← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

القضاء على حسب ما ظهر وقد ظهر أن المسناة لصاحب الأرض، ولصاحب النهر حق إلقاء الطين عليه وهو نظير ما قلنا في مسألة الحائط إذا قضي به لصاحب التربيع لا يؤمر صاحب الجذع برفع الجذع، والفقه ما ذكرنا أن الظاهر لا يصلح لإبطال حق الغير على الغريم. ثم ذكر في الكتاب: أن على قولهما يقضى بالمسناة لصاحب النهر، ولم يتعين أنه بأي مقدار يقضى له، وقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا: يجعل له بقدر ما يمر عليه رجل واحد، وعن أبي يوسف في «النوادر» : أنه يمسح بطن النهر فيجعل له من كل جانب مثله. وثمرة الخلاف المذكور في هذه المسألة لا تظهر في هدم المسناة فإن المسناة وإن كانت لصاحب الأرض عند أبي حنيف فليس له هدمها دفعاً للضرر عن صاحب الماء، فإنه لا يتمكن من إجراء الماء فيه بدون المسناة، وإنما تظهر ثمرة الخلاف في شيئين في ولاية الغرس على المسناة، عند أبي حنيفة ﵀ ولاية الغرس لصاحب الأرض وعندهما لصاحب النهر، والثاني: أنه إذا كان على المسناة أشجار ولا يدري من غرسها، فعلى قول أبي حنيفة: الأشجار لصاحب الأرض، وعندهما لصاحب النهر. ثم إن أبا حنيفة فرق بين المسناة وبينما إذا حفر الرجل في داره بئراً، وهو مما يضر بدار جاره، فإنه لا يمنع عن ذلك، وقال في مسألة المسناة: إذا تصرف صاحب الأرض في المسناة تصرفاً يتضرر به صاحب النهر بعد الهدم يمنع عنه، وفي الموضعين جميعاً حصل متصرفاً في خالص ملكه. والفرق: أن هدم المسناة ليس بانتفاع المثل بالمسناة، لأن الانتفاع بالمسناة الزراعة وغرس الأشجار لا الهدم، ومن انتفع بملكه انتفاعاً لا ينتفع بمثله عن ذلك وإذا تعدى إلى ملك الغير صار ضامناً كما لو سقى أرض نفسه سقياً غير معتاد، فأما إذا حفر البئر في داره انتفع بالدار انتفاع مثله، ومن انتفع بملكه انتفاع مثله لا يمنع عنه، وما يتولد منه لا يكون مضموناً عليه كما إذا سقى أرض نفسه سقياً معتاداً. بقي ههنا فصل آخر، أن صاحب الأرض إذا أراد أن يمنع صاحب النهر عن المرور على المسناة، هل له ذلك عند أبي حنيفة ﵀؟ بعض مشايخنا قال: ليس له ذلك، وبعضهم قالوا: له ذلك إذا لم يكن فيه ظاهر ضرر وهو الأشبه والله أعلم. هذا الفصل يشمل على أنواع أيضا الأول: في دعوى الخارج مع ذي اليد: قال محمد ﵀ في «الأصل:» إذا ادعى الرجل دابة في يد إنسان أنها ملكه

стр. 4167

تحت عبده، وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، القياس: أن يقضى بها للخارج، وفي الاستحسان: يقضى بها لصاحب اليد، سواء أقام صاحب اليد البينة على دعواه قبل القضاء بها للخارج أو بعده، وجه القياس في ذلك: أن بينة الخارج أكثر استحقاقاً من بينة ذي اليد؛ لأن الخارج ببينته، كما يثبت استحقاق أولية الملك بالنتاج يثبت استحقاق الملك الثابت لذي اليد بظاهر يده، وذو اليد ببينته لا يثبت استحقاق الملك الثابت الخارج بوجه ما، فهو معنى قولنا: إن بينة الخارج أكثر استحقاقاً فكانت أولى بالقبول كما في دعوى الملك المطلق. وجه الاستحسان: حديث جابر ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقضى في عين هذه الصورة لصاحب اليد، والمعنى في المسألة: أن صاحب اليد سبباً أيضاً بيانه: أن الخارج يدعي أولية الملك لنفسه بسبب النتاج لا يحتمل التملك على ذي اليد بوجه ما؛ لأن بعدما ثبت الملك لذي اليد بسبب النتاج لا يتصور أن يصير للخارج بسبب النتاج لأن النتاج، مما لا يتكرر، فلا يمكننا أن نجعل ما يستحقه الخارج من الملك الثابت لذي اليد بظاهر اليد استحقاقاً على ذي اليد، بل يكون بياناً أنه كان للخارج من الأصل لا أنه لذي اليد ثم صار للخارج بخلاف دعوى الملك المطلق؛ لأن دعوى الملك المطلق أن يقول هذا لي، وقوله: كما يحتمل أن يكون له من الأصل، يحتمل أن يكون له من جهة صاحب اليد، ولهذا يستقيم التصريح به يستقم أن يقال هذا لي لأني تملكته من جهة المدعي، فأمكننا أن نجعل ما يستحقه الخارج من الملك الثابت لذي اليد بظاهر اليد استحقاقاً على ذي اليد فجعلناه كذلك في حق ترجيح بينة الخارج على بينة ذي اليد إن لم يجعله، كذلك في حق الحكم، فإن دعوى مطلق الملك جعل دعوى أولية الملك حكماً حتى يظهر ذلك في حق استحقاق الولد. وعن هذا قلنا: إن في فصل النتاج لو تفرد الخارج بإقامة البينة، وقضى له ثم أقام صاحب اليد البينة على النتاج، تقبل بينته ويقضى له بالبداية، لأن الخارج ببينته لم يستحق على ذي اليد شيئاً، فلم يصر ذو اليد مقضياً عليه فتسمع بينته كما تسمع بينة أجنبي آخر، وفي دعوى الملك المطلق، لو تفرد الخارج بإقامة البينة وقضى له ثم أقام صاحب اليد بينة أنه لا تسمع بينته؛ لأن الخارج ببينته يستحق على ذي اليد الملك الثابت له بظاهر يده فصار ذو اليد مقضياً عليه، فلا تسمع بينته بعد ذلك. هذا هو الحرف المعتمد الموروث من استنادي في الفرق بين فصل النتاج وبين فصل الملك المطلق، فإن قيل: ما ذكرتم من العلة في فصل النتاج يشكل بما إذا ادعى الخارج ملكاً مطلقاً وادعى ذو اليد للنتاج وأقاما البينة، فإن في هذه الصورة بينة ذو اليد أولى، وفي بينة الخارج ههنا زيادة استحقاق على ذي اليد، قلنا: نعم في بينة الخارج زيادة استحقاق على ذي اليد في هذه (١٩٥أ٤) الصورة، إلا أن في بينة ذي اليد سبق التاريخ، لأنها تثبت أولية الملك على وجه لا يحتمل التملك من جهة الغير، فكان ذو

стр. 4168

اليد أسبقهما تاريخاً، فإنما قضي لذي اليد أسبقهما تاريخاً، فإنما قضي لذي اليد في هذه الصورة.f لهذا ألا ترى أنهما لو ادعيا ملكاً مطلقاً وأرخا، وذو اليد أسبقهما تاريخاً يقضى لذي اليد؟ وإن كان في بينة الخارج زيادة استحقاق على ذي اليد، لهذا إن أسبقهما تاريخاً ذو اليد ثم اختلف المشايخ بعد ذلك أن القضاء لذي اليد في هذه الصورة قضاء ترك أو قضاء استحقاق، قال عيسى بن أبان ﵀: إنه قضاء ترك حتى يحلف ذو اليد للخارج؛ لأن البينتان تهاترا، لأن القاضي تيقن بكذب أحدهما على وجه لا يجد لذلك محملاً؛ لأن المطلق لأداء الشهادة على النتاج معاينة الولادة لا ظاهر اليد ولا يعرف الملاك ولا التسامح، وولادة دابة واحدة من دابتين أو دابة واحدة من أن لا يصور لها وفي مثل هذا تتهاتر البينتان كما في مسألة الكوفة ومكة وأدائها ترتب البينتان، صار كأنهما لم يقيما البينة ولو لم يقيما البينة، يقضى لذي اليد قضاء ترك، بعدما يستحلف للخارج ويحلف كذا ههنا وعلى قياس ما ذكره عيسى يجب أن لا تقبل بينة الخارجين على النتاج، وكذلك يجب أن لا تقبل بينة ذي اليد على النتاج إذا أقامها بعد القضاء للخارج، كما في مسألة الكوفة ومكة، متى قضي بشهادة أحد الفريقين لا تسمع شهادة الفريق الآخر بعد ذلك، وقال عامة المشايخ: قضاء استحقاق حتى لا يحلف ذو اليد للخارج. ووجه ذلك: أن القاضي وإن تيقن بكذب إحدى البينتين إلا أنه يجد لكل بينة محملاً، يطلق لها أداء الشهادة بالنتاج بأن عاين إحدى البينتين نفس الولادة في يد الغاصب ودار الغاصب، فيه يتصرف الملاك، إلا أنها لم يعلمه غاصباً فيحل لهم أداء الشهادة للغاصب بناء على ذلك، والبينة الأخرى علمت حقيقة الحال وكون اليد في يديه الدابة غاصباً، فيحل لهم أداء الشهادة للمغصوب منه بالنتاج بناء على ذلك، أو عاين إحدى البينتين الولادة من دابة زيد، والبينة الأخرى عاينت اتباع هذا الولد دابة عمرو والارتضاع منها، وإذا وجد القاضي لشهادة كل فريق محلاً يطلق له الشهادة، كانت الشهادة على النتاج من الخارجين والشهادة على مطلق الملك من الخارجين سواء وهناك لا تتهاتر البينتان. وإن تيقن القاضي بكذب إحدى البينتين؛ لأن العين الواحد لا يتصور أن يكون مملوكاً لشخصين في زمان لكل واحد منهما وكماله لهذا إن للقاضي وجد لكل فريق محلاً يطلق له أداء الشهادة، بأن عاين أحد الفريقين أحد الخصمين باشر سبب الملك، وعاين الفريق الآخر الخصم تصرف فيه تصرف الملاك، كذا ههنا بخلاف المسألة الكوفة ومكة؛ لأن هناك القاضي تيقن بكذب إحدى البينتين، على وجه لا يجد لها محلاً يطلق له أداء الشهادة؛ لأن المطلق للشهادة بالطلاق والعتاق معاينة الشهود إيقاع الطلاق والعتاق، لا طريق لأداء الشهادة هناك غير هذه، ولا يتصور سماع الفريقين إيقاع الطلاق والعتاق في يوم واحد من شخص واحد بكوفة ومكة؛ لأن الشخص الواحد على ما عليه العادة لا يتصور أن يكون في يوم واحد بالكوفة ومكة، فتهاترت البينتان.

стр. 4169

أما ههنا بخلافه: هذا إذا لم يؤرخا، أو أرخا قضي لصاحب اليد إلا إذا كان سن الدابة مخالفاً لوقت صاحب اليد موافقاً لوقت الخارج، فحينئذ يقضي للخارج وإن كان سن الدابة مخالفاً للوقتين، لم يذكر هذا الفصل في الأصل في الدابة، وعامة المشايخ على أنه تتهاتر البينتان وتترك الدابة في يد صاحب اليد قضاء ترك. وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» وذكر محمد ﵀ في «الأصل» في آخر دعوى النتاج: عبد في يدي رجل أقام بينة أنه عبده ولد في ملكه، ووقت لذلك وقتاً، وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، والعبد من الوقتين أكبر وأصغر تتهاتر البينتان، فتصير مسألة العبد رواية مسألة الدابة، إذا كان سنُّه على خلاف الوقتين إنه تتهاتر البينتان. ومما يتصل بهذا النوع إذا ادعى الخارج فعلاً مع النتاج، أو ادعى كل واحد منهما فعلاً مع النتاج صورته: فيما إذا كان دعوى الفعل مع النتاج من جهة الخارج، ما ذكر محمد ﵀ في «الأصل» في باب دعوى العتق: عبد في يدي رجل، أقام رجل البينة أنه ولد في ملكه وأنه أعتقه أو دبره، وأقام الذي في يديه بينة أنه عبده ولد في ملكه، قضي للخارج، وإن ادعيا النتاج؛ لأن في دعوى النتاج بدون دعوى الفعل من الخارج إنما بينة ذي اليد كان أولى، لأن البينتان استويا في الإثبات فيما وقع فيه الدعوى، فإن كل بينة تثبت أولية الملك لصاحبها، على وجه يمتنع استحقاقها إلا من جهته، فرجحنا بينة صاحب اليد بحكم اليد، وههنا بينة الخارج أكثر إثباتاً فيما وقع فيه الدعوى، لأنها تثبت أولية الملك للخارج على وجه يمتنع استحقاقه أصلاً، لأن الملك بعد العتق يصير بحال لا يستحق أصلاً، وذو اليد ببينته يثبت أولية الملك على وجه يتصور استحقاق ذلك عليه، فكان بينة الخارج أكثر لأنها تثبت أولية الملك للخارج، على وجه يتصور الاستحقاق عليه من جهته، فإن الملك بعد البيع والإجارة، لا يصير بحال لا يتصور استحقاقه عليه، فرجحنا بينة ذي اليد بحكم يده. وبخلاف ما إذا ادعى الخارج العتق مع مطلق الملك، وذو اليد ادعى النتاج، فإن بينة ذي اليد أولى؛ لأن دعوى العتق إنما يعتبر ترجيحاً عند استواء البينتين في إثبات الملك، وما استوت البينتان ههنا في إثبات الملك؛ لأن الخارج يثبت أولية الملك مع الاحتمال، وذو اليد يثبت أولية الملك بلا احتمال. ولو ادعى الخارج التدبير مع النتاج، وادعى صاحب اليد النتاج لا غير، وفي هذا الوجه اختلفت الروايات، ذكر في رواية أبي سليمان أنه يقضي للخارج، وجعله بمنزله العتاق وذكر في رواية أبي حفص أنه يقضي لذي اليد، وجعله بمنزلة الكتابة. وجه رواية أبي حفص: أن التدبير يفيد حق العتق ولهذا لا يجوز إعتاق المدبر عن كفارة يمينه والحق يلحق بالحقيقة فصار دعوى التدبير ودعوى الإعتاق سواء بخلاف الكتابة؛ لأنها لا تفيد حق العتق ولو ادعى الخارج التدبير والاستيلاد مع النتاج، وادعى ذو اليد عتقاً تاماً كان ذو اليد أولى؛ لأن البينتان استويا فيما وقع فيه الدعوى، فرجحنا بينة صاحب اليد بحكم اليد، فكذا إذا ادعى الخارج التدبير أو الاستيلاد، ولو ادعى ذو

стр. 4170

اليد التدبير أو الاستيلاد مع النتاج وادعى الخارج عتقاً تاماً مع النتاج كان بينة الخارج أولى؛ لأن بينة الخارج أكثر إثباتاً، لأنها تثبت أولية الملك للخارج على وجه لا يستحق عليه من جهته لا رقبة ولا يداً، وذو اليد أثبت أولية الملك على وجه يتصور استحقاقه عليه رقبة ويداً بقضاء القاضي في التدبير والاستيلاد، ويداً لا رقبة بالإجارة والإعارة والنكاح. وفي كتاب الولاء في باب الشهادة في الولاء: إذا ادعى ذو اليد النتاج وادعى الخارج أنه ملكه غصبه منه ذو اليد كانت بينة الخارج أولى، وكذا إذا ادعى ذو اليد النتاج وادعى الخارج أنه ملكه أو أودعه منه أو أعاره منه، كانت بينة الخارج أولى. قال شيخ الإسلام ﵀: الحاصل أن بينة ذي اليد على النتاج إنما تترجح على بينة الخارج على النتاج أو على مطلق الملك بأن ادعى ذو اليد النتاج وادعى الخارج النتاج، أو ادعى الخارج الملك إذا لم يدع الخارج فعلاً على ذي اليد نحو الغصب أو الوديعة أو الإجارة أو الرهن أو العارية أو ما أشبه ذلك، أما إذا ادعى الخارج الملك المطلق (١٩٥ب٤) ومع ذلك فعلاً فبينة الخارج أولى. وأشار محمد ﵀ ثمة إلى المعنى وقال: لأن بينة الخارج في هذه الصورة أكثر إثباتاً، لأنه يثبت الفعل على ذي اليد وهو الغصب أو الاستئجار وما أشبه ذلك، وإنه ليس بثابت أصلاً وذو اليد ادعى أولية الملك واليد إن كانت لا تدل على أولية الملك على أصل الملك فكان ما ادعاه ذو اليد ثابتاً من وجه بظاهر يده، وما ادعاه الخارج من الغصب والإعارة وغير ذلك ثابت أصلاً في مثل هذه المسألة طريقاً آخر. وصورة ملك عبد في يدي رجل أقام بينة أنه عبده غصبه ذو اليد منه أو قال: استأجره ذو اليد منه أو استعاره منه أو ارتهنه منه وأقام ذو اليد بينة أنه ملكه أعتقه أو دبره، أو كانت أمة أقام ذو اليد بينة أنه استولدها كان بينة الخارج أولى، وقضي بالعبد له وكان ينبغي أن تكون بينة ذي اليد أولى؛ لأن ذا اليد يدع النتاج معنى؛ لأن النكاح والإعتاق والتدبير في معنى النتاج، وذو اليد إذا ادعى النتاج كان هو أولى من الخارج. ذكر محمد ﵀ هذا السؤال، وذكر جوابه فقال: ذو اليد إذا ادعى النتاج إنما يكون أولى من الخارج إذا صح منه دعوى النتاج ولم يصح دعوى النتاج من ذي اليد ههنا إنما أثبته الخارج على ذي اليد أن الملك له للخارج؛ لأن الاستئجار والاستعارة والارتهان إقرار بملك الآجر والمعير والراهن، ومع إقرار ذي اليد بالملك للخارج لا يصح دعوى صاحب اليد النتاج، والبينة لا تسمع بدون الدعوى، وإذا لم يسمع بينة ذي اليد صار كأنه لم يقم البينة، وكذلك إذا أثبت الخارج عليه الغصب؛ لأن من الجائز أن شهود الخارج شهدوا بالغصب على ذي اليد، لأنهم عاينوا أخذ ذي اليد من الخارج، ويجوز أنهم شهدوا بالغصب على ذي اليد؛ لأنهم سمعوا إقراره بالغصب فباعتبار الآخر إن كان دعوى النتاج من ذي اليد صحيحاً، فباعتبار الإقرار لا يصح كما لو عينا إقراره أنه غصبه منه فلا تصح دعواه مع الشك، فقد تمكن في جانب اليد ما يبطل دعواه النتاج إما

