في حق إيجاب الوضوء احتياطاً لأمر العبادة، كما فعله أبو حنيفة ﵀ في المباشرة الفاحشة على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
ولنا حديث عائشة وأم سلمة ﵄ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ» ولأن عين المس ليس بحدث، بدليل مس ذوات المحارم، وإنما الحدث ما يخرج عند المس، وذلك ظاهر، فلا حاجة إلى إقامة السبب مقامه.
ومس الذكر لا ينقض الوضوء بحال. وقال الشافعي: ينقض إذا مسه بباطن الكف من غير حائل، لحديث بُسْرة أن النبي ﵇ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» ولأنه سبب لاستطلاق وكاء المذي فيقام مقامه، ولنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمسئل عمن مس ذكره هل عليه أن يتوضأ؟ قال: «لا وهل هو إلا بضعة منك؟» ولأن إقامة السبب الظاهر مقام المعنى الخفي عند تعذر الوقوف على الخفي، وذلك غير موجود ههنا؛ لأن المذي يرى.
فإذا باشر امرأته مباشرة فاحشة بتجرد وانتشار وملاقاة الفرج الفرج، ففيه الوضوء
стр. 47
في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف استحساناً، وقال محمد: لا وضوء عليه، وهو القياس؛ لقول ابن عباس ﵄: «الوضوء مما خرج» وقد تيقن أنه لم يخرج منه شيء، فهو كالتقبيل. ولهما أن الغالب من حال (٨ب١) من بلغ في المباشرة هذا المبلغ خروج المذي منه فيجعل كالمذي بناء للحكم على الغالب دون النادر، ألا ترى أن من نام مضطجعاً ينتقض وضوءه وهو وإن تيقن أنه لم يخرج منه شيء اعتباراً للغالب كذا ههنا.
والكلام الفاحش لا ينقض الوضوء وإن كان في الصلاة؛ لأن الحدث اسم لخارج نجس، ولم يوجد هذا الحدُّ في الكلام الفاحش.
ولا وضوء في أكل ما مسته النَّار أو لم تمسه، فقد صح «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّمأكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ» .
وليس في حمل الميت وغسله وضوء إلا أن يصيب يده أو جسده شيء من الماء، فيغسل ذلك الموضع.
وإذا ذبح شاة، فلا وضوء عليه إلا أن تتلطخ يده بدمها فيغسل يده.
قال القدوري ﵀: وليس في مزال عن بدن ولا موطوء عليه وضوء، ولا إمرار ماء على موضع المزال.
يريد به: إذا توضأ، ثم قلم ظفره أو حلق شعره، وقد مرت مسألة الشعر من قبل، ومعنى الموطوء عليه: أن يطأ نجاسة لا يلصق به شيء منها، وإن لصقت فعليه غسلها والله أعلم.
(نوع آخر)
قال محمد ﵀ في «الأصل» : ومن شك في بعض وضوئه وهو أول ما شك غسل الموضع الذي شك فيه؛ لأن غسله لا يريبه وتركه يريبه، وقد قال ﵇: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، ولأنه على يقين من الحدث في ذلك الموضع، وفي شك من غسله، واليقين لا يزال بالشك، فأما إذا كان يرى ذلك كثيراً لم يلتفت ومضى؛ لأنه من الوساوس، والسبيل في الوساوس قطعها، وترك الالتفات إليها؛ لأنه لو التفت إليها تقع في مثل ذلك ثانياً وثالثاً، فبقي في أكثر عمره في ذلك.
قالوا: وهذا إذا كان الشك في خلال الوضوء، فأما إذا كان هذا الشك بعد الفراغ من الوضوء لا يلتفت إليه ومضى، وهو نظير ما إذا شك في صلاته أنه صلاها ثالثاً أو أربعاً إن كان هذا الشك في خلال الصلاة كان معتبراً، وإن كان بعد الفراغ من الصلاة لا يعتبر، حملاً لأمره على ما كان وهو الخروج عن الصلاة بعد التمام كذا ههنا.
وتكلموا في قوله: وهو أول ما شك فيه، من المشايخ من قال: أراد به أول ما شك في عمره، ومنهم من قال: أراد به أن الشك في هذا لم تصر عادة له.
стр. 48
ومن شك في الحدث، فهو على وضوئه، لأنه على يقين من الطهارة، وعلى شك من الحدث واليقين لا يزال بالشك بالشك.
ومن شك في الوضوء، فهو محدث؛ لأنه على يقين من الحدث، وعلى شك من الوضوء، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: لا مدخل للتحري في باب الوضوء إلا في فصل رواه ابن سماعة عن محمد ﵀: أنه إذا كان مع الرجل آنية وهو يتذكر أنه جلس للوضوء إلا أنه شك أنه قام قبل أن يتوضأ أو بعدما توضأ يتحرى ويعمل بغالب رأيه.
وإن شك أنه جلس للتوضؤ أولا والآنية هناك موضوعة، فهو محدث، ولا يجوز له التحري قال ابن سماعة في «نوادره» : وهو نظير الخلاء، فإنه إذا كان يتذكر أنه دخل الخلاء للتخلي لكنه شك أنه خرج منها قبل أن يتخلى أو بعدما تخلى جعل محدثاً، ولا يجوز له التحري. ولو شك أنه دخل الخلاء أولم يدخل جاز له التحري، والعمل بغالب رأيه وهذه رواية مستحسنة.
وفي «المنتقى» : إبراهيم عن محمد أنه سئل عن المتيقن بالوضوء إذا لم يذكر حدثاً، فقال له رجل: إنك بلت في موضع كذا فشك الرجل، وقد صلى بعد ذلك صلوات، فقال: إذا شهد عنده عدلان قضاها، وإن شهد واحد عدل لم يقض.
وفي «الأصل» عن محمد ﵀: إذا وقع في قلب المتوضىء أنه أحدث وكان على ذلك أكثر رأيه، فأفضل ذلك أن يعيد الوضوء، وإن صلى بوضوئه الأول كان في سعة من ذلك عندنا.
وإن أخبره مسلم عدل رجل أو امرأة حرة أو مملوكة أنه أحدث أو رعف أو نام مضطجعاً لم يسع له أن يصلي حتى يتوضأ؛ لأن هذا أمر من أمور الدين وخبر الواحد حجة في أمور الدين.
ولو استيقن بالحدث وشك في الوضوء، فأخبره عدل أنه توضأ، ولم يعرف المخبر بكونه عدلاً، إلا أنه وقع في قلبه أنه صادق، وسعه أن يصلي، فإن كان مبتلى بهذا كثيراً ويدخل عليه فيه الشيطان، فاستيقن بالحدث، واستيقن أنه قعد للوضوء، فإن كان أكثر رأيه أنه توضأ ورأى البلل سائلاً من ذكره بعد وضوئه، فإن كان الشيطان يريه ذلك كثيراً ولا يستيقن أنه بلل ماء أو بول مضى في صلاته، ولا يلتفت إليه.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: وتأويل هذا في الذي يرى البلل على طرف ذكره وقد استنجى، فيحتمل أن يكون ذلك من بلل الغسل، فأما إذا علم الرجل أنه خرج من داخل الإحليل فعليه أن يتوضأ.
ومن أصحابنا من قال: وإن علم أنه خرج من ذكره لا ينتقض وضوءه ما لم يستيقن أنه بول أو مذي إذا كان قد استنجى، فقد ذكر في بعض «النوادر» أن المستنجي إذا دخل الماء في ذكره ثم خرج لا ينقض وضوءه، فيحتمل أن يكون هذا الخارج من ماء الاستنجاء، قال شيخ الإسلام ﵀: الحيلة في قطع هذه الوسوسة أن ينضح فرجه بالماء، فإذا أراه الشيطان ذلك أحاله على الماء.
стр. 49
وقد روى أنس رضي الله «أن رسول الله ﵇ كان ينضح إزاره بالماء إذا توضأ، وقال: نزل جبريل صلوات الله عليه وأمرني بذلك» ، قالوا: هذا الاحتيال إنما ينفعه إذا كان العهد قريباً بحيث لم يجف البلل، فأما إذا مضى عليه زمان ثم رأى بللاً، فإنه يعيد الوضوء؛ لأنه لا يمكننا الإحالة على ذلك الماء والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل بيان أحكام المحدث
المحدث لا يمس المصحف ولا الدرهم الذي كتب عليه القرآن، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (الواقعة: ٧٩) ، ولا بأس بأن يقرأ القرآن، لما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله ﵇: «كان لا يحجزُهُ شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة» .
والمعنى في الفرق بين القراءة والمس أن الحدث حل باليد دون الفم، ولهذا يفرض على المحدث إيصال الماء إلى اليد ولا يفترض عليه إيصال الماء إلى الفم. وإن أراد أن يغسل اليد ويأخذ المصحف لا يحل له ذلك؛ لأن الحدث لا يتجزأ زوالاً وثبوتاً.
وكما لا يحل له مس الكتابة لا يحل له مس البياض أيضاً، وإن لمس المصحف بغلافه فلا بأس به، والغلاف الجلد الذي عليه المتصل عند بعض المشايخ، وعن بعضهم المنفصل كالخريطة ونحوها؛ لأن المتصل بالمصحف من المصحف، ولهذا يدخل في بيع المصحف من غير ذكر.
وإن مس المصحف بكمه أو ذيله لا يجوز عند بعض المشايخ؛ لأن ثيابه تبع لبدنه ألا ترى لو قام على النجاسة في الصلاة، وفي رجليه نعلان أو جوربان، لا تجوز صلاته، ولو فرش نعليه أو جوربيه وقام عليهما جازت صلاته، وألا ترى أن من حلف لا يجلس على الأرض فجلس عليها وبينه وبينها ثيابه يحنث في يمينه واعتبر ثوبه تبعاً له حتى لم يعتبر حائلاً، وأكثر المشايخ على أنه لا يكره؛ لأن المحرم هو المس، وإنه اسم للمباشرة باليد بلا حائل، ألا ترى أن المرأة إذا وقعت في طين وردغة حل للأجنبي أن يأخذ يدها بحائل ثوب، وكذا حرمة المصاهرة لا تثبت بالمس بحائل، وفي باب اليمين المعتبر هو العرف، وفي العرف يعتبر الجالس في ثيابه على الأرض جالساً على الأرض.
ويكره له مس كتب التفسير، وكذلك يكره له مس كتب الفقه، وما هو من كتب الشريعة؛ لأنه لا يخلو عن آيات القرآن وإن لم يكن فيها آيات (أ١) القرآن، ففيها معنى القرآن، والمشايخ المتأخرون وسعوا في مس كتب الفقه بالكم للبلوى والضرورة.
وكره بعض مشايخنا دفع المصحف واللوح الذي عليه القرآن إلى الصبيان، وعامة المشايخ لم يروا به بأساً........... التوضؤ وفي التأخير تضييع القرآن، ويكره
стр. 50
له أن يدخل المسجد وأن يطوف بالبيت وفي الأذان روايتان، وتكره الإقامة رواية واحدة، والله تعالى أعلم بالصواب.
الفصل الثالث في تعليم الإغتسال
هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضاً.
نوع منه في تعليم الاغتسال
قال محمد ﵀: ويبدأ في غسل الجنابة بيديه، فيغسلهما ثلاثاً ثم يأخذ الإناء بيمينه ويفرغه على شماله حتى يغسل فرجه ثلاثاً وينقيه، وكذلك المرأة إذا اغتسلت بدأت وغسلت فرجها، ثم يتوضأ وضوء الصلاة غير غسل القدمين، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً، ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل قدميه؛ فقد أمر بتأخري غسل القدمين في حق الجنب.
