Полный текст (4 583 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
العجز إلى وقت الموت حكم بوقوعه موقع المرض.
والأفضل للإنسان إذا أراد أن يحج رجلاً عن نفسه أن يحج رجلاً قد حج عن نفسه؛ لأنه أهدى إلى إقامة الأعمال؛ ولأنه أبعد عن الخلاف، فإن الذي لم يحج عن حجة الإسلام عن نفسه لم تجز حجته عن غيره عند بعض الناس، ومع هذا لو أحج رجلاً لم يحج عن نفسه حجة الإسلام يجوز عندنا، وسقط الحج عن الآمر؛ لأن النبي ﵇ حين أمر الخثعمية، قال الحج عن أبيها لم يستفسر أنها هل حجت عن نفسها أم لا؟ وإذا أمر غيره بالإفراد بحجة أو عمرة فقرن، فهو مخالف ضامن في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يجزىء عن الآمر استحساناً.
وهذا الخلاف فيما إذا قرن عن الآمر ما لو نوى بأحدهما عن شخص آخر وعن نفسه، فهو مخالف ضامن بلا خلاف. لهما: لأنه أتى بالمأمور به وزيادة ... ، لأبي حنيفة ﵀ أنه أمره بقطع جميع المسافة، وهو قطع بعض المسافة للعمرة، فيصير مخالفاً.
ولو أمره بالحج فاعتمر، ثم حج من مكة، فهو مخالف في قولهم؛ لأنه أمره بأن يؤدي بالسفر الحجة، وقد أدى الحجة من غير سفر. ولو أمره بالعمرة فاعتمر أولاً، ثم حج عن نفسه لم يكن مخالفاً، وإن كان حج أولاً، ثم اعتمر فهو مخالف، ولو أمره بالحج مطلقاً فحج المأمور ماشياً فهو مخالف؛ لأن مطلق الأمر بالحج فيما بين العباد ينصرف إلى فرض الله تعالى على عباده، وذلك الحج راكباً، ولو حج على حمار كره له ذلك، والجمل أفضل؛ لأن النفقة في ركوب الجمل أكثر.
ولو أقام بمكة بعد أداء الحج إن كانت إقامة معتادة، فالنفقة في مال الآمر، وإن كانت غير معتادة، فالنفقة في مال المأمور، والمعتبر في زماننا أن يقيم إلى وقت خروح الناس إذ لا يمكنه أن يستقيم في الخروج. ولو عزم أن يقيم بمكة زيادة على القدر المعتاد، ثم عزم على الخروج عادت نفقته في مال الآمر، إلا أن يكون قد اتخذ مكة داراً، فلا تعود النفقة بعد ذلك؛ لأن ذلك السفر قد انقطع باتخاذ مكة داراً، فلا يعود حكمه بعد ذلك. وكذلك إذا اتخذ موضعاً آخر وطناً له، ثم بدا له الانصراف لم يكن له أن ينفق من مال الآمر.
ابن سماعة عن محمد ﵀: المأمور بالحج إذا حج عن الآمر، ثم أحرم بعمرة ينفق من مال نفسه ما دام معتمراً؛ لأنه في العمرة عامل لنفسه، فإذا انصرف أنفق من مال الآمر؛ لأنه مأمور بالانصراف، ولو عجل المأمور الإحرام، فوصل مكة محرماً في شهر رمضان أو بعده، فإنه محرم ينفق من مال نفسه إلى عيد الأضحى أو قبله بيوم أو يومين على اختلاف ما يدخل الناس مكة، وإن أحصر المأمور بالحج، فالهدي على الآمر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف على المأمور.
стр. 982
واعلم بأن الدماء ثلاثة: دم قربة، وهو دم الإحصار، وإنه على الخلاف، ودم نسك وهو دم المتعة والقران، وإنه على المأمور، ودم جبر وهو ما يجب بالجناية على الإحرام بارتكاب محظور (١٨٢ب١) من قتل صيد أو قَلْم أظافر، أو ما أشبه ذلك، أو يجب بنقصان تمكن في مناسك الحج بأن طاف بالبيت منكوساً أو محدثاً أو جنباً، وإنه على المأمور بلا خلاف.
