Полный текст (4 583 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
ولو أن شهود المدعي شهدوا أن الدار للمدعي ثم ماتوا أو غابوا، فلم يقدر عليهم فلما أراد القاضي أن يقضي بالدار ببنائها للمدعي قال المدعى عليه: أنا أقيم البينة أن البناء بنائي لم يقبل ذلك منه ويقضي بالدار للمدعي ببنائها؛ لأن الشهود حين شهدوا بالدار فقد شهدوا بالبناء إلا أن يثبتوا أنهم لا يدرون لمن البناء فيكون على ما وصفت لك في أول المسألة.
قال: ألا ترى أن القاضي لو قضى بالدار في هذا الوجه ببنائها للمدعي، ثم حضر شهوده وقالوا: إن البناء لم يكن للمدعي، إنما كان للمدعى عليه ضمنوا قيمة البناء للمدعى عليه، فإن قالوا للقاضي حين رجعوا عن البناء: ليس البناء للمدعي، ولا ندري لمن البناء لم يضمنوا من قيمة البناء شيئاً، وكان البناء للمدعي؛ وقيل للمدعى عليه: أقم البينة أن البناء بناؤك على الشهود الذين شهدوا للمدعي، فإن أقام عليهم البينة ضمنهم قيمة البناء؛ ألا ترى أن البناء دخل فيما شهدوا به.
ولو شهد شهود المدعي أن الدار له، ولم يزيدوا على هذا، ثم ماتوا أو غابوا ثم جاء رجل آخر وادعى بناء هذه الدار لنفسه، وشهد له شاهدان آخران بذلك، فإن القاضي يقضي بالأرض للمدعي الذي شهد شهوده بالدار، ويقضي بالبناء بين المدعيين نصفين، فإن أقام المدعى عليه بينة أن البناء بناؤه قبل ذلك منه.
ولو أن شهود المدعي بالدار شهدوا أن الأرض للمدعي وقالوا: لا ندري لمن البناء قضى بالأرض له، وقضى بالبناء لمدعي البناء خاصة.
قال: وكذلك في جميع ما وصفت لك الأرض يكون فيها النخيل والأشجار فشهد شهود المدعي أن هذه الأرض له، فهذا بمنزلة شهادتهم بالدار إذا لم يفسروا، فالقاضي يقضي بالأرض، ويتبعها النخيل والشجر من غير أن يكون ذلك شهادة بالنخيل والشجر.
وكذلك إذا شهدوا أن هذا الخاتم لفلان ولم يذكروا الفص، أو شهدوا أن هذا السيف لفلان ولم يذكروا الحلية، فالقاضي يقضي بالسيف وبالحلية، وبالخاتم والفص لفلان من غير أن يكون الفص والحلية مشهوداً به؛ حتى لو أقام المشهود عليه بينة أن البناء والفص والحلية له قبلت شهادتهم كان القاضي قضى بذلك للمدعي أو لم يقض.
وفيه أيضاً: إذا شهد الشهود على رجل بجارية في يديه أنها لهذا المدعي وقضى القاضي له بها ثم غاب الشاهدان أو ماتا، وظهر للجارية ولد في يد المشهود عليه لم يره الشهود أخذه المدعي، وكذلك لو كانت الدار ظاهرة أو شهد الشهود بالجارية للمدعي ولم يتعرضوا للولد فالقاضي يقضي للمدعي بالجارية وبالولد.
فإن قال الذي في يده الجارية: أنا أقيم (٢٠١ب٤) بينة على أن الولد لي؛ لم يلتفت إلى بينته ويقضي بالجارية وولدها للمدعي، وإذا قضى القاضي بذلك ثم حضر الشهود وقالوا: لم يكن الولد للمدعي وإنما للمدعى عليه، فالقاضي لا يقضي بالولد للمدعى عليه، وإن أقام البينة على الولد، ولو كان الشهود حضوراً وسألهم القاضي عن
стр. 4202
الولد قبل القضاء فقالوا: هو للمدعى عليه، أو قالوا: لا ندري لمن هو فالقاضي لا يقضي بالولد للمدعى عليه، وقالوا: لا ندري لمن هو فالقاضي لا يقضي في الولد بشيء، ويقضي بالجارية للمدعي، قال: ولا يشبه الولد في هذا الوجه البناء، وعلل فقال: لأن البناء موصول بالدار فقد أشار إلى أن شهود المدعي في مسألة الدار إذا قالوا وقت الشهادة بالدار: لا ندري لمن البناء إنه يقضي بالبناء لمدعي الدار.
وإذا شهد الرجل بجارية في يدي رجل أنها له وقضي له بها، ثم غاب الشاهدان وظهر للجارية ولد في يد المشهود عليه لم يره الشهود، وأخذ المدعي الولد ثم رجع الشهود عن شهادتهم ضمنوا قيمة الأم والولد.
قال: لأن الولد بمنزلة الأم، وكذلك لو كان الولد ظاهراً، وشهدوا بالأم، ولم يتعرضوا للولد، ثم رجعوا عن شهادتهم ضمنوا قيمة الأم والولد، وإن قالوا: الأم لهذا، والولد عبد للذي في يديه فهو كما قالوا.
قال ابن سماعة في «نوادره» : قلت لمحمد ﵀: أو لا يسألهم عن أي وجه صار الولد عبداً له؟ قال: نعم، فإن أبوا أن يخبروا قبلت شهادتهم.
هشام في «نوادره» : عن محمد أنه قال: سمعت أبا يوسف يقول: إذا كان في يدي رجل أمة وابنة هذه الأمة في يدي رجل آخر، أقام رجل بينته أن هذه أمته وأخذها لم يكن له على البنت سبيل.
ولو أقام البينة على نخل في يدي رجل أنه نخله وثمرة هذا النخل في يدي رجل آخر أخذ الثمرة والنخيل، قال: ولا يشبه التمر الولد ألا ترى أنه لو أوصى بغلة نخلة عشر سنين جاز، ولو أوصى بما تضع شاته عشر سنين لم يجز.
قال هشام: سألت محمداً عن أرض مزروعة حنطة أقام آخر بينة أن الأرض له وقال الشهود: لا ندري لمن الزرع، قال: إذا لم يعلم الزارع فالزرع يتبع الأرض، قلت: فإن أقام الذي في يديه الأرض بينة أنه هو الذي زرع، قال: أجعل الزرع له، قلت: فإن كان الزرع محصداً أو كدساً والشهود لم يشهدوا بالزرع لأحد قال: الزرع لمن في يده الأرض.
ادعى عيناً في يدي إنسان أنه له ثم ادعى بعد ذلك أنه لفلان وكله بالخصومة فيه، وأقام البينة على ذلك قبلت بينته ولا يصير متناقضاً، ولو ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة فيه أولاً، ثم ادعى أنه له وأقام البينة على ذلك يصير متناقضاً، ولا تقبل بينته إلا أن يوفق
стр. 4203
فيقول: كان لفلان وكلني بالخصومة فيه ثم اشتريته منه بعد ذلك وأقام على ذلك بينة فحينئذٍ تقبل بينته. هكذا ذكر المسألة في «الأصل» ، وقد ذكرنا وجه الفرق في كتاب الشهادات من هذا الأصل.
قال في «الأصل» أيضاً: ولو ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة فيه لا تقبل بينته ويصير متناقضاً إلا أن يوفق. قال فيه أيضاً: والدين في هذا نظير العين حتى لو ادعى على رجل دين ألف درهم في صك جاء به باسمه، ثم ادعى أن ذلك المال وذلك الصك بعينه لفلان وكله بالخصومة فيه؛ قبلت بينته فلا يصير متناقضاً.
أحد الورثة إذا أقر أن هذا المحدود ميراث عن أبينا، ثم ادعى أنه وصية عن أبي لابني فلان، وأقام البينة قبلت بينته، ولا يصير متناقضاً؛ لأن الكل ميراث، والميراث متروك الميت والكل متروك الميت.
استأجر واد محدوداً إجارة طويلة مرسومة وأخذه من غير مقاطعة، وأقر المستأجر الثاني بالقبض أن المستأجر الأول مع المستأجر الثاني فسخا الإجارة الثانية بينهما، وطالب المستأجر الأول المستأجر الثاني بمال المقاطعة، فقال المستأجر الثاني: إن هذا المحدود كان للآجر الأول من يوم الإجارة الثانية الى هذا اليوم، ولم يجب علي مال المقاطعة، وأقام البينة فقد قيل: تصح دعواه وتقبل بينته على ذلك، كأنه قال: غصب مني الآجر الأول، ولكن هذا بعيد والصحيح أنه لا تصح دعواه ولا تقبل بينته لمكان التناقض، ولو أقام المستأجر الأول بينة على أن الثاني قد قبض المستأجر وأقام الثاني بينة على أنها كانت في يد الأول تمام المدة فبينة الأول أولى؛ لأنه يثبت الأجرة في ذمة الثاني ببينته، والثاني ببينته ينفي ذلك.
إذا استحق العبد من يد المشتري وقضى القاضي بالعبد المستحق، فأراد المشتري أن يرجع على بائعه فادعى البائع أنه نتج عنده، ولم يمكنه إثباته، ورجع المشتري عليه بالثمن بقضاء القاضي، فأراد البائع أن يرجع على بائعه بالثمن، وصدقه بائعه في الشراء منه؛ له أن يرجع على بائعه، وإن زعم أن العبد نتج عنده، فيكون دعوى الشراء من غيره تناقضاً منه إلا أن التناقض يرتفع لتصديق الخصم؛ ولأن القاضي لما قضى عليه بالثمن للمستحق فقد كذبه فيما زعم من نتاج العبد عنده والتحق دعوى النتاج بالعدم، وكذلك لو أنكر بائعه الشراء منه، فأقام بينة هو على الشراء منه رجع عليه بالثمن، وإن صار متناقضاً لما زعم أن العبد نتج عنده؛ لأنه صار مكذباً فيما زعم على ما ذكرنا.
قال الشيخ الإمام الأجل نجم الدين النسفي: عن رجل ادعى لرجل ديناً من الدراهم أو الدنانير، فقال المدعى عليه: قد قبضتها في سوق سمرقند وطلب منه البينة، فلم يجد بينة على ذلك، ثم ادعى القضاء بعد ذلك في قرية كذا، وأقام على ذلك بينة هل يكون تناقضاً؟ وهل تبطل دعواه؟ قال: لا تبطل دعواه إن وفق.
ولم يبين وجه التوفيق ووجه ذلك: أن يقول: قبضتها في سوق سمرقند كما ادعيت أولاً فجحدني القضاء وعجزت عن إثباته بالبينة فقبضتها ثانياً في قرية كذا، وقيل: على
стр. 4204
الرواية التي لا يشترط التوفيق ويكتفى بإمكان التوفيق ينبغي أن لا يبطل دعواه، ويقبل ذلك منه من غير توفيق.
إذا ادعى رجل داراً في يدي رجل أنها داره ورثها من أخيه ثم ادعى أنه اشتراها من أخيه في حياته وصحته، وأقام على ذلك بينة لا تقبل بينته، وبمثله لو ادعى الشراء أولاً من أخيه في حياته وصحته ثم ادعى الإرث وأقام على ذلك بينة تقبل بينته؛ لأن في الفصل الأول التوفيق بين الكلامين غير ممكن فيثبت التناقض، وفي الفصل الثاني التوفيق بين الكلامين ممكن، فلا يثبت التناقض.
إذا قال المدعى عليه الدين: أين مبلغ مال كدعوى مسيكنى بتور سانيده، أم ثم قال: بفلان حوالة كرده بودم واورسانيده است، فقد قيل: لا تسمع هذه المقالة الثانية لمكان التناقض، وقيل: تسمع ولا تناقض؛ لأن إيفاء المحتال عليه إيفاء المحيل معنى.
ألا ترى من حلف ليعطين فلاناً حقه فأحاله على غيره وقبض من المحتال عليه بر الحالف في يمينه، وكذلك لو حلف لا يعطي فلاناً حقه فأحاله على غيره وقبضه المحتال له؛ حنث في يمينه، وجعل إعطاء المحتال عليه بأمر المحيل، إعطاء المحيل معنى.t
في «مجموع النوازل» سئل نجم الدين النسفي: عن رجل ادعى ديناً في تركة ميت؛ وصدقه الوارث في ذلك وضمن له إيفاء الدين، ثم ادعى هذا الوارث بعد ذلك أن الميت قد كان قضى المال في حياته، وأراد إثبات ذلك بالبينة؛ قال: لا تصح دعواه ولا تسمع بينته، وهذا ظاهر لأنه متناقض؛ لأنه أقر بوجوب المال أولاً، وبدعوى القضاء يدعى أنه غير واجب، وهذا تناقض ظاهر.
سئل هو أيضاً: عن رجل خلع امرأته؛ وقال في ذلك المجلس: مرا دراين خانه سيح جيز نهبت، ثم ادعى عليه أشياء من الأقمشة التي هي في ذلك البيت؛ هل تصح دعواه؟ قال: إن كان قال: هذه الأقمشة كانت (٢٠٢أ٤) في البيت وقت الخلع لا تصح دعواه لمكان التناقض وهذا ظاهر، وإن قال: لم تكن هذه الأشياء في ذلك البيت وقت الخلع تصح دعوته، وعندي أن فيما إذا أنكر الزوج كون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع يجب أن يكون الجواب على التفصيل إن كانت دعوى الأقمشة بعد إقرار الزوج من ادراين خانه ينتج جيز نهبت، في مدة لا يمكن إدخال تلك الأشياء في البيت في تلك المدة؛ لا تصح دعواه، لأنا تيقنا بكون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع إذا كانت الحالة هذه، وإن كان دعوى الأقمشة بعد إقراره ذلك في مدة يمكنه إدخال تلك الأشياء في البيت في تلك المدة تصح دعواه؛ لأنا لم نتيقن بكون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع؛ إذا كانت الحالة.
هذه وجنس هذه المسألة في شهادات «الجامع» من شرحي. ادعى على رجل مقداراً معلوماً من مال الشركة في يده، وأنكر المدعى عليه الشركة، والمال، ثم إن المدعي ادعى ذلك المال المقدر بجهة الدين، تسمع دعواه ثانياً ولا يصير متناقضاً؛ لأن مال الشركة يصير مضموناً على الشريك، ديناً في ذمته عند جحوده، فيمكن الجمع بين الدعوتين إذ يمكنه أن يقول: كان لي في يده هذا المقدار بجهة الشركة، وصار
стр. 4205
ديناً عليه حين أنكر الشركة والدين، ولو كان ادعى ذلك المقدار بجهة الدين أولاً، ثم ادعاه بجهة الشركة؛ لا تسمع دعواه ثانياً، ويثبت التناقض لأن الدين لا يصير مال الشركة بحال.
ولو ادعى على آخر أن له في يده كذا، كذا من مال الشركة، فأنكر المدعى عليه الشركة، ثم إن المدعى عليه ادعى دفع ذلك المال إلى المدعي، فإن كان أنكر الشركة أصلاً بأن قال: لم يكن بيننا شركة أصلاً، وما دفعت إليَّ شيئاً من المال، لا تسمع منه دعوى دفع المال لمكان التناقض، وإن أنكر الشركة والمال في الحال، بأن قال: لا شركة بيننا، وليس لك في يدي مال الشركة، تسمع منه دفع المال ولا تناقض هاهنا.
يوضحه: أن مال الشركة وديعة في يد الشريك، والجواب في المودع إذا أنكر الوديعة، ثم ادعى الرد على التفصيل الذي ذكرنا كذا هاهنا.
وإن ادعى الأول في فصل الوديعة والشركة فيما إذا أنكر الإيداع أو الشركة أصلاً وقال: إنك أبرأتني عن دعواك قبلي صحت الدعوى؛ لأن بالجحود يصير الوديعة، ومال الشركة ديناً فيستقيم دعوى الإبراء إذ لا تناقض ثمة، ولا كذلك في دعوى الدفع.
صبي له عقار موروثة ادعى بعد بلوغه أن وصيه باع عقاره مكرهاً، وسلمه مكرهاً فلم يملكه المشتري وعليه رده علي، ثم ادعى أن الوصي قد كان باعه بغبن فاحش صحت منه الدعوى الثانية وقبلت بينته لعدم التنافي بجوابه، باع مكرهاً بغبن فاحش فالجمع بين الدعوتين ممكن من هذا الوجه.
وإذا قال: أدعي عيناً في يد رجل ملكاً مطلقاً، ثم ادعاه في وقت آخر على ذلك الرجل عند ذلك القاضي بسبب حادث صح دعواه، ولو ادعى أولاً الملك بسبب، ثم ادعاه بعد ذلك الرجل ملكاً مطلقاً عند ذلك القاضي؛ لا يصح دعواه هكذا، ذكر في دعوى «أجناس الناطفي» .
والفرق: أن الملك القديم يجوز أن يصير ملكاً حادثاً؛ لأن المملوك أول من أمس يجوز أن يصير مملوكاً أمس ملكاً حادثاً، بسبب حادث بأن يبيعه ثم يشتريه، فالتوفيق بين الدعوتين ممكن فتصح الدعوى الثانية، فأما الملك الحادث لا يجوز أن يصير ملكاً قديماً؛ لأن المملوك أمس لا يتصور أن يكون مملوكاً أول من أمس، فالتوفيق بين الدعوتين غير ممكن، فلا تصح دعواه الثانية.
ولو ادعى النتاج أولاً في ذاته، ثم ادعاها بعد ذلك بسبب عند ذلك القاضي ينبغي أن لا يصح دعواه الثاني، بخلاف ما إذا ادعى الملك المطلق أولاً، ثم ادعاه بعد ذلك بسبب عند ذلك القاضي.