وقد اختلفت الروايات في فعل رسول الله ﵇، روت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ ، غسل القدمين في الوضوء» ، وروت ميمونة «أنه ﵇ لم يغسل القدمين في الوضوء، بل أخره إلى ما بعد الاغتسال» ، وعلماؤنا ﵏ أخذوا برواية ميمونة، لأن غسل القدمين قبل إفاضة الماء على رأسه لا يقبل؛ لأن قدميه في مستنقع الماء المستعمل، فيتنجس ثانياً وثالثاً بوصول الماء المستعمل إليه فلا يفيد الاغتسال في الوضوء، حتى لو أفاد بأن كان قائماً على حجر أو لوح لا يؤخر غسل القدمين عن الوضوء، ثم أشار ههنا إلى مسح الرأس في الوضوء، فإنه قال: يتوضأ وضوءه للصلاة، والوضوء اسم يشمل المسح والغسل جميعاً، وهو ظاهر المذهب.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يمسح برأسه في وضوئه؛ لأنه قد لزمه غسل الرأس، وفرضية المسح لا تظهر عند وجوب الغسل، والصحيح أن يمسح برأسه، فقد روت عائشة وميمونة ﵄ في بيان كيفية اغتسال رسول الله ﵇ أن رسول الله ﵇ «توضأ وضوءه للصلاة ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً» .
واسم الوضوء مشتمل على الغسل والمسح جميعاً، وما قال من المعنى ليس
стр. 51
بصحيح لأن تقديم الوضوء على الإفاضة يقع سنة لا فرضاً ليقال فرضيته لا تظهر مع فرضية الغسل، وإن أفاض الماء على رأسه مرة واحدة تجزئه، وهذا الترتيب الذي ذكرنا مذكور في «الأصل» .
وفسر في «النوادر» فقال في موضع: يتوضأ وضوءه للصلاة، ولا يغسل قدميه ثم يبدأ بمنكبه الأيمن فيفيض الماء عليه ثلاثاً بمنكبه الأيسر ويفيض الماء عليه ثلاثاً، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً، ثم يتنحى فيغسل قدميه.
قال في «المعلى» : وقال أبو حنيفة ﵀: من اغتسل من الجنابة فليس عليه أن يضع في عينيه الماء.
قال في «الأصل» : والدلك في الاغتسال ليس بشرط عندنا، خلافاً لمالك؛ لأن الواجب بالنص التطهير، فاشتراط الدلك يكون زيادة على النص. وفي «المنتقى» : وقال أبو يوسف ﵀ في «الأمالي» : الدلك في الغسل شرط.
وإذا اغتسلت المرأة من الجنابة ولم تنقض رأسها إلا أنه بلغ الماء أصول شعرها وأبلها وإنه جائز بلا خلاف أجزأها، هكذا ذكر في «الأصل» .
واعلم أن ههنا فصلان: أحدهما: إذا بلغ الماء إلى (أصول الشعر) لما روي أن أم سلمة سألت رسول الله ﵇ وقالت: «إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضها إذا اغتسلت؟ فقال: لا» ، وفي حديث جابر أن النبي ﵇ قال: «لا يضر الجنب والحائض أن ينقض الشعر إذا اغتسل بعد أن يصل الماء سور الشعر» ، أي: أصول الشعر. وقالت عائشة ﵂: «كنت أنا ورسول الله ﵇ نغتسل من إناء واحد، وكان لا ينقض شعري» .
وأما إذا بلغ الماء أصول شعرها ولكن لم يدخل شعب عقاصها فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يجزئها لقوله ﵇: «تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر» ولم يوجد بلّ الشعر ههنا.
وعن عبيد الله بن عمر أنه كان يأمر جواريه بنقض شعورهن عند الاغتسال من الحيض والجنابة، ويؤيد هذا القول ما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: تبل ذوائبها ثلاثاً، مع كل بلة عصرة، وفائدة اشتراط العصر أن يصل الماء تحت قرونها.
سئل الفقيه أحمد بن إبراهيم عن هذه المسألة فروى عن رسول الله ﵇ أنه
стр. 52
علم أم سلمة الاغتسال، وقال لها: «احثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء مع كل حثية عصرة» قال: وفائدة اشتراط العصرة أن يبلغ الماء تحت قرونها، قاله الراوي عن الفقيه على أهل المجلس يذكر هذه المسألة.
وقال بعضهم: يجزئها لظاهر ما روينا من حديث أم سلمة وجابر وعائشة، ولأنها إذا نقضت شعرها احتاجت إلى الضفر ثانياً وقال: فليحقها بذلك حرج وربما يتأثر بذلك شعرها، وفيه فساد، بخلاف اللحية لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى أثناء اللحية، فيجب إيصال الماء إليه حتى إن المرأة إذا كانت لا تتحرج في إيصال الماء إلى أثناء الشعر بأن كانت منقوضة الشعر يفرض عليها إيصال الماء إلى أثناء الشعر، هكذا حكي عن الفقيه أبي جعفر ﵀. وتأويل حديث جابر على هذا القول أن المراد منه إذا لم تكن منقوضة الشعر.
وأما الرجل إذا كان على رأسه شعر وقد ضفره كما يفعله العلويون والأتراك هل يجب عليه إيصال الماء إلى أثناء الشعر؟ فظاهر حديث جابر يدل على أنه لا يجب، وذكر الصدر الشهيد ﵀ أنه يجب، والاحتياط في إيصال الماء إليه، والله أعلم.
وسئل نجم الدين النسفي ﵀ عن امرأة تغتسل من الجنابة هل تتكلف لإيصال الماء إلى ثقب القرط، قال: إن كان القرط فيه وتعلم أنه لا يصل الماء إليه من غير تحريك فلا بد من التحريك كما في الخاتم، وإن لم يكن القرط فيه إن كان لا يصل الماء إليه لا تكلف، وكذلك إن انضم ذلك بعد نزع القرط وصار بحيث لا يدخل القرط فيه إلا بتكلف لا تتكلف أيضاً، وإن كان بحيث لو أمرَّت الماء عليه دخله، ولو عدلت لم يدخله أمرت الماء عليه حتى يدخله، ولا تتكلف إدخال شيء فيه سوى الماء من خشب أو نحوه لإيصال الماء إليه.
الأقلف إذا اغتسل من الجنابة ولم يدخل الماء داخل الجلدة جاز؛ لأنها خلقة، وقال في الأقلف إذا خرج بوله من طرف ذكره حتى صار في قلفته فعليه الوضوء.
ذكر القاضي الإسبيجابي هاتين المسألتين على هذا الوجه في «شرحه» وكل
стр. 53
واحدة ترد إشكالاً على الأخرى، والجواب في هاتين المسألتين على هذا الوجه منقول عن ابن سلمة ﵀، وذكر في آخر «النوادر» قبيل باب التأويلات عن الفقيه أبي بكر ﵀ أن الأقلف إذا لم يدخل الماء داخل الجلدة، ففي الغسل لا يجزئه، وفي الوضوء يجزئه، وجعله كالمضمضة والاستنشاق والله أعلم.
نوع منه فى بيان فرائضه وسننه
والفرض فيه أن يغسل جميع بدنه ويتمضمض ويستنشق، والمضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل، نفلان في الوضوء، والأصل فيه قوله ﵇: «تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعرة والبشرة» ، وفي الأنف شعر وفي الفم بشرة. قال ابن الأعرابي: البشرة اسم لجلدة تقي اللحم من الأذى، ولأن الأنف والفم عضوان يمكن إيصال الماء إليهما من غير حرج، فيجب في الغسل عن الجنابة كما في سائر الأعضاء وهذا لأن الواجب تطهير البدن، قال الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (المائده:٦) واسم البدن يتناول الكل إلا ما لا يمكن إيصال الماء إليه يسقط اعتباره لمكان الضرورة، فأما إذا أمكن إيصال الماء إلى هذين العضوين من غير حرج لا ضرورة إلى إسقاط اعتبارهما. أما في الوضوء الواجب غسل الوجه، والوجه اسم لما يواجه الناظر، والمواجهة لا تقع بباطن الفم والأنف.v
وتقديم الوضوء على الاغتسال في الجنابة سنة، وليس فرضاً عند علمائنا ﵏، حتى إنه لو لم يتوضأ وأفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً أجزأه إذا كان قد تمضمض واستنشق.
رجل اغتسل من الجنابة ولم يتمضمض، إلا أنه شرب الماء، هل يقوم شرب الماء مقام المضمضة؟ كان الفقيه أحمد بن إبراهيم يقول لعمرو هكذا كان جواب الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ (٩ب١) حسب ما بلغ: إذا تمضمض يجوز، وما لا فلا، وبنحوه روى الحاكم الشهيد ﵀ في «المنتقى» عن محمد، والذي روي عنه جنب شرب الماء قال: إن كان الشرب أتى على جميع فمه يجزئه عن المضمضمة، وإن كان مص الماء مصاً، فلم يأت على جميع فمه لم تجزئه عن المضمضمة.
стр. 54
وفي «نوادر هشام» : جنب تمضمض وأدار الماء، قال: إن أصاب ذلك الفم كله أجزأه قال هشام: قلت لمحمد ﵀: إن أبا يوسف قال: لا يجزئه إلا أن يمجه، قال محمد: قال أبو يوسف: يجزئه إذا أصاب الفم كله، وعن بعض مشايخنا: إن الرجل إذا كان عالماً لا يجزئه، وإن كان جاهلاً أجزأه، فإنه إذا كان عالماً يمص الماء مصاً، وليس فيه مبالغة، فلا يصل الماء إلى جميع فمه، وإذا كان جاهلاً يغب الماء غباً والتقريب ما ذكرنا. وفي «واقعات الناطفي» : أنه لا يجزئه كيف ما شرب ما لم يمجه.
وإذا اغتسل من الجنابة وبقي بين أسنانه طعام ولم يصل الماء تحته جاز؛ لأن ما بين الأسنان رطب، فلا يمنع وصول الماء إلى ما تحته، وذكر الناطفي في «واقعاته» أنه لا يجزئه ما لم يقلع ذلك الطعام ويجري الماء عليه.
وإذا كان على ظاهر بدنه جلد سميك أو خبز ممضوغ قد جف واغتسل ولم يصل الماء إلى ما تحته، لا يجوز ولو كان مكانه خرء ذباب أو برغوث وباقي المسألة بحالها جاز، وقد مر هذا في فصل الوضوء.
والمرأة إذا عجنت وبقي العجين في ظفرها فاغتسلت من الجنابة لم يجز، ولو بقي الدرن جاز يستوي فيه القروي والمدني عند عامة المشايخ وهو الصحيح، وقد مرت هذه المسألة في فصل الوضوء أيضاً، وذكرنا ثمة قول الإمام الزاهد الصفار ﵀.
نوع منه فى بيان أسباب الغسل
فنقول أسباب الغسل ثلاثة: الجنابة، والحيض، والنفاس، وهذا النوع لبيان الغسل عن الجنابة وأحكامها، ومسائل الحيض والنفاس تأتي في آخر الباب في فصل على حدة إن شاء الله تعالى فنقول: الجنابة تثبت بشيئين:
أحدهما: انفصال المني عن شهوة، والثاني: الإيلاج في الآدمي، واختلفت عبارة أصحابنا ﵏ في الإيلاج الذي تثبت به الجنابة، فالمروي عن محمد ﵀: أنه إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة إنه يجب الغسل، والمروي عن أبي يوسف أنه إذا توارت الحشفة في قبل أو دبر من الآدمي يجب الغسل على الفاعل والمفعول به أنزل أو لم ينزل.