وإذا أمر رجلان أن يحج عن كل واحد منهما حجة، فأهل بحجة فهي عن الحاج النفقة وإن كان أنفق من مالهما، وإنما كان الحج عن الحاج، ويضمن الحاج؛ لأن كل واحد منهما أمره أن يخلص له الحجة والسفرة من غير إشراك، فإذا أحرم عنهما صار مخالفاً، فيقع فعله عنه، وأما ضمان النفقة؛ لأنه صرف مالهما إلى حج نفسه، وهما لم يأمراه بذلك، فإن عين بعد ذلك عن أحدهما لا يصح التعيين.
فرق بين هذا وبينما إذا أهل بحجة عن أبويه، فإنه يجوز أن يجعله عن أحدهما، هذا إذا أحرم عنهما، فإن أحرم عن أحد منهما فإن مضى ذلك صار مخالفاً، وإن عين لأحدهما قبل المضي أي قبل الطواف وقبل الوقوف صح التعيين استحساناً، وقول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ... ؛ لأن الإحرام عندنا ليس من الأركان مقصوداً، بل شرع وسيلة إلى أداء الأفعال، ولهذا صح تقديمه على وقت الأداء، وهو أشهر الحج، فكان بمنزلة الشرط، فإنما يشترط منه ما يقع التمكن به من الأداء، والمبهم الذي يحتمل التعيين يصلح للأداء بواسطة التعيين، فالنفي به شرطاً بخلاف ما إذا اشتغل بالأفعال؛ لأن الفعل مقصود، والفعل لا يصح مع الجهالة، وليس أحدهما لأن يقع الفعل عنه بأولى من الآخر، فتعين إحرامه عن نفسه، فلا يمكنه أن يجعله بعد ذلك لغيره.
ومما يتصل بهذا الفصل ما ذكر في «الجامع الصغير» : رجل توجه يريد حجة الإسلام، فأغمي (عليه) فأهل عنه أصحابه أجزأه، ويصير المغمى عليه محرماً حتى لو وقفوا به وطافوا به جاز، وسقط عنه حجة الإسلام، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه، واختلفت عبارة المشايخ في تخريج المسألة، قال بعضهم: لا خلاف بين أصحابنا أن الإحرام يتأدى بالنائب، حتى أن من أمر أهل رفقته أن يحرموا عنه متى عجز عن الإحرام بنفسه، فأغمي عليه، وأحرم عنه واحد من أهل رفقته يجوز، ويصير المغمى عليه محرماً، وإنما وقع الخلاف في هذه المسألة لاختلافهم في أنه هل وجدت الإنابة من المغمى عليه في الإحرام عنه؟ فهما تمسكا بالحقيقة والصريح، وقالا: لم توجد الإنابة من حيث الحقيقة والصريح، وأبو حنيفة ﵀ يتمسك بالدلالة، وقال الناس فيما بينهم: إنما يقصدون عقد الرفقة للإستعانة بعضهم ببعض فيما يحتاج إليه في سفره، هذا هو الكلام في الإحرام وأما سائر المناسك هل تتأدى بأهل رفقته، فمن المشايخ من قال: تتأدى، إلا أن الأولى أن يطوفوا به ويقفوا به ليكون أقرب إلى أدائه لو كان مفيقاً،
стр. 983
وإليه مال شمس الأئمة السرخسي، فعلى هذا القول لا يقع الفرق بين سائر المناسك وبين الإحرام.
ومنهم من فرق بين الإحرام وسائر المناسك، والفرق أن الاستعانة تتحقق عند العجز، وفي أصل الإحرام تحقق العجز، فأما في الأعمال لم يتحقق العجز، فإنهم إذا حضروه المواقف كان هو الواقف والطائف بمنزلة ما لو طاف راكباً بعذر، ومن المشايخ من قال: لا خلاف بين العلماء أن عقد الرفقة استعانة من كل واحد منهم بأصحابه فيما يعجز عن الفعل بنفسه.