والفرق: أن دعوى النتاج على ذي اليد لا تحتمل دعوى ملك حادث من جهته؛ إذ لا يتصور التملك بالنتاج من جهة غيره، ألا ترى أنه لو كان ادعى أن هذه الدابة ملكه بالنتاج من جهة ذي اليد، لم تكن دعواه صحيحة، فلا يمكن أن يجعل كلامه الثاني بياناً لكلامه الأول، بل يكون كلاماً آخر مخالفاً لكلامه فيصير متناقضاً؟ أما دعوى الملك
стр. 4206
المطلق على ذي اليد يحتمل دعوى ملك حادث من جهة ذي اليد فأمكن أن يجعل كلامه الثاني بياناً لكلامه الأول، وبالبيان يتقدر الكلام ولا يتناقض.
وإذا قال عند غير هذا القاضي: هذا العين ملكي بسبب الشراء من فلان، أو قال: بسبب الإرث من فلان، ثم ادعى ذلك العين عند قاضٍ من القضاة ملكاً مطلقاً، فالقاضي لا يسمع دعواه إذا ثبت عنده أنه قد قال قبل هذا: إن هذا العين ملكي بسبب كذا، وهذا إذا كان ادعى الشراء من رجل معلوم بأن ذكر اسم ذلك الرجل، واسم أبيه، واسم جده، أو ما أشبه ذلك من الأسباب التي يقع بها التعريف، فأما إذا كان ادعى الشراء من رجل مجهول بأن قال: اشتريته من محمد، ولم يزد عليه، ثم ادعاه بعد ذلك عند القاضي ملكاً مطلقاً، فالقاضي يسمع دعواه، وإن ثبت عند القاضي أنه قد قال قبل هذا: إن العين ملكي بسبب كذا.
والفرق: أنه إذا ادعى الشراء من غيره فقد أقر بالملك لذلك الغير؛ لأن كل مشترٍ مقر لبائعه فيما اشترى منه، وقد صح هذا الإقرار منه إذا كان البائع معلوماً؛ لأنه إقرار بالمعلوم للمعلوم، فيثبت به الملك لفلان بإقراره، وبعدما ثبت الملك لفلان؛ لا يمكنه إثباته لنفسه إلا بسبب يوجب الانتقال، ودعوى الملك المطلق بعد ذلك لا يتعرض بسبب الانتقال، فلا يثبت به الانتقال، وهو المحتاج إليه، وفيما إذا كان البائع مجهولاً لم يصح منه الإقرار؛ لأن الإقرار للمجهول لا يصح، فصار كأنه لم يدَّع الشراء أصلاً، وهناك يصح منه دعوى الملك المطلق فهاهنا كذلك.
وإذا ادعى داراً في يدي رجل ملكاً بسبب الشراء، أو أظهر أن الدار المدعى به يوم الدعوى لم تكن في يد المدعى عليه، بل كانت في يد غيره، ثم هذا المدعي ادعى هذه الدار في مجلس آخر على صاحب اليد ملكاً مطلقاً، فقد قيل: تسمع دعواه؛ لأن الدعوى الأول وقع باطلاً فصار وجوده والعدم بمنزلة.
وقيل: لا يسمع دعواه وهو الأصح؛ لأن بدعواه الأول ادعى استحقاق الدار لنفسه ملكاً مطلقاً وهذا أمر عليه، فلأن لم تعتبر دعواه الأول في حق إثبات استحقاق الدار لنفسه، يعتبر في حق بطلان دعواه الملك المطلق لنفسه بعد ذلك.
يوضحه: أن دعواه الدار على غير صاحب اليد بسبب كذا، لا يكون أدنى حالاً من إقراره أن الدار له بسبب كذا عند غير صاحب اليد، وذلك يبطل دعواه الدارملكاً مطلقاً بعد ذلك فكذلك دعواه.
سئل القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي عمن ادعى نصف دار معين في يدي رجل، ثم ادعاه بعد ذلك جميعها، قال: لا يسمع دعواه ولو كان على العكس يسمع، والصواب: أنه يسمع في الوجهين جميعاً، إلا إذا كان. قال: وقت دعوى النصف لا حق لي فيها سوى النصف فحينئذ لا يسمع دعواه جميعها ما كان التناقض وبدونه لا تناقض فيصح الدعوى.
وذكر في آخر بيوع «الزيادات» : رجل اشترى من رجل عبداً، ثم إن البائع ادعى أنه
стр. 4207
كان فضولياً في هذا البيع، وأراد استرداد العبد من يد المشتري، وأنكر المشتري ذلك، أو ادعى المشتري أن البائع كان فضولياً في هذا البيع، وأراد رد العبد، واسترداد الثمن؛ لا يصح دعواه، لأن إقدامه على هذا العقد إقرار منه بصحة هذا العقد ونفاذه، وذلك بالملك له أو بالأمر من المالك، فالذي يدعي كونه فضولياً في البيع منكر نفاذه بعد ما أقر به، وأنه مناقض ظاهر وإن أراد أن يقيم بينة على ما ادعى من كونه فضولياً في البيع لا تسمع بينته، وكذلك لو لم (٢٠٢ب٤) يكن له بينة وأراد أن يحلف صاحبه على ما ادعى من كونه فضولياً في البيع ليس له ذلك؛ لأن سماع البينة والتحليف يترتبان على صحة الدعوى، وهذه الدعوى لم تصح هاهنا لمكان التناقض.
ذكر في «المأذون الكبير» : العبد المأذون، إذا اشترى عبداً وقبضه ثم أقر أن هذا العبد الذي اشتراه من فلان قد كان فلان أعتقه قبل أن يبيعه منه، فاشتراه وهو حر وأنكر البائع ذلك فإن العبد مملوك له على حاله، ولا يصدق المأذون على ما أقر به البائع الأول، لأن المشتري من البائع لو كان حراً وأقرَّ بمثل ما أقر به المأذون لايصدق على البائع، فكذا إذا كان المشتري مأذوناً إلا أن المشتري إذا كان حراً فالعبد يعتق عليه بحكم إقراره، وإذا كان عبداً مأذوناً فالعتق لا يعتق عليه؛ لأن هذا إقرار بحرية طارئة بعد الرق وإنه صحيح من الحر غير صحيح من العبد المأذون.
ولو كان العبد المأذون لم يقر بذلك وإنما أقر أن البائع كان باع هذا العبد من فلان قبل أن يبيعه مني، وصدقه فلان في ذلك وكذبه البائع، فإن المأذون لا يصدق فيما ادعى على البائع حتى لا يسترد الثمن من البائع ويصدق في حق نفسه، حتى يؤمر بدفع العبد إلى فلان؛ لأن المأذون أقر بعين في يده أنه لأجنبي، وإقرار المأذون بذلك صحيح في حق نفسه، وإن أقر البائع بما ادعاه المأذون رجع المأذون على البائع بالثمن.
وكذلك لو أقام المأذون البينة على ما ادعى على البائع، أو حلف المأذون البائع على ما ادعى ولكل رجع المأذون على البائع بالثمن فقد جمع ﵀ بين ثلاثة فصول؛ أقر البائع بما ادعاه المأذون، وإقامة المأذون البينة على البائع وتحليف المأذون البائع على ما ادعاه.
وأجاب في الكل أن المأذون رجع على البائع بالثمن، وهذا الجواب ظاهر في فصل الإقرار؛ لأن أكثر ما في الباب أن دعوى المأذون لا تصح لمكان التناقض، وصار من حيث التقدير كأنه لم يدعِ، فأقر البائع يصح، لأن الدعوى ليس بشرط لصحة الإقرار، وإذا صح إقرار البائع لزمه رد الثمن لأن المبيع لم يسلم للمأذون من جهة البائع بزعمه، والمأذون صدقه في ذلك فكان له أن يرجع بالثمن، إما.... في فصل إقامة البينة وفي تحليف البائع، وكان ينبغي أن لا يسمع البينة من المأذون على ما ادعى، ولا يكون له حق التحليف البائع على ما ادعى؛ لأن سماع البينة يترتب على دعوى صحيحة، وكذا حق
стр. 4208
التحليف يترتب على دعوى صحيحة، وهذا الدعوى من المأذون لم يصح لمكان التناقض؛ لأنه يدعي أن البائع باع منه المغصوب وإقدامه على الشراء إقرار منه أن المشتري ليس بمغصوب فهو معنى أن المأذون متناقض في هذه الدعوى، والتقريب ما ذكرنا.
وقد وضح محمد ﵀ هذه المسألة في «الزيادات» ، أو في «الجامع» : في الحر، وذكر أن المشتري لو أقام البينة على ما ادعى في بيع البائع المبيع من غيره، قبل أن يبيعه منه أنه لا يسمع دعواه، ولو أراد أن يحلف البائع على ذلك ليس له ذلك؛ لأن دعواه لم تصح لمكان التناقض على ما ذكرنا، فلا يترتب عليه سماع البينة والتحليف، فمن مشايخنا من لم يصحح ما ذكرنا في المأذون، ومنهم من صححه، واختلفوا فيما بينهم. قال بعضهم: في المسألة روايتان على رواية «الزيادات» و «الجامع» لا تسمع البينة ولا يحلف البائع وعلى رواية «المأذون» تسمع البينة ويحلف البائع.
وجه ما ذكر في «المأذون» : أن المناقضة ثابتة من حيث الظاهر، لا من حيث النص، فإن المشتري لم يقرَ نصاً أن البائع ليس بغاصب، وإنما أثبتنا هذا الإقرار من حيث الظاهر، فإن الظاهر أن العاقل المسلم لا يشتري من الغاصب، والظاهر يصح حجة للدفع لا للإبطال، فلم يجز إبطال بينة المشتري بالمناقضة الثابتة من حيث الظاهر، فكانت البينة مقبولة واليمين مستحق حتى لو أقر المشتري نصاً أن البائع ليس بغاصب، وإنه بسبيل من بيعه، ثم ادعى أنه كان غاصباً، ولم يكن بسبيل من بيعه لم تصح دعواه، ولم تسمع بينته على الروايات كلها، وقال بعضهم: ما ذكر في «الزيادات» و «الجامع» قياس وما ذكر في «المأذون» استحسان.
وفي «الأجناس» : مشتري الأرض إذا أقر أن الأرض المشتراة مقبرة أو مسجد، وأنفذ القاضي إقراره بحضرة من يخاصمه، ثم أقام المشتري البينة على البائع ليرجع بالثمن عليه، قبلت بينته.
وفي «فتاوى أبي الليث» : دار في يدي رجل ادعى أخوه شركة فيها من جهة أنهما ورثاها من أبيهما فلان؛ فقال الذي في يديه الدار: ما كان لأبي في هذه الدار حق، أو قال: ما كانت هذه الدار لأبي، ثم إنه أقام البينة أنه كان اشترى هذه الدار من أبيه في حياته وصحته قبلت بينته، لأن التوفيق بين الكلامين ممكن، فإنه يمكنه أن يقول: لم يكن لأبي وقت الموت ولم يصر ميراثاً بيننا لما أنه قد كان باعها مني قبل ذلك.
ولو قال: لم يكن لأبي قط، أو قال: لم يكن لأبي فيها حق قط، ثم ادعى الشراء بعد ذلك من أبيه، لم يسمع دعواه، ولم يقبل بينته لأن التوفيق هاهنا غير ممكن، وإن ادعى إقرار الأب في هذه الصورة بعد ذلك يسمع دعواه؛ لأن التوفيق بين دعوى إقرار الأب بالدار له، وبين ما تقدم من مقالته أنها لم تكن لأبيه ممكن، لأنه يمكنه أن يقول: ما كانت لأبي لأنها كانت لي، وقد أقر لي بها، وأقرار الإنسان بالعين لغيره إذا لم يكن مملوكاً له صحيح.
стр. 4209
وفيه أيضاً: رجل اشترى كرماً من امرأة وادعى ابنها وهو غير بالغ أن هذا الكرم له ورثه من أبيه وصدقته الأم وزعمت أنها ما كانت وصية بجهة صحيحة يوم البيع، وقد كانت أقرت يوم البيع أنها كانت وصية من جهة أبيه.
قال: دعوى الابن باطل إلا أن يكون مأذوناً في التجارة، أو مأذوناً في الخصومة من جهة من له عليه ولاية، وتصدق المرأة على نفسها فيضمن فيه قيمة ما باعت، ولا تصدق على المشتري، ووجوب الضمان عليهما قولهما، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀ بناءً على ما مر قبل هذا أن في وجوب ضمان العقار والبيع والتسليم روايتان.
عن أبي حنيفة: رجل مات وترك بنتاً وابنين؛ فادعى أحد الابنين أن أبانا باع هذه الدار منا في حال صغرنا، وأبرأنا من الثمن، واليوم هذه الدار ملكنا أثلاثاً؛ ثلثاه للابن، وثلثه للبنت، فقد قيل: لا تصح هذه الدعوى لأن قولهما في الابتداء: باع هذه الدار هنا يوجب التسوية بينهما وقد صرح بالمثالثة في الانتهاء، ولكن هذا بعيد لأن قولهما في الابتداء: باع هذه الدار يحتمل المثالثة.
ألا ترى أن من قال لرجلين: بعت منكما هذه العين على أن ثلثيه لهذا، وثلثه لهذا صح، فتصريحهما بالمثالثة في الانتهاء تعيين ما احتمله في ابتداء الكلام، وإنه لا يوجب تناقضاً، ولكن ينبغي أن يثبتا أن البيع كان في حالة الصحة، وبدونه لا يسمع دعواهما؛ لأن البيع من الوارث في مرض موت المورث لا يصح عند أبي حنيفة أصلاً.
ادعت المرأة مهر المثل ثم ادعت بعد ذلك المسمى يسمع دعواها الثاني، لأن في الوجه الأول الجمع بين الدعوتين ممكن، ولا كذلك في الوجه الثاني.
في «مجموع النوازل» : رجل ادعى على رجل عند القاضي أنه غصب منه غلاماً تركياً، وبين صفاته، وطلب إحضاره ليدعيه ويقيم عليه حجة، فأحضر المدعى عليه غلاماً بعض صفاته تخالف بعض ما وصفه المدعي، فادعى المدعي هذا العبد وقال: هذا العبد ملكي، وأقام عليه البينة سمع دعواه، وقبل منه البينة، هكذا ذكر، وهذا الجواب مستقيم فيما إذا قال: هذا ملكي، ولم يزد عليه، وكذلك هذا الجواب مستقيم أيضاً فيما إذا قال: هذا العبد ملكي أيضاً، ويصير مدعياً عبدين، وأما إذا قال: هذا العبد هو العبد الذي ادعيته أولاً، لا تسمع دعواه لمكان التناقض.
وإذا ادعى رجل على غيره أنه أخوه، وادعى عليه النفقة، فقال المدعى عليه: هو ليس بأخي ثم مات المدعي فجاء المدعى عليه يطلب ميراثه وقال: هو أخي لا يعتبر ذلك منه، ولا يقضى له بالميراث. ولو كان مكان الأخوّة دعوى البنوّة، أو دعوى الأبوّة والباقي بحاله يقبل ذلك منه، ويقضي له بالميراث.
والفرق: أن في دعوى الأخوة وأشباهها، والإقرار بها العبرة لدعوى المال، ألا ترى أن من أقر أن فلاناً أخوه، ولا يدعي عليه مالاً بسبب هذه الدعوى لا تصح دعوته، فعلم أن العبرة في الإقرار بالأخوة وأشباهها لدعوى المال، والتناقض في دعوى المال مانع صحة (٢٠٣أ٤) الدعوى أما في دعوى البنوة والأبوة والإقرار بهما لا عبرة لدعوى
стр. 4210
المال، بل هي مجرد دعوى النسب غير مانع صحة الدعوى.
إذا ادعى المديون القضاء وأنكر رب الدين ذلك وحلف، ثم إن المديون صالح رب الدين عن ذلك على شيء، ثم أقام البينة أنه كان قد قضاه الدين، هل تسمع بينته؟ اختلف المشايخ فيه، وذكر في كتاب الصلح مسألة تدل على القبول.
وصورتها: رجل استعار من آخر دابة، وهلكت الدابة تحت المستعير، وأنكر رب الدابة الإعارة، وصالحه المستعير على مال جاز، فأقام المستعير بعد ذلك بينة على العارية وقال: إنها بيعت، قبلت بينته، ولو أراد استحلاف المعير فله ذلك.
وعندي أن الجواب في مسألة الدين على التفصيل: إن صالحه عن الدين لا تقبل منه دعوى القضاء لمكان التناقض؛ لأن الصلح عن الدين إقرار بقيام الدين وقت الصلح، وإنه يناقض دعوى القضاء قبل ذلك، وإن صالحه عن دعوى الدين يقبل به دعوى القضاء؛ لأنه لا تناقض هاهنا.
وفي «المنتقى» : رجل له على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه: ما كان لك عليَّ ألف درهم قط، وقد ادعيت هذه الألف أمس فدفعتها إليك، فقال المدعي: ما قبضت منك شيئاً، وإن لي عليك ألف درهم، فصالحه من دعواه على خمسمائة درهم، ثم إن المدعى عليه جاء ببينة فشهدت أنهم رأوا المدعى عليه دفع إلى المدعي أمس ألف درهم؛ لم ألتفت إلى هذه الشهادة؛ لأن هذا إنما افتدى يمينه بها.
ولو أن المدعى عليه قال للمدعي: صدقت، قد كان لك عليَّ ألف درهم، لكني قد قضيتكها أمس، وقال المدعي: ما قضيتني شيئاً، فدفع الألف عليه أو صالحه على خمسمائة، ثم شهد الشهود للمدعى عليه أنه دفع إليه الألف بالأمس كان له أن يرجع عليه ما أعطاه والصلح باطل.
وفي دعوى «المنتقى» : رجل ادعى داراً في يدي رجل وهو يجحد، فقال المدعي للقاضي: هذه داري وشهودي عليها غيَّب، فاسأله أن يبيعها مني، فسأله القاضي فأبى أن يبيعه فالمدعي على دعواه، هكذا حكاه عن محمد ﵀، فلم يجعل طلب المدعي من القاضي سؤال البيع من المدعى عليه متناقضاً في دعوى رقبة الدار بعد ذلك.
وأشار إلى المعنى فقال: لأنه فسر ذلك وقاسها على مسألة ذكرت في شفعة «المنتقى» .