стр. 4171

من كل وجه كما في الإيداع والإعارة والإجارة، أو من وجه كما في الغصب ولم يتمكن من جانب الخارج ما يمنع دعواه الغصب على ذي اليد؛ لأن دعواه الغصب على ذي اليد لو لم تصح إنما لم تصح أن لو عرف الشهود حقيقة الملك لذي اليد، حتى ينبغي غصب ذي اليد، ولا يتصور ذلك، لأن الشهود لا يعرفون حقيقة الملك، وإنما يعرفون الملك من حيث الظاهر وما لم تثبت الشهادة بحقيقة الملك لذي اليد لا ينتفي غصب ذي اليد. وهذا بخلاف ما لو لم يشهدوا شهود الخارج على ذي اليد بالغصب إنما شهدوا للمدعي بالملك المطلق، وادعى ذو اليد المطلق والعتق أو التدبير، فإن هناك يقضى ببينة ذي اليد؛ لأن هناك لم يثبت بينة الخارج ما يمنع صحة دعوى ذي اليد النتاج، وهو إقراره بالملك للخارج لا من كل وجه ولا من وجه. فإن قيل: لا بل في تلك الصورة وجد في بينة الخارج ما يمنع صحة دعوى ذي اليد النتاج، وهو الشهادة بالغصب على دعوى ذي اليد من الخارج؛ لأن الشهادة بالملك للخارج شهادة بالغصب على ذي اليد، وإذا كان العين في يد ذي اليد اقتضاء والثابت نصاً، سواء قلنا: نعم الشهادة بالملك للخارج شهادة على غصب ذي اليد، إذا كان العين في يد ذي اليد اقتضاء إلا أن المقتضى ثابت بطريق الضرورة فيتقدر بقدر الضرورة، يرتفع متى أثبتنا غصب ذي اليد بالأخذ، فلا يثبت الإقرار بالغصب مقتضى شهادة الخارج؛ لأن الإقرار بالغصب فوق الإقرار الثابت بالأخذ، لأن الغصب الثابت بالأخذ يوجب الضمان، أما لا يمنع دعواه الملك لنفسه بعد ذلك. وإذا لم يثبت إقرار ذي اليد بالغصب بشهادة الخارج لم يتمكن في جانب ذي اليد ما يمنع صحة دعواه النتاج، وقد صار بدعوى الإعتاق والتدبير مدعياً النتاج معنى، فتقبل بينته بخلاف ما إذا شهدوا عليه بالغصب، لأن هناك الغصب ثبت بنص الشهادة، وكما يحتمل الغصب بالأخذ يحتمل الغصب بالإقرار، فيعتبر الإقرار ثابتاً لما كان الغصب ثابتاً بنص الشهادة، فباعتبار الإقرار لا يصح دعوى ذي اليد وباعتبار الأخذ يصح، فلا يصح بالشك. ومما يتصل بهذا النوع ذكر محمد في «الأصل» : شاة في يدي رجل أقام رجل البينة أنها شاته ولدت في ملكه، وأقام صاحب اليد بينة أنها شاته يملكها من جهة فلان وأنها ولدت في ملك فلان ذلك الذي يملكها منه، قضي بها لصاحب اليد؛ لأن صاحب اليد خصم عمن تلقى الملك من جهته ويده يد المتلقي عنه فكأنه حضر وأقام البينة على النتاج، والشاة في يده وهناك يقضى بالشاه له كذا ههنا. وفي «الأصل» أيضاً: شاة في يد رجل جاء رجل وأقام بينة أنها شاته ولدت في ملكه، قضي بالشاة له إلا أن يعيد صاحب اليد، وهو المقضي له منه على النتاج فحينئذٍ تندفع بينة الثاني ببينته وسلمت له الشاة، أما بدون ذلك لا تندفع بينة الثاني، وهذا لأنا لو دفعنا بينة الثاني بما أقام الأول من البينة فقد دفعنا بينة أحد مدعي النتاج ببينة الآخر وهما خارجان، لأن الأول حين أقام البينة كان خارجاً ولا يجوز دفع بينة أحد مدعي النتاج

стр. 4172

بالآخر وهما خارجان، فإذا أعاد صاحب اليد وهو المقضي له البينة على النتاج لو دفعنا بينة الثاني بهذه البينة، فقد دفعنا بينة الخارج في دعوى النتاج ببينة ذي اليد وذلك جائز. وإن لم يعد المقضي له البينة حتى قضى القاضي بالشاة للثاني ثم أعاد المقضي له البينة على النتاج ذكر في كتاب «الأقضية» : هذا الفصل في العبد، وقال: لا ينقض القضاء عليه، وأشار إلى المعنى، فقال: لأنه إنما صار صاحب يد بحكم الأول، وقد انتقض ذلك اليد بالقضاء الثاني، وصار المقضي له الثاني ذا اليد، فكانت بينته أولى بالقبول وذكر في «الأصل» : أن القاضي ينقض القضاء على الثاني، ويقضي به للأول وهو الصحيح. فرق بين هذا وبينما إذا وقع دعوى الملك المطلق، وأقام الخارج البينة على ذلك دون ذي اليد، وقضى القاضي للخارج على ذي اليد، ثم أراد ذو اليد أن يقيم البينة أن الملك له، فإن هناك القاضي لا يقبل بينة ذي اليد، والفرق أن في دعوى النتاج ذو اليد لا يصير مقضياً عليه بالقضاء للخارج؛ لأن التملك بالنتاج لا يكون تملكاً على أحد، لأنه بعدما ثبت الملك بالنتاج لشخص لا يتصور أن يصير لعبده بالنتاج؛ لأن النتاج مما لا يتكرر فلا يمكننا أن نجعل ما يستحقه الخارج من الملك استحقاقاً على ذي اليد، بل يكون بياناً أنه كان من الأصل لا أنه صار لذي اليد ثم صار للخارج، أما في دعوى الملك المطلق، ذو اليد يصير مقضياً عليه بالقضاء للخارج من وجه، لأن دعوى الملك المطلق يحتمل دعوى التملك على ذي اليد فلهذا افترقا. ومن هذا الجنس ذكر في «المنتقى» : عبد في يدي بخاري مثلاً أقام عليه سمرقندي البينة أنه عبده، ولد في ملكه، وأقام البخاري بينة بمثل ذلك، وقضى القاضي بالعبد للبخاري وأبطل بينة السمرقندي، ثم حضر خجندي فأقام البينة على البخاري أنه عبده ولد في ملكه، فإنه يستحقه ببينته، إلا أن يعيد البخاري البينة على الخجندي أنه عبده ولد في ملكه، ولم يكتف بالبينة الأولى، فإن لم يقدر البخاري على إعادة البينة وقضى القاضي بالعبد للخجندي، ثم أحضر البخاري بينة أن العبد عبده ولد في ملكه قضى به للبخاري، وإن لم يعد البخاري بينته، ولكنه حضر أوسي وأقام بينة أنه عبده ولد في ملكه، فإن القاضي يقول للخجندي: أعد بينتك على أنه عبدك ولد في ملكك، (١٩٦أ٤) بمحضر من الأوسي فإن حضر السمرقندي وهو المدعي الأول وأقام البينة أنه عبده ولد في ملكه، لم تقبل بينته؛ لأنه قد قضي عليه به مرة فلا تقبل بينته على أحد بعد ذلك، قال ثمة: وهذا قول أبي يوسف ومحمد وهو قياس قول أبي حنيفة. ومن هذا الجنس ذكر في «المنتقى» أيضاً: عن محمد رجل في يديه عبد أقام رجل بينة بمثل أنه عبده ولد في ملكه، وأقام رجل آخر بينة بمثل ذلك وقضى القاضي بالعبد بينهما نصفين لما يبين بعد هذا إن شاء الله، ثم جاء ثالث وأقام بينة بمثل ذلك يقضى بالعبد له إن لم يقم المقضي لهما بينة أنه عبدهما ولد في ملكهما، فإن أعاد ذلك أحدهما دون الآخر قضي بالنصف الذي في يدي الذي أعاد بينة له ولم تقبل فيه بينة الثالث، ويقضى للثالث على المقضي له الآخر الذي لم يعد البينة بالنصف الذي في يديه ولا شركة

стр. 4173

فيه مع الثالث للذي أعاد بينته، لأن القاضي حين قضى أول مرة بالعبد بين المقضي لهما فقد قضى لكل واحد منهما على صاحبه بنصفه، فلا يقبل من كل واحد منهما بينة بعد ذلك على ما قضي به لصاحبه، فإن وجد المقضي عليه الأول وهو الذي كان العبد في يده بينة أن العبد ملكه ولد في ملكه وأقامها عند القاضي قضى القاضي بالعبد له، لأنه لو أقام يومئذ بينة على ذلك كان هو أولى فكذلك إذا أقام بينة بعد ذلك. ومما يتصل بهذا الفصل أيضا ما ذكر في «الأصل» : أمة في يدي رجل أقام رجل بينة أن قاضي بلد كذا قضى له بها على هذا الرجل الذي هو في يديه، وأقام ذو اليد بينة أنها أمته ولدت في ملكه، فهذه المسألة على وجوه. الأول: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلدة كذا قضى لهذا المدعي بشهادة شهود شهدوا عنده أنه اشتراها من ذي اليد، أو وهبها ذو اليد له أو تصدق بها ذو اليد عليه، وفي هذا الوجه القاضي يمضي قضاء ذلك القاضي ويدفعها إلى المدعي. الوجه الثاني: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا قضى بها لهذا المدعي ولم يثبتوا سبب القضاء، وفي هذا الوجه القاضي يمضي ذلك القضاء أيضاً ويدفعها إلى المدعي، لأن ذلك القضاء قد صح ظاهراً، ومن الجائز أن يكون القاضي إنما قضى بشهادة شهود شهدوا عنده أن المدعي اشتراها من ذي اليد، أو وهبها ذو اليد له، أو تصدق بها عليه، وعلى هذا التقدير بينة ذي اليد على الولادة في ملكه لا يبطل ذلك القضاء بل يقرره. الوجه الثالث: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا قضى بها لهذا المدعي بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له أو بشهادة شهود أنها نتجت عنده، وفي هذا الوجه القاضي يمضي ذلك القضاء، أيضاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد أن صاحب اليد لو أقام البينة على النتاج على القاضي الأول بعدما قضى القاضي الأول للمدعي بالنتاج أو بالملك المطلق، نقض القاضي الأول قضاءه للمدعي وقضى بها لصاحب اليد، لما ذكرنا أن بينة ذي اليد على النتاج أولى من بينة المدعي على النتاج، وعلى مطلق الملك فتبين أن قضاء القاضي ببينة الخارج وقع خطأ والخطأ مردود. فإذا أقام ذو اليد بينة عند القاضي الثاني يجب أن يرد الثاني قضاء الأول؛ لأن المعنى الموجب للرد وهو خطأ القاضي الأول في قضائه لا يتفاوت، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن قضاء القاضي الأول نفذ من حيث الظاهر، فليس للثاني أن يبطله، مع الاحتمال كما لو بينوا سبب القضاء. بيان الاحتمال من وجهين: أحدهما: أما إذا شهدوا أنه قضى له بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له؛ لأنه يحتمل بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له اشتراها من ذي اليد، وأما إذا شهدوا أنها له قضى له بها بشهادة شهود شهدوا عنده أنها نتجت عنده؛ لأنه تحمل أن هؤلاء الشهود عاينوا شهادة الشهود عند القاضي بالنتاج، ثم عاينوا قضاء القاضي بعد ذلك للمدعي بزمان، فشهدوا كما عاينوا وقد تخلل بينهما شراء أو إقرار من

стр. 4174

جهة ذي اليد بالشراء علم القاضي بذلك ولم يعلم الشهود، وقضى القاضي بالذي عاين من الشراء، ولم يعلم الشهود بذلك، فهذا الاحتمال ثابت. الوجه الثاني لبيان الاحتمال: يحتمل أن ذا اليد أقام هذه البينة عند ذلك القاضي، ولا اجتهد ذلك القاضي على ترجيح بينة الخارج على بينة ذي اليد كما هو مذهب ابن أبي ليلى، فإن من مذهبه أن الخارج إذا أقام البينة على النتاج أو على مطلق الملك، وأقام ذو اليد البينة على النتاج فبينة ذي اليد أولى، وعلى هذا التقدير يكون قضاء الأول نافذاً لازماً، بحيث لا يجوز لغيره نقضه لحصوله في محل مجتهد فيه. الوجه الرابع: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا أقر عندنا أنه قضى للمدعي بهذه الجارية، بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له أو بشهادة شهود شهدوا أنها نتجت عنده، وفي هذا الوجه ذكر شيخ الإسلام ﵀: أن القاضي الثاني ينقض ذلك القضاء بالإجماع، وعلى ما عليه إشارات شمس الأئمة الحلواني ﵀، فالمسألة على الاختلاف الذي ذكرنا. ومن جنس هذه المسألة وإن لم يكن من جنس هذا النوع، وإذا كانت الجارية في يدي رجل أقام بينة أن قاضي بلد كذا قضى له بها على ذي اليد هذا، ولم يثبتوا سبب القضاء، وأقام رجل آخر بينة على النتاج فصاحب القضاء أولى، وإن أقام الأول بينة أن قاضي بلد كذا قضى له بها بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له، وأقام الأخر بينة على النتاج، فصاحب القضاء أولى عندهما، وعند محمد صاحب النتاج أولى لما قلنا. نوع آخر من هذا الفصل في دعوى الخارجين النتاج إذا ادعى الرجلان دابة في يدي رجل كل واحد منهما يدعي أنها ملكه نتجت عنده، وأقاما البينة فإن لم يؤرخا قضي بينهما، وإن أرخا وتاريخهما على السواء ينظر إلى سن الدابة، إن كان مشكلاً أو كان موافقاً للوقت الذي ذكرا يقضى بينهما، وإن كان مخالفاً للوقت الذي ذكرا، لم يذكر محمد هذا الفصل في «الأصل» . قال عامة المشايخ: الصحيح أنه تتهاتر البينتان، وتترك الدابة في يد صاحب اليد، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق قضي لصاحب الوقت الذي قضي؟ سن الدابة عليه، وإن كان سن الدابة مشكلاً قضي بينهما، فقد ألغى التاريخ في دعوى النتاج، واعتبره في دعوى الملك المطلق لأن التاريخ إنما يعتبر ترجيحاً؛ لأن السابق ببينته يثبت زيادة استحقاق على صاحبه، وهو متصور في دعوى الملك المطلق بتصور أصل الاستحقاق لأحدهما على صاحبه بدون التاريخ، فيتصور زيادة الاستحقاق بزيادة التاريخ. وإن كان سن الدابة على غير الوقتين، ذكر في «الأصل» : أنه يقضى بينهما وإليه ذهب بعض المشايخ، منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀، وعامة المشايخ على أن ما ذكره في «الكتاب» غلط، والصحيح أنه تتهاتر البينتان ومسألة العبد التي ذكرها محمد في آخر باب دعوى النتاج، وقد تقدم ذكرها في أول النوع الأول، يشهد لعامة المشايخ في هذا الفصل.

