← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قال في «الأصل» : وكذا إذا ضرب بطن ظبية، وطرحت ظبياً ميتاً، ثم ماتت، فعليه جزاء، وهما جميعاً أخذ فيه بالثقة؛ لأن الضرب سبب صالح لموتهما، وقد ظهر عقيبه، فيحال به عليه، وإنما أراد بقوله: أخذ فيه بالثقة إشارة إلى الفرق بين هذا وبين الضمان الواجب حقاً للعباد، فإن من ضرب بطن امرأة، فألقت جنيناً ميتاً، وماتت كما وجب هناك ضمان الأم لا يجب ضمان الجنين، لأن الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم من وجه، وفي حكم النفس من وجه، وجزء الصيد مبني على الاحتياط، فرجحنا جانب النفسية وأما..... الجنين احتياطاً، فأما الضمان الواجب لحق العباد فغير مبني على الاحتياط، فلم يترجح جانب النفسية في الجنين، فلم يوجب ضمانه. وفي «الجامع الصغير» : إذا حلب لبن صيد يلزمه الجزاء قيمته؛ لأن اللبن سبب لتربية الصيد فيعطى حكم الصيد، وإذا شوى جرادة، فعليه الجزاء. وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف: إذا حلب عيراً من الظباء، فعليه ما نقص العير قيمته، وقد صح عن عمر ﵁ أنه قال «ثمره خير أده» ، وإذا أدى قيمة البيضة والجراد ملكه إذ المضمون يملك عند أداء الضمان كما في ضمان الأموال، فلو أنه باع هذه الأشياء بعد ذلك جاز ولكن يكره، أما الجواز، فرق بين هذه الأشياء وبين الصيد إذا ذبحه المحرم وأدى قيمته، ثم باع اللحم حيث لا يجوز. والفرق أن الصيد محل الذبح، وقد تعلق حله بذبح شرعي، ولم يوجد فصار ميتة وبيع الميتة لا يجوز، أما هذه الأشياء لم يتعلق حلها بذبح شرعي، فلا تصير ميتة، وقد ملكها بالجزاء فَثَمَّ رافع، وأما الكراهة، فلأنه لو أطلق في بيعها يتطرق الناس إلى مثله وذلك قبيح، ولا بأس للمشتري أن ينتفع به من حيث التناول، بخلاف البائع، فإنه لا يحل له؛ لأن الحل في حق البائع إنما لم يثبت لا لأنها ميتة بل لئلا يطرق الناس إلى مثله، وهذا المعنى لا يتأتى في حق المشتري، ولو كان القاتل للصيد قارناً، فعليه جزاءان؛ لأن القارن محرم بإحرامين، فبقتل الصيد يصير جانياً عليهما، فيلزمه جزاءان لهذا. نوع آخرهو في معنى قتل الصيد، وهو الدلالة على الصيد فنقول: كما يحرم على المحرم قتل الصيد يحرم عليه الدلالة على الصيد؛ لأن الدلالة تفويت للأمن عن الصيد؛ لأن الصيد يأمن عند القدرة و....... حتفه وعند العجز، والبوم باختفائه عن أعين الناس، وبالدلالة يزول الاختفاء، فيزول ما به الأمن، فصار الدلالة نظير الأخذ والقتل، وإذا ثبت أن الدلالة في معنى قتل يتعلق بها من الجزاء ما يتعلق بالقتل، ولأجل هذا المعنى يتعلق بها حرمة الصيد حتى حرم الصيد الذي دل المحرم عليه كما حرم الصيد الذي قتله المحرم، هكذا ذكر في «الأصل» ، وإليه أشار ﵇ في «قصة أصحاب أبي قتادة» .

стр. 947

وفي «المنتقى» : المحرم إذا دلّ حلالاً على صيد، وقتله الحلال، فلا ينبغي للدال أن يأكل منه، وإن حل من إحرامه، وكذلك غيره من المحرمين، ولا بأس للحلال أن يأكله بأربع شرائط: أحدها: أن يتصل بها القتل؛ لأن كونها مفوتة للأمن على شرف الزوال بترك المدلول أخذه، وقراره عن ذلك المكان، فكان كالمغصوب قبل الهلاك. والثاني: بأن لا يكون المدلول عالماً بمكان الصيد؛ لأنه إذا كان عالماً به ففوات الأمن لا يكون مضافاً إلى الدلالة. الثالث: أن يصدقه (١٧٤أ١) المدلول في دلالته، ويتبع أثره، أما إذا كذبه في دلالته وإن تبع أثره حتى دله آخر، فصدقه واتبع أثره، فقتله، فلا جزاء على الدال الأول؛ لأن فوات أمن الصيد لا يكون مضافاً إلى دلالته إذا كذبه في دلالته. الرابعة: أن يأخذ المدلول الصيد، والدال محرم، فأما إذا حل الدال من إحرامه قبل أن يأخذه المدلول، فلا جزاء على الدال؛ لأن الدلالة إنما تتم جناية عند فوات الأمن عن الصيد بإثبات الآخذ يده عليه، فإذا لم يكن الدال محرماً وقت الأخذ لا يتم فعله جناية. ومسائل الدلالة أقسام: أحدها: محرم دل محرماً على صيد، فقتله المدلول، فعلى كل واحد منهما جزاء كامل، ذكره في «الأصل» . والثاني: محرم دل حلالاً على الصيد، فقتله المدلول، فعلى الدال قيمته، ولا شيء على الحلال ذكره في «الأصل» أيضاً. والثالث: حلال دل محرماً على صيد، والحلال في الحرم فقتل المحرم الصيد، فليس على الدال الجزاء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقولهما ذكر في «الجامع الكبير» ، وهكذا ذكر في «المجرد» عن أبي حنيفة، وفي «الهارونيات» قال: على الحلال نصف قيمته. محرم رأى صيداً في موضع لا يقدر عليه، فدله محرم آخر على الطريق إليه، فذهب فقتله كان على الدال الجزاء؛ لأن دلالته على الطريق كدلالته على الصيد. وكذلك لو أن محرماً رأى صيداً دخل غاراً، فأقبل رجل يطلبه، فدله المحرم على باب الغار فأخذه وقتله، فعلى المحرم جزاؤه، وكذلك لو رأى محرم صيداً في موضع لا يقدر عليه بوجه من الوجوه إلا أن يرميه بشيء، فدله محرم آخر على قوس، ونشاب ودفع ذلك إليه فرماه وقتله، فعلى كل واحد منهما الجزاء. محرم استعار من محرم سكيناً ليذبح صيداً له، فأعاره فذبح به الصيد، فلا جزاء على صاحب السكين، وفي «السير» : إن عليه الجزاء، قال الشيخ أبو العباس الناطفي ﵀: ما ذكر في «الأصل» محمول على ما إذا كان المستعير يقدر على ذبحه بغيره، أما إذا لم يقدر على ذبحه بغيره يضمن كما ذكر في «السير» .

стр. 948

وفي «الأصل» : ولو أمر المحرم محرماً بقتل صيد ودله عليه، فأمر الثاني ثالثاً بقتله فقتله، فعلى كل واحد منهم جزاء كامل قيمته. ولو أخبر محرم محرماً بصيد، فلم يره حتى أخبره محرم آخر، فلم يصدق الأول، فلم يكذبه، ثم طلب الصيد وقتله كان على كل واحد الجزاء. ولو أرسل محرم محرماً إلى محرم فقال: قل له: إن فلاناً يقول لك: في هذا الموضع صيد فذهب فقتله، فعلى الرسول والمرسل والقاتل على كل واحد قيمة الصيد، وإن كان المرسل إليه يراه، ويعلم به فلا شيء على أحد إلا القاتل، فإن عليه الجزاء. ولو أن محرماً أشار إلى صيد، وقال لرجل: خذ ذلك الصيد من وكره، وهو يرى صيداً واحد في (المشار إليه) ، فانطلق ذلك الرجل، وأخذ ذلك الصيد، وصيد آخر كان في الوكر، فإن على الآمر جزاء الذي أمر به، ولا شيء عليه في الآخر ذكره هشام عن أبي يوسف، وذكر هشام أيضاً عن محمد في محرم أشار إلى جراد، ولم يكونوا رأوها إلا من دلالته، فأخذوها، فعلى الدال لكل جرادة تمرة، إلا أن يبلغ ذلك دماً، فعليه دم. نوع منه فى المحرم يضطر إلى الصيد روى الحسن بن زياد: اضطر إلى ميتة وإلى صيد ذبحه قال أبو يوسف ﵀: يذبح الصيد ويكفر، وبه أخذ الراوي. وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر: يأكل الميتة ويذبح الصيد؛ لأن في أكل الصيد ارتكاب محظورين الذبح وارتكاب أكل الميتة الحسن؛ لأنه ميتة حكماً وإن اضطر إلى ميتة، وإلى صيد ذبحه محرم، فعلى قول أبي حنيفة، وهو قول محمد أكل الصيد ولم يأكل الميتة، وإن وجد صيداً حياً ولحم كلب أكل لحم الكلب وترك الصيد؛ لأن في أكل الصيد ارتكاب محظورين. وإن كان وجد صيداً، ومال مسلم ذبح الصيد، ولا يأخذ مال المسلم؛ لأن الصيد حرام حقاً لله تعالى، ومال المسلم حرام حقاً للعبد وكان الترجيح لحق العبد لحاجته، وإن وجد لحم إنسان وصيداً يذبح الصيد، ولا يأكل لحم الإنسان استحساناً؛ لأن الصيد حرام حقاً لله تعالى، ولحم الإنسان حرم حقاً لله تعالى والإنسان، فما استويا في الحرمة. نوعفي المحرم شاركه غيره في قتل الصيد إذا أشرك محرماً في قتل صيد، فعلى كل واحد منهما قيمة كاملة؛ لأن الواجب على المحرم جزاء وكفارة، والكفارة لا تتجزأ، وإن كان الصيد مملوكاً للآدمي، فكذلك الجواب فيما يعود إلى حق الله تعالى، ويصرف إلى..... ويغرمان قيمة واحدة للمالك

стр. 949

بدل المحل والمتلف في حقه محل واحد، وهو نظير رجلين قتلا عبداً لرجل خطأ، فعلى كل واحد منهما كفارة على حدة وقيمة واحدة للمالك عليهما، ولهذا قلنا: ما لزم المحرمين لله يسقط بالصوم، وهذا كفارة كونه كفارة. محرم أخذ صيداً، وقتله محرم آخر في يده، فعلى كل واحد منهما الجزاء أما الآخذ؛ فلأنه جان على الصيد بإزالة الأمن، فإنه أثبت يده عليه، وأخذه وهو يخاف منه، وأما القاتل؛ فلأنه بالقتل قرر فوات الأمن؛ لأن فوات الأمن بالآخر كان يوحي الزوال بانفلات الصيد أو بإرسال الأخذ، وبالقتل يتقرر ذلك الفوات، وللتقرير حكم الإنشاء على ما عرف، ثم الآخذ يرجع على القاتل بما ضمن؛ لأن سبب ملك الصيد في حق الأخذ قد وجد، وهو الأخذ لكن لم يثبت له الملك المانع، وهو إحرام الصيد، وهذا المانع خص الصيد، فلا يصير الامتناع في حق بدله، كان الأصل صار مملوكاً له. نوع منه فى لبس المخيط قال محمد ﵀ في «الأصل» : لا يلبس المحرم قميصاً ولا قباء ولا سراويلاً ولا قلنسوة ولا خفين به ورد «الأثر (١٧٤ب١) عن رسول الله ﵇» رواه ابن عمر ﵄، وما ذكر من الجواب في الفتيا محمول على ما إذا وضعه على منكبه وأدخل يديه في كميه وزره أو لم يزره، فأما إذا وضع على منكبيه ولم يدخل يديه في كميه، ولم يزره فلا بأس به عندنا؛ لأنه بمعنى التردي. والأصل أن المحرم ممنوع عن لبس المخيط على وجه المعتاد حتى لو اتزر بالسراويل وارتدى بالقميص إذا فسخ به فلا بأس به؛ لأن المنع عن لبس المخيط في حق المحرم لما فيه من معنى الترفيه، وذلك في اللبس المعتاد لا في غيره؛ لأن غير المعتاد يحتاج إلى تكلف حفظه عند استعماله كما يحتاج إلى تكلف حفظ الأزرار، ويكره له أن يزر ليس أن يعقده على إزاره بحبل أو نحوه؛ لأنه لا يحتاج في حفظه إلى تكلف، فيشبه المخيط مع هذا لو فعل لا شيء عليه لأن المحرم عليه لبس المخيط ولم يوجد، ولا يلبس الجوربين كما لا يلبس الخفين وإذا لم يجد نعلين، وله خفان قطعهما أسفل الكعبين، وتعتبر الكعب هنا العظم المربع في وسط القدم عند معقد الشراك، وإنما أمر بذلك ليصيرا في معنى النعلين، وإذا لبس المحرم المخيط على وجه المعتاد يوماً إلى الليل فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة، وفسر الكرخي الصدقة ههنا فقال: نصف صاع من بر، قال: وكذلك كل صدقة في الإحرام غير مقدرة فيفسرها بهذا إلا في قتل القمل والجراد.

стр. 950

d وفي «المنتقى» : إذا لبس قميصاً أكثر اليوم، فعليه دم في قول أبي حنيفة الأول ثم رجع، وقال: حتى يكون يوماً كاملاً وهو قول محمد، وعن محمد إذا لبس بعض اليوم، فإني أرى أن أحكم عليه من الدم مقدار لبسه، وعن أبي يوسف ﵀ إذا لبس قميصاً أكثر من نصف يوم أو أكثر من نصف ليلة فعليه دم، وإن لبس ما لا يحل لبسه من المخيط يوماً أو أكثر بضرورة، فعليه أي الكفارات شاء وذلك إما النسك أو الصوم أو الصدقة، فإن اختار النسك أو الصوم أو الصدقة، فإن اختار النسك ذبح في الحرم، وإن اختار الصوم صام ثلاثة أيام في أي مكان شاء، وإن اختار الصدقة تصدق بثلاثة أصوع حنطة على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والأفضل أن يتصدق على فقراء مكة، ولو تصدق على غير فقراء مكة جاز، وإن أطعم طعام الإباحة جاز عند أبي يوسف، وعند محمد لا يجوز قيل: قول أبي حنيفة كقول محمد ﵏، ووجه ذلك أن هنا حق مالي شرع بلفظ الصدقة، فلا يتأدى بالتمليك قياساً على الزكاة. وإن لبس ما لا يحل له لبسه من غير ضرورة أراق كذلك دماً، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، وإن اضطر إلى لبس قميص فلبس قميصين، فعليه كفارة الضرورة؛ لأن الزيادة في موضع الضرورة، فلا تصير جناية مبتدأة، وهذا هو الأصل في جنس هذه المسائل: أن الزيادة في موضع الضرورة لا تعتبر جناية مبتدأة، بل يجعل الكل للضرورة لا ينصب له الميزان، ويختلف الناس باختلاف أبدانهم وباختلاف الهواء في ذلك الوقت، والزيادة في غير موضع الضرورة تعتبر جناية مبتدأة حتى إنه إذا اضطر إلى لبسه قميصاً، فلبس قميصاً، ولبس معه عمامة أو قلنسوة، فعليه دم في لبس القلنسوة، وفي لبس القميص يخير في الكفارات يختار أي ذلك شاء؛ لأنهما مختاران، فيعتبر لكل لبس الحكم اللائق به، وإذا اضطر إلى لبس قميص، فلبسه فلما مضى اليوم ذهبت الضرورة، فتركه عليه حتى مضى يوم أو يوماً، فما دام في شك من الضرورة، فذلك ضرورة، وليس عليه إلا كفارة الضرورة، وإذا جاء اليقين أن الضرورة قد ذهبت عنه من قبل ... فلبس بعد ذلك، فعليه كفارتان كفارة الضرورة على قدر ما لبس، والكفارة الأخرى على قدر ما لبس. ذكر هذه الجملة عيسى بن أبان عن محمد المحرم إذا لبس قميصاً أو جبة بالنهار، ونزعه بالليل لليوم ولبس من الغدو لم يعزم على ترك اللباس إنما نزعه لأجل اليوم، فعليه كفارة واحدة. والحاصل أن لبس شيء واحد ما لم يتركه، ويعزم على الترك، فإذا تركه وعزم على الترك ثم لبسه، فهو لبس آخر أما بدون العزم على الترك، فهو لبس واحد، ومن هذا الجنس إذا لبس مخيطاً للضرورة أياماً، وكان ينزع بالليل للاستغناء من ذلك، فهذا كله جناية واحدة، بخلاف ما إذا نزع لزوال الضرورة، ثم اضطر إليه بعد ذلك ولبس، فإنه تلزمه كفارة أخرى؛ لأن حكم الضرورة الأولى قد انتهى بالرد، وكان اللبس الثاني جناية