والكرخي في «كتابه» يقول في الإيلاج في أحد السبيلين: إذا توارت الحشفة يوجب الغسل على الفاعل والمفعول به أنزل أو لم ينزل، وهذا هو المذهب لعلمائنا ﵏، فوجوب الغسل عند علمائنا ﵏ غير مقصور على التقاء الختانين، فإن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل عليهما بالإجماع، وإن لم يوجب التقاء الختانين والإيلاج في البهيمة لا يوجب الغسل إلا بالإنزال؛ لأنه ناقص في قضاء الشهوة، فأشبه الاستمتاع بالكف، وذلك لا يوجب الغسل بدون الإنزال كذا ههنا.
الإيلاج في الميتة بمنزلة الإيلاج في البهائم لا يوجب الغسل ما لم ينزل والإيلاج في الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا يوجب الغسل، هكذا ذكر في «الأجناس» ، وفي «شرح الشافي» في كتاب الحدود أن عليه الغسل وإن لم ينزل.
стр. 55
وفي «الفتاوى» : إذا أتى امرأته وهي بكر، فلا غسل عليه ما لم ينزل، لأن البكارة تمنع من التقاء الختانين وبدونه لا يجب الغسل ما لم ينزل، كذلك لا غسل عليها لانعدام السبب في حقها، وكذلك إذا كانت ثيباً ولم يوار الحشفة، فلا غسل عليه ما لم ينزل ولا غسل عليها أيضاً لما قلنا، وقال محمد ﵀: في البكر إذا جومعت فيما دون الفرج فدخل من مائه فرجها: فلا غسل عليها؛ لأن الغسل إنما يجب بالتقاء الختانين أو بنزول الماء ولم يوجد واحد منهم حتى لو حبلت يجب الغسل لنزول مائها.
غلام ابن عشر سنين جامع امرأته البالغة، فعليها الغسل لوجود السبب في حقها وهو مواراة الحشفة بعد توجه الخطاب، ولا غسل على الغلام لعدم الخطاب إلا أنه يؤمر بالغسل تخلقاً واعتباراً كما يؤمر بالصلاة تخلقاً واعتباراً، ولو كان الرجل بالغاً والمرأة صغيرة يجامع مثلها، فعلى الرجل الغسل، ولا غسل عليها لوجود السبب في حقه وانعدام السبب في حقها، وجماع الخصي يوجب الغسل على الفاعل والمفعول به لوجود السبب هو مواراة الحشفة.
والكافر إذا أجنب ثم أسلم ففي وجوب الغسل عليه اختلاف المشايخ، قال بعضهم يجب، وإليه أشار محمد ﵀ في «السير الكبير» ، والمذكور في «السير» : وينبغي للرجل إذا أسلم أن يغتسل غسل الجنابة، وعلل فقال؛ لأن المشركين لا يغتسلون من الجنابة ولا يدرون كيف الغسل في ذلك، وإنما أراد بما قال والله أعلم: إن من المشركين من لا يدين الاغتسال من الجنابة، ومنهم من يدين كقريش وبنو هاشم عامتهم توارثوا من إسماعيل ﵇ إلا أنهم لا يدرون كيفيته، فكانوا لا يتمضمضون ولا يستنشقون، وهما فرضان ألا ترى فرضية المضمضمة والاستنشاق في الاغتسال قد خفي على كثير من العلماء، فكيف على الكفار.
على (أن) ما أشار إليه في «الكتاب» لا يخلو عن أحد شيئين: لا إما يغتسلون عن الجنابة أو يغتسلون عنها، ولكن لا يدرون كيفيتها وأي ذلك ما كان يؤمرون بالاغتسال بعد الإسلام لبقاء حكم الجنابة.
ثم فيما ذكر محمد ﵀ بيان أن صفة الجنابة تتحقق في حق الكفار عند وجود سببها، وبه تبين أن ما ذكر بعض مشايخنا أن الغسل بعد الإسلام مستحب، وذلك في حق من لم يكن قبل ذلك أجنب، وبه تبين أن ما قال بعض المشايخ بأن الجنابة في حق الكفار لا توجب الاغتسال بعد الإسلام لأن الكفار غير مخاطبين، غير سديد.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ؛ لأن الكفار هل يخاطبون بالشرائع أو لا يخاطبون بها؟ فمن قال: يخاطبون بها، يقول: الغسل يجب عليه في حال كفره ولهذا لو أتى به يصح، وهذا ظاهر، ومن قال بأنهم لا يخاطبون بها، لا ينبغي أن يقول: بوجوب الغسل بعد الإسلام، ولذلك وجهان:
стр. 56
أحدهما: أن الاغتسال لا يجب بالجنابة ليقال إنه وقت وجوب الاغتسال غير مخاطب في الشرائع، إنما وجوبه بإرادة الصلاة وهو جنب كما أن الوضوء لا يجب بالحدث، وإنما يجب بإرادة الصلاة وهو محدث، قلنا: وهو عند إرادة الصلاة جنب مسلم، فلذلك يلزمه الاغتسال.
والثاني: أن صفة الجنابة مستدامة، فاستدامتها بعد الإسلام كإنشائها، ولهذا قلنا: لو انقطع دم الحيض قبل أن تسلم ثم أسلمت لا يلزمها الاغتسال؛ لأنه لاستدامة للانقطاع حتى يجعل دوامه كابتدائه، فلم يوجد سبب وجوب الاغتسال في حقها بعد الإسلام لا حقيقة ولا حكماً، فلا يلزمها الاغتسال. فظهر الفرق على هذا المعنى بين الكافر إذا أجنب ثم أسلم وبين الكافرة إذا حاضت وانقطع دمها ثم أسلمت. هذا هو الكلام في طرف الإيلاج.
جئنا إلى طرف انفصال المني؛ يجب أن يعلم بأن المني ماء دافق خاثر أبيض ينكسر منه الذكر هو المذكور في عامة الكتب، وزاد في «الشافي» : ويخلق منه الولد، فمتى كان حركته * يعني مفارقته عن مكانه * وخروجه عن شهوة، سواء كان بمس أو نظر أو فكرة، أو ما أشبه ذلك من الملاقاة وغيرها يجب الغسل بلا خلاف، ومتى كان مفارقته عن مكانه وخروجه لا عن شهوة لا يوجب الغسل عند علمائنا المتقدمين وعامة مشايخنا المتأخرين.
وحكي عن عيسى بن أبان ﵀ أنه قال: يجب الغسل بخروج المني على كل حال، وهو قول الشافعي: حتى إن من حمل شيئاً، فسبقه المني، فلا غسل عليه عند علمائنا المتقدمين وعامة المتأخرين، خلافاً لعيسى والشافعي. وكذلك الرجل إذا أصاب (١٠أ١) الضرب ظهره فسبقه المني لا غسل عليه عند عامة علمائنا المتقدمين، وعامة المتأخرين خلافاً لعيسى والشافعي.
ومتى كان مفارقته عن مكانه عن شهوة وخروجه لا عن شهوة، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يجب الغسل، وعلى قول أبي يوسف لا يجب الغسل، فالعبرة عند أبي حنيفة ومحمد لانفصال المني عن مكانه على وجه الدفق والشهوة، لا لظهوره على وجه الشهوة، وعند أبي يوسف العبرة لخروجه وظهوره على وجه الشهوة. وثمرة الخلاف تظهر في مسائل:
إحداها: إذا استمتع بالكف فلما انفصل المني عن مكانه عن شهوة أخذ بإحليله حتى سكنت شهوته ثم خرج المني، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد يجب الغسل، خلافاً لأبي يوسف.
الثانية: إذا جامع امرأته فيما دون الفرج ثم انفصل المني عن مكانه عن شهوة أخذ بإحليله حتى سكنت شهوته ثم خرج المني، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد يجب الغسل، خلافاً لأبي يوسف.
الثالثة: إذا احتلم فلما انفصل المني عن مكانه عن شهوة استيقظ وأخذ بإحليله حتى انكسرت شهوته ثم خرج المني.
стр. 57
الرابعة: إذا جامع امرأته واغتسل قبل أن يبول ثم سال منه بقية المني وجب الغسل عندهما، وكذلك إذا خرج مذي، وأجمعوا على أنه إذا بال ثم اغتسل أو نام ثم خرج المني أنه لا غسل عليه.
وفي «الأجناس» : لو جامع واغتسل قبل أن يبول وصلى، ثم بال فإنه يعيد الغسل عندهما ولا يعيد الصلاة بلا خلاف، وإذا بال فخرج من ذكره مني، فإن كان ذكره منتشراً فعليه الغسل، وإن كان منكسراً فعليه الوضوء.
وفي «مجموع النوازل» : المرأة؛ إذا اغتسلت بعدما جامعها زوجها ثم خرج منها مني الزوج، فعليها الوضوء دون الغسل؛ لأن الخارج ليس ماءها بل هو حدث.
ومما يتصل بطرف خروج المني مسائل الاحتلام
إذا استيقظ الرجل ووجد على فراشه بللاً وهو يذكر احتلاماً، إن تيقن أنه مني أو تيقن أنه مذي أو شك أنه مني أو مذي، فعليه الغسل، وليس في هذا إيجاب الغسل بالمذي بل فيه إيجاب الغسل بالمني؛ لأن سبب خروج المني قد وجد وهو الاحتلام، فالظاهر خروجه إلا أن طبع المني الرقة بإطالة المدة، فالظاهر أنه مني إلا أنه رق قبل أن يستيقط، وإن تيقن أنه ودي لا غسل عليه.
وإن رأى بللاً إلا أنه لم يتذكر الاحتلام، فإن تيقن أنه (مذي) لا يجب الغسل؛ لأن سبب خروج المني ههنا لم يوجد، فلا يمكن أن يقال بأنه مني ثم رق لطول المدة، بل هو مذي حقيقة، والمذي لا يوجب الغسل وإن شك أنه مني أو مذي، قال أبو يوسف ﵀: لا يوجب الغسل حتى يتيقن بالاحتلام، وقالا يجب الغسل، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀.
وإذا تذكر الاحتلام ولم ير بللاً فلا غسل عليه لظاهر قوله ﵇: «من احتلم ولم ير بللاً فلا شيء عليه» ، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: ذكر هشام في «نوداره» عن محمد ﵀: إذا استيقظ الرجل فوجد البلل في إحليله ولم يذكر حلماً إن كان ذكره منتشراً قبل النوم، فلا غسل عليه، إلا إذا تيقن أنه مني، وإن كان ذكره ساكناً قبل النوم فعليه الغسل، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذه المسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون، فيجب أن تحفظ.
إذا نام الرجل قاعداً أو قائماً أو ماشياً ثم استيقظ ووجد بللاً فهذا وما لو نام مضطجعاً سواء، وإذا احتلم الرجل وانفصل المني عن مكانه إلا أنه لم يظهر على رأس الإحليل، فلا غسل عليه، لأن الخروج بهذا لا يتحقق، ألا ترى أنه لا يلزمه الوضوء بنزول البول إلى هذا الموضع.
стр. 58
المرأة إذا احتلمت، ولم تر بللاً روي عن محمد ﵀ في غير رواية الأصول أنها إذا تذكرت الاحتلام والإنزال والتلذذ فعليها الغسل وإن لم تر بللاً، وبه أخذ بعض المشايخ، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: ولا يؤخذ بهذه الرواية؛ لأن النساء يقلن: إن مني المرأة يخرج من الداخل كمني الرجل، وفي ظاهر الرواية: أنه يشترط الخروج من الفرج الداخل إلى الفرج الظاهر لوجوب الغسل، حتى لو انفصل منها عن مكانه ولم يخرج عن الفرج الداخل إلى الفرج الخارج لا غسل عليها، وبه كان يفتي الفقيه أبو جعفر، والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمة الله عليهما.
وفي «صلاة ابن عبد الله» : امرأة قالت...... حتى يأتيني في النوم مراراً وأجد في نفسي ما أجد لو جامعني زوجي، وذكر (وجب) أنه غسل عليها.
