Полный текст (4 583 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ولهذا تؤقت حرمته بحرمة الصوم وهو النهار وبالأكل ناسياً لا يفسد الصوم، فلا يفسد الاعتكاف بخلاف الجماع؛ لأن الجماع من محظورات الاعتكاف، قال الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (البقرة: ١٨٧) فيستوي فيه العامد والناسي كما في الإحرام.
نوع منه
يجب أن يعلم بأن النذر بالاعتكاف صحيح.
أما على قول من يقول بأن الشرط صحة النذر أن يكون المنذور به عبادة لا أن يكون لله تعالى من جنسه إيجاب، فظاهر؛ لأن الاعتكاف عبادة مقصودة بنفسه؛ لأنه لبث وقرار في المسجد، وانتظار للصلاة في مكان الصلاة،
وأما على قول من يقول بأن شرط صحة النذر كون المنذور به عبادة، وأن يكون لله تعالى من جنسه إيجاب؛ فلأن للاعتكاف شبهاً بالصلاة من حيث إنه لبث وقرار في مكان الصلاة لانتظار الصلاة، والمنتظر للصلاة كأنه في الصلاة إيجاب، أو يقول: النذر بالاعتكاف نذر بالصوم؛ لأن الصوم شرط لصحة الاعتكاف الواجب، والتزام الشيء التزام لشرائطه، ولله تعالى من جنس الصوم إيجاب.
إذا قال: لله عليّ أن أعتكف شهراً، فهذه المسألة على وجهين:
إن نوى شهراً، فهو كما نوى.
وإن لم ينوِ شهراً بعينه، فله أن يعتكف أي شهر شاء، ولا يتعين الشهر الذي يليه، وهو نظير ما لو قال: لله عليّ أن أصوم شهراً، ولم ينوِ شهراً بعينه كان له أن يصوم في أي شهر شاء، وإن بين مسألة الاعتكاف، وبين مسألة الصوم فرقان.
مسألة الاعتكاف إذا عين شهراً، وشرع في الاعتكاف يجب التتابع نص على التتابع أو لم ينص، وفي مسألة الصوم لا يجب التتابع إلا إذا نص على التتابع، وإن قال: نويت أن أعتكف بالنهار دون الليل لم تصح نيته لا قضاء، ولا فيما بينه وبين الله.
إذا أصبح الرجل صائماً متطوعاً، ثم قال في بعض النهار: لله تعالى عليّ أن أعتكف هذا اليوم، فلا اعتكاف عليه في قياس قول أبي حنيفة؛ لأن الاعتكاف الواجب لا يصح إلا بالصوم، فلو وجب الاعتكاف وجب الصوم، والصوم في أول اليوم انعقد تطوعاً، فلا يمكن جعله واجباً بعد ذلك،
وقال أبو يوسف: إن قال ذلك بعد الزوال، فلا اعتكاف، وإن كان قبل الزوال، فعليه الاعتكاف، وكذلك قال أبو يوسف في رجل أصبح مفطراً، ثم قال: لله عليّ أن أعتكف هذا اليوم وكان ذلك قبل انتصاف النهار فإنه يلزمه ويعتكفه بصومه وإن لم يفعل، فعليه القضاء، ولو نذر اعتكاف ليلة لا يلزمه شيء، وإن نوى اليوم معها لم تصح نيته، وعن أبي يوسف أنه يلزمه، ويصير تقدير المسألة كأنه قال: لله عليّ أن أعتكف ليلة بيومها، ولو نذر اعتكاف يومين أو ليلتين أو أكثر من ذلك صح نذره، ودخل فيه الأيام والليالي.
стр. 912
يجب أن يعلم أن ذكر الأيام يستتبع ما بإزائها من الليالي، (١٦٦أ١) .
وكذا ذكر الليالي يستتبع ما بإزائها من الأيام باتفاق الروايات، وكذا ذكر اليومين والليلتين يستتبع ما بإزائهما من الليلتين واليومين في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه لا يستتبع ما بإزائهما، على هذه الرواية نفي النذر باعتكاف يومين وباعتكاف ليلتين، والنذر باعتكاف اليومين صحيح، وتدخل الليلة المتوسطة تحت النذر، والنذر باعتكاف الليلتين غير صحيح، فلا يلزمه شيء، ولو نذر باعتكاف ثلاثين يوماً وقال: عنيت به النهار خاصة، فهو كما نوى وإن يفرقه، ولو قال: أردت بالليل خاصة لم يصدق، وإن قال: ثلاثين ليلة، ونوى بالليل خاصة لم يلزمه شيء.
إذا قال: لله عليّ أن أعتكف شهراً بغير صوم، فعليه أن يعتكف شهراً، ويصوم فيه،
إذا أوجب الاعتكاف في وقت معين، ولم يعتكف قضى؛ لأن الاعتكاف قد لزمه في ذلك الوقت، فلا يخرج عن العهدة إلا بالأداء في الوقت أو بالقضاء خارج وقت كما في الصوم.
إذا نذر اعتكاف يوم دخل المسجد قبل طلوع الفجر، وأقام فيه إلى أن تغرب الشمس، ولو نذر اعتكاف يومين دخل المسجد قبل غروب الشمس، وأقام الليلة ويومها وليلته الأخرى ويومها، وعن أبي يوسف: أنه يدخل المسجد قبل طلوع الفجر، وهذا بناءً على ما روينا عن أبي يوسف أن من نذر الاعتكاف يومين تدخل فيه الليلة المتوسطة، ولا تدخل الليلة الأولى، وحكى أبو يوسف برواية بشر عن أبي حنيفة مثل قوله، ولو أوجب الاعتكاف شهراً بعينه دخل المسجد قبل غروب الشمس؛ لأن الشهر اسم له من الهلال إلى الهلال والبداية بالليل.
إذا قال: لله عليّ أن أعتكف رمضان صح نذره كما لو قال: لله عليّ أن أعتكف رجباً أو ما أشبهه.
فإن قيل: إذا قال: لله عليّ أن أعتكف رجباً إنما صح نذره؛ لأنه أضاف النذر بالاعتكاف إلى وقت يقع صومه بجهة الاعتكاف، فكان المنذور به اعتكافاً بصومه هذا معنى ههنا معدوم.
قلنا: إذا نذر اعتكاف رجب إنما صح نذره؛ لأنه أضاف النذر بالاعتكاف إلى محل يقبل الصوم؛ لأنها محل تقبل الصوم بجهة الاعتكاف؛ لأن من شرط صحة الاعتكاف ذات الصوم لا الصوم بجهة الاعتكاف. قال ﵇: «لا اعتكاف إلا بالصوم» ولم يقل لا اعتكاف إلا بالصوم بجهة الاعتكاف، فلو أنه صام رمضان، ولم يعتكف كان عليه أن يقضي اعتكافه يعتكف شهراً آخر مكانه متتابعاً، ويصوم فيه،
وعن أبي يوسف برواية بشر: أنه يبطل نذره، ولا يلزمه القضاء، وإن لم يعتكف حتى دخل رمضان آخر، فصامه واعتكف قضاء عن الاعتكاف في شهر الأول لا يجوز؛
стр. 913
لأن تفويت رمضان.
كما وجب الاعتكاف ديناً في الذمة وجب الصوم لأجل الاعتكاف ديناً، وكل صوم وجب ديناً في الذمة لا يتأدى بصوم رمضان، فلو أفطر في رمضان الأول من عذر، ووجب عليه قضاؤه باعتكاف متتابع؛ لأن الأول إذا كان واجباً عليه بهذه الصفة؛ فإن قضى صوم رمضان، واعتكف فيه متتابعاً أجزأه كما لو صام رمضان واعتكف فيه؛ لأن القضاء يقوم مقام الأداء.
إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر، ولم يعتكف حتى مات يطعم عن كل يوم نصف صاع من حنطة؛ لأنه لزمه صوم بهذا النذر، وقد عجز عن الأداء بالموت، فينقل إلى الفداء، وإن كان مريضاً وقت الإيجاب، فلم يبرأ حتى مات، فلا شيء عليه اعتباراً لإيجاب العبد بإيجاب الله تعالى، وإن كان صحيحاً حين أوجب، وعاش عشرة أيام أطعم عنه لجميع الشهر.
قيل: هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعلى قول محمد: يطعم عنه بقدر ما كان صحيحاً، والله أعلم بالصواب.
الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر
اختلفت الروايات في صفة صدقة الفطر ذكر في «الأصل» : وتجب صدقة الفطر عن نفسه وعبيده،
وذكر في «المجرد» : عن أبي حنيفة: أن صدقة الفطر سنة لا ينبغي تركها، والمذهب أنها واجبة؛ لأنه ورد الأثر بها، قال ﵇: «أدوا عمن تمونون» ، وقال ﵇: «أدوا عن كل حر وعبد» والأمر للوجوب، ومعنى قول أبي حنيفة في «المجرد» أنها سنة: أن وجوبها ثابت بالسنة،
ووقت وجوبها من حين يطلع الفجر الثاني من يوم الفطر حتى إن مات قبل ذلك، فلا وجوب،
ومن ولد أو أسلم قبله وجب، وأفضل لو قال: الأداء قبل خروجه إلى الصلاة.
ومن حكمها أنها لا تسقط بالتأخير، وإن طالت المدة، هكذا ذكر القدوري في «شرحه» وأن يجوز تعجيلها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين في رواية الكرخي، وعن أبي حنيفة لسنة أو سنتين، وعند بعض المشايخ يجوز التعجيل في شهر رمضان، ولا يجوز قبله، وذكر الصدر الشهيد في شرح كتاب الصوم أن ذكر اليوم والسنة في رواية الكرخي، ورواية أبي حنيفة وقع اتفاقاً، لا لتقييد الجواز به.
стр. 914
ولا تجب هذه الصدقة إلا على حر مسلم غني، والغني أن يملك نصاباً أو ما قيمته نصاب فاضلاً عن مسكنه وأثاثه وثيابه على نحو ما يعتبر في حرمة الصدقة، وما تأدى به هذه الصدقة في المشهور من الأخبار ثلاثة أشياء الحنطة والشعير والتمر، ومقدارها من الحنطة نصف صاع، ومن الشعير والتمر صاع، وأما الزبيب فهو مروي في بعض الأخبار، ومقداره نصف صاع عند أبي حنيفة على رواية «الجامع الصغير» ، وروى الحسن عنه أنه صاع والزبيب جوازه باعتبار..... العين عند بعض المشايخ، وعند العامة باعتبار القيمة، ودقيق الحنطة وسويقها كالحنطة ودقيق الشعير وسويقة كالشعير عندنا، والجواز باعتبار العين؛ لأن الدقيق منصوص عليه في بعض الروايات، والخبر يجوز باعتبار العين عند بعض المشايخ، وعند العامة باعتبار القيمة، وهو أصح، وفي سائر الحبوب الجواز باعتبار القيمة، وإذا أراد أن يعطي قيمة الحنطة أو الشعير أو التمر يؤدي قيمة (١٦٦ب١) أي ثلث شاء عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وقال محمد: يؤدي قيمة الحنطة.
ذكره الصدر الشهيد في شرح الصوم، وكان الفقيه أبو بكر الأعمش يقول: أداء الحنطة أفضل، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: أداء القيمة في ديارنا أفضل، وعن أبي يوسف في غير رواية «الأصول» أنه قال: الدقيق أحب إليّ من الحنطة، والدراهم أحب إليّ من الدقيق،
ويؤدي نصف صاع تمر، أو شعير، ومد حنطة لا يجوز، وجوزه في الكفارة، ولو أدى نصف صاع تمر تساوي نصف صاع حنطة لا يجوز؛ لأن كل واحد منهما منصوص عليه، والمقصود من الكل واحد، ولو أدى الحنطة رديئة جاز، وإن كان عفناً، أو به عيب أدى لنقصان، وقد اعتبر الحسن في رواية قيمة الوسط في الجواز، وأما إذا كان قيمته دون قيمة الوسط لا يجوز.
فقد ذكر في كتاب الزكاة لو أخرج قيمة نصف صاع حنطة لم يجز إلا إن أخرج قدر نصف صاع وسط، فإن كان ما أخرج لا يساوي نصف الصاع حنطة وسط، ولكن يساوي قيمة صاع من شعير وسط، أو صاع تمر وسط، ففي هذه الصورة نوع اضطراب ذكر في بعض نسخ الحسن أنه يجوز، وذكر في بعض نسخه أنه لا يجوز، قال البلخي في «كتابه» في حياته: والصحيح عندي جوازه.
وفي «المنتقى» : إذا أعطى قيمة نصف صاع رديئة لم يجزه، وعليه أن يعطي قيمة نصف صاع حنطة وسط، وإن أعطى قيمة صاع دقيق أو سويق جيد، وذلك لا يساوي نصف صاع حنطة وسط لا يجزئه، وكان عليه تمام قيمة نصف صاع حنطة وسط، والصاع الذي تقدر الحنطة بنصفه والشعير والتمر بكله، قال الطحاوي: ثمانية أرطال مما يستوي كيله ووزنه قبل معناه إن سوى بالعديس والماش، وإن أعطى بالوزن سويق من الحنطة عند أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز، وقال محمد: لا يجوز إلا كيلاً.
стр. 915
قال محمد ﵀ في «الأصل» : ويجب على الرجل الحر المسلم الغني أن يؤدي صدقة الفطر عن نفسه، ورقيقه كفاراً كانوا أو مسلمين إذا لم يكونوا للتجارة، وكذا عن مدبريه وأمهات أولاده ولا يخرج عن مكاتبه، ولا عن رقيق مكاتبه، ولا يجب على المكاتب أيضاً، والمعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب، وعندهما بمنزلة حر عليه دين، فإن كان الفاضل عن دين السلعة ما يساوي مائتي درهم سوى ما يحتاج إليه في الحال تجب عليه صدقة الفطر.
ويخرج عن عبده الذي في يدي غيره بإجارة أو عارية أو وديعة وكالعبد المرهون، ففي ظاهر الرواية تجب صدقة الفطر على الراهن إذا كان عبده وفى له بالدين وفضل مائتي درهم، وإن كان فضل مائتي درهم في المرهون فهما سواء، ولا يخرج عن الآبق والمغصوب المجحود، ويخرج صدقة الفطر عن عبده المأذون المديون، وأما مماليك هذا العبد فإن كانوا للتجارة، فلا يخرج عنهم سواء كان على المأذون دين أو لم يكن، وأما إذا كان اشتراهم المأذون للخدمة بإذن المولى، فإن لم يكن على المأذون دين يجب على المولى صدقة فطرهم، وإن كان على المأذون دين لا يجب على المولى صدقة فطرهم عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
وإذا كان العبد بين رجلين فلا صدقة على واحد منها عندنا، وهذا بناءً على أن عندنا الوجوب على المولى بسبب الملك، والملك لم يكتمل، وإذا كان عدد من العبيد بين رجلين، فلا صدقة على واحد منهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: تجب على كل واحد منهما ما يحصه بالقسمة من العدد، لو قسم بناءً على أنه عند أبي حنيفة الرقيق لا يقسم قسمة واحدة، فلم يملك كل واحد منهما ملكاً تاماً، ومحمد ﵀ يرى قسمة الرقيق، وكذلك أبو يوسف؛ لأن أبا يوسف ﵀ لم يوجب ههنا لعدم الولاية،
وإذا كانت الجارية مشتركة بين رجلين، فجاءت بولد، فادعياه، فلا صدقة على واحد منهما في الأم، فأما الولد، فقال أبو يوسف: على كل واحد منهما صدقة تامة، وقال محمد: عليهما صدقة واحدة، وإن كان أحدهما فقيراً والآخر موسراً، أو كان أحدهما ميتاً، فعلى الآخر صدقة تامة عندهما.