стр. 4175

وروى بشر عن أبي يوسف مسألة الدابة، وذكر في هذه الصورة: أنه تتهاتر البينتان، وذكر في هذه الرواية فقال: إذا علم أن سن الدابة مخالف لأحد الوقتين وهو مشكل في الوقت الآخر، قضي بالدابة لصاحب الوقت الذي أشكل سن الدابة عليه، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر وكان سن الدابة مشكلاً قضي بينهما. نوع آخر من هذا الفصل دابة في يدي رجلين يدعي كل واحد منهما أنها دابته نتجت عنده، ويقيم البينة على ما يدعي، فإن لم يؤرخا يقضى لكل واحد منهما بالنصف الذي في يده؛ لأنه اجتمع في كل نصف بينة ذي اليد، وبينة الخارج في دعوى النتاج، وإن أرخا وتاريخهما على السواء ينظر إلى الدابة، فإن كان مشكلاً أو كان موافقاً للوقت الذي ذكرا تهاترت (١٩٦ب٤) البينتان عند عامة المشايخ، وتترك الدار في أيديهما كما كان قبل هذا. وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر وكان سن الدابة مشكلاً تترك في أيديهما. نوع آخر من هذا الفصل في المتفرقات ادعى رجل جارية في يد إنسان أنها ملكه ولدت في ملكه من الأمة التي في يديه، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة أنها ملكه ولدت في ملكه من الأمة التي في يديه، قضي بالجارية لصاحب اليد، لأن الولادة في بني آدم كالنتاج في البهائم، ولو ادعى المدعي بينة على أمها التي هي عند المدعى عليه أنها أمته، وأنها ولدت هذا الولد في ملكه وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك قضي بها وأمها للمدعي؛ لأن أصل الدعوى في الأم ودعواها في الأم دعوى مطلق الملك إذ لم يكن الملك في الأم سبباً وفي دعوى مطلق الملك الخارج أولى، وإذا صار الخارج أولى فالأم كانت أولى في الولد إذ ظهر أن ولادة هذا الولد كان في ملك الخارج. قال محمد ﵀ في «الأصل» عقيب هذه المسألة: وكذلك الاختلاف في الصوف والشاة على هذا، يريد به إذا وقع الدعوى في صوف، ولو أقام المدعي بينة على الشاة التي هي في يد المدعى عليه أنها شاته، وأنه جز هذا الصوف في ملكه منها، وأقام ذو اليد بينة على مثل ذلك قضي بالشاة والصوف للمدعي لما ذكرنا في الجارية والولد. عبد في يدي رجل جاء رجل وادعى أنه عبده ولد من أمته هذه ومن عبده هذا، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك قضي بالعبد لصاحب اليد، ويكون ابن أمته وعبده ولا يكون ابن أمة الآخر ولا ابن عبده فقد قضي بالعبد لصاحب اليد في الملك والنسب، أما في الملك فظاهر وأما في النسب فلأنهما تنازعا في سبب هو بمعنى النتاج، لأن سبب النسب الولادة وأحدهما صاحب اليد وهناك يقضى لصاحب اليد كذا ههنا. عبد في يدي رجل أقام رجل بينة أنه عبده ولد في ملكه، ولم يسموا أمته، وأقام رجل بينة أنه عبده ولد في ملكه من أمته هذه، فإنه يقضي بالعبد للذي إنه في يده، لأنهما

стр. 4176

ادعيا النتاج في الولد ولا يد لأحدهما على الولد ولأحدهما يد على الأم فيترجح الذي له على الأم، كما يترجح لو كان له يد على الولد، وهذا لأن الولد لابد له من الأم والولد لا يتصور بدونها وإذا جاز أن يترجح أحدهما على الولد بسبب اليد على الولد، فكذا جاز أن يترجح أحدهما على الولد فكذا جاز أن يترجح أحدهما في الولد بسبب اليد على الأم، فإن أقام صاحب اليد بينة على أنه عبده ولد في ملكه من أمته هذه غير أمة أخرى قضي به لذي اليد؛ لأن لذي اليد يداً على الولد والأم جميعاً، فيكون أولى ممن لا يد له عليهما وممن له يد على الأم دون الولد. رجل في يديه شاة سوداء، ورجل آخر في يديه شاة بيضاء، فأقام الذي البيضاء في يده أن السوداء التي في يدي صاحبي ملكي ولدت في ملكي من هذه السوداء، فإنه يقضي لكل واحد منهما بما في يد صاحبه؛ لأن كل واحد منهما ادعى الملك فيما في يده وادعى النتاج فيما في يد صاحبه، ففيما في يد كل واحد منهما اجتمع دعوى النتاج ودعوى الملك المطلق، فيكون الحكم لدعوى النتاج، هكذا ذكر محمد ﵀ وهذا إذا كان سن الشاتين مشكلة، فكل واحدة منهما تصلح أماً للأخرى بمرأى العين، وأما إذا كانت معلومة، وأحدهما تصلح أماً للأخرى والأخرى لا تصلح أماً لهذه، كانت علامة الصدق ظاهرة في شهود أحدهما فيقضى بشهادة شهوده. وعن أبي يوسف ﵀ فيما إذا كان سن الشاتين مشكلاً أني أقبل بينتهما، ويقضي لكل واحد منهما بالشاة التي في يده، وهذا قضاء ترك لا قضاء استحقاق، ثم إذا كانت سن الشاتين مشكلة وكل واحد تصلح أماً للأخرى، إنما قبلت الشهادتان، وإن تقين القاضي بكذب إحدى البينتين؛ لأنه وجد لكل فريق محملاً يطلق له أداء الشهادة.... أحد الفريقين ولادة إحداهما الأخرى، فكبرت الابنة وولدت وترك بها لبن وأمها لم تترك عادتها في الارتضاع فاتبعت ولدها وارتضعت منها فعاين الفريق الآخر ذلك. ولو أقام الذي البيضاء في يده أن البيضاء شاتي، ولدت في ملكي والسوداء التي في يد صاحبي شاتي ولدت من هذه البيضاء وأقام الذي السوداء في يده أن السوداء ولدت في ملكي والبيضاء التي في يد صاحبي ملكي ولدت من هذه السوداء، فإنه يقضي لكل واحد منهما بما في يده، لأن في هذه المسألة كل واحد منهما ادعى النتاج في الشاتين، فاجتمع في كل شاة بينة ذي اليد مع بينة الخارج في النتاج، فيقضى لصاحب اليد ببينته. عبد في يدي رجل ادعاه رجل أنه عبده اشتراه من فلان، وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه، فأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة أنه عبده اشتراه من فلان يريد به رجلاً آخر وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه قضى به لذي اليد؛ لأن كل واحد منهما ببينته يثبت أولية الملك لمملكه بالولادة لم يثبت الانتقال إلى نفسه فكأن المملكين حضرا وادعيا ذلك، وأحدهما صاحب يد وهناك يقضي لصاحب اليد كذا ههنا.

стр. 4177

قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا ادعت امرأة غزل قطن في يد امرأة أخرى أنه ملكها غزلته وأقامت على ذلك بينة، وأقامت صاحبة اليد بينة على مثل ذلك قضي بالغزل لصاحبة اليد، لأنه بمعنى النتاج لأن الغزل سبب ذلك، فإن من غصب من آخر قطناً وغزل القطن ملكه وغزل القطن لا يعاد ولا يكرر، فكان بمنزلة دعوى النتاج من هذا الوجه فيقضي ببينة صاحبة اليد كما في دعوى النتاج. وكذلك لو ادعى صوفاً في يدي رجل أنه صوفه جزه من غنمه، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، قضي به لصاحب اليد، لأنه بمنزلة دعوى النتاج، لأن الجز في مجزوز واحد مما لا يتكرر، وكذلك إذا ادعى سمناً أو زيتاً أو دهن سمسم في يدي رجل أنه له عصره وملأه، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة مثل ذلك قضي لصاحب اليد؛ لأن هذا مما لا يثنى ولا يكرر فيكون بمعنى دعوى النتاج، وكذلك الدقيق والسويق على هذا، والولادة في بني آدم بمنزلة النتاج في البهائم، حتى إذا تنازع اثنان في غلام كل واحد منهما يدعي أن الغلام ملكه ولد في ملكه، والغلام في يد أحدهما وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه، فيقضي ببينة صاحب اليد، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى. وإذا (اختلف) اثنان في غزل صوف والغزل في يد أحدهما، فأقام كل واحد منهما بينة أنه ملكه غزله، قضي بالغزل للخارج؛ لأنه بمعنى دعوى ملك المطلق، لأنه يثنى ويكرر وإذا وقع الدعوى في حلي مصوغ فهو بمنزلة دعوى ملك المطلق، لأن الصياغة مما يتكرر. وإذا كانت الدار في يدي رجل أقام رجل آخر بينة أنها دار جده، اختطها وساق الميراث حتى انتهى إليه، وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، فإنه يقضى بالدار للمدعي؛ لأن كل واحد منهما ادعى أولية الملك بالاختطاط، والاختطاط مما لا يتكرر؛ لأن الاختطاط قسمة الإمام عند الفسخ، فيخط لكل واحد من الغانمين خطاً في موضع معلوم ويملكه ذلك بالقسمة، فيكون خطه له وهذا قد يكون غير مرة بأن يرتد أهلها، وتصير.... فإنها دار الشرك بوجود شرائطها ثم غلبها المسلمون ثانياً، فيقسمها الإمام بالخط لكل واحد منهما كما بينا. أرض في يدي رجل وفيها نخيل، ادعى رجل أن هذه الأرض وهذه النخيل له غرسها، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، قضي بالأرض

стр. 4178

(١٩٧أ٤) والنخيل للمدعي، لأن الأصل المنازعة في ملك الأرض، فإن النخيل بمنزلة البيع للأرض حتى يدخل في بيع الأرض من غير ذكر، ودعواهما في الأرض دعوى مطلق الملك وإنهما لم يذكرا لملك الأرض سبباً فكذا النخيل يكون دعواهما دعوى ملك المطلق بطريق التبعية، لأن غراسة النخيل مما يتكرر، فإن النخيل يغرس ثم يقلع ويغرس ثانياً فيكون دعوى الأشجار بمنزلة دعوى مطلق الملك، وكذلك لو كان في الأرض زرع وأقام كل واحد بينة أن الأرض له والزرع له، زرعه قضي بالأرض والزرع للخارج لما ذكرنا. وإذا ادعى حنطة في يدي رجل أنها له زرعها في أرضه، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، قضي للخارج؛ لأنها بمنزلة دعوى مطلق الملك، بيانه: أن حاصل اختلافهما إلى أن زارع أصل هذه الحنطة التي وقع فيها النزاع الخارج، أو صاحب اليد وزراعة أصل هذه الحنطة مما يكون بأن يزرع ذو اليد أصل هذه الحنطة، ثم يغربل الخارج الأرض ويجمع الحنطة، ويزرعها مرة أخرى. وإذا ادعى داراً في يدي رجل أنها داره وأنه بنى هذه البناء من ماله، وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، قضي بالدار والبناء للخارج، لأن البناء قد يكون مرة بعد مرة، وإذا ادعى قباء محشواً في يدي رجل أنه له قطعه في ملكه وحشاه وخاطه وادعى صاحب اليد مثل ذلك وأقاما البينة، قضي ببينة الخارج وهذا بمنزلة دعوى الملك المطلق؛ لأن القطع والحشو والخياطة مما يثنى ويكرر، وكذلك الحبة المحشوة وكل ما يقطع من الثياب على هذا. وكذلك إذا كانت الشاة المسلوخة في يدي رجل، ادعاها رجل آخر أنها له ذبحها وسلخها وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك قضي بها للخارج؛ لأن الذبح والسلخ ليسا بسبب ملك، ألا ترى أن الغاصب لا يملك به وإذا لم (يكن) هذا سبب ملك صار ذكره وعدمه بمنزلة، فكأنهما ادعيا ملكاً مطلقاً وادعيا إحداث تصرف في ملكهما. وكذلك إذا ادعيا لحماً مشوياً أو سمكاً مشوياً في يدي رجل أنه لهما سواه في ملكهما وادعى صاحب اليد بمثل ذلك وأقاما البينة قضي بها للخارج، لأن الشي وإن كان بسبب ملك فهو لا يثنى ولا يكرر، والسلخ إن كان لا يثنى فهو ليس بسبب ملك وكذلك إذا وقع الدعوى في المصحف، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له، كتبه في ملكه قضي للخارج. ولو ادعى ثوباً في يدي رجل أنه ملكه نسجه هو، وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، أو ادعى نصل سيف في يدي رجل أنه سيفه ضربه، وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، فهذه المسألة على وجوه: إن كان يعلم قطعاً ويقيناً أن هذا الثوب وهذا النصل، لا ينسج ولا يضرب إلا مرة واحدة، قضي ببينة صاحب اليد كما في دعوى النتاج، وإن كان يعلم قطعاً ويقيناً أن هذا

стр. 4179

الثوب وهذا النصل ينسج، ويضرب مرة بعد مرة، فإنه يقضي ببينة الخارج، وهو بمنزلة دعوى الملك المطلق، لأنه في الفصل الأول ادعى أولية الملك بسبب لا يحتمل التملك على ذي اليد بذلك السبب، لأن الثوب الذي لا ينسج إلا مرة إذا صار لذي اليد لا يتصور أن يصير للخارج بنسجه، فيكون في معنى دعوى النتاج. وفي الفصل الثاني ادعى أولية الملك بسبب يحتمل التملك على ذي اليد به، لأن الثوب الذي ينسج مرة بعد مرة يجوز أن يصير لذي اليد بالنسج، ثم يقصه الخارج منه وينقضه وينسجه مرة أخرى فيصير ملكاً له بهذا السبب، بعدما كان لذي اليد فكان بمعنى دعوى الملك المطلق من هذا الوجه، وإن أشكل على القاضي ذلك سأل أهل العلم عن ذلك، يريد به العدول منهم ويبنى الحكم على قولهم الواحد منهم يكفي، والاثنان أحوط وإن اختلف أهل العلم بذلك فيما بينهم حتى بقي مشكلاً، ففيه روايتان في رواية يقضي للخارج كما في دعوى الملك المطلق. وإذا وقع الدعوى في كوز أو طست من صفر أو إناء من حديد أو صفر أو شبهه، وادعى كل واحد أنه له، ضعه في ملكه فهذا ومسألة السيف التي ذكرناها على السواء. وإذا كان في يدي رجل حمام أو دجاج أو طير مما يفرخ أقام رجل بينة أنه له فرخ في ملكه وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك قضي لصاحب اليد؛ لأن التفريخ في الطيور بمنزلة النتاج في الدواب. وإذا ادعى لبناً في يدي رجل أنه له ضربه في ملكه وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، قضي للخارج؛ لأنه مما يعاد ويكرر، فكان بمنزلة دعوى الملك المطلق حتى لو كان اللبن آجراً أو حصاً أو نورة يقضى لصاحب اليد؛ لأنه لا يعاد ولا يكرر فكان بمنزلة دعوى النتاج. وإذا اختلفا في جبن وأقام كل واحد منهما أنه صنعه في ملكه، قضي لصاحب اليد؛ لأنه بمنزلة دعوى النتاج لأنه مما لا يعاد ولا يكرر، ولو أقام كل واحد منهما بينة أن اللبن الذي صنع منه هذا الجبن كان له، يقضى للخارج؛ لأن أصل المنازعة في اللبن وبينة كل واحد في اللبن قامت على الملك المطلق، ولو أقام كل واحد منهما البينة أن اللبن حلب من شاته وفي ملكه وصنع منه الجبن، فإنه يقضى بالجبن لذي اليد، لأن الحلب في اللبن لا يتكرر فكان بمعنى دعوى النتاج، ولو أقام كل واحد منهما البينة أن الشاة التي حلب منها اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه، قضي به للمدعي؛ لأن المنازعة ههنا في الشاة وبينة كل واحد منهما قامت على الملك المطلق. ولو أقام كل واحد منهما بينة أن الشاة التي حلب منها اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ولدت من شاته، قضي بالجبن لذي اليد؛ لأن كل واحد من البينتين قامت على النتاج في الشاة التي وقعت المنازعة فيها. وإذا كانت شاة مسلوخة في يدي رجل وسقطها وجلدها ورأسها في يدي آخر، فأقام الذي الشاة في يديه أن الشاة والجلد والرأس والسقط له، وأقام الذي في يديه الرأس

стр. 4180

والسقط والجلد بمثل ذلك قضي لكل واحد منهما بما في يد صاحبه، لأن كل واحد منهما خارج فيما في يد صاحبه، وبينة الخارج في دعوى الملك المطلق أولى، ولو اقام كل واحد منهما بينة أن الشاة التي هذا رأسها وهذا سقطها نتجت عنده في ملكه، وأنه ذبحها وسلخها وله جلدها ورأسها وسقطها يقضى بالكل للذي الشاة في يديه، لأنهما أثبتا النتاج في ملك الشاة وأحدهما ذو اليد فيكون ذو اليد أولى بها، وإذا صار ذو اليد أولى بالشاة صار أولى بالجلد والرأس والسقط لكون هذه الأشياء تابعة للشاة، فقد جعل السقط أصلاً في دعوى الملك المطلق على ما مر، وجعله تبعاً في دعوى النتاج وكان ذلك من باب العمل بالشبهين؛ لأن السقط أصل من وجه فعمل بالشبهين فجعل أصلاً في دعوى الملك المطلق، وجعله تبعاً في دعوى النتاج. قال في «المنتقى» : والصوف وورق الشجر وثمرة الشجرة بمنزلة النتاج وغصن الشجر والحنطة ليس بمنزلة النتاج، حتى لو أقام المدعي بينة أن هذا الصوف صوف شاته وهذه الثمرة وهذا الورق من شجره، وهذا الغصن من نخله وهذه الحنطة من حنطة بذرها في أرضه، وأقام صاحب اليد البينة على مثل ذلك، ففي الغصن والحنطة يقضى للمدعي، وفي الصوف والتمر والورق يقضى لصاحب اليد. ومما يتصل بهذا الفصل إذا أقام الرجل بينة على ثوب في يدي رجل أنه نسجه (١٩٧ب٤) ولم يشهدوا أنه له، أو ادعى دابة في يدي رجل أنها نتجت عنده ولم يشهدوا أنها له، أو ادعى أمة في يدي رجل أنها ولدت عنده ولم يشهدوا أنها أمته، فإنه لا يقضى للمدعي في هذه المسائل؛ لأن شهوده لم يشهدوا بالملك له نصاً وأنه ظاهر، ولا يقضى بشهادتهم بالولادة والنسج، لأن الإنسان قد ينسج غزل غيره بأمره بأجر أو إعانة، وقد تلد أمة الإنسان عند غيره. وكذلك في فصل الأمة، إذا شهدوا أنها أمة المدعي لا يقضى بها للمدعي؛ لأنهم لم يشهدوا بالملك للمدعي فيها نصاً وإنه ظاهر، ولا يقضى بشهادتهم أنها ابنة أمة، إذ ليس من ضرورة كونها ابنة أمته أن تكون ملكاً له، فإن المولى إذا استولد أمة نفسه وولدت بنتاً فهذه ابنة أمته، وليست بمملوكة له، وكذلك الأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن مولاها على أنها حرة، فولدت ابنة فهذه ابنة أمة هذا الرجل، وليست بمملوكة له، وكذلك الرجل إذا باع ابنة أمته من إنسان فهذه ابنة أمة البائع بعد البيع، وليست بمملوكة له. فرق بين هذه المسألة وبينما إذا شهد الشهود أن هذا العبد ولدته أمة هذا المدعي، فإن هناك يقضى بالعبد للمدعي، والفرق: أن في مسألة العبد الشهود شهدوا بملكية الولد حيث قالوا: هذا العبد، وشهدوا بملكية أمة المدعي وقت الولادة، والأمة المملوكة للإنسان لا تلد ولداً مملوكاً لغير المالك، فكأنهم شهدوا بملكية الولد للمدعي، أما في مسألة البنت ما شهدوا على ملكية البنت؛ لأنهم شهدوا أنها بنت أمته وليس من ضرورة كونها ابنة الأمة أن تكون مملوكة أصلاً، لجواز أنها علقت حرة الأصل.