والخلاف في هذه المسألة بناءً على اختلافهم في أن الإحرام هل يتأدى بالنائب؟ على قول أبي حنيفة يتأدى، وعلى قولهما: لا يتأدى وهذا القائل يقول: لا رواية عنهما فيما إذا أمر أصحابه بالإحرام عنهما صريحاً، وإنما الرواية في بدنة بين سبعة نفر قلّدها واحد منهم بأمر أصحابه محرمين، فالرواية عنهما في التقليد، والرواية في التقليد لا تكون رواية في التلبية فيما يقولان بأن الإحرام فعل من أفعال الحج، فلا تجري فيه النيابة قياساً على الطواف وسائر الأفاعيل، والمعنى في الكل أن أفعال الحج عبادة بدنية، وهذا بخلاف ما لو أغمي عليه بعد الشروع، وطافوا ووقفوا به؛ لأن ذلك إعانة وليس بنيابة؛ لأن المغمى عليه يصير طائفاً وواقفاً لكن بإعانتهم، والإعانة جائزة، وبخلاف النفل؛ لأنه فعل مأتيّ والنيابة تجري في نفله.
وأبو حنيفة يقول: الإحرام عنه ليس بمقصود تحريم المحظورات، وهذا المقصود يحصل بالنائب، فتصح النيابة كما في باب الزكاة بخلاف الوقوف والطواف؛ لأن المقصود من الطواف والوقوف تعظيم البيت وحصوله في ذلك المكان، هذا المقصود لا يحصل بفعل النائب وأما إذا أحرم عنه من ليس من رفقته، لا شك أن على قولهما لا يجوز، وأما على قول أبي حنيفة، اختلف المشايخ، بعضهم قالوا: يجوز لوجود الإذن دلالة؛ لأنه أنفق مالاً عظيماً حتى بلغ الميقات، فالظاهر أنه يكون مستعيناً بكل واحد من آحاد الناس بالإحرام عنه إذا لم يحرم عنه أهل رفقته.
في «المنتقى» : عيسى بن أبان عن محمد ﵏: رجل أحرم بالحج، وهو صحيح ثم أصابه عته، فقضى به أصحابه المناسك ووقفوا به، فلبث كذلك سنين، ثم أفاق أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، قال: وكذلك الرجل إذا قدم مكة أو صحيح أو مريض، إلا أنه يعقل أغمي عليه بعد ذلك، فحمله أصحابه وهو مغمى عليه، وطافوا به فلما قضوا الطواف أو بعضه أفاق، وقد أغمي عليه ساعة من نهار لم يتم ذلك يوماً، أجزأه ذلك عن طوافه، قال: لأنه حين ما أغمي عليه فقد صار في حال من يجزئه أن يطاف به من غير تعيين منه، فهو بمنزلة ما لو أصابه وجع، ولعجزه عن القيام فصلى قاعداً، فلما فرغ منها قدر على القيام.
وفيه أيضاً: ولو أن مريضاً لا يستطيع الطواف إلا محمولاً، وهو يعقل نام من غير غشية، فحمله أصحابه وهو نائم فطافوا به، أو أمرهم أن يحملوه ويطوفوا به، فلم يفعلوا
стр. 984
حتى نام، ثم احتملوه وهو نائم، فطافوا به أو حملوه حين أمرهم بحمله، وهو مستيقظ فدخلوا به الطواف حتى نام على رؤوسهم، فطافوا به على تلك (١٨٣أ١) الحالة، ثم استيقظ. روى ابن سماعة عن محمد ﵀: أنه إذا طافوا به من غير أن يأمرهم لا يجزئه، ولو أمرهم، ثم نام بعد ذلك، فطافوا به أجزأه، وكذلك إن دخلوا به الطواف أو توجهوا به نحوه فنام وطافوا به أجزأه.
ولو قال لبعض من عنده: استأجر لي من يحملني فيطوف بي، ثم غلبت عيناه ونام، ولم يحضر الذي أمره بذلك من فوره، بل لبث على تحين طويلاً، ثم استأجر أجراء فحملوه فأتوه، وهو نائم، فطافوا به، قال: استحسن إذا كان في فوره ذلك أنه يجوز، فأما إذا طال ذلك ونام، فأتوه واحتملوه، وهو نائم لا يجزئه عن الطواف، ولكن لا جرم لازم بالأمر قال: والقياس في هذه المسألة لا يجزئه حتى يدخل الطواف، وهو مستيقظ ينوي الدخول فيه، لكن يستحسن إذا أحضر كذلك فنام، وقد أمر بأن يحمل فيطاف به أن يجزئه؛ لأنه على تلك النية.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : والصبي الذي يحج به أبوه يقضي المناسك ويرمي الجمار وإنه على وجهين:
الأول: إذا كان صبياً لا يعقل الأداء بنفسه، وفي هذا الوجه إذا أحرم عنه أبوه جاز، والأصل فيه ما روي أن امرأة أخرجت صبياً من هودجها، وقالت يا رسول الله: ألهذا حج؟ فقال النبي ﵇: «نعم ولك أجره» .