رجل وامرأة ناما واستيقظا وجدا منياً بينهما وكل واحد منهما ينكر الاحتلام وينكر أن المني منه، كان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ يقول: بوجوب الغسل عليهما وهو الاحتياط، ومن المشايخ من قال: إن (كان) ذلك الماء غليظاً أبيض فهو من الرجل، وإن كان رقيقاً أصفر فهو من المرأة، ومنهم من علل إن وقع طولاً فهو من الرجل وإن وقع مدوداً فهو من المرأة.
الرجل إذا صار مغشياً عليه ثم أفاق ووجد مذياً على فخذه أو ثيابه، فلا غسل عليه، وكذلك السكران إذا أفاق ووجد مذياً على فخذه أو ثوبه، فلا غسل عليه، وليس هذا كالنوم والله تعالى أعلم.
نوع منه فى سبب وجوب الاغتسال
اختلف المشايخ في سبب وجوب الاغتسال، قال بعضهم: سبب وجوبها الجنابة، وقال بعضهم: سبب وجوبها إرادة ما حرم عليه بسبب الجنابة، وسيأتي بيان ما حرم عليه بسبب الجنابة في النوع الذي يلي هذا النوع.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : أدنى ما يكفي في غسل الجنابة من الماء صاع لحديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ «كان يغتسل بالصاع، فقيل له: إن لم يكف؟ فغضب قال: لقد كفى من هو خير منكم، وأكثر شعراً» والصاع ثمانية أرطال، كل رطل نصف مَنّ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: الصاع خمسة أرطال وثلث رطل، وهو قول الشافعي، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الصوم إن شاء الله، وهذا التقدير لماء الإفاضة فإن أراد تقديم الوضوء زاد مداً، وكل ذلك ليس بتقدير لازم بل يستعمل من الماء بقدر ما يقع عنده أنه حصل التطهير، ولا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لحديث عائشة ﵂ قالت: «كنت أنا ورسول الله ﵇ نغتسل من إناء واحد، وكنت أقول له: أبقِ لي
стр. 59
وهو يقول لي: أبقِ لي» .
وإذا أجنبت المرأة ثم أدركها الحيض فهي بالخيار إن شاءت اغتسلت؛ لأن فيه زيادة تنظيف وإزالة أحد الحدثين، وإن شاءت أخرت الاغتسال حتى تطهر؛ لأن الاغتسال للتطهير حتى تتمكن من أداء الصلاة، ألا ترى أن الجنب إذا أخر الاغتسال إلى وقت الصلاة لا يأثم، دل أن المقصود من الطهارة الصلاة، ومن لا يتمكن من الصلاة، فكان لها أن لا تغتسل.
وفي صلاة «فتاوى أبي الليث» : ثمن ماء الاغتسال على الزوج، وكذا ماؤها عليه غنية كانت أو فقيرة. وفي وصايا الطحاوي: روي عن محمد بن سلمة أن على الزوج الماء الذي تغسل المرأة (به) ثوبها أو بدنها من الوسخ، وليس عليه أن يشتري لها ماء الوضوء والغسل كما لا يلزمه الدواء، قال محمد: وهكذا قول أصحابنا ﵏، وقد قيل: ينبغي أن يجب عليه ماء الاغتسال، ولا يجب عليه ماء الوضوء؛ لأنه سبب لوجوب الاغتسال عليها، وليس سبباً لوجوب الوضوء عليها، بل وجوب الوضوء بإيجاب الله تعالى، وينبغي للجنب أن يدخل أصبعه في سرته إلا إذا علم أنه يصل الماء إليها من غير إدخال الأصبع، فحينئذٍ لا يلزمه ذلك.
المرأة إذا أجنبت ثم أدركها الحيض أو الحائض إذا أجنبت ثم طهرت حتى وجب عليها الاغتسال، فهذا الاغتسال يكون من الجنابة أو الحيض؟ حكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي محمد عبد الرحيم بن محمد الكرميني ﵀ أنه كان يقول: اختلفت عبارات أصحابنا ﵏: وظاهر الجواب أن الاغتسال يكون منهما جميعاً. وقال أبو عبد الله الجرجاني: يكون من الأول، ولا يكون من الثاني، وكذلك الرجل إذا رعف ثم بال، فإن الوضوء يكون من الأول لا من الثاني على قوله (١٠ب١) وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀: إن كانا من جنسين متحدين يكون من الأول لا من الثاني، كما إذا بال ثم بال أما إذا كانا من جنسين مختلفين، فإنه يكون منها جميعاً، كما إذا رعف ثم بال.
وروي عن خلف بن أيوب أنه كتب إلى محمد بن الحسن ﵀ يسأله عمن رعف ثم بال إن الوضوء يكون من الثاني أو من الأول؟ فكتب إليه أن الوضوء يكون منهما، ولهذا روي عن أبي حنيفة ﵀ في غير رواية الأصول أن الوضوء يكون منهما جميعاً.
وثمرة الخلاف إنما تظهر بمسألة، وصورتها: إذا قال الرجل: إن توضأت من الرعاف فامرأته طالق، فرعف ثم بال ثم توضأ، فإنه يقع الطلاق عليها على الأقوال كلها أما على أبي عبد الله الجرجاني؛ لأنه وجد الرعاف أولاً، وأما على قول الفقيه أبي جعفر وهو رواية عن أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله، فلأن الوضوء منهما، وأما إذا بال ثم
стр. 60
رعف ثم توضأ، فعلى قول أبي عبد الله الجرجاني لا يقع الطلاق عليها في هذه الصورة لأن شرط وقوع الطلاق عليها الوضوء من الرعاف والوضوء ههنا وقع من البول عنده، ولأنه هو الأول وعلى الأقوال الأخر يقع الطلاق؛ لأن على الأقوال الأخر الوضوء منهما.
قال الشيخ الإمام الزاهد عبد الرحيم ﵀: كنا نقول: الوضوء يكون بأغلظها حتى إن الرجل إذا رعف ثم بال فالوضوء يكون منهما لاستوائهما، فأما إذا رعف ثم أجنب أو بال ثم أجنب فالوضوء الذي يكون في الاغتسال من الجنابة لأنها أغلظ. ثم وجدنا رواية أبي حنيفة: أن الوضوء منهما. فرجعنا عن ذلك وأخذنا بقول أبي حنيفة والله أعلم.
ذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» : أن الاغتسال على أحد عشر نوعاً، خمسة منها فريضة: الاغتسال من الحيض والنفاس، ومن التقاء الختانين، وغيبوبة الحشفة، ومن الاحتلام إذا أنزل، ومن إنزال المني عن شهوة دفعاً.
وأربعة منها سنّة: غسل يوم الجمعة وفي العيدين، والغسل يوم عرفة عند الإحرام. وواحد منها واجب وهو غسل الميت حتى لا تجوز الصلاة عليه قبل الغسل، والآخر مستحب وهو الكافر إذا أسلم، يريد بها: إذا لم يجنب قبل الإسلام فإنه يستحب له أن يغتسل.
وههنا فصل آخر، أن الكافرة إذا أسلمت بعدما انقطع دم الحيض والنفاس فإنه يستحب لها أن تغتسل، ولا يجب عليها ذلك، وإن كان انقطاع الدم بعد الإسلام فرض عليهم الغسل.
والكافر إذا أجنب قبل الإسلام فقد ذكرنا أن في وجوب الغسل عليه اختلاف المشايخ، وذكرنا أن الصحيح أنه يجب وفرقنا بين الحيض وبين النفاس. وههنا فصلان آخران: أحدهما: الصبي إذا بلغ بالاحتلام. والثاني: الصبية إذا بلغت بالحيض هل يجب عليهما الغسل؟ وفي الفصلين جميعاً اختلاف المشايخ والاحتياط في القول بالوجوب والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل بيان أحكام الجنابة
وإنها كثيرة: منها حرمة الصلاة لقوله تعالى: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ معطوفاً على قوله: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (النساء: ٤٣) .
ومنها دخول المسجد وإنها ثابتة بالسنّة عندنا وهو قوله ﵇: «إني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» . وعند الشافعي بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ (النساء: ٤٣) حتى يجوز له الدخول في المسجد عنده على سبيل العبور دون القعود.
وعندنا لا يجوز له الدخول في المسجد أصلاً لا للعبور ولا للقعود لأنه لا فصل
стр. 61
في السنة، والمراد من قوله تعالى: ﴿إلا عابري سبيل﴾ عندنا: المسافرون. سمّاهم الله تعالى بهذا الاسم لعبورهم على السبيل، كما أن المسافر يشبه ابن السبيل في المرور في السبيل.
ومنها حرمة الطواف بالبيت؛ لأن البيت في المسجد، ولا يحل له الدخول في المسجد فلا يحل له الطواف ضرورة. ومنها حرمة قراءة القرآن، فقد روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمكان نهى الجنب عن قراءة القرآن. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمكان لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة، الآية وما دونها في تحريم القراءة سواء عند الكرخي؛ لأن الكل قرآن. وقيد الطحاوي حرمة القراءة بآية تامة؛ لأن المتعلق بالقراءة حكمان: أحدهما: جواز الصلاة به، والثاني: حرمة القراءة على الجنب في أَحَد حكمين وهو جواز الصلاة يفصل بين الآية وما دونها. /
فكذلك في الحكم الآخر وهو حرمة القراءة على الجنب، وهذا إذا قصد القراءة، فإن لم يقصدها فلا بأس به نحو قوله: الحمد لله، على سبيل الشكر. وكذلك إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم إن قصد القراءة يكره، وإن قصد به افتتاح الكلام لا يكره، وكذلك إذا ذكر دعاء في القرآن وهو آية تامة يريد به الدعاء لا يكره.
ولا يكره له قراءة دعاء القنوت في ظاهر مذهب أصحابنا لأنه ليس بقرآن. وعن محمد ﵀ أنه يكره لأنه قرآن عند بعض الصحابة. ولا يكره التهجي بالقرآن لأن التهجي بالقرآن ليس بقراءة القرآن. ويكره له قراءة التوراة والزبور والإنجيل. ذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «الفتاوى» : ولا يمس المصحف ولا اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن ولا الدرهم المكتوب (عليه) سورة الإخلاص لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (الواقعة: ٧٩) .
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلّمإلى بعض القبائل: «لا يمس القرآن حائض ولا جنب» . وكما لا يحل له مس الكتابة لا يحل له مس البياض وإن مسّ المصحف بغلافه فلا بأس به. والكلام في الغلاف في حق الجنب نظير الكلام فيه في حق المحدث. وإذا مسه بكمه أو ذيله فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في المحدث.
وإذا أراد أن يغسل الفم ويقرأ القرآن أو يغسل اليد ويمس المصحف، فإنه لا يحل له القراءة والمس لأن الجنابة لا تتجزأ زوالاً كما لا تتجزأ ثبوتاً. ويكره مسّ كتب التفسير ومس كتب الفقه وما هو من كتب الشريعة، وقد ذكر هنا الوجه في حق المحدث، والمشايخ المتأخرون توسعوا في مس كتب الفقه.
стр. 62
ويكره له كتابة القرآن عند محمد، وهو قول الشعبي ومجاهد وابن المبارك لأنه في حكم الماس للصحيفة. وبقوله أخذ الفقيه أبو الليث ﵀، وكذلك الفقيه أبو جعفر أفتى بقوله إلا أن يكون أقل من آية، وعن أبي يوسف أنه لا بأس به إذا كانت الصحيفة على الأرض؛ لأنه ليس بحامل للقرآن والكتابة توجد حرفاً حرفاً. وإذ أراد الجنب الأكل فينبغي له أن يغسل يديه ثم يتمضمض ثم يأكل والله أعلم.