стр. 4181

والحاصل: أن الشهادة بولادة العبد والأمة من أمة إنسان، شهادة بملك العبد والأمة لمولى الأمة والشهادة بولادة الابن والأمة من أمة إنسان ليست بشهادة بملك الابن والبنت لمولى الأمة. ولو شهدوا على ثوب في يدي رجل أنه غزل من قطن فلان ونسج منه، فإنه لا يقضي بالثوب لفلان؛ لأنهم لم يشهدوا بالملك لفلان، فقد يغزل القطن وينسج ولا يكون المنسوج ملكاً لصاحب القطن بأن غزل ونسج بغير أمره، هكذا ذكر في «الأصل» وذكر بعد هذه المسألة مسائل منها. إذا شهدوا أن فلاناً غزل هذا الثوب من قطن فلان، وهو يملك القطن ونسج الثوب هل للمدعي أن يأخذ الثوب، وجعله على وجهين: إما أن يدعي المدعي الأمر بالغزل والنسج أو ينكر، فإن كان ينكر فلا يكون له أخذ الثوب، ولكن يضمنه قطناً مثل قطنه، لأنه ثبت ملك القطن للمدعي بهذه الشهادة، وثبت غزل ذي اليد ذلك القطن ونسجه، ولم يثبت أمر المدعي بذلك فكان الغزل والنسج بغير أمر المدعي، وهذا مما يقطع ملكه عن العين فلا يكون للمدعي حق الأخذ ولكن له أن يضمنه قطناً مثل قطنه، وإن ادعى الإذن فالقول قوله مع اليمين، وله أن يأخذ الثوب، ولو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع حصل من أرض فلان لا يقضي لصاحب الأرض بملك الحنطة باتفاق الروايات؛ لأنهم لم يشهدوا له بملك الحنطة فقد يحصد من أرض إنسان ما لا يكون مملوكاً له، بأن كان الزارع غاصباً للأرض فهل يقضى له بأخذ الحنطة؟ فقد ذكر في رواية أبي سليمان أنه لا يقضى. وجه ما ذكر في رواية أبي سليمان: أنه كما لم يثبت الملك لصاحب الأرض في هذه الحنطة بهذه الشهادة، لم يثبت الأخذ من يده بهذه الشهادة، لأن الشهود لم يعينوا الأخذ، فكان المشهود عليه بالأخذ مجهولاً وجهالة المشهود عليه يوجب بطلان الشهادة. وجه ما ذكر في رواية أبي حفص أنهم شهدوا بالأخذ من يده؛ لأن الحصاد أخذه وقد شهدوا بالحصاد من أرضه، وأرضه في يده فكأنهم شهدوا بالأخذ من يده، قوله بأن المشهود عليه بالأخذ مجهول، قلنا لا بل هو معين ولكن اقتضاء لا نصاً، لأن المأخوذ في يده فيكون هو الآخذ. قالوا: وما ذكر في رواية أبي سليمان أصح، لأنه ليس من ضرورة كون المأخوذ من يده أن يكون هو الآخذ غير ذي اليد، وقد أودعه صاحب اليد، وصاحب اليد يحوله عن موضعه حتى لم يصر غاصباً.Y قال شيخ الإسلام ﵀: إذا شهدوا أن هذا الشيء أخذ من يد هذا المدعي، ولم يعينوا الأخذ يجب أن تكون المسألة على الروايتين أيضاً، على رواية أبي سليمان لا يقضى بالأخذ وعلى رواية أبي حفص يقضى. قال: وهذا بخلاف ما لو شهدوا أن هذا الثوب غزل من قطن فلان، ونسج حيث لا يكون لفلان أن يأخذ الثوب، لأن هناك لم يثبت أخذ المنسوج من يده، إنما يثبت أخذ

стр. 4182

القطن وهو يريد أخذ المنسوج، ولم يثبت أخذ المنسوج من يده. وإذا شهدوا أن هذا التمر أخذ من نخيل هذا المدعي قضي بالثمن للمدعي، لأن الشهادة بأخذ التمر من نخيله شهادة بملك التمر له، لأن ما يكون على نخيل إنسان من التمر يكون ملكاً له، إلا أن يملكه من غيره بخلاف الحنطة التي في أرض إنسان، لأن الحنطة التي في أرض إنسان قد تكون ملكاً لغير صاحب الأرض، وإذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع كان في أرض فلان، هذا الزبيب من كرم كان في أرض فلان لا يقضي بالحنطة والزبيب لفلان. فرق بين هذه المسائل، وبينما إذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع فلان، هذا التمر من نخيل فلان، هذا الزبيب من كرم فلان، فإنه يقضى بذلك لفلان، والفرق: أن في الفصول الأخيرة لم يشهدوا لفلان بملك هذه الأشياء اقتضاء، لأنهم أضافوا أصل هذه الأشياء إليه، فإنهم قالوا: من كرمه، من نخيله، من زرعه، والشهادة بملك الأصل شهادة بملك ما يحدث فيه، أما في الفصول الأول فما شهدوا بملك هذه الأشياء لفلان، لا نصاً، ولا اقتضاء، لأنهم ما أضافوا أصل هذه الأشياء إليه بل شهدوا أنه كان في أرضه وقد يكون في أرض فلان زرع غيره ونخيل غيره فلهذا افترقا. ولو شهدوا على إقرار ذي اليد أن هذه الحنطة من زرع كان في أرض فلان قضي بالحنطة لفلان. فرق بين هذا وبينما إذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع كان في ملكه، والفرق: أن في إقراره بيان أنه كان في يده قبل هذا، فكأنه قال: كان في يده أمس وهناك يؤمر بالرد عليه وفي الشهادة أيضاً بيان، لأنه كان في يده قبل هذا إلا أن الشهود لو شهدوا أنه كان في يد هذا أمس لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ومحمد، ولو شهدوا على جلد أو صوف أو لحم في يدي رجل أنه صوف شاة هذا المدعي، لحم شاة هذا المدعي، جلد شاة هذا المدعي، لا يقضى به للمدعي. فرق بين هذه المسائل وبينما إذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع فلان، هذا التمر من نخيل فلان، هذا الزبيب من كرم فلان، فإن في هذه الفصول يقضى بهذه الأشياء للمدعي. قال عيسى بن أبان ﵀: وكان ينبغي أن يقضى للمدعي في جميع هذه الفصول أو لا يقضى له في جميع هذه الفصول، فأما الفرق فلا وجه إليه وبالغ في ذلك بعض المشايخ. وبعض مشايخنا قالوا: إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع في بعض المواضع، وضع المسألة بحرف من وإنه للتبعيض فقد جعلوا المدعى به بعض ملك المدعي، وبعض ملك الإنسان ملكه، فقد شهدوا للمدعي بملكية المدعى به، فقضي له به، وفي بعض المواضع لم يذكروا حرف من فلم يجعلوا المشهود به بعض ذلك المدعى، إنما نسبوه إلى ملكه حيث قالوا: جلد شاته، صوف شاته، وليس من ضرورة كون الشيء

стр. 4183

منسوباً إلى ملك الغير أن يكون مملوكاً لذلك (١٩٨أ٤) الغير فلم يشهدوا للمدعي بملكية المدعى به، فلا يقضى له به وهذا القائل يقول: لو ذكروا حرف من في المسائل كلها لكان يقضى للمدعي في المسائل كلها، ولو لم يذكروا حرف من في المسائل كلها، لكان لا يقضى للمدع في المسائل كلها، وإلى هذا ذهب شمس الأئمة الحلواني ﵀. ومن المشايخ من قال: لا بل بين هذه المسائل فرق، وإليه مال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، والفرق: أن في مسألة الحنطة وأخواتها شهدوا بملك هذه الأشياء من توابع النخيل والكرم لا محالة، لأنها متولدة من النخيل والكرم والشهادة بملك مطلق في الأصل شهادة بملك توابعه، فأما الجلد والرأس تبع للشاة من وجه وأصل من وجه، تبع من حيث إنها من أوصاف الشاة، وأصل من حيث إنها تقوم بعد المزايلة بنفسها، وكذلك لم يحدث هذه الأشياء من الشاة بل كان حدوثها مع الشاة معاً، فبهذا الاعتبار يكون أصلاً والشهادة بملك أحد الأصلين لا تكون شهادة بملك الأصل، شهادة بملك التبع، فلا تثبت الشهادة بملكية هذه الأشياء مع الاحتمال. ولو شهدوا على دقيق في يدي رجل أنه طحن هذا الدقيق من حنطة هذا المدعي لا يقضى بالدقيق للمدعي، والجواب فيه كالجواب فيما إذا شهدوا أنه غزل هذا الثوب من قطن فلان، ونسج فيه سواه. ولو شهدوا أن هذه الدجاجة ملك المدعي، فالقاضي لا يقضي بالدجاجة للمدعي، إذ ليس من ضرورة كون البيضة مملوكة لإنسان أن تكون الدجاجة الخارجية منها ملكاً له، فإنه إذا غصبها غاصب وخرج منها دجاجه، فالدجاجة تكون للغاصب ولا تكون لصاحب البيضة، كحنطة غصبها غاصب وزرعها، فإن الحب الذي يحصل يكون للغاصب كذا ههنا، ولكن يقضى على صاحب اليد ببيضة مثلها لا أمر صاحب اليد أنه فرخها. فرق بين هذه المسألة وبينما إذا شهدوا على جارية أو شاة، وقالوا: الأمة التي خرج منها هذه الجارية، والشاة التي خرجت منها هذه الشاة ملك المدعي، فإنه يقضى بالجارية والشاة للمدعي، والفرق: أن كون الأمة وكون الشاة مملوكة لإنسان ملكاً مطلقاً يوجب حدوث الولد على ملكه لا محالة، سواء كانت الولادة في يده أو يد الغاصب، إذا لم يوجد من المالك تمليك الولد ولم يظهر ههنا تمليك الوالد من الولد من صاحب اليد، فكانت الشهادة بملكية الأمة والشاة مطلقاً شهادة بملك الولد. أما كون البيضة مملوكة لإنسان ملكاً مطلقاً، لا يوجب حدوث الدجاجة الخارجة على ملك صاحب البيضة فلم تكن الشهادة بكون البيضة مملوكة للمدعي شهادة تكون الدجاجة الخارجة منها ملكاً للمدعي. قال: ثوب مصبوغ بالعصفر في يدي رجل شهد الشهود أن هذا العصفر الذي في هذا الثوب لهذا المدعي، صبغ هذا الثوب به ورب الصبغ يدعي على رب الثوب أنه هو الذي صبغه، ورب الثوب يجحد ذلك فالقول قول رب الثوب، لأن رب العصفر يدعي عليه ثمن عصفره، ورب الثوب ينكر، وليس في شهادة هؤلاء ما يوجب ذلك، فإن ثوب

стр. 4184

الإنسان إذا هبت به الريح وألقته في صبغ إنسان، فرب الثوب لا يضمن الصبغ، ولكن يقوم الثوب أبيض ويقوم مصبوغاً، فإن شاء رب الثوب ضمن لرب العصفر ما زاد العصفر فيه وإلا يباع الثوب، فيضرب صاحب الثوب في الثمن بقيمة ثوبه أبيض، ويضرب صاحب الصبغ بما زاد العصفر فيه. قال هشام: قال محمد: سمعت أبا يوسف يقول: إذا كان في يدي رجل أمة، وأثبت هذه أمته وأخذها منه لم يكن له على الابنة سبيل. وإذا أقام البينة على نخل في يدي رجل بأنه نخله وثمرة هذا النخل في يدي الرجل الآخر، أخذ الثمرة والنخل ولا يشبه الثمر الولد. ألا ترى أن لو أوصى بغلة نخلة عشر سنين جاز، ولو أوصى بما يصبغ ثيابه عشر سنين لا يجوز. قال هشام: أيضاً سألت محمداً عن أرض مزروعة حنطة، أقام آخر بينة أن الأرض له، أو قالت البينة لا ندري لمن الزرع، قال: إذا لم يعلم الزرع فالزرع يتبع الأرض، قلت فإن أقام الذي في يده الأرض بينة أنه هو الذي زرع، يجعل له الزرع، قال: نعم، قلت: فإن كان الزرع محصوداً أو كدساً والشهود لم يشهدوا بالزرع لأحد، قال: الزرع لمن في يديه الأرض. يجب أن يعلم أن الحائط المتنازع فيه لايخلو، إما أن لا يكون متصلاً ببنائهما ولكن يكون بين داريهما، أو يكون متصلاً ببناء أحدهما، والاتصال نوعان: اتصال تربيع، واتصال مجاورة وملازقة، ولايخلو إما أن يكون لهما عليه شيء من الجذوع والهراوي، أو كان لهما عليه جذوع أو كان لهما عليه هراوي أو كان لأحدهما عليه جذوع وللآخر هراوي. فإن لم يكن الحائط متصلاً ببنائهما، ولم يكن لهما عليه شيء من الجذوع وغيره، فإنه يقضى بالحائط بينهما، هكذا ذكر في «الأصل» وإنما كان كذلك لأنهما استويا في الدعوى وليس ثمة من ينازعهما فيه، وليس أحدهما بأولى من الآخر فيقضى بينهما، ومعنى قوله يقضي بينهما: أنه إذا عرف كونه في أيديهما يقضى بينهما قضاء ترك على ما كان، وإن لم يعرف كونه في أيديهما وادعى كل واحد منهما أنه ملكه وفي يديه يجعل في أيديهما، لأنه لا منازع لهما فيه، لا أنه يقضي بينهما. هذا كدار ادعاها رجلان يدعي كل واحد منهما أنه ملكه وفي يديه، فإن لم يعرف أنها في يديه يجعل في أيديهما، لأنه لا منازع لهما فيها لا أنه يقضي بينهما، وإن عرف

стр. 4185

أنها في أيديهما يجعل في أيديهما على ما كان كذا ههنا. وكذلك إن كان لأحدهما عليه هراوي أو بواري، ولا شيء للآخر عليه يقضي بينهما، لأن موضع الهراوي لا يثبت على الحائط يد استعمال، لأن الحائط إنما يبتني للسقف، وذلك للوضع بالجذوع عليه لا بوضع البواري والهراوي، لأن السقف على الهراوي والبواري لا يمكن، وإنما توضع الهراوي والبواري للاستظلال، والحائط لا يبنى للاستظلال، وهو نظير ما لو كان لأحدهما على الحائط ثوب مغصوب مبسوط ولا شيء للآخر، وهناك يقضى بالحائط بينهما، لأن صاحب الثوب غير مستعمل للحائط بالطريق الذي قلنا كذا ههنا. وإن كان لأحدهما عليه جذوع ولا شيء للآخر، فإنه يقضى به لصاحب الجذوع، لأن لصاحب الجذوع يداً مستعملة وللآخر مجرد يد بلا استعمال، فيكون صاحب اليد المستعملة أولى، كدابة تنازع فيها اثنان أحدهما راكب والآخر أخذ بلجامها فالراكب أولى، وكذلك إذا كان لأحدهما عليها حمل وللآخر مخلاة، فصاحب الحمولة أولى، لأن له يد مستعملة وليس للآخر إلا مجرد يد بلا استعمال، وكثوب تنازع فيه اثنان وأحدهما لابسه والآخر متعلق بطرف منه، كان اللابس أولى، وكذلك هذا. وإنما اعتبر الاستعمال ترجيحاً إذا استويا في اليد، لأن للاستعمال زيادة دليل على الصدق ليس من جنس اليد فيصلح للترجيح كيد ذي اليد في دعوى النكاح والشراء من ثالث، فإن بينة ذي اليد تترجح باليد، لأن اليد دليل زائد على الصدق، وإنه من خلاف جنس البينة فصلح لترجيح إحدى البينتين، فكذا الاستعمال دليل زائد على الصدق، لأن الظاهر أن الاستعمال إنما يكون من المالك، كما أن الظاهر أن اليد تكون للمالك لا لغيره، وأنه ليس من جنس اليد لأن الاستعمال انتفاع بعد ثبوت اليد، فكان جنساً آخر سوى اليد فيصلح للترجيح، وكذلك إذا كان للآخر عليه هراوي؛ لأن الهراوي ليس باستعمال للحائط على ما بيّنا، فيكون وجوده وعدمه بمنزلة. وإن كان لأحدهما عليه جذوع وللآخر عليه (١٩٨ب٤) حائط سترة، فالحائط الأسفل لصاحب الجذوع لكونه مستعملاً له موضع حمل مقصود عليه ولصاحب السترة، السترة على حالها بمنزلة سفل لأحدهما، وعليه علو لآخر. وإن كان لأحدهما جذع واحد، ولا شيء للآخر أو للآخر عليه هراوي هل يقضى لصاحب الجذوع الواحد؟ لم يذكر محمد ﵀ هذا في ظاهر الرواية، وقال بعض مشايخنا: إنه لا يقضى لصاحب الجذع الواحد، لأن الحائط لا يبنى لوضع جذع واحد فكان كما إذا كان له عليه هراوي. وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال: يقضى لصاحب الجذع الواحد، وذلك لأن لصاحب الجذع الواحد، وذلك لأن لصاحب الجذع مع اليد نوع استعمال، لأن وضع الجذوع استعمال للحائط قضينا لصاحب الجذوع، فيكون وضع جذع واحد استعمالاً للحائط بقدره، وليس للآخر ذلك فيكون صاحب الجذع الواحد أولى، بسبب الاستعمال