وإن كان يعقل الأداء بنفسه يقضي المناسك كلها يفعل مثل ما يفعله البالغ؛ لأن نوافل الصلاة مشروعة في حق الصبي نظراً له، حتى يثاب عليه لو أتى به، ولو تركه لا يعاقب عليه، ولو ترك هذا الصبي بعض أعمال الحج نحو الرمي وما أشبهه لم يكن عليه شيء؛ لأنه لو ترك الكل لا شيء عليه، فكذا إذا ترك البعض.
قال في «الكتاب» : وهو الأصل أيضاً، وكل جواب عرفته في الصبي يحرم عنه الأب، فهو الجواب في المجنون؛ لأن المجنون أشد حالاً من الصبي، ثم الأب إذا أحرم عن ابنه الصغير، وارتكب بعض محظورات الإحرام لم يلزمه بسبب إحرام الصغير شيء؛ لأنه في حق الإحرام جعل نائباً عن الصغير حكماً، ألا ترى أنه يقف بالصغير ليحرم بنفسه، لو أحرم الصغير بنفسه لا يلزم الأب شيء؟ فكذا ههنا.
стр. 985
الفصل السادس عشر: في الوصية بالحج
إذا أوصى بأن يحج عنه، وهو في منزله، إن بين مكاناً، يحج عنه من ذلك المكان بالإجماع، وإن لم يبين مكاناً بالحج عنه من وطنه عند علمائنا ﵏؛ لأن الوصية بالإحجاج أمر بإقامة غيره مقام نفسه في الحج، فإنما ينصرف مطلق هذا الأمر إلى ما كان واجباً على المنوب عنه، والواجب على المنوب عنه الحج من وطنه، حتى لا يجب عليه ما لم يملك من الزاد والراحلة قدر ما يحمله من وطنه إلى مكة ويرده إلى بلده، وهذا إذا كان ثلث ماله يكفي الحج من وطنه، فأما إذا كان لا يكفي كذلك، فإنه يحج عنه من حيث يمكن الإحجاج عنه؛ لأنه يقدر صرف مطلق الأمر ههنا إلى الإحجاج من وطنه، هكذا ذكر في «الجامع» وإليه أشار في «الأصل» .
وذكر في «شرح القدوري» أن القياس أن تبطل الوصية في هذه الصورة، وفي الاستحسان أن لا تبطل ويحج عنه من حيث يبلغ، وليس هذا كما إذا كان له أوطان شتى؛ فإن في تلك الصورة يحج عنه من أقرب أوطانه إلى مكة؛ لأنه إذا حج من أقرب أوطانه إلى مكة كان النائب نائباً بجميع ما على المنوب عنه أن يحج من أي وطن شاء، ولا كذلك ما إذا كان له وطن واحد.
هشام عن محمد ﵀ في «نوادره» : مكي قدم خراسان، ومات بها، وأوصى أن يحج عنه، قال: يحج عنه من مكة، وإذا خرج من بلده يريد الحج، فمات فأوصى بأن يحج عنه حجة، فإنه يحج عنه من حيث مات في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول أبي حنيفة يحج عنه من وطنه، هكذا ذكر المسألة في «الجامع الكبير» القياس أن يحج عنه من وطنه، وفي الاستحسان يحج عنه من حيث مات.