стр. 951

مبتدأة، بخلاف ما نحن فيه، وهو نظير ما لو داوى جرحه بدواء فيه طيب مراراً كان عليه كفارة واحدة ما لم يبرأ، وإذا برأ، ثم جرحت له جراحة أخرى، فداواها بالطيب كان عليه كفارة أخرى. في «المنتقى» : إذا كان كان المحرم يحمُّ يوماً، وتتركه الحمى يوماً، قد عرف ذلك، وكان يلبس في يوم الحمى ويترك اللبس في اليوم الآخر، فعليه كفارة واحدة ما لم يذهب ذلك الحمى، وتأتيه حمى أخرى، وكذلك المحرم إذا عرض له عدو، واحتاج إلى لبس السلاح والدرع وما أشبه ذلك لمقاتلتهم، ثم تفرقوا ونزع ما عليه من السلاح، ثم عادوا فلبس ثانياً وثالثاً، فعليه في ذلك كفارة واحدة حتى يذهب العدو، ويأتيه عدو آخر، ولو لبس قميصاً يوماً أو أكثر من غير ضرورة وأراق كذلك دماً، ثم ترك القميص عليه بعد ما كفر أياماً كثيرة، فعليه كفارة أخرى. ولو أحرم، وعليه مخيط، وتركه على نفسه يوماً أو أكثر عليه الكفارة؛ لأنه لبس مستدام، فيكون لدوامه حكم الابتداء. ولا يغطي المحرم رأسه ولا وجهه، والمحرمة لا تغطي وجهها، وإن فعل ذلك إن كان يوماً (١٧٥أ١) إلى الليل، فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك، فعليه صدقة، وكذلك لو غطى ربع رأسه، فصاعداً يوماً، فعليه دم وإن كان أقل من ذلك، فعليه صدقة، هكذا ذكر في المشهور، وعن محمد ﵀ أنه قال: لا يجب الدم حتى يغطي الأكثر من الرأس، والصحيح ما ذكر في المشهور؛ لأن ما يتعلق بالرأس من الجناية، فللربع حكم الكل لما تيسر بعد هذا. ولو حمل المحرم شيئاً على رأسه، فإن كان شيئاً من جنس ما لا يغطى به الرأس كالطست، والإجانة وعدل بر ونحوها، فلا شيء عليه، وإن كان من جنس ما يغطى به الرأس من الثياب، فعليه الجزاء؛ لأن ما لا يغطى به الرأس، فالمحرم يكون حاملاً له لا مستعملاً ألا ترى أن الأمين لو فعل ذلك لا يصير ضامناً؟ قال في «الأصل» : وإن استظل المحرم بفسطاط فلا بأس به، وكذلك إذا دخل تحت ستر الكعبة حتى غطاه والستر لا يصيب رأسه لا وجهه لا بأس به، لأن التغطية إنما تحصل بماس بدنه، وإن كان يصيب رأسه ووجهه كرهت له ذلك لمكان التغطية، وإن كان المحرم نائماً، فغطى رجل رأسه ووجهه بثوب يوماً كاملاً، فعليه دم؛ لأن فعل غيره كفعله بنفسه في حق حصول الارتفاق. نوع منه في الجماع حرام على المحرم بالنص قال الله: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (البقرة: ١٩٧) والرفث هو الجماع عند بعض المفسرين، وإن جامع وكان مفرداً بالحج إن كان جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، وعليه دم، تكفيه الشاة، وعليه المضي في فاسده يفعل جميع ما يفعله في الحج الصحيح، وعليه الحج من قابل، وإن كان جامع ثانياً قبل الوقوف بعرفة، فعليه شاة أخرى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الثاني من محظورات

стр. 952

الإحرام، وقال محمد ﵀: يكفيه كفارة واحدة، إلا أن يكون كفر عن الأولى، فيلزمه كفارة أخرى؛ لأن الجناية من جنس واحد، والمجني عليه واحد، فيثبت الاتحاد في الواجب كما في كفارة الصوم، فإن جامع في مجلس واحد مرتين تكفيه كفارة واحدة بلا خلاف. وإن جامع بعد الوقوف بعرفة لا يفسد حجة، وعليه جزور، فإن جامع جماعاً آخر، فعليه شاة مع الجزور؛ لأن الجناية الثانية تقاصرت عن الجناية الأولى لتمكن النقصان لوجود الجناية الأولى، فتكفيه الشاة، فإن كان الجماع الثاني على وجه الرفض فلا دم عليه للثاني. ذكر القدوري في «شرحه» : وإن جامع وكان مفرداً بالعمرة إن جامع قبل الطواف فسدت عمرته ومضى في فاسده، وعليه عمرة مكانها، وعليه دم تجزؤه الشاة، وإن جامع بعد الطواف لا تفسد عمرته فعليه دم تجزؤه الشاة، وكذلك إذا جامع بعد ما طاف لعمرته أربعة أشواط لا تفسد عمرته؛ لأنه أتى أكثر الطواف، وللأكثر حكم الكل. وإن كان قارناً، وجامع قبل أن يطوف لعمرته فسدت عمرته وحجه ويمضي فيها، وعليه دمان، وعليه حجة وعمرة من قابل، وسقط عنه دم القران؛ لأن دم القران وجب شكراً على ما اتفق له من نسكين صحيحين في سفرة واحدة، ولم يتفق له نسكان صحيحان، وإن جامع بعدما طاف لعمرته قبل الوقوف فسد حجه، ولم تفسد عمرته، وعليه دمان، وعليه قضاء الحج من قابل، وسقط عنه دم القران، وكذلك إذا جامع بعدما طاف لعمرته أربعة أشواط فسد حجه ولم تفسد عمرته، وإن كان جامع بعدما وقف بعرفة لا تفسد عمرته ولا حجته، وعليه جزور لحجته وشاة لعمرته، ولزمه دم القران؛ لأنه اتفق له نسكان صحيحان في سفر واحد. وإن كان متمتعاً، فإن لم يسق الهدي مع نفسه، فالجواب في المفرد بالعمرة، وإن ساق الهدي مع نفسه، فهو والقارن سواء، هكذا ذكر الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀، لم يرد بهذه التسوية في حق جميع الأحكام. ألا ترى أن القارن إذا جامع قبل أن يطوف لعمرته فسد عمرته وحجه، لأنه في إحرام الحج والعمرة جميعاً، والمتمتع قبل أن يطوف لعمرته تفسد عمرته لا غير؛ لأنه لم يصر شارعاً في إحرام الحج؟ وإنما أراد به التسوية في حق بعض الأحكام، وهو سقوط دم المتعة متى جامع قبل الطواف لعمرته، أو قبل الوقوف بعرفة، ولزوم بعده الدمين متى جامع قبل الوقوف بعرفة. فإن ساق الهدي مع نفسه لمتعة من التحلل بمتعة من التحلل بين النسكين، على ما تبين، فيبقى في إحرام العمرة كما كان، فإذا شرع في إحرام الحج، وجامع قائماً جنى على إحرامين. والوطء في الدبر لا يفسد الحج ولا العمرة في إحدى الروايين عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن معنى الوطء متقاصر، ولهذا لم يجب الحد عنده، وفي رواية أخرى يفسد؛ لأنه كامل من حيث إنه ارتفاق.

стр. 953

وإذا أتى بهيمة لا يفسد حجة ولا عمرته أنزل، أو لم ينزل، غير أنه إن أنزل فعليه الدم، وإن لم ينزل فلا شيء عليه، وإذا جامع فيما دون الفرج وأنزل أو لم ينزل، أو قبل بشهوة أو لمس بشهوة وأنزل، أو لم ينزل لا يفسد حجة؛ لأن القياس أن لا يفسد الحج بالجماع وبدواعيه كما لا يفسد بسائر المحظورات لكن عرفنا الفساد بالجماع بالنص، والنص الوارد بالجماع لا يكون وارداً في هذه الأشياء؛ لأن الاستمتاع والارتفاق بالجماع أكمل وعليه دم أنزل أو لم ينزل لوجود أصل الاستمتاع. وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف: محرم قَبَّل امرأة بشهوة فعليه دم، وإن اشتهت هي فعليها دم أيضاً، وإن لم تشته هي فلا شيء عليها، ولو قبلها بغير شهوة فلا شيء عليه، ولو نظر إلى فرج (١٧٥ب١) . امرأته بشهوة، قلت: ذكر في «الجامع الصغير» : أنه لا شيء عليه، وذكر في «المنتقى» الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: إذا نظر إلى فرج امرأته بشهوة، فعليه دم، وإن جومعت المرأة مكرهة أو نائمة، أو كان جامع صبياً أو مجنوناً، فعليها الدم لحصول معنى الارتفاق لها. نوع منه فى حلق الشعر وقلم الأظافير يجب أن يعلم بأن حلق الشعر وقلم الأظافر حرام على المحرم؛ لأنه من جملة قضاء التفث وأوان قضاء التفث أوان التحليل، وهو ما بعد الرمي في اليوم الأول من أيام النحر وبعد الذبح والحلق. قال محمد رحمة الله عليه في «الجامع الصغير» : محرم حلق موضع المحاجم، فعليه دم، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه صدقة، فهما يقولان إن موضع المحاجم لا يحلق لقضاء التفث ولا يقصد به ذلك، وإنما يقصد به الحجامة فمن حيث إنه حصل به قضاء التفث حقيقة أوجبنا الصدقة، ومن حيث إنه لا يقصد به قضاء التفث لم يوجب الدم، وأبو حنيفة ﵀ يقول: حلق هذا الموضع قضاء التفث حقيقة، وإنه مقصود لمن يقصد الحجامة، وقضاء التفث حقيقة (من) محظورات الإحرام، وإنما يسقط اعتباره إذا لم يكن مقصوداً أصلاً، وإنه ليس بهذه الصفة، فلا يسقط اعتباره. ولو حلق الإبطين، أو حلق أحدهما فعليه دم، وكذلك إذا نتفه أو طلى بنورة؛ لأن حلق كل واحد منهما مقصود لمعنى الراحة، وإن حلق الرقبة كلها، فعليه دم؛ لأنه حلق مقصود للراحة. قال في «الجامع الصغير» : إذا حلق من رأسه أو لحيته ثلثاً أو ربعاً، فعليه دم، وقال في «الأصل» : إذا أخذ ثلث لحيته أو رأسه فعليه دم، وذكر في «الأصل» لفظة الأخذ، وإنها تتناول الحلق والتقصير، وذكر حكم الثلث ولم يذكر حكم ما دونه، وفي «الجامع

стр. 954

الصغير» ذكر لفظة الحلق، وإنها لا تتناول التقصير، وذكر حكم ما دون الثلث، وهو الربع، وإنما أوجب الدم بحلق الربع؛ لأنه يعمل عمل حلق الكل في المعنى الموجب للدم، وهو الارتفاق الكامل و (هو) المقصود. أما في الرأس؛ فلأن عامة العرب يحلقون النواصي ويتركون الباقي، والأتراك يحلقون وسط الرأس قدر الربع، وبه يقع رفقهم عادة. وأما في اللحية؛ فلأن اللحية إذا طالت قد يؤخذ منها الربع والثلث حتى لا يبقى إلا قدر قبضة، وإنه مطلوب للزينة، وهو عادة أهل العراق فيكون رفقاً كاملاً. وإن أخذ من شاربه، فعليه حكومة عدل هكذا ذكر في «الجامع الصغير» ، ومعناه أنه ينظر أن هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية؟ فيجب عليه الصدقة بقدر ذلك، حتى إنه إذا كان قدر ربع اللحية يلزمه ربع قيمة الشاة يتصدق به، هكذا ذكر في «الجامع الصغير» ، وذكر في «الأصل» عن هذه المسألة، وقال: عليه الصدقة يحتمل أن يكون المراد الصدقة على التفسير الذي قلنا، ولو حلق الشارب كله يلزمه الدم، كذا روي عن أبي حنيفة ﵀، وبه أخذ بعض أصحابنا. قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀: والأصح عندي أنه لا يلزم الدم؛ لأنه طرف من أطراف اللحية، وهو تبع اللحية فالعضو واحد، وإنه دون ربع الكل، وما دون الربع ليس له حكم الكل، فلا يجب به الدم بل يكفيه الصدقة. قال في «الجامع الصغير» عقيب هذه المسائل: وإذا حلق عضواً كاملاً فعليه الدم، وإن حلق بعضه فعليه الصدقة، وأراد به الفخذ والساق والإبط دون الرأس واللحية، وقد ذكرنا أن بحلق ربع الرأس واللحية يجب الدم، وهذا لأن الربع في الساق والفخذ والإبط لا يعمل عمل الكل في العادة؛ إذ العادة في هذه الأعضاء ليس هو الاقتصار على الربع، ولا كذلك الرأس واللحية على ما بينا. وفي «المنتقى» : إذا نتف المحرم من إبطيه وهو كثير الشعر قدر ثلث أو ربع فعليه دم، وإن كان إبطه قليل الشعر، فنتف الأكثر فيه فعليه دم، فإن نتف الأقل منه أطعم كذلك نصف صاع. وفي كل موضع قلنا بوجوب الصدقة لا ينقص عن طعام مسكين واحد نصف صاع من حنطة، وقد مر هذا. ولو حلق رأس حلال أو من شارب حلال شيئاً أطعم ما شاء عندنا خلافاً للشافعي ﵀، وعلى هذا الخلاف إذا حلق رأس محرم، أو أخذ من شارب محرم يجب على المحلوق رأسه إذا كان محرماً الجزاء بالإجماع؛ لأن ما هو المقصود من الحلق، وهو الراحة قد حصل له. وإذا ألبس المحرم محرماً أو حلالاً مخيطاً أو طيبه بطيب، فلا شيء عليه بالإجماع، وكذلك إذا قتل قملة على غيره لا يلزمه شيء. في «الأصل» : حلق المحرم رأسه بغير عذر أراق دماً، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، وإن فعل ذلك بعذر يخير بين الكفارات الثلاث على ما مر. في «المنتقى» هشام عن محمد: إذا سقط من شعر رأس المحرم أو لحيته عند

стр. 955

وضوئه ثلاث شعرات، فعليه كف من طعام، قال: وإن كان قدر جزء، فعليه دم، قال هشام: قلت لمحمد ﵀: ما قدر الجزء؟ قال: قدر العشر من شعر اللحية أو الرأس، عنه أيضاً: إذا خبز العبد المحرم، فاحترق بعض شعر بدنه في التنور، فعليه الدم إذا عتق. فيه أيضاً: أبو سليمان عن محمد ﵀: رجل جهل، وهو حاج فحلق رأسه قبل أن يرمي الجمر، فلا شيء عليه. فيه أيضاً: إذا حلق رأسه وأخذ من لحيته ثلثاً أو ربعاً فإن فعل ذلك في مقام واحد فعليه دم واحد، وإن فعل كل شيء من ذلك في مقام، فعليه في كل شيء من ذلك دم واحد وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: المقام والمقامات عندي على السواء، وإن حلق رأسه وأراق لذلك دماً وهو بعد في مقام واحد، ثم حلق لحيته أو شاربه فعليه دم آخر بلا خلاف (١٧٦أ١) . الحسن بن زياد في كتاب «الاختلاف» ، فيمن أخر الحلق حتى مضى أيام النحر، فعليه دم، وكذلك القارن أو المتمتع إذا أخر الذبح حتى مضت أيام النحر. إذا قلم المحرم جميع أظافيره، فعليه دم واحد هكذا روي عن ابن عباس ﵄، وإن قلم أظافير كف، فعليه دم؛ لأنه ربع الجملة، وهو رفق كامل وزينة تامة، وإن قلم أقل من كف فعليه صدقة؛ لأنه دون الربع قلم من كل كف أربعاً، فعليه الطعام إلا أن يبلغ دماً، فيطعم ما شاء معناه، فينقص من الدم ما شاء، وقال محمد ﵀: إذا قلم خمسة أظافير من يد واحد أو يدين أو يد ورجل، فعليه دم؛ لأنها ربع الجملة، وإذا قلم الأظافير كلها في مجالس متفرقة بأن قلم أظافير يد واحدة، ثم قلم أظافير اليد الأخرى في مجلس آخر، ثم قلم أظافير إحدى الرجلين في مجلس آخر، فإن كان حين قلم أظافير إحدى اليدين كَفَّر، ثم قلم أظافير اليد الأخرى لزمه كفارة أخرى، وعلى هذا حكم الرجلين. وإن كان لم يكفر حتى قص الأظافير كلها فعليه دم واحد في قول محمد ﵀، وعندهما يلزمه لكل فعل دم؛ لأن الفعل الواحد في مجالس مختلفة ينزل منزلة أفعال مختلفة. ولو قامت الأفعال حقيقة بأن جامع وتطيب ولبس المخيط أنه يلزمه لكل فعل دم، وإذا انكسر ظفراً محرم وانقطع منه شطره، فقلمه فلا شيء؛ لأن ما انقطع لا شيء سئموا فقلمه لا يكون جناية. في «المنتقى» : الحسن بن أبي مالك عن أبي حنيفة، إذا قلم أصبعاً واحد، فعليه طعام مسكين، وقال أبو يوسف: عليه في ذلك قبضة من طعام، المحرم إذا قلم أظافر حلال أو محرم أطعم ما شاء عندنا، وعلى المقلوم أظافيره الدم إذا كان محرماً لما ذكرنا في الحلق، والله أعلم.