стр. 4186

كما يكون أولى لو كان له جذوع ولا شيء للآخر عليه هراوي وبواري، هذا إذا لم يكن الحائط المتنازع فيه متصلاً ببنائهما. وأما إذا كان الحائط المتنازع فيه متصلاً ببنائهما إن كان اتصالهما جميعاً اتصال تربيع أو اتصال ملازقة، فإنه يقضى بينهما نصفان، لأنهما استويا في الدعوى والاتصال بالأرض والبناء جميعاً، ليقضى بهما نصفان، وأما إذا كانت اتصال أحدهما اتصال تربيع واتصال الآخر اتصال ملازقة، فصاحب التربيع أولى لأن صاحب التربيع مستعمل للحائط المتنازع فيه، لأن قوام الحائط بقدر التربيع بالحائط المتنازع فيه، لأن تفسير التربيع إذا كان الحائط من مدر أو آجر كان أنصاف لبن الحائط المتنازع فيه داخلاً في أنصاف لبن غير المتنازع فيه وأنصاف لبن غير المتنازع داخلاً في المتنازع فيه. وإن كان الجدار من خشب، فالتركيب أن يكون ساحة أحدهما مركبة في الأخرى، فأما إذا ثقب ودخل لا يكون تربيعاً، وإذا كان تفسير التربيع هذا كان لصاحب التربيع مع الاتصال نوع استعمال، وللآخر مجرد اتصال من غير استعمال، فيكون الاتصال أولى بمنزلة الراكب على الدابة والمتعلق باللجام، فإن الراكب أولى لأن له مع الاتصال استعمال فكذلك هذا، فأما إذا كان متصلاً ببناء أحدهما اتصال ملازقة واتصال تربيع، وليس للآخر اتصال ولا له عليه جذوع، فإنه يقضي لصاحب الاتصال، إن كان اتصال تربيع فلا إشكال وإن كان اتصال ملازقة فكذلك؛ لأنهما استويا في حق الاتصال بالأرض المملوك، ولأحدهما زيادة اتصال من خلاف جنس الأول، وهو الاتصال بالبناء فيترجح على الآخر. وكذلك إذا كان متصلاً ببناء أحدهما وللآخر عليه هراوي، يقضى لصاحب الاتصال، لأن الهراوي وجوده كعدمه، وإن كان لأحدهما اتصال تربيع وللآخر عليه جذوع، فإن كان الاتصال في طرفي الحائط المتنازع فيه فصاحب الاتصال أولى، عليه عامة المشايخ، وهكذا روي عن أبي يوسف في «الأمالي» وفسر الكرخي ذلك، فقال: أن يكون للحائط المتنازع فيه تداخل بجانبيه بحائطين لأحدهما، والحائطان متصلان بحائط آخر لصاحب الحائطين بمقابلة الحائط المتنازع، حتى يصير مربعاً شبه القبة فحينئذٍ يكون الكل في حكم بناء واحد، فصاحب هذا الاتصال أولى على ما ذكره الكرخي. وعن أبي يوسف ﵀: أن المعتبر اتصال جانبي الحائط المتنازع فيه بحائطين لأحدهما، أما اتصال الحائطين بحائط آخر له غير معتبر، وإن كان لوجدنا كذبه، قال شمس الأئمة السرخسي: عليه عامة المشايخ فقد ترجح صاحب الاتصال على صاحب الجذوع، وإن كان لكل واحد منهما على الحائط يد استعمال؛ لأن الاستعمال بالتربيع سابق على الاستعمال بالجذوع، لأن التربيع يكون حالة البناء وحالة البناء يكون سابقاً على وضع الجذوع، فالاستعمال بالتربيع يكون سابقاً على الاستعمال بوضع الجذوع، فكان صاحب الاتصال أولى لهذا إلا أنه لا يرفع جذوع الآخر، بخلاف ما لو أقام صاحب التربيع بينة على أن الحائط له، فإنه يرفع جذوع الآخر.

стр. 4187

والفرق وهو: أن البينة حجة مطلقة، يظهر في حق الرفع والإبطال والاستحقاق على الغير، ألا ترى أن الملك الثابت بالبينة كما صلح للرفع صلح لاستحقاق الشفعة على الغير؟ فأما اتصال التربيع فهو نوع ظاهر، فالملك الثابت به ثابت بنوع ظاهر، والظاهر يصلح للرفع ولا يصلح لإبطال حق صاحب الجذوع، وإن كان الاتصال في طرف واحد، ذكر شيخ الإسلام أن صاحب الاتصال أولى، وبه أخذ الطحاوي والشيخ الفقيه عبد الله المرشد، وذكر شمس الأئمة السرخسي: أن صاحب الجذوع أولى، وإن كان في إعطاء الحائط المتنازع فيه عود مركب على عود هو على حائط أحدهما خاصة والآخر عليه جذوع، فصاحب الجذوع أولى، لأن صاحب الجذوع مستعمل للحائط بجذوعه، وللآخر مجرد اتصال. وإذا كان لأحدهما على الحائط عشر خشبات، وللآخر ثلاث خشبات فصاعداً إلى العشرة فالحائط بينهما، لأنهما استويا في الاستعمال الذي بني الحائط لأجله؛ لأن الحائط بني للسقف، والسقيف كما يصلح بالعشرة يحصل بما دون ذلك إلى الثلاث، فاستويا في اليد أكثر ما في الباب أن لصاحب العشرة زيادة استعمال، إلا أن الجنس واحد والترجيح لا يثبت بالزيادة في الجنس الواحد، فلهذا يقضي بينهما، هذا هو جواب ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف في «الأمالي» إن أبا حنيفة كان يقول أولاً كما هو ظاهر الرواية ثم رجع وقال: يقضى لكل واحد منهما بما تحت خشبته، لأن ما تحت خشبته في يده وصاحبه خارج فيه، والقول قول صاحب اليد، والباقي بينهما لاستوائهما فيه. وعن أبي يوسف أنه كان يقول أولاً فيما إذا كان لأحدهما عليه

стр. 4188

عشر خشبات، وللآخر ثلاثة كما هو ظاهر الرواية ثم رجع وقال: يقضى بالحائط لصاحب العشرة، لأن يد الاستعمال أقوى إلا أنه لا يؤمر الآخر برفع الجذوع، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية. ولو كان لأحدهما عليه عشر خشبات إلى الثلاث وللآخر عليه ما دون الثلاث خشبة أو خشبات، فالحائط لصاحب الثلاث فصاعداً إلى العشرة ولصاحب ما دون الثلاث موضع جذعه مع أصل الحائط، ومعناه أنه يقضى بملك الحائط بينهما على قدر جذوعهما، لا أنه يقضى بملك الحائط لصاحب العشرة وللآخر مجرد حق الوضع، إذ لو كان المراد ذلك لكان يقال: الحائط لصاحب العشرة وللآخر حق وضع الجذع كما قال، وللآخر موضع جذعه مع أهل الحائط، علمنا أنه أراد به أن الحائط بينهما على عدد أجذاعهما، حتى أنه إذا كان لأحدهما عشر جذوع وللآخر جذع واحد يقضى بينهما، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف، وكان ينبغي في القياس يقضى بينهما، هكذا ذكر الكرخي في «مختصره» ، قال في «النوازل» : وكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان بالقياس أولاً ثم رجعا عنه. وذكر الحاكم الشهيد في «المختصر» في كتاب الدعوى: أنه إذا كان لأحدهما عليه عشر خشبات، وللآخر عليه خشبة واحدة، ذكر في كتاب الصلح: أن لكل واحد منهما ما تحت خشبته، ولا يقضى بينهما نصفان يستحسن ذلك في الخشبة الواحدة ونحوها في كتاب الإقرار هو لصاحب العشرة، إلا موضع الخشبة. قال القدوري: أراد بقوله في كتاب الإقرار هو لصاحب العشرة إلا موضع الخشبة استثناء حق الوضع يعني لصاحب القليل حق وضع خشبة. وفي «المنتقى» قال أبو يوسف: إذا كان لأحدهما على الحائط أجذع، وللآخر عليه أكثر من ذلك جعله بينهما نصفان، ثم قال بعد ذلك: إذا كان لأحدهما عليه ثلاثة وللآخر عليه عشرون (١٩٩أ٤) فالحائط لصاحب العشرين ولصاحب الثلاثة موضع جذوعه وإنما أجعله بينهما نصفين إذا تقاربت أو كان لصاحب الأقل أكثر من نصف جذوع الآخر. وجه القياس في التسوية بين الجذع الواحد والثلاثة فصاعداً، يقضى بينهما نصفان: أن الاستعمال بوضع الخشبة يثبت يد صاحبها على الحائط، فلا تعتبر الكثرة بعد ذلك للترجيح، كما لو تنازعا في ثوب وعامته في يد أحدهما، وطرفه في يد الآخر، وجه رواية التسوية بين الثلاث وما زاد عليها، وترجيح الثلاث فصاعداً على ما دون الثلاث أن صاحب الثلاث ساوى صاحب ما زاد على الثلاث في الاستعمال الذي يبنى الحائط لأجله وهو التسقيف، فإن التسقيف يتأتى بالثلاث كما يتأتى بما زاد على الثلاث، وأما صاحب الواحد لا يساوي صاحب الثلاث في ذلك، لأن التسقيف لا يتأتى بالواحد، أو إن كان يتأتى ولكن بطريق الندرة وظهر الفرق من هذا الوجه وفي بعض المواضع: جعل الخشبتان بمنزلة الثلاث وبه أخذ بعض المشايخ، لأنه يمكن التسقيف بهما كما يمكن بالثلاث. ثم على رواية كتاب الصلح، إذا قضي لكل واحد منهما بما تحت خشبته إذا كان لأحدهما عليه عشرة، وللآخر عليه واحد كيف يقضى بما بين الخشبات؟ لم يذكر هذا في «الكتاب» وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يقضى على أحد عشر سهماً، وبعضهم قالوا: يقضى بينهما نصفان لاستوائهما في ذلك. ألا ترى أن في الدار التي فيها منازل وفي يدي رجل منزل منها وفي يد آخر باقي المنازل، إذا اختلفا بالساحة يقضى بالساحة بينهما لاستوائهما في الساحة، كذا ههنا، وقال بعضهم بمنزلة الواحدة إذ لا يمكن التسقيف بهما إلا على سبيل الندرة. ومما يتصل بهذا الفصل قال أبو حنيفة ﵀: في خُصّ بين رجلين والقمط إلى أحدهما، وادعى كل واحد منهما الخُصّ، فإنه يقضى بالخُصّ بينهما ولا ينظر إلى القمط، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضى بالخُصّ لمن إليه القمط لأن الظاهر شاهد له؛ لأن الذي يشد الخُصّ يقوم

стр. 4189

وقت الشد على سطحه فيكون القمط إليه. وعلى هذا إذا اختلفا في حائط بينهما، ووجه البناء و..... اللبن والطاقات إلى أحدهما يقضى بالحائط بينهما عند أبي حنيفة، ولا يقضى لمن إليه وجه البناء و.... اللبن والطاقات، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضى لمن إليه وجه البناء و.... اللبن والطاقات؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لأن الظاهر أن المالك هو الذي يجعل وجه البناء والطاقات إلى نفسه، ولأبي حنيفة أن القمط بعض، و.... اللبن والطاقات بعض، والشيء لا يكون دليلاً على نفسه، وما قالا يدل على الملك، أما لا يدل على الملك على الخصوص، فالإنسان كما يزين وجه جدار خاص يزين وجه جدار مشترك لأجل النظر والاستراحة، وكذلك في الجص قد يجعل القمط إلى جانب جاره ليسوي جانبه حتى.h .... فيسقط الاحتجاج به، بقي ما ذكرنا من الدليل خالياً عن المعارض. قال محمد ﵀: رجل له باب من داره في دار رجل، فأراد أن يمر من ذلك الباب، ومنعه صاحب الدار عن المرور في داره، وقال: ليس لك حق المرور في داري، وادعى صاحب الباب أن له حق المرور، فالقول قول صاحب الدار، لأنه صاحب يد في الطريق، لأن الدار بجميع أجزائها في يده وصاحب الباب خارج، والقول قول صاحب اليد، وعلى الخارج البينة، فإن جاء بشهود فشهدوا أنه كان يمر فيها من هذا الباب لم يستحق بذلك شيئاً وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، لأن هذه شهادة قامت على يده على الطريق في الزمان الماضي، فكانت شهادة بيد منقضيه، والشهادة بيد منقضيه باطلة عندهما. فإن شهدوا أن له طريقاً ثانياً فيها وسموا حدوده وبينوا طوله وعرضه بالذرعان، قبلت شهادتهم وقضي له بذلك، وكذلك إذا لم يبينوا حدوده ولا طوله ولا عرضه، تقبل شهادتهم ويقضى به بقدر عرض الباب الأعظم عرضاً، وإلى المسمى طولاً هكذا ذكر في «الكتاب» . من المشايخ من قال: المسألة مؤولة وتأويلها: أنهم شهدوا على إقرار المدعى عليه أن للمدعى عليه طريق ثابت في هذه الدار، أما لو شهدوا على الثبات لا تقبل شهادتهم، لأن مقدار الطريق متفاوت فهذه شهادة بالمجهول، والشهادة بالمجهول باطلة، والأصح: أن هذه الشهادة مقبولة على كل حال، لأن الجهالة إنما تمنع قبول الشهادة لتعذر القضاء

стр. 4190

بالمشهود به، والقضاء بالمشهود به ههنا ممكن، لأن مقدار عرض الطريق حالة الاستثناء مقدر بعرض باب الدار، ألا ترى أن الشركاء لو اختلفوا في مقدار الطريق عرضاً يقدر بذلك. قال الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص الكبير ﵀: هذا إذا لم يثبتوا العرض والطول، لأن شهادتهم بدون الطول والعرض جائزة، وربما يصير بيان ذلك لرد الشهادة، وذكر أبو سليمان ﵀: إذا بين الطول والعرض فذلك أجوز، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في الفصل الثاني من «الكتاب» . وكذلك لو شهدوا أن أباه مات وترك طريقاً في هذه الدار ميراثاً له، قبلت الشهادة، وكذلك على هذا إذا كان له باب مفتوح من داره على حائطه في زقاق، وأنكر أهل الزقاق أن يكون له حق المرور في زقاقهم فلهم منعه، إلا أن تقوم له بينة على أن له طريقاً ثابتاً فيها، على نحو ما ذكرنا في الدار. وإذا كان لرجل ميراث في دار رجل فأراد رب الدار أن يمنعه من أن يسيل فيه الماء، فله منعه حتى يقيم البينة أن له حق تسييل الماء فيه وليس لصاحب الدار أيضاً أن يقطع الميراث، وهذا لأن وضع الميراث في الأصل محتمل يحتمل أن يكون بحق بأن شرط في القسمة لهذا الرجل حق تسييل الماء في دار هذا الرجل، ويحتمل أن يكون بغير حق، فبالشك لا يثبت لصاحب الميراث حق تسييل الماء ولا يثبت لصاحب الدار حق قطع الميراث، وذلك في كتاب الشرب، في نهر في أرض رجل يسيل فيه الماء، واختلفا في ذلك، فالقول قول صاحب الماء إلا أن في مسألة كتاب الشرب: وضع المسألة فيما إذا كان جارياً وقت الخصومة، وإذا كان جارياً وقت الخصومة لا شك أنه يكون القول قول صاحب الماء، لأن صاحب الماء في هذه الحالة صاحب يد في النهر، فيكون القول قوله فيه، وكان له حق تسييل الماء فيه إلا أن يقيم صاحب الأرض بينة أن النهر ملكه. وكذلك إذا لم يكن جارياً وقت الخصومة، إلا أنه علم أنه كان يجري إلى أرض هذا الرجل قبل ذلك، كان القول قول صاحب الماء، ويقضى له بالنهر إلا أن يقيم صاحب النهر بينة أن النهر ملكه، حتى أن في مسألة النهر إذا لم يكن الماء جارياً إلى أرض هذا الرجل وقت الخصومة، ولم يعلم بجريانه إلى أرضه قبل ذلك، فإنه يقضى لصاحب الأرض بالنهر إلا أن يقيم صاحب الماء بينة أن النهر ملكه. وفي مسألة الميراث وضع المسألة فيما إذا لم يكن الماء جارياً وقت الخصومة، ولا علم جريانه قبل ذلك، وإذا كان هكذا فصاحب الماء لا يكون صاحب يد في هذه الحالة، فلا يقبل قوله وهذا بلا خلاف بين المشايخ، فأما إذا كان الماء جارياً في الميراث وقت الخصومة: فقد اختلف المشايخ فيه، منهم من قال: القول قول صاحب الميراث كما في مسألة النهر، ومنهم من قال: القول قول صاحب الميراث، وفرّق هذا القائل بين مسألة النهر وبين مسألة الميراث. وذكر الفقيه أبو الليث عن المتأخرين من أصحابنا أنهم استحسنوا (١٩٩ب٤) في

