← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أن يكون حوله ثمانية وأربعون ذراعاً لأن هذا أقصى ما قالوا فيه فكان أحوط. والمعتبر عند بعض من اعتبر التقدير بالذراع في الحوض ذراع الكرباس، لا ذراع المساحة توسعة للأمر على المسلمين وعند بعضهم: المعتبر ذراع المساحة لأن هذا من الممسوحات، وذراع المساحة في الممسوحات، والأصح أن يقال: يعتبر في حق أهل كل زمان ومكان ذراعهم. فإذا كان أعلى الحوض أقل من عشر في عشر وأسفله عشر في عشر أو أكثر ووقعت نجاسة في أعلى الحوض حكم بنجاسة الأعلى ثم انتقص الماء وانتهى إلى موضع هو عشر في عشر فتوضأ فيه إنسان أو اغتسل هل يجوز؟ صارت هذه المسألة واقعة الفتوى واختلفت فيه أجوبة المفتين، والأصح أنه يجوز التوضؤ والاغتسال فيه ويجعل كأن النجاسة وقعت فيها الآن. وهو نظير الحوض المتجمد إذا كان الماء في ثقبه وبقيته أقل من عشرة في عشرة فوقع في الثقب نجاسة حكم بنجاسة ماء الثقب، ثم إذا سفل الماء كان ذلك الماء طاهراً يجوز التوضؤ، والاغتسال منه كذا هنا. حوض صغير تنجس ماؤه فدخل الماء الطاهر فيه من جانب وسال ماء الحوض من جانب آخر كان الفقيه أبو جعفر ﵀ يقول: كما سال ماء الحوض من جانب لآخر يحكم بطهارة الحوض، وهو اختيار الصدر الشهيد ﵀. وكان الفقيه أبو بكر بن سعد ﵀ يقول: لا يحكم بطهارة الحوض حتى يخرج منه ثلاث مرات مثل ما كان في الحوض من الماء النجس، وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني ﵀، ومن المشايخ من شرط خروج مثل ما كان في الحوض من الماء النجس مرة واحدة. حوض صغير يدخل الماء فيه من جانب ويخرج من جانب فتوضأ فيه إنسان، ذكر في «مجموع النوازل» عن الإمام أبي الحسن الرستفضني أنه قال: إن كان أربعاً في أربع فما دونه يجوز التوضؤ فيه، وإن كان أكثر من ذلك لا يجوز إلا في موضع دخول الماء وخروجه، لأن في الوجه الأول ما يقع فيه من الماء المستعمل يخرج من ساعته ولا يستقر فيه ولا كذلك الوجه الثاني. وحكي عن شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنه سئل عن الماء. إذا كان خمساً في خمس وكان يخرج الماء منه قال: إن كان يتحرك الماء من جوانبه ويستفيض بالحركة يجوز، وسئل القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ عن هذه المسألة وأجاب بالجواز مطلقاً. ففي الحوض الصغير (١٢ب١) إن كان يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من جانب يكون هكذا لأن هذا ماء جار، والماء الجاري يجوز التوضؤ به وعليه الفتوى. وإذا كان على شط النهر أو على شط الحوض مسيل لغدير يدخل فيه الماء من الحوض أو النهر والماء الذي فيه متصل بماء الحوض والنهر، إلا أن جريان الحوض لا يظهر فيه، فتوضأ رجل في ذلك الموضع، إن كان مقدار ما فيه من الماء من حيث الطول يبلغ ذراعين ونصف لا يجوز التوضؤ فيه ولا يجعل ذلك تبعاً للحوض، وإن كان أقل من

стр. 72

ذلك يجوز ويجعل ذلك تبعاً للحوض والنهر هكذا قيل. وقيل: لا يجوز التوضؤ فيه ولا يجعل تبعاً للحوض والنهر على كل حال. حوض صغير كرى رجل منه نهراً وأجرى الماء فيه وتوضأ، ثم اجتمع ذلك الماء في مكان آخر فكرى منه رجل نهراً آخراً وأجرى فيه الماء وتوضأ جاز وضوء الكل إذا كان بين المكانين قليل مسافة وكذلك حفرتان يخرج الماء من إحداهما ويدخل في الأخرى فتوضأ إنسان فيما بينهما، فإن كان بين الحفرتين قليل مسافة فماء الحفرة الثانية طاهر، هكذا قال خلف بن أيوب ونصر بن يحيى، وإن لم يكن بينهما مسافة فماء الحفرة الثانية نجس. وكذلك في الحوض إذا لم يكن بين المكانين مسافة لا يجوز وضوء الثاني. والفرق: أنه إذا كان بين المكانين مسافة فالماء الذي استعمله الأول يرد عليه ماء جار قبل اجتماعه في المكان الثاني فلا يظهر فيه حكم الاستعمال، فأما إذا لم يكن بينهما مسافة فالماء الذي استعمله الأول لا يرد عليه ماء جار قبل أن يجتمع في المكان الثاني فيظهر فيه حكم الاستعمال فلا يطهر بعد. وعلى قياس مسألة الثقب ينبغي أن تشترط المسافة على قول بعض المشايخ. وصورة تلك المسألة: المسافر إذا كان معه ميزاب واسع ومعه إداوة من ماء يحتاج إليه ولا يتيقن وجود الماء لكنه على طمع من ذلك ماذا يصنع؟ قيل: ينبغي أن يأمر أحداً من رفقائه حتى يصب الماء في طرف من الميزاب وهو يتوضأ، وعند الطرف الآخر من الميزاب إناء طاهر يجتمع فيه الماء فإنه يكون الماء طاهراً وطهوراً. هذا قول بعض المشايخ، وبعض المشايخ رفضوا ذلك وقالوا: الماء بالجري إنما لا يصير مستعملاً إذا كان له مدد العين والنهر وما أشبههما أما إذا لم يكن له مدد فلا، ويجوز للرجل أن يتوضأ من الحوض الذي يخاف أن يكون فيه قذر أو لا يستيقن به قبل أن يسأل عنه وليس عليه أن يسأل. ولا يدع التوضؤ حتى يستيقن أن فيه قذر للأثر. وإذا أسِن ماء الحوض وهو كثير ولا يعلم بوقوع النجاسة فلا بأس بالتوضؤ منه لأن الماء قد يتغير بطول الزمان، وقد يتغير بوقوع الأوراق فيه فالتغير لا يدل على وقوع النجاسة فيه لا محالة، فيجوز التوضؤ منه والله أعلم. (نوع آخر) في ماء الآبار البئر عندنا بمنزلة الحوض الصغير يفسد ماؤه بما يفسد به ماء الحوض الصغير لأن عرض الآبار في الغالب يكون أقل من عشر في عشر حتى لو كان بئراً عرضه عشرة في عشرة لا يحكم بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير لون الماء أو طعمه أو أثره. وفي «نوادر ابن رستم» عن محمد ﵀ أنه قال: اجتمعت أنا وأبو يوسف على أن نحكم على ماء البئر أنه لا يتنجس لأنه ماء جار ثم قلنا: وما علينا أن نأمر بنزح دلاء على ما جاءت به الأخبار حتى نتبع السلف فنكون قد حكمنا فيه بالأمرين. أشار إلى أن قضية القياس بالآبار والآبار تأتي من بعد، وإنما جاء ماء آخر جار لأنه ينبع من جانب ويستخرج من جانب.

стр. 73

وقيل: وأرادا بقولهما ماء جار ماء أُلْحق بالماء الجاري حكماً لأجل الضرورة لأن التحرز عن وقوع النجاسة في البئر غير ممكن. ثم ما يقع في البئر نوعان: نوع لا يفسد الماء، وهذا النوع في نفسه قسمان: قسم يستحب فيه نزح بعض الماء، وقسم لا يستحب فيه نزح شيء من الماء. أما القسم الذي لا يستحب فيه نزح بعض الماء: الآدمي الطاهر، إذا دخل في البئر لطلب الدلو أو للتبرد وليس على أعضائه نجاسة وخرج منها حياً وهذا جواب ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه ينزح عشرون دلواً ويريد به بطريق الاستحباب لأن الماء يلاقي أعضاء الطهارة. وذلك يوجب استعمال الماء لو قصده، واعتبر هذا في إيجاب نزح أدنى ما ورد التقدير بنزحه، وذلك عشرون احتياطاً. وإن كان محدثاً ينزح أربعون لأن الحدث يزول به فصار حكمه أكثر من حكم المتطهر فضوعف في النزح فصار أربعين. وكذلك سائر الجمادات الطاهرة كالخشب الطاهر والحجر الطاهر والمدر الطاهر وأشباهها لا يفسد الماء ولا يستحب نزح شيء منه. وكذلك كل حيوان طاهر السؤر، وما ينفصل عنه نحو الحمام وما أشبهه إذا وقع فيه وأُخرج حيّاً لا ينزح منه شيء. وأما القسم الذي يستحب فيه نزح بعض الماء: إذا وقع في البئر فأرة أو عصفور أو دجاجة أو سنور أو شاة وأخرجت منها حيّة لا ينجس الماء. ولا يجب نزح شيء منه، وهذا استحسان لأن هذه الحيوانات ما دامت حيّة فهي طاهرة. والقياس أن يتنجس البئر بوقوع واحد من هذه الحيوانات فيه وإن أخرج حياً لأن سبيل هذه الحيوانات نجس فتحل النجاسة في الماء فيوجب تنجس الماء، لكن تركنا القياس لحديث رسول الله ﵇. وآثار الصحابة فإنهم لم يعتبروا نجاسة السبيل حتى يأمروا بنزح بعض ماء البئر بعد موت الفأرة ولو اعتبروا نجاسة السبيل لأمروا بنزح جميع الماء، ولكن مع هذا إن كان الواقع فأرة يستحب لهم أن ينزحوا عشرين دلواً. وإن كان الواقع سنوراً أو دجاجة مخلاة يستحب لهم أن ينزحوا أربعين دلواً؛ لأن سؤر هذه الحيوانات مكروه على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. والغالب أن الماء يصيب فم الواقع حتى لو تيقنا أن الماء لم يصب فم هذه الحيوانات لا ينزح شيء من الماء، فإن كانت الدجاجة غير مخلاة لا ينزح منها شيء. هذا الذي ذكرنا كلّه ظاهر الرواية. وفي «النوادر» عن أبي يوسف ﵀ في مسألة الشاة روايتان. في رواية قال: لا ينزح منه شيء كما هو جواب ظاهر الرواية. وفي رواية قال: ينزح ماء البئر كلّه، وعلق لهذه الرواية فقال: لأن البول الذي يجري على فخذيها ورجليها فيها، فكان المراد من الرواية الأخرى ومن ظاهر الرواية: إذا لم يكن على فخذيها ورجليها بول. وفي «القدوري» : الشاة التي تلطخ فخذها ببولها إذا وقعت في البئر قال أبو حنيفة ﵀: ينزح عشرون دلواً لأن نجاسة بولها خفيفة توجب إظهار الحرمة في إيجاب

стр. 74

نزح أدنى ما ورد التقدير به، وقال أبو يوسف: تنزح جميعها لأن أثر حرمة النجاسة يظهر في الثوب دون الماء، ألا ترى لو وقع فيه فرس فأخرج حياً فعلى قولهما لا ينزح شيء منها لأن عينه طاهر عندهما وسؤره كذلك. وعلى قول أبي حنيفة ينزح منها دلاء بطريق الاستحباب لأنه طاهر في نفسه وهو لا يلطخ فخذه ببوله إلا أن سؤره مكروه على إحدى الروايتين عنه فينزح دلاء لهذا، ثم في كل موضع كان النزح مستحباً لا ينقص من عشرين دلواً، إليه أشار محمد ﵀ في «النوادر» برواية إبراهيم عنه. وصورة ما ذكر في «النوادر» فأرة أو هرة أو دجاجة مخلاة وقعت في بئر فأخرجت منها حيّةً قال: إن توضأ منه أجزأه وأحب إليّ أن ينزح منها عشرون دلواً، ثم قال: ولا يكون النزح في شيء من الأشياء أقل من عشرين دلواً. فقد قدّر النزح في هذه المسألة بعشرين دلواً. والنزح في هذه المسألة بطريق الاستحباب ثم عطف عليه قوله: ولا يكون النزح في شيء أقل من عشرين دلواً، فيعلم بدلالة الحال أنه أراد بقوله ولا يكون النزح أقل من عشرين النزح المستحب. وقال أبو يوسف ﵀: النزح الواجب لا يكون أقل من عشرين، أما النزح المستحب يكون أقل من عشرين، ولا يكون أقل من عشرة، ألا ترى أنه قال في السّنور ينزح عشر دلاء أو نحو ذلك بطريق الاستحباب (١٣أ١) . النوع الثاني: وهو الذي يفسد ماء البئر أقسام. قسم يفسد جميع ماء البئر لا محالة، وقسم يفسد جميع ماء البئر على أحد الاعتبارين، وقسم فيه اختلاف، وقسم يفسد بعض الماء. أما القسم الأول: فسائر النجاسات، نحو بول الآدمي ورجيعه، وبول ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات على الاتفاق، وبول ما يؤكل لحمه على الخلاف. وسيأتي بيان النجاسات بعد هذا في فصل على حدة، وكذلك إذا وقع فيه خمر أو ما سواها من الأشربة التي لا يحل شربها وكذلك إذا وقع فيه خنزير أو سبع وجب نزح جميع الماء. وكذلك لو دخل في البئر جنب أو محدث لطلب الدلو وعلى أعضائه نجاسة بأن لم يكن مستنجياً أو كان مستنجياً بالخذف ينزح جميع الماء، وكذلك إذا وقع كافر في البئر وأخرج حيّاً نزح ماء البئر كلّه. ذكره في «كتاب الصلاة» للحسن. وكذلك السقط إذا وقع في البئر قبل الغسل أو بعده ينزح ماء البئر كله، وذكر ابن رستم في السقط كذلك وفيما استهل قبل الغسل كذلك. وذكر فيما استهل بعد الغسل أنه لا يفسد الماء. وفي «فتاوى أبي الليث» عن أبي القاسم الصفار: في الإنسان الميّت وقع في البئر يفسد الماء غسل أو لم يغسل. وكذلك إذا وقع شيء من الحيوانات في البئر ومات وانتفخت يجب نزح ماء البئر كله لأنه ينفصل منه بلّة نجسة وتلك البلّة مائعة. ومتى وقع في البئر نجس مائع وجب نزح ماء البئر كله لأن النجاسة تصير مجاورة للماء كله فيجب إخراج الكل، كما لو وقع فيه قطرة من خمر أو بول. وعن هذا قلنا: لو وقع ذنب الفأرة في البئر يجب نزح جميع الماء، لأنها لا تخلو

стр. 75

عن بلة وتلك البلّة بانفرادها، لو وقعت في الماء وجب نزح جميع الماء، وكذلك إذا وقع فيها آدمي طاهر ومات فيها، يجب نزح ماء البئر كلّه انتفخ أو لم ينتفخ. فقد روي أنه وقع زنجي في ماء زمزم ومات فأمر عبد الله بن عباس بأن تُسدّ منابع الماء وينزح جميع الماء. وكذلك لو كان الواقع في البئر شاة أو كلب ومات وانتفخ أو لم ينتفخ، وجب نزح الماء كله، لأن جثة الشاة والكلب تعدل جثة الآدمي وقد ورد الأثر الآدمي بنزح جميع الماء، وكذلك إذا كان الواقع بغل أو حمار أو فرس ومات وانتفخ أو لم ينتفخ ينزح جميع الماء. القسم الثاني الحمار والبغل إذا وقع في البئر وأخرج قبل أن يموت، فإن أصاب الماء فمه ينزح جميع الماء، وإن لم يصب فمه لا يجب نزح شيء لأن سؤرهما مشكل فيصير ماء البئر باتصاله بسؤرهما بمنزلة سؤرهما. القسم الثالث الكلب إذا وقع في الماء فأخرج حيّاً؛ إن أصاب فمه الماء فهو من جملة القسم الأول يجب نزح جميع الماء، وإن لم يصب فمه الماء فعلى قولهما يجب نزح جميع الماء لأن عين الكلب نجس عندهما حتى قالا: إذا وقع الكلب في ماء وخرج وانتفض فأصاب ثوباً أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه. وعن أبي حنيفة ﵀ في «الكتاب» إذا وقع في الماء ثم خرج حيّاً أنه لا بأس به، وهذه إشارة إلى أن عين الكلب ليس بنجس. وقال أيضاً: في كلب وقع في ماء وخرج حيّاً، فاعجنوا منه فلا بأس بذلك، هكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة ﵀، وفي «الجامع الأصغر» إذا وقع الكلب في البئر لم يتنجس الماء. وقال غيره: يتنجس. وفي «فتاوى أبي الليث ﵀» : كلب مشى على الثلج فوضع إنسان رجله على ذلك الموضع أو جعل ذلك الثلج في المثلج فإن لم يكن رطباً ويقال بالفارسية أن تاك لا بأس به، وإن كان رطباً فهو نجس لأن عينه نجس، وكذا إذا مشى على طين وردغة فوضع إنسان رجله على أثر رجله تنجس رجله لأن عينه نجس. وفيه أيضاً: الكلب إذا دخل الماء ثم خرج وانتفض فأصاب ثوب إنسان أفسده، ولو أصابه ماء مطر وباقي المسألة بحالها لم يفسده لأن في الوجه الأول الماء أصاب جلده وجلده نجس، وفي الوجه الثاني: أصاب شعره وشعره ليس بنجس. وذكر مسألة المطر في موضع آخر وفصلها تفصيلاً فقال: إن أصاب المطر جلده يمنع جواز الصلاة وإن لم يصب جلده لا يمنع جواز الصلاة. القسم الرابع إذا ماتت فأرة أو عصفور في بئر فأخرجت حين ماتت قبل أن تنتفخ فإنه ينزح منها عشرون دلواً إلى ثلاثين بعد إخراج الفأرة، والعشرون على سبيل الحتم، والزيادة على