صورتها: رجل باع داراً في جوار رجل هو شفيعه، والشفيع يزعم أن الدار المبيعة له، فقال الشفيع للقاضي: هذه داري وأنا أدعي رقبتها، لا تبطل شفعته بدعواه الرقبة إلا أن في مسألة الشفعة في «المنتقى» ذكرت في موضعين في باب واحد، في أول الباب ذكرت على نحو ما ذكرنا، وفي آخر الباب ذكرت أن بدعوى الرقبة تبطل شفعته، فعلى قياس ما ذكر في آخر الباب ينبغي أن يبطل دعواه في الرقبة في المسألة سؤال البيع.
وفي دعوى «المنتقى» : عن أبي يوسف في الشفيع: إذا ادعى الدار المشتراة له وأن بينته غيب، أو قال: لا بينة لي، ويمكن أخذه بالشفعة، قال: طلب الشفعة إقرار بأنها
стр. 4211
ملك البائع، ولا أقبل بينته على الملك إن جاء بها فعلى قياس هذا ينبغي أن يبطل دعواه في الرقبة عند أبي يوسف بسؤال البائع في المسألة المتقدمة؛ لأن سؤال البيع إقرار أن الدار ملك البائع.
وفي «المنتقى» : في كتاب الدعوى ابن سماعة عن محمد: رجل ادعى على رجل أنه أخذ منه مالاً وهو كذا كذا ألف درهم، ووصف بصفة معروفة، فأقام المدعى عليه بينة أن هذا المدعي إن أقر أن هذا المال المسمى المفسر أخذ منه فلان، وأنكر المدعي ذلك فليس هذا بإبطال لدعوى المدعي، ولا بإكذاب لبينته؛ لأن الإكذاب إنما يثبت لمكان التنافي، ولا منافاة بين الأخذين إذا حلت الشهادتان عن الوقت، فيجوز أن يكون فلان أخذه ثم رده عليه، فأخذه هذا المدعى عليه.
وفي أقضية «المنتقى» : ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل ادعى على رجل ألف درهم ومئة دينار، فكانت الألف بصك قد كتب عليه، وكتب أن لا شيء عليه غيرها، والوقت واحد أو لا وقت فيها، فالمال كله لازم قال: ألا ترى أنه لو قال: لي عليه ألف درهم ولا مال لي عليه غير ذلك، ثم ادعى عليه ألف درهم وجاء ببينة على ذلك؛ إني أقبل البينة وألزمه المالين، ويكون معنى قوله: لي عليه ألف درهم ولا مال لي عليه غير ذلك من جنس الدراهم، ولي عليك مئة دينار، ولا مال لي عليه غير ذلك من جنس الدنانير، كذلك هاهنا.
وذكر المعلى قال: سألت محمداً: عن رجل ادعى على رجل مئة دينار في صك، وألف درهم في صك، وفي كل واحد من الصكين قال: عليهما حد المالين يعطيه أيهما شاء، وروى هشام عنه أنه لا يلزمه شيء معين في يدي رجل، وهو يقول: هذا العين ليس لي لا يصح بعينه حتى لو ادعى هذه العين بعد ذلك رجل وادعاه ذو اليد أيضاً، وقال: هو لي صح دعوى ذي اليد، وهذا باتفاق الروايات إذا لم يكن وقت باتفاقها، قال ذو اليد: هذا العين ليس لي هناك منازع يدعي العين لنفسه، وإن صار ذو اليد متناقضاً إلا أن هذا التناقض ... لأن قوله هذا العين ليس لي إذا لم يكن ثمة منازع لا تثبت لغيره حقاً، وإن كان هذا الإقرار على نفسه ينفي الملك، وكل إقرار لا يثبت على المقر حقاً لغيره وجوده والعدم بمنزلة، وإن كان حال ما قال ذو اليد: هذا العين ليس لي هناك منازع يدعي هذا العين لنفسه صح نفيه، حتى لو قال ذو اليد بعد ذلك: هو لي، لا يلتفت إلى قوله: هو لي، ويقضي لحصته بالعين على رواية «الجامع» ، وعلى رواية كتاب الدعوى: لا يصح نفيه، وتصح دعواه بعد ذلك العين لنفسه.
قالحاصل: أن قول صاحب اليد: هذا العين ليس ملكي عند وجود المنازع على رواية «الجامع» إقرار للملك فيه للمنازع، وذكر هذه المسألة في كتاب «الأقضية» في موضعين، وجعل قوله: هذا العين ليس بملكي عند وجود المنازع إقراراً بالملك له في
стр. 4212
إحدى الموضعين، ولم يجعله إقراراً بالملك في الموضع الآخر، ثم على رواية كتاب الدعوى إذا لم يكن إقراراً وقد كان قال صاحب اليد: هو ليس بملكي ولست بمعترض، لهذا فالقاضي لا يكتفي بهذا الجواب من المدعى عليه، بل يسأله: أهو ملك المدعي؟ وإن قال: نعم هو ملكه أمره بالتسليم إليه، وإن قال ليس بملكه وليس في يده والمدعي يثبت يده بالبينة.
إذا قال الوارث: هذه الدار لم تكن لأبي، وإنها كانت وديعة في يده لفلان سمى رجلاً معروفاً ثم أقام البينة أن الدار كانت في يد ابنه أخذها الذي في يديه بعد موته، أو أقام بينة أنه أخذها منه في حياته ردت الدار إلى الابن إن كان موضعاً لها حتى يقدم المستودع، وإن لم يكن موضعاً لها جعلت في يدي عدل.
هذا إذا أقر رجل معروف، وإن لم يكن أقر معروف، ولكن قال: لم تكن هذه الدار لأبي ثم قال بعد ذلك: كذبت في قولي إنها لم تكن لأبي؛ بل كانت لأبي مات وتركها ميراثاً لي دفعت إليه الدار بعدما هو ميت فلم يحضر أحد يطلبها، كمن في يده دار أو ثوب قال: ليس هذا لي، فالقاضي لا يأخذ ذلك منه حتى يحضر أحد فيدعيها، وإذا قال: لا حق لي قبل فلان ثم ادعى عيناً في يديه لا يسمع دعواه، ولو أقر له فلان بعين في يده صح إقراره في الباب الثاني من صلح شيخ الإسلام.
وفي «نوادر هشام» قال: سألت محمداً عن رجل، قال: لا حق لي في هذه الدار ولا خصومة ولا طلبة، ثم جاء يزعم أو وكيل فلان في دعوى هذه الدار قبل ذلك منه، إذا قال المدعى عليه وقت القضاء: العين المدعى ليس ملكي ولا هو في يدي، وقد كان قال وقت الدعوى: هو ملكي وحقي، لا يسمع منه الكلام لمكان التناقض.
رجل ادعى على رجل مالاً معلوماً وأقام عليه البينة أنه استوفى من هذا المال كذا وكذا درهماً، هل تبطل بذلك دعوى المدعي وبينته؟ قالوا: المسألة على وجهين؛ إن كان الإقرار بلفظ يدل على استيفائه هذا القدر قبل هذه الدعوى والبينة بأن قال: باقيه بودم ازيين مال أو بدي أزاين مال أو يدي لا يبطل دعواه ولا بينته؛ لأنه يمكنه أن يقول: استوفيت هذا القدر من المال بعدما ادعيته وأثبته بالبينة.
رجل ادعى على رجل أربعمائة درهم (٢٠٣ب٤) وأنكر المدعى عليه ذلك، فإن أقام المدعي بينة على دعواه وقضى القاضي له بالأربعمائة، ثم إن المدعي أقر أن للمدعى عليه مائة درهم، قال أبو القاسم الصفار ﵀: تبطل عن المدعى عليه الثلاثمائة الباقية وبه أفتى عبد الكريم؛ لأن بقدر المائة تقع المقاصة بين ما للمدعي على المدعى عليه، وبين ما للمدعى عليه على المدعي، ويسقط ذلك القدر عن المدعى عليه، فيصير المدعي مكذباً لشهوده، فإنهم شهدوا له بأربعمائة وله عليه ثلاثمائة.
وأفتى أبو أحمد عيسى بن النصر وغيره من أصحابنا؛ أنه لا يبطل عن الثلاثمائة الباقية، لأن بوقوع المقاصة لا يسقط الدين كما لا يسقط بالقضاء، إنما يسقط المطالبة لا غير؛ ألا ترى أن بعد القضاء والمقاصة لو أبرأ رب الدين المديون عن الدين يصح، فلم
стр. 4213
يسقط المائة منها عن المدعى عليه فلا يتحقق التكذيب، فلا يبطل الشهادة، فلهذا قالوا: لا تسقط الثلاثمائة الباقية والله أعلم.
القاضي إذا فرض النفقة للمرأة على الزوج فمضت مدة واجتمعت عليه النفقة، وادعى أن المرأة كانت حراماً عليه عند الفرض وأقام البينة، فبهذا القدر لا تبطل النفقة؛ لأنه يجوز أنها كانت حراماً عليه إلا أنها كانت في العدة، فيستقيم فرض النفقة.
ولو ادعى الزوج الخلع معها على المهر ونفقة العدة قبل فرض القاضي صح الدعوى، وإذا أقام البينة على ذلك قبلت بينته وبطل الفرض.
في «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف ﵀: رجل استعار من آخر ثوباً ثم أقام بينة أن الثوب لابنه الصغير قبلت بينته، فلم تكن الاستعارة على هذه الرواية إقراراً لملك المستعار منه، وذكر بعده المسألة بمسائل؛ إذا قال الرجل لغيره: أسكني هذه الدار، أعرني هذه الدابة ثم ادعاه بعد ذلك لنفسه لم تقبل حجته، وجعل الاستعارة إقراراً بالملك للمستعار منه. ولو قال: ادفع إلي هذه الدار أسكنها فأبى أن يعطيه ثم إن هذا السائل ادعاها بعد ذلك لنفسه فهو على حجته، وكذلك إذا قال: أعطني هذا الثوب ألبسه، أعطني هذه الدابة أركبها.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد: إذا شهد شاهدان أن لهذا الرجل على هذا الرجل ألف درهم، وعلى هذا الرجل الآخر مئة دينار فقال المشهود له: أما الألف فنعم، وأما مائة الدينار فباطلة، قال: تبطل الشهادة في الرجلين جميعاً، وكذلك لو شهد أنه غصبه هذين الثوبين فقال المشهود له: أما أحدهما فلم يقبضه بطلت الشهادة.
ولو شهدا أن لفلان على فلان ألف درهم وقضاه منها خمسمائة وكذبهما المدعي في القضاء فالشهادة جائزة.
وروى بشر عن أبي يوسف: في رجلين شهدا أن لهذا على هذا ألف درهم قد قضى منها مئة وقال المدعي: لم أقبض شيئاً، قال أبو حنيفة ﵀: أقضي له بالألف وأجعله مقضياً المائة، قال بشر: وهو قول أبي يوسف.
رجل ادعى داراً في يدي رجل أنها داره واشترى منه منذ شهر وأقام شاهدين، فشهدا على وقت الشراء أو أقل، فشهادتهما جائزة، ولو شهدا على أكثر من ذلك لم تجز شهادتهما.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: شاهدان شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً،
стр. 4214
فأنفذ القاضي شهادتهما، ثم ادعى أحد الشاهدين أنها امرأته تزوجها قبل الذي طلقها، وأتى على ذلك ببينة، والمرأة تجحد، لا يقبل ذلك منه؛ وكذلك هذا في العتق والبيع وغير ذلك إذا جحد البائع دعوى الشاهد وقال: المتاع لي، وكذلك إذا قال الشاهد: نحن أمرناه بالبيع؛ لأن ما بعد أن الحكم شهادتهما بمنزلة الإقرار منها؛ لأنه لا حق لهما فيه ولا في ثمنه، وسواء إن كان البائع جاحد البيع أو كان المشتري جاحد الشراء.
ولو شهدا فرد الحاكم شهادتهما ادعياه لأنفسهما فليس لهما في ذلك دعوى، فإن لم يشهدوا عليه عند الحاكم، ولكن شهدا المبايعة وضما على.... من غير إقرار بكلام، فإن هذين لا تقبل لهما دعوى.
وروي عن محمد: في رجل شهد على رجل أنه طلق هذه المرأة، ولم يشهد أنها امرأته وقال: لم أعرفها ولم أكن دخلت بها قبلت بينته، وكذلك لو شهدا على إقرار المرأة أنها امرأته ولم يشهد أنها امرأته، فأجاز القاضي عليها إقرارها وجعلها امرأته، ثم أقام الشاهد بينة أنه تزوجها منذ سنة، وإني لم أعرفها؛ قبلت بينته ويبطل قضاء القاضي ويردها على الشاهد، فصار مسألة الطلاق مختلفة بين أبي يوسف ومحمد.
رجل في يديه مملوك ادعاه رجل أنه مملوكه، والذي في يده يجحده، وادعاه لنفسه فحلفه القاضي ما هو لهذا المدعي فأبى أن يحلف، وقضى القاضي عليه بنكوله، فقال الذي كانت في يديه: قد كنت اشتريته منه قبل الخصومة، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته، وقضي له به، ولا يكون إباؤه اليمين إكذاباً للشراء.
ولو أقام بينة على أنه لي ولد في ملكي، أو أقام بينة على أني اشتريته من فلان يريد به رجلاً آخر سوى المدعي، وقد ولد في ملكه لا تقبل منه البينة.
وإذا شهد شاهدان أن الدار التي في يد هذا لفلان، فقال المشهود له: هذا البيت من هذه الدار لفلان ليس مولى فقد أكذب شهوده، فإن كان هذا قبل القضاء لم أقض لا له ولا لفلان بشيء وإن كان بعيد القضاء، قال: هذا البيت لفلان، ولم يكن لي أخبرت إقراره لفلان وجعلت البيت له ورددت ما بقي من الدار على المدعى عليه، وضمنته قيمة ذلك البيت يعني للمشهود عليه، ولأبي يوسف فيها قولٌ آخر أنه يضمن قيمة البيت للمشهود عليه، ويكون ما بقي من الدار له يعني المشهود له.
وفي «الإملاء» عن محمد: ثوب في يدي رجل أقر أنه لفلان، ثم قال بعد ما سكت: بعته منه بمئة درهم وقال لفلان: هو لي من غير البيع قبلت بينته، ولم يكن إقراره إكذاباً لبينته، ولو كان المقر وصل كلامه فقال: هذا لفلان بعته منه بمئة دينار قبل قوله، ولم يخرج من يده إلا بما قال.
عبد في يدي رجل قال لصاحب اليد: هذا عبدك، ثم ادعى المقر بعد ذلك أنه عبده باعه من المقر له بألف درهم، لم يصدق على ذلك، فإن قال المقر له: هذا العبد كان
стр. 4215
للمقر قبل أن يقر لي به، فقد وجب حق المقر الأول في العبد؛ فيقال للمقر له: أقم البينة على انتقاله منه إليك.
وفي «نوادر عيسى بن أبان» ثلاثة نفر أقاموا بينة على رجل بمالٍ لهم قبله من ميراثهم عن أبيهم، فقضى القاضي به لهم، ثم إن أحدهم قال بعد ذلك: ما لي في هذا المال الذي قضي لنا به على فلان من حق، وإنما هذا لإخوتي، قال: لا تبطل بهذا القول عن المقضي عليه شيء، إلا أن يقول: ما كان أصلاً في هذا المال شيء، وما هو إلا لإخوتي؛ فحينئذٍ يبطل حقه عن المقضي عليه. ولو قال قبل أن يقضي القاضي له بالمال: ما لي في هذا المال حق، وما هو إلا لإخوتي، يسأل عن ذلك بأي وجه صار لهما، وذلك وإن ما ادعيتم من ميراث أبيكم، فإن جاء بوجه يكون له فيه من قوله مخرج قبل منه.
وإن قال هذا القول ثم قضى القاضي للآخرين بالثلث وترك نصيب المقر، ولو كان الذين أقاموا البينة هم الذين ولوا معاملتهم ولم يدعوا المال إلا لهذين ما لي فيه حق؛ كان المال كله لهذين، ولم يبطل عن المدعى عليه شيء منه؛ لأنه قد يكون المال لرجل باسم رجل، وقال رجل يعمل به رجل آخر، رجل أقر وقال: هذا العبد تركه فلان ميراثاً، ثم ادعى أن فلاناً الميت أوصى بثلثه، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته، ألا ترى أنه يقال تركه ميراثاً وأوصى به لي، وكذلك لو قال: تركه ميراثاً، ثم ادعى صفة في صحته لم أسمع دعواه ولم أقبل منه.
وفي «نوادر هشام» : قال: سألت محمداً عمن تزوج المرأة ثم ادعى أنه اشتراها ممن يملكها، قال: لا أقبل بينته على ذلك حتى يشهد أنه اشتراها من فلان وهو يملكها بعد التزويج، وكذلك لو ساوم بدار في يدي رجل ثم ادعى أنها له اشتراها من فلان وهو يملكها لم أقبل ذلك منه حتى يشهدوا أنه اشتراها من فلان بعد ذلك، وأقر الذي في يده الدار أنه وكيل البائع.
جارية منتقبة في يدي رجل، اشتراها منه رجل وهو بحضرتهما، فلما حلت نقابها قال المشتري: هذه جاريتي ولم أعرفها للنقاب؛ لا تقبل دعواه، ولا بينته وإن ساومه بمتاع في جراب مدرج، وقال البائع: هذا هروي فلما أخرجه من جرابه ونشره ورآه، قال: هذا متاعي، قبلت بينته.
وكذلك لو اشترى (٢٠٤أ٤) منه ثوباً في منديل، فقال له البائع: أبيعك هذا الثوب الذي في هذا المنديل؛ فلما اشتراه فأخرج له الثوب من المنديل، قال المشتري: هذا ثوبي ولم أره، قال: أقبل دعواه وبينته، قال محمد ﵀: إنما أنظر في ذلك الشيء، فإن كان يمكن أن يكون ساومه وهو يعرف مثل الجارية المنتقبة القائمة بين يديه، فهذا يمكن أن يعرف به ويمكن أن لا يعرف، فلا يقبل قوله: إني لم أعرفه إلا أن يصدقه الذي في يديه أنه لم يعرف فتقبل بينته، وإذا كان شيئاً لا يمكن أن يساومه وهو يعرف مثل ثوب في منديل لا يراه أو جارية قاعدة على رأسها كساء وغطاء لا يرى منها شيء أقبل بينته عليه.