الفصل الرابع في المياه التي يجوز التوضؤ بها والتي لا يجوز التوضؤ بها
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه فى الماء الجاري
ويجوز التوضؤ بالماء الجاري، ولا يحكم بتنجسه لوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وبعدما تغير أحد هذه الأوصاف وحكم بنجاسته لا يحكم بطهارته ما لم يزل ذلك التغير بأن يزاد عليه ماء طاهر حتى نزيل ذلك التغير، وهذا لأن إزالة عين النجاسة عن الماء غير ممكن فيقام زوال ذلك التغير الذي حكم بالنجاسة لأجله مقام زوال عين النجاسة.
والدليل على أن العبرة في الماء الجاري لتغير إحدى الأوصاف التي ذكرنا ما ذكر محمد ﵀ في كتاب الأشربة: إذا صُبّ حِبٌّ من الخمر في الفرات ورجل أسفل منه يتوضأ به أجزأه إذا لم تتغير إحدى أوصاف الماء.
بعد هذا الكلام في تحديد أدنى ما يكون من الجريان في حق جواز الوضوء، وقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: إذا كان يذهب بالنجاسة قبل اغتراف الغرفة الثانية فهو ماء جار.
وقال بعضهم: إذا كان بحال لو ألقي فيه تبن أو ورق يذهب به فهو جاري. وقال
стр. 63
بعضهم: إذا كان بحال لو اغترف المتوضىء في أعمق موضع من الجدول انقطع جريانه ثم امتلأ (١١ب١) حتى يجري فهو ليس بجار وإن لم ينقطع فهو جار، وقال بعضهم: إن كان بحال لو وضع إنسان يده عليه عَرْضاً فقطع الجري فهو ليس بجار، وإن كان بخلافه فهو جار، وهذا القائل لا يشترط.
قال بعضهم: إن كان بحال لو رفع باليد حسر ما تحته وينقطع الجريان فهو ليس بجار وإن كان بخلافه فهو جار، وهذا القائل لا يشترط الاغتراف من أعمق المواضع إذا كانت النجاسة غير مرئية فإن كانت النجاسة مرئية فلا يتوضأ من الموضع الذي فيه النجاسة وإنما يتوضأ من موضع آخر، هكذ قاله بعض المشايخ وبعض المشايخ قالوا: إن توضأ من الموضع الذي وقع فيه النجاسة بقرب النجاسة جاز إذا لم يتغير أحد أوصاف الماء.
وإذا جلس الناس صفوفاً على شط نهر وتوضؤوا بمائه جاز وهو الصحيح، وفي «النوازل» : إذا كانت مياه تجري ضعيفاً فأراد إنسان أن يتوضأ منه فإن كان وجهه إلى مورد الماء يجوز، وإن كان وجهه إلى مسيل الماء لا يجوز إلا أن يمكث بين كل غرفتين مقدار ما يذهب الماء بغسالته، قالوا: ودلت المسألة على فضيلة أهل..... حيث تجوز طهارة عالمهم وباطنهم.
وفي «نظم الزندويستي» إذا توضأ في الماء الجاري وهو كثير أو قليل فالأفضل أن يجعل يمينه إلى أعلى الماء، يعني إلى مورد الماء ويأخذ الماء من الأعلى، وإن لم يفعل كذلك وجعل يمينه أسفل الماء يعني إلى مسيل الماء وأخذ الماء من الأسفل ففي الماء الكثير يجوز، وفي الماء القليل ينبغي أن يتوضأ على التأني والوقار حتى يمر عنه الماء المستعمل وهذا إذا كان الماء لا يجري جرياً عاجلاً.
وأما إذا كان جرياً عاجلاً يجوز كيفما فعل، ومشايخ بخارى توسعوا في ذلك وجوزوا كيفما توضأ لعموم البلوى إذا كان الماء كثيراً، أما النهر إذا انقطع من أعلاه وبقي الجريان في أسفل النهر فتوضأ رجل من أسفل النهر جاز لأنه ماء جار. هكذا ذكر في «واقعات الناطفي» وفيه أيضاً عن أبي يوسف ساقية صغيرة فيها كلب ميت قد سدّ عرضها فجرى الماء عليه لا بأس بالتوضؤ أسفل منه، وذكر الناطفي هذه المسألة بعينها في «الأجناس» وأجاب بما أجاب في «الواقعات» ثم قال: وعندي أن هذا قول أبي يوسف.
وأما على قول أبي حنيفة ومحمد ﵀ لا يجوز التوضؤ به، وفي «الطحاوي» و «النوازل» : لو كان القدر الذي يلاقي الجيفة من الماء دون الذي لا يلاقي الجيفة جاز التوضؤ أسفل منه، وإن كان مثله أو أكثر لا يجوز، قال: وإذا كانت الجيفة تُرى من تحت الماء لقلة الماء لا لصفائه كان الذي يلاقيها أكثر إذا كان سدّ عرض الساقية فيها، وإن كانت لا ترى أو لم تأخذ أقل من النصف لم يكن للذي يلاقيها أثر.
ونظير ما ذكر في «الطحاوي» و «النوازل» : ماء المطر إذا جرى في ميزاب السطح
стр. 64
وكان على السطح عذرة فالماء طاهر لأن الماء الذي يجري على غير العذرة أكثر، وإن كانت العذرة عند الميزاب إن كان الماء كله أو أكثره أو نصفه يلاقي العذرة فهو نجس وإلا فهو طاهر.
وإن كان على السطح نجاسات كثيرة إن كان أكثر الماء يجري على النجاسة أو نصفه فالماء نجس، وإن كان أقل الماء يجري على النجاسة فالماء طاهر، وقال محمد ﵀: إن كانت النجاسة في جانب واحد من السطح فالماء طاهر، وكذلك إذا كان في جانبين. وإن كان في ثلاث جوانب فالماء نجس.
ورأيت مسألة المطر في بعض الفتاوى وكان المذكور: قال مشايخنا: ماء المطر ما دام يُمطر فله حكم الجريان حتى إذا أصاب العذرات على السطح ثم أصاب ثوباً لا يتنجس إلا أن يتغير. وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر ﵀» : المطر إذا أصاب السقف وفي السقف نجاسة فوكف وأصاب الماء ثوباً ننظر إن كانت النجاسة في جميع السقف فجميع ما وكف السقف طاهر فيكون الغالب الماء الطاهر فلا يحكم بنجاسته وعامة السقف طاهر، فما وكف من السقف لا يكون نجساً وتكون العبرة للغالب كماء جار في بعضه نجاسة والغالب هو الطاهر. وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ يزيف هذا التفصيل وكان يقول: النجاسة وإن كانت في بعض السقف إلا أن الماء قدم عليها فتنجس فهذا ماء جار نجس ولكن الصحيح أنه ينظر في الذي يسيل من السقف، إن كان مطراً دائماً لم ينقطع بعد فما سال من المنقب فهو طاهر، وأما إذا انقطع المطر وسال من المنقب شيء فما سال فهو نجس.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن كلب ميت احتبس في نهر والماء يجري في جانبي الكلب قال؛ ينظر إن كان للماء الذي يجري في جانبي الكلب قوة الجريان، ومعناه: أنه لو انفرد يجري بنفسه، يجوز التوضؤ به فكذلك إذا كان الماء يجري على أعلى كلب يجوز التوضؤ به. وإن كان جميع الماء يجري في جميع الكلب وليس في جانبيه قوة الجريان فإنه نجس.
وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ لا يفرق بينهما ويقول الماء نجس في الأحوال كلها. وفي «المنتقى» : إذا كان يظن النهر نجساً، وهذه المسألة نظير مسألة «الطحاوي» و «النوازل» والله أعلم.
(نوع آخر) في الحياض والغدران والعيون
يجب أن يعلم أن الماء الراكد إذا كان كثيراً فهو بمنزلة الماء الجاري لا يتنجس جميعه بوقوع النجاسة في طرف منه إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه. على هذا اتفق العلماء وبه أخذ عامة المشايخ، وإذا كان قليلاً فهو بمنزلة الحباب والأواني يتنجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم تتغير إحدى أوصافه. وقال مالك: لا يتنجس ما لم تتغير إحدى أوصافه. وقال الشافعي ﵀: فيما دون القلتين مثل قولنا، وإذا بلغ قلتين وزيادة مثل قول مالك.
والقلتان: خمس قرب كل قربة خمسون مناً فتكون الجملة مئتان وخمسون، وقد
стр. 65
قيل الجملة ثلاثمئة. وحجة مالك ما روي عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن بئر بضاعة وما يلقى فيها من النجاسات فقال ﵇: «الماء طهور لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» فالنبي ﵇ نفى تنجس المياه إلا بتغير إحدى الأوصاف الثلاثة.
حجة الشافعي: قوله ﵇: «إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثاً» . حجتنا على مالك قوله ﵇ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم اليسير ولا يغتسلن فيه عن جنابة» ، والغسل عن الجنابة لا يوجب تغير الطعم واللون والريح، فلولا أن الماء الراكد اليسير يتنجس بوقوع النجاسة فيه على كل حال وإلا لم يكن لهذا النهي معنى وفائدة. قال ﵇: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في إناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده» . أمر بغسل اليد بطريق الاحتياط حال توهم النجاسة، وإدخال مثل هذه اليد في الإناء لا يوجب تغير الطعم واللون والريح، فلولا أن النجاسة إذا كانت متيقنة يتنجس الماء على كل حال وإلا لم يكن لهذا الاحتياط حالة التوهم معنى، ولأن القياس في الكثير أن يتنجس أيضاً لأن الجزء الذي لاقاه النجاسة يتنجس بملاقاة النجاسة إياه كما في غير الماء من المائعات وإذا تنجس ذلك الجزء والذي يجاوره ثم وثم حتى يصير الكل نجساً كما في غير الماء من المائعات لكن تركنا القياس في الكثير لأجل الضرورة لأن صون الكثير بالأواني غير ممكن والضرورة في القليل لأن صون القليل بالأواني ممكن فنعمل في القليل بالقياس وأما حديث بئر بضاعة فليس بثابت، ولو ثبت فهو محمول على أن ماءه كان كثيراً، أو كان جارياً فإنه روي أنه كان يُسقى منه خمسة بساتين أو سبعة بساتين.
وحجتنا على الشافعي أن رسول الله ﵇ حكم بنجاسة ماء البئر بوقوع الفأرة فيه وكذلك الصحابة أجمعوا على نجاسة ماء البئر بوقوع الفأرة وفيه، ماء البئر في العادة تكون أكثر من مئتين وخمسين منّاً. وأما ما تعلق به الشافعي ﵀ قلنا: لا يصح التعلق به من وجوه فإن في سنده ضعفاً، روي عن علي بن المديني إسناد البخاري أنه قال: لا يصح هذا الحديث عن رسول لله ﵇ وفي متنه اضطراب، روي «إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثاً» وروي «إذا بلغ الماء أربعين قلة» ، والقلّة مجهولة تذكر ويراد بها قامة الرجل، وتذكر ويراد بها رأس الجمل وتذكر ويراد بها الجرة، فلا يتعين البعض إلا بدليل، وقوله «لا تحمل خبثاً» يحتمل معنيين. يحتمل ما قاله الشافعي، ويحتمل معنى
стр. 66
(١١ب١) الضعف، يعني لا يحتمل النجاسة لضعفه فيتنجس لقلته كما يقال: فلان لا يحتمل الضرب أي يضعف عن تحمل الضرب، وهذه الدابة لا تحتمل هذا الحمل أي لا تطيق حمله، فلا يصح التعليق ... ، وعن أبي يوسف في تأويل الحديث أن تكون عيناً تنبع وهو مقدار القلتين وهو جار ولها معان فتوضأ رجل.... فلا بأس به لأنه في معنى الماء الجاري.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» ﵀: وقال بعض المتأخرين: الوضوء بالماء الراكد لا يجوز وإن كان عشراً في عشر أو أكثر منه، ووجه ذلك: أنا أجمعنا على أن الحوض إذا كان أقل من عشر فإنه لا يجوز التوضؤ فيه وإنما لا يجوز لأن بالاستنجاء يصير الماء نجساً لكونه قليلاً فيحصل الوضوء بالماء النجس.