стр. 76

سبيل الاحتياط. ولو توضأ بماء البئر إنسان قبل نزح العشرين لا يجوز، وكان يجب أن يجوز التوضؤ به بعد إخراج الفأرة إذا لم تكن قد انتفخت؛ لأن الماء بوقوع النجاسة فيه، إنما تنجس بمجاورة أجزاء النجاسة أجزاء الماء وإذا أخرجت الفأرة من ساعته لم يبق من أجزائها في الماء شيء، فكان يجب أن لا يحكم بنجاسة الماء متى أخرجت وهي ميتة كما لا يحكم بنجاسته متى أخرجت وهي حيّة إلا أنا تركنا القياس بالآثار.Y روى القاضي الإمام أبو جعفر والفقيه أبو علي الحافظ بإسنادهما عن رسول الله ﵇ أنه قال في الفأرة: «إذا وقعت في البئر فماتت فيه فأخرجت من ساعته أنه ينزح منها عشرون دلواً أو ثلاثون» . وعن علي ﵁ أنه قال: في الفأرة إذا وقعت في البئر فماتت فيها فأخرجت: ينزح منها سبع دلاء، وفي رواية ينزح منها دلاء ولا يفسد بئر في هذه الرواية. وفي رواية ينزح منها عشرون دلواً أو ثلاثون، وفي رواية ينزح منها ثلاثون دلواً، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال في الفأرة إذا وقعت في البئر وماتت فيها إنه ينزح منها أربعون دلواً فتركنا القياس بهذه الآثار. والسلف اتفقوا على هذا أيضاً فتركنا القياس اتباعاً لقولهم أيضاً. وقد روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة في الفأرة تموت في البئر فأخرجت من ساعته، فاتفق رأينا أنه لا يجب نزح شيء بعد إخراج الفأرة إلا أنا حكمنا بنجاسة الماء بالآثار، أشار إلى أنه ترك القياس بالآثار وأقوال السلف، ثم إنما قدرنا بالعشرين لأنها أوسط الأعداد التي ذكرت في الآثار، والقياس بعد ما جرى الحكم بنجاسة البئر أحد الشيئين. أمّا ما قاله بشر أنه يطم البئر طماً ويحفر في موضع آخر، ولا يحكم بطهارته بالنزح لأنه يتقاطر من الدلو في البئر وتلك القطرات نجسة فوجب تنجس الماء ولأن غاية ما في الباب أنه ينزح جميع الماء ويبقى الطين والحجارة نجساً ولا يمكن كنسه ليغسل فيطم لهذا وما نقل عن أبي يوسف ﵀ أنه ينبغي أن يحكم بطهارة الماء إذا نزح منها دلو واحد أو اثنين أو ثلاثاً؛ لأنه كلما نزح من أعلاه يبقى في أسفله فيصير بمعنى الماء الجاري لكن تركنا كلا القياسين اتباعاً للآثار ولأقوال السلف على نحو ما بيّنا وهو معنى ما ذكر ابن رستم في «نوادره» لا يؤخذ في البئر شيء من القياس. ونوع من المعنى يدل على الفرق بين الماء الجاري والذي لا يخلص بعضه إلى بعض وبين ماء البئر: أن الشيء إذا أصابته النجاسة لا يحكم بطهارته إلا بإزالة النجاسة عن الموضع الذي أصابته كما في غير الماء، إلا أنه لا يمكن اعتبار حقيقة الإزالة في الماء فتعتبر الإزالة بقدر الإمكان، فقيل: متى كان الماء جارياً ورد الطاهر على النجس وأزالها عن موضعها، فحكم بالطهارة بطريق زوال النجاسة بقدر الإمكان، وكذلك في الماء الذي لا يخلص بعضه إلى بعض فالطاهر اعتبرو

стр. 77

على النجس، لأن الجانب الذي وافته النجاسة إن يتنجس بالجانب الآخر بقي طاهراً، فيرد على هذا الماء النجس ماء طاهر فيطهر بإزالة النجاسة عن موضعها، فكان هذا قولاً بإزالة النجاسة عن الماء بعد ما تنجس بقدر الإمكان. ولا يمكن اعتبار هذا المعنى في البئر لأن ماء البئر لا يرد عليه ماء طاهر لأن جوانب البئر قد تنجس بوقوع النجاسة فيه، فلا يمكن اعتبار الإزالة عن موضع الإصابة إلى موضع آخر لم يصبه، فاعتبرت الإزالة بالإخراج من الوجه الذي ورد به الأثر. ثم جعل في «الكتاب» العصفور بمنزلة الفأرة لأنه في الجثة مثل الفأرة، فالتقدير الوارد في الفأرة يكون وارداً في العصفور. وإن كان الواقع في البئر سنوراً أو دجاجة فأخرجت ساعة ما ماتت ينزح أربعون (١٣ب١) أو خمسون، في «ظاهر الرواية» أربعون على طريق الحتم والإيجاب، وخمسون على طريق الاستحباب لأن السنور يعدل الدجاجة في الجثة وقد ورد الأثر عن أبي سعيد الخدري ﵁ في الدجاجة تموت في البئر أنه ينزح أربعون دلواً فيكون وارداً في السنور دلالةً. ففي «ظاهر الرواية» جعل جنس هذه المسائل على ثلاث مراتب: بعضهم أوجب نزح عشرين دلواً إلى ثلاثين، وذلك العصفور والفأرة وأشباههما، وفي بعضهما أوجب نزح ماء البئر كلّه وذلك في الشاة والآدمي، وفي بعضها يجب نزح أربعين دلواً أو خمسين وذلك السنّور والدجاجة ونحوهما. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ جعل جنس هذه المسائل على مراتب ثلاث ما ذكرنا والرابعة أوجب في الفأرة التي هي صغيرة الجثة وفي.... عشر دلاء والخامسة أوجب في الحمامة نزح ثلاثين دلواً. وإذا وقع في البئر بعرة أو بعرتان من بعر الإبل أو الغنم فأخرجت قبل التفتت لم يتنجس البئر وإن أخرجت بعد التفتت تنجس البئر وهذا استحسان والقياس أن يتنجس البئر على كلّ حال لأن هذه نجاسة وقعت في ماء قليل فتنجسه كما لو وقعت في وعاء ووعاء الماء قليل. وللاستحسان وجهان: أحدهما: الضرورة والبلوى بيان ذلك أن آبار الفلوات ليس لها روشن حاجز والإبل والغنم تسقى بها فتبعر حولها فتسقط في البئر أو الرياح تلقيها في البئر، فلو حكمنا بالنجاسة لضاق الأمر على الناس. والثاني: أن البعر شيء صلب متماسك لا يمازج الماء منه شيء، والمشايخ فيما بينهم اختلفوا منهم من اعتبر الوجه الأول ومنهم من اعتبر الوجه الثاني.

стр. 78

وأما سائر الأوعية فعلى الوجه الأول نجسه لأنه لا ضرورة ولا بلوى في سائر الأوعية، وعلى الوجه الثاني لا تنجسه لأن كونه صلباً لا يختلف. وإذا خرج من الجب بعرة فعلى الوجه الأول يحكم بنجاسته وعلى الوجه الثاني لا يحكم بنجاسته. وأما إذا كان الواقع نصفاً فعلى الوجه الأول لا ينجسه لأن البلوى والضرورة لا تفصل بين الصحيح والنصف وعلى الوجه الثاني ينجسه لأن الماء تداخل أجزاؤه من الجانب الذي انكسر. وأما إذا كان البعر رطباً فنقول: في «ظاهر الرواية» لم يفصل بين الرطب واليابس وكأن في «ظاهر الرواية» اعتبر الوجه الأول لأن الريح الشديد يقوى على نقل الرطب وعليه كثير من المشايخ، وعن أبي يوسف ﵀ في «الأمالي» : أن الرطب بعيد وكأنه لم يعتبر الضرورة والبلوى في اليابس على هذه الرواية إنما اعتبر الوجه الثاني وبهذه الرواية أخذ بعض المشايخ. ووجه هذه الرواية: أن الرطوبة تمزج بالماء وتلك الرطوبة نجسة وهذا القائل يقول: بأن الرطوبة التي على البيضة والسخلة نجسة إلا أنها إذا يبست طهرت، ومن اعتبر الوجه الأول في البعرة إذا كانت يابسة يقول: البلة التي على الرطبة طاهرة لأنها بلة الأمعاء وهذا القائل يقول: البلة التي على السخلة والبيضة طاهرة، وهذا كله إذا كانت البئر في المفازة. فأما إذا كانت في المصر فقد اختلف المشايخ فيه فمن اعتمد على الوجه الأول يقول: نجسة لأنه لا ضرورة ولا بلوى في الأمصار لأن الآبار في الأمصار لا تخلو عن حاجز حولها فلا يقع فيها شيء ومن اعتمد على الوجه الثاني يقول: لا تنجسه، لأن الوجه الثاني لا يوجب الفصل بين المصر والمفازة، وهذا كلّه إذا كان البعر قليلاً. وأما إذا كان كثيراً فإنه ينجس الماء لأنه لا ضرورة في الكثير. وقد اختلفت الروايات في الحد الفاصل بين القليل والكثير، والمروي عن أبي حنيفة ﵀ أن ما استكثره الناس فهو كثير وما استقلّه الناس فهو قليل، وعن محمد ﵀ أنه إن كان بحال يأخذ ربع وجه الماء كان كثيراً، وإن كان أقل من ذلك فهو قليل، ومن المشايخ من قال: إن كان بحال لو جمع يأخذ ثلث وجه الماء فهو كثير وما دونه قليل، ومن المشايخ من قال: إن أخذ وجه جميع الماء فهو كثير، ومنهم من قال: إن كان لا يخلو دلو عن بعرة فهو كثير، وإن كان يخلو فهو قليل. ولم يذكر محمد ﵀ في «الأصل» روث الحمار وخثي البقر، وقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: ينجسه على كل حال، يريد به قليلاً كان أو كثيراً، رطباً كان أو يابساً، وقال بعضهم: إن كان من روث الحمار شيئاً مدور مستمسكاً فهو والبعر سواء، وكذلك إن كان من خثي البقر شيئاً صلباً مستمسكاً فهو والبعر سواء. وأكثر المشايخ على أنه تعتبر فيه الضرورة والبلوى إن كان فيه ضرورة وبلوى لا يتنجس، وإن لم يكن فيه ضرورة وبلوى يتنجس.

стр. 79

وفي «المنتقى» : ابن سماعة عن أبي يوسف في روثة رطبة وقعت في بئر قال: ليستقى منها عشرون دلواً، وإن وقعت وهي يابسة فابتلت وتفرقت فكذلك، وإن أخرجت يابسة فلا شيء وعن الحسن بن زياد رحمهما الله في السرقين والبعر والأخثاء إذا وقع في الماء لم يتوضأ منه وهو قول أبي يوسف ما خلا البعرة اليابسة. وقال أبو حنيفة ﵀ في اليابس من البعر يقع في الإناء أو البئر لا بأس به إذا كانت واحدة أو اثنتين، وإن كان كثيراً أفسد، وإن كان رطباً فقليله وكثيره يفسد، وهذه الرواية توافق ما ذكرنا من رواية أبي يوسف. والسرقين قليله وكثيره يفسد. وقال أبو يوسف ﵀: إلا أني استحسن شيئاً لا أحفظه عن أبي حنيفة ﵀ أنه إذا كان يسيراً لا يفسده. وعن ابن المبارك عن أبي حنيفة ﵀ في الأبعار الرطبة وبول ما يؤكل لحمه: إذا وقع في البئر يفسد الماء. وإذا حلب شاة أو ضأناً فوقع بعره في المحلب حكي عن المتقدمين من المشايخ أنهم توسعوا في ذلك، إذا رمي من ساعته، وهكذا ذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى» والمتأخرون اختلفوا فيه. وإذا وقع في البئر خرء الحمام أو خرء العصفور لا يفسده، وهذا مذهبنا لما روي عن ابن مسعود رضي الله أنه ذرق عليه حمامة فأخذ حصاة ومسح بها وصلى ولم يغسل، وهكذا روي عن ابن عمر ﵄ ولأن هذا الحيوان يذرق من الهواء فلا يمكن التحرز عن خرئه. وهنا لو جعلناه مانعاً جواز الصلاة ضاق الأمر على الناس وبهذا الحرف يقع الفرق بين خرء هذه الحيوانات وبين خرء الدجاج لأن الدجاج لا يذرق من الهواء، فيمكن التحرز عن خرئه فلو جعلناه مانعاً جواز الصلاة لا يضيق الأمر عن الناس. وأما خرء البط فقد ذكر القاضي صدر الإسلام ﵀ في «شرح الجامع الصغير» وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح كتاب الصلاة أن البط صنفان: صنف يعيش فيما بين الناس ولا يطير كالدجاج فيمكن التحرز عن خرئه فيكون الجواب فيه كالجواب في الدجاج. وصنف لا يعيش فيما بين الناس ويطير ويذرق من الهواء فلا يمكن التحرز عن خرئه فيكون الجواب فيه كالجواب في الحمام والعصفور.

стр. 80

ولو وقع في البئر أكثر من فأرة واحدة فالمروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ينزح عشرون دلواً إلى الأربع. فإذا كانت خمساً ينزح أربعون إلى التسع، فإذا كانت عشراً ينزح ماء البئر كلّه. وعن محمد ﵀: أن الفأرتان كفأرة والثلاث كالحمامة. وإذا توضأ رجل في بئر وصلى إماماً ثم وجد فيها فأرة ميتة أو دجاجة ميتة فإن علم وقت وقوعها يعيد الوضوء والصلاة من ذلك الوقت بالإجماع؛ لأنه علم أنه صلى بغير وضوء، والصلاة بغير وضوء لا تجوز. أما إذا لم يعلم وقت وقوعها فالقياس أن لا يجب عليه إعادة شيء من الصلاة ما لم يتيقن أنه توضأ منها وهو فيها، سواء وجدها منتفخة متفسخة أو لا. وبه أخذ أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إلا أن حنيفة ﵀ استحسن وقال: إن وجدها منتفخة متفسخة يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها، وإن وجدها غير منتفخة يعيد صلاة يوم وليلة. قال بشر قال أبو يوسف: كان قولي قول أبي حنيفة حتى رأيت يوماً في بستاني حدأة في منقارها فأرة ميتة طرحتها في بئر الماء فرجعت عن قوله. وفي «الإملاء» قال أبو يوسف: الفأرة كانت ميتة منتفخة ألقاها صبي ساعتئذٍ فلا يعيد (١٤أ١) الصلاة حتى يعلم أنه توضأ وهي فيها، وكذلك ما عجن من العجين بذلك الماء، القياس أن لا بأس بأكله ما لم يعلم أنه عجن به وهي فيه، وبه أخذ محمد ﵀، وفي الاستحسان: إن كانت منتفخة متفسخة لا يؤكل ما عجن من ذلك منذ ثلاثة أيام. وإن كانت غير منتفخة لا يؤكل ما عجن من ذلك منذ يوم، وبه أخذ أبو حنيفة. عن أبي يوسف ﵀ روايتان: في «الأصل» قوله كقول محمد، وفي «الإملاء» كقول أبي حنيفة. وجه القياس: أنا تيقنا بطهارة الماء في الأصل وتيقنا بنجاسته في الحال وشككنا في نجاسته من قبل (أنه) إن وقعت وهي منتفخة لا تكون النجاسة ثابتة من قبل، وإن وقعت وهي حيّة ثم ماتت وانتفخت كانت النجاسة ثابتة من قبل فلا تثبت نجاسته من قبل بالشك. وجه الاستحسان: أن الماء سبب لموت الحيوان الدموي فيه فيضاف إليه، وإن احتمل الموت بغيره كمن جرح إنساناً ومات يحال بالموت على الجرح وإن احتمل الموت بغيره غير أنه كما وقع لا يموت فلا بد من التقدير بشيء، فقدرنا الوقوع والموت بلا انتفاخ بيوم وليلة لأن له حكماً في باب الصلاة من سقوط الترتيب وغيره، ولأن ما دونه ساعات لا يمكن التقدير بها، وقدرنا الوقوع والموت مع الانتفاخ بثلاثة أيام ولياليها لأن الانتفاخ لا يحصل بيوم واحد غالباً ويحصل بثلاثة أيام، ألا ترى أن الميت إذا دفن قبل الصلاة عليه يُصلى عليه في القبر إلى ثلاثة أيام، ولا يجوز بعدها لأن الصلاة شرعت على البدن لا على الأعضاء، وقبل الثلاث البدن لا يتفرق وبعد الثلاث يتفرق. وإن رأى في ثوبه نجاسة ولا يدري متى أصابته، ستأتي هذه المسألة في كتاب الصلاة مع ما فيها من اختلاف الروايات إن شاء الله تعالى.