стр. 4191

الميراث إذا كان تصويب سطح صاحب الميراث إلى موضع الميراث وعلم أن التصويب قديم أن يجعل له تسييل الماء؛ لأن الظاهر شاهد له والقديم حجة شرعية، فإن جاء صاحب الميراث ببينة فشهدوا أنهم رأوه يسيل فيه الماء فليست هذه الشهادة بشيء، وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأنهم شهدوا له بيد منقضية، وإن شهدوا أن له مسيل ماء في هذا الميراث فإن عنوا أنه لماء المطر، أو لماء الوضوء؛ أو لماء الاغتسال فلا شك أن هذه الشهادة مقبولة، ويكون له ما شهدوا له به إن شهدوا أنه لماء الوضوء والاغتسال، فهو لماء الوضوء والاغتسال، وليس له أن يسيل فيه ماء المطر. وإن لم يثبتوا شيئاً من ذلك؛ ذكر في «الكتاب» أن الشهادة مقبولة واختلف المشايخ فيه؛ فمنهم من قال: المسألة مؤوَّلة وتأويلها: أنهم شهدوا على إقرار صاحب الدار أن له مسيل ماء في داره في هذا الميراث، وإذا كان هكذا لا شك أن الشهادة تقبل؛ لأنه ثبت إقراره بالبينة؛ وإقراره حجة عليه، ويرجع في البيان إليه أنه لماء المطر أو لماء الوضوء والاغتسال، فأما إذا شهدوا على ... ؟ ولم يثبتوا شيئاً من ذلك؛ لا تقبل الشهادة لأن العمل بإطلاق اللفظ هنا غير ممكن، لأن ضرر ماء المطر مع ضرر ماء الوضوء يقل ويدوم، وإذا كان الضرر مختلفاً كان الجنس مختلفاً، واللفظ الواحد لا ينتظم أمرين مختلفين كاسم القرء وأشباهه، وإنما يتناول أحدهما، وذلك الواحد مجهول فلا تقبل الشهادة. ومن المشايخ من قال: لو تقبل الشهادة ماذا يثبت بعضهم؟ قالوا: يثبت حق مسيل ماء المطر، ومنهم من قال: يثبت كلا الأمرين حق مسيل ماء المطر، وحق مسيل ماء الوضوء والاغتسال. ومنهم من قال: يؤمر صاحب الدار بالبيان؛ فإن قال: لماء الوضوء، فهو لماء الوضوء لا غير، وإن قال: لماء المطر فهو لماء المطر لا غير، ويحلف على الآخر؛ لأن هذا أمر يجري فيه البدل والإقرار فيجري فيه اليمين. وإن شهدوا أنه مسيل ماء دائم للوضوء والاغتسال وماء المطر فهو جائز، ويثبت جميع ذلك ولو لم يكن للمدعي بينة أصلاً استحلف صاحب الدار ويقضي فيه بالنكول. وفي «المنتقى» : قال هشام: سألت محمداً ﵀ عن نهر عظيم الشرب لأهل قرى لا يحصون، حبسه قوم من أعلى النهر عن الأسفلين، وقالوا: هو لنا وفي أيدينا، وقال الذين في أسفل النهر: هو لنا كله ولا حق لكم فيه. قال: إذا كان النهر يجري إلى الأسفلين يوم يختصمون ترك على حاله يجري كما يجري وشربهم جميعاً منه كما كان وليس للأعلين أن يسكروه عنهم، وإن كان الماء منقطعاً عن الأسفلين يوم يختصمون ولكن علم أنه كان يجري إلى الأسفلين فيما مضى وأن أهل الأعلى يحبسوه عنهم، أو أقام أهل الأسفل بينة أن النهر كان يجري إليهم، وأن أهل الأعلى حبسوه عنهم أمر أهل الأعلى بإزالة الحبس عنهم، وهذه المسألة دليل على أن الشهادة على يد منقضية صحيحة

стр. 4192

عند محمد. قال هشام: قلت لمحمد: أرأيت هؤلاء الذين لا يحصون إذا ادعى بعضهم هذا النهر، وأقام البينة أنه لقرى معلومة لا يحصى أهلها انقضى بها لتلك القرية بدعوى هذا وإقامته البينة والمدعى عليهم لا يحصون، وقد حضر بعضهم وفيهم الصغير والكبير؛ قال محمد ﵀: إذا كان هذا على ما يصف قائماً هذا النهر بمنزلة طريق من طرق المسلمين نافذ، فإن أقام قوم البينة أنه لهم دون غيرهم استحقوه وخرج من أن يكون بهذا لجماعة المسلمين، وصار لأهل تلك القرى خاصة، واكتفى القاضي بواحد من المدعين، وبواحد من المدعى عليهم، وإن كان النهر خاصاً لقوم معروفين يحصون؛ لم يقضِ عليهم بحضور واحد منهم وقضى على من حضر منهم. قال محمد ﵀ في «الأصل» : وإذا كان الدار التي يدعي فيها المسيل، أو الطريق بين ورثة، فأقر بعضهم بالمسيل والطريق وجحد ذلك الباقون لم يكن للمقر له أن يمر فيه والآن يسيل فيه الماء؛ لأن الإقرار بالطريق والمسيل من بعض الشركاء إقرار باطل؛ لأن الطريق والمسيل إنما يكون في مكان بعينه، وإقرار أحد الشريكين بمكان بعينه من الموضع المشترك إقرار باطل؛ لأن الساكت يتضرر بهذا الإقرار زيادة ضرر؛ لأنه يحتاج إلى قسمتين: قسمة مع المقر له حتى يتميز نصيبه، وقسمة أخرى مع المقر في هذا المكان المقر به وعند ذلك عسى يتفرق أنصباؤه، وفي ذلك ضرر له ويصرف بعض الشركاء في الموضع المشترك على وجه يوجب زيادة ضرر بالباقين باطل، وإذا بطل هذا الإقرار صار وجوده وعدمه بمنزلة ولو عدم كان الجواب كما قلنا، فهاهنا كذلك. وهذا بخلاف ما لو أقر بعض الشركاء بجزء شائع من الدار المشترك بينه وبين غيره حيث يصح الإقرار لأنه ليس في هذا الإقرار زيادة ضرر على ما في يد الشركاء؛ لأن الساكت لا يحتاج إلى قسمتين؛ إنما يحتاج إلى قسمة واحدة بينه وبين المقر ثم يدخل المقر له في نصيب المقر، وبخلاف ما لو أقر بعض الشركاء بنصيبه من الشراب أو ببعض نصيبه حيث يصح هذا الإقرار، وإن أقر بإجراء الماء في مكان بعينه وهو النهر كما في الطريق؛ لأنه ليس في هذا الإقرار زيادة ضرر بالساكت؛ لأنه لا يحتاج إلى قسمتين لأن قسمة الشرب إنما تكون من حيث المهايأة كما قبل الإقرار، ويصير لومة المقر له إن أقر له بجميع نصيبه، وإذا أقر له ببعض نصيبه يدخل المقر له في لومة المقر، فلا يلحق الساكت زيادة ضرر بهذا الإقرار أما هاهنا بخلافه. فإن قسم الورثة هذه الدار بعد هذا الإقرار من بعض الشركاء فوقع الطريق والمسيل في نصيب المقر يؤمر بتسليمه إلى المقر له، وينقلب ذلك الإقرار صحيحاً لزوال المانع من صحته، وهو ضرر الساكت، وإن وقع الطريق والمسيل في نصيب المقر، فالمقر يضرب بنصيبه إلا قدر الطريق والمسيل؛ هكذا ذكر في «الكتاب» ولم يحك فيه خلافاً. قالوا: ويجب أن يكون المذكور في الكتاب قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وعلى قول محمد: يضرب المقر له بنصف قيمة الطريق والمسيل، والمقر يضرب

стр. 4193

بحصته إلا قدر قيم نصف الطريق والمسيل قياساً على مسألة كتاب الإقرار، فإنه ذكر في كتاب الإقرار: دار بين رجلين فيها عشر بيوت؛ أقر أحد الشريكين ببيت بعينه لآخر لا يصح إقراره للحال فإذا قسم المقر والساكت الدار فيما بينهم بعد ذلك إن وقع البيت المقر به في نصيب المقر، فإنه يؤمر بتسليمه إلى المقر له، وإن وقع في نصيب صاحبه ذكر أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ يضرب المقر له بجميع ذرعان البيت في نصيب المقر، والمقر يضرب بنصف ذرعان الدار إلا قدر ذرعان البيت حتى أنه إذا كان ذرعان البيت المقر به عشرة، وذرعان الباقي تسعون، فالمقر له يضرب بنصف ذرعان البيت، وذلك خمسة أذرع، والمقر يضرب بخمسة وأربعين، فهاهنا يجب أن يكون كذلك على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ يضرب له بجميع قيمة الطريق والمسيل، وعلى قول محمد يضرب بنصف قيمة الطريق والمسيل إلا أن في مسألة المسيل والطريق اعتبر القيمة، وفي مسألة البيت اعتبر القيمة وفي مسألة البيت اعتبر الذرعان؛ لأن المقر به في مسألة المسيل والطريق حق المرور، وحق مسيل الماء لا الرقبة، فلا يمكن اعتباره بالذراعان، والمقر به في مسألة البيت الرقبة فأمكن اعتباره بالذراعان. وطريق معرفة قيمة حق المرور ومسيل الماء أن ينظر إلى قيمة الدار، وفيها حق المرور للغير وإلى قيمتها، وليس فيها حق المرور لأحد، فإن كانت قيمتها وليس فيها حق المرور مئة، فنضرب المقر له بمئة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والمقر بأربعمئة، وعند محمد يضرب المقر له بخمسين، والمقر بأربعمئة وخمسين. وإذا كان مسيل (٢٠٠أ٤) ماء في دار رجل في قناة، فأراد صاحب القناة أن يجعله ميراثاً، فليس له ذلك إلا من صاحب الدار؛ أما إذا أراد أن يجعله ميراثاً على الهواء فلأنه يريد أن يشغل شيئاً من هواء داره، وأما إذا أراد أن يجعله ميراثاً على وجه الأرض، فلأنه يريد أن يزيل منفعة وجه الأرض عن صاحب الدار؛ لأن الماء في القناة يجري تحت القناة والآن يجري على وجه الأرض. ولو كان ميراثاً فأراد أن يجعله قناة فإن كان في ذلك ضرر على صاحب الدار بأن احتاج إلى حفر حافتي النهر لجعله قناة، فليس له ذلك إلا برضا صاحب الدار، وإن لم يكن في ذلك ضرر على صاحب الدار بأن لم يحتج إلى ذلك بأن كان الميراث عرضاً، فله ذلك وذكر الكرخي أنه إذا تساوى الأمران في الضرر فله أن يجعل القناة ميراثاً والميراث قناة. ومن المتأخرين من قال: ما ذكر محمد في «الكتاب» مجهول على ما إذا كان له حق المسيل لا غير، فأما إذا كانت البقعة التي يسيل فيها الماء ملكه، فله أن يتصرف فيها بما شاء، قال في «الكتاب» : وإن كان الميراث على الهواء، فليس له أن يجعله قناة ولم يفصل، بينما إذا كان لصاحب الأرض فيه ضرر أو لم يكن؛ لأن هاهنا يحتاج إلى حفر الأرض وإنه لا يخلو عن الضرر.

стр. 4194

ولو أراد أهل الدار أن يبنوا حائطاً ليسدوا مسيله به لم يكن له ذلك، ولو بنى أهل الدار بناء ليسيل مسيله على ظهره فلهم ذلك. ولو كان لرجل طريق في دار رجل، فأراد صاحب الدار أن يقطع طريقه لم يكن له ذلك، وينبغي أن يتركوا في ساحة الدار عرض باب الدار. وفي «نوادر هشام» قال: سألت محمداً عن رجل ادعى على رجل أن مجرى مائه في بستانه، ولم يكن الماء جارياً يوم اختصما فشهد شاهدان أنه كان جارياً إلى بستان هذا أمس؛ قال: كان أبو يوسف يجيز هذه الشهادة، وكان أبو حنيفة لا يجيزها ما لم يشهدوا له بالملك أو الحق، وهو قول محمد ﵀. ولو شهدوا على إقرار المدعى عليه بذلك جائز في قولهم وهو نظير ما لو ادعى رجل داراً في يدي رجل وشهد الشهود أن هذه الدار كانت في يد المدعي قبلت الشهادة عند أبي يوسف، وقضى بالدار للمدعي، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد لا يقضي بالدار للمدعي، ولو شهدوا على إقرار المدعى عليه أنها كانت في يد المدعي قضى بالدار للمدعي. قال أيضاً: وسألته عمن ادعى قبل آخر ناوقة موضوعة على نهر هذا أمس جاء السيل حتى قلعها أمس وبقي بها. قال محمد ﵀: إذا شهدوا بذلك أمر به أن يعيد الناوقة كما كانت موضوعة قلت: فإن أراد أن يجري فيها الماء فمنعه صاحب النهر، وجحد أن يكون له فيها مجرى قال: له أن يمنعه حتى يقيم البينة على أن يجري ماء فيها، قلت: فما منفعته في ذلك إذا لم يسل؟ قال: يقول صاحب الميراث: إذا كان مركباً فربما أخذ بينة في الحال على أن يسيل مائي فيها فيمكنني تسييل الماء فيها من غير توقف. ذكر ابن سماعة في «نوادره» في الميراث الذي كان يجري فيها الماء في دار رجل إلى دار رجل؛ لا تقبل الشهادة في هذا في قول أبي حنيفة حتى يشهدوا أنه حق له، وقال أبو يوسف: إذا شهدا أن هذا مجرى مائه؛ كان له أن يجري فيه الماء، ولا يشترط أن يشهدوا له بالملك أو الحق وهذه المسألة ومسألة مجرى الماء في البستان سواء. وإن لم يكن لصاحب المجرى بينة في هذه المسائل يحلف صاحب الدار وصاحب البستان بأنه ليس له فيه حق، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف ﵀: يحلف أنه ليس هذا مجرى مائه والله أعلم.

стр. 4195

رجلان ادعيا عيناً في يدي رجل يدعي كل واحد أنه ملكه ورثه عن أبيه أو ادعيا الملك مطلقاً، وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه، فظهرت عدالة شهود أحدهما، فالقاضي يقضي بالعين كله لمن ظهرت عدالة شهوده؛ لأن حقه قد ظهر من كل وجه وحق الآخر عسى يظهر، وعسى لا يظهر بأن لا يعدل شهوده وليس لمعرفة عدالة شهوده غاية معلومة ووقت معلوم، ولا يجوز تأخير حق ظاهر لحق موهوم به عسى لا يظهر وعسى يظهر، وليس لظهوره وقت معلوم وتبطل بينة الآخر حتى إذا ظهرت عدالتهم فالقاضي لا يقضي بشيء؛ لأن القاضي لما قضى بالعين كله للذي ظهرت عدالة شهوده مع قيامها يوجب القضاء بالنصف الآخر، وهو شهادة شهوده يضمن القضاء بالدار كله له إبطال بينة الآخر، والقاضي له ولاية إبطال البينة إذا لاح له دليل الإبطال، والقاضي إذا أبطل البينة في حادثة لا يجوز القضاء بها في تلك الحادثة أصلاً، وإن أقام الآخر بينة بعد ذلك على صاحبه المقضي له أن العين له قبل القاضي بينته وقضى بكل العين سواء جاء بشهود آخرين أو بتلك الشهود، لأنه لو لم يقبل شهوده إنما لم يقبل لصيرورته مقضياً عليه ببينة المقضي له، ولا وجه إليه؛ لأن بينة المقضي له قامت على صاحب يد الأول لا على المدعي الآخر. فإن قال المقضي له الأول بعد ذلك: أنا أعيد البينة على المقضي له الثاني أن العين لي، فالقاضي لا يلتفت إلى بينته؛ لأنه صار مقضياً عليه من جهة المقضي له الثاني. ولو ظهرت عدالة شهودهما وقضى القاضي بالعين بينهما لاستوائهما في الحجة، ثم أحد المدعيين أقام بينة أن العبد عبده لا ينتفع بهذه البينة ولا يقضى له على صاحبه بشيء؛ لأن كل واحد من المدعيين صار مقضياً عليه في النصف الذي قضى به لصاحبه؛ لأنه ببينته استحق الكل، ولولا بينة صاحبه يقضى بكل العبد، فإنما حرم كل واحد منهما عن النصف ببينة صاحبه، فصار هو مقضياً عليه من جهة صاحبه، والإنسان متى صار مقضياً عليه في شيء لا يصير مقضياً له في عين ذلك الشيء. فإن قيل: كيف يجعل كل واحد من المدعيين مقضياً عليه في النصف الذي قضى به لصاحبه، ولم يكن له في النصف ملك قبل القضاء لصاحبه؟ قلنا: إن لم يكن له فيه ملك فله حق الملك؛ لأنه أقام البينة أن الكل له، وإنها حقيقة الملك عند اتصال القضاء بها،