стр. 4216
وفي «نوادر ابن سماعة» : في رجلين شهدا لرجل وقالا: نشهد أن فلاناً غصب عبد هذا ولكنه قد رده عليه بعد ذلك فمات عند مولاه، وقال المغصوب منه: ما رده عليَّ، وإنما مات عند الغاصب، وقال المشهود عليه: ما غصبته ولا رددته عليه وما كان من هذا شيء، قال: إذا لم يدع شهادتهما يعني على الرد ضمنتهما القيمة.
وكذلك لو شهدا أنه غصب عبداً له وأن مولاه قتله في يد الغاصب وقال المغصوب منه: ما قتلته؛ ولكن مات عند الغاصب، وقال المشهود عليه: ما غصبته ولا قتل المشهود له عبداً له في يدي.
وكذلك لو شهدوا أن لهذا على هذا ألف درهم ولكنه قد أبرأه منها، وقال المشهود له: ما أبرأته من شيء، وقال المشهود عليه: ما كان له عليَّ شيء، ولا أبرأني من شيء، قال: إذا لم يدع شهادتهما على البراءة قضيت عليه بالألف.
رجل شهدت له بينة على رجلين؛ أن له عليهما ألف درهم، فقال الطالب: إنما ما لي على فلان هذا وحده خمسمائة، أو قال: إنما ما لي على هذا وحده؛ قال أبو يوسف: ليس هذا إكذاباً للبينة.
بشر عن أبي يوسف: في رجل ادعى شراء جارية من رجل وأراد ردها بعيب العور، فجحد البائع وقال: لم أبعك، فأتى المشتري بشهود أنه ابتاعها منه، وهي عوراء، وأقام البائع بينة أنه برئ إليه من العور، لم تقبل بينته على البراءة في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: قبلتها، ليس هذا إكذاباً لشهوده، فإنه يمكنه أن يقول: أبرأني، ولم أبعه حيث طلبه فطلبت إليه فأبرأني.
رجل ادعى داراً ببينة في يدي رجل أنها داره وأقام البينة على ذلك، وذكر الشهود البناء في شهادتهم، أو لم يذكروا ثم ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فالقاضي يقضي بالدار ببنائها للمدعي، فإن أقر المدعي بعد ذلك أن البناء للمدعى عليه فهذا إكذاب لشهوده، وبطلت الشهادة، والقضاء في البناء والدار جميعاً هكذا ذكر في «الأقضية» .
وفي آخر شهادات «الأصل» قال: إذا ذكر الشهود البناء في شهادتهم ثم أقر أن البناء للمدعي، فهذا إكذاب لشهوده، وقد ذكرنا قبل هذا في فصل على حدة، وإنما أوردناها هاهنا لنفرق بين مسألة الدار وبين مسألة الحانوت.
فإن من ادعى حانوته في يدي رجل وشهد الشهود بالحانوت للمدعي، ثم غاب الشهود أو ماتوا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فإن القاضي يقضي بالحانوت ببنائه للمدعي، فإن أقر المدعي بعد ذلك فقال: آستانة أيف، وكان يدعي عليه كرده است، فهذا منه إكذاب لشهوده.
وإن لم يذكر الشهود البناء في شهادته، أما على رواية كتاب «الأقضية» : فلا يحتاج إلى الفرق، وأما على رواية «الأصل» يحتاج إلى الفرق.
والفرق: أن الحانوت اسم للعرض والبناء جميعاً، فالقضاء بالبناء في الحانوت
стр. 4217
لكون البناء مشهوداً، فإذا أقر بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه يصير مكذباً شهوده، ولا كذلك اسم الدار، فإنه اسم للعرصة، والبناء يدخل فيه بطريق التبعية، لا لكون البناء مشهوداً به، فلا يصير المدعي بالإقرار بالبناء للمدعى عليه مكذباً شهوده.
وكذلك في هذه الصورة لو أن المدعى عليه ادعى كل البناء أو بعضه لنفسه بعدما قضى القاضي عليه بجميع الحانوت لا يسمع دعواه، وإن لم يذكر شهود المدعي البناء في شهادتهم بخلاف مسألة الدار على رواية «الأصل» .
والبيت في هذا نظير الحانوت لا نظير الدار، حتى لو ادعى رجل بيتاً في يدي رجل وقضى القاضي له بالبيت وبنائه، ثم ادعى المدعى عليه البناء لنفسه وأقام على ذلك بينة لا تقبل بينته، ذكر الشهود البناء في شهادتهم أو لم يذكروا.
وكذلك لو أقر المقضي له في هذه الصورة أن البناء للمدعي، فهذا إكذاب منه للشهود كما في مسألة الحانوت؛ لأن البيت اسم للعرصة والبناء كالحانوت.
في «مجموع النوازل» : فيمن أوصى لرجل بألف درهم، فادعى الموصى له أنه ابن الميت ولم تقم له بينة فله الأقل من الميراث ومن الألف، وقال محمد ﵀: الوصية باطلة ولا شيء له.
رجل ادعى ضيعة في يدي رجل أنه ملكه فقال المدعى عليه: مابل كتم ونكاه كنم فهذا ليس بجواب ويجبره القاضي على الجواب، وهذا لأن المدعي وقع في الملك، فجوابه أن يقر المدعى فيقول: نعم هذا ملكك، أو ينكر فيقول: ليس هذا ملكك، وإذا قال المدعى عليه: اين محدود مره توسبر دني نيست، أو قال: بنو تسليم كرد نيست، وفي دعوى الدين إذا قال المدعى عليه: مرة تو جيزي داد ني نيست، وفي دعوى الدين إذا قال المدعى عليه: مرة تو جيزي دادني نييست، فهذا ليس بجواب عند بعضهم، وعند بعضهم هو جواب وهو الأشبه.
ادعى ضيعة في يدي رجلين فقالا: دوتير أذس تيرازين ضياع ملك ماست ودر ديست ماسنت ديك تر ملك فلان غائب إست ودر رست ما أمانه إست، فهذا جواب تام، ولكن لا تندفع الخصومة عنهما عن المتهم الآخر ما لم يقيما بينة على الوديعة على ما عرف.
وإن قال في دعوى الدين بسبب البيع أو ما أشبه ذلك: من أين يبلغ به سبب دادني
стр. 4218
نست، فهذا ليس بجواب قيل، وقد قيل: هذا إنكار لأصل الدين، فيكون خصماً في أصل الدين. وإذا قال في دعوى الدين: مرو أعلم نيست، وأخبر نيست، فهذا ليس بجواب وفي دعوى العقار إذا قال: هذا المحدود ملكي ولم يقل هو في يد المدعى عليه، لا يلزم المدعى عليه الجواب، وإذا قال: هو ملكي، وفي يد هذا المدعى عليه، فقال المدعى عليه للمدعي: أين محدود ملك نيست فهذا على وجهين، إما إن قال: دردست منست، وملك تونست، فهذا جواب، وإن لم يقل: دردست منست فهذا ليس بجواب، وقد قيل: إنه جواب وهو الأشبه، لأن قول المدعى عليه في العقار: دردست منست غير معتبر، ولا يثبت به المدعى عليه على المدعي، فلابد من إقامة المدعي البينة على كونه في يد المدعى عليه. وإذا أقام البينة على ذلك يصير خصماً سواء قال: هو في يدي، أو لم يقل.
وإذا ادعى منزلاً في يدي رجل، فقال المدعى عليه: عرصة ملك نست، فهذا ليس بجواب ما لم يقل: عرصة أين منزل كه دعوى بكني، وكذلك إذا قال الشاهد: عرصة ملك يدعى است، فهذه الشهادة ليست بتامة.
وإذا ادعى نكاح امرأة فقالت: من زن أين يدعى نيم، فهذا جواب، ولو قالت: من زن يدعي نيم، أو قالت: من زن دي كه بل، عيست نيم، فإن أشارت إليه فجواب، وإن لم تشر إليه فقد قيل: أنه ليس بجواب لجواز أن في المجلس مدعي آخر وهي أرادت بقولها ذلك المدعي، لا هذا المدعي الذي ادعها نكاحها.
ادعى داراً في يدي رجل فقال المدعى عليه: أين خانه حق نست فهذا ليس بجواب، لأن الدعوى وقع في الملك والمدعى عليه لم يتعرض للملك لا بالنفي عن المدعي، ولا بالدعوى لنفسه إنما ادعى أنها حقه، ويجوز أن يكون حقاً له، ولا يكون ملكاً له بأن كانت في يده بإجارة أو رهن أو ما أشبه ولهذا لا يصير خصماً، وكذلك إذا قال المدعى عليه: للمدعي: تراد راين خانه حق نيست، فهذا ليس بجواب؛ لأن المدعي ادعى الملك ويحتمل أن المدعى عليه أراد بقوله ترادر دي حق نيست بجهة الإجارة أو بجهة الرهن أو ما أشبه ذلك.t
ادعى داراً في يدي رجل أنها داره غصبها ذو اليد منه فقال ذو اليد: حملك إين خانه دردست مانست بسبب شرعي ومن زباني مدعي سبردين نيست، فهذا جواب تام في حق إنكار الغصب غير تام في حق الملك؛ لأنه لم يتعرض للملك لا بالنفي ولا بالإثبات.
رجل (٢٠٤ب٤) ادعى داراً في يدي رجل فقال المدعى عليه: إنها داري، ثم قال: إنها وقف فهذا جواب تام تقبل بينة المدعى عليه، وكذلك لو قال في الابتداء: هذه الدار وقف، وفي يدي بحكم التولية، فهذا جواب تام، لو أقام المدعى عليه البينة بالملك لنفسه تقبل بينته، وبعدما قضى القاضي للمدعي لو أقام المدعى عليه على الوقفية لا تقبل بينته؛ لأنه صار مقضياً عليه.
وإذا قال المدعى عليه: العقار هذا العقار المدعى به ليس في يدي يحتاج المدعي
стр. 4219
إلى إثبات هذه البينة، فإذا اشترى الابن يقيم البينة على الملك، وهذا حكم يختص بالعقار، فإن الدعوى إذا وقع في المنقول لا يسمع الدعوى إلا بحضرة المنقول يعرف يد المدعى عليه فلا حاجة إلى إثباته بالبينة.
في «فتاوى الأصل» : إذا أنكر المدعى عليه أن يكون المحدود المدعى به في يده فالقاضي يحلفه على اليد أولاً، فإن حلف تندفع عنه الخصومة، وإن نكل يحلف على الملك، وهذا مما لا يكاد يصح؛ لأن اليد على العقار لا تثبت تصريح الإقرار فكيف يثبت بالنكول الذي هو قائم مقام الإقرار؟ ولو قال: لا أرى أهو ملك هذا المدعي فهذا ليس بجواب، ويجبره القاضي على الجواب، فإن لم يجب يجعله منكراً، ويسمع البينة عليه، وبيان ما يكون إقراراً وما لا يكون سيأتي في كتاب الإقرار.
هذا الفصل يشتمل على أنواع: نوع منه قال محمد ﵀ في كتاب الإجارات: إذا تكارى الرجل ثلاث دواب بأعيانها من بغداد إلى مدينة، جازت الإجارة، ثم إن المكاري باع هذه الدواب من رجل آخر أو وهب له، أو تصدق أو أجر أو أعار، أو أودع، فجاء المستكري ووجد الدواب فأراد أن يقيم البينة على استكرائه فهذا على وجهين.
إما إن كان المكاري حاضر وفي هذا الوجه تقبل بينته على المكاري؛ لأن المستأجر مع الذي في يديه الدابة تصادقا أن الملك في الدابة كان للمكاري والمكاري صدقهما في ذلك، فيثبت الملك للمكاري في الدابة بتصادقهم، فكان المكاري خصماً للمستأجر فيقبل بينته عليه ويستوي في حق سماع بينة المستكري أن يكون المكاري جاحداً أنه أكرى الدواب منه أو يكون مقراً بذلك؛ لأن إقراره لا يصح لحق ذي اليد، فيكون وجود هذا الإقرار كالعدم بمنزلة.
ونظيره: رجل باع من رجل شيئاً، فجاء رجل آخر وادعى أن هذا البائع باع هذا الشيء مني قبل أن يبيعه من هذا المشتري، وصدق البائع المدعي في ذلك لا يلتفت الي تصديق البائع، ولو أقام المدعي بينة على دعواه، قبلت بينته.
وطريق القبول أن للبائع وإن كان مقراً بدعوى المدعي إلا أن الإقرار منه لا يصح بحق المشتري الظاهر فيصير وجود هذا الإقرار والعدم بمنزلة كذا هاهنا، وإذا قبلت بينة المستكري ينظر إن كان المكاري باع الدواب؛ وكان البيع بعذر بأن كان عليه دين فادح لا وفاء له إلا من ثمن الدواب، لم يكن للمستأجر على الدابة سبيل؛ لأن الإجارة تنتقض، حتى حصل البيع بعذر.
стр. 4220
وهذا على الرواية التي لا يشترط لفسخ الإجارة حالة التعذر القضاء والرضى، وإن كان باعها بغير عذر كان المستأجر أحق بها إلى أن تنقضي مدة الإجارة، وإن كان المكاري أجره من غيره، أو أعار، أوتصدق كان المستكري أحق بها الى أن يستوفي إجارته؛ سواء باشر هذه التصرفات بعذر أو بغير عذر؛ لأن العذر لا ينتقض في هذه الأسباب ولا تنتقض الإجارة بمباشرتها، وإن كان المكاري غائباً فبينة المستكري على الذي الدواب في يده مقبولة، إن كانت الدواب في يده مشترياً أو موهوباً أو متصدقاً عليه؛ لأنه يدعي الملك لنفسه فيما في يده فينتصب خصماً له لكل من ادعى حقاً فيما في يده والمستأجر ادعى حقاً فيما في يده، فينتصب خصماً له بعد هذا إن كان المكاري باع الدواب بعذر فلا سبيل للمستكري عليها.
وإن باع بغير عذر، أو وهبه، أو تصدق كان المستأجر أحق به إلى أن يستوفي إجارته. وإن كان الذي في يديه الدواب مستعيراً لا ينتصب خصماً للمستكري؛ وإن كان مستأجراً هل ينتصب خصماً للمستكري؟ ففيه اختلاف المشايخ قال بعضهم: ينتصب خصماً وإليه مال الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي والشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي رحمهما الله، وقال بعضهم: لا ينتصب خصماً، وإليه مال الشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده وبعض مشايخ زماننا قالوا: إن كان المستكري يدعي فعلاً على المستأجر بأن قال: استأجرتها وقبضتها، ثم قال: غصبتها مني ينتصب خصماً له ويسمع بينته عليه، وإن لم يدع عليه فعلاً ولكن قال: استكريتها قبل أن تستأجرها أنت، لا ينتصب خصماً له ولا يسمع بينته عليه.
وإذا ادعى رجل داراً في يدي رجل أنها في إجارتها أجرنيها فلان وادعى ذو اليد أنها في إجارتي أجرنيها فلان آخر، يسمع دعوى المدعي وينتصب صاحب اليد خصماً بخلاف ما إذا ادعى الملك المطلق وصاحب اليد ادعى الإجارة وهذا الجواب يوافق قول الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي، والشيخ الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي، وكذا إذا ادعى الأجر المستأجر بغير حضرة المستأجر؛ سمع دعواه؛ لأن مالك الرقبة هو.
نوع آخر:
قال محمد ﵀ في أخر «شرح الجامع» : رجل اشترى من آخر جارية بألف درهم، ولم ينقد ثمنها وقبضها بغير إذن البائع، وباعها رجل آخر بمائة دينار وتقابضا وغاب المشتري الأول وحضر بائعه وأراد استردادها من يد المشتري الثاني فإن أقر المشتري الثاني أن الأمر كما وصف البائع الأول كان للبائع الأول أن يستردها من المشتري الثاني وإن كذب المشتري الثاني البائع الأول.
وقال: لا أدري أحق ما قاله البائع الأول أو باطل فلا خصومة بينهما حتى يحضر المشتري الأول، لأن الجارية صارت مملوكة للمشتري الثاني والبائع الأول مقر بذلك، ثم يدعي هو على الغائب حقاً فلا يصدق إلا بحجة، والحجة لا تسمع على الغائب إلا وأن يكون عنه خصم حاضر والمشتري الثاني ليس بخصم عن المشتري الأول.
стр. 4221
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : دار في يدي رجل ادعى أنها له وأقام على ذلك بينة فقال ذو اليد: أنها كانت لي بعتها من فلان منذ شهر وسلمتها إليه، ثم أودعنيها وغاب، فالقاضي يسأل عن المدعي في دعواه فقد أقر أنه ليس بخصم له والخصومة لاتتوجه إلا على الخصم فقد أقر ببطلان خصومته وإقرار الإنسان ببطلان حقه إقرار يعبر، وإن كذب المدعي ذو اليد فيما ادعى إلا أن القاضي علم أن الأمر كما قال ذو اليد، فقد علم أن يد ذي اليد ليست بيد خصومة علم القاضي ... تصديق المدعي ثم لما اندفعت الخصومة عند تصديق المدعي فهاهنا أولى، وإن كان القاضي لا يعلم بذلك لا تندفع الخصومة؛ لأنه لما أقر بالملك لنفسه أولاً فقد أقر أنه خصم، وإن خصومة المدعي متوجهة عليه.
فإذا ادعى البيع والإيداع بعد ذلك، فقد ادعى ما يخرجه من أن يكون خصماً فلا يصدق في دعواه. وإن قال ذو اليد: أنا أقيم البينة على ما ادعيت، فالقاضي لا يقبل بينته؛ لأنه لو قبل بينته، وقضى بها كان ذلك قضاء على الغائب بالبيع وإنه ليس بخصم في إثبات البيع على الغائب، لأنه لا حاجة له الى ذلك؛ لأن حاجته إلى دفع الخصومة عن نفسه وهذه الحاجة تندفع بإثبات وصول الدار الى يده من جهة غيره فلا حاجة إلى إثبات الملك، والبيع على الغائب، فلم يصر خصماً في إثبات البيع على الغائب والبينة لا تسمع إلا من خصم إذا لم تقبل بينة ذي اليد، قضى القاضي بالدار للمدعي.