وذكر في وصايا «المبسوط» أنه يحج عنه من حيث أوصى ومات، ولم يذكر الخلاف والقياس والاستحسان، وبعض مشايخنا قالوا: يجعل ما ذكر في الجامعين تفسير لما أبهم في المبسوط، ويجعل بعض ما ذكر في «الجامع الصغير» تفسيراً لبعض ما ذكر في «الجامع الكبير» ، وبعض ما ذكر في «الجامع الكبير» تفسيراً لبعض ما ذكر في «الجامع الصغير» ، فصار حاصل الجواب على قول هذا القائل أنه يحج من وطنه قياساً، وهو قول أبي حنيفة ﵀، ومن حيث مات وأوصى استحساناً وهو قولهما، وهذا إذا خرج من وطنه يريد الحج، فأدركه الموت في الطريق، وأوصى بأن يحج عنه حج عنه من وطنه لا من حيث إنه مات عندهم جميعاً.
وكذلك على هذا الخلاف إذا أحج الوصي عن الميت رجلاً، ومات النائب في بعض الطريق حتى وجب على الوصي أن يحج رجلاً آخر عن الميت، فعلى قول أبي حنيفة يحج آخر عنه من وطنه لا من حيث مات الأول، وعندهما من حيث مات الأول، وحاصل الخلاف في هذه المسألة راجع إلى أن ما أدي من السفر بنية الحج هل يبطل
стр. 986
بالموت أم لا؟ عند أبي حنيفة يبطل، وهو القياس فلا يجوز البناء عليه، وعندهما لا يبطل وهو استحسان فيجوز البناء عليه.
وإذا أوصى أن يحج عنه، فأحجوا عنه رجلاً، فسرقت نفقته في بعض الطريق أو هلكت أو سرقت النفقة، أو هلكت بعدما دفع إليه قبل أن يسافر، فعلى قول أبي حنيفة عليهم أن يحجوا آخر من ثلث ما بقي في أيديهم من حيث أوصى الميت؛ لأن الأول لم يتم، ألا ترى أن الميت لو كان أوصى أن يعتق كان عليهم أن يعتق الآخر من ثلث ما بقي في أيديهم إلى أن يبقى من المال حقه؟
وقال محمد ﵀: إذا قاسم الوصي الورثة، ودفع حقوقهم (١٨٣ب١) وأخذ الوصية، ثم دفعها إلى النائب أو دفع الورثة النفقة إلى النائب، فسرقت أو هلكت في يد النائب لم يجب عليهم أن يحجوا عن الميت رجلاً آخر، وقال أبو يوسف ﵀: يحج الوصي رجلاً آخر إن بقي من الثلث الأول شيء، وإن لم يبق من الثلث الأول شيء فلا يحج آخر.
وصورة هذه المسألة إذ هلك الرجل وترك ثلاثة آلاف درهم، وقد كان أوصى أن يحج عنه، فدفع الوصي إلى رجل ألف درهم ليحج عنه فسرق ذلك من يده، فعلى قول أبي حنيفة حج عنه من ثلث ما بقي، وذلك ست مائة وستة وستون وثلثان، وعلى قول أبي يوسف ومحمد تبطل الوصية، ولا يحج عنه، ولو ترك أربعة آلاف درهم، فقاسم الوصي مع الورثة، وأخذ ألفاً ودفع ثلاثة آلاف إلى الورثة، ثم دفع الألف إلى رجل ليحج عن الميت، فهلكت الألف في يده أو سرقت، فإن على قول أبي حنيفة ﵀ يحجون عنه من ثلث ما بقي، وذلك ألف درهم؛ لأن ما بقي ثلاثة آلاف درهم، وقال أبو يوسف: يحج عنه بما بقي من الثلث الأول، وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، وعلى قول محمد ﵀ بطلت الوصية، ولا يحج آخر عنه.
في «المنتقى» : بغدادي أوصى أن يحج عنه حجة الإسلام بثلث ماله يبلغ من بغداد، فأحج الوصي رجلاً من الكوفة، فالموصى ضامن، وإن أحج الوصي رجلاً من نهر صرصر، ونهر صرصر قريب من بغداد، فالقياس أن يصير الوصي مخالفاً، وفي الاستحسان: إذا كان أحج من موضع من مصره يمكن للرجل أن يذهب من ذلك الموضع، ويرجع إلى المصر عند الليل يجوز، وإن كان أكثر من ذلك لا يجوز؛ لأن المسافة إذا كانت بهذه الصفة، فهي ساقطة الاعتبار شرعاً، عرف ذلك في أحكام كثيرة أقربها المطلقة إذا أرادت التحول بالولد.