ولا يجب على الرجل صدقة الفطر عن أولاده الكبار سواء كان لهم مال، أو لم يكن، وسواء كانوا أصحاء أو زمنين في ظاهر رواية أصحابنا، وأما الأولاد الصغار، فإن كان لهم مال، فإنه يؤدي من مالهم صدقة فطرهم وصدقة فطر مماليكهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد ﵀، وكذلك الوصي على هذا الخلاف،
وإن لم يكن للصغير مال، فإنه يجب على الأب صدقته دون صدقة فطر مماليكه،
وفي «البقالي» : والقاضي كالولي في الأداء من مال الصغير، والمعتوه والمجنون بمنزلة الصغير، سواء كان الجنون أصلياً بأن بلغ مجنوناً، أو كان الجنون عارضاً، هو الظاهر من المذهب، ولا يخرج عن سائر قرابته، وإن كانوا في عياله، وكذا لا يخرج عن
стр. 916
نوافله في ظاهر الرواية، وكذا لا يخرج أحد الزوجين عن صاحبه.
ويجوز أن يعطي ما يجب عن جماعة مسكيناً واحداً، وإن أعطى ما يجب عن واحد مسكينين يجوز عند الكرخي، ولا يجوز عند غيره.
عن أبي يوسف: يعطي الرجل صدقة الفطر عن نفسه، ويكتب إلى أهله، فيعطون حيث هم، وإن أعطى عن نفسه، وعنهم حيث هو، أو كتب إليهم حتى يعطوا عن أنفسهم وعنه يجوز.
وعنه أيضاً: لو أعطى صدقة الفطر عن زوجته وأولاده الكبار الذين هم في عياله أجزأه وإن لم يأمروه بذلك، ولا يجوز أن يعطي عن غير عياله إلا بأمره، ويؤدي صدقة الفطر عن نفسه وعبيده حيث هو، وفي زكاة المال، وهذا قول محمد وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع، وقال: يؤدي عن العبد حيث العبد،
وروي عن أبي يوسف: أن العبد إذا كان حياً يعتبر مكان العبد، وإن كان ميتاً يعتبر مكان المولى،
فلا تجب هذه الصدقة عن الحمل، وتجب عن عبد الجناية عمداً أو خطأً، وأما عبد الموصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر صدقة فطره على مالك (١٦٧أ١) الرقبة،
وإذا اشترى عبداً شراءً صحيحاً، ومر يوم الفطر قبل قبضه لزمه صدقة الفطر إن قبضه وقيل: هو قولهما، وإن مات قبل القبض، فلا صدقة، وإن رده قبل القبض، فعلى البائع، وإن كان بعده، فعلى المشتري، والله أعلم.
الفصل الرابع عشر في المتفرقات
إذا كان عليه قضاء يوم الخميس مثلاً، وظن أنه يوم الجمعة، فصامه ينوي قضاء الجمعة لم يجز،
ولو نوى قضاء اليوم الذي عليه غير أنه ظن أنه يوم الجمعة أجزأه في «الجامع» للكرخي.
ابن سماعة عن محمد: صائم جن وشرب في حال جنونه، فعليه القضاء.
إذا نذر صوم رجب، فدخل رجب، وهو مريض لا يستطيع الصوم ولا.... أفطر وقضى، لو مات الناذر قبل دخول الوقت فلا قضاء عليه، وكذلك إن أدرك الوقت، وهو مريض، ثم مات قبل أن يبرأ، فإن برأ فعليه القضاء.
الحسن عن أبي حنيفة في المجنون إذا قال: لله عليّ أن أصوم رجباً فلم يزل مجنوناً، ثم مضى رجب ثم أفاق، فعليه قضاؤه هذه المسألة بناءً على أن النذر المضاف
стр. 917
إلى وقت معين بسبب المحال، والمسألة معروفة.
بشر عن أبي يوسف: أصبح يوم النحر ينوي الصوم، ثم أفطر فعليه قضاؤه، وروى الحسن في اختلاف مثله، وهذه المسألة على روايتين في رواية جعل الشروع بمنزلة النذر، والجواب في النذر كما ذكرنا، وفي رواية فرق بين الشروع وبين النذر.
لا بأس للمعتكف أن يبيع ويشتري في المسجد، وعن أبي يوسف أنه قال: هذا إذا لم يحضر السلعة في المسجد، فأما إذا أحضر، فهو مكروه.
وقيل: إذا كان يبيع ويشتري للتجارة، فهو مكروه، وللمعتكف أن يلبس ما شاء، ويأكل ويدهن، ويعصب بما شاء.
في «الأصل» : وليس للمرأة أن تعتكف بغير إذن الزوج، وكذلك ليس للعبد والأمة أن يعتكف بغير إذن المولى، وإن نذرت المرأة بالاعتكاف، فللزوج أن يمنعها عن ذلك، وكذلك العبد والأمة إذا نذر بالاعتكاف، فللمولى أن يمنعه عن ذلك، وإن أذن الزوج للمرأة بالاعتكاف، ثم أراد أن يمنعها ليس له ذلك، وإن أذن المولى للمملوك بالاعتكاف، فله أن يمنعه لكن يكره له المنع،
ولا تصوم المرأة تطوعاً بغير إذن زوجها، فإن كان صيامها لا يضر به بأن كان صائماً أو مريضاً، فلها أن تصوم وليس له منعها، وهذا بخلاف العبد والأمة، فإنه ليس لهما أن يتطوعا بغير إذن المولى، وإن لم يضر ذلك بالمولى، وللزوج والمولى أن ينقضه إذا كان الشروع بغير رضا، وتقضي المرأة إذا أذن لها زوجها أو بانت منه، ويقضي العبد إذا أذن له المولى أو عتق، والأجير الذي استأجره للخدمة لا يصوم تطوعاً إلا بإذن المستأجر إذا كان الصوم يضر به في الخدمة، وإن كان لا يضر، فله أن يصوم بغير إذنه.
إذا أفطر المريض والمسافر في رمضان لا تسقط عنه صدقة الفطر.
في «فتاوى أبي الليث» : إذا قال لعبده الذي هو للخدمة: إذا جاء يوم الفطر فأنت حر، فجاء يوم الفطر عتق، وعلى المولى صدقة الفطر لوجود السبب، وهو رأس يمونه وقت الوجوب، وهو وقت طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر؛ لأن العتق ثبت بعده في هذا الموضع.
أيضاً: زوج ابنته الصغيرة من رجل وسلمها إليه، ثم جاء يوم الفطر لا يجب على الأب صدقة الفطر. في فتاوى «خوارزم» .
وفي «البقالي» : إذا تزوج امرأة على عبد في يوم الفطر، والعبد في يد الزوج بعد، فلا صدقة، وأيضاً: إذا أجاز المالك البيع الموقوف بعد الفطر، فعليه الصدقة.
وفي «القدوري» : من افتقر بعد يوم الفطر لم تسقط عنه الصدقة، والله أعلم بالصواب.
стр. 918
كتاب المناسك
هذا الكتاب يشتمل على عشرين فصلاً.
١ * في بيان شرائط الوجوب.
٢ * في بيان ركن الحج، وكيفية وجوبه.
٣ * في تعليم أعمال الحج.
٤ * في بيان مواقيت الإحرام وما يلزم بمجاوزتها بغير إحرام.
٥ * فيما يحرم على المحرم بسبب إحرامه، وما لا يحرم وهو أنواع:
منها في الصيود والدلالة على الصيد، ومنها في المحرم يضطر إلى الصيد، ومنها في المحرم شاركة غيره في فعل المفسد، ومنها لبس المخيط، ومنها في الجماع، ومنها في حلق الشعر والأظفار، ومنها في الدهن والطيب والخضاب.
٦ * في صيد الحرم وشجره وحشيشه، وحكم أهل مكة.
٧ * في بيان وقت الحج والعمرة.
٨ * في الطواف والسعي.
٩ * في القارن.
١٠ * في التمتع.
١١ * في الإحصار.
١٢ * في معرفة فائت الحج، وبيان أحكامه.
١٣ * في الجمع بين إحرامين.
١٤ * في الحلق والتقصير.
стр. 919
١٥ * في الرجل يحج عن آخر.
١٦ * في الوصية بالحج.
١٧ * في إحرام المرأة والمماليك.
١٨ * في التزام الحج والتزام الهدي والبدن، وما يتصل بذلك.
١٩ * في الخطأ في الوقوف بعرفة، والشهادة فيه.
٢٠ * في المتفرقات.
стр. 920
الفصل الأول: في بيان شرائط الوجوب
شرائط وجوب الحج: العقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، وتكلموا في تفسير الاستطاعة.
قال أبو حنيفة ﵀ في «ظاهر الرواية» : تفسيرها ملائمة البدن وملك الزاد والراحلة، وهو رواية عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وقال أبو يوسف ومحمد في «ظاهر الرواية» : تفسيرها ملك الزاد والراحلة لا غير، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، حتى إن في «ظاهر الرواية» عن أبي حنيفة ﵀: لا يجب الحج على الزّمِن، والمفلوج، والمقطوع الرجلين، وإن ملكوا الزاد والراحلة وهو رواية عنهما، وفي ظاهر روايتهما يجب الحج على هؤلاء، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة إذا كان ملكه من الزاد والراحلة قدر ما يحج به، ويحج معه من يرفعه ويقوده إلى المناسك وإلى حاجته، وفائدة هذا الخلاف إنما تظهر فيما إذا ملك هؤلاء الزاد والراحلة، ففي ظاهر رواية أبي حنيفة ﵀: أنه لا يجب عليهم الإحجاج بمالهم؛ لأن الإحجاج بالمال بدل عن الحج بالبدن ولم يجب (١٦٧ب١) عليهم الحج بالبدن لمكان العجز فكيف يجب عليهم البدل؟ وفي ظاهر روايتهما يجب؛ لأنه لزمهم الأصل وهو الحج بالبدن في الذمة، وقد عجزوا عنه فيلزمهم البدل.
ولو ملك الزاد والراحلة وهو صحيح البدن فلم يحج حتى صار زمناً أو مفلوجاً، لزمه الإحجاج بالمال بلا خلاف؛ لأن الحج قد لزمه في الذمة بلا خلاف لوجود الشرط، وهو الاستطاعة، وقد وقع العجز عن الأداء بنفسه فيلزمه البدل.
وأما الأعمى إذا وجد الزاد والراحلة ولم يجد قائداً يقوده، أجمعوا على أنه لا يلزمه الأداء بنفسه.
وهل يلزمه الإحجاج بالمال؟ فهو على الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀.
وفي «المنتقى» : عن أبي عاصم قال: سمعت أبا عصمة الكبير قال: سمعت إبراهيم بن رستم وأبا سليمان في المرأة والأعمى لهما مال ليس لهما من يخرجهما إلى الحج قال أحدهما عن محمد: الحج واجب عليهما ويستأجر الأعمى من يخرجه ويقود المرأة المحرم حتى يخرجها، وقال الآخر: ليس عليها حج، وإذا وجد الأعمى قائداً يقوده إلى الحج ووجد مؤنة القائد فعلى قول أبي حنيفة في المشهور لا يلزمه على قياس الجمعة،
وذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى» أنه يلزم الحج عنده، فأما على قولهما فقد ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» أن على قياس قولهما في الجمعة يلزمه، وهكذا ذكره
стр. 921
ابن سماعة في «نوادره» عن محمد، قال محمد في رواية ابن سماعة: ولا يشبه الأعمى عندي المقعد والذي يفسده الريح حتى لا يستطيع القيام؛ لأن الأعمى هو الذي يقوم ويقعد ويمشي، وإنما هو بمنزلة رجل لا: يعرف الطريق، فيحتاج إلى مرشد يدله عليه.
قال: والحاصل من قول محمد في حق أهل الآفات إنَّ كل من كان من أهل آفة يعمل مع ذلك الآفة إلا أنه يحتاج إلى معونة لو وجد تلك المعونة، فعليه الجمعة والجماعة والحج، وكل من كان من أهل آفة لا يقدر أن يجد تلك ويقوم ويمشي وإن أُعِين على ذلك حتى يحمل ويوضع، فليس عليه جمعة ولا جماعة ولا حج.
وذكر القدوري في «شرحه» : أن في وجوب الحج عليهما في هذه الصورة روايتان: فعلى إحدى الروايتين يحتاجان إلى الفرق بين الجمعة والحج، والفرق: أن القدرة على أداء الحج بالغير نادر، فلم يعتبر، والقدرة على أداء الجمعة بالغير ليس بنادر، فجاز أن يعتبر.
وإن كان صحيح البدن إلا أنه لا يملك الزاد والراحلة لكن بذل له غيره الزاد والراحلة في طريق الحج، ومعناه أنه أباح له ذلك غيره لا تثبت الاستطاعة به عندنا، وكان الكرخي يقول: إنما تشترط الراحلة في حق من بَعُد عن مكة، فأما أهل مكة ومن حولها لا تشترط الراحلة في حقهم، ثم المراد من الاستطاعة بملك الزاد والراحلة أن يكون عنده مال فاضل عن حوائجه الأصلية قدر ما يشتري أو يكري به شقّ محمل أو راحلة، وقدر نفقته ونفقة عياله مدة ذهابه ومجيئه من غير سرف ولا تقتير، وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني يقول: وأن يكون عنده قدر نفقة يوم بعدما رجع إلى وطنه؛ لأنه بعدما رجع إلى وطنه لا يمكنه أن يشتغل بالكسب لنفقة يومه، وعن أبي يوسف أنه شرط نفقة شهر بعد رجوعه.
وفي «الأصل» : إذا كان له دار يسكنها، وعبد يستخدمه وثياب يلبسها، ومتاع يحتاج إليه، لا تثبت به الاستطاعة، وذكر القدوري في «شرحه» : إذا كان له دار لا يسكنها وعبد لا يستخدمه، فعليه أن يبيعه ويحج به، وكل ذلك يشير إلى اعتبار الفراغ عن الحاجة الأصلية.
وفي «القدوري» أيضاً: إذا كان له منزل يسكنه، ويمكنه أن يبيع ويشتري بثمنه منزلاً دون منه، ويحج بالفضل لم يلزمه ذلك، لأنه محتاج إلى منزله للسكنى، ولا يعتبر في الحاجة قدر ما لا بد منه، ألا ترى أنه لا يلزمه بيع المنزل والاقتصار على السكنى؟
وفي «المنتقى» بشر بن الوليد عن أبي يوسف في «الأمالي» إذ كان له مسكن وخادم، وكفاف من ملبس ومتاع لنفسه وعياله فوق شهر أو سنة، وأي ذلك باع كان فيه جهاز للحج، فليس عليه حج إلا أن يكون في شيء من ذلك فضل على الكفاف ويبلغه إلى الحج، ولو لم يكن له مسكن ولا شيء من ذلك، وعنده دراهم تبلغه الحج، وتبلغه من مسكن وخادم وطعام وقوت كان عليه أن يحج، وإن جعلها في غير الحج أثم، فإن كان ذلك قبل شهر الحج وقبل أن يخرج أهل بلده إلى الحج، فهو في سعة من صرفها إلى أي الأصناف التي سمّينا إن شاء.
стр. 922
قالوا في كتب الفقه: إذا كانت لفقيه وهو يحتاج إلى استعمالها أنه لا تثبت بها الاستطاعة، وإن كان لجاهل تثبت الاستطاعة وإذا كان كتب الطب والنجوم، ثبتت له الاستطاعة سواء كان يحتاج إلى استعماله والنظر فيه، أو لا يحتاج.
وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ أنه كان يقول: اختلف الناس في وجوب الحج على الرجل إذا كان عنده طعام، قال بعضهم: إذا كان عنده طعام سنة فهو فقير، ولا يلزمه الحج؛ لأن هذا القدر من الطعام مباح له إمساكه، وإن كان أكثر فهو من المحتكرين، وعليه الحج، وقال بعضهم: إذا كان عنده قوت شهر، فهو فقير لا يلزمه الحج، وإن كان أكثر من ذلك فهو غني، ويلزمه الحج.
وأما أمن الطريق، فقد روى أبو شجاع عن أبي حنيفة أنه من جملة الاستطاعة لا يثبت الوجوب بدونه كالزاد والراحلة، ومن أصحابنا من جعله شرط الأداء، وثمرة الخلاف إنما تظهر في حق وجوب الوصية بالحج، فمن جعله شرط الوجوب قال: لا تجب عليه الوصية، ومن جعله شرط الأداء يقول: تجب عليه الوصية.
وجه من جعله شرط الوجوب ظاهر أنه لا وصول إلى الحج إلا بأمن الطريق، كما لا وصول إليه إلا بالزاد والراحلة، ومن جعله شرط الأداء، وهو الفرق بين الزاد والراحلة أن بالزاد والراحلة (١٦٨أ١) يثبت التمكن من الأداء، فلا تثبت الاسطتاعة بدونهما، فأما خوف الطريق مبني بعجزهما عن الأداء، فهو في معنى المعارض والمانع، فلا تنعدم به الاستطاعة يعتبر هذا بالمحسوسات، فإن المقيد الممنوع عن المشي لا يكون نظير المريض الذي لا يقدر.
والمحرم في حق المرأة شرط، شابة كانت أو عجوزاً إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام، واختلفوا في كون المحرم شرط الوجوب، أو شرط الأداء حسب اختلافهم في أمن الطريق، والمحرم: الزوج، ومن لا يجوز له مناكحتها على التأبيد برضاع أو صهريه؛ لأن المقصود من المحرم الحفظ؛ لأن النساء عرضة للفتنة، والزوج يحفظها، وكذا سائر محارمها يحفظونها، ولا يطمع فيها إذا لم تجز له مناكحتها على التأبيد، والحر والعبد والمسلم والذمي سواء؛ لأن كل ذي دين يقوم بحفظ محارمه، ولا يطمع فيها إذا لم تجز له مناكحتها على التأبيد.
قال القدوري في «شرحه» : إلا أن يكون مجوسياً يعتقد إباحة المناكحة، فلا تسافر معه؛ لأنه لا ينقطع طمعه عنها، ولهذا لا يجوز لها أن تخلو به، فكذا لا يجوز لها أن تسافر معه؛
قال القدوري أيضاً: وكذا المسلم إذا لم يكن مأموناً لا تسافر معه؛ لأن ما هو الغرض من المحرم لا يحصل به، والصبي الذي لم يحتلم لا غيرة له، وكذا المجنون الذي لا يفيق؛ لأن ما هو المقصود من المحرم وهو الحفظ لا يحصل بهما، ولا يجب عليها أن تتزوج إذا لم يكن لها زوج.
وإذا وجدت محرماً، ولا يأذن لها زوجها أن تخرج، فلها أن تخرج بغير إذنه في حجة الإسلام دون التطوع؛ لأن حق الزوج لا يظهر في العبادات المفروضة.
стр. 923
حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ في المرأة القادرة على نفقة نفسها ونفقة المحرم أن الحج يفرض عليها، واضطربت الروايات عن محمد في هذا، وأكثر المتأخرين على أنها إن وجدت محرماً لا يكون عليها نفقته يفترض عليه الحج، وإلا فلا.
الفصل الثاني: في بيان ركن الحج وكيفية وجوبه
فنقول: ركن الحج شيئان: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة إلا أن الوقوف بعرفة في الركنية فوق طواف الزيارة؛ لأن الوقوف يؤدى في حال قيام الإحرام من كل وجه، والطواف يؤدى حال قيام الإحرام من وجه؛ لأنه يؤدى بعد الحلق، وقد حصل التحلل بالحلق عن جميع المحظورات إلا النساء، ولأجل ذلك قلنا: إذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، وعليه القضاء، ولو جامع بعد الوقوف بعرفة قبل طواف الزيارة لا يفسد حجه، ولا قضاء عليه.
وأما كيفية وجوبه، فنقول: ذكر الحسن الكرخي ﵀ أنه يجب على الفور ولا يجوز التأخير عن أول أوقات الإمكان، وهذا قول أبي يوسف روى عنه بشر والمعلى، قال شيخ الإسلام ﵀: وهو قول أبي حنيفة ﵀ في أصح الروايتين.
وقال محمد: يجب على التراخي، وهو قول الشافعي.
محمد احتج بتأخير رسول الله ﵇ الحج من غير عذر، بيانه: فيما روي أن فرضية الحج نزلت في سنة ثلاث من الهجرة ورسول الله حج سنة عشر، وما كان به عذر. وأبو يوسف يحمل ذلك على العذر التأخير بعذر جائز.
الفصل الثالث: في تعليم أعمال الحج
في «المنتقى» روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة فإذا قضى نسكه أتى المدينة، قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذ أراد الرجل الإحرام ينبغي له أن ينوي بقلبه الحج والعمرة أيَّ ذلك أراد الإحرام له، ويلبي ولا يصير داخلاً في الحرام بمجرد النية، ولم يضم إليها التلبية، أو يسوق هدياً.
واعلم بأن الروايات قد اختلفت في هذا الفصل في رواية ابن سماعة بمجرد النية، لا يصير محرماً إلا أن يلبي أو يكبر أو يذكر الله، يريد به الإحرام.
وفي رواية أخرى عنه: أنَّ بتقليد الهدي والسوق والتوجه معه يصير محرماً كما يصير محرماً بالتلبية وبذكر الله تعالى، وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف أن من نوى الدخول في الإحرام، فهو محرم.
стр. 924
وذكر هذه الروايات في الباب الرابع من حج «المنتقى» ، وفي باب الخامس من حج «المنتقى» داود بن رشيد عن محمد رجل خرج يريد الحج، فأحرم لا ينوي شيئاً، فهو حج بناءً على أن العبادات لصيرورته سابقة عليها جائز، وهذه المسألة دليل على أن التلبية والذكر ليس بشرط لصيرورته محرماً.
وفي هذا الباب أيضاً الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: رجل أتى الحج، وهو يريد العمرة وأتى بالعمرة وهو يريد الحج فهو كان ما نواه، وإن قال: لبيك بحجة وهو ينوي الحج والعمرة كان قارناً، وفي المسألة إشكال من وجهين:
أحدهما: أنه اعتبر النية، ولم يعتبر اللفظ. والثاني: أن الحج في قوله: لبيك بحجة يكره في موضع الإثبات، فكيف جعله قارناً إذا نوى الحج والعمرة جميعاً؟ الجواب.
أما الأول: قلنا: الحج اسم لزيارة أماكن مخصوصة قصد الزائر تعظيمها، والعمرة كذلك، فإنها تسمى حجة صغرى، فالمنوي من محتملات اللفظ، فيكون هذا اعتبار اللفظ فيما يحتمله اللفظ لاعتبار النية بانفرادها.
وأما الثاني قلنا: القارن حاج كما أن المفرد حاج لكن القارن حاج بأبلغ جهات الحج، ففي الحقيقة هذا يرجع إلى صيغة الملتزم، ولا يرجع إلى العموم، والإحرام (١٦٨ب١) عندنا شرط جواز الحج حتى جاز تقديمه على أشهر الحج؛ لأن تقديم شرط العبادات على أوقاتها جائز، كتقديم الطهارة على وقت الصلاة، والمحرمون أنواع أربعة:
مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، وقارن، ومتمتع.
فالمفرد بالحج: أن يحرم بالحج من الميقات، أو قبل الميقات في أشهر الحج، أو غير أشهر الحج، ويذكر الحج بلسانه عند التلبية مع القصد بالقلب، ويقول: لبيك بحجة، أو ينوي الحج بقلبه، ولا يذكر بلسانه، والذكر باللسان أفضل، وركنه الوقوف بعرفة من وقت الزوال يوم عرفة، وطواف الزيارة يوم النحر، وواجباته أربعة: الوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، وطواف الصدر.
وأما المفرد بالعمرة، فإنه يحرم للعمرة من الميقات أو قبل الميقات في أشهر الحج، ويذكر العمرة بلسانه عند التلبية مع القصد بالقلب، فيقول: لبيك بعمرة، أو يقصد العمرة بقلبه ولا يذكرها بلسانه، والذكر باللسان أفضل، وركنه الطواف، وواجبه السعي بين الصفا والمروة.
وأما القارن أن يحرم بالحج والعمرة معاً، ويذكرهما بلسانه عند التلبية مع القصد بالقلب، فيقول: لبيك بحجة وعمرة، أو يقصدهما بالقلب، ولا يذكرهما بلسانه، والذكر باللسان أفضل، فإذا لبى على هذا الوجه يصير محرماً بإحرامين، فيعتمر في أشهر الحج، أو قبله ويحج من عامه ذلك.
أما المتمتع: فهو أن يحرم بالعمرة من الميقات، أو قبله في أشهر الحج، أو قبله ويعتمر، ويحرم للحج، ويحج من عامه ذلك من غير أن يلم بأهله إلماماً صحيحاً، وسيأتي بيان المواقيت بعد هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 925
ويستحب لمن أراد الإحرام أن يقص شاربه وأظفاره، ثم يغتسل أو يتوضأ، والغسل أفضل، فقد صح «أن رسول الله ﵇ اغتسل» وهذا الاغتسال للنظافة، وليس بواجب، ويلبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزار ورداء؛ لأنه منهي عن لبس المخيط، ولا بد من ستر العورة مما يحصل به دفع الحر والبرد،
وإذا لبس إزار ورداء، فقد حصل ستر العورة ودفع الحر والبرد، وقد صح برواية جابر وأبي بريدة ﵄ «أن رسول الله ﵇ أحرم ولبس إزاراً ورداء» ، غير أن الجديد أفضل لقوله ﵇ لأبي ذر «تزين لعبادة ربك» وبالإزار يحصل ستر العورة، ويدهن شاربه؛ لأن الغالب من أحوال أهل الحجاز الحرارة والنتونة والدهن يزيل ذلك، ويتطيب بأي طيب شاء في المشهور، وروي عن محمد أنه لا يتطيب بطيب تبقى عينه بعد الإحرام بأن يلطخ رأسه أو جبهته بالغالية أو المسك،
والصحيح ما ذكر في المشهور لحديث عائشة ﵂، فإنها قالت: «كنت أطيب رسول الله ﵇؛ لإحرامه قبل أن يحرم» لأن الحج أمر مهم، ومن قصد أمراً مهماً يطلب التيسير من الله تعالى، ثم يلبي في دبر صلاته، وإن شاء بعدما يستوي بعيره، والأفضل أن يلبي بعد صلاته، ثم يصلي ركعتين، ويقرأ فيها بما شاء، وإن قرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و «قل يا أيها الكافرون» ، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و «قل هو الله أحد» تبركاً بفعل رسول الله ﵇، فهو أفضل.
ثم إذا فرغ من صلاته يطلب من الله التيسير، فيدعو: «اللهم، إني أريد الحج، فيسره لي وتقبله مني» من قبل أن يزور بالبيت ذكرت الطيب مطلقاً من غير فصل.
وصفة التلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وروي عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أن «النبي لبى كذلك» ، وقوله إن الحمد والنعمة لك مروي بفتح الألف حتى روي أنه كان ينشد في حرمه شعر وبين يائسين سام.... إن تصديق الطير قل ... فقلى له أثر....
стр. 926
ى وأنت محرم فقال إنما أ.... النساء مروي بفتح الألف وبكسرها، وبالكسر أصح لأنه ابتداء الذكر قال الكرخي: يأتي بها ولا ينقص؛ لأن التعيين وجد.... إن لم يوجد.... إن لم يوجد قضاء؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يتحمل المشقة العظيمة للتنقل إذا كان عليه حجة الإسلام والتعين النهاية قضاء سواء على ما عرف ههنا؛ لأن النبي ﵇ أتى بها وإن زاد عليها فهو حسن، فإذا لبى ونوى بقلبه يصير محرماً.
قال القدوري في «شرحه» : ويصير داخلاً في الإحرام بكل ذكر يحصل به التعظيم سواء كان بالعربية أو بالفارسية، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يصير داخلاً في الإحرام إلا بالتلبية، فقد فرّق محمد ﵀ بين الصلاة والإحرام، فقيد بالعربية ثمة، ولم يقيد بالعربية ههنا؛ لأن باب الحج أوسع.
ألا يرى أن غير الذكر، وتقليد الهدي يقام مقام الذكر، فكذا غير العربية يقام مقام العربية بخلاف الصلاة؟ وإذا أتى ينوي الإحرام، ولم تحضره نية في حج أو عمرة مضى في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت، فإذا طاف بالبيت شوطاً واحداً كان إحرامه إحرام عمرة؛ لأن طواف العمرة ركن، وطواف التحية في الحج ليس بركن، ولا معارضة بين الركن وغير الركن.
ومن كان عليه حجة الإسلام، فأحرم بحجة لا ينويها فريضة ولا تطوعاً، فهي عن حجة الإسلام استحساناً، وهو المراد من النسيء المذكور في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ (التوبة: ٣٧) .
ثم إذا صار محرماً يتقي ما نهى الله عنه من الرفث والفسوق والجدال في قوله: ﴿فلا رفث ولا فسوق لا جدال في الحج﴾ (البقرة: ١٩٧) واختلفوا في تفسير الرفث المذكور ههنا، بعضهم قالوا: إنه الجماع، وبعضهم قالوا: الكلام الفاحش، وهو الذي فيه الكلام عن الجماع. غير أن ابن عباس ﵄ كان يقول: «الكلام الفاحش رفث بحضرة النساء» (من عيتهن للصلاة، لتكبير التشريق، فقلنا: الأفضل أن يلبي بعد صلاته؛ لأن التلبية ذكر فيسن له أوقاتها وما أتى بها إلا في مصلاه وأخذ بالرواية ابن عباس ذلك قوم آخرون، فظنوا (١٦٩أ١) أنه أول تلبيته فتتلوا، وأيم الله وظنوا أنه أول تلبيته فيقبلوها، ثم أتى حين علا البيداء، فسمع ذلك القوم في دبر صلاته، فسمع قوم من أصحابه فيقبلوا، وكان القوم الله عليهم وأخذه، فقال لبى رسول الله ﵇ اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله ﵇ ورسول البيداء) ، قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس كيف لبى «حين استوت به راحلته» وعن جابر «أنه لبى
стр. 927
حين علا» ، وروى ابن عباس أنه لبى بعدما صلى، وعن عمر ﵁، وروى ابن عباس، واختلفت الرواية في وقت التلبية من رسول الله ﷺ
والفسوق المعاصي وإنه منهي عنه في الإحرام وغيره إلا أن الحرمة في الإحرام أشد.
فأما الجدال فقد قيل: المراد منه المخاصمة مع رفيقه بسبب كأنه السفر وضيق الصدر، وقيل: المراد المجادلة مع المشركين في تحرمة العباد في التقديم والتأخير في أشهر الحج، وذلك لأن العرب في الجاهلية كانوا يحجون في ذي الحجة إذا فرغوا، وإذا لم يفرغوا أخّروه وحجوا عاماً في صفر وعاماً في شهر ربيع الأول، وهو المراد من النسيء المذكور في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ (التوبة: ٣٧) ، فلما حج رسول الله ﵇ في شهر ذي الحجة استقر الوقت وحرم المجادلة فيه، وههنا أشياء أخر يأتي بيانها في الفصل الذي يلي هذا الفصل.h
ويكثر من التلبية ما استطاع في أدبار الصلوات، وكلما لقي ركباً علا شرفاً أو هبط وادياً وبالأسحار وحين يستيقظ من منامه، ثم يتوجه نحو مكة.