وأقام البينة أن الدار داره يسأله القاضي: من أي وجه صارت الدار له، فإن لم يبين شيئاً تقبل بينته ويقضي القاضي بالدار له بمنزلة أجنبي آخر يقيم البينة على الملك المطلق؛ وهذا لأنه لو لم يقبل لصيرورته مقضياً عليه بالقضاء على ذي اليد، والقضاء بالملك المطلق على ذي اليد (٢٠٥أ٤) لا يكون قضاءً على من يدعي الملك مطلقاً، وإنما يكون قضاءً على من يدعي تلقي الملك من جهة ذي اليد.
يوضحه: أن القضاء بناء على البينة والبينة حجة ضرورية فالقضاء الذي هو بناء على البينة لا يعدو موضع الضرورة وموضع الضرورة صاحب اليد ومن تلقى الملك من جهتهز
وإن قال: صارت الدار لي بجهة الشراء من ذي اليد فالقاضي لا يقبل بينته على ذلك؛ لأن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد قضاء على من تلقى الملك من جهة ذي اليد، فصار الغائب مقضياً عليه بالقضاء على ذي اليد، فلو قبلت بينته بعد ذلك صار مقضياً له، وإنه لا يجوز؛ ولأن القاضي لما قضى بالملك المطلق للمدعي، فقد جعل يد ذي اليد يد غصب، والشراء من الغاصب لا يكون سبباً للملك.
ولم يذكر في «الكتاب» ما إذا حضر الغائب قبل الحكم للمدعي والجواب فيه أنه إن أقام البينة على الملك المطلق صار الغاصب مع المدعي بمنزلة خارجين يدعيان ملكاً مطلقاً، وأقاما البينة.
стр. 4222
ولو ادعى الشراء من ذي اليد منذ شهر وأقام البينة قبلت بينته في دفع بينة المدعي، لأنه يبين أنها قامت على غير خصم ويقال: للمدعي أعد بينتك على الذي حضر أن تثبت لأن بينتك الأولى قد بطلت.
رجل في يديه دار جاء رجل وادعى أنها له اشتراها من ذي اليد منذ سنة بكذا ونقد الثمن، وإن لم يقبضها وقال صاحب اليد: لا بل بعتها من فلان منذ شهر وسلمتها إليه، ثم أودعنيها وغاب، فالقاضي يسأل المدعي من دعوى صاحب اليد إن صدقه في ذلك فلا خصومة بينهما لما مر.
وإن لم يعلم القاضي ذلك أيضاً فأراد ذو اليد إقامة البينة على البيع من الغائب فالقاضي لا يقبل بينته ولا تندفع خصومة المدعي لما مر في المسألة الأولى؛ ولأن الغائب لو كان حاضراً، فأقام البينة على الشراء منذ شهر كانت بينة المدعي أولى وقضى بالدار للمدعي؛ لأنه أسبقهما تاريخاً فهاهنا كذلك.
وإذا لم تندفع خصومة المدعي في هذه الصورة وقضى القاضي ببينته بالبيع منه منذ سنة ثم حضر الغائب وأقام بينته على البيع منه منذ شهر، فالقاضي لا يسمع بينته ولا يقضي له بالدار؛ لأن من ضرورة القضاء للمدعي بالشراء منذ سنة بطلان كل شراء بعده، فهذه بينة قامت على شراء باطل، فلا يسمع، ولو أن القاضي سمع بينة المدعي في هذه الصورة، ولكن لم يقض بها حتى حضر الغائب وأقام بينة على ما قال صاحب اليد، قبلت بينته في دفع بينة المدعي وجرحها لقيامها على غير الخصم، وليس للمدعي فيه ضرر؛ لأنه تتحول الخصومة إلى الذي أحضر، ويقال للمدعي: أعد بينتك على الذي حضر، فإن أعاد كان أولى لسبق تاريخه، وإن لم يعد لا يقضى له بشيء، ولو أن الغاصب حين حضر قبل القضاء ببينة المدعي لم يقم بينة على ما قال صاحب اليد فيما قال: لا تندفع الخصومة لأن المدعي لما أقام البينة على ما ادعى فقد استحق القضاء بها، فلا يبطل هذا الحق بمجرد تصديق الذي حضر، ولو أن الغائب حضر بعدما قضى القاضي بالدار للمدعي ببينته قضى بالدار له؛ لأنه أسبق في التاريخ، وإنه ليس بمقضي عليه، لأن قضاء القاضي على صاحب اليد بالشراء منه منذ سنة؛ يكون قضاءً على من يدعي تلقي الملك من جهته بعد سنة لا قبلها.
رجل اشترى من آخر داراً وقبضها فجاء رجل وادعى أنه شفيعها وأقام على ذلك بينة فقال صاحب اليد: قد بعتها من فلان وقبضها مني ثم أودعنيها وغاب، فالقاضي يسأل الشفيع عن دعوى صاحب اليد، فلا خصومة بينهما لما قلنا.
وإن لم يعلم القاضي ذلك أيضاً، فأراد صاحب اليد أن يقيم بينة على ما ادعى، فالقاضي لا يسمع بينته، ولا تندفع خصومة الشفيع في هذه الصورة، وقضى القاضي له بالدار ببينته؛ لأن قضاء القاضي بالدار للشفيع يوجب بطلان كل تصرف باشره المشتري؛ لأن حق الشفيع مقدم على حق المشتري، فهذه بينته قامت على تصرف جرى الحكم ببطلانه فلا يلتفت إليه، ولو سمع القاضي بينة الشفيع ولكن لم يقضِ بها حضر الغائب،
стр. 4223
فأقام بينة على ما ادعاه صاحب اليد قبلت بينته في حق دفع بينة الشفيع، وجرحها لأن بهذه البينة تبين أن الشفيع أقام البينة على غير الخصم.
قال في «الكتاب» : ألا ترى أن الشفيع لو أقر مما ادعاه المشتري بعدما أقام البينة قبل القضاء له لا يكون بينهما خصومة، ولا يقضي القاضي للشفيع حتى يحضر الغائب ويعيد البينة عليه.
فكذا إذا أثبت الغائب ذلك بالبينة، فإن أعاد الشفيع البينة على الذي حضر قضى القاضي له بالشفعة، فكان له أن يأخذ الدار بأي البيعين شاء، كذا هاهنا.
ولو قضى القاضي للشفيع بالشفعة قبل أن يحضر الغائب ثم أقر الشفيع بعد القضاء بما ادعاه المشتري الأول لا يلتفت إليه لما ذكرنا أن قضاء القاضي بالشفعة للشفيع يوجب انتقاض كل تصرف باشره المشتري، فالشفيع بهذا الإقرار يريد إظهار بيع أبطله القاضي، وليس له هذه الولاية، فلهذا لا يلتفت القاضي إلى إقراره، ثم ما ذكر من الجواب ظاهر على قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن القضاء بالشفعة وأنه في معنى عقد ينفذ ظاهراً وباطناً فلا يمكن ردهز
أما على قول محمد: لم ينفذ باطناً فينبغي أن يرد وإنما لم يرد؛ لأن فيه قضاء بالبعض على الغائب، والقضاء على الغائب لا يجوز.
رجل في يديه دار ادعاها رجل إلا أنه لم يقم البينة على دعواه، ثم قاما من عند القاضي ومكثا زماناً ثم تقربا إليه وجاء المدعي بشاهدين شهدا أن الدار له فقال المدعى عليه: إنها كانت لي إلا أني بعتها من فلان بعد ما قمنا عن مجلس القاضي، أو قال: وهبتها من فلان وسلمتها إليه، ثم أودعنيها وغاب فإن أقر المدعي بما قاله ذو اليد أو لم يقر هو بذلك، ولكن علم القاضي بذلك أو لم يعلم بذلك أيضاً إلا أن صاحب اليد أقام بينة على إقرار المدعي بذلك، فلا خصومة بينهما، وإن لم يكن شيء في ذلك، وأقام صاحب اليد بينة على ما ادعى فالقاضي لا يسمع بينته، ولا تندفع الخصومة عن ذي اليد، وقد مر هذا في المسألة المتقدمة، وكذلك لو كان المدعي حين ادعى الدار أقام شاهداً واحداً ثم قاما من عند القاضي ومكثا زماناً، ثم بعدما أتى القاضي وجاء المدعي بشاهد وأقام صاحب اليد بينة على أنه باع الدار من فلان بعدما قاما من عند القاضي.
أو قال: وهبها منه وسلمها إليه، فإن أقر المدعي بذلك أو علم القاضي به أو أقام ذو اليد بينة على إقرار المدعي بذلك فلا خصومة بينهما، وإن لم يكن شيء من ذلك وأقام ذو اليد بينة على ما صنع فالقاضي لا يسمع بينته ولا تندفع الخصومة عنه.
ولو كان المدعي حين ادعى الدار أقام شاهدين فعدلا فقبل أن يقضي القاضي بالدار للمدعي قاما من عند القاضي، ثم إنهما بعدما مكثا زماناً عند القاضي، وادعى صاحب اليد أنه باع الدار من فلان بعدما قاما من عند القاضي أو وهبها له، وسلمها إليه، ثم أن فلاناً أودعها منه وغاب، وأقر المدعي بذلك أو علم به فإنه لا تندفع الخصومة من ذي اليد.
بخلاف ما إذا كان المدعي أقام شاهداً واحداً وقت الدعوى، وباقي المسألة
стр. 4224
بحالها، فإن هناك إذا أقر صاحب اليد بما ادعاه المدعي من البيع أو الهبة بعدما قاما من مجلس القاضي، أو علم القاضي بذلك فإن هناك لا خصومة بين المدعي، وبين صاحب اليد.
والفرق: أن بإقامة الشاهدين إن لم يثبت للمدعي حقيقة الملك في المدعى به فقد ثبت له حق الملك لوجود سبب الملك بكماله، إلا أنه ما حد ثبوت الملك إلى وقت القصاص، وحق الملك للمدعي في المدعى يمنع صحة بيع المدعى عليه وهبته كي لا يبطل حق المدعي، فالمدعي إنما أقر بهبة غير صحيحة، والقاضي علم هبته غير صحيحة، فلا يصلح ذلك دافعاً خصومة المدعي إما بإقامة الشاهد الواحد كما لم يثبت للمدعي حقيقة الملك في المدعى به لم يثبت له حق الملك في المدعى به، لم يثبت له حق الملك؛ لأنه لم يقم سبب الملك، وهو شهادة شاهدين عدلين، وإذا لم يثبت للمدعي في المدعى به (٢٠٥ب٤) حقيقة الملك ولا حق الملك كان تصرف المدعى عليه حاصلاً في خالص ملكه فيصح، فإن ما أقر المدعي بهبة صحيحة، وعلى القاضي هبة صحيحة فتندفع الخصومة عن ذي اليد كما قيل: إقامة الشاهد الواحد.
فرق بين هذه المسألة وبينما إذا ادعى رجل داراً في يدي رجل بشاهد واحد أو بشاهدين، إلا أنهما لم يعدلا بعد، متى أقر المدعى عليه بالدار لغيره كان إقراره باطلاً في حق المدعي حتى يبطل ما أقام المدعي من الشاهد الواحد فقد سوى بين الشاهد الواحد، وبين الشاهدين، ثمة وفرق بينهما هاهنا.
والفرق وهو: أن الإقرار إخبار، والأصل في الإخبارات أنه إذا تضمن إلحاق الضرر بالغير أنه يعتبر كذباً في حق ذلك الغير، والإقرار بالعين للمدعى به بعد الشاهد الواحد يتضمن إلحاق الضرر بالمدعي، فإنه متى صح إقراره يبطل ما أقام المدعي من الشاهد الواحد، فيعتبر كذباً في حقه، فلم يصح، فأما بيع ذو اليد وهبته إنشاء تصدق وتهمة الكذب يتحقق في الإجارات دون الإنشاءات فلا يمكننا رد هذا التصرف من حيث إنه كذب، وإذا لم يمكن الرد بهذا الطريق، طلبنا للرد وجهاً آخر فقلنا: إذا تضمن بيعه وهبته إبطال ملك أو حق ملك، أو يد مستحقة على الغير يرد وما لا، فلا، وبعد إقامة الشاهدين تصرفه تضمن إبطال حق الملك على المدعي فلم يكن صحيحاً.
دار في يدي رجل ادعاها رجل وذهب ليأتي بالشهود فباعها المدعى عليه من رجل أو وهبها له، وسلمها إليه، ثم إن المشتري أو الموهوب له أودعها منه ثم تقدما إلى القاضي، فإن كان القاضي يعلم بما صنع صاحب الدار أو أقر المدعي بذلك، أو أقام صاحب اليد بينة على إقرار المدعي بذلك تندفع الخصومة عن ذي اليد، وقد مر هاهنا غير مرة، وإن يكن شيء من ذلك ولكن أقام صاحب اليد بينة على ما صنع لا تندفع خصومة المدعي من صاحب اليد، فلو أن القاضي لم يقضِ للمدعي بالدار بشهادة شهوده حتى حضر الغائب وصدق صاحب اليد فيما قال: تدفع الدار إلى الغائب لإقرار صاحب اليد له.
ويجعل القاضي الغائب خصماً للمدعي، ولا يكلف المدعي إعادة البينة؛ لأن إقامتها
стр. 4225
على صاحب اليد صح ظاهراً، فلا يبطل بإقرار ذي اليد، ويجعل المقر له وهو المشتري كالوكيل عن ذي اليد، وقد مر جنس هذا فيما تقدم وينتقض البيع، ويرجع المشتري بالثمن على البائع لاستحقاق المبيع من يد المشتري.
وكذلك لو شهد على البائع رجل واحد ثم حضر المشتري ودفع العبد إليه، فأقام المدعي شاهداً آخر على المشتري، وقضى بالعبد له، ولا يكلفه إعادة الشاهد الأول؛ لأن الشاهد الثاني مضاف إلى الشاهد الأول فصار كأن الشاهدين شهدا على ذي اليد.
وكذلك لو كان ذو اليد باع الدار من غيره ولم يسلمه حتى حضر المدعي وأقام الذي في يده البينة أنه باع العبد من فلان ولم يسلمه إليه لا يلتفت إلى بينة ذي اليد، ويكون الجواب فيه كالجواب فيما إذا أقام البينة على البيع والقبض ثم الإيداع.
عبد ادعى على رجل أنه كان ملكه وأنه أعتقه فقال المولى: حين أعتقته لم يكن ملكي لما أني بعته من فلان ثم اشتريته منه وأقام البينة على بيعه قبل الإعتاق، لا تقبل بينته، ولو كان المولى قال له: أعتقتك قبل أن اشتريتك، وقال العبد: لا بل أعتقتني بعدما اشتريتني، فالقول قول العبد لأن العبد يدعي عتقاً جائزاً، والمولى يدعي عتقاً فاسداً.
نوع آخر من هذا الفصل
قال محمد ﵀: رجل ادعى على رجل أنه فقأ عين عبد لي قيمته ألف درهم، وجحد المدعى عليه دعواه، والمدعي مقر أن العبد حي فأقام المدعي بينة على دعواه، فالقاضي لا يسمع بينته ولا يقضي بالأرش على المدعى عليه إلا بمحضر من العبد، فإذا حضر العبد فالمدعي يقيم البينة أنه عبده، وأن هذا فقأ عينه فيقضي القاضي له بالعبد، ويقضي على الفاقيء بأرش العبد للمدعي.
قال محمد ﵀ في «الكتاب» : وقد قال بعض فقهائنا: أن القاضي يقبل بينته، ويقضي بأرش العبد على الفاقيء، وإن لم يحضر العبد، فإذا حضر العبد إن أنكر العبودية وقال: أنا حر الأصل أبطل القاضي ذلك القضاء ويرد الأرش إلى المدعى عليه، وإن أقر بالعبودية للمدعي أمضى تلك القضاء.
وجه قول هذا القائل: أن المدعي ادعى الأرش ديناً في ذمة الحاضر بسبب جائز في محل مملوك له، وفي مثل هذا لا يشترط حضرة المحل للقضاء بالأرش كما لو ادعى أنه فقأ عين برذون له قيمته ألف درهم، وأنكر المدعى عليه دعواه، فأقام المدعي بينة على دعواه فالقاضي يقضي له على المدعى عليه بربع قيمة البرذون، وإن لم يكن البرذون حاضراً كذا هاهنا.
وجه ما ذكر محمد ﵀ في «الكتاب» : أن القضاء بالأرش هاهنا متعذر؛ لأن لو قضينا بالأرش هاهنا إما أن يقضي بالأرش وبملك العبد للمدعي، أو يقضي بالأرش لا غير، ولا وجه إلى الأول؛ لأن البينة في حق العبد قامت على العبد؛ لأنه في يد نفسه من حيث الظاهر؛ حتى كان القول قوله أنه حر الأصل وأنه غائب، والقضاء على الغائب،
стр. 4226
وليس عنه خصم حاضر لا يجوز، ولا وجه إلى الثاني؛ لأن ملك الطرف، وملك بدل الطرف لا يفيد الفصل عن ملك الأصل على ما مر.
وإذا تعذر القضاء بالأمرين، وبالأرش وحده يوقف القضاء إلى أن يحضر العبد بخلاف مسألة البرذون، لأن هناك القضاء بالأرش ممكن من غير أن يقع القضاء بالبرذون على غائب؛ لأن القول قول المدعي: أن البرذون برذونه، لأنه يدعي مالاً لنفسه وليس له فيه منازع فإنه لم يعرف كون البرذون في يد ثالث، وليس للبرذون يد نفسه فكان القول قوله أن البرذون له فأمكن القضاء بالأرش من غير أن يقع القضاء بالبرذون على الغائب.