إذا أوصى أن يحجوا عنه وارثاً له، فإن ذلك لا يجوز إلا أن يخيره الورثة عند علمائنا الثلاثة ﵏؛ لأن هذه وصية الوارث؛ لأنه قصد إيصال يقع إليه من ماله بمجرد قوله، وهذا هو معنى الوصية للوارث، فالوصية للوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة. إذا أوصى أن يحج عنه بثلثه، وثلثه يبلغ حجاً، فهذا على وجهين:
أما إن قال: أحجوا عني بثلث مالي ولم يزد على هذا، وفي هذا الوجه على
стр. 987
الوصي أن يحج عنه حجاً إلى أن لا يبقى من ثلث ماله شيء، وإن كان الأمر بالإحجاج أمر بالفعل، والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار ما ثبت مقتضى الأمر بالفعل هنا، وإنما ثبت بدلالة الحال أو بدلالة العرف؛ لأن ثلث المال شيء كان كثيراً بحيث يبلغ حججاً يراد بالإيصاء بالحج به الإيصاء بالحجج إلى أن لا يبقى من الثلث شيء، ثم الوصي بالخيار في هذه الصورة إن شاء أحج عنه في سنة واحدة، بأن أتى برجال ودفع إليهم نفقتهم حتى يحجوا عنه في سنة واحدة، وإن شاء أحج عنه رجلاً في كل سنة مرة، والأول أفضل؛ لأن في التأخير توهم هلاك باقي المال، فإن أحج الوصي بالثلث حجاً، وبقي من الثلث شيء قليل لا يفي الحج من وطنه، ويفي الحج من أقرب المواقيت أو من مكة، أو ما أشبه ذلك يأتي بذلك، وإلا رد الباقي على الورثة.
وفي «المنتقى» : هشام عن محمد ﵀ إذا قال: حجوا عني من ثلثي حج عنه من ثلثه حجة واحدة، والفضل للورثة، وأما إذا قال: أحجوا عني بثلث مالي حجة واحدة، وقال: حجة، ولم يقل: واحدة، فإن الوصي يحج عليه حجة واحدة؛ لأنا إنما أثبتنا التكرار في الفصل الأول بدلالة الحال، أو بحكم العرف، ولا عبرة لهما إذا جاء الصريح بخلافه، فلو أن الوصي في هذه الصورة دفع إلى رجل مالاً مقدراً لينفق المال على نفسه في الطريق ذاهباً وجائياً ومدة مقامه بمكة، فأنفق، وبقي من ذلك شيء، ينظر إن كان الباقي كثيراً بحيث يمكن للمأمور الاحتراز عنه يصير مخالفاً، ويضمن ما أنفق على نفسه قياساً واستحساناً؛ لأنه مأمور خالف إلى شر، لأنه أمر أن ينفق كل المال في طريق الحج ليكون أكبر الأجر، فهذا إذا ترك البعض، والمتروك كثير بحيث يمكن المأمور الاحتراز عنه اعتبر مخالفاً، فصار منفقاً ما أنفق على نفسه بغير أمر ضامناً، وإن كان الباقي قليلاً بحيث لا يمكن الاحتراز عنه عرفاً وعادة، فالقياس أن يصير ضامناً لما أنفق على ... وفي الاستحسان لا يصير ضامناً؛ لأن هذا خلاف لا يمكن الاحتراز عنه للمأمور، فيكون عفواً، كالوكيل بالشراء إذا اشترى بغبن يسير، بيانه: أنه لا يمكنه أن ينفق الكل بحيث لا يبقى شيء يسير، ولا يفيض منه شيء يسير، بخلاف ما إذا كان الباقي شيئاً كثيراً؛ لأن التحرز عنه ممكن، فلا يجعل عفواً، كالغبن الفاحش إذا كان الباقي شيئاً قليلاً بحيث لا يمكن الاحتراز عنه حتى لا يصير مخالفاً، فالباقي لا يسلم للمأمور؛ لأن المستحق قدر النفقة مدة ذهابه ومجيئه ومقامه بمكة، فما زاد على ذلك لا يكون له فيرد على الورثة؛ لأنه مال الميت وقد خلا عن وصيته.