وإذا ركب البعير يقول: باسم الله وبالله الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومنَّ علينا بمحمد ﵇، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
وإذا دخل الحرم يقول: اللهم هذا البيت بيتك والحرم حرمك والعبد عبدك، فوفقني لما تحب وترضى، وإذا وقع بصره على البيت يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام جئنا يا ربنا بالسلام اللهم زد بيتك تعظيماً وتشريفاً ومهابة، وزد من عظمه ممن حج واعتمر تعظيماً ومهابة، ويبدأ بالحجر الأسود، فيستلمه، والاستلام أن يضع كفيه على الحجر ويقبله، يفعل ذلك إن أمكنه من غير أن يؤذي أحداً، ويقول عند الاستلام: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اغفر لي ذنوبي، وطهر لي قلبي، واشرح لي صدري ويسر لي أمري، وعافني فيمن عافيته. وإن لم يقدر على الاستلام والتقبيل من غير إيذاء أحد لا يستلمه، ولا يقبله بل يستقبله، ويشير إليه بباطن كفه، ويكبر ويهلل، فيقول: الله أكبر الله أكبر اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنّتك وسنّة نبيك، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، آمنت بالله، وكفرت بالجبت والطاغوت.
وإن أمكنه الاستلام من غير إيذاء أحد، ولكن لم يمكنه التقبيل من غير ذلك لا يقبله، بل يستلمه، ويقبل يديه، ثم يأخذ من يمينه على باب الكعبة، ويطوف بالبيت سبعة
стр. 928
أشواط كل شوط من الحجر إلى الحجر، فهذا الطواف يسمى طواف التحية، وله أسامي أخرى يأتي بعدها إن شاء الله تعالى، ويرمل في هذا الطواف في الثلاث الأول ويمشي على هينته في الأربع.
وفسّر الرمل بأن يسرع في المشي ويتبختر كهيئة مشية المبارز يتبختر بين الصفين، ويكون الرمل من الحجر إلى الحجر، وكلما انتهى إلى الحجر الأسود استلمه، وينبغي أن يكون طوافه من وراء الحطيم؛ لأن الواجب هو الطواف حول البيت والحطيم من البيت وجعلت له بابين باباً شرقياً للبيت (والعنت القبعة بالباب الله عليه، وأوصلت الحطيم في وأظهرت قواعد الخليل صلوات ببناء الكعبة البيت، ولو لأحد ثان عمد قومك قد لهم وأخرجوه من وقال صلي؟ فإن الحطيم من البيت) ، إلا أن أخذ رسول الله ﵇ يدها وأدخلها الحطيم ركعتي إن فتح الله تعالى مكة على رسوله، فبعد الفتح بدليل ما روي عن عائشة ﵂ «نذرت أن تصلي في البيت» وإن زحمه الناس في الرمل قام جانباً، فإن وجد فرجة رمل.
ولم يذكر محمد ﵀ في «الأصل» استلام الركن اليماني في الطواف، وذكر الكرخي في «مختصره» ، ويستلم الركن اليماني.
وذكر هشام في «نوادره» عن محمد: أن الركن اليماني في الاستلام والتقبيل كالحجر الأسود، وعن أبي حنيفة ﵀ في «المجرد» أن استلامه حسن وتركه لا يضره، ثم إن محمداً ﵀ ذكر في «الأصل» أنه يفتح الطواف من غيره وباباً غربياً هل يجزئه؟
وقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يجزئه، وهكذا ذكر في «الرقيات» والمذكور في «الرقيات» : لو افتتح الطواف من الركن اليماني، وختم به لا يجوز، وعامة المشايخ على أنه يجوز؛ لأن المأمور به هو الطواف بالبيت، وقد طاف بالبيت ذكر في بعض المواضع أن الطائف يقول في طوافه: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذل، وموقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
في «المنتقى» روى الفهر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي للرجل أن يقرأ في طوافه، ولا بأس بذكر الله تعالى،
فإذا فرغ من الطواف أتى مقام إبراهيم، ويصلي ركعتين، وإن لم يقدر على الصلاة
стр. 929
في المقام بسبب الزحمة يصلي حيث تيسر له عليه من المسجد، وهاتان ركعتان واجبتان عندنا قال ﵇: «ويصلي الطائف كل أسبوع ركعتين» ويقرأ في الركعة الأولى ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الركعة الثانية ﴿قل هو اأحد﴾ تبركاً بفعل رسول الله فإذا فرغ من الصلاة يدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يقول: اللهم وفقني لما تحب وترضى، وجنبني ما تسخط وتكره وثبتني على ملة حبيبك وخليلك ﵉، ثم يعود إلى الحجر بعد ركعتي الطواف.
أما كل طواف ليس بعده سعي، فلا عود (١٦٩ب١) فيه إلى استلام الحجر، ويدعو تحت الميزاب: اللهم أظلني تحت ظلك يوم لا ظل إلا ظلك لا إله غيرك يا أرحم الراحمين، ثم يخرج إلى الصفا من أي باب شاء، ويصعده ويستقبل البيت، ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي ﵇، ويكبر ويهلل، ويدعو الله لخاصته ويلبي.
وقد روى جابر أن النبي ﵇ لما صعد الصفا استقبل البيت، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ، ثم ينزل من الصفا ويتوجه نحو المروة ويقول: اللهم استعملني لسنّة نبيك وتوفني على ملة رسولك، وأعذني من معضلات الفتن برحمتك يا أرحم الراحمين، ويمشي على هينته حتى يصل إلى بطن الوادي، فإذا وصل إليه سعى بين الميلين الأخضرين، ويقول في سعيه: «رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم اهدني للتي هي أقوم، فإنك تعلم وأنا لا أعلم» ، فإذا جاوز بطن الوادي يمشي على هينته حتى يأتي المروة ويصعدها، ويستقبل البيت ويقول مثل ما قال على الصفا، ثم ينزل من المروة، ويتوجه إلى الصفا.
يطوف هكذا بينهما سبعة أشواط يسعى بين الميلين الأخضرين كل شوط، اتفق على هذا رواة نسك رسول الله، وإن لم يقف على الصفا والمروة يجزئه سعيه رواه عيسى بن أبان عن محمد.
وعنه أيضاً: لو ابتدأ السعي من الصفا، وسعى حتى إذا بقي بينه وبين المروة مقدار ثلاثة رجع إلى الصفا حتى سعى هكذا بين الصفا والمروة سبع مرات، ثم رجع إلى أهله لم يكن عليه دم، قال: لأنه طاف الأكثر، وعليه صدقة يتصدقها، والسعي بين الصفا والمروة عندنا واجب وليس بركن، حتى لو ترك يقوم الدم مقامه، ويتحلل عن جهة النساء بدونه لحديث جابر «أن النبي ﵇ طاف بينهما سبعة أشواط، بدأ بالصفا، وختم بالمروة» أي بدأ بالشوط الأول بالصفا وختم بالمروة الشوط السابع بالمروة؛ لأنه ذكر
стр. 930
بداية واحدة وختماً واحداً لجميع السبعة، ولم يقل: بدأ بالصفا وختم بالمروة في كل مرة، وإنما يستقيم ذكر بداية واحدة، وختم واحد لجميع السبعة إذا اعتبرنا بالذهاب من الصفا إلى المروة شوطاً، والرجوع من المروة إلى الصفا شوطاً.
ثم لا خلاف بين أصحابنا أن الذهاب من الصفا إلى المروة شوط محسوب من أشواط السبعة، أما الرجوع من المروة إلى الصفا هل هو شوط؟ لم يذكر محمد هذا الفصل في «الكتاب» نصاً، ولكن أشار إلى أنه شوط آخر.
وقال الطحاوي: لا يعتبر الرجوع من المروة إلى الصفا شوطاً آخر، والصحيح ما أشار إليه في «الكتاب» ، ثم إذا فرغ من ذلك يقيم بمكة حراماً حتى يجيء يوم التروية يطوف بالبيت كلما بدا له، ويصلي لكل أسبوع ركعتين، ولكن لا يسعى عقيب سائر الأطواف في هذه المدة، ثم إذا جاء يوم التروية خرج من مكة بعدما طلعت الشمس.
روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: إذا صلى الصلاة بمنى غدا إلى عرفة، ونزل به في أي موضع شاء، إلا أنه لا ينزل على الطريق كيلا يضر بالمارة، وينتظر زوال الشمس، فإذا زالت الشمس يصعد الإمام المنبر، ويجلس ويؤذن، ويخطب الإمام خطبتين بينهما جلسة خفيفة، فإذا فرغ من الخطبة يقيم المؤذن، ويصلي الإمام بالناس الظهر ركعتين إن كان مسافراً، ثم يقوم المؤذن، ويقيم ثانياً، ويصلي الإمام بهم العصر في وقت الظهر من غير أن يشتغل بالنافلة بين الصلاتين يعني غير سنّة الظهر، وإنما قدمنا الخطبة على الصلاة ههنا؛ لأن المقصود من الخطبة ههنا تعليم الناس المناسك.
ومن جملة المناسك الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وإذا اشتغل بالنافلة بين الصلاتين يعيد الأذان للعصر، إلا رواية شاذة عن محمد.
وإن لم يدرك الجمع مع الإمام الأكبر، فأراد أن يصلي وحده في رحله أو بجماعة بدون الإمام الأكبر صلى كل صلاة في وقتها عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: كما فعل مع الإمام الأكبر، فالحاصل أن عند أبي حنيفة شَرْط جواز الجمع بين صلاة الظهر والعصر في وقت الظهر يوم عرفة إحرام الحج، والإمام الأكبر، وعندها إحرام الحج لا غير.
وههنا فصل لا بد من معرفته أن إمام مكة إمام الحاج في صلاة الظهر والعصر، فإن كان مقيماً يصلي بهم صلاة المقيمين، ويصلي العصر في وقت الظهر، والإمام عند أبي حنيفة ﵀ شرط جواز الجمع، أما القصر ليس بشرط جواز الجمع، وإن كان مسافراً يصلي صلاة المسافرين، ويقول لأهل مكة: أتموا صلاتكم يا أهل مكة، ولا يجوز للإمام بمكة أن يقصر الصلاة؛ إذا لم يكن مسافراً، ولا للحجاج أن يقتدوا به إذا كان يقصر الصلاة لأنه إذا لم يكن مسافراً كانت صلاته أربعاً، والمسافر إذا اقتدى بالمقيم يصير فرضه أربعاً، فإذا قصروا لا تجوز صلاتهم.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: كان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ يقول: العجب من أهل الموقف أنهم يتابعون إمام مكة في قصر
стр. 931
الظهر والعصر بعرفات، وبينهم وبين مكة فرسخات، ثم يقفون للدعاء فأنى يستجاب لهم، وأنى يرجى لهم الخير وصلاتهم غير جائزة، قال شمس الأئمة هذا: كنت مع أهل الموقف، فاعتزلت وصليت كل صلاة في وقتها كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀، وأوصيت بذلك أصحابي وإخواني والجهال كانوا يقصرون معه، وقد سمعت أن إمام مكة يتكلف كذلك، ويخرج مسيرة السفر، ثم يأتي عرفات ويقصر بهم، لو كان هكذا كان القصر جائزاً، ولو كان بخلافه لا يجوز، فيجب الاحتياط فيه.
ثم إذا فرغ من العصر راح إلى موقف، ويقف في أي مكان شاء إلا بطن عرنة لقوله ﵇ «عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة» (١٧٠أ١) . والأفضل أن يقف الإمام، ويقف بأي صفة شاء، والأفضل أن يقف راكباً، ويقف بمستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى، ويهلل ويصلي على النبي ﵇، ويدعو الله لحاجته رافعاً يديه نحو السماء، فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «قال رسول الله ﵇ واقفاً بعرفات يدعو رافعاً يديه» الحديث، كالمستطعم المسكين، وليكن عامة دعائه بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيءٍ قدير، لا نعبد إلا إياه، ولا نعرف ما سواه، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم هذا مقام المستجير العائذ من النار أجرني من النار بعفوك، وأدخلني الجنة برحمتك، اللهم إذا هديتني للإسلام، فلا تنزعه عني حتى تقبضني وأنا عليه.
ويلبي في هذا الموقف عندنا، فقد صح عن ابن مسعود ﵁ «أنه لبى في هذا الموقف، فقيل له: ليس هذا موضع التلبية، فقال: أجهل الناس أم طال بهم العهد لبيك عدد التراب لبيك، حججت مع رسول الله ﵇، فما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة» والأفضل أن يقف بقرب الإمام، ويقف بأيّ صفةٍ شاء، والأفضل أن يقف راكباً، ويقف مستقبل القبلة ويحمد اللَّه تعالى، ويهلل ويصلي على النبي ﵇، ويدعو الله لحاجته رافعاً يديه نحو السماء، ويكون الوقوف إلى غروب الشمس، ولم يرد به بيان امتداد وقت الوقوف يمد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، حتى إن من لم يقف عرفة، ووقف ليلة النحر، فقد تم حجه، وإنما أراد به بيان امتداد نفس الوقوف، يعني: إذا وقف بعد الزوال ينبغي أن يقف إلى وقت غروب الشمس، فإذا غربت الشمس مشى على هينته حتى يأتي المزدلفة، فإن خاف الزحام، فتعجل في الذهاب قبل غروب الشمس، فلا بأس به إذا لم يخرج من حدود عرفات قبل غروب الشمس، فإذا خرج من حد عرفة قبل غروب الشمس، فعليه عندنا دم.
стр. 932
فإن عاد إلى عرفة قبل أن يرفع الإمام سقط عنه الدم، وإن عاد بعدما رفع الإمام لا يسقط عنه الدم في رواية «الأصل» ، وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه يسقط.
ولا يصلي المغرب في طريق المزدلفة قال ﵇ «مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر» ، ثم إذا أتى المزدلفة ينزل حيث شاء مع القوم إلا في وادي محسر، ولا ينزل على الطريق أيضاً كيلا يضر بالمارة، ثم يؤذن المؤذن، ويقيم، ويصلي الإمام المغرب بالناس، ثم يتبعها العشاء ولا يعيد الأذان والإقامة للعشاء، بخلاف القصر بعرفات، والفرق أن العصر بعرفات مقدمة على وقتها، فلا بد من تجديد الإقامة لها إعلاماً للناس، أما العشاء ههنا مؤداة في وقتها، فلا يحتاج إلى تجديد الإقامة لها، ولا يتطوع بين المغرب والعشاء، فإن تطوع بينهما أعاد الإقامة للعشاء، وإن صلى المغرب والعشاء وحده جاز بلا خلاف. فرق أبو حنيفة ﵀ بين هذا وبين الجمع بعرفات،
الفرق أن أداء المغرب ههنا يقع بعد وقته، وهذا غير مقيد بشيء، وهناك أداء العصر يقع قبل وقته، وإنه تقيد بالجماعة مع الإمام الأكبر.