стр. 81

وفي «المنتقى» : إبراهيم عن محمد: لو ماتت فأرة في ماء في طست ثم صب ذلك الماء في بئر ينزح عشرون دلواً وهو قول أبي يوسف ﵀، وذكر بعد هذه المسألة: لو ماتت فأرة في حُبّ فأريق في البئر ماء الحب، قال محمد ﵀ ينزح من البئر أكثر من عشرين دلواً وكما في الحب من الماء، وعن أبي يوسف ﵀ روايتان: في رواية قال: ينزح مثل ماء الحب وثلاثون دلواً، وقال في رواية أخرى ينزح مثل ماء الحب وعشرون. ثم في كل موضع وجب نزح جميع الماء ينزح حتى يغلبهم ماؤه ولم يقدر أبو حنيفة ﵀ في الغلبة شيء وإنما يعمل فيه بغالب الظن، وهذا أصل ممهد له في مسائل كثيرة هكذا ذكر «القدوري» ، ومعنى المسألة: أنه إذا وجب نزح جميع الماء وأخذوا في النزح فكلما نزحوا نبع من أسفله مثل ما نزحوا أو أكثر، فعلى قول أبي حنيفة ﵀: عليهم أن ينزحوا مقدار ما يغلب على ظنهم أنه جميع ما كان فيه عند ابتداء النزح، وعنه في «النوادر» أنه ينزح منها مائتان، وفي رواية مائة، فإذا نزحوا هذا المقدار يحكم بطهارة البئر، وعن محمد ﵀ في «النوادر» روايتان: في رواية قال: مائتا دلو أو ثلاثمائة. وفي رواية قال: مائتان وخمسون. وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ينزح مقدار ما كان فيها من الماء، وقيل في طريق معرفة ذلك أن يرسل قصبة في البئر ويُعلّم على مبلغ الماء علامة ثم ينزح منها دلاء فينظر كم انتقص فينزح بقدر ذلك، وقيل: ينظر إلى عمق البئر وعرضه ثم يحفر حفرة مثل ذلك ثم ينزح الماء من البئر ويصبّ في تلك الحفيرة فإذا امتلأت الحفيرة علم أنهم نزحوا مقدار ما كان فيها. وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام: أنه ينظر إلى ماء البئر رجلان لهما بصارة في أثر الماء، فأي مقدار قالا إنه في البئر فإنه ينزح في ذلك المقدار، وهذا القول يريب بما حكينا من قول أبي حنيفة ﵀ في الابتداء. ثم إذا وجب نزح جميع الماء فلم ينزح حتى زاد الماء فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: ينزح مقدار ما كان في البئر وقت وقوع النجاسة وقال بعضهم: مقدار ما فيه وقت النزح، وكذلك اختلفوا في التوالي في النزح: فبعضهم شرطوا التوالي، وبعضهم لم يشترطوا، ثم على قول من لا يشترط التوالي إذا نزح بعض الماء في اليوم وتركوا النزح ثم جاؤوا من بعد فوجدوا الماء قد ازداد فعند بعضهم ينزح كل ما فيه وعند بعضهم: مقدار ما بقي عند ترك النزح من الأمس. ثم عند بعض المشايخ يعتبر في كل بئر دلو ذلك البئر، وقال القدوري في «كتابه» : يعتبر الدلو المعتاد الوسط. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه قدره بما يسع صاعاً ليتمكن كل أحد من النزح من رجل أو امرأة أو صبي. ولو جاؤوا بدلوٍ عظيم يسع عشرين دلواً بدلوهم فاستقوا به جاز. قال القدوري: وهو أحب إليّ، وقال زفر والحسن بن زياد: لا يجوز، هما يقولان: الطهارة معلقة بعدد معلوم شرعاً بخلاف القياس فيراعى عين ما ورد به النص.

стр. 82

ولنا: أن النزح إنما وجب لمجاوزة بعض الماء الواقع في البئر، وفي حق هذا المعنى لا فرق بين أن يؤخذ ذلك بدلو عظيم واحد أو بعشرين دلواً بل هذا المعنى في الدلو العظيم أظهر لأن الفضل العائد إلى البئر منه أقل فلهذا قال: وهو أحبّ إليّ. وإذا نزح الماء وحكم بطهارة البئر حكم بطهارة الدلو والرشاء؛ لأن نجاستهما كانت بنجاسة البئر، فطهارتهما تكون بطهارة البئر، ألا ترى أن الخمر التي في الحب إذا صارت خلاً وحكم بطهارته يحكم بطهارة الحب تبعاً، وكذلك إذا غسل يده النجس من قمقمه وحكم بطهارة اليد يحكم بطهارة العروة بطريق التبعية. قال في «القدوري» : وإذا جفت البئر ونضب ماؤها ثم عاد لم يطهر إلا بالنزح في قول أبي يوسف لأن الطهارة معلقة بالنزح بالآبار، وقال محمد ﵀ تطهر بالجفاف لأن النزح ما كان واجباً لعينه وإنما كان ليذهب ما جاور النجاسة من الماء، وهذا المعنى في الجفاف أبين، وإذا نزح الماء وبقي الدلو الأخير؛ إن كان في الماء ولم ينح عن رأس الماء لا يجوز التوضؤ من ماء البئر وإن خرج من البئر ونحي عن رأس الماء إلا أنه لم يصب بعد جاز التوضؤ من البئر، وإن نحي عن رأس الماء إلا أنه لم ينح عن رأس البئر لم يجز التوضؤ من البئر في قول أبي يوسف ﵀ حتى ينحى عنها. وقال محمد ﵀ يجوز، وذكر الحاكم قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف وليس بمشهور. وجه قول محمد: أن الطهارة موقوفة على إخراج هذا القدر من الماء وقد وجد ما يعود إليه من القطرات عفواً بالإجماع، فلا يتغير به الحكم، ولأبي يوسف ﵀ أن الماء النجس متصل بالبئر حكماً بدليل أن التقاط لا تصير دلواً والاتصال لا يفسد ماء البئر لوقوع النجس في البئر فصار بقاء الاتصال حكماً كبقائه حقيقة وذلك يمنع التوضؤ في البئر فكذا الاتصال حكماً. ذكر الناطفي ﵀ في «هدايته» : أن حكم النجاسة لا يختلف باختلاف الآبار فيما يطهر البئر الأول يطهر البئر الثاني، كماء النجاسة لو انتقلت من ثوب إلى ثوب آخر لا يختلف حكم إزالتها. هذا لفظ الناطفي. بيان هذا فيما ذكر في مسألة «الأصل» : إذا وقعت فأرة في البئر وماتت فنزح منها دلو وصب في بئر آخر نزح منها عشرون دلواً لأن ماء هذا الدلو لو كان في البئر الأول لا يطهر البئر الأول إلا بنزح عشرين دلواً كذلك في الثاني. ولو صب الدلو العاشر في البئر الثاني نزح من الثاني عشر دلاء في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص ينزح أحد عشر دلواً، وهذا ظاهر لأن الدلو العاشر لو كان في البئر الأول لا يطهر إلا بنزح أحد عشر دلواً، كذا في البئر الثاني، وذكر في رواية أبي سليمان أنه ينزح منها عشر دلاء. ولا فرق بين الروايتين من حيث المعنى؛ لأن مراد أبي سليمان من قوله عشر دلاء ما وراء الدلو العاشر، وهو مقدار ما يطهر به البئر الأول. ولو وقعت فأرة في بئر، وفأرة أخرى في بئر أخرى، وفأرة أخرى في بئر ثالث، ثم

стр. 83

نزح من كل بئر منها عشرون بعد إخراج الفأرة، وصب الكل في البئر الثالث، فإنه ينزح من البئر الثالث أربعون دلواً. ينظر إلى ما وجب في البئر الثالث، وإلى قدر المصبوب فيها فينزح قدر المصبوب ويسقط حكم ما وجب فيه، كنجاسة على الثوب زيادة على قدر الدرهم أصابته نجاسة أخرى، كان حكمها وحكم ما لم يكن عليه نجاسة سواء، فكذا في البئر المصبوب فيه حكم البئرين اللتين أخرج منهما الماء فيكتفي بأربعين دلواً (١٤ب١) من كل واحد عشرون دلواً، وقال محمد بن الحسن ﵀ في «صلاة الأثر» عشرة آبار إن وقع في كل بئر فأرة وماتت فينزح من كل بئر عشرون دلواً، لوصب في واحدة إنه إن اجتمع فأرات فبلغ بقدر الدجاجة تنزح أربعون دلواً من البئر التي صب فيها. وفي «القدوري» : إذا وقع عظم الميتة في البئر، فإن كان عليه لحم أو دم ينجس لأن ذلك لا يخلو عن بلّة نجسة وهي في حكم النجاسة المائعة، وإن لم يكن عليه لحم لا يتنجس؛ لأن نفس العظم عندنا طاهر على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.o وفي «مجموع النوازل» : عظم تلطخ بنجاسة ووقع في البئر ولم يمكن استخراجه فإذا نزحوا ماءها فقد طهرت. وفي «الأصل» : أدنى ما ينبغي أن يكون بين بئر الماء والبالوعة خمسة أذرع، وهذا في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص سبعة أذرع. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: ليس هذا بتقدير لازم، بل الشرط أن يكون بينهما برزخ يمنع خلوص طعم البالوعة أو ريحها إلى ماء البئر ولا يقدر عليها بالزرعان حتى إذا كان بينهما عشرة أذرع، وكان يوجد في البئر أثر البالوعة، فماء البئر نجس وإن كان بينهما ذراع واحد وكان لا يوجد أثر البالوعة في البئر فماء البئر طاهر. قال ﵀: إلا أن محمداً ﵀ بنى هذا الجواب على ما علم من حال أراضيهم صلبة، والجواب يختلف باختلاف صلابة الأراضي ورخاوتها. وفي «المنتقى» : أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵀ أدنى ما يكون بين البالوعة وبين الماء خمسة أذرع، قال: وسبعة أذرع أحبّ إليّ. طعن بعض الناس على أبي حنيفة ﵀، وقال إنه استعمل الرأي في المقادير، ومشايخنا ﵏ قالوا: فتواه تخرج في مكان علم سؤال أهل الذكر أن قدر خمسة أذرع يمنع التعدي. وفي «النوازل» : بئر بالوعة حفروها وجعلوها بئر ماء فإن حفروها مقدار ما وصلت إليه النجاسة فالماء طاهر وجوانبها نجس، وإن حفروها أوسع من الأول فالكل طاهر والله أعلم. (نوع آخر) في الحباب والأواني قال في «الأصل» : الكوز الذي يوضع في نواحي البيت ليغترف من الحب، فإن له أن يشرب منه ويأخذ منه ما لم يعلم أنه قذر، لأن نواحي البيت طاهر أو الماء طاهر في الأصل فهو على الطهارة ما لم نتيقن بنجاستها أو نجاسة أحدهما وحكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص الكبير ﵀ أنه كان يكره أن يستخلص الإنسان من نفسه إناء يتوضأ به ولا يتوضأ به غيره.

стр. 84

وفي «الأصل» أيضاً إذا أدخل الصبي يده في كوز ماء أو رجله فإن عُلم أن يده طاهرة بيقين يجوز التوضؤ بهذا الماء، وإن علم أن يده نجسة بيقين لا يجوز التوضؤ به، وإن كان لا يعلم أنه طاهر أو نجس فالمستحب أن يتوضأ بغيره لأن الصبي لا يتوقى النجاسات عادة، مع هذا لو توضأ به أجزأه لأن الطهارة أصل، وفي النجاسة شك. وفي كتاب «فقه الأمر» للإمام عبد الصمد القلانسي أنه إن كان مع الصبي رقيب فالماء طاهر وطهور، وإن كان مسيّباً في السكة فالماء مكروه كسؤر الدجاجة المخلاة، وهذا إذا أدخل الصبي يده في الإناء ولم ينو القربة، فأمّا إذا نوى القربة وتوضأ في الإناء سيأتي هذا الفصل بعد هذا في المياه المستعملة. الجنب إذا اغتسل وانتضح من غسالته في إنائه أو على ثوبه قطرات صفار لا يستبين أثرها في الماء ولا في الثوب لا ينجسها، وإن استبان أثرها وهي ما إذا جمعت كانت أكثر من قدر الدرهم نجسته، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀. وسئل أبو سليمان عن ماء الجنابة إذا وقع في الإناء وقوعاً يستبين أنها ليست بشيء، ومعنى قوله يستبين: أن ينفرج وجه ماء الإناء عند وقوع القطرات أو يرى عين القطرات ظاهرة. وذكر هذه المسألة في «المبسوط» وقال: إن كان الواقع قليلاً لا يفسد الماء وإن كان كثيراً يفسده، تكلموا في حد القليل والكثير: روي عن محمد ﵀ أنه قال: إن كان مثل رؤوس الإبر وأطراف الإبر فهو قليل، وإن زاد على ذلك فهو كثير. وذكر الكرخي في «كتابه» : أنه إن كان مواقع القطر يستبين في الإناء فهو كثير يفسد الماء وإن كان لا يستبين فهو قليل لا يفسد الماء. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف ﵀: رجل جنب نزح دلواً مرة من ماء بئر وصبه على رأسه ثم استقى دلواً آخر فتقاطر من جسده في البئر، قال: هذا ليس بشيء، وإن كان الماء المستعمل نجساً عنده فكأنه أسقط اعتبار نجاسته ضرورة أن التحرز عنه غير ممكن. حب فيه ماء أو زيت استخرج منه شيء وجعل في خابية ثم استخرج من حُب آخر فيه ماء أو زيت شيء منه، وجعل في تلك الخابية حتى امتلأت الخابية ثم وجد في الخابية فأرة ميتة ولا يدرى أن الفأرة من أي الحبين ويعلم قطعاً أنها لم تكن في الخابية قبل ذلك فما حال الحبين؟ حكي عن الشيخ الإمام نجم الدين النسفي ﵀ أنه سئل عن هذه المسألة قال: إن غاب هذا الرجل عن الخابية ساعة يتوهم وقوع الفأرة في الخابية فالنجاسة للخابية والحبّان طاهران، وإن لم يغب حتى علم أنها من أحد الحبين، فالنجاسة تصرف إلى آخر الحبين لأن الحوادث تضاف إلى أقرب الأوقات، هذا تمام جوابه. قالوا: ينبغي أن يقال: إذا كان كلا الحبين لرجل واحد وتحرّى ولم يقع تحرّيه على شيء تصرف النجاسة إلى آخر الحبين، فأما إذا وقع تحريه على شيء يعمل به، وهذا

стр. 85

الجواب على هذا الإطلاق ليس بصحيح، فقد ذكر في كتاب التحري أنه إذا كان مع الرجل في السفر أوان بعضها نجسة كانت الغلبة للنجس أو كانا سواء؛ إن كانت الحالة حالة الاختيار لا يتحرى للشرب ولا للوضوء، وإن كانت حالة الاضطرار يتحرّى للشرب بالإجماع ولا يتحرى للوضوء عندنا ولكنه تييمم. ولو كان كل حب لرجل على حدة وكل واحدٍ منهما يقول: حبي طاهر يجعل كلا الحبين طاهراً. وسئل الشيخ الإمام نجم الدين النسفي ﵀ أيضاً عن فأرة ميتة كانت يبست وهي في خابية جعل في الخابية الزيت فظهرت على رأس الخابية؟ فأجاب: أن الزيت نجس، وهكذا أجاب شيخ الإسلام الإسبيجابي. قال نجم الدين * هذا * ﵀ لأن الفأرة الميتة إذا يبست وإن قالوا: إنها تطهر حتى لو صلى وفي جيبه فأرة ميتة تجوز صلاته، لكن إذا أصابها بلل حتى ابتلت تعود نجساً في أصح الروايتين عن أبي حنيفة بمنزلة الأرض النجسة إذا يبست وذهب أثرها ثم أصابها الماء. وفي «فتاوى ما وراء النهر» : كوز فيه فأرة ميتة أدخل الكوز في حُبّ الزيت قال: إن اغترف ولم يخرج منه شيء لم يفسد الحب، وإن صُبّ ماء فيه ثم أدخله ثانياً في الحب فسد الحب، لأنه فم الكوز صار ملطخاً بزيتٍ نجس. وإذا وجد في البئر بعرة فقد ذكرنا هذه المسألة في النوع المتقدم على هذا النوع، وذكرنا ثمة أيضاً مسألة بعرة الشاة إذا وقعت في الحليب عند الحلب وإذا فرت الفأرة من الهرة ومرت على قصعة ماء ذكر هذه المسألة في مسائل ندرت لشمس الأئمة الحلواني ﵀ على التفصيل، أن الهرة إن جرحتها تتنجس القصعة وما لا فلا. وقال في «شرح الطحاوي» : إن القصعة تتنجس مطلقاً وأشار إلى المعنى فقال: إنها تبول عن خوف الهرة. حُبّ الماء إذا ترشح منه الماء، أو آنية الماء إذا ترشح منها الماء، فجاء كلب ولحسه لا يتنجس الماء الذي في الحب والآنية. سمعت عن الشيخ الإمام ظهير الدين المرغنياني ﵀: إذا كان للرجل ثلاث حباب في أحدها الدهن وفي أحدها الخل وفي أحدها الدبس، فأخذ من كل واحدة من الحباب شيئاً وجعل في طست ثم وجد في الطست فأرة ميتة فإنه يشقُّ بطنها فإن كان في بطنها الدهن فالنجاسة لحب الدهن، وإن كان في بطنها الدبس فالنجاسة لحب الدبس وإن كان في بطنها الخل فالنجاسة لحب الخل، وإن لم يكن في بطنها شيء تلقى بين يدي الهرة فإن أكلتها فالنجاسة لحب الدهن والدبس وإن لم تأكلها فالنجاسة لحب الخل لأن الهرة تأكل الدهن (١٥أ١) والدبس ولا تأكل الخل والله أعلم. قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : عقرب أو نحوه مما لا دم له يموت في بئر الماء أو ضفدع أو سمكة أو سرطان أو نحوه مما يعيش في الماء يموت في الحب لم يفسد الماء عندنا خلافاً للشافعي.