بخلاف العبد؛ لأن العبد في يد نفسه ويقر عن نفسه فلا يمكن القضاء بذلك للمدعي إلا بالقضاء على الغائب حتى لو كان العبد ميتاً يقضى بالأرش للمدعي؛ لأنه لا بد للميت على نفسه فيمكن القضاء بالأرش للمدعي من غير أن يقع القضاء على الغائب.
وكذلك إذا كان العبد صغيراً لا يعبر عن نفسه، فالقاضي يقضي بالأرش للمدعي على الفاقيء، ولا يشترط حضرة العبد؛ هكذا حكي عن القاضي الإمام أبي عاصم العامري؛ لأن الصغير الذي لا يعبر عن نفسه ليس له يد نفسه بل هو بمنزلة الثوب والدابة حتى كان القول فيه قول صاحب اليد أنه ملكه، فأمكن القضاء بالأرش من غير أن يقع القضاء بملك العبد على الغائب.
فإن قيل: هلا انتصب الفاقيء خصماً عن العبد للمدعي؛ لأنه ادعى حقاً على الفاقيء وهو الأرش، ولا يمكن إثباته إلا بعد إثبات الملك لنفسه في رقبة العبد، وفي مثل هذا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب.
قلنا: لا يمكن أن يجعل الفاقيء خصماً عن العبد حكماً، لأنه ليس من الفاقيء وبين العبد فيما يريد المدعي إثباته من ملكه في رقبة العبد سبب، ولا بد من سبب يكون بين الحاضر والغائب حتى يجعل الحاضر خصماً عن الغائب واحد لم يقل به، قال: ولو أن المدعى عليه أقر أنه فقئ عين العبد، وإنه عبد هذا المدعي والعبد غائب، فإنه يقضي بأرش العبد له بخلاف فصل البينة.
والفرق: أن الإقرار في حق الأرش دون نفس العبد فيمكن القضاء بالأرش للمدعي من غير أن يكون قضاءً على الغائب وهو العبد، فأما البينة، فحجة متقدمة، فلا يمكن إثبات ملك العبد بها في حق الأرش، ورقبة العبد لأنه لا يكون على الغائب.
فهذا هو الفرق وذكر بعد هذا مسألة البرذون التي ذكرناها على سبيل الاستشهاد، وأجاب على نحو ما بينا أن القاضي يقضي بربع القيمة للمدعي على المدعى عليه، وإن لم يكن البرذون حاضراً وفيه نوع إشكال ينبغي أن لا يقضي القاضي للمدعي بأرش البرذون حتى يري المدعي البرذون للقاضي فينظر إليه القاضي هل فقئ عينه أم لا؟.
ألا ترى أن من ادعى على آخر أنه شج رأسه فالقاضي لا يقضي للمدعي على المدعى عليه بشيء (٢٠٦أ٤) حتى يرى المدعي رأسه للقاضي والجواب وهو الفرق بين الفصلين أن في فصل الشجة المدعي حاضر، فيمكنه إراءة رأسه من غير كلفة ومشقة، فأما
стр. 4227
البرذون فغائب فلا يمكنه إراءة البرذون إلا بكلفة ومشقة.
وكان بمنزلة ما لو ادعى على غيره أنه شج أباه، وأبوه ميت فالقاضي لا يأمره بإحضار أبيه، وزان مسألة البرذون من مسألة الشجة أن لو كان البرذون حاضراً، ولو كان البرذون حاضراً، فالقاضي لا يقضي للمدعي بأرشه حتى يري البرذون القاضي، لأنه يمكنه إراءة من غير مشقة، قال: ولو جاء رجل بعد ذلك والبرذون المفقوءة عينه في يده وهو يزعم أن البرذون له، وطلب من القاضي أن يأمر المقضي له بالأرش حتى يدفع الأرش إليه، فالقاضي لا يلتفت إلى قوله ولا يأمر المقضي له بالأرش حتى يدفع الأرش إليه ما لم يقم البينة أن البرذون له وأن المدعى عليه فقئ عينه وهو يومئذٍ له، مع أن القول قوله أن البرذون له.
وأن ما كان كذلك لأن العين ليس في يده ليجعل القول فيه قوله بخلاف البرذون؛ لأن البرذون في يده فأمكن أن يجعل القول فيه قوله، ولعل الذي في يديه البرذون من جهة المقضي له بالأرش بعدما فقئت عينه، ولأنا إنما حكمنا له بالبرذون بظاهر يده، والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق، والأرش والظاهر لا يصلح بذلك، فإن أقام الذي في يديه البرذون بينة أن البرذون له، وأن هذا المدعى عليه فقئ عينه، وهو يومئذٍ له قضي بالأرش له؛ لأنه ظهر ببينته أنه كان صاحب ملك ويد البرذون يوم الفقئ، وظهر أن بينة المقضي له بالأرش قامت على غائب ليس عنه خصم حاضر إذ البينة حجة في حق الناس كافة فبطلت بينة المقضي له بالأرش.
فإن قيل: ينبغي أن لا تقبل بينة الذي جاء بالبرذون أن البرذون له لأنه صاحب اليد في حق البرذون.
قلنا: نعم إلا أن بينة ذو اليد لا تقبل إذا أقامها لاستحقاق ما في يده، والذي جاء بالبرذون إنما أقام البينة لاستحقاق الأرش، وهو في حق الأرش خارج، ألا ترى أن المشتري للدار إذا أنكر كون الدار في يد الجار ملك الجار فأقام الجار البينة أن الدار التي في يده داره قبلت بينته، وإن كان هو صاحب يد؛ لأن غرضه من إقامة هذه البينة استحقاق ما ليس في يده وهي الدار المشتراة، كذلك في مسألتنا فإن عارضه المقضي له بالأرش فأقام بينة أن البرذون له وأن هذا المدعى عليه فقئ عينه وهو يومئذٍ له فبينة المقضي له بالأرش أولى لأنه خارج.
ألا ترى أن المشتري لدارٍ إذا أنكر كون الدار في يد الجار ملك الجار، فأقام الجار البينة أن الدار التي في يديه داره قبلت بينته وإن كان هو صاحب يد، لأن غرضه من إقامة هذه البينة استحقاق ما ليس في يده وهي الدار المشتراة، كذلك في مسألتنا، فإن عارضه المقضي له بالأرش، فأقام بينة أن البرذون له، وأن هذا المدعى عليه فقئ عينه، وهو يومئذٍ له فبينة المقضي له بالأرش أولى؛ لأنه خارج في حق البرذون، والآخر صاحب اليد في حق البرذون، وبينة الخارج في خلاف الملك عندنا أولى.
فإن قيل: الآخر إن كان صاحب يد في حق البرذون فهو خارج في حق الأرش،
стр. 4228
والمقضي له بالأرش إن كان صاحب اليد في حق الأرش فهو خارج في حق البرذون، فلماذا ترجحت بينة المقضي له بالأرش لما كان خارجاً في حق الأصل وهو البرذون، فعند تعذر الجمع بينهما كان الترجيح لبينة من هو خارج في حق الأصل.
فإن قيل: إذا أقام البينة تترجح بينة المقضي له وتصير دافعة بينة الذي جاء بالبرذون، فلما لا تصير بينة الذي أقامها المقضي له قبل هذا دافعة بينة الذي جاء بالبرذون حتى لا تقبل بينة الذي جاء بالبرذون، وإن لم يعد المقضي له بينة.
قلنا: لأن ذلك البينة قامت على الفاقيء لا على الذي أحضر البرذون، وبينة الذي أحضر البرذون قامت على الفاقيء وهو المقضي له بالأرش فكانت بينة المقضي له على الأرش على إثبات ملكه في البرذون في حق الذي أحضر البرذون، ولم يقم عليه وجودها والعدم بمنزلة.
نوع آخر
ذكر الخصاف في «كتاب الحيل» : رجل في يديه رهن، والراهن غائب فأراد المرتهن أن يثبت الرهن حتى القاضي يستحل له بذلك ويحكم بكونه رهناً في يديه.
فالحيلة في ذلك: أن يأمر المرتهن رجلاً غريباً حتى يدعي رقبة هذا الرهن ويقدم المرتهن إلى القاضي، فيقيم المرتهن بينة عند القاضي أنه رهن عنده، فيسمع القاضي بينته على الرهن ويقضي بكونه رهناً عنده ويدفع عنه خصومة الغريب، وهذا تنصيص من الخصاف أن البينة على الرهن مقبولة وإن الراهن غائب، وهكذا ذكر محمد في «الجامع» في المسألة المخمسة قالوا: وذكر محمد هذه المسألة في كتاب الرهن وشوش فيه الجواب في بعض المواضع شرط حضرة الراهن لسماع البينة على الرهن، وفي بعضها لم يشترط.
والمشايخ قد اختلفوا فيها؛ بعضهم قالوا: الصواب أنه لا يشترط حضرة الراهن وما ذكر في بعض المواضع في كتاب «الرهن» أنه يشترط حضرة الراهن وقع غلطاً من الكاتب، وجعل هذا القائل مسألة الرهن نظير مسألة الوديعة والإجارة والمضاربة، فإن صاحب اليد إذا أقام بينة على أن هذا العين وديعة عنده من جهة فلان أو مضاربة، أو غصباً، أو إجارة، فالقاضي يسمع بينته فهاهنا كذلك.
وبعض مشايخنا قالوا: في المسألة روايتان؛ في إحدى الروايتان تقبل هذه البينة؛ لأن الراهن لما رهنه فقد استحفظه، فإذا تعذر عليه الحفظ إلا بإقامة البينة، وإثبات الملك للراهن صار خصماً في ذلك، كما في الوديعة وأشباهها، وفي رواية أخرى: القاضي لا يقبل هذه البينة لإثبات الرهن على الغائب، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀؛ وهذا لأن في قبول هذه البينة لإثبات الرهن قضاء على الغائب، ولا حاجة لصاحب اليد على إثبات الرهن ليدفع الخصومة عن نفسه، فإن بمجرد اليد تندفع عنه الخصومة، كما لو أقام بينة أنها وديعة في يده، وقد أجابه بهذا في نظائره في «السير الكبير» ، فقد ذكر في
стр. 4229
نظائره «السير الكبير» العبد المرهون إذا ... ؟، ثم وقع في الغنيمة فوجده المرتهن قبل القسمة فأقام البينة أنه رهن عنده لفلان، وأخذه لا يكون هذا قضاءً على الغائب بالرهن؛ لأنه لا يحتاج إلى إثبات الرهن؛ لأن الإيداع كافٍ له، فتبين بهذا أن قبول البينة لإثبات الرهن على الغائب ولا وجه إليه.
نوع آخر
قال محمد ﵀ في وصايا «الجامع» : رجل هلك وترك ثلاثة ألاف درهم، وترك وارثاً واحداً فأقام رجل البينة أن الميت أوصى له بثلث ماله وجحد الوارث ذلك، فالقاضي يسمع بينته على الوارث ويقضي بوصيته، فإن دفع الوارث الثلث إلى الموصى له، ثم جاء رجل آخر وأقام بينة أن الميت أوصى له بثلث ماله، وقد غاب الوارث ذلك، فأحضر الموصى له إلى القاضي فالقاضي يجعل الموصى له خصماً، ويسمع بينته عليه ويأمره أن يدفع نصف ما في يده إلى المدعي الثاني؛ لأن الثاني يدعي لنفسه نصف ما في يد الأول، والأول يجحد ذلك فينتصب خصماً له.
وإذا قبلت بينة الثاني والثابت بالبينة كالثابت عياناً صار كأن القاضي عاين وصيتهما، وهناك يجعل الثلث بينهما نصفان، كذا هاهنا فإن لم يكن عند الأول شيء بأن ملك ما في يده أو استهلكه، وهو معدم فأحضر القاضي الوارث وأراد أن يأخذ منه بعض ما في يده فجحد الوارث وصيته لم يكلف الثاني إعادة البينة على الوارث؛ لأن الميت صار مقضياً عليه أيضاً فكان للموصى له الثاني أن يأخذ من الوارث خمس مافي يده، ثم الثاني مع الوارث يتبعان الأول (٢٠٦ب٤) فيأخذان نصف ما أخذ بغير حق، فإذا أخذ بذلك اقتسماه على خمسة أسهم؛ سهم للموصى له الثاني وأربعة أسهم للوارث، والخصومة إلى القاضي الذي قضى للأول، وإلى قاضٍ آخر سواء؛ لأن الأول إنما صار خصماً للثاني بحكم يده.
وفي حق هذا المعنى هذا القاضي وقاضي آخر سواء، ولو كان الموصى له الأول هو الغائب، فأحضر الثاني الوارث فالقاضي يقضي على الوارث؛ لأن الوارث خليفة الميت، فينتصب خصماً عنه فيما يستحق عليه، ويكون ذلك القضاء على الوارث قضاءً على الموصى له الأول؛ لأن الوارث لما انتصب خصماً عنه صار الميت مقضياً عليه، وإذا صار الميت مقضياً عليه صار الموصى له مقضياً عليه؛ لأن الموصى له بمنزلة أحد الورثة.
وإن كان القاضي قضى بوصية الأول، ولم يدفع إليه شيئاً حتى خاصمه الثاني والوارث غائب، فإن خاصمه إلى ذلك القاضي بعينه جعله خصماً؛ لأن القاضي عرف أن ثلث الثلث ملك الموصى له الأول، إلا أنه أمانة في يد الوارث، ويد الأمين كيد المالك، فصار من حيث التقدير كأنه في يد الموصى له الأول، وإن خاصمه إلى قاضٍ
стр. 4230
آخر لم يجعله خصماً؛ لأن الثاني يدعي نصف الثلث لنفسه ولم يعرف هذا القاضي كون الثلث في يده لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الحكم لو ثبت ذلك إنما يثبت بإقرار الموصى له الأول، فإنه يقول: الثلث ملكي، وهو أمانة في يد الوارث، إلا أنه بهذا الإقرار لا يصير خصماً؛ لأن في الحقيقة هذه دعوى على الوارث فلا يصدق في ذلك، وإذا لم يصدقه القاضي في ذلك لم يثبت ما يوجب كونه خصماً.
ولو كان الموصى له الأول هو الغائب، والوارث حاضر، ولم يدفع القاضي إلى الموصى له الأول شيئاً، فالواررث خصم للموصى له الثاني، وإن خاصمه الثاني إلى قاضي آخر؛ لأن القاضي إنما يجعل الوارث خصماً عن الميت لكونه خلفاً عنه، والقاضي الثاني عالم بذلك، فأما الموصى له إنما يصير خصماً لكون المال في يده إما حقيقة أو حكماً، والقاضي الثاني لم يعلم بذلك وهذا كله إذا أقر الموصى له الأول أن المال الذي في يده بحكم الوصية من الميت، أو كان ذلك معلوماً للقاضي، أما إذا لم يكن شيء من ذلك والأول يقول: هذا مالي ورثته عن أبي والميت ما أوصى لي بشيء، وما أخذت من ماله شيئاً، فإنه يكون خصماً للموصى له الثاني.
بمنزلة ما لو ادعى رجل عبداً في يدي رجل أنه اشتراه من فلان، وقال ذو اليد: هوعبدي ورثته من أبي، فإنه يكون خصماً للمدعي ويقضي عليه ببينة المدعي كذا هاهنا. فإن قال: هذا المال وديعة عندي من جهة فلان الميت الذي يدعي الثاني الوصية من جهته، أو قال: غصبته مني، فلا خصومة بينهما؛ لأنهما تصادقا أن هذا المال وصل إلى الموصى له من جهة الميت فكانت يده يد وديعة أو يد غصب.
وأياً ما كان لا يكون يد خصومة في حق من يدعي تلقي الملك فيه من جهة المالك، كما في مسألة الشراء؛ إذا ادعى الذي في يديه العبد أن العبد في يده وديعة، أو غصب لفلان الغائب الذي ادعى المدعي الشراء من جهته، فإنه تندفع عنه الخصومة، وإن قال: هو وديعة عندي من جهة فلان؛ يعني به رجلاً آخر غير الموصي، أو قال: غصبته منه فهو خصم إلا أن يقيم بينة على ما قال؛ لأنه انتصب خصماً بظاهر اليد، فبمجرد دعواه أن يده يد وديعة أو يد غصب لا تندفع عنه الخصومة.
وكان الفقيه أبو بكر البلخي ﵀ يقول: لا تندفع الخصومة في هذه الصورة، وإن أقام البينة وقاسه على ما إذا ادعى عيناً في يد إنسان أنه اشتراه من فلان الغائب، وهو يملكه، وذو اليد ادعى أن فلاناً آخر غير ذلك الغائب أودعه إياه فإن هناك لا تندفع عنه الخصومة، فهاهنا يجب أن يكون كذلك.
رجل هلك وترك مالاً ووارثاً واحداً فأقام رجل بينة أن له على الميت ألف درهم دين، فقضى القاضى له على الوارث ودفع إليه ألف درهم وغاب الوارث، فحضر غريم آخر للميت، وادعى عليه ألف درهم، فإن الغريم الأول لا يكون خصماً للغريم الثاني فرق بين الغريمين وبين الموصى لهما، فإن هناك إذا قضى القاضي للموصى له الأول بالثلث، ودفع إليه الثلث فحضر الثاني، فالأول ينتصب خصماً للثاني.
стр. 4231
والفرق: أن المستحق للموصى له بالثلث عين التركة، ولهذا تبطل الوصية بهلاك التركة، ولهذا لو أراد الوارث أن يعطي له الثلث من ماله لا يكون له ذلك إلا برضى الموصى له ولما كان المستحق عين التركة كان الثاني مدعياً بعض ما في يد الأول لنفسه من جهة الميت، فانتصب الأول خصماً للثاني بحكم يده فأما الغريم، فلا يستحق عين التركة.
ولهذا لو أراد الوارث أو الوصي بعد ثبوت دينه قضاء دينه من مال آخر كان لهما ذلك من غير رضى الغريم، وكذلك لا يبطل حقه بهلاك المال وإنما حقه في ذمة من عليه الدين، وهو الميت غير أن بعد موته تتعين تركته للقضاء منه لا يكون حقه في عين التركة.