وإذا فرغ من العشاء يبيت ثمة، فإذا انشق الفجر من الغد صلى الفجر بغلس لحديث ابن مسعود، ويقف حيث شاء من المزدلفة يحمد الله تعالى في وقوفه ويهلل، ويصلي على النبي ﵇ يدعو الله تعالى لحاجته رافعاً يديه إلى السماء، وليكن عامة دعائه بالمزدلفة مثل دعائه بعرفات، ويقول: اللهم حرّم شعري ولحمي ودمي وعظمي، وجوارحي على النار يا أرحم الراحمين، وهذا الوقوف من الواجبات عندنا، وليس بركن حتى لو تركها أصلاً يلزمه الدم، ولكن يجزئه الحج بخلاف الوقوف بعرفة، فإذا أسفر جداً ذهب قبل أن تطلع الشمس حتى نزل منى، وروي عن محمد ﵀ أنه حد الإسفار فقال: إذا أسفر النهار بحيث لم يبق إلى طلوع الشمس إلا مقدار ما يصلي ركعتين يذهب.
ثم إذا أتى منى يرمي الجمرة بسبع حصيات مثل حصى الخذف.
والكلام في الرمي في مواضع:
أحدها: في وقته، فنقول: اتفق العلماء على أن وقت الرمي يوم النحر وثلاثة أيام بعدها غير أن عند علمائنا ﵏ أول وقته من حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر،
وعند سفيان الثوري أول وقته من حين تطلع الشمس من يوم النحر، وبكل ذلك ورد الأثر، فأصحابنا عملوا بالآثار كلها، وقالوا: يجوز الرمي بعد طلوع الفجر، والأولى تأخيره إلى وقت طلوع الشمس، قال الحسن في «مناسكه» من حين تطلع الشمس من يوم النحر هو الوقت المستحب للرمي، ومن حين زالت الشمس إلى ما قبل طلوع الفجر الثاني من غده هو وقت جمار الرمي مع الكراهة والإساءة، هذا هو الكلام في اليوم الثاني والثالث، فوقت الرمي ما بعد الزوال ولو رمى قبل الزوال لا يجزئه هكذا ذكر في «الأصل» و «المجرد» ، وذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى» قال محمد ﵀: كان أبو
стр. 933
حنيفة يقول: أحب إليّ أن لا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس، وإن رمى قبل ذلك أجزأه، فصار في اليوم الثاني والثالث روايتان.
وذكر في «المجرد» عن أبي حنيفة لو أراد أن ينفر في اليوم الثالث، فله أن يرمي قبل الزوال، وإنما لا يجوز الرمي قبل الزوال لمن لا يريد النفر فيه، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف أنه لا يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال، وإن أراد أن ينفر فيه، وأما في اليوم الرابع فلا رمي فيه إلا بعد الزوال، ولو رمى قبل الزوال أجزأه في قول أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز إلا بعد الزوال.
الثاني: فيما يرمي به، فنقول: يرمي بكل ما كان من جنس الأرض (١٧٠ب١) كالحديد والعنبر، وما أشبهه.
والثالث: في مقدار ما يرمي، فنقول: يرمي بالصغار مثل حصى الخذف، قال ﵇ «عليكم بحصى الخذف لا يؤذي بعضكم بعضاً» ، قال الحسن في «مناسكه» : حصى الخذف تكون مثل النواة وأقصر، ولو رمى بحصاً أكبر من حصى الخذف يجزئه، ولكن لا يستحب ذلك.
والرابع: في بيان صفة الرمي، فنقول: ينبغي أن تكون الحصاة مغسولة، وينبغي أن تكون مأخوذة من قوارع الطريق لا من موضع الرمي، فقد جاء في الأثر «أن ما بقي من الحصى في موضع الرمي حصى من لم يقبل حجه» ، فلا يأخذ من موضع الرمي تعافياً.
والخامس: في كيفية الرمي، وقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يأخذ الحصى على إبهامه، ويضع إبهامه على طرف سبابته كأنه عاقد، ويرميها، وقال بعضهم: يرمي رمية الخلف المعروفة، واختار مشايخ بخارى أنه كيفما رمى فهو جائز؛ لأن المنصوص عليه في الأحاديث الرمي، فبأي طريق أتى بالرمي، فقد أتى بالمنصوص، فيجوز.
قالوا: وينبغي أن يكون بينه وبين وقوع الحصى خمسة أذرع فصاعداً؛ لأن ما يكون دونه يكون وضعاً أو طرحاً، والسنة جاءت بالرمي، وذكر في «الأصل» : لو قام عند الجمرة ووضع الحصى عندها وضعاً لا يجزئه، ولو طرحها طرحاً أجزأه؛ لأن الطرح رمي لكنه مسيء لمخالفة فعل رسول الله.
والسادس: في صفة الرامي راكباً وماشياً، وله أن يختار أيهما شاء عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: كل رمي بعده وقوف، فالرمي ماشياً أفضل، وكل رمي لا وقوف بعده، فالرامي راكباً أفضل؛ وهذا لأن كل رمي لا وقوف بعده، والمستحق على الرامي الوقوف بعد الرمي، والماشي أمكن للوقوف من الراكب فمكان الرمي ماشياً أفضل. وفي «مناسك الحسن» : ويستحب له أن يمشي إلى الجمار إذا أراد أن يرميها، وإن ركب فلا بأس، والمشي أفضل.
стр. 934
والسابع: في محل الرمي فنقول: محل الرمي الجمار الثلاث أولها التي تلي مسجد الخيف والوسطى والأخيرة، وهي جمرة العقبة.
والثامن: أنه في أي موضع يرمي فنقول: الرمي من بطن الوادي يعني من أسفله إلى أعلاه به ورد الأثر، وإذا وقف للرمي جعل منى عن يمينه والكعبة على يساره ويرمي حيث يرى موضع الحصى.
والتاسع: في موضع وقوع الحصاة فنقول: ينبغي أن تقع الحصاة عند الجمرة أو قريباً منها حتى لو وقعت بعيداً منها لم يجزه؛ لأنا إنما عرفنا الرمي قربة بالشرع بخلاف القياس في مكان مخصوص إلا أن قريب الشيء حكمه حكم ذلك الشيء، فيعمل بالبعيد عن الجمرة بقضية القياس.
في «المنتقى» عن أبي يوسف: إذ رمى الجمرة، فوقعت الحصاة على ظهر رجل، أو على محمل وثبتت عليه كان عليه أن يعيدها، وإذا سقط عن المحمل أو عن ظهر الرجل في المرمى ذلك أجزأه، وهكذا روى إبراهيم بن رستم عن محمد.
والعاشر: في عدد الحصاة فنقول: يرمي كل جمرة بسبع حصيات، ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات جملة لا يجزئه؛ لأن المنصوص عليه تفريق الأفعال.
والحادي عشر: أن يكبر عند كل حصاة فيقول: بسم الله والله أكبر رغماً للشيطان وحزبه اللهم اجعل حجي مبروراً وسعي مشكوراً وذنبي مغفوراً.
والثاني عشر: أنه في اليوم الأول يرمي جمرة العقبة لا غير، وفي بقية الأيام يرمي الجمار كلها يبدأ بالأولى، ثم بالوسطى، ثم بجمرة العقبة، وإذا رمى جمرة العقبة في اليوم الأول يقطع التلبية عند أول حصاة يرميها، هكذا روي عن رسول الله، وإذا لم يرم حتى حلق، فقد انقطعت التلبية، وهذا بلا خلاف؛ لأن التلبية إنما شرعت في الإحرام، وبالحلق حصل التحلل، فيقطع التلبية ضرورة، وكذلك إذا لم يحلق حتى زالت الشمس، فقد انقطعت التلبية أيضاً عند أبي يوسف.
وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة إلى أن تغيب الشمس، فحينئذٍ (يقطع) التلبية، وهو رواية عن محمد، وهذا بناءً على أن عند أبي حنيفة جمرة العقبة لا يفوت وقتها إلا بغروب الشمس، فإذا غربت الشمس وفات وقتها وكأنها سقطت بالفعل، وعند أبي يوسف جمرة العقبة يفوت وقتها بزوال الشمس.
وإن طاف قبل الرمي والذبح والحلق قطع التلبية في قول أبي حنيفة، روي عن أبي يوسف أنه يلبي ما لم يحلق أو تزول (١٧١أ١) الشمس يوم النحر، ثم إذا رمى جمرة العقبة في اليوم الأول لا يقف عندها، يعني لا يقف للدعاء عند جمرة العقبة التي رماها في اليوم الأول، بل يأتي منزله، فبعد ذلك ينظر إن كان مفرداً بالحج يحلق أو يقصر؛ لأنه جاء أوان التحلل، والتحلل بالحلق والتقصير، وإن كان قارناً أو متمتعاً يذبح، ثم يحلق أو يقصر، لما روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: «إن أول نسكنا بمنى أن نرمي،
стр. 935
ثم نذبح، ثم نحلق» ورسول الله ﵇ كان قارناً، والحلق أفضل، وإذا حلق أو قصر حل كل شيء له إلا النساء.h
ثم يدخل مكة من يومه ذلك إن استطاع، ويطوف طواف الزيارة، أو من الغد أو بعد الغد، ولا يؤخر إلى ما بعد الغد، فيطوف بالبيت أسبوعاً ويصلي ركعتين، وهذا الطواف هو الحج الأكبر المذكور في قوله تعالى: ﴿وأذان من اورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (التوبة: ٣) ووقته أيام النحر أفضلها أولها، ولا سعي بعد هذا الطواف إن كان قد سعى بعد طواف التحية إذ ليس على الحاج إلا سعي واحد، وإن لم يكن سعى بعد طواف التحية يسعى بعد هذا الطواف، وكذلك لا رمل في هذا الطواف إن كان قد سعى بعد طواف التحية، وكل طواف ليس بعده سعي، فلا رمل فيه.
وإذا طاف بالبيت على نحو ما بينا حل له النساء أيضاً، ثم لا يبيت بمكة، بل يعود إلى منى ويبيت ثمة، فإذا كان من الغد، وهو اليوم الثاني من أيام النحر يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات على نحو ما بيّنا، ثم يأتي المقام الذي يقوم فيه الناس، فيقوم يحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويصلي على النبي ﵇، ويدعو الله بحاجته، يريد بقوله: يأتي المقام الذي يقوم فيه الناس أعلى الوادي؛ لأن الرمي كان من بطن الوادي، فيعود إلى أعلاه، ويقف للدعاء، ثم يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات على نحو ما بينا، ثم يقوم حيث يقوم فيه الناس، فيصنع في قيامه مثل ما صنع عند الأولى، ويرفع يديه بالدعاء في قيامه، ثم يرمي جمرة العقبة، ويرميها بسبع حصيات، ولا يقف عندها للدعاء أي الجمرة، وعن أبي يوسف: في الرجل يرمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني، فيأتيهن غداً جاز ولا يعيد شيئاً، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يرمي التي عند المسجد، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، فإذا كان من الغد وهو اليوم الثالث من أيام النحر يرمي الجمار الثلاث أيضاً على نحو ما بينا، ثم يرجع في يومه إن أحب، وإن أقام من الغد، وهو اليوم الرابع رمى الجمار الثلاث أيضاً بعد زوال الشمس على نحو ما بينا.
قال في «الجامع الصغير» : ولو رمى الجمرة الوسطى والأخيرة في اليوم الثاني، ولم يرم الجمرة الأولى، واستغنى في يومه ذلك، فإن رمى الأولى، ثم أعاد على الوسطى، ثم على الأخيرة، فحسن ليصير آتياً بالترتيب المسنون، وإن رمى الأولى فحسب أجزأه؛ لأنه هو المتروك.
وفي «الأصل» : إذا بدأ في اليوم الأول بجمرة العقبة ثم بالوسطى، ثم بالأولى وقد ذكر ذلك في يومه يؤمر بأن يعيد على الوسطى، ثم على جمرة العقبة ليأتي بها اليوم الثاني مسنوناً مرتباً، ولا يعيد على الأولى؛ لأنه قد رماها لكن لا مرتباً وبالإعادة على الأولى والوسطى يحصل الترتيب، فلا حاجة إلى الإعادة على الأولى.
وفي «الأصل» أيضاً: إذا رمى من كل جمرة ثلاث حصيات، ثم ذكره بعد ذلك،
стр. 936
فإنه يبدأ من الأولى بأربع حصيات، فيتمها، ثم يعيد على الوسطى سبع حصيات وكذلك على جمرة العقبة، ولا يعيد جماراً في الوسطى وجمرة العقبة؛ لأنه أتى بهما قبل ما يأتي بأكثر رمي عند الجمرة الأولى، فكأنه لم يرم من الأولى شيئاً، حتى لو رمى من كل جمرة أربع حصيات، فإنه يرمي لكل واحدة بثلاث حصيات؛ لأنه أتى بأكثر الرمي عند كل جمرة بثلاث، وإن استقبل رميها، فهو أفضل.
وفي «مناسك الحسن» : إذا رمى الجمرة الأولى بحصاة، ثم رمى الجمرة الوسطى بحصاة، ثم رمى الجمرة الأخيرة بحصاة، ثم رجع فرماهن بحصاة حصاة حتى رمى كل واحدة منهن على ما وصفت لك، فقد تم رميه على الجمرة الأولى، ورمى أربع حصيات على الجمرة الوسطى فعليه أن يتمها برمي ثلاث حصيات، ورمى جمرة العقبة بحصاة فيها، فرمى ست حصيات.
وإن نقص حصاة لا يدري من أيتهن نقصها أعاد على كل واحدة منهن حصاة أخذاً بالاحتياط، وإن لم يرم يوم النحر جمرة العقبة حتى جاء الليل رماها ولا شيء عليه، وإن لم يرمها حتى أصبح من الغد رماها، وعليه للتأخير دم عند أبي حنيفة خلافاً لهما، وإن ترك منها حصاة أو حصاتين إلى الغد يرمي ما تركه ويتصدق لكل حصاة بنصف صاع إلا أن يبلغ دماً، فيتصدق بما شاء.
وفي «المجرد» قال أبو حنيفة ﵀: لو ترك رمي جمرة الوسطى والأولى فعليه دم، ولو ترك رمي جمرة العقبة أطعم لكل حصاة نصف صاع حنطة.
وفي «الأصل» : لو ترك رمي الجمار كلها في سائر الأيام إلى اليوم الرابع قضاها على التأليف في اليوم الرابع؛ لأن وقت الرمي والحبس واحد، وإن لم يرم حتى غابت الشمس من اليوم الرابع سقط عنه الرمي لفوات الوقت وعليه دم واحد بالإجماع؛ لأن الرمي كله نسك واحد، ثم إذا فرغ من الرمي أتى الأبطح، وينزل به ساعة، والأبطح اسم موضع نزل به رسول الله ﵇ حين انصرف من منى إلى مكة ويطوف طواف الصدر إن أراد الرجوع، ويسمى هذا طواف واجب عندنا، حتى لو تركه يلزمه الدم.
قال مشايخنا: يستحب للحاج إذا أراد الرجوع أن يأتي باب الكعبة، فيقبل العتبة، ويأتي الملتزم، فيلزمه ساعة ويبكي، ويتشبث بأستار الكعبة، ويلصق خده بالجدار إن تمكن، ثم يأتي زمزم (١٧١ب١) ويشرب من مائه، ويصب على جسده، ويقول: اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً وعلماً نافعاً وشفاءً من كل داء يا أرحم الراحمين، ثم ينصرف ويمشي وراءه، ووجهه إلى البيت متبكياً متحسراً على فراق البيت، ويقول عند رجوعه: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم فكما هديتنا لذلك فتقبله منا، ولا تجعله آخر العهد منا، وارزقنا العود إليه حتى ترضى برحمتك يا أرحم الراحمين.
فهذا هو بيان عام للحج الذي أراده رسول الله ﵇ في قوله «من حج هذا
стр. 937
البيت فلم يرفث فيه ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ثم يأتي المدينة، ويقوم قريباً من قبر النبي ﵇، ويقول: اللهم رب البلد الحرام والركن والمقام ورب المشعر الحرام بلغ روح محمد منا في هذا اليوم التحية والسلام، اللهم أعط محمد الدرجة والوسيلة والرفيعة والفضيلة، اللهم أوردنا حوضه واسقنا بكأسه، واجعلنا من رفقائه، ثم يدعوا بما أحب، والله الموفق.