стр. 86

يجب أن يعلم أن ما ليس له دم سائل إذا مات في الماء أو مائع آخر سوى الماء لا يوجب تنجس ما مات فيه برياً كان أو مائياً عندنا. والأصل: ما روى سليمان الفارسي ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمسئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دم سائل فقال: «هو الحلال أكله أو شربه أو الوضوء به» وهذا نص في الباب. وروى أبو سعيد الخدري ﵁ وأبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقال: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فامقلوه ثم امقلوه ثم امقلوه فإن في أحد جناحيه داء والأخرى دواء وإنه ليقدم الداء على الدواء» . ومعلوم أن مقل الذباب في الطعام الحار مرتين توجب موته لو كان ذلك ينجس الماء لما أُمر به، ولأن في الأشياء التي ليس لها دم سائل هنا لا يمكن صون الأواني عنها نحو: البق والذباب والزنابير، فالقول بالنجاسة بموت هذه الأشياء يؤدي إلى أن (لا) يوجد عصير أو خل يوصف بالحل وهذا أمر قبيح، ولأن الحيوان إنما يتنجس بالموت، فيسبب اختلاط الدم المسفوح بسائر الأجزاء ألا ترى أن العظم والشعر وما أشبههما لا يتنجس بالموت لانعدام الدم فكذا لا تتنجس هذه الحيوانات. وإذا لم تتنجس هذه الحيوانات بالموت لا يتنجس ما ماتت فيه. وأما ما له دم سائل إن كان برّيّاً بحيث لا يعيش في الماء فموته يوجب نجاسة ما مات فيه، الماء وغيره من المائعات في ذلك على السواء؛ لأن بالموت يختلط الدم المسفوح بسائر أجزاء هذه الأشياء فتنجس هذه الأشياء بالموت فيتنجس ما مات فيه. وإن كان مائياً بأن كان لا يعيش إلا في الماء، إن مات في الماء لا يتنجس الماء في ظاهر رواية أصحابنا ﵏، وإن مات في غير الماء أجمعوا على أن في السمكة لا تتنجس. وفي غير السمكة نحو الضفدع المائي والكلب المائي والسرطان اختلف المشايخ فيه. حكي عن نصر بن يحيى ومحمد بن سلمة وأبي معاذ البلخي وأبي مطيع ﵏: أنه يتنجس. وحكي عن أبي عبد الله ومحمد بن مقاتل أنه لا يتنجس. وعن أبي يوسف ﵀ في «النوادر» في الكلب المائي إذا مات في الماء أنه يفسد الماء. وهذه المسائل تنشأ عن أصل أن الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء ليس لها دم سائل على الحقيقة، وللناس فيه كلام، بعضهم قالوا: لها دم على الحقيقة؛ لأن اللون لون الدم والرائحة رائحة الدم، وبعضهم قالوا: ليس لها دم على الحقيقة، وما يرى من لون الدم فهو ماء ملون بلون الدم، ألا ترى أن الدم إذا شُمس يَسْوَدّ وهذا إذا شمس تبيض.

стр. 87

إذا ثبت هذا فنقول: إذا ماتت هذه الحيوانات في الماء إنما لا ينجس الماء. أما على قياس من يقول لا دم لهذه الحيوانات دم سائل، ولأن الماء معدن هذه الحيوانات، ومصابها والشيء في معدنه ومصابه لا يعطى حكم النجاسة، ألا ترى أن الرجل إذا صلى وفي كمه بيضة حال محُّها دماً فصلاته جائزة. ولو صلى وفي كمه قارورة بول لا تجوز صلاته، إلا رواية عن محمد ﵀ فإنه قال: إذا كان رأس القارورة أقل من الدرهم جازت صلاته وما أقرها إلا باعتبار أن النجاسة في فصل البيضة في معدنها. وفي فصل القارورة: النجاسة في غير معدنها فاعتبرت. ومعنى آخر يخص السمكة على قول هؤلاء أن الشرع أسقط اعتبار دمها حتى أباحها بغير ذكاة فالتحق دمها بالعدم، والتحقت السمكة بما ليس له دم سائل. وأما إذا ماتت هذه الحيوانات في غير الماء من المائعات أجمعوا على أن في السمكة لا تتنجس، أما على قول الفريق الأول فظاهر، وأما على القول الفريق الثاني؛ فلأن الشرع أسقط اعتبار دمها فالتحق بما ليس له دم سائل. وفي غير السمكة اختلاف المشايخ على ما مرّ. وجه قول من قال بأنه ينجس، أن لهذه الأشياء دم سائل، والشرع ما أسقط اعتبار دمها، فإنه لا يباح تناول هذه الأشياء. وجه قول من قال بأنه لا ينجس: أنه ليس لهذه الأشياء دم سائل على الحقيقة على ما مرّ، وأما الحيوان الذي يعيش في البر والماء جميعاً وله دم سائل كالطير المائي إن مات في غير الماء نجسه لأن له دماً سائلاً ولم يسقط اعتبار دمه شرعاً، فإنه لا يحل بدون الذكاة. وإن مات في الماء؛ فقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ أنه ينجس الماء؛ لأنا إن نظرنا إلى عيشه في الماء لا نحكم بنجاسة الماء، وإن نظرنا إلى عيشه في البر نحكم بنجاسة الماء، فحكمنا بنجاسة الماء ورجحنا عيشه في البر احتياطاً. والضفدع البري إذا مات في الماء إن كان كبيراً له دم سائل نّجس الماء، وإن كان صغيراً ليس له دم سائل لا ينجس كالذباب والزنبور وما أشبههما. والعقرب ليس له دم سائل فموته في الماء لا ينجس الماء. في «القدوري» : إذا ماتت فأرة في مائع كالسمن ونحوه، فإن كان ذائباً تنجس وجاز الانتفاع به في غير الأبدان وجاز بيعه، على البائع أن يبين ذلك للمشتري. وإن كان جامداً تلقى ويُقوّر ما حولها ويلقى وينتفع بالباقي أكلاً وغير ذلك، والأصل فيه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمسئل عن سمن وقعت فيه فأرة وماتت قال: «إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوا الباقي وإن كان ذائباً فانتفعوا به ولا تأكلوه» ؛ ولأن في الجامد النجاسة جاورت موضعاً واحداً، فإذا قوِّر ذلك فالباقي طاهر، وفي الذائب النجاسة جاورت الكل فصار الكل نجساً.

стр. 88

وحد الجمود والذوبان: أنه إذا كان بحال لو قوِّر ذلك الموضع لا يستوي من ساعته فهو جامد، وإن كان يستوي من ساعته فهو ذائب. ثم في الذائب لا بأس بالانتفاع به سوى الأكل من حيث الاستصناع به، دبغ الجلد للحديث، ولأن النجس أجزاء الفأرة وإنها مجاورة للدهن مجاورة لازمة فحرم الأكل لأنه لا ينفك عن حلول جزء من النجاسة. فأما الانتفاع في غير الأكل يقع بالدهن لا بأجزاء الفأرة، فصار الاستعمال في حق الحرمة النجس استهلاكاً لا انتفاعاً، والبيع يرد على المذكور، والمذكور الدهن لأجزاء الفأرة بخلاف الأكل. وفي «القدوري» أيضاً: إذا وقعت النجاسة في الماء، فإن تغير وصف الماء لم يجز الانتفاع به بحال، فإن لم يتغير جاز الانتفاع به مثل بل الطين وسقي الدواب، لأن في الوجه الأول النجاسة قد غلبت عليه حتى غيرته فصار كعين النجاسة، ولا كذلك الوجه الثاني. وفي «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀: إذا وجب نزح الماء كله من البئر فعجن من ذلك لا يطعم ذلك بني آدم. ولا بأس بإطعامه وإلقائه للكلاب والسنانير، ولا بأس برش تلك المياه في الطريق. وروي عنه في غير هذه الصورة: يطعم ذلك العجين البهائم ولا يسقي ذلك الماء البهائم وأشار إلى العلة فقال: لأن ما يدخل عليه من إلقاء الطعام أشد من إطعام البهائم والماء لا بأس بصبه، وفي هذا التعليل أشار إلى أن هذا العجين لا يلقى في الطريق، والمفسدة في إلقائه في الطريق أعظم من المفسدة في إطعام الكلاب والسنانير، والماء يصب في الطريق المفسدة في الصب في الطريق دون المفسدة في سقي البهائم. (نوع آخر) في الحمَّام روى المعلّى عن أبي يوسف رحمهما الله أنه قال: الحمام بمنزلة الماء الجاري إذا أدخل يده فيه وفيه قذر لم يتنجس، واختلف المتأخرون في بيان هذا القول فمنهم من قال: مراد أبي يوسف حالة مخصوصة: وهي ما إذا كان الماء يجري إلى حوض الحمام والاغتراف منه متدارك، فهذا الماء في هذه الحالة في حكم الماء الجاري. ومنهم من قال: ماء الحمام عنده بمنزلة الماء الجاري على كل حال لأجل الضرورة، ألا ترى أن الماء الراكد وهو الحوض العظيم ألحق بالماء الجاري (١٥ب١) لأجل الضرورة، فكذا ماء الحمام. ويجوز التوضؤ بماء الحمام، وإن كان الماء في الحوض ساكناً لا يدخل من أنبوبه شيء ما لم يعلم بوقوع النجاسة فيه، فإن أدخل رجل يده فيه في هذه الحالة وفي يده قذر؛ فعلى قول أبي يوسف ﵀ على ما ذهب إليه بعض المشايخ لا ينجس الحوض، وعامة المشايخ على أنه ينجس، وكذلك إذا كان الناس يغرفون بقصاعهم إلا أن الماء لا يدخل من الأنبوب، فأدخل رجل يده وفي يده قذر ينجس الحوض عند عامة المشايخ، وإن كان يدخل الماء في الحوض من الأنبوب والاغتراف منه...... عامة

стр. 89

المشايخ على أنه ينجس وعليه الفتوى. وإذا فسد ماء الحوض فأخذ رجل من ذلك الماء بالقصعة، وأمسك القصعة تحت الأنبوب فدخل الماء في القصعة من الأنبوب و ... ماء القصعة فتوضأ منه لا يجوز، وإذا أفاض الرجل في الماء المصبوب على وجه الحمام بعدما غسل قدميه وخرج فإن لم يعلم أن في الحمام جنب أجزأه أن لا يغسل قدميه. وإن علم أن في الحمام جنب قد اغتسل يلزمه أن يغسل قدميه إذا خرج، هكذا ذكر في «العيون» . وقال الصدر الشهيد في «واقعاته» وعلى ما أحبرنا في الماء المستعمل أنه طاهر على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، ينبغي أن يلزمه غسيل القدمين، ولكن اشتثنى الجنب في «العيون» فإنه موضوع الاستثناء وبه أخذ الفقيه أبو الليث. ومن المشايخ من قال: إنما استثنى الجنب لأن الجنب يكون على يديه قذر غالباً حتى لو لم يكن كان مستعمل الجنب والمحدث سواء؛ ويكون طاهراً على رواية محمد ﵀، ولا يلزمه غسل الرجلين وهو الظاهر. وذكر في «المنتقى» رواية أخرى: أنه يلزمه غسل الرجلين على كل حال سواء، علم أن في الحمام جنباً أو لم يعلم. حوض الحمام إذا تنجس ودخل فيه الماء لا يطهر ما لم يخرج منه ما كان فيه ثلاث مرات. وقال بعضهم: إذا خرج منه مثل ما كان فيه مرة واحدة وفي «المنتقى» ما يدل على هذا القول. والمذكور في «المنتقى» الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إذا كان في حوض الحمام قذر لم يغتسلوا منه حتى ذهب قدر ما كان في الحوض ثم دخل ماء آخر في الحوض ثم اغتسلوا والله أعلم. (نوع آخر) في بيان المياه التي لا يجوز التوضؤ بها على الوفاق وعلى الخلاف وإنها أنواع منها ماء الفواكه وتفسيره: أنه يدق التفاح والسفرجل دقاً ناعماً ثم يعصر فستخرج منه الماء أو يكون تفسيره: أن يدق التفاح أو السفرجل ويطبخ بالماء ويعصر ويستخرج منه الماء. وفي الوجهين جميعاً لا يجوز التوضؤ به. وكذا لا يجوز التوضؤ بماء البطيخ والقثاء والعنب ولا بالماء الذي يسيل من الكرم في الربيع. كذا ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀، ولا بماء الورد وفي «جوامع أبي يوسف» عنه: أنه يجوز التوضؤ بماء الكرم. ومنها الماء ... وذكر في «نوادر بن رشيد» عن محمد ﵀ من الماء يطرح فيه الريحان والأشنان فإن تغير لونه بأن سوده الريحان، أو حمره الأشنان، أو كان