стр. 956

نوع منه فى الدهن والطيب والخضاب يجب أن يعلم بأن المحرم ممنوع عن استعمال الدهن والطيب، قال ﵇ في صفة الحاج «الحاج الشعث التفل» ، وقال ﵇ «يأتون شعثاً غبراً من كل فج عميق» واستعمال الدهن والطيب لهذا، فإذا استعمل الطيب، فإن كان كثيراً فاحشاً، فعليه الدم، وإن كان قليلاً فعليه الصدقة. واختلف المشايخ في الحد الفاصل بين القليل والكثير، وإنما اختلفوا لاختلاف عبارات محمد ﵀، ففي بعض المواضع جعل حد الكثرة عضواً كثيراً، فقال: إذا خضب الرجل لحيته أو رأسه بالحناء، أو خضبت المرأة يدها أو رأسها بالحناء ففيه الدم، وفي بعض المواضع جعل حد الكثرة الكثيرة في نفس الطيب فقال: إذا اكتحل المحرم كحلاً فيه الطيب يكفيه الصدقة ما لم يفعل ذلك مراراً، فإذا فعل ذلك مراراً فعليه الدم، وقال في المحرم: إذا مس الطيب أو استلم الحجر فأصاب يده خلوق، إن كان ما أصابه كثير فعليه الدم، فبعض مشايخنا اعتبروا الكثرة بالعضو الكبير نحو الفخذ والساق، فقالوا: إذا طيب الساق أو الفخذ بكماله يلزمه الدم، وبعضهم اعتبروا الكثرة بربع العضو الكثير فقالوا: إذا طيب رب الساق، والفخذ يلزمه الدم، وإن كان أقل من ذلك يلزمه الصدقة. والفقيه أبو جعفر ﵀ اعتبر القلة والكثرة في نفس الطيب، فقال: إن كان الطيب في نفسه بحيث يستكثره بكفيه الناس، لكفين من ماء الورد، والكف من المسك أو الغالية، فهو كثير وما لا فلا، قال الشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: إن كان الطيب في نفسه قليلاً، إلا أنه طيب عضواً كاملاً، فإنه يكون كثيراً، أو تكون العبرة في هذه الحالة للعضو، وإن كان الطيب في نفسه كثيراً لا يعتبر العضو مكانه سلك فيه طريق الاحتياط، وإن مس طيباً إن لم يلزق بيده شيء منه، فلا شيء عليه، وإن لزق بيده منه إن كان كثيراً يلزمه الدم، وإن كان قليلاً لا يلزمه الدم، ويكفيه الصدقة. وفي «المنتقى» : عن محمد ﵀: إذا أصاب المحرم طيباً فعليه دم، فقلت: ما فرق بين القميص والطيب فإن يلبس القميص لا يجب الدم حتى يكون أكثر اليوم؟ قال: لأن الطيب تعلق به، فقلت: وإن اغتسل من ساعته؟ قال: وإن. وفيه: هشام عن محمد ﵀: خلوف الفرد إذا أصاب ثوب المحرم غسله، ولا شيء عليه فإن كان كثيراً أو أصاب جسده منه كثير، فعليه دم.

стр. 957

قال في «الأصل» : الوسمة ليست بطيب.... والحناء طيب لأن لها....، وذكر في «المنتقى» هشام عن محمد ﵀: إذا خضب رأسه بالوسمة يطعم نصف صاع مسكيناً. وفيه أيضاً: ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: إذا طيب المحرم شاربه كله، فعليه دم، وكذلك مثل موضع الشارب من اللحية والرأس، وأما الجسد فإن أصابه شيء كثير فعليه دم، وإن كان يسيراً فعليه طعام، ولم يوقت في الجسد شيئاً. وفيه أيضاً: هشام عن محمد إذا مس طيباً كثيراً يجب عليه فيه الدم، فأراق لذلك دماً ولو ترك الطيب على حاله يجب عليه لأجل ترك الطيب دم آخر، ولا يشبه هذا الذي تطيب قبل أن يحرم، ثم أحرم وترك الطيب عليه بعد إحرامه، فإنه لا يكون عليه شيء. وفيه أيضاً: الحسن عن أبي حنيفة إذا أحرم في إزار أو رداء، وفيه طيب أو دهن، ووجد فيه ريح، فإن كان كثيراً فاحشاً قدر شبر في شبر، فمكث عليه ساعة أطعم كذلك مسكيناً نصف صاع. ويكره للمحرم أن يشم الريحان والطيب والثمار الطيبة، كذا روي عن ابن عمر ﵄، ولكن لا يلزمه بالشم شيء، ولو أكل زعفران من غير أن يكون في الطعام إن كان كثيراً، فعليه دم، وإن جعل الزعفران في طعام وطبخ، فأكل فلا شيء عليه، فإن (١٧٦ب١) جعل في طعام لم تمسه النار كالملح، فلا بأس به، إلا أن يكون الزعفران هو الغالب، فحينئذٍ يلزمه الدم اعتباراً للغالب.k وإذا خضب الرجل رأسه ولحيته بالحناء، فعليه الدم هكذا ذكر في «الأصل» ، وجمع بين الرأس واللحية في إيجاب الدم. وفي «الجامع الصغير» أفرد الرأس بالذكر وبإيجاب الدم وتبيين ما ذكر في «الجامع الصغير» أن كل واحد منهما مضمون بالدم المسألة على وجهين: إن خضب رأسه بالمائع حتى لم يصير ملبداً رأسه يلزم دم واحد لاستعمال الطيب، ولو خضب رأسه بغير المائع يلزمه دمان، دم لاستعمال الطيب، ودم لتغطية الرأس. محرم دهن رأسه بزيت قبل أن يحلق أو يقصر، فإن كان الزيت قد ألقي فيه شيء من الطيب، ففيه الدم بالإجماع، وإن كان الزيت خالصاً لم يلزمه شيء من الطيب، ففيه الدم عند أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد: فيه الصدقة. قال شيخ الإسلام ﵀: هذا إذا استكثر منه، فأما إذا قل، فعليه الصدقة بالإجماع، وجه قولهما: أن غير الطيب لا يساوي الطيب في الزينة، فكانت جناية قاصرة فلا يلزمه الدم، ولأبي حنيفة ﵀ أن الدهن أصل الطيب؛ لأن الروائح تلقى فيه، ويصير طيباً، فيلحق بحقيقة الطيب في حق وجوب الجزاء احتياطاً. ولو داوى جرحه أو شقوق رجله بدهن ليس فيه طيب، فلا شيء عليه؛ لأن الدهن

стр. 958

ليس بطيب حقيقة، لكن ألحق بالطيب من حيث إنه أصل الطيب؛ إذا استعمل استعمال الطيب بخلاف الكافور والمسك والزعفران؛ لأنه طيب حقيقة، فكيف ما استعمله يجب الدم به. ولو ادهن بشحم أو سمن، فلا شيء عليه؛ لأنه مأكول وليس بطيب، ولا أصل للطيب، ولو وجب الجزاء هنا لوجب باستعمال الطيب، ولو غسل رأسه ولحيته بالخطمي، فعليه الدم عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما عليه الصدقة. وفي «المنتقى» هشام عن محمد ﵀: إذا غسل المحرم يده بأشنان فيه طيب، فإن كان إذا نظروا إليه قالوا: هذا أشنان ففيه الصدقة، وإن قالوا: هو طيب فعليه الدم. وعنه أيضاً: لا بأس أن يأكل المحرم الزيت ودهن الشح، وأن يقطر في أذنه الزيت قال: لأن هذا طعام وطيب يعني الزيت طعام وطيب من حيث إنه أصل الطيب، فإذا لم يستعمله على وجه الطيب لا يظهر حكم الطيب بخلاف البنفسج، وأمثاله؛ لأنه طيب بنفسه. الفصل السادس: في صيد الحرم وشجره وحشيشه وحكم أهل مكة أما حكم الصيد فنقول: قتل صيد الحرم حرام إلا ما استثناه رسول الله ﵇ في قوله «خمس من الفواسق» ، هذا لأن الصيد يستفيد الأمن بسبب الحرم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٧) وأثر ثبوت الأمن حرمة التعرض. وقال ﵇ في الحديث المعروف «ولا ينفر صيدها» وفي القتل تنفير الصيد، فيكون حراماً، فإن قتله حلال، فعليه جزاؤه؛ لأنه أتلف محلاً أمناً ويجوز فيه الإطعام، فإذا أراد القاتل إخراج الطعام عن قيمته قوَّمه، ثم أخرج إلى كل فقير نصف صاع من حنطة أو صاعاً من شعير، ولا يجوز الصوم عندنا، وهو مذهب عثمان ﵁؛ لأن ضمان صيد الحرم بدل محض؛ لأنه وجب باعتبار وصف في المحل، وهو الأمن الثابت للصيد بسبب الحرم وصار الأمن الثابت للصيد بسبب الحرم بمنزلة ملك الآدمي في المحل، ولا مدخل للصيام في إبدال المحل؛ لأن بدل المحل يجب أن يكون مثلاً، ولا مماثلة بين الصوم والمال بخلاف ما يجب على المحرم؛ لأن جزء العادة فيه معنى البدلية، والصوم إن لم يصلح بدلاً يصلح كفارة، وأما الهدي فقد ذكر القدوري أن فيه روايتين: في رواية لا يجوز، وفي رواية يجوز. وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن في ظاهر رواية أصحابنا يجوز، وفي غير رواية «الأصول» لا يجوز، فعلى ظاهر الرواية كما ذكره شيخ الإسلام ﵀، وعلى إحدى الروايتين كما ذكره القدوري، سوى بينه وبين المحرم في حق الهدي، فيجوز الهدي

стр. 959

فيهما، وعلى غير رواية «الأصول» كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، وعلى إحدى الروايتين كما ذكره القدوري فرق بينه وبين المحرم والصحيح هو التسوية. ووجه ذلك أن جواز الهدي في حق المحرم على موافقة القياس؛ لأن الجناية من المحرم من حيث إراقة الدم، وفي الهدي إراقة الدم فيمكن تجويزه في حق صيد الحرم قياساً عليه بخلاف الصوم؛ لأن جواز الصوم في حق المحرم كان على مخالفة القياس؛ لأن الجناية من المحرم بإراقة دم ما هو مال، ولا إراقة في الصوم، ولا مالية، فلا يمكن قياس صيد الحرم على المحرم؛ لأن الواجب على المحرم كفارة، والصوم شرع في الكفارات؛ لأن المماثلة بين الكفارات وشبهها ليس بشرط، والواجب في صيد الحرم بدل محض والمماثلة في الأبدال المحضة شرط. وصورة الهدي في هذا الباب: أن يشتري بقيمة الصيد هدياً ويذبحها، ويتصدق بلحمها على الفقراء، وقد فسر الحسن بن زياد ﵀ في «مناسكه» ، فقال: ينظر إن كان في لحمه وفاء بقيمته حياً جاز، وإن لم يكن في لحمه وفاءٌ بقيمته حياً فعليه أن يتصدق بتمام القيمة، ويجزئه. المحيط البرهانى قال الفقيه أبو العباس الناطفي ﵀: وذكر شيخنا أبو عبد الله الجرجاني ﵀ في مسائل أصحابنا روي عن أبي حنيفة كما فسره الحسن، قال: وكان يقول في الدرس: إن كان قيمة الهدي عند الذبح قدر قيمة الصيد، ثم نقص بالذبح قيمته عن قيمة الصيد جاز، ولا شيء عليه بالنقصان في ظاهر رواية «الأصل» ، وإن كان محرماً واختار الهدي إن كان الذبح قيمة الهدي حياً قدر قيمة الصيد المقتول ولا شيء عليه من النقصان، وإن كان أقل منها ذبحها، وعليه تمام القيمة، فما ذبح جازه بقدره (١٧٧أ١) والزيادة يتصدق بها على الفقراء دراهم أو طعام أو صيام بقدره، وإن اختار الهدي ذبحه في الحرم. ولو ذبح حاج الهدي ذبحه في الحرم، ولو ذبح خارج الحرم يجزئه، إلا أنه إذا سرق لحمه بعد الذبح، وقد كان الذبح في الحرم، فليس عليه بدله، وإن كان الذبح خارج الحرم، فعليه بدله إذا سرق، هكذا ذكره الناطفي ﵀ في «أجناسه» ، وإذا قتل المحرم صيداً في الحرم لا يجب عليه لأجل الحرم شيء، ويجب عليه ما يجب على المحرم، وإذا اشترك حلالان في قتل الصيد بالحرم فعليهما جزاء واحد، وكذلك إذا اشتركا في قطع شجر الحرم. ولو اشترك حلال ومحرم في قتل صيد الحرم، فعلى المحرم جزاء كامل، وهو جميع القيمة، وعلى الحلال النصف؛ لأن الواجب في حق المحرم ضمان الإحرام، وأنه لا يتجزأ، والواجب في حق الحلال بدل المحل وإنه متجزىء، وإذا أخذ حلال صيداً في الحرم، فقتله حلال آخر في يده، فعلى كل واحد منها جزاء كامل؛ لأن كل واحد منهما متلف للصيد أحدهما بالأخذ المفوت للأمن، والآخر بالقتل. وإذا رمى صيداً على غصن شجرة في الحرم أصلها في الحل أو في الحرام لم ينظر إلى أصلها، وإنما ينظر إلى موضع

стр. 960

الصيد، فإن كان في الحل فلا جزاء عليه، وإن كان في الحرام، فعليه الجزاء. ولو رمى صيداً بعضه في الحل وبعضه الحرم، فالعبرة لقوائمه؛ لأن قوامه بالقوائم، ولو كان بعض القوائم في الحل والبعض في الحرم يرجح جانب الحرمة احتياطاً، وهذا إذا لم يكن الصيد نائماً، فإن كان نائماً، وقوائمه في الحل ورأسه في الحرم، فهو صيد الحرم؛ لأن قوامه في حالة النوم بجميع البدن، فإذا كان جزءاً من بدنه في الحرم احتياطاً. وإذا أرسل الحلال كلبه على صيد في الحل فاتبعه الكلب وأخذه في الحرم لم يكن على المرسل شيء لكن لا يؤكل الصيد، وهذا الحل يتعلق بالذكاة، والذكاة فعل الكلب غير أن فعل الكلب صار مضافاً إلى المرسل باعتبار الإرسال، فاعتبر في حق إيجاب الضمان حالة الإرسال، وفي حق الحل حالة الأكل عملاً بالشبهتين جميعاً. ولو رمى الحلال إلى صيد في الحل، فدخل الصيد الحرم وأصابه السهم في الحرم لا يلزمه الجزاء؛ لأن أصل الرمي لم يكن جناية منه، ولكن لا يؤكل الصيد، وهذه المسألة هي المسألة المستثناة من أصل أبي حنيفة ﵀، فإن عنده العبرة في حق الحل لحالة الرامي، إلا في هذه المسألة اعتبر حالة الإصابة وكان فعل ذلك احتياطاً. حلال أخرج عنزاً من الظباء من الحرم الذي مولد في يده أولاد، ثم ماتت هي وأولادها، فعليه جزاء الكل، وهذا لأن الإمام مستحق للإعادة إلى الحرم؛ لأن إخراجها وقع محظوراً من حيث إنه يتضمن تفويت ما استحق من الإعادة إلى الحرم لأن إخراجها وقع محظوراً من حيث إنه يتضمن تفويت ما استحق من الأمن بسبب الحرم ... بالفعل المحظور مستحق، والإعادة إلى الحرم سبب لقود الأمان، فصار الأمان ثابتاً لها قصد للسبب، وهو إعادة الاستحقاق إلى الحرم، والأمان وصف شرعي، والأوصاف الشرعية تسري من الأم إلى ولدها، فيسري الأمان إلى ولدها ثبت اليد على الولد، ولم يرده إلى الحرم، فقد فوت الأمن على ولد مقصود، أفيجب ضمان الولد بسبب صادفه مقصوداً بخلاف ولد المغصوب في حقوق العباد؛ لأن ضمان الغصب فيما بين العباد لا يجب بإثبات اليد؛ لأن إثبات اليد يقع في حق المالك؛ لأن الأموال إنما تصان عن الهلاك بالأيدي. وإنما وجوب ضمان الغصب لتفويت اليد، ولم يوجب تفويت الولد في حق الولد، فلم يجب ضمانه، فإن أدى جزاء الأم وولدت بعد ذلك لم يكن عليه ضمان الولد؛ لأن الواجب بمقابلة صيد الحرم بدل محض، والبدل يقوم مقام المبدل فيصير بأداء الأم يرد المبدل، ولهذا قلنا: بعد أداء الجزاء لا يجب إعادة الأم إلى الحرم، وإذا صارت ... الأم فلم يبق الأمان صفة لهذه الصورة أصلاً، فلا يحدث الولد نصف الأمان، فلا يجب بإثبات اليد عليه شيء. وأما حكم الشجر فنقول: قطع شجر الحرم حرام، قال ﵇ في الحديث