الفصل الرابع: في بيان مواقيت الإحرام وما يلزم بمجاوزتها من غير إحرام
إنّ رسول الله ﵇ جعل للحج والعمرة مواقيت منها يحرم العبد، وهي خمسة في حديث عائشة ﵂: ذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام، وقرن لأهل نجد، ويلملم لأهل اليمن، وذات عرق لأهل العراق. وقال: «هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة» وهذا الحديث ورد في حق أهل الآفاق.
والناس أصناف ثلاثة: أهل الآفاق، ومن كان أهله في الآفاق، ومن كان أهله في الميقات أو دخل الميقات إلا أنه في الحل دون الحرم. وأهل الحرم وهم أهل مكة.
وأما أهل الآفاق، فالأفضل لهم الإحرام من دويرة أهلهم جاء في التفسير قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ (البقرة: ١٩٦) إتمامها أن يحرم بها الرجل من دويرة أهله، وذكر هشام عن محمد إذا كان الرجل أول ما يحج، فالأفضل أن يحرم من أهله، وإن أخّر حتى أحرم من ميقات مصره، فهو حسن، وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ إن أحرم الرجل من مصره، فهو أفضل بعد أن يملك نفسه في الإحرام أن لا يقع في المحظورات.
وإذا لم يحرم الآفاقي من دويرة أهله حتى بلغ الميقات، فعليه أن يحرم من الميقات.
وأما من كان أهله في الميقات، أو داخل الميقات إلى الحرم، فميقاتهم للحج والعمرة الحل الذي بين المواقيت والحرم حتى لو أخّر الإحرام إلى الحرم جاز؛ لأنه جاز لهم الإحرام من دويرة أهلهم وميقاتهم للعمرة الحل فيخرج الذي يريد العمرة إلى الحل من أي جانب شاء، وأقرب الجوانب التنعيم وعنده مسجد عائشة ﵂.
стр. 938
قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا أراد الآفاقي دخول مكة ينبغي له أن يحرم من الميقات بحجة أو عمرة سواء دخل مكة مريداً النسك، أو دخلها لحاجة من الحوائج، ومن كان أهله في الميقات، أو داخل الميقات جاز له دخول مكة بغير إحرام لحاجة من الحوائج، وكذا من كان من أهل مكة وخرج منها لحاجة من الحوائج، وكذا من دخل مكة منها لحاجة له إلى ذلك نحو الاحتطاب، وما أشبهه جاز له أن يدخلها بغير الإحرام.
والأصل فيه ما روي أن رسول الله ﵇ قال في خطبته عام فتح مكة: «ألا إن مكة حرام حرّمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة» ، وأراد بقوله: «لا تحل لأحد من بعدي» حلّ الدخول بغير إحرام، لأن قوله: «لا تحل لأحد بعدي» الصرف إلى ما انصرف إليه المراد من قوله: «أحلت لي ساعة من نهار» حلّ الدخول بغير إحرام، فإنه دخلها بغير إحرام؛ لأجل القتال في الحرم؛ لأن القتال مع أهل الحرب في الحرم حلال على كل حال، فهذا الحديث لا يوجب الفصل بين الآفاقي، وبين أهل مكة، ومن كان أهله داخل الميقات لكن دخل عنه أهل الميقات وأهله بمكة لمكان الحرج، فإنه يتكرر دخول أهل الميقات، ومن كان داخل الميقات بمكة لإقامة الحرج بمكة، وكذا يتكرر دخولهم؛ لأنه مكرر خروجهم لإقامة المصالح خارج مكة، فلو أوجبت الإحرام عند كل دخول لوقعوا في الحرج، فأما أهل الآفاق فلا يتكرر دخولهم مكة، فإيجاب الإحرام عليهم عند الدخول لا يوقعهم في الحرج، ويبقى أهل الآفاق داخلين تحت الحديث.
ثم إذا دخل الآفاقي مكة بإحرام، وهو لا يريد الحج ولا العمرة، فعليه الدخول مكة إما حجة أو عمرة لزمه الإحرام إذا بلغ الميقات على قصد دخول مكة، والإحرام إنما يكون بحجة أو عمرة، فلزمه الإحرام بأحدهما، وما وجب على الإنسان لا يسقط إلا بأدائه، فإن أحرم بالحج أو العمرة من غير أن يرجع إلى الميقات، فعليه دم لترك حق الميقات، وإن عاد إلى الميقات، وأحرم فهذا على وجهين:
إن أحرم بحجة أو عمرة عما لزمه خرج عن العهدة، وإن أحرم بحجة الإسلام، أو عمن كاتب عليه إن كان ذلك في عامه أجزأه عما لزمه لدخول مكة بغير إحرام استحساناً، وإن تحولت السنة وباقي المسألة بحالها لم يجزئه عما لزمه لدخول مكة بغير إحرام، وهذا لأن حق الوقت ينادي بإحرام حجة الإسلام جاز فيما بقي وقت لإحرام حجة الإسلام، فوقت ما يجب بسبب الوقت باقي فلا يصير ديناً في ذمته، فإن عاد إلى الميقات، وأحرم بحجة الإسلام فقد أدى حق الوقت، فأما إذا تحولت السنة، فقد فات وقت الإحرام بحجة الإسلام، وفات (١٧٢أ١) وقت ما يجب بسبب الوقت، فيصير ذلك ديناً عليه مقصوداً،
стр. 939
فلزمه الأداء بإحرام آخر له مقصوداً، وإن جاوز الآفاقي الميقات بغير إحرام، وهو يريد الحج والعمرة، فإن عاد إلى الميقات وأحرم سقط عنه الدم، وإن أحرم من مكانه ذلك، وعاد إلى الميقات محرماً، فإن لبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب وجاوز الميقات، واشتغل بأعمال ما عقد الإحرام له لا يسقط عنه الدم.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا عاد إلى الميقات سقط عنه الدم لبى أو لم يلب، فوجه قولهما: أن حق الميقات في كونه محرماً فيه لا في أشياء الإحرام منه لا يرى أنه لو أحرم من دويرة أهله، وجاوز الميقات محرماً ولبى بالميقات أو لم يلب لا يلزمه شيء، فإذا عاد إلى الميقات محرماً، فقد يدرك حقه، وإن لم يلب فيه لا يلزمه شيء.
ولأبي حنيفة ﵀ إن ميقات الآفاقي بطريق العزيمة دويرة أهله حتى كان الإحرام من دويرة أهله أفضل، وله التأخير بطريق الترخيص إلى الميقات، فمن أحرم وراء الميقات فحق الميقات عليه المرور فيه محرماً، ومن أخر الإحرام إلى الميقات عليه إنشاء الإحرام فيه، والإنسان لا يكون (محرماً) إلا بالتلبية إلا أن نفس الإنشاء لا يعقل له زيادة حرية، فلا يستحق الميقات صفة الإنشاء، بل يستحق الإحرام، ووجود التلبية فيه لكون التلبية من شعائر الإحرام، فإذا عاد محرماً ملبياً، فقد قضى حقه المستحق، فصار متداركاً للفائت فيسقط، وأما إذا لم يلب فما قضى حقه المستحق، ولم يصر مدركاً للفائت، فلا يسقط عنه الدم، فلو أن هذا الرجل حين أحرم لم يعد إلى الميقات، واشتغل بأعمال ما عقد الإحرام له، ثم عاد إلى الميقات ولبى أو لم يلب يسقط عنه الدم؛ لأنه ما لبى به وقع مفيداً، فلا يصير متداركاً الفائت بالعود إلى الميقات.
قال في «الجامع الصغير» : مكي خرج من الحرم يريد الحج وأحرم ولم يعد إلى الحرم حتى وقف بعرفة، فعليه شاة وهذا لما ذكرنا أن ميقات المكي دويرة أهله، فإذا خرج من الحرم حلالاً، فقد جاوز الميقات بغير إحرام، فإذا اشتغل بأعمال الحج، فعليه الدم عاد إلى الحرم أو لم يعد، وإن لم يشتغل بأعمال الحج حتى عاد إلى الحرم إن عاد ملبياً سقط عنه الدم بلا خلاف،
وإن عاد غير ملبٍ لا يسقط عنه الدم عند أبي حنيفة خلافاً لهما، وصار الكلام فيه نظير الكلام في الآفاقي إذا جاوز الميقات بغير إحرام.
وفيه أيضاً: رجل دخل بستان بني عامر لحاجة له، فله أن يدخل مكة بغير إحرام، وهو وصاحب المنزل سواء، وبستان بني عامر موضع هو داخل الميقات إلا أنه خارج الحرم، ومعنى المسألة: الآفاقي إذا جاوز الميقات لا يريد دخول مكة، وإنما أراد موضعاً آخر وراء الميقات خارج الحرم نحو بستان بني عامر، وما أشبه ذلك، ثم بدا له أن يدخل مكة لحاجة، فله أن يدخلها بغير إحرام، وهذا هو الحيلة لمن أراد دخول مكة بغير إحرام أن لا يقصد دخول مكة، وإنما يقصد مكاناً آخر وراء الميقات خارج الحرم لحاجة له، ثم إذا وصل إلى ذلك المكان يدخل مكة بغير إحرام، وهذا لأن الذي لا يقصد دخول مكة، وإنما يقصد مكاناً آخر لا يلزمه الإحرام لا يلزمه لحق الميقات نفسه،
стр. 940
بل تعظيماً للبيت، حتى لا يكون القدوم عليه لقصد الزيارة وكأنه تمام التعظيم بالقصد للزيارة مر في البيت وحريمه وهو المواقيت، فإذا لم يرد دخول مكة لو لزمه الإحرام لزمه لحق المواقيت نفسه، وهو لا يلزم لحق المواقيت نفسه، وبعدما وصل إلى ذلك المكان التحق بأهل ذلك المكان، ولأهل ذلك المكان دخول مكة بغير إحرام، فكذلك لهذا الرجل الذي التحق بهم.
وعن أبي يوسف أنه شرط نية الإقامة بذلك المكان خمسة عشر يوماً؛ لأن نية الإقامة خمسة عشر يوماً يصير متوطناً به، فيلتحق بأهله، فأما إذا نوى الإقامة أقل من خمسة عشر يوماً فهو ماض على سفره، فلا يلتحق بأهل ذلك المكان؛ فلا يدخل مكة بغير إحرام.
وفيه أيضاً: إذا جاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم بعمرة وأفسدها قضى فيها؛ لأن الإحرام عقد لازم لا يخرج المرء عنه إلا بأداء الأفعال، وقضائها بعد ذلك؛ لأنه التزمها بوصف الصحة، ولم يؤدها ولا دم عليه لترك الوقت إذا نقضها من الوقت كله، والقضاء يقوم مقام الأداء، فكأنه لم يفسد العمرة.
الفصل الخامس: فيما يحرم على المحرم بسبب إحرامه وما لا يحرم
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في الصيود. قال الكرخي في كتابه في بيان حد الصيد: أن الصيد هو الحيوان المتوحش بأصل الخلقة، وهو المذكور في كتاب اللغة، قال محمد ﵀: صيد البحر حلال للمحرم قال الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ (المائدة: ٩٦) وأما صيد البر، فجنسه حرام على المحرم إلا ما استثناه رسول الله ﵇، قال الكرخي في «كتابه» : صيد البرّ ما يكون مثواه وتوالده في البرّ، وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في البحر، والمعتبر هو التوالد دون الكينونة؛ لأن الأصل هو التوالد، والكينونة تكون بعارض، فيعتبر الأصل، فيتناول جنسه مأكول اللحم.
وفي «المنتقى» عن محمد ﵀: أن كلّ حيوان يعيش في الماء، فهو صيد البحر، وكل حيوان يعيش في البرّ إذا أخرج من الماء، فهو صيد البر، وينطوي في صيد البرّ مأكول اللحم وغير مأكول اللحم؛ لأن الله ذكر الصيد في آية التحريم بلام التعريف حيث قال: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (المائدة: ٩٥) فتناول جنسه، واسم الصيد فما يتناول مأكول اللحم ويتناول غير مأكول اللحم لما ذكرنا من حد الصيد إلا أن البعض صار مستثنى عن التحريم ببيان رسول الله ﵇، حيث قال: «خمس من الفواسق يقتلن في الحرم الفأرة والحية والعقرب والحدأة والكلب (١٧٢ب١) العقور» ، وفي بعض الروايات
стр. 941
«الغراب» مكان الحية، وفي بعض الروايات مكان الكلب العقور، فإذا صارت هذه الأشياء مستثناة عن التحريم صارت مستثناة عن وجوب الجزاء بقتلها؛ لأن المحرم بقتل هذه الأشياء لا يصير جانياً على إحرامه بارتكابه شيئاً من محظورات إحرامه،
بعد هذا قال الشافعي ﵀: استثناءً لما عداها من السباع نحو الفهد، والأسد، والبازي، والصقر، وابن آوى، لأن استثناء الخمس؛ لأنهن مؤذيات طبعاً، وقد وجد الإيذاء طبعاً في هذه الأشياء، وإنا نقول: استثناء الخمس لوجود الأذى منهن عادة؛ لأن سكنى الخمس فيما بيننا إما مزارعاً، أو مساكناً كالفأرة والحية والعقرب والكلب العقور أو مزارعاً لا مساكناً كالحدأة، والغراب، والذئب، ومن طبعهن الأذى فيوجد الأذى عادة، فأما الفهد والبازي والصقر وأشباهها من السباع بعيد منا مساكناً ومزارعاً؛ لأن من عادتهن التباعد من الناس، ولا يوجد الأذى منهن، فاستثناء الخمس لا يدل على استثناء سائر السباع مستثناة عندما تجب الحماية بقتلها ولا يجاور به الدم عند علمائنا البيت، والأصل فيه قوله ﵇ «الضبع صيد» ، وفيه شاة إذا قتله المحرم،
هذا إذا قتل المحرم السبع ابتداء من غير أذى من جهته، فأما إذا قتله بناءً على أذى من جهته فلا جزاء، فقد صح عن عمر ﵁ أنه قتل ضبعاً فأدى جزاءه، وقال: إنا ابتدأناها.... بالابتداء منه يدل على أن الابتداء إذا كان من السبع أنه لا يلزمه الجزاء،
والمعنى أن حالة الأذى تصير من جملة الفواسق؛ لأن الفسق اسم مشتق من الخروج، وقد خرج علينا، وعلى حقوقنا، فإنما قتل صيد هو ليس بمحرم أصلاً، فلا يلزمه الجزاء.
وفي «المنتقى» إبراهيم عن محمد ﵀: محرم أصاب بازياً أو عقاباً كَفَّر ابتداء بالإيذاء أو لم يبتدي وكذا الطير إذا ذبحه المحرم، فعليه الكفارة، وإن ابتدأنا لأذى في طعام أو ما أشبهه إلا أن يكون طعاماً له ثمن، وابتدأه بالأذى، فحينئذٍ لا كفارة.
قال الكرخي ﵀ في «كتابه» : وليس في هوام الأرض كالقنفذ والخنافس شيء على المحرم؛ لأنه ليس بصيد، وفي اليربوع والسنور الكفارة إذا لم يبتدىء بالأذى؛ لأنه صيد، وكذلك الذئب والثعلب والفيل، وكذلك الخنزير والقرد.