стр. 90

الغالب عليه أثر الأشنان أو أثر الريحان لا يتوضأ به، وإن كان الغالب عليه أثر الماء، فلا بأس بالتوضؤ به، وكذلك البابونج، فأما الزعفران إذا كان قليلاً والغالب الماء فلا بأس به، فمحمد ﵀ اعتبر الغلبة في هذه المسائل، إلا أن في بعضها أشار إلى الغلبة من حيث اللون، وفي بعضها أشار إلى الغلبة من حيث الأجزاء. وفي «الأمالي» برواية بشر عن أبي يوسف ﵀ لو توضأ بماء غلي بأشنان أو آسٍ أو لشيء يتعالج به الناس ويغتسلون به، فإن الوضوء بذلك الماء يجزىء ما لم يغلب عليه. ولو توضأ بماء به ردح العصفر أجزأه إذا كان رقيقاً يستبين الماء منه، وإن غليت المجمرة وصارت ... لا يجوز التوضؤ به، وكذلك ماء الصابون إذا كان ثخيناً قد غلب على الصابون لا يجوز التوضؤ به، وإن كان رقيقاً، لكن علاه بياض الصابون جاز التوضؤ به. قال الحاكم الشهيد ﵀ ورأيت عن ابن سماعة عن أبي يوسف مثله، قال: وكذلك ماء الزعفران، ورأيت عنه أيضاً: لا يجوز التوضؤ بماء الحمص والباقلاء، يريد الماء الذي طبخ فيه الحمص أو الباقلاء، وكذلك ما طبخ به ليؤكل أو ليشرب أو ليتداوى به، وإذا طبخ الآس في الماء والبابونج فإن غلب على الماء حتى يقال: ماء البابونج، أو ماء الآس لا يجوز التوضؤ به، وإن طبخ في الماء السِّدْر أو الأشنان وتغيّر لونه إلا أنه لم يذهب برقته جاز التوضؤ به. والحاصل من مذهب أبي يوسف ﵀: أن كل ما خلط به شيء يناسب الماء فيما يقصد من استعمال الماء وهو التطهير، فالتوضؤ به جائز بشرط أن لا يغلب ذلك المخلوط على الماء، يعني من الأجزاء حتى لا يزول به الصفة الأصلية وهو الرقة، وذلك مثل الأشنان والصابون، وهذا لأن الخلط الذي يناسب الماء يتعالج به الناس ويغتسلون به مبالغة في التطهير، فجعل الحكم فيه كالحكم في الماء، لكن بشرط أن لا يغلب ذلك المخلوط على الماء، وكل ما خلط به شيء لا يناسب الماء فيما قصد من استعمال الماء وهو التطهير، ففي بعض الروايات شرط عليه ذلك الشيء الماء من حيث الأجزاء لمنع جواز التوضؤ به، وفي بعض الروايات لم يشترط الغلبة من حيث الأجزاء. ويجوز التوضؤ بالماء الذي ألقي فيه الحمص والباقلاء وتغير لونه، إلا أنه لم يُذهِب رقته، هكذا ذكر في بعض الكتب، وكذا إذا ألقي فيه الزاج حتى اسود ولكن لم تذهب رقته جاز التوضؤ به، وهذا لا يستقيم على قول محمد ﵀ على القول الذي اعتبر الغلبة من حيث اللون. ولو بلَّ الخبز بالماء وبقيت رقته جاز الوضوء به، وإن صار ثخيناً لا يجوز، وهذا لا يستقيم على قول أبي يوسف ﵀ على الرواية لا يشترط الغلبة في خلط ما لا يناسب الماء في التطهير، ولو وقع في الماء وصار ثخيناً لا يجوز التوضؤ به، لأنه بمنزلة الخمر، هكذا ذكر في بعض الكتب. وفي «الفتاوى» : ذكر مسألة التوضؤ بالثلج وذكر فيها تفصيلاً، فقال: إن كان الثلج يذوب ويسيل إلى أعلى أعضائه ويتقاطر يجوز، وما لا فلا، يجب أن يكون الجواب في

стр. 91

المسألة المتقدمة على هذا التفصيل أيضاً. وفي «أجناس الناطفي» ، وفي «صلاة الأثر» : لا بأس بالتوضؤ بماء السبيل إذا كانت رقة الماء غلبة غالبة، وإن لم تكن غالبة لا يجوز التوضؤ به؛ لأنه طين مسح على وجهه. وفي «القدوري» : إذا اختلط الطاهر بالماء ولم يزل اسم الماء، ولا رقته فهو طاهر طهور تغير لونه أو لا، ولم يذكر فيه خلافاً، وهذا لا يستقيم على قول محمد على القول الذي يعتبر الغلبة من حيث اللون. قال: وكل ما طبخ فيه شيء حتى تغير مثل الباقلاء وغيره لم يجز التوضؤ به لزوال اسم الماء عنه، ولم يذكر فيه خلافاً أيضاً، فإن أراد بهذا التغير التغير من حيث اللون فهو قول محمد ﵀ على الفصل الذي اعتبر الغلبة من حيث اللون، وإن أراد بهذا التغير التغير من حيث الأجزاء فهو قول محمد ﵀ أيضاً على أحد قوليه، وقول أبي يوسف ﵀ أيضاً على أحد قوليه على ما تقدم. وفي «شرح الطحاوي» : كل ما خالط ما سواه من المائعات وغلب ذلك الشيء على الماء فحكمه حكم ذلك الشيء لا حكم الماء، حتى لا يجوز التوضؤ به، فإن كانت الغلبة للماء فحكمه حكم الماء المطلق يجوز التوضؤ به. بيانه في اللبن أو الخل أو العصير إذا اختلط بالماء، فإن كانت الغلبة للماء جاز التوضؤ، وإن كانت الغلبة للبن أو الخل أو العصير لا يجوز التوضؤ به. وسئل الفقيه أحمد بن إبراهيم عن الماء الذي تغير لكثرة الأوراق الواقعة فيه حتى يظهر لون الأوراق في الكف إذا رفع الماء منه، هل يجوز التوضؤ به؟ قال: لا، لكن يجوز شربه وغسل الأشياء به، أما جواز الشرب وغسل الأشياء به فلأنه طاهر، وأما عدم جواز التوضؤ به، لأنه لما غلب لون الأوراق عليه صار ماء مقيداً كماء الباقلاء وغيره. ومنها الماء الذي غلب على ظننا وقوع النجاسة فيه. قال القدوري في «كتابه» : كل ماء تيقنا بوقوع النجاسة فيه أو غلب على ظننا لم يجز التوضؤ به، وبعض مشايخنا قالوا: يعتبر التغير، ولا تعتبر غلبة الظن، لأن الماء طاهر بيقين، فلا ترفع عنه صفة الطهارة بمجرد الظن، والأصح ما ذكره القدوري، ألا ترى أن الواحد إذا أخبر بنجاسة الماء لا يجوز الوضوء به، وخبره يوجب (١٦أ١) غلبة الظن لما لا يوجب اليقين، لأن غلبة الظن تلحق باليقين خصوصاً في باب العبادات والله أعلم. ومنها الماء المستعمل في البدن: الكلام في الماء المستعمل في مواضع: أحدها: في نجاسته وطهارته، فنقول: اتفق أصحابنا أن الماء المستعمل ليس بطهور حتى لا يجوز التوضؤ به، ولا يجوز غسل شيء من النجاسات به. واختلفوا في طهارته، قال محمد ﵀: هو طاهر، وهو رواية أبي حنيفة ﵀ وعليه الفتوى. وقال أبو يوسف ﵀: هو نجس نجاسة خفيفة، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقال الحسن بن زياد: نجس نجاسة غليظة، كالبول والدم، وهو رواية عن

стр. 92

أبي حنيفة وعند زفر: هو طاهر طهور. وقال الشافعي: إن كان المستعمِل محدثاً فهو كما قال محمد طاهر غير طهور، وإن كان المستعمِل طاهراً فهو كما قال زفر طاهر وطهور. أما ما ذهب إليه زفر أنه طاهر طهور لأنه غسل به عين طاهر، فلا تتغير صفته كما لو غسل به الثياب والقصاع الطاهرة. وإنما قلنا: إنه غُسل به عين طاهر؛ لأن أعضاء المحدث والجنب والحائض طاهرة، بدليل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمكان يمر في بعض سكك المدينة فاستقبله حذيفة بن اليمان، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلّمأن يصافحه، فامتنع حذيفة ﵁، فسأله رسول الله ﵇ عن ذلك، فقال: إني جنب، فقال ﵇: «المؤمن لا ينجس» وقال لعائشة ﵂: «ليست حيضتك في يدك» . وجه قول من قال: بأنه نجس قول ﵇: «من توضأ وغسل وجهه تناثر عنه خطايا وجهه مع آخر قطرة من الماء، ولو غسل يديه تناثر عنه خطايا يديه مع آخر قطرة من الماء ... » الحديث إلى آخره، فجعل الماء مطهراً من الذنوب، والذنب نجس حكماً، والنجس حكماً لا يختلف عن النجس حقيقة، ثم الماء الذي يرفع فيه النجاسة يتنجس، فكذا الذي يرفع النجاسة الحكمية. ثم على رواية الحسن: نجاسته غليظة اعتباراً بالنجاسة الحقيقية، وعلى رواية أبي يوسف خفيفة لمكان البلوى ولاختلاف الآثار فيه. وجه قول محمد: إنه طاهر طهور ما ذكر بالرقة في إثبات الطهورية، فإن ما يدل على الطهورية يدل على الطهارة من طريق الأولى، ويدل عليه ما روي أن أصحاب رسول الله ﵇ ورضي عنهم، كانوا يتبركون بوضوء رسول الله ﵇، وكانوا يغسلون به وجوههم وأبدانهم ولو كان نجساً لما فعلوا ذلك، ولأن الماء إذا استعمل في محل فانقص أحواله أن يصير في مثل حال المحل، وأعضاء المحدث والجنب طاهر حتى لو صلى وهو حامل لجنب أو محدث تجوز صلاته، ولو عرق الجنب والمحدث في ثيابهم لم تتنجس ثيابهم، ولكن لا يحل أداء الصلاة ببدن محدث، فالماء المستعمل في هذا المحل تصير بهذه الصفة، فإذا أصاب الثوب يجوز الصلاة فيه، ولو توضأ به لا تجوز الصلاة. قال مشايخنا: ولنا مسائل تدل على نجاسة الماء المستعمل، منها: أجمعنا على أن المسافر إذا كان له ما يحتاج إليه لعطشه أنه يمسك الماء ويتيم، ولو كان الماء المستعمل طاهراً لتوضأ به ثم شرب. ومنها: أن الجنب إذا أراد أن يغتسل فتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجله، وإنما أمر

стр. 93

بغسل رجليه كيلا تتنجس رجله ثانياً. ولو كان الماء المستعمل طاهراً لكان لا يتأخر غسل رجليه إلى ما بعد الاغتسال. ومنها: أجمعنا على أنه يباح إراقة الماء المستعمل، ولو كان طاهراً لا يباح إراقته. الموضع الثاني: أن الماء متى يأخذ حكم الاستعمال، فنقول: إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن، والاجتماع في المكان ليس بشرط، هذا هو مذهب أصحابنا، وما ذكر في «شرح الطحاوي» أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن واستقر في مكان، فذاك قول سفيان الثوري وإبراهيم النخعي رحمهما الله وبعض مشايخ بلخ، وهو اختيار الطحاوي ﵀، وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني ﵀، أما مذهب أصحابنا ما ذكرنا، وعن هذا قلنا: إن من نسي مسح رأسه فأخذ ماءً من لحيته ومسح به رأسه لا يجوز، لأنه كما أخذه من لحيته فقد أخذ حكم الاستعمال؛ لأنه زايل العضو فحصل المسح بماء مستعمل. وفي نظم «الزَّنْدويستي» : إن عند مشايخ بخارى يصير الماء مستعملاً وإن كان في الهواء، حتى قالوا: إن أصاب ثوبه يتنجس بأن كان متقاطراً، وكذا الخرقة التي يمسح بها أعضاء الوضوء، فإن كان متقاطراً يتنجس، يعني على قول من يقول بنجاسة الماء المستعمل. وفي «شرح الطحاوي» : لو بقي على العضو لمعة لم يصبها الماء فصرف البلل الذي على ذلك العضو إلى تلك اللمعة جاز، ولو صرف البلل الذي في اليمنى إلى اللمعة التي في اليسرى، أو من اليسرى إل اليمنى لا يجوز. ولو كان هذا في الجنابة جاز؛ لأن الأعضاء في الجنابة كعضو واحد والله أعلم. معرفة سبب استعمال الماء فنقول: اختلف المشايخ المتأخرون، قال الشيخ أبو بكر الرازي وجماعة من مشايخ العراق: الماء على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إنما يصير مستعملاً بأحد أمرين: إما برفع الحدث بأن يتوضأ تبرداً وهو محدث، أو باستعماله على قصد إقامة القربة بأن يتوضأ وهو متوضىء ناوياً الوضوء. وعلى أصل محمد ﵀: الماء إنما يصير مستعملاً بشيء واحد وهو الاستعمال على قصد إقامة القربة، واستدلوا بمسألة الجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو، فعلى قول أبي يوسف ﵀: الماء بحاله طاهر، والرجل بحاله جنب لأنه لو حكم بطهارة الرجل صار الماء مستعملاً أول الملاقاة، والماء المستعمل عنده نجس فلا يطهر به الشخص، وإذا لم تجر الطهارة ينتقض الحكم بالاستعمال فيقع الدور، فقال من الابتداء: الماء بحاله والرجل بحاله احترازاً عن الدور. قال محمد ﵀: الماء طاهر والرجل طاهر، أما الرجل طاهر؛ لأنه وصل إلى الماء والماء مطهر بداية من غير نية، كما وقع في الماء الجاري، وأصابه المطر، والماء

стр. 94

طاهر بحاله؛ لأنه لا نجاسة عليه حقيقة وإنما يتغير بقصد القربة لما فيه من تطهير عن الآثام ولم يوجد، فلا يصير مستعملاً. قال القدوري: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا أن إزالة الحدث توجب استعمال الماء؛ لأن المقصود قد حصل بها كما لو قصد القربة ولا معنى لهذا الخلاف إذ لا نص عنهما على هذا الوجه، ولا يجوز أن يؤخذ هذا من مسألة البئر؛ لأنه أمكن تخريجها على المقولتين من غير إثبات الخلاف، محمد ﵀ يقول في دخول الجنب في البئر ضرورة، وفي تكليف الغواص بالغسل حرج، فيحمل ذلك لضرورة، وهذا كما قلنا في المحدث أو الجنب إذا أدخل يده في الأناء، أو الحبِّ لأجل الاغتراف لا يصير الماء مستعملاً بلا خلاف، إلا إذا نوى بإدخال اليد الاغتسال، وإنما لا يصير مستعملاً لأجل الضرورة؛ لأن الإنسان عسى لا يجد إناء صغيراً ولا يمكنه صب الماء على يده من الإناء الكبير، فيضطر إلى الإدخال فيسقط اعتبار القياس، وأقام اليد مقام الإناء الصغير. وإذا نوى الاغتسال ولم يستعمل اليد استعمال الإناء، فبقي على أصل القياس. ولو أدخل رجله في البئر ولم ينو به الاستعمال، ذكر شيخ الإسلام: أنه يصير مستعملاً عند أبي يوسف، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: أنه لا يصير مستعملاً وعلل: لأن الرجل تجري مجرى اليد في الإناء، فعلى قول هذا التعليل لو أدخل الرجل في الإناء يصير مستعملاً لعدم الضرورة، وكذلك لو أدخل رأسه أو عضواً آخر في البئر أو في الإناء يصير مستعملاً لعدم الضرورة، وعلى هذا إذا وقع الكوز في الحب، فأدخل يده في الحب لإخراج الكوز لا يصير الماء مستعملاً لمكان الضرورة، ويشترط إدخال عضو تام لصيرورة الماء مستعملاً في الرواية المعروفة عن أبي يوسف. وفي «الفتاوى» : لو أدخل في الإناء أصبعاً أو أكثر منه دون الكف يريد غسله لم ينجس الماء، وإن أدخل الكف يريد غسله يتنجس؛ لأن في الأول ضرورة، ولا ضرورة في الثاني. قال الصدر الشهيد ﵀: هذا إنما يتأتى على قول من يجعل الماء المستعمل نجساً لا على من لا يجعله نجساً. وفي «العيون» عن محمد ﵀: جنب أصاب يده أو ثوبه قذر أخذ الماء بفيه (١٦ب١) ولم يرد به المضمضة وغسل اليد أو الثوب يجوز، وكذلك لو توضأ به يجوز، ولو أراد به المضمضة لم يجز الغسل ولا الوضوء؛ لأن في الوجه الأول لم يقصد القربة، فلم يصر الماء مستعملاً، وفي الوجه الثاني قصد القربة فصار الماء مستعملاً. وروى المعلى عن أبي يوسف ﵀: أنه لا يجوز الوضوء ولا الغسل؛ لأنه قد ارتفع به الحدث، وإنه كافٍ لصيرورة الماء مستعملاً عنده، وعلى هذا إذا أخذ الماء بفيه وملأ به الآنية. قال الحاكم الشهيد ﵀ في «المختصر» : ولا يجوز التوضؤ بالماء المستعمل في وضوء أو غسل شيء من البدن، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قوله: أو غسْل شيء من البدن أورده الحاكم في «المختصر» ، ولم يذكره محمد ﵀ في

стр. 95

«المبسوط» وتفسير هذا الكلام: إذا غسل جنبه أو فخذه، لا لنجاسة هل يأخذ حكم الاستعمال؟ وهذا شيء تكلم فيه المشايخ، ولا نص فيه عن أصحابنا الثلاثة ﵏، وإنما المنصوص عنهم أنه إذا غسل أعضاء الوضوء وهو محدث متبرداً أو غسل به أعضاء الوضوء وهو طاهر.... الوضوء. فأما الذي غسل عضو الفرض من الحدث، وهو طاهر تكلم المشايخ فيه، منهم من قال: هو مستعمل، وكثير من مشايخنا قالوا: لا يأخذ من هذا حكم الاستعمال، وذكر الطحاوي: أن من تبرّد بالماء صار مستعملاً. قال القدوري ﵀: وهو محمول على ما إذا كان محدثاً، وهذا لأن الماء إنما يصير مستعملاً عند أبي يوسف ﵀ برفع الحدث أو بقصد القربة عند محمد ﵀ وبقصد القربة على ما عليه عامة المشايخ ولم يوجد ههنا قصد القربة ولا رفع الحدث أو لم يحمله على المحدث فلا معنى للاستعمال فيحمل على المحدث ليصير مستعملاً برفع الحدث. وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «العيون» وغيره أنه لو أدخل المحدث رأسه في الإناء أو خفه يريد به المسح يجزئه المسح ولا يفسد الماء في رواية المعلى عن أبي يوسف ﵀؛ لأن المسح يتأدى بماء اتصل به من الماء لا بأكمله، وروى ابن سماعة عن محمد ﵀: أنه يصير مستعملاً فلا يجزئه من المسح لإقامة القربة بهذا الماء، وكذلك لو كانت على يده جبائر فغمسها في الإناء يريد المسح، فهو على هذا الاختلاف، ولو لم يقصد المسح أجزأه المسح ولا يعد الماء مستعملاً على اختلاف المذهبين عند محمد ﵀ لعدم قصد لقربة، وعند أبي يوسف ﵀ لأن الفرض لا يتأدى بما بقي بل بما اتصل من الماء بقول الفرض يسقط بالإصابة لا الإسالة والاستعمال شرط بالإسالة. لرجل إذا غسل يده للطعام قبل الأكل أو بعده صار الماء مستعملاً؛ لأنه قصد إقامة السنة، فإن من سنة الطعام غسل اليدين قبله وبعده كما جاء به الحديث، بخلاف ما لو غسل يده من الوسخ أو العجين لا يعد مستعملاً به لا قربة ثمة ولا إزالة الحدث. وإذا أدخل يده الصبي في إناء على قصد إقامة (القربة) ؛ ذكر في هذه المسألة في شيء من الكتب، وقد وصل إلينا أن هذه المسألة صارت واقعة، فاختلف فيها فتوى الصدر الشهيد حسام الدين عمر، وفتوى القاضي الإمام جمال الدين ... فتوى، قال رحمهما الله: والأشبه أن يصير مستعملاً إذا كان الصبي عاقلاً؛ لأنه من أهل القربة، ولهذا صح إسلامه وصحت عباداته حتى أمر بالصلاة إذا بلغ سبعاً ويضرب عليها إذا بلغ عشراً، والله أعلم. ومما يتصل بهذا الفصل بيان حكم الأسآر يجب أن تعلم بأن الأسآر أربعة: طاهرة كراهة فيه، وطاهر مكروه، ونجس، ومشكوك.