ولما كان هكذا لا بد من إثبات الدين في ذمة الميت ليتعين القضاء، وفي دعوى الدين على الميت الخصم وارثه أو وصيه دون الغريم، ولو كان الغريم الأول هو الغائب، فأحضر الثاني وارث الميت كان خصماً له؛ لأنه نائب عن الميت فيما يدعي على الميت، فأمكن جعله خصماً بطريق النيابة عن الميت، حتى يجعل خصماً بطريق النيابة عن الميت، ولا يمكن جعله خصماً بطريق الأصالة؛ لأنه لا يدعي شيئاً لافي ذمته، ولا في يده على ما مر،
ثم إذا قضى القاضي على الوارث، وقد توى ما أخذه الوارث رجع الغريم الثاني على الغريم الأول، فأخذ منه بعض ما قبض، ثم يتبعان الوارث بما بقي لهما؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بعلم القاضي، ولو علم القاضي بأن لهما على الميت دين، وقد قبض الأول تمام حقه وتوى الباقي، فالقاضي يأخذ منه نصف ما أخذه، ويدفعه إلى الآخر حتى يستويان، ثم يتبعان الوارث بما بقي لهما كذا هاهنا.
ولو لم يكن الأول غريماً، وكان موصى له بالثلث، وقبضه وغاب الوارث، فأقام رجل البينة أن له على الميت ديناً، فالموصى له ليس بخصم له؛ لأنه لا يدعي بعض ما في يده، أو لا حق للغريم في عين التركة على ما مرَّ، أما يدعي ديناً على الميت والموصى له بالثلث إنما ينتصب خصماً عن الميت فيما يدعي في المال الذي وصل إليه؛ بخلاف الوارث حيث ينتصب خصماً، فيما يدعي في مال الميت وفي ذمته؛ لأنه خلف عن الميت قائم مقام الميت مطلقاً لحاجته إلى ذلك، أما الموصى له بالثلث بخلافه على ما مرَّ قبل هذا.
وكذلك لو كان الأول غريماً والثاني موصى له بالثلث بخلافه على ما مر من قبل هذا، وكذلك لو كان الأول غريماً، والثاني موصى له بالثلث لم يكن الغريم خصماً له؛ لأن الموصى له إن كان مقراً بالدين كان في زعمه أن الأول غاصب، ويد الغاصب لا تكون يد خصومة والوارث خصم في ذلك كله لما قلنا.
رجل أقام بينة على وارث ميت أنه أوصى له بهذه الجارية بعينها، وهي ثلث ماله، وقضى القاضي بذلك ودفعها إليه وغاب الوارث ثم أقام آخر البينة على الموصى له أن الميت أوصى له بهذا وذكروا رجوعاً؛ أو لم يذكروا رجوعاً قضى القاضي للثاني بحقه؛
стр. 4232
لأن الثاني ادعى جميع ما في يد الأول لنفسه، إن ادعى الرجوع، ونصفها إن لم يدعِ الرجوع، وذو اليد يدعي كونها لنفسه، وفي مثل هذا ينتصب خصماً.
كرجل ادعى أنه كان اشترى هذه الجارية أو نصفها من الميت قبل موته انتصب الموصى له خصماً كذا هاهنا، ثم إذا انتصب خصماً فإن ذكروا رجوعاً قضى القاضي بكل الجارية للثاني، وإن لم يذكروا رجوعاً قضى بنصفها للثاني للمزاحمة والمساواة، ويكون هذا قضاءً على الوارث غاب أو حضر، حتى أن الموصى له الأول إذا بطل حقه كان كل الجارية للثاني، لأن الوارث إنما تلقى الملك في الميراث من جهة الميت، وقد صار الميت مقضياً عليه بهذه البينة، فكل من تلقى الملك من جهته يصير مقضياً عليه أيضاً، فإن دفع القاضي الجارية إلى الأول، ثم غاب الموصى له وحضر الوارث لم ينتصب الوارث خصماً للموصى له الآخر خاصمه إلى القاضي الأول، أو إلى غيره لأن المدعي الجارية، والجارية ليست في يد الوارث لا حقيقة (٢٠٧أ٤) ولا حكماً، والوارث إنما يصلح خصماً فيما يصلح المورث حال حياته، والمورث لا يصلح خصماً في حال حياته فيما زال عن ملكه ويده، فكذا الوارث.
بخلاف ما إذا كان الثاني يدعي وصية بالثلث، وأحضر الوارث حيث يصير خصماً، لأن هناك المدعي يدعي لنفسه شركة فيما في يد الوارث على ما مرَّ، فينتصب الوارث خصماً في إثبات سببه عليه، أما هاهنا فبخلافه.
وإن كان القاضي قضى للأول بالجارية، فلم يدفعها إليه حتى خاصم الثاني الوارث، فإن خاصمه فيها إلى القاضي الأول لم يجعله خصماً؛ لأن القاضي عرف كونها لغيره، وعرف الوارث أميناً فيها، ويد الأمين لا تكون يد خصومة، وإن خاصمه إلى قاضٍ آخر جعله خصماً؛ لأن القاضي الثاني لم يعرف كونها لغيره وكون الوارث أميناً، بل عرف كونها في يده من التركة فلا يصدقه في أنها لفلان، وأنه أمين فيها إلا ببينة يقيمها على ذلك، وإذا لم يصدقه قضي عليه وصار الموصى له الأول مقضياً عليه؛ لأن الموصى له الأول مدعي تلقي الملك من جهة الميت، والميت صار مقضياً عليه بهذه البينة، فصار من يدعي تلقي الملك من جهة الميت مقضياً عليه أيضاً.
بخلاف ما إذا ادعى رجل عيناً في يدي رجل ملكاً مطلقاً، وصاحب اليد ادعى أنه مودع فلان، ولم يقم البينة على ذلك، وقضى القاضي على صاحب اليد للمدعي، لا يكون ذلك قضاء على الذي ادعى صاحب اليد أنه أمينه؛ لأن هناك صاحب اليد لا يدعي التلقي من جهة المقضي عليه، وهو صاحب اليد فاقتصر القاضي على صاحب اليد أما هاهنا فبخلافه.
ثم القاضي إذا سمع بينة الثاني على الوارث بهذا الفصل، وهو إذا خاصمه الثاني عند قاضٍ آخر قضى للثاني بنصف الجارية سواء شهد شهوده على الرجوع عن الأول، أو لم يشهدوا على الرجوع، وهذا لا يشكل فيما إذا شهدوا على الرجوع.
والوجه في ذلك: أن الموصى له الثاني أثبت الوصية لنفسه في العين وهو استحقاق
стр. 4233
على الميت والوارث خصم في ذلك، أما إثبات الرجوع عن الوصية الأولى، فليس باستحقاق على الميت، ولا على الوارث، والوارث ليس بخصم عن الموصى له الأول، فيصح القضاء على الوارث بالوصية، ولم يصح القضاء عليه بالرجوع.
فلهذا كانت الجارية بينهما نصفين، فإذا حضر الأول فإن أعاد الثاني البينة على الرجوع أخذ الكل وإلا أخذ نصفها لما قلنا: وإن أقام الأول بينة أن الميت أوصى له بثلث ماله، ودفعه القاض إليه ثم أقام الثاني البينة على الأول أن الميت رجع عن الوصية الأولى، وأوصى بثلث ماله للثاني، فالقاضي يأخذ الثلث من الأول، والأول يجحد ذلك فينتصب خصماً بحكم اليد، وإذا انتصب خصماً كان الثاني مثبتاً استحقاق نفسه، وبطلان حق الأول على من هو خصم فيها، فلهذا كان كما قلنا.
ولو كان الوارث هو الحاضر قضى القاضي بالوصية الثانية دون الرجوع عن الوصية الأولى لما مر، ولو كان الأول موصى له بعبد بعينه، والعبد مدفوع إليه بقضاء القاضي، ثم أقام آخر البينة على الموصى له أن الميت أوصى له بمئة من ماله، فالموصى له بالعبد لا يكون خصماً له؛ لأن الثاني لا يدعي استحقاق شيء مما في يد الأول بعينه، لأن في يد الأول عبد، وهو لا يدعي استحقاق شيء من العبد.
ولهذا لو هلك العبد في يد الأول لا تبطل وصية صاحب المئة، فلم يكن الثاني مدعياً استحقاق شيء مما في يده بعينه، ولو حضر الوارث وغاب الموصى له الأول كان الوارث خصماً للثاني لأن الوارث خصم لمن يدعي ديناً على الميت على ما مرَّ فلذا يكون خصماً لمن يدعي ديناً على الميت على ما مرَّ، فلذا يكون خصماً لمن يدعي وصية مرسلة، ويكون القضاء عليه قضاءً على الموصى له الأول.
رجل له على رجل ألف درهم قرض، أو كان غصب منه ألف درهم، وكانت هي في يد الغاصب قائمة بعينها أو استودعه ألف درهم، وهي قائمة بعينها في يد المودع، فأقام رجل البينة أن صاحب المال توفي وأوصى له بهذه الألف التي له قبل هذا الرجل، والرجل مقر بالمال لكنه يقول: لا أدري أمات فلان أو لم يمت لم يجعل القاضي بينهما خصومة حتى يحضر وارثاً، أو وصياً؛ أما في الوديعة والغصب، فلأنهما اتفقا على أن يده إما يد أمانة أو يد غصب، وأياً ما كان لا يكون يد خصومة على ما مرَّ.
ونظيره: إذا ادعى عيناً في يدي رجل أنه اشتراه من فلان الغائب وصاحب اليد يقول: أنا مودع الغائب أو غصبته منه لا ينتصب خصماً للمدعي كذا هاهنا، أما في الدين فلأنه يدعي على الميت ذلك الدين الذي في ذمة هذا، وليس للمدعى عليه يداً على ما يدعيه الموصى له، فإن المديون لا بد له على ما في ذمته من الدين ولا ملك له فلم ينتصب خصماً.
فرق بين هذا وبينما لو جاء رجل، وادعى أنه وارث فلان ابنه وأخوه والغاصب والمودع مقر بالمال ولكنه قال: لا أدري أمات فلان أو لم يمت؟ أو قال: لا أدري أنت
стр. 4234
وارث أم لا؟ فأقام البينة على موته وعلى أنه وارث تقبل البينة، وينتصب هو خصماً للوارث.
والفرق وهو: أن الواث خليفة الميت قائم مقام الميت فكونه مودعاً أو غاصباً لا تندفع خصومة صاحب الوديعة والغصب عن نفسه حتى لو قال المودع أو الغاصب: لا أدري أنت الذي أودعتني، أو غصبت منك أم لا؟ لا تندفع عنه هذه الخصومة بهذا القول، فكذلك كونه مودعاً أو غاصباً لا تندفع خصومة خليفته، أما الموصى له ليس بخليفة عن الميت، فإنما ينتصب المدعى عليه خصماً له باعتبار يده، وتعذر جعل المدعى عليه خصماً له بحكم اليد على ما مرَّ، فلهذا افترقا هذا الذي ذكرنا.
إذا كان الذي قبله المال مقراً بالمال فإن قال الذي في يديه المال: هذا ملكي، وليس عندي من مال الميت شيء، صار خصماً للمدعي؛ لأنه نازعه بدعوى الملك فصار خصماً له في إثبات الملك وفي إثبات سببه.
وصار كرجل ادعى عيناً في يد رجل أنه اشتراه من فلان الغاصب، وصاحب اليد يقول: هو لي فإنه ينتصب خصماً للمدعي كذا هاهنا، وإذا جعله القاضي خصماً في هذا الوجه قضي له بثلث ما في يده المدعى عليه؛ لأن محل الوصية الثلث، والقاضي لم يعرف للميت مالاً آخر، فيقضي له بثلث هذا المال إلا أن يقيم المدعي بينة أن الميت ترك ألفي درهم غير هذه الألف، وأن الوارث قبض ذلك فحينئذٍ يقضي القاضي للموصى له بكل هذه الألف؛ لأنه أثبت استحقاق كل الألف لنفسه بالبينة العادلة.
فلو حضر الوارث بعد ذلك وقال: لم أقبض من مال الميت شيئاً لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه صار مقضياً له عليه بوصول ألفي درهم إليه في ضمن ثبوت الألف ثلثا التركة.
ولو كان مكان الموصى له غريماً يدعي ديناً على الميت والمسألة بحالها لم يكن الذي قبله المال خصماً سواء كان صاحب اليد مقراً أو جاحداً، أما إذا كان مقراً؛ فلأنه لا ينتصب خصماً للموصى له في هذا الوجه مع أنه لا يدعي شركة في العين كان أولى، وأما إذا كان جاحداً؛ لأنه لا يدعي عيناً في يد صاحب اليد، وإنما يدعي ديناً على الميت، واستحقاق العين تابع له، فإذا لم يصلح خصماً في الأصل لا يصلح خصماً في البيع أيضاً.
فإن أقام هذا المدعي بينة أن فلاناً مات ولم يدع وارثاً ولا وصياً يقبل القاضي بينته، وكان ينبغي أن لا تقبل هذه البينة لأنها قامت على غير خصم، والجواب لا بل قامت على خصم وهو القاضي، لأن الشهود لما شهدوا أنه لم يترك وارثاً فقد شهدوا أن تركة الميت لجماعة المسلمين فالمدعي يدعي حقاً في مال جماعة المسلمين، ولا يمكنه الخصومة مع جماعة المسلمين، فينتصب القاضي خصماً عن جماعة المسلميين لكونه نائباً عن المسلمين؛ ولأنه يدعي بهذا وجوب نصب الوصي على القاضي حُسبةً والقاضي قيماً على نفسه (٢٠٧ب٤) يصلح قاضياً، وإذا قضى القاضي بهذه البينة ينتصب عن الميت وصياً، ويأمر المدعي أن يقيم البينة عليه بذلك الدين، فإذا فعل قبل بينته على الدين، وأمر الذي قبله المال بقضاء الدين إلى الغريم؛ إن كان الذي قبله المال مقراً بذلك.
стр. 4235
ثم عاد محمد ﵀ إلى صدر المسألة فقال: لو أن الموصى له أقام البينة أن فلاناً مات، ولم يدع وارثاً وأوصى له بالألف التي قبل فلان، وقال الشهود: لا نعلم له وارثاً، والذي قبله المال مقر بالمال الذي قبله، فالقاضي يقضي بالمال للموصى.
فرق بين هذا وبينما إذا كان للميت وارث والفرق وهو: أنه إذا كان للميت وارث لا يمكن أن يجعل الموصى له بمنزلة الوارث لما فيه من إبطال من جعله الشرع وارثاً في قدر الموصى به، وليس للعبد ولاية إبطال ما أثبته الشرع فجعل الإيصاء ثمة تمليكاً، وجعل الموصى له متملكاً على الميت بمنزلة الموهوب له والمشتري، فلم يكن الموصى له نائباً عن الميت، فلا ينتصب المودع، والغاصب خصماً له، فأما إذا لم يكن للميت وارثاً فالموصى له يجعل وارثاً؛ لأن الموصي أقامه مقام نفسه فيما يتركه، وهذا هو تفسير الوارث، وأمكن جعله وارثاً؛ لأن جعله وارثاً لا يؤدي إلى إبطال ما أثبته الشرع فجعل كالوارث، وقد بينا أن يد المدعي لا يدفع خصومة الوارث.
استشهد فقال: ألا ترى أن الشهود لو شهدوا أن الميت أقر عند موته أنه أخوه لأبيه وأمه لا يعلمون له وارثاً غيره جعلت الميراث له وصار المودع خصماً، وإن ثبت نسبه من أبيه ما لم يكن للمقر وارث كذا هاهنا.
وذكر في «الأقضية» عن محمد: إذا مات الرجل، وقد كان أوصى إلى رجل أي جعله وصياً، وقبل الوصي الوصاية في حياته أو بعد موته، وجاء إلى القاضي يريد إثبات وصايته، فالقاضي ينظر فيه إن كان أهلاً للوصاية يسمع دعواه إذا حضر مع نفسه من يصلح خصماً له قال: والخصم في ذلك وارث أو موصى له أو رجل للميت عليه دين، أو رجل له على الميت دين أما الوارث فلأن الوصي يدعي أن يده فوق يد الوارث في مال الميت رأياً وتدبيراً وتصرفاً، والوارث ينكر ذلك فيكون خصماً له.
وأما الموصى له فلأنه بمنزلة الوارث، وأما الغريم الذي للميت عليه دين؛ فلأنه يدعي حق استيفائه ما عليه من الدين، وهو ينكر، وأما الغريم الذي له على الميت دين فقد قال: بعض مشايخنا: إنه لا يكون خصماً له؛ لأنه لا يدعي عليه شيئاً فكيف يكون خصماً له، وقال الخصاف: يكون خصماً؛ لأنه يريد أن يدفع خصومته في الدين، وإنما يكون له ذلك بعد إثبات الوصاية، هذه الجملة من كتاب «الأقضية» .
وفي «المنتقى» : رواية إبراهيم ﵀: رجل مات وعليه دين وأوصى بثلث ماله أو بدراهم مسماة لرجل فيأخذها الموصى له، ثم الغريم والورثة شهود أو غيب، قدم الموصى إلى القاضي فالموصى له لا يكون خصماً، وأشار إلى أن الوصية متى حصلت بقدر الثلث، فالموصى له لا يعتبر بالوارث.
وإذا حصلت الوصية بما زاد على الثلث وصحت بأن لم يكن ثمة وارث، فالموصى له خصم للغريم في هذه الحالة، ويعتبر الموصى له في هذه الحالة بالوارث؛ لأن استحقاق ما زاد على الثلث من خصائص الوارث، والوارث ينتصب خصماً للغريم ففي حق الوصي يجب أن يكون الجواب كذلك وصاحب «الأقضية» ذكر الموصى له مطلقاً من
стр. 4236
غير فصل، بينما إذا كان الموصى له بالزيادة على الثلث أو بالثلث فيحتمل أن يكون المراد منه إذا كان الموصى له بالزيادة على الثلث.