قال: والفيل إذا كان وحشياً، ففيه الجزاء، وإن كان أهلياً، فلا جزاء؛ لأنه ليس بصيد، وذكر في «المنتقى» عن أبي حنيفة ﵀: الفيل مطلقاً وأوجب فيه الجزاء إذا لم يبتدى بالأذى قال: إلا أنه لا يجاوز فيه شاة، وعن أبي حنيفة لا شيء في السنور الأهلية والوحشية، والكلب العقور؛ لأن الجنس واحد.
стр. 942
وروى هشام عن محمد الكفارة في السنور الوحشي، وفي الضب الجزاء، وكذلك في الأرنب؛ لأن كل واحدة منهما صيد، ولا يوجد منه الأذى عادة وفي العقعق الجزاء؛ لأنه صيد ولا يوجد منه الأذى عادة.
قال: وفي «المنتقى» هشام عن محمد: إنما أمر بقتل الغراب في الحرم؛ لأنه يقع على ذنب، وقال أبو حنيفة: الغراب الزرعي لا ينبغي أن يقتله المحرم، وروى مثله ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵀.
وذكر في «المنتقى» بعد هذه المسائل لو قتل غراباً، وقد ابتدأه بالأذى، أو لم يبتدىء، فلا كفارة إن كان أبقع، أو من السود التي تأكل الجيف،
فإن كان صغير لا يأكل الجيف، ويأكل الزرع الذي يسمى الزاغ فعليه كفارة، وإن كان أمامه غراب يخلط يأكل الزرع ويأكل الجيف فلا كفارة. قال الكرخي في «كتابه» : ولا يقوم المحرم في الجزاء إلا قيمته لحماً.
ومعنى المسألة: أن المحرم إذا قتل بازياً صيوداً لا يقوم عليه في الجزاء معلماً؛ لأن المعتبر في وجوب الجزاء معنى الصيدية، وكونه معلماً ليس من الصيدية في شيء.
قال في «المنتقى» : عن أبي يوسف ﵀: ولا يجاوز بقيمته شاة، وأشار أبو يوسف إلى العلة، فقال: لأنه ذو مخلب، فليس فيه وفيما أشبهه، ولا في شيء من السباع أكثر من الشاة، قال أبو يوسف ﵀: وما لم يكن نحو البازي من النعام والحمام وحمام الوحش، فعليه قيمته بالغة ما بلغت.j
وكذلك لو قتل حمامة تجيء من بعيد لا تعتبر تلك في إيجاب الجزاء، بل تقوم الحمامة على اللحم أو على القيمة بقيمة الزارع الذي يؤكل.
قال في «المنتقى» : وكذلك ما يتخذ في البيوت من أصناف الصيود لصاحبه، وغير ذلك، وفيه أيضاً لو قتل ظبية حاملاً يقوم في الفداء حاملاً.
وفيه أيضاً: محرم أصاب ظبياً في مدينة السلام، وقيمته قيمة أكثره، قال أبو يوسف: يقوم عليه في الكفارة قيمة ظبي الحرم وفي الضمان لصاحبه قيمته التي يشترى بها أي: بمدينة السلام.
وفي «الجامع الصغير» : محرم ذبح بطَّة من بطّ الناس أو دجاجة، فلا جزاء عليه أما الدجاجة، فلأنها ليست بصيد، وأما البط قال مشايخنا: ما ذكر من الجواب في «الكتاب» محمول على البط الذي يكون في المنازل والخاص؛ لأنه يستأنس بجنسه، فأما البط الذي يطير، فهو صيد يجب على المحرم الجزاء بذبحه.
وإن ذبح حماماً مسرولاً فعليه جزاؤه؛ لأنه صيد بجنسه، فإن جنس الحمام متوحش بأصل الخلقة وأراد بالمسرول الذي على قوائمه الريش سمي بذلك؛ لأن الريش بمنزلة السراويل له.
وفي «الجامع الصغير» أيضاً: محرم قتل برغوثاً أو قملة أو بقة، فلا شيء عليه، وإن قتل قملة على يديه أطعم شيئاً، أما إذا قتل قملة على يديه قائماً أطعم شيئاً؛ لا لأنها
стр. 943
صيد، ولكن لأنها ما دامت على البدن، فقتلها من قضاء التفث؛ لأنها متولدة من البدن، ويتأذى بها ويرتفق بإزالتها، وقضاء التفث حرام على المحرم، فإذا قتلها مقدار مكثه محرماً، فيؤاخذ به؛ حتى لو كانت القملة ساقطة على الأرض فقتلها، فلا شيء عليه؛ لأن قتلها في هذه الصورة ليس من قضاء التفث بخلاف البرغوث (١٧٣أ١) والنملة وأشباهها؛ لأن هذه الأشياء ليست بصيد، وقتلها ليس من جملة قضاء التفث أيضاً لأنها لا تنمو من البدن، ثم إن محمداً ﵀ قال في «الجامع الصغير» : في قملة أطعم شيئاً، وفي «الأصل» قال: تصدق بشيء، وفي «القدوري» : أوجب فيها الصدقة بكف من طعام.
وفي «عيون المسألة» : محرم أخذ قملة من رأسه وقتلها، أو ألقاها أطعم بها كسرة خبز، وإن كانتا اثنتين أو ثلاثاً أطعم قبضة من طعام وإن كان كثيراً أطعم بنصف صاع، وما ذكر في «الجامع الصغير» و «العيون» يشير إلى أنه لا يشترط التمليك، ويكتفى بالإباحة، وهو الصح.
وفي «الفتاوى» : محرم وقع في ثيابه قمل كثير، فألقى ثيابه في الشمس ليقتل القمل من الشمس، فمات القمل، فعليه الجزاء نصف صاع من حنطة إذا كان القمل كثيراً، ولو ألقى ثوبه ولم يقصد أن يقتل القمل من حر الشمس، فلا شيء عليه؛ لأنه في الوجه الأول سبب، وفي الوجه الثاني لا إنما قصد إلقاء الثوب لا غير.... أنه لو غسل ثيابه، فمات القمل لم يكن عليه جزاء.
وفي «المنتقى» : عن محمد: محرم دفع ثوبه إلى حلال لغسيله قال: إذا علم أنه قتل قملاً، فعليه الكفارة.
وفي «الفتاوى» : إذا دفع المحرم ثوبه إلى حلال ليقتل ما فيه من القمل، فقتله كان على الآمر جزاء، وكذلك لو أشار إلى قملة، فقتلها المشار إليه كان على المشير الجزاء.
وفي «المنتقى» إذا قال المحرم لحلال: ارفع هذا القمل عني، ففعل فعليه الكفارة.
وإذا قتل المحرم بعوضاً أو ذباباً أو حَلَماً فلا شيء عليه لما قلنا في البرغوث قد ذكرنا أن ما لا يؤكل من صيود البر لا يجاور في جزاءه الدم.
وأما ما يؤكل من صيود البر يجب في جزائه قيمتها بالغة ما بلغت، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، ويستوي أن يكون المقتول صيداً له مثل من النعم خلقة أولا مثل له من النعم خلقة.
وقال محمد والشافعي: ماله مثل من النعم خلقة وصورة يجب في جزائه المثل خلقة، فيجب في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وكذلك قالا فيما لا يؤكل ماله مثل من النعم يجب في جزائه المثل خلقه حتى قالا: يجب في الضبع شاة، وفيما لا مثل له من النعم خلقة وصورة وتجب القيمة،
стр. 944
والمنصوص عليه في كتاب الله المثل بعد هذا قال محمد والشافعي رحمهما الله: المثل حقيقة هو المثل صورة ومعنى، والقيمة مثل معنى الصورة، فيكون مجازاً، ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر العمل بالحقيقة،
وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: المثل معنى وهو القيمة، أريد بهذا النص فيما لا مثل له خلقة وصورة، فلا يبقى المثل صورة مراداً كيلا يؤدي إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز، وما روي عن الصحابة في هذا الباب أنهم أوجبوا بالمثل صورة، فتأويله أنهم أوجبوا ذلك باعتبار القيمة لا باعتبار الصورة والأعيان، وإذا وجب المثل معنى، وهو القيمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف مطلقاً، وعندهما فيما لا مثيل له صورة، فعلى رواية «الجامع الصغير» يعتبر مكان القتل في اعتبار قيمة الصيد لا غير، فيُقوِّم الحَكَمان الصيد المقتول في المكان الذي قتله إن كان الصيد يباع ويشترى في ذلك المكان، وإن كان لا يباع ولا يشترى في ذلك المكان ففي أقرب الأماكن من ذلك المكان مما يباع فيه الصيد ويشترى والواحد يكفي للتقويم على قصد القياس، لكن اعتبرنا بالمثنى اتباعاً للنص.
وعلى رواية «الأصل» اعتبر المكان والزمان في اختيار قيمة الصيد، وهو الأصح؛ لأن قيمة الصيد كما تختلف باختلاف المكان تختلف باختلاف الزمان، ثم إذا ظهرت قيمة الصيد ينظر إن بلغت ثمن هدي كان القاتل بالخيار إن شاء أهدى، وإن شاء اشترى بها طعاماً، وأطعم كل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعاً من تمر أو شعير، وإن شاء نظر كم يؤخذ بها من الطعام؟ فيصوم عن كل نصف صاع من حنطة يوماً، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد ﵀: الخيار إلى الحكمين، فأي نوع عيناه لزمه ذلك، والأصح قولهما؛ لأن الاختيار إنما يثبت نظراً لمن عليه، ونظره في أن يكون التعيين معوضاً إليه، ويجوز اختيار الصوم مع القدرة على الهدي والإطعام؛ لأن الله تعالى ذكر بكلمة «أو» وإنها للتخيير.
ثم إن اختار الهدي ذبح بمكة، قال الله تعالى: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ (المائدة: ٩٥) وإن ذبح الهدي بالكوفة أجزأه عن الطعام ولم يجزىء عن الهدي، معنى قوله: أجزأه عن الطعام إذا تصدق باللحم، وفيه بقية الطعام؛ لأن جواز الهدي يختص بمكة، وإن اختار الطعام أو الصيام يجوز في غير مكة، وإذا اختار الهدي يهدي بما يجوز به، وهو الجذع من الضأن إذا كان عظيماً، والشيء من غيره،
وإن اختار الهدي، وفضل عنه شيء نحو إن قتل شيئاً تزيد قيمته على قيمة شاة، ولا تبلغ قيمته قيمة بدنه أو بقرة، والزيادة على قيمة الشاة لا تبلغ قيمة شاة أخرى، فهو في الزيادة مخير إن شاء صرفها إلى الطعام، وإن شاء صرفها إلى الصوم؛ لأن تلك الزيادة إذا لم تبلغ هدياً، فهي في الحكم كالصيد الصغير الذي يبلغ هدياً، وثمة الجواب هكذا، وإن اختار الصوم قُوِّم المقتول طعاماً، وصام عن كل نصف صاع حنطة يوماً، وإن فضل عن الطعام أقل من نصف صاع كان مخيراً إن شاء صام عنه، وإن شاء أخرج طعاماً؛ لأن الصوم لا يكون أقل من يوم.
стр. 945
قال في «الأصل» : والعامد والخاطىء في قتل الصيد سواء؛ لأن الله تعالى حرم على المحرم قتل الصيد مطلقاً، والتقييد بالعمد في قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ (المائدة: ٩٥) ليس لأجل بل للوعيد المذكور في آخر الآية المستفاد بقوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ (المائدة: ٩٥) قال: (١٧٣ب١) والمملوك والمباح في ذلك سواء؛ لأن اسم الصدقة يتناول الكل، ولا يحل أكل الصيد الذي ذبحه المحرم؛ لأن الصيد لا يحل وقتل الصيد غير مشروع، فلا يفيد إباحة التناول، فإن أتى المحرم الجزاء، ثم أكل منه ضمن قيمة ما أكل منه عند أبي حنيفة، وعندهما لا يلزمه سوى الاستغفار شيء، وأجمعوا على أنه لو أكل منه محرم آخر، وأكل منه حلال أنه لا يلزمه شيء سوى الاستغفار.
ولو أصاب الحلال صيداً في الحل وذبحه، لا بأس للمحرم أن يأكله به ورد «الأثر عن رسول الله ﵇» ، هذا بيان حكم قتل الصيد.
جئنا إلى بيان حكم الجراحة، قال محمد في «الأصل» : المحرم إذا جرح صيداً إن علم بموته بعد الجراحة، وهذا ظاهر، وإن علم أنه برأ من الجراحة، فهو على وجهين:
إن لم يبق للجراحة أثر، فلا شيء عليه هكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» ، وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، أما على قول أبي يوسف يلزمه صدقة باعتبار ما أوصل من الألم إلى الصيد، وهذا اختلاف نظير اختلافهم في الصيد المملوك إذا جرحه إنسان، وبرأ من الجراحة على وجه لا يبقى لها أثر.
وأما إذا بقي لها أثر ضمن النقصان عندنا، وإذا غاب عنه، ولم يعلم أنه مات بعد الجراحة أو برأ، فالقياس لا يلزمه النقصان، وفي الاستحسان يلزمه النقصان لا غير كما في الصيد المملوك؛ لأنه وقع الشك فيما زاد على النقصان، وفي الاستحسان يلزمه جميع قيمة الصيد؛ لأن ضمان الصيد يسلك مسلك العبادة حتى وجب على المعذور، والعبادة إذا وجبت من وجه دون وجه ترجح جانب الوجوب احتياطاً، بخلاف الصيد المملوك؛ لأن الواجب هناك في حق العبد، وحق العبد لا يجب مع الشك.
في «المنتقى» : بشر بن الوليد عن أبي يوسف: محرم ضرب على عين صيد، فانتصب ثم ذهب البياض، أو نتف صيد لم ينبت ريشه، فعليه طعام يتصدق به.
في «الجامع الصغير» : محرم شوى بيض صيد، فعليه الجزاء لابتدائه بالشيء، وهو أصل الصيد، فيعطى حكم الصيد احتياطاً، فيلزمه قيمته صيداً، قالوا: هذا إذا لم يكن البيض إذا كان قدر، فهو ليس بأصل الصيد، وكذلك لو كسرها، فعليه الجزاء ذكر مسألة الكسر في «الأصل» ، فإن كان فيها فرج ميتاً إن علم أنه كان ميتاً قبل الكسر فلا شيء عليه، وإن علم أنه كان حياً قبل الكسر، فعليه قيمته؛ لأنه أتلف ما هو صيد، وإن لم يعلم أنه كان حياً أو ميتاً فعليه قيمته استحساناً احتياطاً.
стр. 946
قال في «الأصل» : وكذا إذا ضرب بطن ظبية، وطرحت ظبياً ميتاً، ثم ماتت، فعليه جزاء، وهما جميعاً أخذ فيه بالثقة؛ لأن الضرب سبب صالح لموتهما، وقد ظهر عقيبه، فيحال به عليه، وإنما أراد بقوله: أخذ فيه بالثقة إشارة إلى الفرق بين هذا وبين الضمان الواجب حقاً للعباد، فإن من ضرب بطن امرأة، فألقت جنيناً ميتاً، وماتت كما وجب هناك ضمان الأم لا يجب ضمان الجنين، لأن الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم من وجه، وفي حكم النفس من وجه، وجزء الصيد مبني على الاحتياط، فرجحنا جانب النفسية وأما..... الجنين احتياطاً، فأما الضمان الواجب لحق العباد فغير مبني على الاحتياط، فلم يترجح جانب النفسية في الجنين، فلم يوجب ضمانه.
وفي «الجامع الصغير» : إذا حلب لبن صيد يلزمه الجزاء قيمته؛ لأن اللبن سبب لتربية الصيد فيعطى حكم الصيد، وإذا شوى جرادة، فعليه الجزاء.
وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف: إذا حلب عيراً من الظباء، فعليه ما نقص العير قيمته، وقد صح عن عمر ﵁ أنه قال «ثمره خير أده» ، وإذا أدى قيمة البيضة والجراد ملكه إذ المضمون يملك عند أداء الضمان كما في ضمان الأموال، فلو أنه باع هذه الأشياء بعد ذلك جاز ولكن يكره، أما الجواز، فرق بين هذه الأشياء وبين الصيد إذا ذبحه المحرم وأدى قيمته، ثم باع اللحم حيث لا يجوز.
والفرق أن الصيد محل الذبح، وقد تعلق حله بذبح شرعي، ولم يوجد فصار ميتة وبيع الميتة لا يجوز، أما هذه الأشياء لم يتعلق حلها بذبح شرعي، فلا تصير ميتة، وقد ملكها بالجزاء فَثَمَّ رافع، وأما الكراهة، فلأنه لو أطلق في بيعها يتطرق الناس إلى مثله وذلك قبيح، ولا بأس للمشتري أن ينتفع به من حيث التناول، بخلاف البائع، فإنه لا يحل له؛ لأن الحل في حق البائع إنما لم يثبت لا لأنها ميتة بل لئلا يطرق الناس إلى مثله، وهذا المعنى لا يتأتى في حق المشتري، ولو كان القاتل للصيد قارناً، فعليه جزاءان؛ لأن القارن محرم بإحرامين، فبقتل الصيد يصير جانياً عليهما، فيلزمه جزاءان لهذا.
نوع آخرهو في معنى قتل الصيد، وهو الدلالة على الصيد
فنقول: كما يحرم على المحرم قتل الصيد يحرم عليه الدلالة على الصيد؛ لأن الدلالة تفويت للأمن عن الصيد؛ لأن الصيد يأمن عند القدرة و....... حتفه وعند العجز، والبوم باختفائه عن أعين الناس، وبالدلالة يزول الاختفاء، فيزول ما به الأمن، فصار الدلالة نظير الأخذ والقتل، وإذا ثبت أن الدلالة في معنى قتل يتعلق بها من الجزاء ما يتعلق بالقتل، ولأجل هذا المعنى يتعلق بها حرمة الصيد حتى حرم الصيد الذي دل المحرم عليه كما حرم الصيد الذي قتله المحرم، هكذا ذكر في «الأصل» ، وإليه أشار ﵇ في «قصة أصحاب أبي قتادة» .
стр. 947
وفي «المنتقى» : المحرم إذا دلّ حلالاً على صيد، وقتله الحلال، فلا ينبغي للدال أن يأكل منه، وإن حل من إحرامه، وكذلك غيره من المحرمين، ولا بأس للحلال أن يأكله بأربع شرائط:
أحدها: أن يتصل بها القتل؛ لأن كونها مفوتة للأمن على شرف الزوال بترك المدلول أخذه، وقراره عن ذلك المكان، فكان كالمغصوب قبل الهلاك.
والثاني: بأن لا يكون المدلول عالماً بمكان الصيد؛ لأنه إذا كان عالماً به ففوات الأمن لا يكون مضافاً إلى الدلالة.
الثالث: أن يصدقه (١٧٤أ١) المدلول في دلالته، ويتبع أثره، أما إذا كذبه في دلالته وإن تبع أثره حتى دله آخر، فصدقه واتبع أثره، فقتله، فلا جزاء على الدال الأول؛ لأن فوات أمن الصيد لا يكون مضافاً إلى دلالته إذا كذبه في دلالته.
الرابعة: أن يأخذ المدلول الصيد، والدال محرم، فأما إذا حل الدال من إحرامه قبل أن يأخذه المدلول، فلا جزاء على الدال؛ لأن الدلالة إنما تتم جناية عند فوات الأمن عن الصيد بإثبات الآخذ يده عليه، فإذا لم يكن الدال محرماً وقت الأخذ لا يتم فعله جناية.
ومسائل الدلالة أقسام:
أحدها: محرم دل محرماً على صيد، فقتله المدلول، فعلى كل واحد منهما جزاء كامل، ذكره في «الأصل» .
والثاني: محرم دل حلالاً على الصيد، فقتله المدلول، فعلى الدال قيمته، ولا شيء على الحلال ذكره في «الأصل» أيضاً.
والثالث: حلال دل محرماً على صيد، والحلال في الحرم فقتل المحرم الصيد، فليس على الدال الجزاء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقولهما ذكر في «الجامع الكبير» ، وهكذا ذكر في «المجرد» عن أبي حنيفة، وفي «الهارونيات» قال: على الحلال نصف قيمته.
محرم رأى صيداً في موضع لا يقدر عليه، فدله محرم آخر على الطريق إليه، فذهب فقتله كان على الدال الجزاء؛ لأن دلالته على الطريق كدلالته على الصيد.
وكذلك لو أن محرماً رأى صيداً دخل غاراً، فأقبل رجل يطلبه، فدله المحرم على باب الغار فأخذه وقتله، فعلى المحرم جزاؤه، وكذلك لو رأى محرم صيداً في موضع لا يقدر عليه بوجه من الوجوه إلا أن يرميه بشيء، فدله محرم آخر على قوس، ونشاب ودفع ذلك إليه فرماه وقتله، فعلى كل واحد منهما الجزاء.
محرم استعار من محرم سكيناً ليذبح صيداً له، فأعاره فذبح به الصيد، فلا جزاء على صاحب السكين،
وفي «السير» : إن عليه الجزاء، قال الشيخ أبو العباس الناطفي ﵀: ما ذكر في «الأصل» محمول على ما إذا كان المستعير يقدر على ذبحه بغيره، أما إذا لم يقدر على ذبحه بغيره يضمن كما ذكر في «السير» .
стр. 948
وفي «الأصل» : ولو أمر المحرم محرماً بقتل صيد ودله عليه، فأمر الثاني ثالثاً بقتله فقتله، فعلى كل واحد منهم جزاء كامل قيمته.
ولو أخبر محرم محرماً بصيد، فلم يره حتى أخبره محرم آخر، فلم يصدق الأول، فلم يكذبه، ثم طلب الصيد وقتله كان على كل واحد الجزاء. ولو أرسل محرم محرماً إلى محرم فقال: قل له: إن فلاناً يقول لك: في هذا الموضع صيد فذهب فقتله، فعلى الرسول والمرسل والقاتل على كل واحد قيمة الصيد، وإن كان المرسل إليه يراه، ويعلم به فلا شيء على أحد إلا القاتل، فإن عليه الجزاء.
ولو أن محرماً أشار إلى صيد، وقال لرجل: خذ ذلك الصيد من وكره، وهو يرى صيداً واحد في (المشار إليه) ، فانطلق ذلك الرجل، وأخذ ذلك الصيد، وصيد آخر كان في الوكر، فإن على الآمر جزاء الذي أمر به، ولا شيء عليه في الآخر ذكره هشام عن أبي يوسف، وذكر هشام أيضاً عن محمد في محرم أشار إلى جراد، ولم يكونوا رأوها إلا من دلالته، فأخذوها، فعلى الدال لكل جرادة تمرة، إلا أن يبلغ ذلك دماً، فعليه دم.
نوع منه فى المحرم يضطر إلى الصيد
روى الحسن بن زياد: اضطر إلى ميتة وإلى صيد ذبحه قال أبو يوسف ﵀: يذبح الصيد ويكفر، وبه أخذ الراوي.
وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر: يأكل الميتة ويذبح الصيد؛ لأن في أكل الصيد ارتكاب محظورين الذبح وارتكاب أكل الميتة الحسن؛ لأنه ميتة حكماً وإن اضطر إلى ميتة، وإلى صيد ذبحه محرم، فعلى قول أبي حنيفة، وهو قول محمد أكل الصيد ولم يأكل الميتة، وإن وجد صيداً حياً ولحم كلب أكل لحم الكلب وترك الصيد؛ لأن في أكل الصيد ارتكاب محظورين.
وإن كان وجد صيداً، ومال مسلم ذبح الصيد، ولا يأخذ مال المسلم؛ لأن الصيد حرام حقاً لله تعالى، ومال المسلم حرام حقاً للعبد وكان الترجيح لحق العبد لحاجته، وإن وجد لحم إنسان وصيداً يذبح الصيد، ولا يأكل لحم الإنسان استحساناً؛ لأن الصيد حرام حقاً لله تعالى، ولحم الإنسان حرم حقاً لله تعالى والإنسان، فما استويا في الحرمة.
نوعفي المحرم شاركه غيره في قتل الصيد
إذا أشرك محرماً في قتل صيد، فعلى كل واحد منهما قيمة كاملة؛ لأن الواجب على المحرم جزاء وكفارة، والكفارة لا تتجزأ، وإن كان الصيد مملوكاً للآدمي، فكذلك الجواب فيما يعود إلى حق الله تعالى، ويصرف إلى..... ويغرمان قيمة واحدة للمالك
стр. 949
بدل المحل والمتلف في حقه محل واحد، وهو نظير رجلين قتلا عبداً لرجل خطأ، فعلى كل واحد منهما كفارة على حدة وقيمة واحدة للمالك عليهما، ولهذا قلنا: ما لزم المحرمين لله يسقط بالصوم، وهذا كفارة كونه كفارة.
محرم أخذ صيداً، وقتله محرم آخر في يده، فعلى كل واحد منهما الجزاء أما الآخذ؛ فلأنه جان على الصيد بإزالة الأمن، فإنه أثبت يده عليه، وأخذه وهو يخاف منه، وأما القاتل؛ فلأنه بالقتل قرر فوات الأمن؛ لأن فوات الأمن بالآخر كان يوحي الزوال بانفلات الصيد أو بإرسال الأخذ، وبالقتل يتقرر ذلك الفوات، وللتقرير حكم الإنشاء على ما عرف، ثم الآخذ يرجع على القاتل بما ضمن؛ لأن سبب ملك الصيد في حق الأخذ قد وجد، وهو الأخذ لكن لم يثبت له الملك المانع، وهو إحرام الصيد، وهذا المانع خص الصيد، فلا يصير الامتناع في حق بدله، كان الأصل صار مملوكاً له.
نوع منه فى لبس المخيط
قال محمد ﵀ في «الأصل» : لا يلبس المحرم قميصاً ولا قباء ولا سراويلاً ولا قلنسوة ولا خفين به ورد «الأثر (١٧٤ب١) عن رسول الله ﵇» رواه ابن عمر ﵄، وما ذكر من الجواب في الفتيا محمول على ما إذا وضعه على منكبه وأدخل يديه في كميه وزره أو لم يزره، فأما إذا وضع على منكبيه ولم يدخل يديه في كميه، ولم يزره فلا بأس به عندنا؛ لأنه بمعنى التردي.
والأصل أن المحرم ممنوع عن لبس المخيط على وجه المعتاد حتى لو اتزر بالسراويل وارتدى بالقميص إذا فسخ به فلا بأس به؛ لأن المنع عن لبس المخيط في حق المحرم لما فيه من معنى الترفيه، وذلك في اللبس المعتاد لا في غيره؛ لأن غير المعتاد يحتاج إلى تكلف حفظه عند استعماله كما يحتاج إلى تكلف حفظ الأزرار، ويكره له أن يزر ليس أن يعقده على إزاره بحبل أو نحوه؛ لأنه لا يحتاج في حفظه إلى تكلف، فيشبه المخيط مع هذا لو فعل لا شيء عليه لأن المحرم عليه لبس المخيط ولم يوجد، ولا يلبس الجوربين كما لا يلبس الخفين وإذا لم يجد نعلين، وله خفان قطعهما أسفل الكعبين، وتعتبر الكعب هنا العظم المربع في وسط القدم عند معقد الشراك، وإنما أمر بذلك ليصيرا في معنى النعلين، وإذا لبس المحرم المخيط على وجه المعتاد يوماً إلى الليل فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة، وفسر الكرخي الصدقة ههنا فقال: نصف صاع من بر، قال: وكذلك كل صدقة في الإحرام غير مقدرة فيفسرها بهذا إلا في قتل القمل والجراد.
стр. 950
d
وفي «المنتقى» : إذا لبس قميصاً أكثر اليوم، فعليه دم في قول أبي حنيفة الأول ثم رجع، وقال: حتى يكون يوماً كاملاً وهو قول محمد، وعن محمد إذا لبس بعض اليوم، فإني أرى أن أحكم عليه من الدم مقدار لبسه، وعن أبي يوسف ﵀ إذا لبس قميصاً أكثر من نصف يوم أو أكثر من نصف ليلة فعليه دم، وإن لبس ما لا يحل لبسه من المخيط يوماً أو أكثر بضرورة، فعليه أي الكفارات شاء وذلك إما النسك أو الصوم أو الصدقة، فإن اختار النسك أو الصوم أو الصدقة، فإن اختار النسك ذبح في الحرم، وإن اختار الصوم صام ثلاثة أيام في أي مكان شاء، وإن اختار الصدقة تصدق بثلاثة أصوع حنطة على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والأفضل أن يتصدق على فقراء مكة، ولو تصدق على غير فقراء مكة جاز، وإن أطعم طعام الإباحة جاز عند أبي يوسف، وعند محمد لا يجوز قيل: قول أبي حنيفة كقول محمد ﵏، ووجه ذلك أن هنا حق مالي شرع بلفظ الصدقة، فلا يتأدى بالتمليك قياساً على الزكاة.
وإن لبس ما لا يحل له لبسه من غير ضرورة أراق كذلك دماً، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، وإن اضطر إلى لبس قميص فلبس قميصين، فعليه كفارة الضرورة؛ لأن الزيادة في موضع الضرورة، فلا تصير جناية مبتدأة، وهذا هو الأصل في جنس هذه المسائل: أن الزيادة في موضع الضرورة لا تعتبر جناية مبتدأة، بل يجعل الكل للضرورة لا ينصب له الميزان، ويختلف الناس باختلاف أبدانهم وباختلاف الهواء في ذلك الوقت، والزيادة في غير موضع الضرورة تعتبر جناية مبتدأة حتى إنه إذا اضطر إلى لبسه قميصاً، فلبس قميصاً، ولبس معه عمامة أو قلنسوة، فعليه دم في لبس القلنسوة، وفي لبس القميص يخير في الكفارات يختار أي ذلك شاء؛ لأنهما مختاران، فيعتبر لكل لبس الحكم اللائق به، وإذا اضطر إلى لبس قميص، فلبسه فلما مضى اليوم ذهبت الضرورة، فتركه عليه حتى مضى يوم أو يوماً، فما دام في شك من الضرورة، فذلك ضرورة، وليس عليه إلا كفارة الضرورة، وإذا جاء اليقين أن الضرورة قد ذهبت عنه من قبل ... فلبس بعد ذلك، فعليه كفارتان كفارة الضرورة على قدر ما لبس، والكفارة الأخرى على قدر ما لبس.
ذكر هذه الجملة عيسى بن أبان عن محمد المحرم إذا لبس قميصاً أو جبة بالنهار، ونزعه بالليل لليوم ولبس من الغدو لم يعزم على ترك اللباس إنما نزعه لأجل اليوم، فعليه كفارة واحدة.
والحاصل أن لبس شيء واحد ما لم يتركه، ويعزم على الترك، فإذا تركه وعزم على الترك ثم لبسه، فهو لبس آخر أما بدون العزم على الترك، فهو لبس واحد، ومن هذا الجنس إذا لبس مخيطاً للضرورة أياماً، وكان ينزع بالليل للاستغناء من ذلك، فهذا كله جناية واحدة، بخلاف ما إذا نزع لزوال الضرورة، ثم اضطر إليه بعد ذلك ولبس، فإنه تلزمه كفارة أخرى؛ لأن حكم الضرورة الأولى قد انتهى بالرد، وكان اللبس الثاني جناية
следующие страницы →