стр. 96

أما الطاهر الذي لا كراهة فيه سؤر الآدمي وسؤر ما يؤكل لحمه سوى الدجاجة المخلاة، أما سؤر الآدمي فلما روي أن رسول الله ﵇ «أُتي بعسلٍ من لبن فشرب بعض وناول الباقي أعرابياً كان على يمينه فشربه ثم ناول أبا بكر فشربه» ، ولأن عين الآدمي طاهرة لا كراهة فيه إلا أنه لا يؤكل لكرامته ولعابه متولد من عينه، فإذا كان عينه طاهر من غير كراهة كان سؤره طاهراً من غير كراهة أيضاً، ويستوي فيه المسلم والكافر عندنا. وقال الشافعي: سؤر الكافر نجس؛ لأن عين الكافر نجس، قال الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ (التوبة: ٢٨) فإذا كان عينه نجساً كان لعابه نجساً فيكون سؤره نجساً. وإنا نقول: عين الكافر ليس بنجس، ألا ترى أن وفد بني ثقيف أنزلوا في مسجد رسول الله ﵇ وكانوا مشركين، ولو كان عين الكافر نجساً لما أنزلوا في المسجد. والآية محمولة على نجاسة اعتقادهم، لا على نجاسة أعضائهم، ونجاسة الاعتقاد لا تؤثر في نجاسة الأعضاء وكذا يستوي فيه الطاهر والمحدث والجنب والحائض لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إن رسول الله ﵇ كان يشرب من الإناء الذي شربت فيه وأنا حائض، فربما كان يضع فمه على موضع فمي» ، وعن رسول الله ﵇ أنه قال: «من شرب سؤر أخيه كتب له عشر حسنات» وفي رواية «سبعون حسنة» ، ولأنه لم يتحول إلى الماء نجاسة حقيقية لا حكمية ولا أقيم به قربة، أما لم يتحول نجاسة حقيقية لأنه لا نجاسة لشفتيَ الجنب والحائض من حيث الحقيقة، وأما لم يتحول إليه نجاسة حكمية: أما على قول محمد ﵀ فلأن الماء عنده على ما عليه اختيار بعض المشايخ لا يتغير بسبب الاستعمال من حيث أنه يتحول إليه شيء بسبب الاستعمال، وإنما يتغير من حيث أنه يقصد به إقامة القربة على ما مرّ، ولم يوجد ههنا قصد إقامة القربة حتى لو قصد إقامة القربة يفسد الماء عنده. وأما على قول أبي يوسف ﵀ فلأن على أصله الماء إنما يتغير بالاستعمال بقصد إقامة القربة أو برفع الحدث وهو اختيار بعض المشايخ على قول محمد على ما مر، ولم يوجد ههنا واحد منهما. أما قصد إقامة القربة فظاهر، وأما رفع الحدث فلأن الحدث عنده لا يرتفع ههنا على إحدى الروايتين لأجل الضرورة، وعلى الرواية الثانية وهو قول أبي حنيفة ﵀، وإن ارتفع الحدث ولكن لا يحكم بتغير الماء دفعاً للحرج، إذ لو حكم بتغير الماء يحتاج كل من أجنب أو حاضت إلى إناء على حدة، وفيه من الحرج ما

стр. 97

لا يخفى، هذا كما يقولان في الجنب والحائض إذا أدخل يده في الحب عند انعدام الآلة الصغيرة، لا يفسد الماء إذا لم يكن على يده قذر، وإنما لا يفسد لمكان الحرج والضرورة على ما بينا. وأما سؤر ما يؤكل لحمه من الطيور سوى الدجاجة المخلاة فلما روى جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أنه قال: «كنا في السفر مع رسول الله ﵇ فلما انتهينا إلى حوض شربت ناقة رسول الله ﵇ من ذلك الحوض فتوضأ النبي ﵇ من ذلك الحوض وتوضأت أنا» ، وروي أن رسول الله ﵇ «توضأ بسؤر بعير أو شاة» ، ولأن نجاسة السؤر لمكان نجاسة اللعاب واللعاب متولد من اللحم، ولحم هذه الحيوانات طاهر من غير كراهة فكذا لعابها. وأما الطاهر الذي هو مكروه فهو: سؤر الدجاجة المخلاة، لأنها تفتش الجيف والأقذار بمنقارها، ومنقارها لا يخلو عن نجاسة، مع هذا إذا توضأ به أجزأه، لأن منقارها في الأصل طاهر؛ لأن الدجاجة طاهرة بجميع أجزائها بدليل ما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه كان يأكل لحم الدجاجة، وكان يقول: «رأيت رسول الله ﵇ يأكل كل لحم الدجاجة» ، فثبت أن الدجاجة طاهرة بجميع أجزائها، وفي نجاسة منقارها شك؛ لأن تفتيشها النجاسة والأقذار ليست بقطعية بل هي محتملة، والمحتمل لا يعارض المتيقن، فلعدم التيقن بنجاسة المنقار لم يحكم بنجاسة السؤر ولإمكان الاحتمال أثبتنا الكراهة. فإن كانت الدجاجة محبوسة فسؤرها طاهر من غير كراهة؛ لأن منقارها في الأصل طاهر وقد وقع الأمن عن أن تفتش النجاسات إذا كانت محبوسة. واختلف المشايخ في صفة المحبوسة، بعضهم قالوا: المحبوسة أن تحبس في بيت وتعلف هناك، وهذا لأنها إذا كانت محبوسة في بيت لا تجد نجاسات غيرها لنفسها، وهي لا تفتش نجاسة نفسها وليس من عادتها ذلك، فوقع الأمر عن النجاسة، ومنقارها طاهر في الأصل فلهذا كان سؤرها طاهراً من غير كراهة. وقال بعضهم: صفة المحبوسة أن يحفر لها حفرة (١٧أ١) فيجعل رجلاها فيها، ورأسها والعلف أمامها أو يجعل لها بيتاً ويكون رأسها وعلفها وماؤها خارج البيت بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها، وهذا القائل يقول بأنها ربما يعتبر ما يكون منها إذا عم نجاسات غيرها، فلا يؤمن أن يصيب منقارها نجاسة، فهي والمخلاة سواء. وكذلك سؤر سباع الطير كالصقر والبازي والشاهين مكروه، وهذا استحسان، والقياس أن يكون نجساً قياساً على سؤر سباع البهائم، نحو الأسد والذئب والنمر وما

стр. 98

أشبه ذلك، وهذا لأن سؤر سباع الوحش لا يخلو عن لعابها، ولعابها متولد من لحمها، ولحمها نجس فيكون لعابها نجساً يوجب تنجس الماء، وهذا المعنى موجود في سباع الطير. وفي الاستحسان: فرق بين سباع البهائم وبين سباع الطيور، والفرق من وجهين: أحدهما: أن سؤر سباع الوحش إنما كان نجساً، لأن سباع الوحش تشرب بلسانها ولسانها مبتل بلعابها، ولعابها متولد من لحمها، ولحمها نجس فيصل شيء من لعابها إلى الماء، وإنه نجس فيوجب تنجس الماء، فأما سباع الطير فإنها تشرب بمنقارها، وكلما رفعت قطرة بمنقارها رفعت رأسها و (ابتلعت) تلك القطرة، فلا يسيل شيء من لعابها إلى الماء، وإنما يصل منقارها إلى الماء (وهو) عظم جاف لا يحتمل النجاسة.h والثاني: علمنا أنه يسيل شيء من لعابها إلى الماء، إلا أن في سباع الطيور ضرورة وبلوى لأنها تنزل من الهواء، فإذا وجدت آنية ماء تشرب منها، فلا يمكن الاحتراز عن سؤرها، وللضرورة أثر في إسقاط حكم النجاسة بخلاف سباع الوحش؛ لأنها تكون في المغاور والصحارى، ولا تنزل من الهواء، فيمكن الاحتراز عن سؤرها، فلم يسقط اعتبار النجاسة عن سؤرها، إلا أنه يكره التوضؤ بسؤر سباع الطير. واختلف المشايخ في معنى الكراهة، بعضهم قالوا: إسقاط النجاسة عن سؤرها إنما يكون للضرورة على ما بينا في الفرق الثاني، إلا أن هذه الضرورة ليست بضرورة ماسَّة فانتفت النجاسة لوجود أصل الضرورة، وبقيت الكراهة؛ لأن الضرورة ليست ثابتة، وبعضهم قالوا: إنها لا تتوخى عن النجاسات، بل يكون عامة مأكولاتها النجاسات، فلا يؤمن أن يكون على منقارها النجاسة، فيصل إلى الماء، غير أن الأصل لما كان طهارة منقارها واتصال النجاسة بمنقارها ليست بيقين حكمنا بالكراهة، ولم نحكم بالنجاسة كما في سؤر الدجاجة المخلاة، فهذا القائل يقول: إذا تيقن أنه لم يكن على منقارها نجاسة، كالبازي المأخوذ وغيره من الصقر والشاهين وأشباهها فإنه لا يكره التوضؤ بسؤرها كما في الدجاجة المحبوسة، وهكذا روي عن أبي يوسف ﵀، فكأن أبا يوسف ﵀ اعتبر الكراهة لتوهم إيصال النجاسة بمنقارها، لا لوصول لعابها إلى الماء. واستحسن المتأخرون من مشايخنا رواية أبي يوسف وأفتوا بها. وكذلك سؤر ما يسكن البيوت من الحشرات كالفأرة والحية والوزغة مكروه، والقياس أن يكون نجساً باعتبار أن عينها نجسة ولعابها يتولد من عينها، إلا أننا أسقطنا اعتبار القياس ضرورة الطواف علينا على ما نبين في سؤر الهرة، وأثبتنا الكراهة لأن الضرورة ليست بماسَّة. وكذلك سؤر الهرة مكروه عند أبي حنيفة ومحمد رحمها الله، وعلى قول أبي يوسف ﵀: لا تكره، ذكر لفظة الكراهة عندهما في «الجامع الصغير» وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» ، وذكر في صلاة «الأصل» : المستحب أن (لا) يتوضأ بسؤر الهرة، وإن توضأ به أجزأه.

стр. 99

وعن أبي يوسف ﵀ قال: سألت أبا حنيفة ﵀ وابن أبي ليلى عن سؤر الهرة فكرهاه، وأما أنا فلا أدري به بأساً، وهو قول الشافعي. حجة أبي يوسف والشافعي عليهما: أن رسول الله ﵇ «كان يصغي الإناء للهرة ويشرب ما بقي ويتوضأ منه» ، وهو قوله ﵇: «الهرة ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات عليكم» صرح أن الهرة عينها ليست بنجسة، وإذا لم تكن عينها نجسة لا يكون سؤرها نجساً. ولهما: قوله ﵇: «الهرة سبع» وقوله ﵇: «يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرة» ، واختلف المشايخ في علة المسألة فالمحكي عن الطحاوي أنه كان يقول: الهرة تشرب بلسانها، ولسانها رطب بلعابها، ولعابها متولد من عينها، وعينها نجس، فكذا لعابها، لقضية هذا (وجب) أن يكون سؤرها نجساً لكن أسقطنا النجاسة ضرورة الطواف، وأثبتنا الكراهة لأن الضرورة ليست ماسَّة لا يمكن الاحتراز عنها. والمحكي عن الكرخي ﵀ أنه كان يقول: عين الهرة ليست بنجسة ولعابها ليس بنجس، وكيف تكون نجسة مع أن الشرع أسقط نجاستها، إلا أن عامة مأكولاتها نجس، فإنها تأكل الفأرة والجيف، وعلى هذا التقدير يصير فمها نجساً، لكن هذا ليس بأمر متيقن حتى يحكم بنجاسة السؤر، ولكنه غالب، فأثبتنا الكراهة كما في يد الصبي، والمستيقظ من المنام. بعض مشايخنا قالوا: على قياس سؤر الهرة يجب أن يكون سؤر سواكن البيوت مكروهاً على الاختلاف، وبعضهم قالوا: سؤر سواكن البيوت مكروه بالاتفاق؛ لأن أبا يوسف ﵀ إنما لم يقل بالكراهة في سؤر الهرة بالنص، ولا نص في سؤر سواكن البيوت، والله تعالى أعلم. ومما يتصل بفصل الهرة إذا أكلت فأرة وشربت من إناء على فورها ذلك يتنجس الماء بلا خلاف، وإن مكثت ساعة أو ساعتين ثم شربت لا يتنجس الماء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد: يتنجس. فأبو حنيفة ﵀ يقول: إذا مكثت ساعة أو ساعتين فقد غسلت فمها بلعابها، ولعابها طاهر، وإزالة النجاسة بما هو سوى الماء من المائعات عندي جائز، فشربت بعد ذلك وفمها طاهر. وأبو يوسف ﵀ يقول: النجاسة وإن كانت لا تزول عندي إلا بصب الماء عليه لكن في مثل هذا الموضع يحكم بالزوال بدون الصب للضرورة.

стр. 100

ومحمد ﵀ يقول: إزالة النجاسة بما سوى الماء من المائعات عندي لا يجوز، فبقي فمها نجساً كما كان. ونظير هذا ما قالوا فيمن شرب الخمر ثم تردد في فمه البزاق ما لو كانت تلك الخمر على ثوب طهرها ذلك البزاق: إنه يطهر فمه عند أبي حنيفة ﵀. وكذلك الرجل إذا أصابته نجاسة في بعض أعضائه أو أصاب بدنه فلحسها بلسانه أو مسحها بريقه حتى ذهب أثره طهر وكذلك الصبي إذا قاء على ثدي أمه ثم مص ذلك مراراً حكم بطهارته عند أبي حنيفة ﵀. وعلى قياس مسألة السؤر قالوا في الهرة: إذا لحست كف رجل يكره له أن يدعها تفعل ذلك، لأن ريقها ليس بطيب ولأجل ذلك كره التوضؤ بسؤرها. وكذلك قالوا: الهرة إذا أكلت بعض الطعام كره للرجل أن يأكل الباقي؛ لأن ما بقي لا يخلو عن ريقها، وريقها ليس بطيب على ما بينا. وأما النجس سؤر سباع البهائم، وقدَّ الكلام فيه ونجاسته غليظة في إحدى الروايتين عن محمد ﵀، وفي رواية أخرى عنه خفيفة وهو قول أبي يوسف ﵀، وعلل أبو يوسف ﵀ فقال: الناس اختلفوا في نجاسة سؤر (سباع) البهائم وطهارته فأوجب اختلافهم تخفيفاً فيه كبول ما يؤكل لحمه. وكذلك سؤر الخنزير وسؤر الكلب نجس، أما سؤر الخنزير: فلأن لعابه يتولد من عينه، وعينه نجس قال الله تعالى: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (الأنعام: ١٤٥) والنجس والرجس واحد. وأما سؤر الكلب فنجاسته مذهبنا، وقال مالك: طاهر، فمن المشايخ من يسلم أن لحمه نجس ولعابه نجس بلا خلاف، إلا أنه يجعل هذه المسألة بناء على مسألة أخرى أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة هل يتنجس؟ عندنا يتنجس، وعنده لا يتنجس إلا إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه، وولوغ الكلب لا يغير لون الماء ولا طعمه ولا ريحه، فلا ينجسه، ومنهم من يقول: بأن لحمه طاهر، ولعابه كذلك عند مالك فيكون سؤره طاهراً. وعندنا لحمه نجس ولعابه كذلك، فيكون سؤره نجساً. حجة مالك: قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ (البقرة: ٢٩) أي خلق لمصالحكم ومنافعكم، والانتفاع يكون بالطاهر (١٧ب١) لا بالنجس، والنص يفيد طهارة لحمه ولعابه، ومن ضرورته طهارة سؤره. وإنا نحتج بقوله ﵇: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً» وهذا أمر بصيغة الجبر، وعن رسول الله ﵇ «أنه أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً» والأمر بغسل الإناء لا يكون تعبداً؛ لأن غسل الظروف لا تعد قربة فيدل ذلك على تنجسه، وإنما تنجس الإناء بولوغه إذا كان لعابه نَجسَاً وإنما يكون لعابه نجساً إذا كان لحمه نجساً.