стр. 961

المعروف، «ولا يقطع شجرها» والمعنى: أن في تبقية أشجار الحرم عمارة البقعة، فقلعها يتضمن خرابها؛ ولأن صيد الحرم يأوي إلى أشجار الحرم، ويستظل بظلها، ويأخذ الوكر في أغصانها؛ ففي قلعها إيحاش صيد الحرم، واعلم بأن الشجر الحرام أنواع أربعة: ثلاث منها يحل قطعها والانتفاع بها من غير جزاء، وواحدة لا يحل قطعه منها ولا الانتفاع بها من غير جزاء، وإذا قطعها رجل فعليه الجزاء. بيان الثلاث: كل شجر أنبته الناس، وهو من جنس ما ينبته الناس، وكل شجر أنبته الناس، وهو ليس من جنس ما ينبته الناس، وكل شجر نبت بنفسه، وهو من جنس ما ينبته الناس. بيان الواحدة: كل شجر نبت بنفسه وهو ليس من جنس ما ينبته الناس، ويستوي في الواحدة أن تكون مملوكة لإنسان، أو لم تكن، حتى قالوا في رجل نبت في ملكه أم غيلان، فقطعه إنسان فعليه قيمة لما أهلكه، وعليه قيمة أخرى لحق الشرع بمنزلة ما لو قتل صيداً مملوكاً في الحرم، وبعد ما أدى جزاء الشجرة يكره للقاطع الانتفاع بها، وإنما كره كيلا يتطرق الناس إلى مثله، فلا يؤدي إلى استئصال شجر الحرم. وفي «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀: لا بأس لغيره من محرم أو حلال أن ينتفع به قال: وما جف من شجر الحرم أو تكسّر، فلا بأس بالانتفاع به؛ لأنه ليس شجر الحرم حقيقة؛ لأنه لا نمو له بل هو حطب الحرم، ولا حرمة لحطب الحرم. قال هشام: قلت لمحمد: ما تقول في شجرة يابسة في الحرم القلع؟ قال: إن كانت عروقها لا تسقها فلا بأس بأن تقطع يعني العروق اليابسة، قال: لأنها حطب معنى قلع شجرة في الحرم حتى وجب عليه قيمتها فغرس المقلوع ... (١٧٧ب١) فلأن يقطع ويصنع به ما شاء من غير جزاء، والعبرة في هذا الباب لأصل الشجر لا للأغصان حتى أنه لو كان الأصل في الحرم وعلى قاطع أغصانها، وهذا لأن الأغصان تابعة؛ لأن قواها بأصل الشجرة والعبرة للأصل النفع، وإن كان بعض الأصل في الحل، والبعض في الحرم، فهي شجر الحرم، وعلى قطع الأغصان القيمة سواء كان الغصن من جانب الحل أو من جانب الحرم، ثم إذا وجبت القيمة في شجر الحرم يتصدق بها، ولا يجزىء فيه الهدي ولا الصوم، وعن أبي يوسف في «المنتقى» : وإن شاء اشترى به هدياً. وأما حكم الحشيش قال محمد ﵀ في «الأصل» : لا يختلى حشيش الحرم ولا يقطع إلا الإذخر بلا خلاف، فإنه بلغنا أن رسول الله ﵇ رخص في الإذخر، فكان يحرم قطع الحشيش، وهو القطع بالمنجل، يحرم إرسال البهيمة على

стр. 962

الحشيش في الرعي، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: لا بأس بالرعي، ولا بأس بأخذ كمأة الحرم ليس من نبات الأرض بل هو مودع فيه، ولا بأس بإخراج حجارة الحرم؛ لأن الانتفاع به جائز في الحرم، وما جاز الانتفاع به في الحرم جاز إخراجه عن الحرم. وفي «المنتقى» : هشام عن محمد ﵀: لا بأس بإخراج تراب الحرم إلى الحل، ألا ترى أنه يخرج القدور والأراك، وتراب البيت وماء زمزم يستسقي به؟ قيل: هذا إذا أخرج قدراً يسيراً لطلب التبرك بحيث لا يفوت به عمارة المكان، فأما إذا أراد أن ينقل ما هو خارج عن العادة ويعمق المكان، فذلك من باب التخريب لا من باب التبرك فليس له ذلك، وليس للمدينة حرمة الحرم في حق الصيود، والأشجار ونحوها إنا ذلك ملكة خاصة، ألا ترى أنه لم تظهر حرمتها في حق إحرام الداخلين حتى جاز الدخول فيها من غير إحرام؟ فكذا في حق الصيود والأشجار، وأما حكم أهل مكة في «المنتقى» هشام عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: أكره إجارة بيوت مكة في أيام الموسم، وأرخص فيها في غير أيام الموسم، وهكذا روى هشام عن محمد عن أبي حنيفة ﵏، قال: وكان يقول يعني أبا حنيفة ﵀ لهم: يعني للحاج أن ينزلوا عليهم في دورهم إذا كان لهم فضل، وإذا لم يكن لهم فضل فلا. قال هشام: وإنما قال لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآء الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: ٢٥) ، قال: وإنما فرق أبو حنيفة بين أيام الموسم وغيرها في كراهيته الإجارة والرخصة فيها؛ لأن في أيام الموسم يزدحم الخلق، وتقع الضرورة إلى النزول في مساكنهم، فأنزل منازلهم كالمملوكة للنازلين من وجه نظراً ورحمة لهم، وبعد أيام الموسم ترفع الضرورة، ثم هذه المسألة دليل على جواز إجارة البناء بدون الأرض؛ لأن الإجارة لا ترد على الأرض عند أبي حنيفة كالبيع، وإنما ترد على البناء ورخص فيها في غير أيام الموسم، قال هشام: وكان أبو حنيفة ﵀ يكره الجوار بمكة؛ لأنها ليست بأرض هجرة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: أكره الجوار بمكة والمقام بها، وكان يقول: هاجر رسول الله ﵇ منها. وفي «المنتقى» أيضاً: هشام عن محمد ﵀: ليس لهم أن يبنوا بمنى شيئاً؛ لأنه مباح، قال ﵇: «منى مباح من سبق» وقوله: مباح لبيان الانتفاع كأنه يقول في صفة منى إنما ينبغي أن تكون مباحاً للخلق؛ وبه يتبين أن منى كاسمه لإراقة الدماء وإراقة الدماء مظنة على الصراط، والبناء ينقص عليهم كونه مباحاً. والله أعلم بالصواب.

стр. 963

الفصل السابع: في بيان وقت الحج والعمرة وقت الحج أشهر معلومات قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يأُوْلِي الالْبَبِ﴾ (البقرة: ١٩٧) والمراد وقت الحج، والأشهر المعلومات شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي حجة، فإذا عمل شيئاً من أعمال الحج من طواف أو سعي قبل أشهر الحج لا يجوز، وإذا عمل في أشهر الحج يجوز. ولو أحرم قبل أشهر الحج ينقض إحرامه، قد ذكرنا في صدر الفصل الثاني أن الإحرام عندنا شرط، وتقديم شرط العبادة على وقتها جائز ولكن يكره الإحرام قبل أشهر الحج؛ لأنه لا يؤمن الوقوع في محظورات الإحرام لو قدمه، فإن أمن ذلك لا يكره. ووقت العمرة السنة كلها؛ لأنه لم يرد فيها توقيت، ولكن يكره في يوم عرفة، وأيام التشريق هكذا روي عن عائشة ﵂؛ ولأن هذه الأيام وقت أداء الحج، فيجب تجريدها لأداء الحج، وعن أبي يوسف: أنه لا يكره إحرام للعمرة يوم عرفة قبل الزوال؛ لأن ما قبل الزوال ليس وقت أداء أعمال الحج، فإن الوقوف بعد الزوال. في «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف في «الأمالي» : رجل أهل بعمرة في أول العشر، ثم قدم في أيام التشريق، فأحب أن يؤخر الطواف حتى تمضي أيام التشريق، ثم يطوف، وليس عليه أن يرفض إحرامه، ولو طاف لها في تلك الأيام أجزأه ولا دم عليه، ولو أهل بعمرة في أيام التشريق، فإنه يؤمر بأن يرفضها، وإن لم يرفض، ولم يطف حتى مضت أيام التشريق، ثم طاف لها أجزأه، ولا دم عليه، وهذا بناءً على ما قلنا: أن العمرة في يوم عرفة وأيام التشريق مكروهة، وإذا لم يكن الإحرام بالعمرة في يوم عرفة، فالإحرام وجد في وقت لا كراهة فيه، وانعقد لا بصفة الكراهة، فلم يؤمر بالرفض، وأمر بتأخير الطواف لتجريد هذه الأيام للحج. وأما إذا كان الإحرام بالعمرة في يوم عرفة، أو في أيام التشريق فالإحرام (١٧٨أ١) وجد في وقت مكروه، فانعقد بصفة الكراهة، فأمر برفضها إزالةً لهذه الصفة (وقال) ، وفيه عمرو بن أبي عمرو في «الأمالي» بالرفض، وإذا طاف المعتمر بين الصفا والمروة راكباً وهو يقدر على المشي قال أبو حنيفة ﵀: عليه الدم، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: عليه لكل طواف طعام مساكين إلا أن يبلغ ذلك دماً، فينتقص منه شيء.

стр. 964

الفصل الثامن: في الطواف والسعي وقد ذكرنا قبل هذا أنه ينبغي للطائف أن يفتتح الطواف عن يمينه إلى باب الكعبة، ولو أخذ عن يساره على باب الكعبة، وطاف كذلك سبعة أشواط يعيد طوافه في حكم التحلل عندنا، وعليه الإعادة ما دام بمكة. وإن رجع إلى أهله قبل الإعادة فعليه دم. وقال الشافعي ﵀: لا يعتد بطوافه، ولعل المسألة إذا طاف بالبيت معكوساً، وأما إذا سعى معكوساً بأن بدأ بالمروة، فمن أصحابنا ﵏ من قال: يعتد به ولكن يكره، والصحيح أنه لا يعتد بالشوط الأول لا لكونه معكوساً لكن؛ لأن الواجب هناك صعود الصفا أربع مرات، وصعود المروة ثلاث مرات، فإذا بدأ بالمروة، فإنما صعد الصفا ثلاث مرات، فعليه أن يصعده مرة أخرى فلا يمكنه ذلك إلا بإعادة شوط واحد بين الصفا والمروة، فأما ها هنا ما ترك شيئاً من أصل الواجب عليه، وقد دار حول البيت سبع مرات فلهذا كان طوافه معتداً به. وينبغي أن يطوف بالبيت ماشياً، ولو طاف راكباً أو محمولاً، أو سعى بين الصفا والمروة راكباً أو محمولاً إن كان كذلك من عذر يجزئه، ولا يلزمه شيء، وإن كان من غير عذر، فما دام يمكنه، فإنه يعيد، وإذا رجع إلى أهله، فإنه يريق لذلك دماً عندنا، ولو كان الذي حمل هذا الشخص محرماً هل يجزئه بذلك عن طوافه؟ ذكر القاضي الإمام جلال الدين محمود بن مسعود النسفي أن عندنا يجزئه، وعلّل فقال: إن المقصود من الطواف حضور الطائف في جميع مكان الطواف ليصير زائراً لجميع البيت، وقد حضر في مختلفاته في جميع أماكن الطواف، فيسقط عنه الفرض كما في الوقوف بعرفات. بعض مشايخنا قالوا: إنما يجوز الحامل عن طوافه إذا نوى الطواف أما إذا لم ينوِ لا يجزئه، واستدل هذا القائل بما ذكر القدوري في «شرحه» : إذا طاف بالبيت طالباً الغريم، أو هارباً من عدو أو سبع، ولا ينوي الطواف لا يجزىء عن طوافه بخلاف الوقوف بعرفة، وبعضهم قالوا: وإن لم ينوِ الحامل الطواف جاز إن لم يرد به الحمل، ويستدل هذا القائل بما ذكر القدوري أيضاً. وكل من وجب عليه طواف، فأتى به وفيه وقع عنه سواء نواه أو لم ينوه، أو نوى به طوافاً آخر، ومثاله المحرم بالحجة والعمرة إذا قدم مكة، وطاف، ولم ينوِ شيئاً أو نوى التطوع، فإن كان معتمراً وقع عن العمرة، ولو كان حاجاً وقع عن طواف القدوم، فالحاصل أن على قول هذا القائل نية الطواف ليست بشرط وقت الطواف، إنما الشرط أن لا يكون ناوياً شيئاً آخر، وخرج على هذا ما إذا طاف بالبيت طالباً الغريم؛ لأن هناك قصد شيئاً آخر سوى الطواف، وفي مسألتنا لو كان قصد الحامل ونيته حمل المحمول لا يجزئه عن الطواف أيضاً. وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف ﵀: طاف المحرم بالحج يوم النحر

стр. 965

طوافاً كان ... لله على نفسه أجزأه من طواف الزيارة يوم النحر. أحد عينيه من حيث الزمان، فنزل من هذا الوجه منزلة صوم رمضان. إذا طاف طواف الواجب في جوف الحجر فإن كان بمكة أعاد الطواف كله، هكذا ذكر في «الجامع الصغير» ، وذكر في «الأصل» : يطوف ما ترك يعني ما يطوف بالحجر، ولا يعيد الطواف على البيت، وليس في المسألة اختلاف الروايتين فما ذكر في «الأصل» جواب الجواز، معناه لو طاف بالحجر وحده أجزأه؛ لأنه أتى بالمتروك، وذكر في «الجامع الصغير» جواب الاستحسان والأولية، يعني المستحب، والأولى أن يعيد الكل ليحصل الطواف على الولاء والترتيب، ثم طريق الطواف بالحجر أن يأخذ من يمينه خارج الحجر حتى ينتهي إلى آخر الحجر، ثم يدخل في الحجر، ويخرج من الجانب الآخر، ثم يطوف وراء الحجر هكذا سبع مرات، ويتصور بطريق آخر من خارجه وهو أنه إذا انتهى إلى آخر الحجر يرجع إلى أوله، ثم يبتدىء لكن لا يعد الخروج إلى أوله شوطاً. وإن لم يعد الطواف على الحطيم حتى يرجع إلى أهله أجزأه وعليه دم عندنا؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، فيقوم الدم مقامه. بيانه: أن كون الحطيم من البيت ثبت بالخبر الواحد، وإنه يوجب العمل، أمالا يوجب العلم، فجعلنا الطواف به واجباً لا ركناً وترك الواجب يجبر بالدم. قال محمد في «الجامع الصغير» : إذا طاف طواف الزيارة على غير وضوء، وطاف طواف الصدر في آخر أيام التشريق بالوضوء، فعليه دم، ويجزئه الطواف، ولو كان طاف للزيارة جنباً، وطاف للصدر في آخر أيام التشريق على الطهارة، فعليه دمان عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ﵏ عليه دم واحد. يجب أن يعلم بأن الطواف عندنا صحيح بدون الطهارة، فالطهارة ليست من شرائط الطواف عندنا، بل هي من واجباته، وترك الواجب لا يمنع الاعتداد، أما يوجب النقصان إلا أن في الجنب يجب الإعادة، ما دام بمكة، وفي المحدث صحت الإعادة ولا تجب؛ لأن النقصان المتمكن في الطواف (١٧٨ب١) بسبب الجنابة، وصار طواف الجنب كالمعدوم من وجه، ولم...... عن النقصان في الطواف بسبب الحدث، فلم يعتبر طواف بسبب الحدث فلم يعتبر طواف المحدث كالمعدوم من وجه، فاستحب الإعادة في طواف المحدث، ووجبت الإعادة في طواف الجنب، لهذا فإن أعاد طواف الزيارة، إن أعاده في وقته فلا شيء عليه. ووقت طواف الزيارة أيام النحر أوله ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر، فإذا أعاده في أيام النحر فلا شيء عليه؛ لأنه أيام النحر أداه في وقته، وكان المعتبر في حق المحدث الطواف الأول، والطواف الثاني جابر له اتفق عليه مشايخنا ﵏. واختلفوا في الجنب إذا أعاد طواف الزيارة أن المعتبر أيهما؟ في الكرخي كان