стр. 4196

فقبل اتصال القضاء بها، فوجب حق الملك وحق الملك معتبر بحقيقة الملك ولو ثبتت الحقيقة يصير مقضياً عليه كذا هاهنا. ولو عدلت بينة أحدهما ولم تعدل بينة الآخر أو لم يقم الآخر شاهداً أصلاً أو أقام شاهداً واحداً، فقضي به لمن عدلت ببينة عادلة قضي له بالعين، وقبلت بينته؛ لأنه لو لم تقبل بينته إنما لم تقبل لصيرورته مقضياً عليه من جهة صاحبه؛ لأنه لم يكن له في المقضي به لا حقيقة الملك ولا حق الملك في انعدام الحجة الموجبة للقضاء، والقضاء على الإنسان بإزالة الاستحقاق الثابت، فإذا لم يكن الحق ثابتاً له كيف يتصور إزالته، فعلم أنه لم يصر مقضياً له، فسمع دعواه وبينته بعد ذلك. فلو كان كل واحد من المدعيين ادعى أن العين له أودعه من صاحب اليد، وأقام أحدهما البينة، فقبل أن يزكي بينته أقر ذو اليد أن العبد الذي لم يقم البينة أودعه إياه ذو اليد؛ قبلت بينته، وقضي له بالعبد؛ لأن المقر له لم يصر مقضياً عليه؛ لأن بينة غير المقر قامت على ذي اليد لا على المقر له، وجعل المقر له كالوكيل عنه. فإن قيل: الملك قد ثبت للمقر له بإقرار ذي اليد وبتصديق المقر له إياه ثم استحق عليه بالقضاء ببينة المدعي، فيجعل المقر له مقضياً عليه، قلنا: إقرار ذي اليد كان بعد إقامة المدعي البينة على ذي اليد (٢٠٠ب٤) وعند ظهور عدالة الشهود يثبت الاستحقاق من وقت الشهادة فظهر أن إقرار ذي اليد كان باطلاً، لأنه ظهر أنه لم يكن مالكاً للعبد، وإذا بطل إقرار ذي اليد بطل تصديق المقر له لأنه بناء عليه، وإذا بطل الإقرار والتصديق صار وجودهما والعدم بمنزلة، ولو عدم بمنزلة ولو عدما وباقي المسألة بحالها كان المقضي عليه الذي كان العبد في يده دون المقر كذا هاهنا. وكذلك لو أقام المقر له البينة على ما ذكرنا قبل القضاء لصاحب البينة يقضي للمقر له ويبطل بينة صاحبه؛ لأن بينة المقر له ظهر أن صاحبه أقام البينة على مودع المقر له وهو ليس بخصم، والبينة القائمة على غير الخصم باطلة. فإن قيل: بينة المدعي متى قامت على المودع إنما تبطل إذا كان المودع غائباً وقت إقامة البينة؛ أما إذا كان حاضراً كانت البينة مقبولة، وتكون إقامة البينة على المودع والمودع حاضر بمنزلة إقامة البينة على المودع، وهاهنا المقر له حاضر وقت إقامة المدعي البينة على مودعه، فصار بمنزلة ما لو أقام المدعي البينة على الذي كان العبد في يده حقيقة فهو غائب حكماً؛ لأنه ليس بخصم للمدعي وقت إقامة البينة؛ لأنه لم يكن له في العبد ملك ولا حق ملك وقت إقامة المدعي البينة، وكذا لم يثبت له زيادة خصوصية بهذا العبد ظهر من بين سائر الأجانب، وهو كونه بحال لو أقام شاهد يقضي له، فصار غائباً حكماً حتى لو كان المقر له أقام شاهداً واحداً قبل إقرار ذي اليد له بالعين ويثبت له زيادة خصوصية بهذا العين من بين سائر الناس وهو كونه بحال لو أقام شاهداً واحداً يستحق القضاء حتى كانت خصومته معتبرة وقت إقامة المدعي البينة على مودعه، فكان حاضراً حقيقة وحكماً كانت البينة القائمة على مودع المقر له بمنزلة القائمة على المقر له، فتقبل

стр. 4197

بينته ويصير المقر مقضياً عليه، فلا تسمع بينته بعد ذلك.p فإن قال غير المقر له: أنا أعيد شهودي على المقر له هل يقبل شهود بينته؟ فهذا على وجهين: إن قال ذلك بعد ما قضى القاضي ببينة المقر له لا تسمع بينته؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه ثم يقضي له بجميع العبد؛ لأنه لما أعاد البينة، فقد أبرأ ذا اليد عن الخصومة، ورضي بنفاذ إقراره واستأنف الخصومة مع المقر له وله ولاية إبراء المقر عن الخصومة واستئناف الخصومة مع المقر له؛ لأن ما يدعيه غير المقر له في يد المقر له، فتقررت يد المقر له، واجتمع بين بينة الخارج وبينة ذي اليد وهو المقر له والدعوة في الملك المطلق، فكانت بينة الخارج أولى والله أعلم. إذا أرادت المرأة إثبات بقية مهرها على زوجها فلها ذلك، وإن لم يكن لهاحق المطالبة ببقية المهر في الحال، وكذلك ممن له الدين المؤجل إذا أراد إثباته فله ذلك، وإن لم يكن له حق المطالبة في الحال، وهذا لأن إثبات الحق لا يعتمد المطالبة للحال لامحالة؛ ألا ترى أن إثبات الدين على الميت على وارث لم يصل إليه شيء من تركة الميت صحيح، وإن لم يكن لرب الدين حق المطالبة في هذا الوارث إذا لم يصل له شيء من تركة الميت؟ ولكن يعتمد الفائدة. وللمرأة في إثبات بقية مهرها في الحال فائدة، وكذلك في إثبات الدين المؤجل في الحال لجواز أن شهوده يغيبون، فلا يقدر على إثبات الدين عند محل الأجل. ادعى على غيره عشرة دراهم دين وشهد الشهود أنه دفع إليه عشرة دراهم لا تقبل الشهادة؛ لأن دفع العشرة قد يكون لجهة أخرى غير الدين. قال هشام في «نوادره» : قلت لمحمد: رجل لي عليه ألف درهم، وللرجل على امرأته ألف درهم، فخاصما فيه، فأقامت المرأة شاهدين وأنا غائب أني أقررت أن الدراهم التي على هذا الرجل الذي يطالبها ملك لهذه المرأة لا شيء له فيها وإنما هي باسمي من ثمن عبد بعته لها والرجل الذي يطالب المرأة مقر بأن لي عليه ألف درهم أو منكر، فأقامت المرأة البينة أن لي عليه ألف درهم وأنا أقررت أن ملكها لها وأن اسمي في ذلك عارية؛ قال محمد ﵀: هذا أمر جائز، وشهادة قاطعة ادعى ديناً على ميت، فخص الوصي أو الوارث فلو حضر القاضي أو أحد الورثة بذلك يلزمه الدين في حصته حتى يستغرق جميع حصته؛ هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» في باب إثبات الدين والحقوق فهذه إشارة الى أن بمجرد إقرار بعض الورثة يلزمه كل الدين في نصيبه من

стр. 4198

غير أن يحتاج فيه الى قضاء القاضي ألا ترى أنه قال: لو أقر أحد الورثة بذلك يلزمه الدين في حصته حتى يستغرق جميع حصته ولم يشترط فيه قضاء القاضي، وليس الأمر كذلك بل يحتاج الى قضاء للزوم المقر كل الدين في نصيبه؟ وإليه أشار محمد ﵀ في «الزيادات» حيث قال: لو أقر الوارثان لرجل بالدين على الميت ومعهما ورثة أخرى فلم يقض القاضي بشيء بحكم إقرارهما حتى شهدا لذلك الرجل على الميت بذلك الدين قبلت شهادتهما، ولو قضى القاضي بالدين على المقرين في نصيبهما، ثم شهدا بذلك الدين لذلك الرجل على الميت لا تقبل شهادتهما؛ لأن في الوجه الأول لم يحولا إلى غيرهما بعض ما لزمها، ثم إنما لا يلزم المقر الدين في نصيبه خاصة بمجرد الإقرار قبل قضاء القاضي لوجهين: أحدهما: أن هذا إقرار في معنى الشهادة؛ لأنه إقرار على الغير، وهو الميت ثم الشهادة لا تصير موجبة إلا بقضاء القاضي، فكذا الإقرار الذي مر في معنى الشهادة. والثاني: أنه يحتمل أن رب الدين يجد بينة في ذلك أو يصدق باقي الورثة، فلو ألزمناه جميع الدين بإقراره في نصيبه في الحال فقد ألزمناه ذلك مع الاحتمال، وإنه لا يجوز، وإنما ينقطع هذا الإحتمال ويلزمه كل المال بقضاء القاضي. فإن قيل: إذا كان لا يلزم المقر كل الدين في نصيبه بمجرد إقراره فبأي طريق يقضي القاضي عليه بكل الدين. قلنا: طريقه أن الدين يقضي ممن أيسر المالين قضاء ألا ترى أنه إذا كان في التركة عين ودين، فالدين يقضى والدين دون العين، وألا ترى أن بعض التركة إذا كان حاضراً والبعض غائباً، فالدين يقضى من الحاضر إذا ثبت هذا فنقول إذا لم يجد رب الدين بينة، ولم يصدقه باقي الورثة فأيسر المالين قضاء يصيب المقر، فيقضي عليه بذلك حتى يوفى من نصيبه، وإن كان الدين متعلقاً بكل التركة. وفي كتاب «الأقضية» : رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم، وأن فلاناً أمر هذا أن يدفعها إليه من هذا الألف التي عنده له، وجحد المودع الأمر بذلك، فأقام المدعي بينة على الألف الوديعة، والأمر بالدفع، وقضى القاضي عليه، فإنه يكون ذلك قضاءً على الغائب، وينتصب الحاضر خصماً عن الغائب. رب الوديعة إذا أقام البينة عل أن الورثة باعوا عيناً من التركة، والتركة مستغرقة بالدين، وقالت الورثة: إن أبانا باع هذا العبد في حياته، وأخذ الثمن، وأقاموا جميعاً البينة، فبينة رب الدار أولى؛ لأن رب الدين ببينته يثبت الضمان عليهم، وهم ينفون. في «فتاوى الفضلي» رحمه الله تعالى: إذا ادعى بعض الورثة على مورثه ديناً، وصدقه بعض الورثة، وكذبه البعض قالوا: يستوفى الدين من نصيب من صدقة بعد أن يطرح نصيب المدعي وقد ذكرنا....، من مسائل هذا الفصل في كتاب «أدب القاضي»

стр. 4199

ادعى على ميت ألف درهم ديناً، وقضى القاضي له بذلك ببينة أقامها وأخذها، ثم جاء رجل آخر وادعى على الميت ألف درهم دين وأنكرت الورثة، وأقر الغريم الأول فإن ما أخذه الأول يكون بين الأول، وبين الثاني دعوى الدين على المودع لا تصح بخلاف دعوى الوارث عليه التركة إذا كانت مستغرقة بالدين فجاء غريم آخر وأراد إثبات دينه بالبينة، فإنما يثته على الوارث لا على غريم آخر، ولكن لا يحلف الوارث؛ لأن فائدة الحلف النكول الذي هو إقرار، والوارث لو أقر بالدين والتركة مستغرقة بالدين لا يصح إقراره، ولا يظهر الدين في حق غريم آخر، هذا هو المذكور في سائر الكتب، ولم يذكر في شيء من الكتب أنه هل يصح إقرار هذا الوارث في حق نفسه؛ حتى لو ظهر للميت مال آخر يستوفي دين (٢٠١أ٤) هذا الغريم من نصيب الوارث المقر، وينبغي أن يصح، ولكن لا يحلفه لهذه الفائدة الموهومة، والله أعلم. قال محمد ﵀ «الأصل» : رجل في يديه دار مبنية جاء رجل وأقام بينة أنها داره وذكرا البناء في شهادتهما أو لم يذكرا، ثم ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فإن القاضي يقضي بالدار ببنائها للمدعي أما إذا ذكروا البناء فلا شك فيه، وأما إذا لم يذكروا البناء؛ فلأن البناء مركب في الأرض تركيب إفراز فيدخل تحت ذكر الأرض خصوصاً في ذكر الدار؛ لأن في الغالب تستعمل الدار في المبني، ثم إذا قضى القاضي للمدعي بالدار ببنائها أقر المدعي بعد ذلك وقال: ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه ولم يزل له أو قال ذلك بعد الشهادة قبل القضاء، فإن هذا إكذاب للشاهد وبطلب الشهادة والقضاء في البناء والدار جميعاً وإن قال: البناء للمدعى عليه فهذا ليس بإكذاب لشهوده؛ هكذا المسألة في «الأقضية» . وذكر في آخر شهادات «الأصل» أن الشهود إذا ذكروا البناء في شهادتهم، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم أقر المدعي بعد ذلك بالبناء للمدعى عليه كان ذلك إكذاباً لشهوده، وبطلت الشهادة والقضاء وإن لم يذكروا الثاني في شهادتهم وقضى عليهه بالدار والبناء، ثم أقر بالبناء للمدعى عليه لا يكون ذلك إكذاباً لشهوده. وجه الفرق على رواية شهادات «الأصل» : أن البناء إذا لم يكن ملفوظاً في الشهادة فالقضاء بالبناء ما كان لكونه مشهوداً بل تبعاً للأرض؛ لأن حكم الأصل يثبت في التبع إلا

стр. 4200

إذا وجد دليل يوجب قطع التبعية، فإذا أقر المدعي بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه فهذا إقرار حجة قطعية عن التبعية وحجة أصلية في الملك لا أن يكون إكذاباً لتلك الشهادة، فأما إذا كان البناء ملفوظاً به في الشهادة فالقضاء بالبناء لكونه مشهوداً به فالإقرار بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه يكون إكذاباً للشهود، فيوجب بطلان الشهادة. ووجه التسوية على رواية كتاب «الأقضية» : أن مطلق اسم الدار في الغالب من كلام الناس وفي عاداتهم يستعمل بإزاء الأرض والبناء، والشرع يشهد لذلك حتى أن من حلف لا يدخل داراً، فدخل صحراء كانت داراً، وقد انهدم بناؤها لا يحنث، والثابت باعتبار العادة وعليه الاستعمال كالثابت بمطلق اللفظ حقيقة فاستوى ذكر البناء وعدمه. ثم على رواية كتاب «الأقضية» فرق بينما إذا قال المقضى له: ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه، وبينما إذا قال: البناء للمدعى عليه يوم شهادة الشهود أو قال: لم يزل ملكاً للمقضي عليه فلم يجعل الإقرار تكذيباً للشهود وجعل الثاني والثالث تكذيباً. وعلى رواية كتاب «الشهادة» لم يفصل وجعل مطلق الإقرار بالبناء للمدعى عليه تكذيباً للشاهد إذا كان البناء مذكوراً في الشهادة. وجه ما ذكر في «الشهادات» : أن مطلق الإقرار بالبناء للمقضي عليه يناقض شهادة الشهود للمدعي بالبناء والإكذاب في حكم المناقضة. وجه ما ذكر في «الأقضية» : أن قوله: البناء ليس لي وإنما هو للمدعى عليه كلام محتمل يحتمل أنه للمقضي عليه؛ لأنه كان له يوم شهد الشهود فيكون إكذاباً للشهود ويحتمل أنه له؛ لأنه يملكه من جهة بعدما شهد الشهود فلا يكون إكذاباً بالاحتمال، ولا كذلك قوله: كان البناء لي يوم شهد الشهود، لم يزل ملكاً له. هذا إذا أقر المقضي له بعد القضاء له أن البناء ليس له، وأنه للمقضي عليه، ولو أن المقضي له لم يقر بذلك لكن المقضي عليه ادعى البناء لنفسه، فعلى رواية كتاب «الأقضية» لا تسمع دعواه ولا تسمع بينته إن ذكر الشهود البناء في شهادتهم وسمع دعوى المقضي عليه وإن ذكروا لم تسمع دعواه. وفي «المنتقى» وفي «الإملاء» عن محمد ﵀: رجل ادعى داراً في يدي رجل وأنكر الرجل الذي في يديه الدار حق المدعي فشهد للمدعي شاهدان أن الدار داره ولم يزيدوا على ذلك فلما زكوا، قال المدعى عليه: البناء بنائي أنا بنيته، وأراد أن يقيم البينة على ذلك قال: إن كان شهود المدعي حضوراً فالقاضي يسألهم عن البناء، فإن قالوا: البناء للمدعي مع الدار فالقاضي لا يلتفت إلى قول المدعى عليه وإن قالوا: لا ندري لمن البناء إلا أنا نشهد أن الأرض للمدعي فليس ذلك بإكذاب منهم بشهادتهم ويقضي للمدعى عليه بالبناء إن أقام البينة على البناء يؤمر بالهدم وتسليم الأرض إلى المدعي، وإن لم يحضر المدعى عليه ببينة على البناء قضى عليه القاضي بالأرض بشهادة شهود المدعي وأتبع الأرض للبناء، وإن جاء المدعى عليه بعد ذلك بالبيينة أن البناء بناؤه أخذه؛ لأن القاضي لم يقض على المدعى عليه بالبناء بشهادة الشهود وهذه الرواية توافق رواية شهادات «الأصل» .