стр. 101

وكذلك سؤر الفيل نجس كسؤر السباع، هكذا روي عن محمد ﵀ وإنه ظاهر؛ لأن الفيل سبع، لأنه ذوناب. وأما المشكل فهو سؤر الحمار واختلف المشايخ المتأخرون في أن الإشكال في طهارته أو في طهوريته، وعامتهم على أن الإشكال في طهوريته، وإنما وقع الإشكال في طهارته. إما لأن الصحابة اختلفوا في نجاستهِ وطهارته، روي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه نجس، وعن عبد الله بن العباس ﵄ أنه طاهر، وليس أحد القولين بأولى من الآخر فبقي مشكلاً، أو لأن الحمار يربط في الدور والأخبية فيشرب من الأواني كالهرة، إلا أن الضرورة في الحمار ليست نظير الضرورة في الهرة لأن الهرة تدخل مضايق البيوت والحمار لا يدخل مضايق البيوت. ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلاً كما في سؤر الكلب وسؤر سباع البهائم وجب الحكم بنجاسة سؤره بلا إشكال. ولو كانت الضرورة في الحمار نظير الضرورة في الهرة لوجب الحكم بإسقاط نجاسته وبقائه على الطهارة بلا إشكال. فإذا ثبتت الضرورة من وجه دون وجه عملنا بهما، ولوجود أصلها لم يحكم بنجاستهِ، ولانعدام ما يمنعها لم يحكم بالطهارة فبقي مشكوكاً فيه. والأصح ما نقل عن عامة المشايخ أن الإشكال في طهوريته لا في طهارته، فقد روي عن محمد ﵀ نصاً في «النوادر» : أن سؤر الحمار طاهر ولكن الإشكال في طهوريته ما ذكرنا أن الحمار يربط في الأجنبية والدور فيشرب من الأواني كالهرة، إلا أن الضرورة في الحمار ماسَّة من وجه دون وجه، لوجود أصلها لم يحكم بنجاسته لانعدام تمامها. أخرجناه من أن يكون طهوراً فلا يطهر ما كان نجساً، ولا ينجس ما كان طاهراً. والحكم في سؤر البغل مثل الحكم في سؤر الحمار لأن البغل متولد من الحمار ومخلوق من مائه. وبعض مشايخنا قالوا: حكم سؤر الحمار أخف من سؤر البغل لأن البلوى في حق الحمار أكثر من البلوى في البغال لكثرة الحمر وقلة البغال فيما بين الناس. وبعض الناس فرقوا في الحمير بين الفحل والأتان فقالوا: سؤر الفحل يكون نجساً؛ لأنه يشم الأبوال فتتلطخ شفتاه وتتنجس. فإذا دخل في الماء القليل يتنجس الماء ضرورة، ولا كذلك الأتان لأنها لا تشم الأبوال. وعندنا الكل مشكل لأن غمس الشفة في البول موهوم، والأصل هو الطهارة فلا تثبت النجاسة في شفتها بالشك، كما قلنا في الدجاجة المخلاة سؤرها طاهر، فاعتبار الأصل وإن كان الظاهر من حالها الجولان في العذرات. وعن الكرخي عن أبي حنيفة ﵀: أن سؤر الحمار نجس؛ لأن لعابه لا يخلو عن قليل الدم لما يلحقه من التعب بحمل الأثقال، ولكن هذا المعني يشكل بسؤر الدواب التي يؤكل لحمها ويحل عليها نحو البعير والقر. وذكر البلخي في «اختلاف زفر ويعقوب» : أن سؤر الحمار نحسٌ عند زفر والحسن نجاسة حقيقية طاهر عند أبي يوسف. وفي باب السهو من «الأصل» وقال أبو

стр. 102

يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا سقط شيء من لعابها في وضوء رجل قليلاً كان أو كثيراً يفسد الماء ولا يجزىء من توضأ به. وذكر في باب الوضوء من «الأصل» الجواب في لعاب ما لا يؤكل لحمه ولم يضفه إلى أحد. قال بعض مشايخنا في «شرحه» : أراد بفساد الماء ههنا أن لا يعد طهوراً. وروى البغداديون عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن سؤر ما لا يؤكل لحمه بمنزلة بوله إذا كان أكثر من قدر الدرهم الكبير أفسد الصلاة. وأما سؤر الفرس فعن أبي حنيفة ﵀ فيه أربع روايات. قال في رواية: أحبّ إليّ أن يتوضأ بغيره، وهذه رواية البلخي عنه، وفي رواية الحسن: أنه مكروه كلحمه. وفي رواية أخرى قال: هو مشكوك كسؤر الحمار، لأن لحم الفرس عنده حرام كلحم الحمار. وفي رواية كتاب «الصلاة» قال: هو طاهر وهو الصحيح من مذهبه لأن كراهية لحمه عنده ما كانت لنجاسته بل لاحترامه لأنه آلة الجهاد، وحرمة اللحم لأجل الاحترام لا توجب نجاسة السؤر كسؤر الأدمي. وعندهما: سؤره طاهر والله أعلم. (فصل في) بيان حكم عرق الحيوانات ولعابها ذكر الكرخي والطحاوي رحمهما الله في «مختصريهما» أن عرق كل شيء مثل سؤره في النجاسة والطهارة والحرمة والكراهة. وفي باب السهو من «الأصل» : أن عرق الحمار والبغل ولعابهما لا ينجس الثوب وإن فَحُشَ. وإذا وقعا في الماء القليل أفسداه وإلا فلا. قال بعض مشايخنا وهذا بتفرقةٍ بين الثوب والماء كما ظنه بعض المشايخ لأنه لم يحكم بنجاسة الثوب الطاهر بالشك ولم يحكم بزوال الحدث بذلك الماء بالشك حتى لو وقع ذلك الثوب في الماء القليل لا يجوز التوضؤ به. ولو أصاب ذلك الماء الثوب لا يمنع جواز الصلاة فيه وإن فحش. وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف: أن الماء يتنجس بوقوع عرق الحمار فيه. وفيه أيضاً: أن عرق الحمار نجس نجاسة خفيفة حتى إن الكثير الفاحش على ربع الثوب يمنع جواز الصلاة وما دونه لا يفسد الصلاة. وهكذا روى عنه «الأمالي» ، وفي «جامع البرامكة» عن أبي حنيفة رواية أبي يوسف في عرق الحمار: أنه إذا كان أكثر من قدر الدرهم أفسد الصلاة. وذكر ابن سماعة في «نوادره» عن محمد رحمهما الله أن عرق الحمار ولعابه إذا وقع في البئر مثلاً كيف ينزح ماء البئر. يحتمل أنه إنما قال: ينزح حتى يصير طهوراً، ويحتمل أنه إنما قال ذلك حتى يصير البئر طاهراً. وعن أبي حنيفة ﵀ في عرق الحمار ثلاث روايات، في رواية قال: هو طاهر، فقد روي أن رسول الله ﵇ «كان يركب الحمار معرورياً» ... .... .... .....

стр. 103

فلا بد أن يعرق الحمار، والمعنى أن للناس في عرق الحمار ضرورة لأنهم يركبون الحمار عرياً في الصيف والشتاء في الحضر والسفر، فلا بدّ وأن يعرق الحمار، ولو لم يحكم بطهارته ضاق الأمر على الناس ووقعوا في الحرج. وفي رواية قال: هو نجس نجاسة خفيفة؛ لأن في عرق الحمار ضرورة على ما بينّا، إلا أن هذه الضرورة ليست بضرورة ماسَّة لأنه يمكن التحرز عنها، ولوجود أصل الضرورة أسقطنا الغلظ. ولما أن الضرورة ليست ماسَّة أثبتنا النجاسة عملاً بالدليلين جميعاً. وفي رواية أخرى قال: هو نجس نجاسة غليظة؛ لأن عرقه يتولد من لحمه ولحمه نجس نجاسة غليظة، وما يتولد من لحمه يكون بهذه الصفة. وفي «القدوري» : أن عرق الحمار طاهر في الروايات المشهورة، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: أن عرق الحمار والبغل نجس وإنما جعل عفواً في الثوب والبدن لمكان الضرورة. ولبن الأتان نجس في ظاهر الرواية. وروي عن محمد ﵀: أنه طاهر ولا يؤكل. وروي عن أصحابنا في لبن المرأة الميتة أنه طاهر وكذا لبن الشاة الميتة والبقرة الميتة والله أعلم. ومما يتصل بهذا الفصل بيان ما يجوز التوضؤ من المائعات سوى الماء وما لا يجوز. ولا يجوز التوضؤ بشيء من المائعات سوى الماء نحو الخل والدهن والمرئي وما أشبه ذلك. وأما التوضؤ بالأنبذة اتفقوا على أنه لا يجوز حال وجود الماء، وأما حال عدم الماء قال أبو حنيفة ﵀: يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، فقد ذكر في «الجامع» عن أبي حنيفة ﵀ في المسافر إذا لم يجد إلا نبيذ التمر: أنه يتوضأ به ولا يتيمم، وقال في كتاب الصلاة عن أبي حنيفة: لو تيمم مع ذلك أحب إليّ وإن لم يتيمم أجزأه. وروى نوح الجامع عن أبي حنيفة: أنه رجع عن ذلك، وقال: لا يتوضأ به ويتيمم، وهو قول أبي يوسف ﵀ والشافعي (١٨أ١) ومالك، وقال محمد ﵀ يجمع بينهما، وستأتي المسألة في باب التيمم إن شاء الله تعالى. وحكي عن أبي طاهر الدباس أنه يقول: إنما اختلاف أجوبة أبي حنيفة في نبيذ التمر باختلاف السيولة، كأنه سئل عن التوضؤ بنبيذ التمر إذا كان الماء غالباً على الحلاوة فأجاب وقال: يتوضأ به ولا يتيمم. وسئل مرة أخرى عن التوضؤ بنبيذ التمر إذا كانت

стр. 104

الحلاوة غالبة قال: يتيمم ولا يتوضأ به وسئل مرة أخرى عن التوضؤ بنبيذ التمر إذا كانا سواء قال: يتوضأ به ويتيمم، فعلى هذا يرتفع الخلاف. قال القدوري في «كتابه» وكان أصحابنا يقولون: إن التوضؤ بالنبيذ على أصولهم يجب أن لا يصح إلا بالنية كالتيمم؛ لأنه بدل عن الماء كالتيمم؛ ولهذا لا يجوز التوضؤ به حال وجود الماء إلا أنه مقدم على التيمم بالحين، لما كان بدلاً لا يجوز التوضؤ به بدون النية كالتيمم. ولا نصّ عن أبي حنيفة في الاغتسال بنبيذ التمر، واختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يجوز؛ كالوضوء، وبعضهم قالوا: لا يجوز؛ لأن جواز الوضوء عرف بخلاف القياس بالخبر، والاغتسال فوق الوضوء لا يلحق به في حق حكم ثبت بخلاف القياس، ثم لم يصف محمد ﵀ نبيذ التمر في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» . وإنما وصفه في «النوادر» فقال: على قول أبي حنيفة ﵀ إنما يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا كان رقيقاً يسيل على العضو إذا صب عليه، وأما إذا كان مثل الزيت غليظاً بأن ألقى تمرات في الماء وطبخ ذلك الماء حتى صار غليظاً، أو عصيراً لرطب حتى سال منه الماء فذلك يسمى دبساً فلا يجوز التوضؤ به، ثم الرقيق منه ما دام حلواً وحامضاً فالتوضؤ به جائز عند أبي حنيفة ﵀، وكذا إذا غلا واشتد وقذف بالزبد يجوز التوضؤ به عند أبي حنيفة ﵀ أيضاً ذكره أبو الليث ﵀ في «كتابه» ، وذكر أبو طاهر الدباس وأبو الحسن القدوري رحمهما الله: أنه لا يجوز التوضؤ به بعدما اشتد وصار مسكراً بالإجماع، وهذا إذا كان نيئاً أما إذا كان طبخ أدنى طبخة قال الكرخي ﵀: يجوز التوضؤ به مراً كان أو حلواً عند أبي حنيفة ﵀، ومن المشايخ من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: إن كان حلواً يجوز التوضؤ به؛ لأنه مَاءٌ طبخ مع التمر فصار كماء طبخ مع الصابون والأشنان، وإن اشتد فهو نجس على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀ فلا يجوز التوضؤ به. ولا يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة عندنا، خلافاً لبعض الناس، فإنهم قاسوا سائر الأنبذة على نبيذ التمر، ونحن نقول: جواز التوضؤ بنبيذ التمر عرف بالسنة فلا تجوز سائر الأنبذة بالقياس والله أعلم بالصواب. الفصل الخامس (في التيمم) الأصل في جواز التيمم قول الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (النساء: ٤٣) وقوله ﵇: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» وقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أينما أدركتني الصلاة

стр. 105

تيممت وصليت» . وهذا الفصل يشتمل على أنواع: الأول: في كيفيتهِ وصفته. قال محمد ﵀ في بعض روايات «الأصل» : يضع يديه على الأرض، وقال بعضهم يضرب يديه على الأرض ضربة، والآثار جاءت بلفظة الضرب أفضل لأن بالضرب يدخل التراب إلى الأصابع وبالوضع لا يدخل. ثم قال بعضهم: ويمسح بهما وجهه، والمروي عن أبي يوسف ﵀ أن ينفضهما مرتين، والمروي عن محمد ﵀ أن ينفضهما مرة. قالوا: ولا خلاف في الحقيقة؛ لأن ما روي عن أبي يوسف محمول على ما إذا ألصق بيديه من التراب شيء كثير، وما روي عن محمد محمول على ما إذا ألصق بيديه من التراب شيء قليل والمرة تكفي، والمرتان لا بأس بهما، وهذا لأن الواجب المسح بكف موضوع على الأرض لا استعمال التراب لأن ذلك مثله. قال: ثم يضرب يديه ضربة أخرى على الأرض ثم ينفضهما ويمسح اليمن باليسرى ويمسح اليسرى باليمن، يمسح كفيه وذراعيه إلى المرفقين، هذا هو مذهب علمائنا. وللعلماء في المسألة أقاويل كثيرة، والصحيح مذهبنا، لما روي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين» . وعن بعض موالي رسول الله ﵇ قال: «التيمم ضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين» . ولم يذكر في «الكتاب» نصاً أنه يضرب ظاهر كفيه على الأرض أو باطنهما، وإنما أشار إلى أنه يضرب باطنهما فإنه قال: فإن مسح وجهه وذراعيه ولم يمسح ظهر كفيه لا يجوز، وإنما يستقيم وضع المسألة على هذا الوجه إذا كان يضرب باطن كفيه على الأرض، قال أبو يوسف ﵀ في «الإملاء» : سألت أبا حنيفة ﵀ عن التيمم فقال: الوجه والذراعان إلى المرفقين، فقلت: كيف؟ قال: بيده على الصعيد فأقبل بيديه وأدبر ثم نفضهما ثم مسح وجهه ثم أعاد كفيه جميعاً على الصعيد فأقبل بهما وأدبر ثم رجعهما ونفضهما ثم مسح بكل كف ظهر ذراع الأخرى وباطنها إلى المرفقين. وفي قوله: فأقبل بهما وأدبر وجهان: أحدهما: أنه ضرب ببطن كفيه وظهرهما على الأرض. وعلى هذا الوجه يصير هنا رواية أخرى، بخلاف ما أشار إليه محمد ﵀. والثاني: أنه أقبل بهما وأدبر لينظر هل التصق بكفيه شيء يصير حائلاً بينه وبين الصعيد، وقال بعض مشايخنا في كيفية التيمم: أنه إذا ضرب يديه على الأرض في المرة الثانية. ونفضها ينبغي أن يضع بطن كفه اليسرى على ظهر كفّه اليمنى ويمسح بثلاثة أصابع