стр. 966

يقول: المعتبر هو الأول والثاني جابر له، ويستدل بفصل المحدث وبفصل أقرانه لو طاف جنباً لعمرته في رمضان، ثم أعاد طوافه في أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك لا يكون متمتعاً. ولو كان المعتبر هو الطواف الثاني لكان متمتعاً، وكان الفقيه أبو بكر الرازي ﵀ يقول: المعتبر هو الطواف الثاني، ويستدل بفصل ذكره محمد ﵀: أنه لو طاف للزيارة جنباً في أيام النحر، ثم أعاد طوافه بعد أيام التشريق، فعليه دم عند أبي حنيفة ﵀ لتأخير الطواف عن وقته، ولو كان المعتد به هو الأول، والثاني جابر لما لزمه التأخير؛ لأن الأول موجود في وقته، هذا إذا أعاد طواف الزيارة في أيام النحر، فإن أعادها بعد أيام النحر، فعلى الجنب الدم عند أبي حنيفة؛ لأنه أخر الطواف عن وقته، والتأخير عنده يوجب الدم وكذلك في الابتداء، لتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر، فعليه دم عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما لا دم عليه في هذه الفصول. فتأخير النسك عندهما لا يوجب الدم بحال، وأما المحدث إذا عاد طواف الزيارة بعد أيام النحر فلا ذكر له في «الأصل» ، قال مشايخنا: وينبغي أن يكون بالصدقة كفاية على مدينه. وفي «المنتقى» : الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: إذا طاف طواف الزيارة على غير وضوء، ثم قضاه بعد أيام النحر لم يكن عليه شيء، وروي عنه أن عليه صدقة؛ لأن طواف الزيارة مؤقت بأيام النحر، فقد أخره، وبالقضاء خفت جنايته، أما لم تسقط، فلهذا وجبت الصدقة. فلو أنه لم يعد الطواف حتى رجع إلى أهله، فعليه إن كان جنباً بدنة، وإن كان محدثاً شاة. إذا عرفنا هذه الجملة جئنا إلى مخرج المسألة التي ذكرها في «الجامع الصغير» فنقول: فإذا طاف للصدر في آخر أيام التشريق طاهراً وقع طواف الصدر عن طواف الزيارة، وصار تاركاً طواف الصدر، فيجب عليه الدم لترك طواف الصدر، وهذا بلا خلاف، ويجب عليه دم آخر لتأخير طواف الزيارة عند أبي حنيفة، فإذا طاف للزيارة محدثاً، ثم طاف للصدر في آخر أيام التشريق طاهراً لم يقع طواف الصدر عن طواف الزيارة حتى يصير تاركاً طواف الزيارة، فيلزمه الدم بسبب ترك طواف الصدر إنما أخر طواف الزيارة له لا غير فيكفيه دم واحد، فقد فرق بين المحدث والجنب من حيث إنه أوقع طواف الصدر عن طواف الزيارة في حق الجنب، وما أوقعه عن طواف الزيارة في حق المحدث. والفرق من وجهين: أحدهما: إن إعادة طواف الزيارة في حق المحدث مستحبة وليست بواجبة، وطواف الصدر واجب، ولا يقام الواجب مقام المستحب، أما إعادة طواف الزيارة في حق الجنب واجب، فجاز أن يقام طواف الصدر مقامه؛ ولأن إيقاع طواف الصدر عن طواف الزيارة في حق المحدث غير مفيد؛ لأنه يلزمه الشاة في

стр. 967

الحالين، أما في حق الجنب يعيد؛ لأنه يلزمه الجزور لو لم يقع طواف الصدر عن طواف الزيارة، وإذا وقع يكفيه شاة، فلهذا افترقا. هذا هو الكلام في طواف الزيارة. طواف العمرة جئنا إلى طواف العمرة، فنقول: إذا طاف للعمرة محدثاً أو جنباً، فما دام بمكة يعيد الطواف ركن في العمرة كطواف الزيارة في الحج، فإن رجع إلى أهله ولم يعد، ففي المحدث يلزمه البدنة، وفي الاستحسان يكفيه؛ لأنه لا مدخل للبدنة في العمرة إلا أن المعتمر لو جامع قبل الفراغ من العمرة لا يلزمه بدنه، بخلاف الحاج إذا جامع. طواف الصدر جئنا إلى طواف الصدر، فنقول: إذا طاف للصدر جنباً أو محدثاً، فما دام بمكة يعيده، وإن رجع إلى أهله، فعلى الجنب الشاة، وأما المحدث، فقد ذكر في رواية أبي سليمان أنه يكفيه الصدقة، حتى لا تقع التسوية بين الحدث والجنابة، وذكر في رواية أبي حفص أن عليه الدم؛ لأن الجنابة والحدث مما سوى طواف الزيارة على السواء، ألا ترى أنهما استويا في طواف العمرة؟ فكذا هنا. وفي «المنتقى» : وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لكل شوط طعام مسكين إلا أن يبلغ دماً فينتقص عنه، ولو طاف طواف الزيارة وفي ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم أجزأه ولكن مع الكراهة، ولا يلزمه شيء، ولو طاف منكشف العورة قدر ما لا يجوز معه الصلاة أجزأه، وعليه دم، ذكره القدوري في «شرحه» . وفي «المنتقى» الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إذا طاف طواف الزيارة في ثوب كله نجس، فهذا وما لو طاف عريان سواء، فيلزمه دم إن لم يعد، وإن كان من الثوب قدر يواريه طاهراً (١٧٩أ١) والباقي نجس جاز طوافه، ولا شيء عليه. وليس على المكي، وأهل المواقيت، ومن دونهم طواف الصدر كما هو مشروع لتوديع البيت، فهو مشروع لحكم المناسك، وكذلك ليس على الحائض والنفساء طواف الصدر. ابن سماعة عن محمد ﵀ في «الرقيات» : إذا طهرت الحائض والنفساء قبل أن تخرج من بيوت مكة، فعليها طواف الصدر، ولو جاوزت البيوت حتى تكون في وضع لو خرج المكي إليه يريد سفراً قصر الصلاة، وطهرت في ذلك الموضع فليس عليها الطواف الصدر. وفي «الجامع الصغير» : طاف لعمرته، وسعى على غير الوضوء له حل بمكة أعاد الطواف ويسعى، وإنما أعاد السعي؛ لأن السعي وإن صح مع الحدث بوصف التمام؛ لأنه لا تعلق له بالبيت، إلا أن السعي تابع للطواف ومرتب عليه، ألا ترى أنه لا يعد قربة بدون الطواف، وقد أمر بإعادة السعي بطريق التبعية؟ وإن رجع إلى أهله، ولم يعد يصير حلالاً وعليه الدم لإدخال النقصان في طواف العمرة، وليس عليه للسعي شيء، وكان ينبغي أن يلزمه دم لأجل السعي كما لو عاد طواف العمرة طاهراً ولم يعد السعي.

стр. 968

والجواب: إذا أعاد الطواف ولم يعد السعي إنما يلزمه الدم؛ لأن بالإعادة يرتفع المؤدى، ويصير كأن لم يكن بقي السعي قبل الطواف، فيلزمه الدم لترك السعي، بخلاف ما إذا لم يعد الطواف، ولكن أراق الدم؛ لأن بإراقة الدم لا يرتفع المؤدى، ولا يصير كأن لم يكن؛ لأنه ليس من جنسه بل يرتفع النقصان، فيبقى الطواف في محله والسعي بعده، فلا يلزمه شيء. ومن طاف للصدر، ثم أقام بمكة لشغل، فليس عليه إذا انصرف أن يطوف، وتأويل قوله ﵇ «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده الطواف» فليكن آخر مناسكه الطواف دون مقامه، وعند أبي حنيفة ﵀ إذا طاف للصدر، ثم أقام إلى العشاء، فأحب إليّ أن يطوف طوافاً آخر ليكون توديع البيت متصلاً بالخروج من غير فصل، وإذا رجع الحاج قبل طواف الصدر، فعليه أن يرجع قبل أن يجاوز الميقات، وإن جاوز الميقات لم يرجع. وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يجمع بين أسبوعين لا يصلى بينهما، وإن فعل صح ويكره، وقال أبو يوسف ﵀: لا يكره إذا انصرف عن وتر القارن. إذا طاف طوافين لعمرته وحجته، وسعى سعيين بعد ذلك لعمرته وحجته جاز، وقد أساء وإنما لزمته الإساءة لترك السنّة المتواترة والترتيب المشروع، فإن الترتيب المشروع في حق القارن أن يقدم أفعال العمرة على أفعال الحج، فيطوف بالبيت سبعة أشواط لعمرته، ويسعى من الصفا والمروة سبع مرات لعمرته، ثم يطوف طواف التحية لحجته وعمرته، فقد ترك الترتيب المشروع، فيلزمه الإساءة لهذا، ولا شيء عليه؛ لأنه ما ترك واجباً، ولا أخر واجباً إنما ترك مجرد الترتيب وإنه سنّة، وترك السنّة يوجب الإساءة، أما لا يوجب الدم ولا الصدقة. الفصل التاسع: في القارن اعلم بأن القران في حق الآفاقي أفضل من التمتع والإفراد، والتمتع في حق الآفاقي أفضل من الإفراد، وهذا هو المذكور في ظاهر رواية أصحابنا ﵏، وذكر الحسن في «المجرد» عن أبي حنيفة ﵀ أن القران أفضل من التمتع، والإفراد أفضل من التمتع، فصار في التمتع روايتان. وفي حق المكي الإفراد أفضل من القران؛ لأنه لا يمكنه إحراز فضل القران لا يترك واجباً وهو الإحرام من الميقات، أما ميقات الحج إن أحرم بها من الحل؛ لأن ميقاته

стр. 969

للحج من دويرة أهله، أو ميقات العمرة إن أحرم بها من فوق مكة؛ لأن ميقاته للعمرة من التنعيم والإحرام من الميقات واجب، وإحراز فضل القران مستحب، ولا شك أن مراعاة الواجب أولى. والقارن هو الجامع بين الحج والعمرة سواء أحرم بهما معاً أو أحرم بالحجة، وأضاف إليها العمرة، أو أحرم بالعمرة، ثم أضاف إليها الحجة إلا أنه إذا أحرم بالحجة وأضاف إليها العمرة، فقد أساء فيما صنع، لأن الله تعالى جعل العمرة بداية، وجعل الحج نهاية، وعليه فمن أضاف العمرة إلى الحج، فقد جعل الحج بداية، وإنه مخالف ما في الكتاب، وعليه أن يقدم أعمال العمرة على أعمال الحج هذا هو دأب القارن، وعليه دم شكراً لما أنعم الله تعالى عليه من التوفيق للجمع بين العبادتين بسفره، ولهذا يحل له التناول ولغيره من الأغنياء؛ لأنه دم شكر، وإن لم يأت بأفعال العمرة حتى وقف بعرفات يصير رافضاً لعمرته؛ لأن بالوقوف تم حجة، فلو لم ترتفض عمرته يصير بانياً أفعال العمرة على أفعال الحج، وإنه غير مشروع، وكذلك لو طاف لعمرته شوطاً أو شوطين أو ثلاثة، ثم وقف بعرفة يصير رافضاً لعمرته؛ لأن المأتي به من أعمال العمرة أقل، فيجعل وجودها كعدمها، وإذا ارتفض عمرته لزمه دم لرفض العمرة، ولكن يسقط عنه دم القران. وأما إذا توجه إلى عرفات، وأخذ في السير قبل أن يأتي بأفعال العمرة، هل يصير رافضاً لعمرته؟ ذكر في «الجامع الصغير» أنه لا يصير رافضاً، وذكر المسألة في «الأصل» في موضعين، وذكر في أحد الموضعين أنه يصير رافضاً لعمرته، وذكر في موضع آخر: القياس على قول أبي حنيفة أن يصير رافضاً، وفي الاستحسان لا يصير رافضاً، وهو لم (١٧٩ب١) يذكر القياس، والاستحسان في «الأصل» في أحد الموضعين أن ما ذكر في «الأصل» في الموضع الآخر أنه يصير رافضاً استحساناً. وإنما تظهر فائدته فيما إذا توجه إلى عرفات، ثم بدا له، فرجع عن الطريق قبل الوقوف بعرفة، وطاف لعمرته، وسعى لها، ثم وقف بعرفة، هل يكون قارناً؟ على جواب الاستحسان يكون قارناً، وأراد بما ذكر في «الأصل» في آخر الموضعين من القياس على قول أبي حنيفة ﵀ القياس على مسألة معروفة في كتاب الصلاة: إن من صلى الظهر في منزله، ثم توجه إلى الجمعة هل ينتقض ظهره بمجرد التوجه؟ ولو أحرم بالعمرة، ثم طاف لحجة، وسعى لحجة يريد به طواف التحية، ولم يطف لعمرته حتى وقف بعرفة هل يصير رافضاً لعمرته؟ ذكر القاضي الإمام علاء الدين ﵀ في «مختلفاته» أنه لا يصير رافضاً؛ لأن ما أتى به من الطواف وقع لعمرته، وإن نوى به الحجة؛ لأن الطواف الأول في حق القارن مستحق للعمرة، فيقع عن العمرة على ما مر قبل هذا، وإذا وقع عن العمرة تمت عمرته ولا رفض بعد التمام، وإن كان هذا الرجل أحرم بالحج، وطاف للحج طواف التحية، ثم أحرم بالعمرة لزمته، وعليه لجمعه بينهما دم؛ لأن طواف التحية سنّة وليس بركن، فلا يصير به مؤدياً شيئاً من الحج، فصار بمنزلة ما لو أحرم بالعمرة قبل هذا الطواف إلا أن في هذا الفصل يستحب له رفض العمرة،

стр. 970

وفيما إذا لم يطف لحجته أصلاً عملان لا يستحب له رفض العمرة. والفرق أن هذا لو مضى على عمرته يصير بانياً عمل العمرة على عمل الحج، ولكن عملاً هو مسنون لا عمل هو ركن، والمشروع ترتيب جميع أفعال الحج على أفعال العمرة، فإذا فات هذا الترتيب في عمل هو مسنون لا في عمل هو ركن يستحب له الرفض من حيث فوات الترتيب في عمل هو مسنون، ولم يؤمر من حيث إنه لم يفت الترتيب في عمل هو ركن، أما إذا لم يطف لحجته أصلاً فإن مضى عليها لا يكون بانياً أعمال العمرة على أعمال الحج أصلاً، وقد ذكر الاستحسان هذا، ولم يذكر ثمة لهذا. في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد ﵀: قارن طاف وسعى لعمرته، ثم حلق رأسه فعليه دمان، وهذا لأن العمرة في حق القارن تبع للحج، فما دام إحرامه للحج باقياً لا يتحلل عن إحرام العمرة، وإن أتى بأفعالها، وكان الحلق جناية على إحرامين، وبه فارق المتمتع؛ لأن العمرة في حق المتمتع أصل، فيقع التحلل عنها بإتيان أفعالها، فلا يصير بالحلق جانياً على إحرام العمرة، فلا يلزمه دم العمرة. وفيه أيضاً: رجل جمع بين حجة وعمرة، ثم قدم مكة، وطاف لعمرته في شهر رمضان كان قارناً، ولكن لا هدي عليه؛ لأن الهدي إنما يجب على من طاف للعمرة في أشهر الحج؛ لأن الهدي إنما يجب على القارن شكراً لما أنعم لله عليه من تجوز الجمع بين الحجة الصغرى والكبرى في وقت الحجة الكبرى. وفيه أيضاً: ابن أبان عن محمد ﵀: قارن طاف لعمرته، وسعى ينوي أن تكون لحجته كان سعيه عن العمرة؛ لأنه أولهما فصار السعي مستحقاً لها فيقع عنها، وإذا لم يجد القارن الهدي صام ثلاثة أيام، فإن صام ثلاثة أيام، ثم وجد الهدي قبل أن يحلق، فعليه أن يذبح. الفصل العاشر في التمتع قدمت في صدر الكتاب أن المتمتع: هو الذي اعتمر في أشهر الحج، وحج من عامه ذلك في سفر، ولم يُلمّ بأهله فيما بينهما إلماماً صحيحاً، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ

стр. 971

إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: ١٩٦) جعل الحج في حق المتمتع مفصلاً بالعمرة؛ لأنه بدأ بالعمرة إحراماً وسفراً، وقد يوصل بها سفراً لا إحراماً، فالأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويأتي بأكبر أفعال العمرة، ثم يحرم بالحج، ويأتي بباقي أفعال العمرة بتمامها، ثم يحرم بالحج في ذلك السفر، فيتحقق الوصل