стр. 4201

ولو أن شهود المدعي شهدوا أن الدار للمدعي ثم ماتوا أو غابوا، فلم يقدر عليهم فلما أراد القاضي أن يقضي بالدار ببنائها للمدعي قال المدعى عليه: أنا أقيم البينة أن البناء بنائي لم يقبل ذلك منه ويقضي بالدار للمدعي ببنائها؛ لأن الشهود حين شهدوا بالدار فقد شهدوا بالبناء إلا أن يثبتوا أنهم لا يدرون لمن البناء فيكون على ما وصفت لك في أول المسألة. قال: ألا ترى أن القاضي لو قضى بالدار في هذا الوجه ببنائها للمدعي، ثم حضر شهوده وقالوا: إن البناء لم يكن للمدعي، إنما كان للمدعى عليه ضمنوا قيمة البناء للمدعى عليه، فإن قالوا للقاضي حين رجعوا عن البناء: ليس البناء للمدعي، ولا ندري لمن البناء لم يضمنوا من قيمة البناء شيئاً، وكان البناء للمدعي؛ وقيل للمدعى عليه: أقم البينة أن البناء بناؤك على الشهود الذين شهدوا للمدعي، فإن أقام عليهم البينة ضمنهم قيمة البناء؛ ألا ترى أن البناء دخل فيما شهدوا به. ولو شهد شهود المدعي أن الدار له، ولم يزيدوا على هذا، ثم ماتوا أو غابوا ثم جاء رجل آخر وادعى بناء هذه الدار لنفسه، وشهد له شاهدان آخران بذلك، فإن القاضي يقضي بالأرض للمدعي الذي شهد شهوده بالدار، ويقضي بالبناء بين المدعيين نصفين، فإن أقام المدعى عليه بينة أن البناء بناؤه قبل ذلك منه. ولو أن شهود المدعي بالدار شهدوا أن الأرض للمدعي وقالوا: لا ندري لمن البناء قضى بالأرض له، وقضى بالبناء لمدعي البناء خاصة. قال: وكذلك في جميع ما وصفت لك الأرض يكون فيها النخيل والأشجار فشهد شهود المدعي أن هذه الأرض له، فهذا بمنزلة شهادتهم بالدار إذا لم يفسروا، فالقاضي يقضي بالأرض، ويتبعها النخيل والشجر من غير أن يكون ذلك شهادة بالنخيل والشجر. وكذلك إذا شهدوا أن هذا الخاتم لفلان ولم يذكروا الفص، أو شهدوا أن هذا السيف لفلان ولم يذكروا الحلية، فالقاضي يقضي بالسيف وبالحلية، وبالخاتم والفص لفلان من غير أن يكون الفص والحلية مشهوداً به؛ حتى لو أقام المشهود عليه بينة أن البناء والفص والحلية له قبلت شهادتهم كان القاضي قضى بذلك للمدعي أو لم يقض. وفيه أيضاً: إذا شهد الشهود على رجل بجارية في يديه أنها لهذا المدعي وقضى القاضي له بها ثم غاب الشاهدان أو ماتا، وظهر للجارية ولد في يد المشهود عليه لم يره الشهود أخذه المدعي، وكذلك لو كانت الدار ظاهرة أو شهد الشهود بالجارية للمدعي ولم يتعرضوا للولد فالقاضي يقضي للمدعي بالجارية وبالولد. فإن قال الذي في يده الجارية: أنا أقيم (٢٠١ب٤) بينة على أن الولد لي؛ لم يلتفت إلى بينته ويقضي بالجارية وولدها للمدعي، وإذا قضى القاضي بذلك ثم حضر الشهود وقالوا: لم يكن الولد للمدعي وإنما للمدعى عليه، فالقاضي لا يقضي بالولد للمدعى عليه، وإن أقام البينة على الولد، ولو كان الشهود حضوراً وسألهم القاضي عن

стр. 4202

الولد قبل القضاء فقالوا: هو للمدعى عليه، أو قالوا: لا ندري لمن هو فالقاضي لا يقضي بالولد للمدعى عليه، وقالوا: لا ندري لمن هو فالقاضي لا يقضي في الولد بشيء، ويقضي بالجارية للمدعي، قال: ولا يشبه الولد في هذا الوجه البناء، وعلل فقال: لأن البناء موصول بالدار فقد أشار إلى أن شهود المدعي في مسألة الدار إذا قالوا وقت الشهادة بالدار: لا ندري لمن البناء إنه يقضي بالبناء لمدعي الدار. وإذا شهد الرجل بجارية في يدي رجل أنها له وقضي له بها، ثم غاب الشاهدان وظهر للجارية ولد في يد المشهود عليه لم يره الشهود، وأخذ المدعي الولد ثم رجع الشهود عن شهادتهم ضمنوا قيمة الأم والولد. قال: لأن الولد بمنزلة الأم، وكذلك لو كان الولد ظاهراً، وشهدوا بالأم، ولم يتعرضوا للولد، ثم رجعوا عن شهادتهم ضمنوا قيمة الأم والولد، وإن قالوا: الأم لهذا، والولد عبد للذي في يديه فهو كما قالوا. قال ابن سماعة في «نوادره» : قلت لمحمد ﵀: أو لا يسألهم عن أي وجه صار الولد عبداً له؟ قال: نعم، فإن أبوا أن يخبروا قبلت شهادتهم. هشام في «نوادره» : عن محمد أنه قال: سمعت أبا يوسف يقول: إذا كان في يدي رجل أمة وابنة هذه الأمة في يدي رجل آخر، أقام رجل بينته أن هذه أمته وأخذها لم يكن له على البنت سبيل. ولو أقام البينة على نخل في يدي رجل أنه نخله وثمرة هذا النخل في يدي رجل آخر أخذ الثمرة والنخيل، قال: ولا يشبه التمر الولد ألا ترى أنه لو أوصى بغلة نخلة عشر سنين جاز، ولو أوصى بما تضع شاته عشر سنين لم يجز. قال هشام: سألت محمداً عن أرض مزروعة حنطة أقام آخر بينة أن الأرض له وقال الشهود: لا ندري لمن الزرع، قال: إذا لم يعلم الزارع فالزرع يتبع الأرض، قلت: فإن أقام الذي في يديه الأرض بينة أنه هو الذي زرع، قال: أجعل الزرع له، قلت: فإن كان الزرع محصداً أو كدساً والشهود لم يشهدوا بالزرع لأحد قال: الزرع لمن في يده الأرض. ادعى عيناً في يدي إنسان أنه له ثم ادعى بعد ذلك أنه لفلان وكله بالخصومة فيه، وأقام البينة على ذلك قبلت بينته ولا يصير متناقضاً، ولو ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة فيه أولاً، ثم ادعى أنه له وأقام البينة على ذلك يصير متناقضاً، ولا تقبل بينته إلا أن يوفق

стр. 4203

فيقول: كان لفلان وكلني بالخصومة فيه ثم اشتريته منه بعد ذلك وأقام على ذلك بينة فحينئذٍ تقبل بينته. هكذا ذكر المسألة في «الأصل» ، وقد ذكرنا وجه الفرق في كتاب الشهادات من هذا الأصل. قال في «الأصل» أيضاً: ولو ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة فيه لا تقبل بينته ويصير متناقضاً إلا أن يوفق. قال فيه أيضاً: والدين في هذا نظير العين حتى لو ادعى على رجل دين ألف درهم في صك جاء به باسمه، ثم ادعى أن ذلك المال وذلك الصك بعينه لفلان وكله بالخصومة فيه؛ قبلت بينته فلا يصير متناقضاً. أحد الورثة إذا أقر أن هذا المحدود ميراث عن أبينا، ثم ادعى أنه وصية عن أبي لابني فلان، وأقام البينة قبلت بينته، ولا يصير متناقضاً؛ لأن الكل ميراث، والميراث متروك الميت والكل متروك الميت. استأجر واد محدوداً إجارة طويلة مرسومة وأخذه من غير مقاطعة، وأقر المستأجر الثاني بالقبض أن المستأجر الأول مع المستأجر الثاني فسخا الإجارة الثانية بينهما، وطالب المستأجر الأول المستأجر الثاني بمال المقاطعة، فقال المستأجر الثاني: إن هذا المحدود كان للآجر الأول من يوم الإجارة الثانية الى هذا اليوم، ولم يجب علي مال المقاطعة، وأقام البينة فقد قيل: تصح دعواه وتقبل بينته على ذلك، كأنه قال: غصب مني الآجر الأول، ولكن هذا بعيد والصحيح أنه لا تصح دعواه ولا تقبل بينته لمكان التناقض، ولو أقام المستأجر الأول بينة على أن الثاني قد قبض المستأجر وأقام الثاني بينة على أنها كانت في يد الأول تمام المدة فبينة الأول أولى؛ لأنه يثبت الأجرة في ذمة الثاني ببينته، والثاني ببينته ينفي ذلك. إذا استحق العبد من يد المشتري وقضى القاضي بالعبد المستحق، فأراد المشتري أن يرجع على بائعه فادعى البائع أنه نتج عنده، ولم يمكنه إثباته، ورجع المشتري عليه بالثمن بقضاء القاضي، فأراد البائع أن يرجع على بائعه بالثمن، وصدقه بائعه في الشراء منه؛ له أن يرجع على بائعه، وإن زعم أن العبد نتج عنده، فيكون دعوى الشراء من غيره تناقضاً منه إلا أن التناقض يرتفع لتصديق الخصم؛ ولأن القاضي لما قضى عليه بالثمن للمستحق فقد كذبه فيما زعم من نتاج العبد عنده والتحق دعوى النتاج بالعدم، وكذلك لو أنكر بائعه الشراء منه، فأقام بينة هو على الشراء منه رجع عليه بالثمن، وإن صار متناقضاً لما زعم أن العبد نتج عنده؛ لأنه صار مكذباً فيما زعم على ما ذكرنا. قال الشيخ الإمام الأجل نجم الدين النسفي: عن رجل ادعى لرجل ديناً من الدراهم أو الدنانير، فقال المدعى عليه: قد قبضتها في سوق سمرقند وطلب منه البينة، فلم يجد بينة على ذلك، ثم ادعى القضاء بعد ذلك في قرية كذا، وأقام على ذلك بينة هل يكون تناقضاً؟ وهل تبطل دعواه؟ قال: لا تبطل دعواه إن وفق. ولم يبين وجه التوفيق ووجه ذلك: أن يقول: قبضتها في سوق سمرقند كما ادعيت أولاً فجحدني القضاء وعجزت عن إثباته بالبينة فقبضتها ثانياً في قرية كذا، وقيل: على

стр. 4204

الرواية التي لا يشترط التوفيق ويكتفى بإمكان التوفيق ينبغي أن لا يبطل دعواه، ويقبل ذلك منه من غير توفيق. إذا ادعى رجل داراً في يدي رجل أنها داره ورثها من أخيه ثم ادعى أنه اشتراها من أخيه في حياته وصحته، وأقام على ذلك بينة لا تقبل بينته، وبمثله لو ادعى الشراء أولاً من أخيه في حياته وصحته ثم ادعى الإرث وأقام على ذلك بينة تقبل بينته؛ لأن في الفصل الأول التوفيق بين الكلامين غير ممكن فيثبت التناقض، وفي الفصل الثاني التوفيق بين الكلامين ممكن، فلا يثبت التناقض. إذا قال المدعى عليه الدين: أين مبلغ مال كدعوى مسيكنى بتور سانيده، أم ثم قال: بفلان حوالة كرده بودم واورسانيده است، فقد قيل: لا تسمع هذه المقالة الثانية لمكان التناقض، وقيل: تسمع ولا تناقض؛ لأن إيفاء المحتال عليه إيفاء المحيل معنى. ألا ترى من حلف ليعطين فلاناً حقه فأحاله على غيره وقبض من المحتال عليه بر الحالف في يمينه، وكذلك لو حلف لا يعطي فلاناً حقه فأحاله على غيره وقبضه المحتال له؛ حنث في يمينه، وجعل إعطاء المحتال عليه بأمر المحيل، إعطاء المحيل معنى.t في «مجموع النوازل» سئل نجم الدين النسفي: عن رجل ادعى ديناً في تركة ميت؛ وصدقه الوارث في ذلك وضمن له إيفاء الدين، ثم ادعى هذا الوارث بعد ذلك أن الميت قد كان قضى المال في حياته، وأراد إثبات ذلك بالبينة؛ قال: لا تصح دعواه ولا تسمع بينته، وهذا ظاهر لأنه متناقض؛ لأنه أقر بوجوب المال أولاً، وبدعوى القضاء يدعى أنه غير واجب، وهذا تناقض ظاهر. سئل هو أيضاً: عن رجل خلع امرأته؛ وقال في ذلك المجلس: مرا دراين خانه سيح جيز نهبت، ثم ادعى عليه أشياء من الأقمشة التي هي في ذلك البيت؛ هل تصح دعواه؟ قال: إن كان قال: هذه الأقمشة كانت (٢٠٢أ٤) في البيت وقت الخلع لا تصح دعواه لمكان التناقض وهذا ظاهر، وإن قال: لم تكن هذه الأشياء في ذلك البيت وقت الخلع تصح دعوته، وعندي أن فيما إذا أنكر الزوج كون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع يجب أن يكون الجواب على التفصيل إن كانت دعوى الأقمشة بعد إقرار الزوج من ادراين خانه ينتج جيز نهبت، في مدة لا يمكن إدخال تلك الأشياء في البيت في تلك المدة؛ لا تصح دعواه، لأنا تيقنا بكون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع إذا كانت الحالة هذه، وإن كان دعوى الأقمشة بعد إقراره ذلك في مدة يمكنه إدخال تلك الأشياء في البيت في تلك المدة تصح دعواه؛ لأنا لم نتيقن بكون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع؛ إذا كانت الحالة. هذه وجنس هذه المسألة في شهادات «الجامع» من شرحي. ادعى على رجل مقداراً معلوماً من مال الشركة في يده، وأنكر المدعى عليه الشركة، والمال، ثم إن المدعي ادعى ذلك المال المقدر بجهة الدين، تسمع دعواه ثانياً ولا يصير متناقضاً؛ لأن مال الشركة يصير مضموناً على الشريك، ديناً في ذمته عند جحوده، فيمكن الجمع بين الدعوتين إذ يمكنه أن يقول: كان لي في يده هذا المقدار بجهة الشركة، وصار

стр. 4205

ديناً عليه حين أنكر الشركة والدين، ولو كان ادعى ذلك المقدار بجهة الدين أولاً، ثم ادعاه بجهة الشركة؛ لا تسمع دعواه ثانياً، ويثبت التناقض لأن الدين لا يصير مال الشركة بحال. ولو ادعى على آخر أن له في يده كذا، كذا من مال الشركة، فأنكر المدعى عليه الشركة، ثم إن المدعى عليه ادعى دفع ذلك المال إلى المدعي، فإن كان أنكر الشركة أصلاً بأن قال: لم يكن بيننا شركة أصلاً، وما دفعت إليَّ شيئاً من المال، لا تسمع منه دعوى دفع المال لمكان التناقض، وإن أنكر الشركة والمال في الحال، بأن قال: لا شركة بيننا، وليس لك في يدي مال الشركة، تسمع منه دفع المال ولا تناقض هاهنا. يوضحه: أن مال الشركة وديعة في يد الشريك، والجواب في المودع إذا أنكر الوديعة، ثم ادعى الرد على التفصيل الذي ذكرنا كذا هاهنا. وإن ادعى الأول في فصل الوديعة والشركة فيما إذا أنكر الإيداع أو الشركة أصلاً وقال: إنك أبرأتني عن دعواك قبلي صحت الدعوى؛ لأن بالجحود يصير الوديعة، ومال الشركة ديناً فيستقيم دعوى الإبراء إذ لا تناقض ثمة، ولا كذلك في دعوى الدفع. صبي له عقار موروثة ادعى بعد بلوغه أن وصيه باع عقاره مكرهاً، وسلمه مكرهاً فلم يملكه المشتري وعليه رده علي، ثم ادعى أن الوصي قد كان باعه بغبن فاحش صحت منه الدعوى الثانية وقبلت بينته لعدم التنافي بجوابه، باع مكرهاً بغبن فاحش فالجمع بين الدعوتين ممكن من هذا الوجه. وإذا قال: أدعي عيناً في يد رجل ملكاً مطلقاً، ثم ادعاه في وقت آخر على ذلك الرجل عند ذلك القاضي بسبب حادث صح دعواه، ولو ادعى أولاً الملك بسبب، ثم ادعاه بعد ذلك الرجل ملكاً مطلقاً عند ذلك القاضي؛ لا يصح دعواه هكذا، ذكر في دعوى «أجناس الناطفي» . والفرق: أن الملك القديم يجوز أن يصير ملكاً حادثاً؛ لأن المملوك أول من أمس يجوز أن يصير مملوكاً أمس ملكاً حادثاً، بسبب حادث بأن يبيعه ثم يشتريه، فالتوفيق بين الدعوتين ممكن فتصح الدعوى الثانية، فأما الملك الحادث لا يجوز أن يصير ملكاً قديماً؛ لأن المملوك أمس لا يتصور أن يكون مملوكاً أول من أمس، فالتوفيق بين الدعوتين غير ممكن، فلا تصح دعواه الثانية. ولو ادعى النتاج أولاً في ذاته، ثم ادعاها بعد ذلك بسبب عند ذلك القاضي ينبغي أن لا يصح دعواه الثاني، بخلاف ما إذا ادعى الملك المطلق أولاً، ثم ادعاه بعد ذلك بسبب عند ذلك القاضي. والفرق: أن دعوى النتاج على ذي اليد لا تحتمل دعوى ملك حادث من جهته؛ إذ لا يتصور التملك بالنتاج من جهة غيره، ألا ترى أنه لو كان ادعى أن هذه الدابة ملكه بالنتاج من جهة ذي اليد، لم تكن دعواه صحيحة، فلا يمكن أن يجعل كلامه الثاني بياناً لكلامه الأول، بل يكون كلاماً آخر مخالفاً لكلامه فيصير متناقضاً؟ أما دعوى الملك
следующие страницы →