стр. 106

يده اليمنى أصغرها ظاهر اليد اليسرى إلى المرفق ثم يمسح باطنه بالإبهام، والمستحب إلى رؤوس الأصابع.H وهل يمسح الكف؟ تكلموا فيه، قال بعضهم: لا يمسح لأنه مسحه مرة حين يضرب يديه على الأرض. ثم يفعل باليد اليسرى على نحو ما ذكرنا في اليد. اليمن ولو مسح وجهه وذراعيه بضربة واحدة لا يجزئه. ولو تمعك في التراب بنية التيمم فأصاب التراب وجهه ويديه أجزأه؛ لأن المقصود قد حصل. وفي بعض المواضع ذكر المسألة من غير شرط نية التيمم، والصحيح ما قلنا؛ لأن النية في التيمم شرط لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. ولو قام فهبت الريح أو هَدَمَ حائِطَاً فأصاب الغبار وجهه وذراعيه فمسحه بنية التيمم جاز في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن المقصود قد حصل، وبدون المسح بنية التيمم لا يجوز. وعلى هذا إذا ذرّ رجل على وجهه تراباً لم يجز، فإن مسح ينوي به التيمم والغبار على وجهه جاز على قول أبي حنيفة ﵀ لما ذكرنا. ذكر الكرخي ﵀ في كتابه: أن استيعاب العضوين بالتيمم واجب في ظاهر رواية أصحابنا حتى لو ترك المتيمم شيئاً قليلاً من مواضع التيمم لا يجزئه وهذا ظاهر؛ لأن التيمم قائم مقام الوضوء. ولو ترك المتوض شيئاً قليلاً من مواضع الوضوء في الوضوء لا يجزئه كذا هذا. وروي عن محمد ﵀ في «النوادر» ما يؤكد هذا القول، فإنه روي عنه في «النوادر» أنه إذا لم يدخل الغبار من أصابعه فعليه أن يخلل ما بين أصابعه، وفي هذه الحالة يحتاج إلى ثلاث ضربات: ضربة للوجه وضربة لليدين وضربه لتخليل الأصابع، وهذا دليل على أنه إذا كان في أصبعيه خاتم أو على يدي المرأة سوار فلم ينزع في حالة التيمم أنه لا يجزئه. وروى الحسن عن أصحابنا أنه إذا ترك أقل من الربع يجزئه. وفي «المجرد» رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه إذا مسح أكثر الكف والذراعين أنه يجوز كما في مسح الرأس ومسح الخف فعلى هذه الرواية الغرض استيعاب أكثر المحلّ لأن استيعاب جميع المحل؛ في الممسوحات لا يكون شرطاً يحرج لأن لا ... وعلى هذه الرواية لا يجب تخليل الأصابع وينزع الخاتم والسوار. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وينبغي أن يحفظ هذه الرواية حداً لكثرة البلوى فيه، وروي عن محمد ﵀ ما يخالف رواية الحسن فإنه روي عنه أنه لو ترك المسح على ظهر كفه لا يجزئه وظهر الكف أقل من الربع، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: ظاهر الرواية ما رواه الحسن أن المتروك لو كان أقل من الربع أنه يجوز وتخريج مسألة ظهر الكف: أن (١٨ب١) الكف عضو على حدة، فظهر الكف لا يكون أقل من الربع، فعلى رواية

стр. 107

الحسن يحتاج إلى الفرق بين التيمم وبين الوضوء: وجه الفرق: أن حكم الوضوء أغلظ من حكم التيمم لذا شرع التيمم في عضوين والوضوء في أربعة أعضاء، واختلف العلماء في وجوب التيمم في الذارعين، قال الشافعي في القديم لا يجب، وهو قول مالك............ وقدروا الكبير بالربع، وإذا تيمم وهو مقطوع اليدين من المرافق فعليه أن يمسح موضع القطع عندنا ولا يجزئه تركه، وعند زفر ﵀ لا يمسح بناءً على أن المرفق عنده لا يدخل في فرض الطهارة. فإن قيل: كيف يجب مسح ذلك الموضع وإنه لم يكن واجباً قبل القطع قلنا: إنما لم يجب قبل القطع؛ لأنه كان مستوراً فلما قطع صار مكشوفاً، فإن كان القطع من فوق المرفق بأن كان من المنكب أو دون ذلك لم يكن عليه مسحه؛ لأنه لا يجب عليه غسله في الوضوء قبل القطع فلا يجب مسحه في التيمم بعد القطع والله أعلم. (نوع آخر) في بيان شرائطه فنقول من شرط صحته: النية وهذا مذهبنا، وقال زفر ﵀ النية ليست شرطاً لصحته، حجته: أن التيمم طهارة بالنص فلا يحتاج إلى النية كالوضوء. لنا: أن التيمم ليس بطهارة حقيقية. وإنما جعل طهارة بطريق الضرورة في حق المريد لإقامة القربة ولا إرادة إلا بالنية. واسم التيمم دليل عليه، فإنه عبارة عن القصد والقصد بدون النيّة لا يكون. وتكلموا في كيفية النية روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: ينوي الطهارة لقربة لا تتأدى من غير طهارته؛ لأنها شرعت لأجلها، وذكر القدوري فقال: ينبغي أن ينوي الطهارة واستباحة الصلاة. وعن محمد ﵀ في الجنب إذا تيمم يريد بها الضوء أجزأه من الجنابة؛ لأن التيمم طهارة فلا تعتبر نية إستباحتها كالوضوء. وعن أبي بكر الرازي ﵀: أنه لا بُدّ من التمييز فينوي الحدث أو الجنابة؛ لأن التيمم لهما بصفة واحدة فلا بد من التمييز بالنية كالصلاة التي تقع عن الفعل والعرض لما كانت على صفة واحدة شرط نية التعيين كذا هذا. وذكر القدوري في «شرحه» : أنه لو تيمم للنافلة جاز أداء الفرض به، وقال الشافعي: لا يجوز لأنها طهارة ضرورية فلا تظهر إلا فيما فيه ضرورة، ولنا: أن الضرورة إنما اعتبرت لضرورة التيمم طهارة. فإذا صارت طهارة بحكم الضرورة لا يفصل بين نوع ونوع، ألا ترى أنه لو تيمم للفرض جاز أداء النافلة به، ولم يعتبر ما قال كذا هذا. وعلى هذا الخلاف إذا تيمم لفرض جاز أداء فرض آخر به عندنا خلافاً للشافعي. والمعنى من الجانبين ما ذكرنا وقوله ﵇: «التراب كافيك ولو إلى عشر حجج» ، دليل لنا في المسائل كلها وفي «الفتاوى» : إذا تيمم الجنب لقراءة القرآن أو

стр. 108

لمس المصحف أو لدخول المسجد لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم عند عامة العلماء إلا على قول أبي بكر ابن سعيد البلخي. ولو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أجزأه أن يصلي به المكتوبة بلا خلاف؛ لأن في الوجه الأول التيمم لم يقع في صلاة ولا لجزء من الصلاة. وفي الوجه الثاني وقع للصلاة أو لجزء من الصلاة، وقوله: لو تيمم لسجدة التلاوة دليل على أنه يجوز التيمم لسجدة التلاوة. وذكر القدوري في «شرحه» : أنه لا يجوز التيمم لسجدة (التلاوة) لأنها غير قربة فلا، يخاف فوتها لو أخّر إلى وقت الوضوء، والحاصل: أن على قول عامة العلماء: لو وقع التيمم للصلاة أو لجزء من الصلاة جاز أن يصلي به صلاة أخرى وما لا فلا. وعلى هذا: إذا تيمم يريد به تعليم غيره أو تيمم لزيارة القبر لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم. ولو تيمم الكافر ثم أسلم لم يجزئه أن يصلي بذلك التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. ومن جملة الشرائط: طلب الماء في العمرانات حتى لو تيمم في العمرانات قبل الطلب لا يجزئه التيمم، وهذا بخلاف. وأما في الفلوات لا يشترط الطلب عندنا خلافاً للشافعي، حجته في ذلك: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (النساء: ٤٣) . ومعناه: بعد الطلب لأنه لا يقال لغير الطالب، لم يجد. ولنا: أن الطلب غير منصوص عليه في الآية، والوجود لا يقتضي الطلب قال الله تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾ (الأعراف: ١٠٢) ، وقال ﵇: «من وجد لقطة فليعرفها» ويقال: يجد فلان مرضاً في نفسه. فمن شرط الطلب فقد زاد على النص. والمعنى فيه: أنه تيمم حال عدم الماء من حيث الحقيقة والظاهر وعدم الدليل عليه فيجزئه كما بعد الطلب، بيانه: أن العدم ثابت وجه الحقيقة وإنه حد الوجود وانعدم الدليل الدال على الوجود أيضاً من حيث الظاهر لأن الظاهر في الفلوات عدم الماء بخلاف العمرانات؛ لأن العدم من حيث الحقيقة إن كان ثابتاً فمن حيث الظاهر غير ثابت، فإن قيام العمارة بالماء فلم يثبت العدم من حيث قيام الدليل الدال على الماء وشرط الجواز عدمٌ مطلق. وإذا غلب على ظن المسافر أن بقربه ماء لو طلبه وجده أو أخبر به، وجب عليه الطلب بالإجماع، وإنما الخلاف فيما إذا لم يغلب على ظنه ذلك أو لم يخبر به. والترتيب في التيمم ليس بشرط للجواز عندنا، حتى لو بدأ بذراعيه في التيمم يجوز عندنا، وكذلك الموالاة ليس بشرط للجواز عندنا، حتى لو مكث بعدما يمّم وجهه ساعة ثم يمّم ذراعيه أجزأه عندنا اعتباراً للتيمم بالوضوء والله أعلم. ومن جملة الشرائط: عجزه عن استعمال الماء، وإذا تيمم المسافر والماء منه قريب

стр. 109

وهو لا يعلم أجزأه تيممه، لأنه عاجز عن استعماله، حين عَدِمَ آلة الوصول إليه وهو العلم به فهو كما لو كان على رأس البئر وليس معه آلة الاستقاء فله أن يتيمم فكذلك ههنا. فإن كان عالماً بالماء لم يجز التيمم؛ لأنه قادر على استعمال الماء. وإن كان الماء بعيداً عنه جاز له التيمم وإن كان عالماً به، يذكر في «الكتاب» حد القرب والبعد. وروي عن محمد ﵀ أنه إذا كان بينه وبين الماء دون ميل لا يجزئه اليتيم ويكون قريباً وإن كان ميلاً أو أكثر أجزأه التيمم لكونه بعيداً، والميل ثلث فرسخ، وقال الحسن بن زياد ﵀: إنما يكون الميل بعيداً عن يمينه أو عن يساره أو خلفه حتى يصير ميلين ذهاباً ورجوعاً. فأما هنا إذا كان قدامه فإنه يكون الميل قريباً فيعتبر ميلين لجواز التيمم. كذا ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ وشمس الأئمة السرخسي. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في رواية أبي حنيفة مع محمد رحمهما الله وفسّر الميل بثلاثمئة ذراع وخمسمئة ذراع إلى أربعة آلاف. هكذا فسره ابن شجاع في «كتابه» . وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه حدّ لهذا بحد آخر وقال: إن كان بحال لو اشتغل به تذهب القافلة وتغيب عن بصره يكون بعيداً وإن كان على العكس فهو قريب. وذكر شيخ الإسلام هذه الرواية. وذكر زفر ﵀: إذا كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجزئه التيمم، وإن كان على العكس يجزئه لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، ولكنا نقول: التفريط جاء من قبله بتأخير الصلاة فليس له أن يتيمم إذا كان الماء قريباً منه. هذا الذي ذكرنا في حق المسافر. وأما المقيم إذا خرج من مصره لا يريد سفراً وقد بعد عن المصر وليس معه ماء، هل يجوز له التيمم؟ سيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى. وذكر الكرخي ﵀ في «كتابه» : إذا كان بحيث يبلغه صوت أهل الماء يكون قريباً، لا يجوز له التيمم، فإن كان لا يبلغه صوتهم يكون بعيداً فحينئذ يجوز له التيمم. وإذا كان مع رفيقه ماء ولم يكن معه ماء فإنه يسأل، هكذا ذكر في «الأصل» رأيت في موضع آخر عن أصحابنا: إذا كان غالب ظنه أنه يعطيه لم يجز له أن يتيمم بل يسأل. وعلى قول الحسن بن زياد ﵀: لا يسأل فإن سأله فأبى أن يعطيه إلا بالثمن ولم يكن معه ثمنه فإنه يتيمم بالإجماع لعجزه عن استعمال الماء، وإن كان معه ثمنه فهذا على ثلاثة أوجه: أما إن أعطاه بمثل قيمته في ذلك الموضع، أو بغبنٍ يسير، أو بغبن فاحش. ففي الوجه الأول والثاني ليس له أن يتيمم بل يشتري ويتوضأ، هكذا ذكره في بعض المواضع، وفي بعض المواضع إذا باعه (١٩أ١) . بمثل القيمة أو بغبن يسير ومعه مال زيادة عليها يحتاج إليه في الزاد مقدار ثمن الماء لا يتيمم بل يشتري الماء، وفي الوجه الثالث يتيمم، وقال الحسن البصري ﵀: يلزمه الشراء بجميع ماله لأنه لا......... لأن حرمة مال المسلم كحرمة النفس قال ﵇: «من قتل دون

стр. 110

ماله فهو شهيد» . ثم لو خاف تلف عضو جاز له التيمم، فإذا خاف............ أولى أن يجوز التيمم. ولم يذكر في «الأصل» للغبن الفاحش تقديراً، وقد ذكر في «النوادر» إن كان المال الذي يكفي للوضوء يوجد في ذلك الموضع بدرهم فأبى أن يعطيه صاحب الماء إلا بدرهم ونصف يلزمه أن يشتري ولا يتيمم، وإن أبى أن يعطيه إلا بدرهمين يتيمم ولا يشتري، فجعل الغبن الفاحش في تضعيف الثمن. وإنما قلنا: إذا كان يعطيه بمثل ثمنه أو بنصف يسير فعليه أن يشتري لأن قدرته على بذل الماء كقدرته على عينه، كما أن القدرة على ثمن الرقبة كالقدرة على عينها في المنع من التكفير بالصوم، وقال بعضهم: الغبن الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين. وفي «القدوري» : إذا زاده على ثمن المثل بما لا يتغابن الناس فيه يتيمم، ولم يلزمه الشراء، وهو والذي قبله سواء، وتعتبر قيمة الماء في أقرب المواضع من الموضع الذي يشتري فيه، وقد أشار في مسألة «النوادر» إلى أعشار قيمته في المكان الذي يشتري فيه، وذكر الشيخ الإمام الصفار: المسافر إذا كان في موضع عز الماء في ذلك الموضع فالأفضل أن يسأل، وإن لم يسأل وتيمم وصلى فإنه تجوز صلاته، لأن الظاهر أنه يجري الشح في الماء في مثل ذلك الموضع، ولو أعطاه بعد ذلك لا تجوز صلاته، وعليه أن يعيد تلك الصلاة لأنه لما أعطاه كان الظاهر أنه لم يسأل قبل ذلك العطاء. فإذا لم يسأل جاء التقصير من قبله فلا يجوز. فأما إذا كان في موضع لا يرى فيه الماء فإنه يسأل حتى أنه لو لم يسأل وصلى بالتيمم لا تجوز صلاته كما في....... الظاهر أنه لا يجري الشح والصفة في مثل هذا الموضع، فلو أنه سأل فأبى أن يعطيه فتيمم وصلى ثم أعطاه بعد ذلك فإنه تجوز صلاته، لأنه عجز عن استعمال الماء وقت أداء الصلاة، فالقدرة على استعماله بعد ذلك لا ينفع كما إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء. وقد ذكرنا هذا. قال شمس الأئمة: وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمهما الله يقول: إن بعض الحجاج إذا انصرفوا من حجّهم يضعون ماء زمزم في آنية الاستستقاء أو للعطية، ويجعلون رأس الآنية مرصصاً ولا يخافون على أنفسهم العطش، فربما يعزّ الماء في بعض المواضع فيتيممون وماء زمزم في رحلهم ويرون ذلك جائزاً، وهذا منهم جهل وحمق لأنهم واجدون للماء فلا يجزئهم التيمم. وذكر هذه المسألة في «فتاوى أبي الليث» ﵀ وذكر فيها حيلة فقال: الحيلة أن يهب ذلك الماء لمن يسلمه إليه ثم إن الموهوب له يستودعه منه فيجوز له التيمم، إلا أن
следующие страницы →