стр. 972

سفراً إن كان لا يتحقق إحراماً، وإنما يتحقق الوصل سفراً إذا كان السفر واحداً، وإنما يتخذ السفر إذا لم يلم بأهله فيما بينهما إلماماً صحيحاً حتى لا ينتهي حكم السفر الأول، وعن هذا قلنا: إنه لا يمنع لأهل مكة وأهل المواقيت ومن دونها إلى مكة، أما أهل مكة؛ فلأن من شرط المتمتع أن لا يلم بأهله فيما بين عمرته وحجته إلماماً صحيحاً، وذلك لا يتصور في حق أهل مكة؛ لأنه كلما فرغ من العمرة، فقد حصل ملماً بأهله إلماماً صحيحاً، وأما أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة؛ فلأنهم ألحقوا بأهل مكة، ولهذا جاز لهم دخول مكة بغير إحرام، فألحقوا بهم في حق هذا الحكم أيضاً. ويفسر الإلمام الصحيح أن يرجع إلى أهله، ولا يكون العود إلى مكة مستحقاً عليه، والعمرة للجمع بين أفعال العمرة وبين إحرام الحج في أشهر الحج لا للجمع بين إحرامين. ثم المتمتع نوعان: متمتع ساق الهدي مع نفسه، ومتمتع لم يسق الهدي مع نفسه. فالذي لم يسق الهدي، أو فرغ من أعمال العمرة يتحلل بالحلق، والذي ساق الهدي مع نفسه لا يتحلل بالحلق، وإن فرغ من أفعال العمرة؛ لأن للسوق أثراً في ابتداء الإحرام، فيكون له أثر في استدامته من الطريق الأولى، وعلى المتمتع دم إذا وجد ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: ١٩٦) سئل رسول الله ﵇ عن ذلك فقال: «أدناه شاة» . وإنه دم شكر حتى جاز للغني التناول منه، وإن لم يجد (١٨٠أ١) فصيام ثلاثة أيام في الحج أي في وقت الحج، حتى لو صام بعدما أحرم بالعمرة في أشهر الحج جاز عندنا خلافاً للشافعي، والأفضل له أن يصوم ما قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة؛ لأن الصوم بدل عن الهدي، وكان الأفضل له أن يؤخر الصوم إلى آخر الوقت الذي يفوته الصوم بمضي ذلك الوقت، وهذه الأيام الصوم، فإن مضت يعني هذه الأيام ولم يصم سقط الصوم، وعاد إلى الهدي عندنا، فإن لم يقدر على الهدي كان عليه دمان دم التمتع ودم التحلل قبل الهدي، وإنما سقط الصوم، وعاد حكم الهدي باعتبار أن كون الصوم بدلاً عن الهدي عرف عن الكتاب، والكتاب وقت كونه بدلاً بهذه الأيام. فإن المراد من قوله: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: ١٩٦) في وقت الحج، فبعد فوات هذه الأيام يظهر حكم الأصل، وبنحوه ورد الأثر عن عمر وابن عباس.f وأما صوم السبعة، فيجوز إذا فرغ من أفعال الحج وإن لم ينصرف إلى أهله، ولا يجوز قبل أفعال الحج؛ لأن صوم السبعة معلق بالرجوع بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: ١٩٦) إلا أنا أقمنا سبب الرجوع، وهو الفراغ من أعمال الحج مقام الرجوع، فبقي ما وراءه على أصل التعليق. ولو قدر على الهدي في خلال الصوم الثلاث أو بعدها قبل يوم النحر لزمه الهدي، وسقط حكمه؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل؛ لأن المقصود هو التحلل، ولم يحصل فسقط حكم البدل، كالمقيم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة، ولو وجد الهدي بعدما حلق قبل أن يصوم السبعة، فلا هدي عليه؛ لأن المقصود قد حصل بالحلق، وهو التحلل فيسقط حكم البدل. وفي «المنتقى» : رواية البشر عن أبي يوسف: إذا صام المتمتع ثلاثة أيام، ثم وجد هدياً قبل أن يحل انتقض صومه، وإن وجد الهدي بعدما حل جاز صومه، ولا هدي عليه. قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : كوفي قدم بعمرة في أشهر الحج، ففرغ منها، وحلق أو قصر، ثم أخذ مكة والبصرة داراً، ثم حج من عامه، فهو متمتع. اعلم أن هذه المسألة على أربعة أوجه: الأول: إذا أقام بمكة بعدما فرغ من العمرة وحلق، ثم حج من عامه ذلك، وفي هذا الوجه متمتع لما ذكرنا من صورة المتمتع. الوجه الثاني: إذا خرج من مكة، ولكن لم يجاوز الميقات حتى حج من عامه ذلك، وفي هذا الوجه هو متمتع أيضاً؛ لأن لداخل الميقات حكمه جوف مكة، فكأنه لم يخرج من مكة. الوجه الثالث: إذا خرج من المواقيت وعاد إلى أهله، ثم حج من عامه ذلك، وفي هذا الوجه ليس بمتمتع؛ لأنه ألم بأهله بين العمرة وبين الحج إلماماً صحيحاً؛ لأن العود إلى مكة غير مستحق عليه، فإن رجع إلى أهله بعدما حصل له التحلل بالحلق، حتى إن هذا الكوفي لو ساق مع نفسه هدياً، والباقي بحاله كان متمتعاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن الإلمام بأهله غير صحيح؛ لأن سوق الهدي يديم الإحرام، ولا يقع التحلل بالحلق، ولو أدام الإحرام كان العود مستحقاً لأجل الإحرام، فلا يصح الإلمام.

стр. 973

الوجه الرابع: إذا خرج من الميقات، فأتى البصرة واتخذها داراً، ثم حج من عامه ذلك؛ قال في «الكتاب» : هو متمتع، ولم يذكر فيه خلافاً، وروى الحاكم الشهيد عن أبي عصمة سعد بن معاذ أن ما ذكر في «الكتاب» قول أبي حنيفة ﵀، وعلى قولهما لا يكون متمتعاً، وهكذا ذكر الطحاوي في «كتابه» ، وذكر الجصاص أنه لا يكون متمتعاً على قول الكل. وجه أن لا يصير متمتعاً: أنه لما اتخذ البصرة داراً، فقد انتهى السفر الأول نهايته، واتخاذ السفر شرط التمتع. وجه أن يصير متمتعاً: أن شبهة السفر الأول قائمة؛ لأنه حاصل في سفر واحد حقيقة؛ لأنه لم يعد إلى وطنه الذي أنشأ السفر منه، ودم المتمتع نسك، فيجب احتياطاً إلحاقاً للشبهة بالحقيقة. قال القدوري: لو أحرم بعمرة وفرغ منها وتحلل، وأقام بمكة حتى دخل عليه أشهر الحج، فأحرم بعمرة أخرى لم يكن متمتعاً؛ لأنه بمنزله، ولا تمتع في حق أهل مكة، فإن خرج من مكة، ثم عاد محرماً بالعمرة لم يكن متمتعاً إلا إذا رجع إلى أهله في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا خرج إلى موضع لأهله التمتع والقران، وهو ما وراء الميقات فهو متمتع، وإذا خرج قبل دخول أشهر الحج إلى موضع لأهله التمتع والقران، فأحرم بالعمرة كان متمتعاً في قولهم. إذا خرج المكي إلى الكوفة وقرن صح قرانه، ولو خرج بالكوفة وأهلّ بالعمرة واعتمر، ثم حج لم يكن متمتعاً؛ لأنه صار ملماً بأهله بين الحج والعمرة، ولو أن المكي خرج إلى الكوفة، وأحرم بعمرة، وساق الهدي لم يكن متمتعاً، وصح إلمامه مع سوق الهدي، بخلاف الكوفي؛ لأن العود مستحق على المكي، فلا يمنع صحة الإلمام. مكي وكوفي مجاور بمكة أحرم بعمرة وطاف لها شوطاً، ثم أحرم بحجة، قال: يرفض الحجة، وعليه لرفضها دم، وإن مضى عليهما أجزأه، وكان عليه لجمعه بينهما دم، وهذا قول أبي حنيفة، وهذا بناءً على ما قلنا: إنه لا يمنع في حق أهل مكة، فلأنه من رفض أحدهما، فإذا لم يطف بعمرته رفض العمرة؛ لأنه لم يتصل الأداء بالعمرة، كما لم يتصل بالحجة، والعمرة أخف النسكين، فكان رفضها أولى، وإن طاف لعمرته رفض الحجة بلا خلاف، وكذلك إذا أتى بأكثر طواف العمرة رفض العمرة بلا خلاف، وإن طاف أقلها بأن طاف لها شوطاً أو شوطين أو ثلاثاً، قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إنه يرفض العمرة، وقال أبو حنيفة: يرفض الحجة، ثم إذا رفض الحجة قال: عليه دم لرفضها، وعليه حجة وعمرة، الحجة بالدخول، والعمرة؛ لأنه لم يأت بأفعال الحج في السنة التي أحرم فيها، فصار كفائت الحج، فإن حج من عامه ذلك، فلا عمرة عليه، وإن لم يرفض (١٨٠ب١) ذلك، ومضى منها خرج عن العهد وعليه دم؛ لأجل الجمع، ولكن هذا دم جبر لارتكاب المنهي حتى لا بد له من تناول المعنى.

стр. 974

الفصل الحادي عشر: في الإحصار المحصر لغة: هو الممنوع عن الوصول إلى بيت الله تعالى بعد الإهلال بحجة أو عمرة، وحكمه في الشرع: أن يتحلل بشاة يبعث بها إلى الحرم، فتذبح هناك. قال أهل التفسير: معنى قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: ١٩٦) فإن أحصرتم فلكم التحلل بالهدي، ولا خلاف لأحد أن المحصر بالعدو يتحلل بالهدي. وأما المحصر بالمرض هل يتحلل بالهدي؟ عندنا يتحلل، وعند الشافعي لا يتحلل، والمرض الذي يثبت الإحصار عندنا أن يقعده عن الركوب إلا بزيادة مرض، وهذا لأن التحلل للحصر بالعدو إنما يثبت كيلا يلزمه الزيادة على موجب إحرامه؛ لأنه إن اختار المضي خاف على نفسه وماله، وإن اختار الترك يبقى في الإحرام زماناً مديداً، وهو بالإحرام التزم الكف إلى وقت معلوم، فإذا اختار الترك يزداد الكف على ذلك الوقت، فيشرع له التحلل، لتبقى لك الزيادة هذا المعنى موجود في المريض؛ لأنه متى لم يمض يزداد الكف عن المحظورات، ولو أمضى تلحقه زيادة مرض، فشرع له التحلل لتبقى الزيادة. ولا يلزم الذي ضل الطريق؛ لأن التحلل في حق المحصر بالهدي ينحر عنه في الحرم، وهو لا يجد من يبعث بالهدي إلى الحرم، ولو وجد لا يبقى محصراً؛ لأنه وجد الطريق، حتى قال مشايخنا ﵏: لو كان الذي وجده فارساً، وهو لا يقدر على الذهاب معه جاز له أن يبعث بالهدي على يديه ليتحلل، ولا يلزم المحبوس بالدين؛ لأن المديون إنما يحبس إذا كان مليئاً مماطلاً وإذا كان مليئاً مماطلاً، (وإذا كان بهذه الصفة) ، فهو غير ممنوع؛ لأنه قادر على أن يقضي الدين ويخرج، حتى لو حبس ظلماً كان له أن يتحلل بالهدي كالممنوع بالعدو والمرض. والمهِلَّة بالحج والعمرة إذا فقدت المحرم، وبينها وبين مكة مسيرة سفر تصير محصرة عندنا؛ لأنها صارت ممنوعة عن الذهاب شرعاً، وكذلك إذا أحرمت بحجة التطوع، ومنعها زوجها فهي محصرة؛ لأن حق المنع ثابت للزوج شرعاً وكان أولى بالاعتبار من المنع الباطل، وهو المنع من العدو، وله أن يحللها بما هو من محظورات الإحرام، وإذا حلله فعليها هدي وحجة وعمرة. فرق بين حجة التطوع، وبين حجة الإسلام إذا صارت محصرة لانعدام زوجها معها لا يتحلل إلا بالهدي؛ لأن هناك المنع لحق الزوج، بل شرعا لعقد المحرم، فصار نظير

стр. 975

المنع بسبب المرض، حتى لو كان لها زوج يحلها زوجها عن حجة الإسلام، وعليها دم. وفسر القدوري في «كتابه» فقال: شاة أو بقرة أو بدنة أو شرك بقرة أو بدنة والبُدْن أفضل، ثم هذا الدم وجميع ما يجب من الدماء يختص جوار الهدي بها بالحرم باتفاق بين العلماء، وهل يختص جوازها بيوم النحر؟ ففي دم الإحصار اختلاف قال أبو حنيفة ﵀: لا يختص، وقالا: يختص. ودم المتعة والقران يختص جوازها بيوم النحر بلا خلاف، وما سواهما من الدماء لا يختص جوازه بيوم النحر بلا خلاف، ثم المحصر بالحج إذا بعث بالهدي يواعد صاحبه أن ينحر عنه في يوم كذا عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن الإحصار عنده غير مؤقت بوقت، فاحتيج إلى المواعدة ليصير وقت الإحلال معلوماً له، فأما عندهما دم الإحصار في الحج مؤقت بيوم النحر، ولا حاجة إلى المواعدة عندهما في المحصر بالعمرة؛ لأن دم الإحصار فيها غير مؤقت بيوم النحر عندهما كدم الإحصار في الحج عند أبي حنيفة، فإذا بعث المحصر بالهدي وذبح عنه لا حلق عليه عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الحلق شرع للتحلل، وفي حق المحصر التحلل بذبح الهدي، فسقط الحلق عنه. في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد: في المحرم يسرق بعضه أنه ليس بمحصر إذا كان يقدر على المشي يلبي ويسأل الناس، وإن كان لا يقدر على المشي فهو محصر، وكذلك إذا كان يومه ذلك يقدر، ولكنه يخاف أن يعجز في نصف الطريق أو بعضه عن ذلك، ولا يقدر على المضي ولا على الرجوع، ولا يبق على نفسه بقوة على ذلك فهو محصر، ثم إذا تحلل المحصر بالهدي، وكان مفرداً بالحج، فعليه حجة وعمرة من القابل. أما الحجة فظاهرة، وأما العمرة؛ فلأنه في معنى فائت الحج؛ لأنه كان خروجه عنها بعد صحة الشروع قبل أداء الأعمال، وعلى فائت الحج أعمال العمرة، ولم يأت بها، وإن مفرداً بالعمرة، فعليه عمرة مكانها، وإن كان قارناً، فإنما يتحلل بذبح هديين، وعليه عمرتان وحجة، حجة وعمرة أخرى بسبب فوات الحج، وإن كان المحصر معسراً لا يجد الهدي أقام حراماً حتى يطوف ويسعى، كما يفعله فائت الحج. قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : في محرم بالحج يقف بعرفة، ثم يخرج إلى الحل لحاجة له فيحصر، لا يكون محصراً حتى لا يتحلل بالهدي، وهو محرم عن النساء حتى يطوف طواف الزيارة، وإنما ليكون محصراً على التفسير الذي قلنا: لأن معظم أركان الحج الوقوف بعرفة. ألا ترى أن الوقوف يؤتى به حال قيام الإحرام من كل وجه وطواف الزيارة يؤتى به في حال قيام الإحرام من وجه؟ إلا أنا لو شرعنا الهدي لإحلال لا يبقى الطواف معتبراً، وكان ذلك سعياً لإبطال (١٨١أ١) ما هو الأصل لا من دونه، وإنه لا يجوز، ثم قال: وهو محرم في حق النساء (حتى النساء) حتى يطوف طواف الزيارة؛ لأنه في الحج بعد؛ لأن طواف الزيارة باقٍ عليه، وإنه ركن، وإن لم يكن أصلياً، فإذا ذهب أيام التشريق، ووجد سبيلاً إلى البدن بعد ذلك يطوف طواف الزيارة، ويطوف طواف الصدر؛ لأن هذا الإحصار لما