وإذا كان عشراً في عشر فبالاستنجاء يتنجس من ذلك الجانب مقدار ما يتنجس إذا كان أقل من عشرة من ذلك الجانب، فيحصل التوضؤ بالماء النجس ولكن هذا ليس بشيء لأن فيه كلام أن النجاسة إذا كانت غير مرئية هل يتنجس موضع وقوع النجاسة وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى..
وإن سلمنا ذلك إلا أنه لا يطهر بالتحريك في حالة الاغتراف لأن الماء النجس يطهر بالاختلاط بالماء الطاهر، ألا ترى أن الماء الراكد في النهر إذا تنجس فنزل من أعلاه ماء طاهر وأجراه وسيّله فلا يطهر، وإنما يطهر باختلاط بالماء الطاهر، وبورود الماء الطاهر عليه فكذا هنا ما بقي من الماء طاهراً وارداً على ما تنجس توسعة الأمر على الناس.
ثم لابد من حد فاصل بين القليل والكثير فنقول: إذا كان الماء بحيث يخلص بعضه إلى بعض بأن تصل النجاسة من الجزء المستعمل إلى الجانب الآخر كان قليلاً، وإن كان لا يخلص كان كثيراً.
وإذا اشتبه الخلوص فالجواب فيه كالجواب فيما إذا لم يخلص، ثم اتفقت الروايات عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ في الكتب المشهورة بأن الخلوص يعتبر بالتحريك إذا حرك طرف منه إن لم يتحرك الطرف الآخر فهو مما لا يخلص، وإن تحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص، فنستدل بوصول الحركة إلى الجانب الآخر على أن النجاسة وصلت إليه، وتقدم وصول الحركة على أن النجاسة لم تصل إليه، وهذا لأنه تقدر معرفة الخلوص بوصول عين النجاسة لأن من النجاسات مما لا يرى وصوله إلى الجانب الآخر كالبول والخمر فيعتبر الوصول بشيء آخر.
فأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ اعتبروا الخلوص بالتحريك،
стр. 67
والمتأخرون اعتبروا الخلوص بشيء آخر، فعن أبي نصر محمد بن سلام ﵀ أنه قال: إن كان الماء بحال لو اغتسل فيه وتكدّر الجانب الذي اغتسل فيه وصلت الكدرة إلى الجانب الآخر فهو مما يخلص بعضه إلى بعض، وأبو حفص الكبير ﵀ اعتبر الخلوص بالصبغ فقال يلقى فيه الصبغ من جانب، فإن أثر الصبغ في الجانب الآخر فهو مما يخلص بعضه إلى بعض.
وأبو سليمان الجوزجاني ﵀ كان يقول: إن كان عشراً في عشر فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، وإن كان أقل من ذلك فهو مما يخلص، وعن محمد ﵀ في «النوادر» أنه سئل عن هذه المسألة فقال: إن كان مثل مسجدي هذا فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، فلما قام مسح مسجده فكان ثمان في ثمان في رواية، وعشراً في عشر في رواية، واثني عشر في اثني عشر في رواية، وأكثر مشايخ بلخ على أنه إن كان خمسة عشر في خمسة عشر لا تبقى فيه شبهة، وإن كان ثمانية يحتاط فيه، وعامة المشايخ أخذوا بقول أبي سليمان وقالوا: إذا كان عشراً في عشر فهو كبير، وبعضهم اعتمدوا على التحريك لأنه تعذر اعتبار الكدرة والصبغ لأن في النجاسة ما (لا) يرى نحو البول والخمر، فيصل إلى الجانب الآخر قبل وصول اللون والكدرة إليه لأن قدر الصبغ يتفاوت، والكدرة قد تكون وقد لا تكون وتعذر اعتبار المساحة لأن الروايات فيه اختلفت عن محمد، وقد صح أنه رجع عنه فيعتبر التحريك.
بعد هذا روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يعتبر التحريك بالاغتسال لأن حاجة الإنسان إلى الغسل في المياه الجارية والحياض أكثر من حاجته إلى الوضوء، فإن الوضوء يكون في البيوت غالباً.
وفي رواية أخرى عنه يعتبر التحريك بالوضوء لأن التحريك بالوضوء أخف، ومبنى الماء في حكم النجاسة على الخفة دفعاً للضرورة، فإن القياس أن يتنجس الكثير، ولكن سقط حكم النجاسة عن الكثير تخفيفاً فلما اعتبر التخفيف في أصل الماء كنّا نعتبر التخفيف في التحريك، وعن محمد ﵀ أنه يعتبر التحريك بغسل اليد لأن التحريك باليد أخف.
قال مشايخنا: وإنما يعتبر تحريك الجانب الآخر من ساعته لا بعد المكث، ولا يعتبر نفس التحرك وحباب الماء، فإن الماء وإن كثر يعلو الحباب ويتحرك، وإنما الشرط أن يرتفع وينخفض من الجانب الآخر من ساعته، وبنحوه روى الحسن عن أبي حنيفة.
جئنا إلى بيان مقدار العمق فنقول: ذكر المعلى في «كتابه» : أنه ينبغي أن يكون عمقه قدر ذراعين، وهذا على قول من يعتبر التحريك بالاغتسال لأن على قوله: ينبغي أن يكون الماء بحال يتأتى فيه الاغتسال وذلك قدر ذراعين. وقال بعضهم قالوا: اشترط أن يكون بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه لا ينحسر ولا يظهر ما تحته، وقال بعضهم: يشترط أن يكون بحال لو حُرك وجه الماء لا يتكدر ماء وجه الأرض.
وحكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي بكر بن حامد ﵀ أنه قال: قدّر مشايخنا العمق بأربعة أصابع مفتوحة.
стр. 68
ثم الحوض إذا كان كبيراً بحيث لا يخلص بعضه إلى بعض حتى وقع فيه نجاسة حتى لا يتنجس جميعه هل يتنجس شيء منه؟ فهذا على وجهين: أما إن كانت النجاسة مرئية أو غير مرئية.
فإن كانت مرئية لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، وإنما يتوضأ من ناحية أخرى كما في الماء الجاري.
بعد هذا اختلف المشايخ قال بعضهم: يحرك الماء بيده مقدار ما يحتاج إليه عند الوضوء والاستعمال فإن تحركت النجاسة لم يستعمل الماء من ذلك الموضع. وقال بعضهم: يتنجس حول البعرة مقدار حوض صغير وما رواه ظاهر.
وقال بعضهم: يتحرى في ذلك إن وقع تحريه أن النجاسة لم تخلص إلى هذا الموضع توضأ وشرب منه. ويبنى على هذا ما إذا توضأ في بعضه فوجد في النجاسة بعدما فرغ من الوضوء.
وأما إذا كانت النجاسة غير مرئية بأن بال فيها إنسان واغتسل فيها جنب، حكي عن مشايخ العراق أنهم قالوا: لا فرق بين النجاسة المرئية وغيرها فإنما يجوز له التوضؤ من جانب آخر. ومشايخ بخارى ومشايخ بلخ ﵏ فرقوا بين المرئية وغيرها فقالوا: في غير المرئية يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة كما يتوضأ من الجانب الآخر بخلاف المرئية لأن الحوض الكبير بمنزلة الماء الجاري.
والجواب في الماء الجاري على هذا الوجه: إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من الموضع الذي وقعت فيه النجاسة ويتوضأ من موضع آخر، وإن كانت غير مرئية يتوضأ من أي جانب شاء، بدليل مسألة كتاب الأشربة وقد مرّ ذكرها.
وينبني على هذا ما إذا غسل وجهه في حوض كبير فسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء في موضع الوقوع قبل التحريك. قالوا على قول أبي يوسف لا يجوز ما لم يتحرك الماء؛ لأن الذي وقع فيه الماء مستعمل، والماء المستعمل عنده نجس. وإلى هذا القول كان يميل القاضي الإمام أبو جعفر الاستروشني ﵀.
وغيره من مشايخ بخارى جوزوا ذلك وجعلوا كالماء الجاري الكثير لما توسعوا فيه لعموم البلوى.
ومن هذا الجنس مسألة أخرى وصورتها: إذا كانت به قرحة فغسل الدماء أو القيح فيها أو غسل النجاسة عن موضع من أعضائه أو ثوبه أو استنجى ودفع ذلك في الماء، أما إذا تغير الماء لا شك أنه يتنجس موضع التغير، وإن لم يتغير يدخل فيه شبهة (في) قول أبي يوسف ﵀.
وفي «أجناس الناطفي» أن من اغتسل من حوض فلا حرج أن يتوضأ في ذلك المكان، وليس لرجل أن يغتسل في الحوض الكبير بناحية الجيفة، وإذا كان الماء في ... أو خندق وله طول مثلاً مائة ذراع وعرضه ذراع أو ذراعان فاعلم بأن في جنس هذه المسألة أقوال ثلاثة، على قول أبي سليمان الجوزجاني يجوز التوضؤ منه. (١٢أ١) من غير تفصيل به ولو وقع فيه نجاسة يتنجس وطول عشرة أذرع. وقال محمد بن إبراهيم: الكبير إن كان هذا الماء مقدار ما لو جعل في حوض عرضه عشرة في عشرة ملأ الحوض
стр. 69
وصار عمقه قدر شبر يجوز التوضؤ فيه وإلا فلا، وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو بكر طرخان يقول: لا يجوز الوضوء فيه وإن كان من بخارى إلى سمرقند، فقيل له فما الحيلة في جواز الوضوء منه، قال يحفر حفيرة قريباً من الخندق ثم يحفر نهيرة من الخندق إلى الحفرة حتى يسيل الماء من الخندق إلى الحفيرة في النهيرة فيصير الماء في الخندق جارياً فيتوضأ إن شاء من الخندق وإن شاء من النهيرة وهذه حيلة حسنة.Y
الحوض الكبير إذا تجمد فثقب إنسان ثقباً فتوضأ فهذه المسألة على أربعة أوجه:
الوجه الأولى: أن يخرج الماء من الثقب وصار على وجه الجمد والجواب فيه كالجواب فيما إذا كان على وجه الأرض من اعتبار العرض والطول والعمق.
الوجه الثاني: أن يكون الماء تحت الجمد منفصلاً عن الوجه وفي هذا الوجه يجوز التوضؤ منه ويكون الجمد كالسقف.
الوجه الثالث: أن يكون الماء تحت الجمد إلا أنه متصل بالجمد، وفي هذا الوجه اختلف المشايخ بعضهم اعتبروا الثقب وقالوا: إن كان ماء الثقب كثيراً على التفسير الذي قلنا يجوز التوضؤ به، وما لا فلا، وبعضهم اعتبروا جملة الماء وقالوا: إذا كان جملة الماء كثيراً على التفسير الذي قلنا يجوز التوضؤ به وما لا فلا، وبه كان يفتي عبد الله بن المبارك والشيخ الإمام الزاهد أبو حفص البخاري رحمهما الله.
وعلى هذا جملة التوابيت التي في المشارع، فعند بعض المشايخ يعتبر جملة الماء، وعند بعضهم: بقية ماء التوابيت إذا كان الماء متصلاً بالألواح، واتصال ماء المشرعة بالماء الخارج منها لا ينفع كحوض كبير شعب منه حوض صغير فإنه لا يجوز التوضؤ من الحوض الصغير، وإن كان ماء الحوض الصغير متصلاً بماء الحوض الكبير، وكذلك لا يعتبر اتصال المشرعة بما تحتها إذا كانت الألواح مشدودة. وإن كان الماء أسفل من الألواح المشرعة قلنا: يجوز التوضؤ.