نوع آخر من هذا الفصل
رجل مات وله ابنان أحدهما غائب، فادعى الحاضر أن له على أبيه ألف درهم دين، ولا مال للميت غير ألف درهم فإني أقبل بينة الابن الحاضر في إثبات الدين على الأجنبي، ولا أسمع بينته على أبيه بدينه، لأنه ليس معه خصم، ولا أقضي له من الألف التي قضيت على الأجنبي بشيء؛ لأنه يزعم أنه لا ميراث له، فأوقف الألف حتى يجيء الأخ.
وفيه أيضاً: رجل في يديه دار اشتراها، وطلب الشفيع الشفعة، فقال المشتري: اشتريتها لفلان، وأقام بينة أنه قال هذا القول قبل أن يشتريها، وأقام البينة أن فلاناً وكله بشرائها منذ سنة؛ قال: أقبل بينته؛ لأني لو قبلتها ألزمت الغائب البيع.
وفيه أيضاً: رجل في يديه دار ادعاها رجل أنها له، وأقام الذي في يديه الدار بينة أن هذه الدار لفلان اشتراها من فلان هذا المدعي، ووكلني بها، فإني أقبل بينته وأجعله وكيلاً، وأدفع الخصومة عنه، ولا ألزم الغائب من هذا المدعي؛ لأن هذا إقامة البينة على شراء الغائب، وعلى أن يده ليست بيد خصومة، والمدعي خصم له في أحدهما دون الآخر، فقبل بينته عليه فيما هو خصم فيه، ولا يقبل بينته فيما ليس بخصم فيه.
وقال أبو يوسف ﵀: رجل في يديه دار ادعى رجل هذه الدار وقال: الدار لي اشتراها فلان الغائب منك لأجلي، وجحد الذي في يديه الدار البيع، قال: أقبل بينة المدعى عليه.
وكذلك لو كان المشتري حاضراً ينكر الشراء، وهذا بمنزلة رجل ادعى داراً في يدي رجل وقال: اشتريتها من فلان، وكان فلان اشتراها منك، قال أبو حنيفة ﵀: إذا ادعى أنه اشتراها من فلان، وقال: اشتراها من الذي هي في يده قبلت بينته.
وقال أبو يوسف ﵀: لو قال الذي هي في يديه: قد كنت بعتها من فلان الذي يزعم أنك وكلته بالشراء لك، وفلان غائب، فلا خصومة بين المدعي وبينه، وكذلك لو قال: قد كنت بعتها من فلان الذي تزعم أنك اشتريتها منه، وهي في يدي حتى تدفع الثمن، أو قال: أودعنيها.
ولو أن رجلاً جاء بصك باسم غيره على رجل وقال: هذا المال الذي في هذا الصك باسم فلان عليك قد أقر به لي فلان، ولي البينة بذلك، فإن أنكر المدعى عليه أن يكون لفلان الغائب عليه شيء فهو خصم، أقبل بينة هذا المدعي وأقضي له بالمال، وإن أقر المدعى عليه بالمال للرجل الذي الصك باسمه، فإني لا أقبل بينة هذا على الغائب الذي الصك باسمه، فإنه أقر بأن المال له حتى يحضر، هذا هو قول أبي يوسف؛ وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أقبل بينته، وإن أنكر المدعى عليه أن يكون لفلان الغائب عليه شيء.
стр. 4237
ذكر ابن سماعة في «الرقيات» : أنه كتب إلى محمد بن الحسن رحمهما الله: في رجل ادعى داراً في يدي رجل، وقال: هذه الدار كانت لفلان بن فلان الفلاني، وإنه باعها من فلان بن فلان الفلاني بألف، وأنا شفيعها، وأريد أخذها بالشفعة، وقال الذي هي في يديه: هي داري، لم يملكها فلان وفلان قط، وأقام المدعى عليه بينة على ما ادعى من ذلك.
قال: أما في قولي، وهو قياس قول أبي حنيفة، فلا خصومة بينهما حتى يحضر المشتري إن كان قبض الدار من البائع، وحتى يحضرا جميعاً إن لم يكن المشتري قبض الدار، وأما في قول أبي يوسف، فالذي في يديه خصمٌ، ويقضي القاضي للشفيع بالدار ويدفعها إليه ويأخذ الثمن من الشفيع فيضعه على يدي عدل، ويكون ذلك قضاءً على المشتري والبائع، وإن كان المشتري أيضاً حاضراً منكراً للشراء؛ قال محمد ﵀: أقضي بالدار للشفيع وأجعل العهدة على المشتري وأدفع الثمن إليه.
ابن سماعة عن محمد: في رجل أمر رجلاً أن يشتري له عشرة دنانير بمئة درهم ففعل ذلك، وقبض الدنانير، ودفع الدراهم، فجاء رجل يدعي الدنانير فالمشتري خصم له، ولا أقبل بينة المشتري أن فلاناً أمره واشترى هذه الدنانير له، وإن أقر مدعي الدنانير بذلك لم أجعل بينهما خصومة.
وعنه أيضاً: رجل ادعى على رجل أنه باع هذا العبد بألف درهم بأمر مولاه فلان، وهو بضاعة في يديه، فقال المدعى عليه: بعته بغير أمر صاحبه، فإني أجعله خصماً وأقضي عليه بدفع العبد إلى المشتري لأني إنما أقضي عليه بالبيع.
رجل ادعى مملوكاً وزعم أنه له وقال: ليس هو اليوم في يدي، وقال المملوك: أنا مملوك فلان (٢٠٨أ٤) الغائب، فإن جاء المملوك ببينة على ما ذكر، فلا خصومة بينه وبين المدعي، وإن لم يقم على ذلك بينة قبلت بينة المدعى عليه، وقضيت به له، فإن جاء المقر له بعد ذلك لم يكن له على العبد سبيل، فإن أقام بينة قبلت بينته ويقضى له بالعبد على المقضي له الأول، قال في «الكتاب» : لأني إنما قضيت للأول على العبد بعينه.
ولو أن رجلاً ادعى عبداً في يدي عبد أو ادعى ديناً عليه، أو ادعى شراء شيء منه، فهو خصمه إلا أن يقر المدعي أنه يحجر عليه، فلا أجعل بينهما خصومة.
رجل في يديه دار، جاء رجل وادعى أنها دار فلان وأن له عليه ألف درهم، وأنه كان له بينة بالألف التي له عليه هذه الدار منذ شهر ودفعها إليه، ثم أنه بعد ذلك استعارها منه، فأعارها إياه وفلان رب الدار غائب، وأقام الذي في يديه الدار بينة أن الدار داره اشتراها من فلان الذي زعم المدعي أنه رهنها إياه أمس وقال: اشتريتها منه منذ عشرة أيام، وشهد له الشهود بذلك، فإن الذي ادعى الرهن يستحقها، وتقبل بينته عليها.
فإن قال المشتري: أنا انقض البيع؛ فالقاضي لا ينقض بيعه على الغائب حتى يحضر الذي باعه.
وكذلك إن ادعى الاستئجار مكان الرهن، ولو كان مكان الراهن أو المشتري رجل
стр. 4238
يدعي ملك الدار، ويزعم أنه اشتراها من صاحب اليد منذ شهر قبل شراء الذي الدار في يديه، فإنه خصم يقضى له بالدار وينتقض البيع الثاني، وإن كان شهود المدعي لم يشهدوا على قبض البائع الثمن، فإن الحاكم يأخذ منه الثمن فيكون عنده للبائع ويسلم الدار.
قال هشام: سألت محمداً عن رجل اشتريت منه جارية ونقدته الثمن، وقبضت الجارية فاستحقها مني إنسان ببينة، وقضى القاضي بها للمستحق، فأحضرت الذي باعنيها، فقال: يخير المشتري إن شاء (قبله) ولي الخصومة، وإن شاء رده بالثمن على البائع، وإن قال المشتري: أقف أمري ويلي البائع الخصومة ليس له ذلك.
رجل أقر بدار في يديه أنها لفلان سمى رجلاً غائباً غيبة منقطعة، وأنه أمر فلاناً أن يحفظها على المقر له، ثم أن ذلك الرجل جعلها على يدي، وقد مات، فالمجهول بيده يكون خصماً لكل من ادعاها، إلا أن يقيم البينة على أن الغائب فلان بن فلان، وقد أثبتوا معرفته دفعتها إلى الميت الذي دفعها إلى هذا الذي هي في يديه وغاب، فإذا أقام على ذلك بينة، فلا خصومة بينه وبين المدعي، قال: ولا أجعله وصياً إلا فيها خاصة في قول محمد فأما في قياس قول أبي حنيفة: ينبغي أن يكون وصياً في كل شيء.
رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم، وأنه مات قبل أن يؤديها إليه، وأن له في يديك من ماله ألف درهم، وطالبه بقضاء الدين من ذلك المال، فالقاضي لا يسمع دعواه، ولا يقبل بينته، ولو طلب من القاضي أن يحلف المدعى عليه، فالقاضي لا يحلفه، وهذا لأن الدعوى إنما تسمع على الخصم والمدعى عليه ليس بخصم له في هذه الصورة؛ لأنه لا يدعي عليه ولا في يده شيئاً، وإنما يدعي ديناً على الغير؛ لأنه ليس بخلف عن ذلك الغير ليسمع الدعوى عليه بطريق الخلافة، فلا يسمع دعواه، وإذا لم يسمع دعواه لا يسمع بينته، ولا يحلف المدعى عليه.
رجل ادعى عمامة في يدي رفّاء وقال: هذه عمامتي بعثت بها على يد تلميذي إليك لتصلحه، وأنكر الرفَّاء أن تكون العمامة للمدعي، لا تصلح هذه الدعوى من هذا المدعي؛ لأنه مقر أن العمامة وصلت إلى يد الرفاء من جهة الغير، فلم تكن يد الرفاء يد خصومة بحكم إقراره هذا إذا استحق مال المضاربة.
فإن كان فيه ربح فالمضارب خصم بقدر حصته من الربح، ولا يشترط حضرة رب المال، وإن لم يكن فيه ربح فالخصم رب المال دون المضارب، وإن كان مال المضاربة ألفاً فاشترى المضارب بها عبدين أو جاريتين قيمة كل واحد منهما ألف، فإن هاهنا لا يظهر الربح، ويكون الخصم فيها رب المال، ويشترط حضرته عند استحقاق أحدهما.
هشام قال: سمعت محمداً يقول في رجل على طريق من طرق المسلمين نافذ فبنى فيه أو زرع، ثم خرج، ودفعه إلى إنسان، فجاء أهل الطريق وخاصموه، فأقام الذي في يديه بينة أنها في يدي فلان وكله به ودفعه إليه، قال: إن كان طريقاً مما يشكل ولا يعلم أنه طريق إلا ببينة فلا خصومة بينهما حتى يحضر الدافع، وإن كان شيئاً لا يشكل فهو خصم.
стр. 4239
ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف ﵀: رجل اشترى من آخر عبداً، وقبضه ونقد الثمن، فجاء رجل وادعى هذا العبد على المشتري، فأقر المشتري بالعبد للمدعي أو أقر أنه حر الأصل.
فإن أبا حنيفة ﵀ قال: إقراره جائز، وليس له أن يخاصم البائع ببينة يشهدون أنه حر الأصل؛ يريد بهذا أن المشتري لو أقام بينة على البائع أنه حر الأصل ليرجع بالثمن على البائع؛ لا تقبل بينته.
علل فقال: لأن هذه البينة إنما تشهد للعبد فلا أقبلها، وكذلك لا تقبل من المشتري البينة على أن العبد ملك المقر له، يريد به؛ أن المشتري لو أقام البينة على أن العبد ملك هذا المدعي ليرجع بالثمن عليه لا تقبل بينته.
وقال أبو يوسف ﵀: إن اشترى المشتري العبد من المقر له بالملك، وقبضه جعلته خصماً للبائع من قبل أن يطلب الثمن والعبد في يديه، يريد به أنه بعدما أقر المشتري بالعبد للمدعي لو اشتراه من هذا المدعي وقبضه، ثم خاصم البائع في ذلك سمعت خصومته، وكذلك أقبل منه البينة أن العبد حر الأصل، وإن لم يحضر العبد يدعي الحرية بين يدي الحاكم، وإن لم يشتر العبد من المقر له بالملك بل هو في ملكه، ثم أقبل منه البينة على أن العبد للمدعي، وأقول في هذا مثل قول أبي حنيفة قال: وإن جاء المدعي، والبائع والمشتري، واختصما، فأقر المشتري فالعبد للمدعي، وقال: هذه البينة بينة المدعي أن العبد عبده، فإني أقبل منه البينة على البائع بهذا إذا كانوا جميعاً، وكذلك إن خاصم المشتري البائع في ذلك بعدما دفع العبد إلى المدعي، فجاء المدعي يزعم أن العبد له، قال: لأني لا أدري لعله ينكر أن يكون العبد له، وقال أبو يوسف: القياس ما قاله أبو حنيفة ﵀ في جميع ذلك، إلا أني استحسنت احتياطاً للناس في أموالهم.
إبراهيم في «نوادره» عن محمد: الميت الذي أعتق، وليس للميت وصي، هل يكون هذا المعتق خصماً؟ فإن كان أعتقه في حالة المرض يكون خصماً، وإن كان أعتقه في حالة الصحة لا يكون خصماً.Y
بشر عن أبي يوسف: في رجل له على رجل مال فأوصى به لرجل، ثم إن الذي عليه المال جحد المال قال: الورثة يخاصمونه، فإذا أراد القاضي أن يقضي لهم قضي بها لصاحب الوصية، وأحاله بها من الثلث.
وعنه أيضاً: تقبل بينة الوصي على وصية الميت إليه بحضور وارث مقر بالوصية إليه، أو طالب دين أو مطلوب بدين أو صاحب وصية مقر بالوصية، وكذلك تسمع بينة مدعي الدين على الميت بحضور وارث مقر به، ويكون ذلك حكماً على سائر الورثة.
رجل في يديه دار وهو مقر بأنها لفلان مات، وتركها ميراثاً وسمى الورثة بعضهم غائب، وادعى الشراء من الغُيب حقوقهم، وسأل أن يترك ذلك في يده إلى أن يحضروا لم أتركه في يده، فإن أحضر بينة على الشراء سمعت شهادتهم ولكن لا أنفذ البيع ولا أقضي على الغائب ولكن أترك ذلك في يده وأستوثق منه حتى يقدم الغائب فيستأنف الخصومة معه.
стр. 4240
رجل وكل رجلين بخصومة رجل، فأقام المدعي على أحدهما شاهداً، واحداً وعلى الآخر شاهداً آخر، قال: هو جائز، وكذلك لو أقام على الوكيل شاهداً واحداً وعلى الموكل شاهداً واحداً وكذلك لو أقام على الحي شاهداً وعلى الورثة بعد موته شاهداً.
هشام عن محمد: في رجل في يديه دار قال صاحب اليد لرجل: هذه الدار لك ورثتها من أخيك فلان وقال (٢٠٨ب٤) المقر له: لا بل هذه لرجل آخر ورثتها من أخيه قضي به للمقر الآخر إذا كان كلام المقر له موصولاً، وجنس هذا في كتاب الإقرار، فإن غاب المقر له الأول، وجاء المقر له الآخر إلى الذي الدار في يديه، وأقام البينة عليه بإقراره للغائب، وبإقرار الغائب له؛ لا تقبل بينته.
إبراهيم عن محمد: رجل باع داراً من رجل ولم يدفعها إلى المشتري بعد نقد الثمن، أو كان الثمن إلى أجل فالخصم هو المشتري، وإن كان المشتري لم ينقد الثمن فالخصم هو البائع.
هشام عن محمد: رجل آجر داراً من رجل، وقد علم القاضي بذلك، ثم إن المستأجر غاب؛ ووكل رجلاً بالدار بشهادة شهود، فقدم رب الدار الوكيل وادعى أنها داره، فادعى الوكيل الوكالة وأقام بينته على ذلك قال: لا أقبل بينة الوكيل، قال هشام: وإنما ذلك لعلم القاضي به.
رجل اشترى شيئاً بميتة، أو دم، أو خمر، أو خنزير، وقبض المشتري؛ ثم جاء مستحق واستحق المشترى بالبينة؛ ففي الشراء بالميت والدم لا يكون المشتري خصماً، ولا يسمع البينة عليه.
قال محمد في «الجامع» : رجل اشترى من آخر إبريق فضة بدينارين، وقبض الإبريق ونقد ديناراً واحداً ثم تفرقا قبل أن ينقد الدينار الآخر، حتى فسد العقد في نصف الإبريق لا يتعدى الفساد إلى النصف الآخر، وهذا الجواب لا يشكل على قولهما، وإنما يشكل على قول أبي حنيفة؛ لأن من مذهبه أن العقد إذا كان صفقة واحدة، ففسد بعضه فسد الباقي؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان فساد العقد في البعض بمفسد مقارن للعقد، أما إذا كان الفساد بمفسد طارىء لا يتعدى الفساد إلى الباقي.
كما إذا اشترى عبدين وهلك أحدهما قبل القبض فإنه لا يفسد العقد في الحي منهما، وإنما لا يفسد لما قلنا، فإن حضر رجل بعدما غاب بائع الإبريق، وادعى أن نصف الإبريق له كان المشتري خصماً له؛ لأن المشتري مالك جميع الإبريق لأنه، وإن فسد السبب في النصف لكان الافتراق لا يبطل ملكه فيه ما لم يرده، لأن فساد السبب في الابتداء لا يمنع ثبوت الملك عند اتصال القبض به، فأولى أن لا يمنع بقاء الملك في المقبوض، فكان كل الإبريق ملكاً للمشتري، فيكون خصماً للمدعي.
فلو حضر الغائب بعد ما أقام المستحق البينة على النصف، وقضى القاضي بالنصف له، رد المشتري على البائع ربع الإبريق؛ لأن النصف المستحق شائع في النصفين نصفه، وهو الربع في النصف الذي صح سببه، والنصف الآخر وهو الربع في النصف الذي فسد
следующие страницы →