стр. 976

لم يعتبر شرعاً صار وجوده وعدمه بمنزلة، ولو عدم الإحصار حتى ذهب أيام التشريق كان عليه أن يطوف طواف الزيارة وطواف الصدر كذا هنا، ثم هل يحلق يوم النحر حيث أحصر أو يؤخر الحلق إلى أن يجد سبيلاً إلى البيت فيحلق في الحرم؟ أشار في «الجامع الصغير» إلى أنه يحلق يوم النحر حيث أحصر، وذكر في «الأصل» أنه يؤخر الحلق. ولو أحرم بالحج، وأتى مكة قبل الوقوف بعرفة، فأحصر بها لا يكون محصراً بالإحصار بمكة، وفي الحرم ليس بإحصار عندنا، واختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: إنما لا يكون إحصاراً إذا منع من الوقوف بعرفة دون البيت، أو منع عن البيت دون الوقوف بعرفة؛ لأنه إذا منع عن أحدهما لا يزداد عليه موجب إحرامه، أو لم يتحلل بالهدي؛ لأنه لو منع عن البيت يقف بعرفة، ثم يحلق ويتحلل، وإن منع عن الوقوف يطوف بالبيت، ثم يحلق ويتحلل، فإن فائت الحج يتحلل بالطواف. وإلى هذا أشار القدوري في «كتابه» حيث قال: ولا يكون محصراً في الحرم إذا أمكنه الطواف، فأما إذا منع عنها كان محصراً يتحلل بالهدي؛ لأنه لو لم يتحلل يزداد عليه موجب إحرامه. وبعضهم قالوا: لا يعتبر محصراً بأن منع عنها؛ لأن الإحصار بمكة عنها بعدما صارت مكة دار السلام نادر، والنادر لا عبرة له، فصار وجوده والعدم بمنزلة، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: سألت أبا حنيفة هل على أهل مكة إحصار؟ قال: لا، قلت: فإن رسول الله أحصر بالحديبية، قال: كانت مكة يومئذٍ في حكم أهل الحرب، واليوم هو في حكم أهل الإسلام؛ أشار إلى ما قلنا. وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: إذا كان بمكة حائل بينه وبين الدخول، كما حال المذكور بين رسول الله وبين دخول مكة يكون محصراً، والله أعلم بالصواب. الفصل الثاني عشر: في معرفة فائت الحج وبيان أحكامه الفائت الحج من فاته الوقوف بعرفة، ووقت الوقوف بعرفة من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر على ما مرَّ، إذا لم يقف في شيء من هذا الوقت، فقد فاته الحج، وعليه أن يتحلل بأفعال العمرة عندنا، يطوف ويسعى ويحلق، قال ﵇: «فائت الحج يحل بالعمرة» ، ولا دم عليه عندنا، بخلاف المحصر؛ لأن الدم في حق المحصر إنما يجب للتحلل، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، فلا حاجة له إلى الدم، هذا إذا كان فائت الحج مفرداً بالحج. وإن كان قارناً طاف للعمرة وسعى لها أولاً؛ لأن العمرة لا تفوت، ثم يطوف طوافاً آخر، ويسعى لفوات الحج ويحلق، وإن كان فائت الحج متمتعاً قد ساق الهدي بطل

стр. 977

تمتعه لما ذكرنا من صورة المتمتع قبل هذا، ويصنع بهديه ما شاء؛ لأن الدم في حق المتمتع للجمع، وقد انعدم الجمع. فائت الحج إذا تحلل بأفعال العمرة هل ينقلب إحرامه إحرام عمرة؟ ذكر في غير رواية «الأصول» أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا ينقلب بل يبقى إحرام، وعند أبي يوسف ﵀ لا يرفضها بل يمضي فيها؛ لأنه محرم بعمرة أضاف إلى إحرامه حجة، وعند محمد ﵀ لا يصح الثاني كما لو أحرم قبل الفوات. وفي «نوادر» : بشر بن الوليد عن أبي يوسف ﵀ أنه يرفضها كما هو قول أبي حنيفة، وفي بعض المواضع في كتاب «المنتقى» يشير إلى أنه ينقلب إحرامه إحرام عمرة من غير ذكر خلاف، وثمرته تظهر فيما إذا أهلّ بعد فوت الحج بحجة أو عمرة رفضها، حتى لا يصير محرماً بعمرتين، وفي بعض المواضع يشير إلى أن إحرام الحج يبقى من وجه دون وجه من غير ذكر خلاف، وثمرته تظهر فيما إذا أهل بعد فوت الحج بحجة أو عمرة رفضها أياً ما كان، والصحيح قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن الحاجة إلى الخروج عن إحرام الحج بأفعال العمرة، ولو صار إحرامه إحرام عمرة لم يكن التحلل واقعاً عن إحرم الحج. الفصل الثالث عشر: في الجمع بين الإحرامين يجب أن يعلم بأن الجمع بين إحرامي الحج أو إحرامي العمرة بدعة، ولكن إذا جمع بينهما لزمتاه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يلزمه أحدهما؛ لأن الإحرام ما شرع إلا للأداء فلا يتصور إلا وجه يتصور الأداء، وأداء حجتين أو عمرتين معاً لا يتصور، فلا يتصور الإحرام لها أيضاً كالتحريمة في باب الصلاة لما شرعت للأداء، لا تتصور التحريمة للصلاتين كما لا يتصور أداء الصلاتين معاً، وهما قالا: الإحرام بالحج التزام محض في الذمة بدلالة أنه يصح منفصلاً عن الأداء، والذمة متسع لحجج كثيرة، فصارت في هذا الوجه نظير النذر بخلاف التحريمة للصلاة؛ لأنها لا تصح إلا على وجه يتصل بهما الأداء، والأداء لا يتصور، فانعدم الإحرام لانعدام الاتصال، إلا أنه لا بد من رفض أحدهما تورعاً عن المنهي. بعد هذا (١٨١ب١) قال أبو حنيفة ﵀: إذا توجه إلى أحدهما يصير رافضاً الأخرى، وقال أبو يوسف ﵀: كما فرغ عن الإحرامين يصير رافضاً لأحديهما. وفائدة الاختلاف: تظهر فيما إذا قتل صيداً قبل أن يتوجه إلى أحدهما، قال أبو حنيفة ﵀: عليه قيمتان، وقال أبو يوسف: قيمة واحدة، وكذلك إذا حصر في هذه الحالة، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ يحتاج إلى هديين للتحلل، وعلى قول أبي يوسف يكفيه هدي واحد، والصحيح ما قاله أبو حنيفة ﵀؛ لأن الالتقاء لا يحتاج فيه إلى

стр. 978

الدليل، وإنما هو لعدم الرفع، والرافع بعذر الجمع أداء، وذلك لا يكون قبل الأداء ما لم يأخذ في الأداء للرفض أحدهما، ولهذا قال أبو حنيفة ﵀ في رواية: لا يصير رافضاً حتى يبتدىء الطواف؛ لأن الأداء عنده يتحقق، إلا أن في ظاهر الرواية جعل السير إلى أحدهما قائماً مقام الأداء، كما في مصلي الظهر إذا توجه إلى الجمعة، وكما أن الجمع بين إحرامي الحج، أو بين إحرامي العمرة بدعة، فكذلك بناء أعمال العمرة على أعمال الحج على إحرام العمرة، فليس ببدعة حتى إن من أحرم بحجة، وطاف لها شوطاً، ثم أهل بعمرة رفض العمرة؛ لأنه إذا طاف للحجة، فقد أتى بفعل من أفعال الحج، فلو مضى في العمرة يصير بانياً العمرة على الحج وإنه غير مشروع. ولو أحرم بحجة، ثم أحرم بعمرة قبل أن يطوف لحجته شوطاً، فإنه لا يرفض العمرة؛ لأنه لم يأت بفعل من أفعال الحج؛ لأن الإحرم ليس من أفعال الحج، ولا يصير بانياً العمرة على الحج بل بنى إحرام العمرة على إحرام الحج، وإنه غير منهي عنه. في «المنتقى» عن محمد: أحرم بشيء لا ينوي به حجاً ولا عمرة، أحرم بحجة، فالأول عمرة إن شاء وإن أبى، وإن أحرم بعمرة، فالأول حجة إن شاء وإن أبى، وإن كان الإحرام الثاني لا يريد به شيئاً أيضاً، فهو قارن، وإن كان الذي أحرم بها أولاً عمرة، فهذا حج. ولو أحرم بشيئين، وأراد أن يكون مخيراً فيها إن شاء حجتين، وإن شاء عمرة وحجة قال: هذا عمرة وحجة إن شاء وإن أبى، وهذا على الصحة لا يكون على غير ذلك، وإن أحرم لا ينوي حجاً ولا عمرة، ثم أحرم بعد ذلك بإحرام آخر لا ينوي حجة لا عمرة، فهذا كلّه حجة وعمرة. ولو أحرم بإحرامين لا نية له فيهما، ثم أحرم بإحرامين لا نية له فيهما، قال محمد ﵀: الأوّلان حجة وعمرة والآخران باطل، والله أعلم. الفصل الرابع عشر: في الحلق والتقصير الحلق والتقصير مشروعان في حق الرجل للتحلل عن الإحرام، والحلق أفضل من التقصير. وأما المرأة فلا حلق عليها؛ لأن الحلق في حقها نوع مثلة، ولكنها تقصر، تأخذ شيئاً من أطراف الشعر مقدار أنملة هكذا قال ابن عمر، والأفضل أن تقصر من كل شعر مقدار أنملة؛ لأن التقصير في حقها قائم مقام الحلق في حق الرجل، والأفضل في حق الرجل حلق جميع الرأس، وكذا الأفضل في حقها الأخذ من كل شعر. وإن قصرت بعض رأسها وتركت البعض أجزأها إذا كان ما قصرت مقدار ربع الرأس فصاعداً، وإن كان أقل من ذلك لا يجزأها اعتباراً للتقصير في حقها بالحلق في حق الرجل. وإذا جاء وقت الحلق، ولم يكن على رأسه شعر بأن كان حلق قبل ذلك، أو بسبب

стр. 979

آخر، ذكر في «الأصل» أنه يجري الموس على رأسه؛ لأنه لو كان على رأسه شعر كان المأخوذ عليه إجراء الموس، وإزالة الشعر فما عجز عنه سقط وما لم يعجز عنه يلزمه، ثم اختلف المشايخ أن إجراء الموس مستحب أو واجب، والأصح أنه واجب لما ذكرنا، والحلق في حق الحاج يتوقت بالمكان، وهو الحرم، وبالزمان وهو يوم النحر عند أبي حنيفة ﵀، حتى لو أخرّه عن يوم النحر، أو عن الحرم يلزمه الدم، وعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يتوقت بالزمان، ولا بالمكان حتى لا يلزمه الدم أخرّه عن المكان أو عن الزمان، وعلى قول محمد ﵀ يتوقت بالزمان حتى يلزمه الدم بالتأخير عن الزمن. وفي حق المعتمر لا يختص بالمكان ولا بالزمان بلا خلاف. وفي «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد ﵀: حاج أو معتمر برأسه قروح لا يستطيع معها إمرار الموس على رأسه، ولا يصل إلى تقصير شعره، وهذا مما يطمع في برئه قريباً أو مما لا يدري هل يبرأ أو لا يبرأ؟ قال: إذا لم يبق إلا الحلق، ولم يقدر عليه ولا أن يمر الموس على رأسه، فقد حل في العمرة والحج، بمنزلة ما لو حلق رأسه، فإن أخرّ الإحلال حتى يمر الموس على رأسه قبل مضي أيام النحر، فقد أحسن، وإن لم يؤخر فلا شيء عليه. هذا إذا عجز عن الحلق بقروح في رأسه، وإن عجز عن ذلك؛ لأنه لم يجد الموس، أو لم يجد من يحلقه، فهذا ليس بعذر، ولا يجوز له إلا الحلق أو التقصير، والله أعلم. الفصل الخامس عشر: في الرجل يحج عن آخر اختلفت عبارة المشايخ في المأمور بالحج عن الغير إذا حج، فعبارة الشيخ الإمام الزاهد شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده أن على قول أصحابنا ﵏ أصل الحج يقع عن المأمور، وللآخر ثواب النفقة إلا أن أصل الحج يقع عن الآمر، وهذا لأن أصل الحج لو وقع عن الآمر إنما يقع إذا صار المأمور نائباً عن الآمر في أصل الحج عبادة بدنية، والنيابة لا تجزىء في العبادات البدنية، والدليل عليه أنه يشترط أهلية المأمور، وهذا يدلّك أن الفعل ما وقع عن الآمر، ولكن (١٨٢أ١) للآمر ثواب النفقة، وصار إنفاق المأمور كإنفاق الآمر بنفسه، فأمكن القول به؛ لأن النيابة تجري في الإنفاق، ولكن يسقط أصل الحج عن الآمر؛ لأن الإنفاق أقيم مقام الأفعال في حق سقوط الأفعال حالة العجز عن الفعل، كما أقيم الفداء مقام الصوم في حق الشيخ الفاني في حق سقوط الصوم. وعبارة الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: «أن أصل الحج يقع عن الآمر، وبنحوه ورد الأثر، فإن النبي ﵇ قال للخثعمية «حجي عن أبيك» وأنه

стр. 980

يدل على أن أصل الحج يقع عن المحجوج عنه، والدليل عليه أنه لا يسقط حجة الإسلام عن المأمور ولو وقع أصل الحج عن المأمور يسقط عنه حجة الإسلام، والدليل عليه أن المأمور، يحتاج إلى إسناد الإحرام إلى الآمر، والإحرام عقد على الأداء، فهذا يدلك أن الحج يقع عن المحجوج عنه بذلك الإحرام هذا هو في حجة الفرض» ا. هـ. جئنا إلى حجة التطوع، فنقول: من أمر غيره بحجة التطوع جاز، ويصير للآمر ثواب النفقة في طريق الحج من حيث أنه سبب إلى الحج بالإنفاق، أو يصير المأمور جاعلاً ثواب فعله للآمر، وهذا جائز عند أهل السنّة، ومن الناس من ينكر جعل الثواب لغيره عملاً بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَنِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٩) وأهل السنّة يحتجون بما روي أن النبي ﵇ «ضحى بكبشين أملحين أحدهما: عن نفسه، والأخرى عن أمته» ولا حجة له في الآية؛ لأن العامل لما جعل سعيه لغيره صار ذلك الغير. الجواب الذي ذكرنا في حجة التطوع صحيح على عبارة جميع المشايخ، أما على عبارة شيخ الإسلام ﵀ فظاهر، وأما على عبارة شمس الأئمة؛ فلأن وقوع أصل الحج عن الآمر عرف بحديث الخثعمية، وحديث الخثعمية ورد في الفرض لا في النفل، ثم إنما تسقط حجة الفرض عن الإنسان بإحجاج غيره إذا كان الحج وقت الأداء عاجزاً عن الأداء بنفسه، ودام عجزه إلى أن مات، أما لو زال عجزه بعد ذلك، فلا يسقط عنه حجة الفرض؛ لأن الأصل في هذا الباب حديث الخثعمية، وإنه ورد في حق الشيخ الفاني، فيبقى غيره على أصل القياس، والقياس يأبى ذلك. بيان هذا فيما ذكر محمد ﵀ في «الأصل» : رجل أحج رجلاً وهو مريض، فلم يزل مرضه حتى مات، فهو جائز عن حجة الإسلام، وإن صح لا يجزئه عن حجة الإسلام. وروى المعلى عن أبي يوسف أنه إن برأ من مرضه قبل فراغ المأمور عن الحج، فعليه الإعادة، وإن برأ بعد ما فرغ المأمور عن الحج فلا إعادة، وجعل هذا نظير المكفر بالصوم إذ قدر على التحرير، ونظير المصلي بالتيمم إذا قدر على الماء. وإن أحج رجلاً، وهو صحيح أجزأه عن التطوع؛ لأن فرض الحج يتأدى بالإحجاج حالة العذر، وكل عبادة جاز أداء فرضها بجهة حالة العذر جاز أداء نفلها بتلك الجهة في غير حالة العذر كالصلاة قاعداً وراكباً. وكل من كان عاجزاً لا يرجى زواله ظاهراً وغالباً يجب عليه أن يحج رجلاً إذا قدر عليه. ومن كان عاجزاً عجزاً يرجى زواله كالمرض والحبس لا يجب عليه ذلك؛ لأن العبرة للغالب والظاهر في حق الأحكام، فإذا كان عجزاً لا يرجى زواله غالباً وظاهراً الحق الإحجاج، وإذا كان عجز يرجى زواله غالباً وظاهراً الحق بالصحة في حق عدم وجوب الإحجاج عملاً بالغالب، والظاهر في الفصلين جميعاً، ومن كان عاجزاً، وأحج رجلاً إن كان عاجزاً لا يرجى زواله ظاهراً أو غالباً كان حكمة موقوفاً، فإن استمر به