والزندويستي ﵀ اعتمد على الجواز في مسألة الجمد في هذه الصورة ولكن شرط تحريك الماء في كل مرة برفع الماء.
الوجه الرابع: أن يكون الماء في الثقب كالماء في الطست، ذكر الزندويستي في «نظمه» : أن التوضؤ منه لا يجوز عند عامة العلماء إلا إذا كان الثقب عشراً في عشر بأن يتنجس الماء الذي في الثقب ثم ذاب الجمد ذكر هذا الفصل في «فوائد شمس الأئمة الحلواني ﵀» ، وذكر أن الماء طاهر، وعن أبي يوسف ﵀ في مشرعة يدخل فيها الماء ويخرج إلا أنه لا تظهر حركة الماء أنه هل يجوز التوضؤ فيها؟ وإن كان الماء لا يذهب كما وقع من يده ويدور فيها فلا خير فيه.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» ﵀: لو توضأ في أعمدة القصب، فإن كان لا يخلص بعضها إلى بعض جاز، قال: واتصال القصب بالقصب لا يمنع اتصال الماء بالماء، وكذا لو توضأ من أرض فيها زرع وبعض الزرع متصل بالبعض يجوز. وإذا توضأ من غدير وعلى جميع وجه الماء ... فقد قيل: إن كان بحال لو حرك يتحرك الماء يجوز.
стр. 70
إذا توضأ في حوض تجمد ماؤه إلا أنه رقيق ينكسر بتحرك الماء جاز وضوءه فيه، وإن كان الجمد على وجه الماء قطعا قطعاً؛ إن كان كثيراً لا يتحرك بتحرك الماء لا يجوز الوضوء به، وإن كان قليلاً يتحرك بتحرك الماء يجوز الوضوء به، بمنزلة ما لو كان على وجه الماء عود لا يتحرك بتحرك الماء لا يجوز الوضوء فيه، وإن كان يتحرك يجوز.
الحوض إذا كان أقل من عشر في عشر لكنه عميق فوقعت فيه النجاسة حتى تنجس ثم انبسط وصار عشراً في عشر فهو نجس لأن النجس لا يطهر بالانبساط والتفرق.
ولو وقعت فيه النجاسة وهو عشر في عشر ثم اجتمع الماء فصار أقل من عشر في عشر فهو طاهر في «فتاوى أبي الليث» ﵀.
وفيه أيضاً: حوض هو عشر في عشر قل ماؤه ووقعت فيها نجاسة حتى تنجس ثم امتلأ الحوض ولم يخرج منه شيء لا يجوز التوضؤ به، لأنه كلما دخل الماء تنجس.
وفي «الجامع الصغير» : سئل أبو نصر الدبوسي عن غدير كبير لا يكون فيه ماء في الصيف وتروث فيه الدواب والناس ثم يمتلىء في الشتاء ويرفع عنه الناس الجمد ويتوضؤون منه قال: إن كان الماء الذي يدخل الغدير أولاً يدخل على مكان نجس فالماء والجمد نجس وإن كثر الماء بعد ذلك لأنه كلما دخل صار نجساً فلا يطهر بعد ذلك وإن كان كثيراً.
وإن كان الماء الذي يدخل الغدير أولاً يدخل على مكان طاهر ويستقر فيه حتى يصير عشراً في عشر ثم انتهى إلى النجاسة فالماء والجمد طاهران لأن الماء صار كثيراً قبل وصوله إلى النجاسة، والماء الكثير لا يتنجس باتصال النجاسة به ما لم يظهر فيه أثر النجاسة. وكذلك الغدير إذا قلّ ماؤه وصار أربعاً في أربع ووقعت فيه نجاسة ثم دخل الماء بأن صار الداخل عشراً في عشر قبل أن يصل إلى النجاسة فهو طاهر وما لا فلا.
وفي «نظم الزندويستي» الحوض الكبير الخالي إذا بال فيه صبي أو تغوط ثم جاء الماء وملأه قال أكثر أهل بلخ وأبو سهل الكبير البخاري: الماء نجس، وقال الفقيه أبو جعفر والفقيه إسماعيل بن الحسن الزاهد البخاري: الماء طاهر ويجعل كأنه بال أو تغوط بعد ما قلّ. قال الزندويستي: وبه أخذ مشايخ بخارى، وهكذا أفتى الفقيه عبد الواحد ألف مرة وقعت واقعة من هذا الجنس في زماننا ببخارى.
وصورتها: ماء المطر مرّ على النجاسات واجتمع بعد ذلك ودخل حوض خان وهو حوض كبير وماء المطر كان أكثر من ماء الحوض واتفقت أجوبة المفتين أن ماء الحوض لا يتنجس؛ لأن جميع ماء المطر لا يتصل بماء الحوض بدفعة واحدة وإنما يتصل بدفعات وكل دفعة تتصل بماء الحوض، فماء الحوض غالب عليها فلا يتنجس ماء الحوض بها حتى لو صغرت يتصل بماء الحوض بدفعة واحدة أكثر من ماء الحوض يتنجس ماء الحوض إذا كان أعلاه عشرة في عشرة، وأسفله أقل من ذلك وهو ماء يجوز التوضؤ والاغتسال فيه.
وإن نقص الماء حتى صار سبعاً في سبع لا يجوز التوضؤ منه وإن كان دون العشر
стр. 71
أن يكون حوله ثمانية وأربعون ذراعاً لأن هذا أقصى ما قالوا فيه فكان أحوط.
والمعتبر عند بعض من اعتبر التقدير بالذراع في الحوض ذراع الكرباس، لا ذراع المساحة توسعة للأمر على المسلمين وعند بعضهم: المعتبر ذراع المساحة لأن هذا من الممسوحات، وذراع المساحة في الممسوحات، والأصح أن يقال: يعتبر في حق أهل كل زمان ومكان ذراعهم.
فإذا كان أعلى الحوض أقل من عشر في عشر وأسفله عشر في عشر أو أكثر ووقعت نجاسة في أعلى الحوض حكم بنجاسة الأعلى ثم انتقص الماء وانتهى إلى موضع هو عشر في عشر فتوضأ فيه إنسان أو اغتسل هل يجوز؟ صارت هذه المسألة واقعة الفتوى واختلفت فيه أجوبة المفتين، والأصح أنه يجوز التوضؤ والاغتسال فيه ويجعل كأن النجاسة وقعت فيها الآن.
وهو نظير الحوض المتجمد إذا كان الماء في ثقبه وبقيته أقل من عشرة في عشرة فوقع في الثقب نجاسة حكم بنجاسة ماء الثقب، ثم إذا سفل الماء كان ذلك الماء طاهراً يجوز التوضؤ، والاغتسال منه كذا هنا.
حوض صغير تنجس ماؤه فدخل الماء الطاهر فيه من جانب وسال ماء الحوض من جانب آخر كان الفقيه أبو جعفر ﵀ يقول: كما سال ماء الحوض من جانب لآخر يحكم بطهارة الحوض، وهو اختيار الصدر الشهيد ﵀. وكان الفقيه أبو بكر بن سعد ﵀ يقول: لا يحكم بطهارة الحوض حتى يخرج منه ثلاث مرات مثل ما كان في الحوض من الماء النجس، وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني ﵀، ومن المشايخ من شرط خروج مثل ما كان في الحوض من الماء النجس مرة واحدة.
حوض صغير يدخل الماء فيه من جانب ويخرج من جانب فتوضأ فيه إنسان، ذكر في «مجموع النوازل» عن الإمام أبي الحسن الرستفضني أنه قال: إن كان أربعاً في أربع فما دونه يجوز التوضؤ فيه، وإن كان أكثر من ذلك لا يجوز إلا في موضع دخول الماء وخروجه، لأن في الوجه الأول ما يقع فيه من الماء المستعمل يخرج من ساعته ولا يستقر فيه ولا كذلك الوجه الثاني. وحكي عن شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنه سئل عن الماء. إذا كان خمساً في خمس وكان يخرج الماء منه قال: إن كان يتحرك الماء من جوانبه ويستفيض بالحركة يجوز، وسئل القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ عن هذه المسألة وأجاب بالجواز مطلقاً. ففي الحوض الصغير (١٢ب١) إن كان يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من جانب يكون هكذا لأن هذا ماء جار، والماء الجاري يجوز التوضؤ به وعليه الفتوى.
وإذا كان على شط النهر أو على شط الحوض مسيل لغدير يدخل فيه الماء من الحوض أو النهر والماء الذي فيه متصل بماء الحوض والنهر، إلا أن جريان الحوض لا يظهر فيه، فتوضأ رجل في ذلك الموضع، إن كان مقدار ما فيه من الماء من حيث الطول يبلغ ذراعين ونصف لا يجوز التوضؤ فيه ولا يجعل ذلك تبعاً للحوض، وإن كان أقل من
стр. 72
ذلك يجوز ويجعل ذلك تبعاً للحوض والنهر هكذا قيل. وقيل: لا يجوز التوضؤ فيه ولا يجعل تبعاً للحوض والنهر على كل حال.
حوض صغير كرى رجل منه نهراً وأجرى الماء فيه وتوضأ، ثم اجتمع ذلك الماء في مكان آخر فكرى منه رجل نهراً آخراً وأجرى فيه الماء وتوضأ جاز وضوء الكل إذا كان بين المكانين قليل مسافة وكذلك حفرتان يخرج الماء من إحداهما ويدخل في الأخرى فتوضأ إنسان فيما بينهما، فإن كان بين الحفرتين قليل مسافة فماء الحفرة الثانية طاهر، هكذا قال خلف بن أيوب ونصر بن يحيى، وإن لم يكن بينهما مسافة فماء الحفرة الثانية نجس. وكذلك في الحوض إذا لم يكن بين المكانين مسافة لا يجوز وضوء الثاني.
والفرق: أنه إذا كان بين المكانين مسافة فالماء الذي استعمله الأول يرد عليه ماء جار قبل اجتماعه في المكان الثاني فلا يظهر فيه حكم الاستعمال، فأما إذا لم يكن بينهما مسافة فالماء الذي استعمله الأول لا يرد عليه ماء جار قبل أن يجتمع في المكان الثاني فيظهر فيه حكم الاستعمال فلا يطهر بعد.
وعلى قياس مسألة الثقب ينبغي أن تشترط المسافة على قول بعض المشايخ. وصورة تلك المسألة: المسافر إذا كان معه ميزاب واسع ومعه إداوة من ماء يحتاج إليه ولا يتيقن وجود الماء لكنه على طمع من ذلك ماذا يصنع؟ قيل: ينبغي أن يأمر أحداً من رفقائه حتى يصب الماء في طرف من الميزاب وهو يتوضأ، وعند الطرف الآخر من الميزاب إناء طاهر يجتمع فيه الماء فإنه يكون الماء طاهراً وطهوراً.
هذا قول بعض المشايخ، وبعض المشايخ رفضوا ذلك وقالوا: الماء بالجري إنما لا يصير مستعملاً إذا كان له مدد العين والنهر وما أشبههما أما إذا لم يكن له مدد فلا، ويجوز للرجل أن يتوضأ من الحوض الذي يخاف أن يكون فيه قذر أو لا يستيقن به قبل أن يسأل عنه وليس عليه أن يسأل. ولا يدع التوضؤ حتى يستيقن أن فيه قذر للأثر.
وإذا أسِن ماء الحوض وهو كثير ولا يعلم بوقوع النجاسة فلا بأس بالتوضؤ منه لأن الماء قد يتغير بطول الزمان، وقد يتغير بوقوع الأوراق فيه فالتغير لا يدل على وقوع النجاسة فيه لا محالة، فيجوز التوضؤ منه والله أعلم.