стр. 981

العجز إلى وقت الموت حكم بوقوعه موقع المرض. والأفضل للإنسان إذا أراد أن يحج رجلاً عن نفسه أن يحج رجلاً قد حج عن نفسه؛ لأنه أهدى إلى إقامة الأعمال؛ ولأنه أبعد عن الخلاف، فإن الذي لم يحج عن حجة الإسلام عن نفسه لم تجز حجته عن غيره عند بعض الناس، ومع هذا لو أحج رجلاً لم يحج عن نفسه حجة الإسلام يجوز عندنا، وسقط الحج عن الآمر؛ لأن النبي ﵇ حين أمر الخثعمية، قال الحج عن أبيها لم يستفسر أنها هل حجت عن نفسها أم لا؟ وإذا أمر غيره بالإفراد بحجة أو عمرة فقرن، فهو مخالف ضامن في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يجزىء عن الآمر استحساناً. وهذا الخلاف فيما إذا قرن عن الآمر ما لو نوى بأحدهما عن شخص آخر وعن نفسه، فهو مخالف ضامن بلا خلاف. لهما: لأنه أتى بالمأمور به وزيادة ... ، لأبي حنيفة ﵀ أنه أمره بقطع جميع المسافة، وهو قطع بعض المسافة للعمرة، فيصير مخالفاً. ولو أمره بالحج فاعتمر، ثم حج من مكة، فهو مخالف في قولهم؛ لأنه أمره بأن يؤدي بالسفر الحجة، وقد أدى الحجة من غير سفر. ولو أمره بالعمرة فاعتمر أولاً، ثم حج عن نفسه لم يكن مخالفاً، وإن كان حج أولاً، ثم اعتمر فهو مخالف، ولو أمره بالحج مطلقاً فحج المأمور ماشياً فهو مخالف؛ لأن مطلق الأمر بالحج فيما بين العباد ينصرف إلى فرض الله تعالى على عباده، وذلك الحج راكباً، ولو حج على حمار كره له ذلك، والجمل أفضل؛ لأن النفقة في ركوب الجمل أكثر. ولو أقام بمكة بعد أداء الحج إن كانت إقامة معتادة، فالنفقة في مال الآمر، وإن كانت غير معتادة، فالنفقة في مال المأمور، والمعتبر في زماننا أن يقيم إلى وقت خروح الناس إذ لا يمكنه أن يستقيم في الخروج. ولو عزم أن يقيم بمكة زيادة على القدر المعتاد، ثم عزم على الخروج عادت نفقته في مال الآمر، إلا أن يكون قد اتخذ مكة داراً، فلا تعود النفقة بعد ذلك؛ لأن ذلك السفر قد انقطع باتخاذ مكة داراً، فلا يعود حكمه بعد ذلك. وكذلك إذا اتخذ موضعاً آخر وطناً له، ثم بدا له الانصراف لم يكن له أن ينفق من مال الآمر. ابن سماعة عن محمد ﵀: المأمور بالحج إذا حج عن الآمر، ثم أحرم بعمرة ينفق من مال نفسه ما دام معتمراً؛ لأنه في العمرة عامل لنفسه، فإذا انصرف أنفق من مال الآمر؛ لأنه مأمور بالانصراف، ولو عجل المأمور الإحرام، فوصل مكة محرماً في شهر رمضان أو بعده، فإنه محرم ينفق من مال نفسه إلى عيد الأضحى أو قبله بيوم أو يومين على اختلاف ما يدخل الناس مكة، وإن أحصر المأمور بالحج، فالهدي على الآمر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف على المأمور.

стр. 982

واعلم بأن الدماء ثلاثة: دم قربة، وهو دم الإحصار، وإنه على الخلاف، ودم نسك وهو دم المتعة والقران، وإنه على المأمور، ودم جبر وهو ما يجب بالجناية على الإحرام بارتكاب محظور (١٨٢ب١) من قتل صيد أو قَلْم أظافر، أو ما أشبه ذلك، أو يجب بنقصان تمكن في مناسك الحج بأن طاف بالبيت منكوساً أو محدثاً أو جنباً، وإنه على المأمور بلا خلاف. وإذا أمر رجلان أن يحج عن كل واحد منهما حجة، فأهل بحجة فهي عن الحاج النفقة وإن كان أنفق من مالهما، وإنما كان الحج عن الحاج، ويضمن الحاج؛ لأن كل واحد منهما أمره أن يخلص له الحجة والسفرة من غير إشراك، فإذا أحرم عنهما صار مخالفاً، فيقع فعله عنه، وأما ضمان النفقة؛ لأنه صرف مالهما إلى حج نفسه، وهما لم يأمراه بذلك، فإن عين بعد ذلك عن أحدهما لا يصح التعيين. فرق بين هذا وبينما إذا أهل بحجة عن أبويه، فإنه يجوز أن يجعله عن أحدهما، هذا إذا أحرم عنهما، فإن أحرم عن أحد منهما فإن مضى ذلك صار مخالفاً، وإن عين لأحدهما قبل المضي أي قبل الطواف وقبل الوقوف صح التعيين استحساناً، وقول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ... ؛ لأن الإحرام عندنا ليس من الأركان مقصوداً، بل شرع وسيلة إلى أداء الأفعال، ولهذا صح تقديمه على وقت الأداء، وهو أشهر الحج، فكان بمنزلة الشرط، فإنما يشترط منه ما يقع التمكن به من الأداء، والمبهم الذي يحتمل التعيين يصلح للأداء بواسطة التعيين، فالنفي به شرطاً بخلاف ما إذا اشتغل بالأفعال؛ لأن الفعل مقصود، والفعل لا يصح مع الجهالة، وليس أحدهما لأن يقع الفعل عنه بأولى من الآخر، فتعين إحرامه عن نفسه، فلا يمكنه أن يجعله بعد ذلك لغيره. ومما يتصل بهذا الفصل ما ذكر في «الجامع الصغير» : رجل توجه يريد حجة الإسلام، فأغمي (عليه) فأهل عنه أصحابه أجزأه، ويصير المغمى عليه محرماً حتى لو وقفوا به وطافوا به جاز، وسقط عنه حجة الإسلام، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه، واختلفت عبارة المشايخ في تخريج المسألة، قال بعضهم: لا خلاف بين أصحابنا أن الإحرام يتأدى بالنائب، حتى أن من أمر أهل رفقته أن يحرموا عنه متى عجز عن الإحرام بنفسه، فأغمي عليه، وأحرم عنه واحد من أهل رفقته يجوز، ويصير المغمى عليه محرماً، وإنما وقع الخلاف في هذه المسألة لاختلافهم في أنه هل وجدت الإنابة من المغمى عليه في الإحرام عنه؟ فهما تمسكا بالحقيقة والصريح، وقالا: لم توجد الإنابة من حيث الحقيقة والصريح، وأبو حنيفة ﵀ يتمسك بالدلالة، وقال الناس فيما بينهم: إنما يقصدون عقد الرفقة للإستعانة بعضهم ببعض فيما يحتاج إليه في سفره، هذا هو الكلام في الإحرام وأما سائر المناسك هل تتأدى بأهل رفقته، فمن المشايخ من قال: تتأدى، إلا أن الأولى أن يطوفوا به ويقفوا به ليكون أقرب إلى أدائه لو كان مفيقاً،

стр. 983

وإليه مال شمس الأئمة السرخسي، فعلى هذا القول لا يقع الفرق بين سائر المناسك وبين الإحرام. ومنهم من فرق بين الإحرام وسائر المناسك، والفرق أن الاستعانة تتحقق عند العجز، وفي أصل الإحرام تحقق العجز، فأما في الأعمال لم يتحقق العجز، فإنهم إذا حضروه المواقف كان هو الواقف والطائف بمنزلة ما لو طاف راكباً بعذر، ومن المشايخ من قال: لا خلاف بين العلماء أن عقد الرفقة استعانة من كل واحد منهم بأصحابه فيما يعجز عن الفعل بنفسه. والخلاف في هذه المسألة بناءً على اختلافهم في أن الإحرام هل يتأدى بالنائب؟ على قول أبي حنيفة يتأدى، وعلى قولهما: لا يتأدى وهذا القائل يقول: لا رواية عنهما فيما إذا أمر أصحابه بالإحرام عنهما صريحاً، وإنما الرواية في بدنة بين سبعة نفر قلّدها واحد منهم بأمر أصحابه محرمين، فالرواية عنهما في التقليد، والرواية في التقليد لا تكون رواية في التلبية فيما يقولان بأن الإحرام فعل من أفعال الحج، فلا تجري فيه النيابة قياساً على الطواف وسائر الأفاعيل، والمعنى في الكل أن أفعال الحج عبادة بدنية، وهذا بخلاف ما لو أغمي عليه بعد الشروع، وطافوا ووقفوا به؛ لأن ذلك إعانة وليس بنيابة؛ لأن المغمى عليه يصير طائفاً وواقفاً لكن بإعانتهم، والإعانة جائزة، وبخلاف النفل؛ لأنه فعل مأتيّ والنيابة تجري في نفله. وأبو حنيفة يقول: الإحرام عنه ليس بمقصود تحريم المحظورات، وهذا المقصود يحصل بالنائب، فتصح النيابة كما في باب الزكاة بخلاف الوقوف والطواف؛ لأن المقصود من الطواف والوقوف تعظيم البيت وحصوله في ذلك المكان، هذا المقصود لا يحصل بفعل النائب وأما إذا أحرم عنه من ليس من رفقته، لا شك أن على قولهما لا يجوز، وأما على قول أبي حنيفة، اختلف المشايخ، بعضهم قالوا: يجوز لوجود الإذن دلالة؛ لأنه أنفق مالاً عظيماً حتى بلغ الميقات، فالظاهر أنه يكون مستعيناً بكل واحد من آحاد الناس بالإحرام عنه إذا لم يحرم عنه أهل رفقته. في «المنتقى» : عيسى بن أبان عن محمد ﵏: رجل أحرم بالحج، وهو صحيح ثم أصابه عته، فقضى به أصحابه المناسك ووقفوا به، فلبث كذلك سنين، ثم أفاق أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، قال: وكذلك الرجل إذا قدم مكة أو صحيح أو مريض، إلا أنه يعقل أغمي عليه بعد ذلك، فحمله أصحابه وهو مغمى عليه، وطافوا به فلما قضوا الطواف أو بعضه أفاق، وقد أغمي عليه ساعة من نهار لم يتم ذلك يوماً، أجزأه ذلك عن طوافه، قال: لأنه حين ما أغمي عليه فقد صار في حال من يجزئه أن يطاف به من غير تعيين منه، فهو بمنزلة ما لو أصابه وجع، ولعجزه عن القيام فصلى قاعداً، فلما فرغ منها قدر على القيام. وفيه أيضاً: ولو أن مريضاً لا يستطيع الطواف إلا محمولاً، وهو يعقل نام من غير غشية، فحمله أصحابه وهو نائم فطافوا به، أو أمرهم أن يحملوه ويطوفوا به، فلم يفعلوا

стр. 984

حتى نام، ثم احتملوه وهو نائم، فطافوا به أو حملوه حين أمرهم بحمله، وهو مستيقظ فدخلوا به الطواف حتى نام على رؤوسهم، فطافوا به على تلك (١٨٣أ١) الحالة، ثم استيقظ. روى ابن سماعة عن محمد ﵀: أنه إذا طافوا به من غير أن يأمرهم لا يجزئه، ولو أمرهم، ثم نام بعد ذلك، فطافوا به أجزأه، وكذلك إن دخلوا به الطواف أو توجهوا به نحوه فنام وطافوا به أجزأه. ولو قال لبعض من عنده: استأجر لي من يحملني فيطوف بي، ثم غلبت عيناه ونام، ولم يحضر الذي أمره بذلك من فوره، بل لبث على تحين طويلاً، ثم استأجر أجراء فحملوه فأتوه، وهو نائم، فطافوا به، قال: استحسن إذا كان في فوره ذلك أنه يجوز، فأما إذا طال ذلك ونام، فأتوه واحتملوه، وهو نائم لا يجزئه عن الطواف، ولكن لا جرم لازم بالأمر قال: والقياس في هذه المسألة لا يجزئه حتى يدخل الطواف، وهو مستيقظ ينوي الدخول فيه، لكن يستحسن إذا أحضر كذلك فنام، وقد أمر بأن يحمل فيطاف به أن يجزئه؛ لأنه على تلك النية. قال محمد ﵀ في «الأصل» : والصبي الذي يحج به أبوه يقضي المناسك ويرمي الجمار وإنه على وجهين: الأول: إذا كان صبياً لا يعقل الأداء بنفسه، وفي هذا الوجه إذا أحرم عنه أبوه جاز، والأصل فيه ما روي أن امرأة أخرجت صبياً من هودجها، وقالت يا رسول الله: ألهذا حج؟ فقال النبي ﵇: «نعم ولك أجره» . وإن كان يعقل الأداء بنفسه يقضي المناسك كلها يفعل مثل ما يفعله البالغ؛ لأن نوافل الصلاة مشروعة في حق الصبي نظراً له، حتى يثاب عليه لو أتى به، ولو تركه لا يعاقب عليه، ولو ترك هذا الصبي بعض أعمال الحج نحو الرمي وما أشبهه لم يكن عليه شيء؛ لأنه لو ترك الكل لا شيء عليه، فكذا إذا ترك البعض. قال في «الكتاب» : وهو الأصل أيضاً، وكل جواب عرفته في الصبي يحرم عنه الأب، فهو الجواب في المجنون؛ لأن المجنون أشد حالاً من الصبي، ثم الأب إذا أحرم عن ابنه الصغير، وارتكب بعض محظورات الإحرام لم يلزمه بسبب إحرام الصغير شيء؛ لأنه في حق الإحرام جعل نائباً عن الصغير حكماً، ألا ترى أنه يقف بالصغير ليحرم بنفسه، لو أحرم الصغير بنفسه لا يلزم الأب شيء؟ فكذا ههنا.

стр. 985

الفصل السادس عشر: في الوصية بالحج إذا أوصى بأن يحج عنه، وهو في منزله، إن بين مكاناً، يحج عنه من ذلك المكان بالإجماع، وإن لم يبين مكاناً بالحج عنه من وطنه عند علمائنا ﵏؛ لأن الوصية بالإحجاج أمر بإقامة غيره مقام نفسه في الحج، فإنما ينصرف مطلق هذا الأمر إلى ما كان واجباً على المنوب عنه، والواجب على المنوب عنه الحج من وطنه، حتى لا يجب عليه ما لم يملك من الزاد والراحلة قدر ما يحمله من وطنه إلى مكة ويرده إلى بلده، وهذا إذا كان ثلث ماله يكفي الحج من وطنه، فأما إذا كان لا يكفي كذلك، فإنه يحج عنه من حيث يمكن الإحجاج عنه؛ لأنه يقدر صرف مطلق الأمر ههنا إلى الإحجاج من وطنه، هكذا ذكر في «الجامع» وإليه أشار في «الأصل» . وذكر في «شرح القدوري» أن القياس أن تبطل الوصية في هذه الصورة، وفي الاستحسان أن لا تبطل ويحج عنه من حيث يبلغ، وليس هذا كما إذا كان له أوطان شتى؛ فإن في تلك الصورة يحج عنه من أقرب أوطانه إلى مكة؛ لأنه إذا حج من أقرب أوطانه إلى مكة كان النائب نائباً بجميع ما على المنوب عنه أن يحج من أي وطن شاء، ولا كذلك ما إذا كان له وطن واحد. هشام عن محمد ﵀ في «نوادره» : مكي قدم خراسان، ومات بها، وأوصى أن يحج عنه، قال: يحج عنه من مكة، وإذا خرج من بلده يريد الحج، فمات فأوصى بأن يحج عنه حجة، فإنه يحج عنه من حيث مات في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول أبي حنيفة يحج عنه من وطنه، هكذا ذكر المسألة في «الجامع الكبير» القياس أن يحج عنه من وطنه، وفي الاستحسان يحج عنه من حيث مات. وذكر في وصايا «المبسوط» أنه يحج عنه من حيث أوصى ومات، ولم يذكر الخلاف والقياس والاستحسان، وبعض مشايخنا قالوا: يجعل ما ذكر في الجامعين تفسير لما أبهم في المبسوط، ويجعل بعض ما ذكر في «الجامع الصغير» تفسيراً لبعض ما ذكر في «الجامع الكبير» ، وبعض ما ذكر في «الجامع الكبير» تفسيراً لبعض ما ذكر في «الجامع الصغير» ، فصار حاصل الجواب على قول هذا القائل أنه يحج من وطنه قياساً، وهو قول أبي حنيفة ﵀، ومن حيث مات وأوصى استحساناً وهو قولهما، وهذا إذا خرج من وطنه يريد الحج، فأدركه الموت في الطريق، وأوصى بأن يحج عنه حج عنه من وطنه لا من حيث إنه مات عندهم جميعاً. وكذلك على هذا الخلاف إذا أحج الوصي عن الميت رجلاً، ومات النائب في بعض الطريق حتى وجب على الوصي أن يحج رجلاً آخر عن الميت، فعلى قول أبي حنيفة يحج آخر عنه من وطنه لا من حيث مات الأول، وعندهما من حيث مات الأول، وحاصل الخلاف في هذه المسألة راجع إلى أن ما أدي من السفر بنية الحج هل يبطل
следующие страницы →