(نوع آخر) في ماء الآبار
البئر عندنا بمنزلة الحوض الصغير يفسد ماؤه بما يفسد به ماء الحوض الصغير لأن عرض الآبار في الغالب يكون أقل من عشر في عشر حتى لو كان بئراً عرضه عشرة في عشرة لا يحكم بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير لون الماء أو طعمه أو أثره.
وفي «نوادر ابن رستم» عن محمد ﵀ أنه قال: اجتمعت أنا وأبو يوسف على أن نحكم على ماء البئر أنه لا يتنجس لأنه ماء جار ثم قلنا: وما علينا أن نأمر بنزح دلاء على ما جاءت به الأخبار حتى نتبع السلف فنكون قد حكمنا فيه بالأمرين. أشار إلى أن قضية القياس بالآبار والآبار تأتي من بعد، وإنما جاء ماء آخر جار لأنه ينبع من جانب ويستخرج من جانب.
стр. 73
وقيل: وأرادا بقولهما ماء جار ماء أُلْحق بالماء الجاري حكماً لأجل الضرورة لأن التحرز عن وقوع النجاسة في البئر غير ممكن.
ثم ما يقع في البئر نوعان: نوع لا يفسد الماء، وهذا النوع في نفسه قسمان: قسم يستحب فيه نزح بعض الماء، وقسم لا يستحب فيه نزح شيء من الماء.
أما القسم الذي لا يستحب فيه نزح بعض الماء: الآدمي الطاهر، إذا دخل في البئر لطلب الدلو أو للتبرد وليس على أعضائه نجاسة وخرج منها حياً وهذا جواب ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه ينزح عشرون دلواً ويريد به بطريق الاستحباب لأن الماء يلاقي أعضاء الطهارة. وذلك يوجب استعمال الماء لو قصده، واعتبر هذا في إيجاب نزح أدنى ما ورد التقدير بنزحه، وذلك عشرون احتياطاً. وإن كان محدثاً ينزح أربعون لأن الحدث يزول به فصار حكمه أكثر من حكم المتطهر فضوعف في النزح فصار أربعين.
وكذلك سائر الجمادات الطاهرة كالخشب الطاهر والحجر الطاهر والمدر الطاهر وأشباهها لا يفسد الماء ولا يستحب نزح شيء منه. وكذلك كل حيوان طاهر السؤر، وما ينفصل عنه نحو الحمام وما أشبهه إذا وقع فيه وأُخرج حيّاً لا ينزح منه شيء.
وأما القسم الذي يستحب فيه نزح بعض الماء:
إذا وقع في البئر فأرة أو عصفور أو دجاجة أو سنور أو شاة وأخرجت منها حيّة لا ينجس الماء. ولا يجب نزح شيء منه، وهذا استحسان لأن هذه الحيوانات ما دامت حيّة فهي طاهرة. والقياس أن يتنجس البئر بوقوع واحد من هذه الحيوانات فيه وإن أخرج حياً لأن سبيل هذه الحيوانات نجس فتحل النجاسة في الماء فيوجب تنجس الماء، لكن تركنا القياس لحديث رسول الله ﵇. وآثار الصحابة فإنهم لم يعتبروا نجاسة السبيل حتى يأمروا بنزح بعض ماء البئر بعد موت الفأرة ولو اعتبروا نجاسة السبيل لأمروا بنزح جميع الماء، ولكن مع هذا إن كان الواقع فأرة يستحب لهم أن ينزحوا عشرين دلواً. وإن كان الواقع سنوراً أو دجاجة مخلاة يستحب لهم أن ينزحوا أربعين دلواً؛ لأن سؤر هذه الحيوانات مكروه على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
والغالب أن الماء يصيب فم الواقع حتى لو تيقنا أن الماء لم يصب فم هذه الحيوانات لا ينزح شيء من الماء، فإن كانت الدجاجة غير مخلاة لا ينزح منها شيء. هذا الذي ذكرنا كلّه ظاهر الرواية.
وفي «النوادر» عن أبي يوسف ﵀ في مسألة الشاة روايتان. في رواية قال: لا ينزح منه شيء كما هو جواب ظاهر الرواية. وفي رواية قال: ينزح ماء البئر كلّه، وعلق لهذه الرواية فقال: لأن البول الذي يجري على فخذيها ورجليها فيها، فكان المراد من الرواية الأخرى ومن ظاهر الرواية: إذا لم يكن على فخذيها ورجليها بول.
وفي «القدوري» : الشاة التي تلطخ فخذها ببولها إذا وقعت في البئر قال أبو حنيفة ﵀: ينزح عشرون دلواً لأن نجاسة بولها خفيفة توجب إظهار الحرمة في إيجاب
стр. 74
نزح أدنى ما ورد التقدير به، وقال أبو يوسف: تنزح جميعها لأن أثر حرمة النجاسة يظهر في الثوب دون الماء، ألا ترى لو وقع فيه فرس فأخرج حياً فعلى قولهما لا ينزح شيء منها لأن عينه طاهر عندهما وسؤره كذلك. وعلى قول أبي حنيفة ينزح منها دلاء بطريق الاستحباب لأنه طاهر في نفسه وهو لا يلطخ فخذه ببوله إلا أن سؤره مكروه على إحدى الروايتين عنه فينزح دلاء لهذا، ثم في كل موضع كان النزح مستحباً لا ينقص من عشرين دلواً، إليه أشار محمد ﵀ في «النوادر» برواية إبراهيم عنه.
وصورة ما ذكر في «النوادر» فأرة أو هرة أو دجاجة مخلاة وقعت في بئر فأخرجت منها حيّةً قال: إن توضأ منه أجزأه وأحب إليّ أن ينزح منها عشرون دلواً، ثم قال: ولا يكون النزح في شيء من الأشياء أقل من عشرين دلواً. فقد قدّر النزح في هذه المسألة بعشرين دلواً. والنزح في هذه المسألة بطريق الاستحباب ثم عطف عليه قوله:
ولا يكون النزح في شيء أقل من عشرين دلواً، فيعلم بدلالة الحال أنه أراد بقوله ولا يكون النزح أقل من عشرين النزح المستحب. وقال أبو يوسف ﵀: النزح الواجب لا يكون أقل من عشرين، أما النزح المستحب يكون أقل من عشرين، ولا يكون أقل من عشرة، ألا ترى أنه قال في السّنور ينزح عشر دلاء أو نحو ذلك بطريق الاستحباب (١٣أ١) .
النوع الثاني: وهو الذي يفسد ماء البئر أقسام. قسم يفسد جميع ماء البئر لا محالة، وقسم يفسد جميع ماء البئر على أحد الاعتبارين، وقسم فيه اختلاف، وقسم يفسد بعض الماء.
أما القسم الأول: فسائر النجاسات، نحو بول الآدمي ورجيعه، وبول ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات على الاتفاق، وبول ما يؤكل لحمه على الخلاف. وسيأتي بيان النجاسات بعد هذا في فصل على حدة، وكذلك إذا وقع فيه خمر أو ما سواها من الأشربة التي لا يحل شربها وكذلك إذا وقع فيه خنزير أو سبع وجب نزح جميع الماء.
وكذلك لو دخل في البئر جنب أو محدث لطلب الدلو وعلى أعضائه نجاسة بأن لم يكن مستنجياً أو كان مستنجياً بالخذف ينزح جميع الماء، وكذلك إذا وقع كافر في البئر وأخرج حيّاً نزح ماء البئر كلّه. ذكره في «كتاب الصلاة» للحسن.
وكذلك السقط إذا وقع في البئر قبل الغسل أو بعده ينزح ماء البئر كله، وذكر ابن رستم في السقط كذلك وفيما استهل قبل الغسل كذلك. وذكر فيما استهل بعد الغسل أنه لا يفسد الماء.
وفي «فتاوى أبي الليث» عن أبي القاسم الصفار: في الإنسان الميّت وقع في البئر يفسد الماء غسل أو لم يغسل. وكذلك إذا وقع شيء من الحيوانات في البئر ومات وانتفخت يجب نزح ماء البئر كله لأنه ينفصل منه بلّة نجسة وتلك البلّة مائعة. ومتى وقع في البئر نجس مائع وجب نزح ماء البئر كله لأن النجاسة تصير مجاورة للماء كله فيجب إخراج الكل، كما لو وقع فيه قطرة من خمر أو بول.
وعن هذا قلنا: لو وقع ذنب الفأرة في البئر يجب نزح جميع الماء، لأنها لا تخلو
стр. 75
عن بلة وتلك البلّة بانفرادها، لو وقعت في الماء وجب نزح جميع الماء، وكذلك إذا وقع فيها آدمي طاهر ومات فيها، يجب نزح ماء البئر كلّه انتفخ أو لم ينتفخ. فقد روي أنه وقع زنجي في ماء زمزم ومات فأمر عبد الله بن عباس بأن تُسدّ منابع الماء وينزح جميع الماء.
وكذلك لو كان الواقع في البئر شاة أو كلب ومات وانتفخ أو لم ينتفخ، وجب نزح الماء كله، لأن جثة الشاة والكلب تعدل جثة الآدمي وقد ورد الأثر الآدمي بنزح جميع الماء، وكذلك إذا كان الواقع بغل أو حمار أو فرس ومات وانتفخ أو لم ينتفخ ينزح جميع الماء.
القسم الثاني
الحمار والبغل إذا وقع في البئر وأخرج قبل أن يموت، فإن أصاب الماء فمه ينزح جميع الماء، وإن لم يصب فمه لا يجب نزح شيء لأن سؤرهما مشكل فيصير ماء البئر باتصاله بسؤرهما بمنزلة سؤرهما.
القسم الثالث
الكلب إذا وقع في الماء فأخرج حيّاً؛ إن أصاب فمه الماء فهو من جملة القسم الأول يجب نزح جميع الماء، وإن لم يصب فمه الماء فعلى قولهما يجب نزح جميع الماء لأن عين الكلب نجس عندهما حتى قالا: إذا وقع الكلب في ماء وخرج وانتفض فأصاب ثوباً أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه. وعن أبي حنيفة ﵀ في «الكتاب» إذا وقع في الماء ثم خرج حيّاً أنه لا بأس به، وهذه إشارة إلى أن عين الكلب ليس بنجس.
وقال أيضاً: في كلب وقع في ماء وخرج حيّاً، فاعجنوا منه فلا بأس بذلك، هكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة ﵀، وفي «الجامع الأصغر» إذا وقع الكلب في البئر لم يتنجس الماء. وقال غيره: يتنجس.
وفي «فتاوى أبي الليث ﵀» : كلب مشى على الثلج فوضع إنسان رجله على ذلك الموضع أو جعل ذلك الثلج في المثلج فإن لم يكن رطباً ويقال بالفارسية أن تاك لا بأس به، وإن كان رطباً فهو نجس لأن عينه نجس، وكذا إذا مشى على طين وردغة فوضع إنسان رجله على أثر رجله تنجس رجله لأن عينه نجس.
وفيه أيضاً: الكلب إذا دخل الماء ثم خرج وانتفض فأصاب ثوب إنسان أفسده، ولو أصابه ماء مطر وباقي المسألة بحالها لم يفسده لأن في الوجه الأول الماء أصاب جلده وجلده نجس، وفي الوجه الثاني: أصاب شعره وشعره ليس بنجس. وذكر مسألة المطر في موضع آخر وفصلها تفصيلاً فقال: إن أصاب المطر جلده يمنع جواز الصلاة وإن لم يصب جلده لا يمنع جواز الصلاة.
القسم الرابع
إذا ماتت فأرة أو عصفور في بئر فأخرجت حين ماتت قبل أن تنتفخ فإنه ينزح منها عشرون دلواً إلى ثلاثين بعد إخراج الفأرة، والعشرون على سبيل الحتم، والزيادة على
следующие страницы →