فإن كان الميت قال: ما بقي من النفقة فذلك يكون للمأمور، فهذا على وجهين:
إن لم يعين رجلاً ليحج عنه كانت الوصية بالباقي باطلة؛ لأن الموصى له مجهول، وجهالة الموصى له تمنع صحة القسمة للوصية، والحيلة في ذلك أن يقول الموصي للوصي: أعط ما بقي من النفقة من شئت فإذا أعطى الموصي الباقي من النفقة للمأمور
стр. 988
كان جائزاً، كما لو أوصى أن يعطى ثلث ماله من شاء الوصي. وإن عين رجلاً ليحج عنه كانت الوصية بالباقي جائزة؛ لأن الموصى له معلوم.
في «المنتقى» : إذا أوصى أن يحج عنه، فأحج الوصي رجلاً، فأحرم الرجل بالحج عن الميت، ثم قدم وقد فاته الحج، قال محمد: يحج عن الميت من بلده إن بلغت النفقة، وإلا فمن حيث تبلغ، وعلى المحرم قضاء الحجة التي فاتت عن نفسه ولا ضمان عليه فيما أنفق، ولا نفقة له بعد الفوت. وفيه أيضاً إبراهيم عن محمد ﵀: دفع دراهم إلى رجل ليحج عن الميت مرض في الطريق، قال: ليس له أن يدفعها إلى غيره إلا يكون قال وقت الدفع: إصنع ما شئت، فحينئذٍ له أن يدفع إلى غيره ليحج عن الميت مرض أو لم يمرض، وفيه دفع إلى رجل دراهم، وأمره أن يحج عنه، فلما أحرم المأمور بدا للآمر أن يأخذ منه المال، وطلب منه المأمور نفقة الرجوع إلى أهله فله ذلك (١٨٤أ١) استحساناً.
وفي «فتاوى أبي الليث» : الوصي إذا دفع الدراهم إلى رجل ليحج بها عن الميت، ثم أراد أن يسترد المال منه كان له ذلك ما لم يحرم؛ لأن المال أمانة في يده، فإذا استرد وطلب المأمور نفقة الرجوع إلى بلده، قال: ينظر إن استرد المال منه بجناية ظهرت منه، فالنفقة في ماله خاصة. وإن استرد لضعف رأيه أو لجهله بأمور المناسك، فالنفقة في مال الميت؛ لأن منفعة الاسترداد راجعة إلى الميت، فتكون نفقة الرجوع في ماله، وإن استرد لا لجناية ولا لتهمة، فالنفقة في مال الوصي.
رجل دفع إليه في مدينة السلام مال ليحج عن الميت، فأخذه في طريق البصرة، وسلك طريق الكوفة: قال محمد ﵀: لا بأس بذلك؛ لأن الحاجَّ يسلكه من غير عذر، وكذلك إن دفع إليه في مصر له طريقان إلى مكة أحدهما أشد وأبعد فأخذ فيه، قال: إن كان الحاج يسلكه، فله ذلك.
دفع إلى رجل خمسمائة ليحج بها عن الميت، فأنفق منها مائة في أهله وحج بأربعمائة منها، جاز الحج عن الميت، ويضمن المائة التي أنفقها في أهله.
الحاج عن الميت إذا مرض، وأنفق المال كله، فليس على الوصي أن يبعث بالنفقة إليه ليرجعه.
إذا قال الوصي للحاج: إن فني المال، فاستقرض وعلي قضاء الدين، فهو جائز.
إذا استأجر المأمور بالحج خادماً ليخدمه، ينظر إن كان مثله لا يخدم نفسه، فهو في مال الميت؛ لأنه يكون مأذوناً فيه، وللمأمور بالحج أن يدخل الحمام، ويعطي أجر الحارس وغير ذلك ما يفعله الحاج؛ لأن ذلك معروف، وقدر المعروف كالمنصوص.
الحاج عن الميت إذا اشترى ببعض المال المدفوع إليه حماراً ركبه أجزأه، ولو اشترى بالدراهم المدفوع إليه متاعاً للتجارة، وحج بمثلها عن الميت، فإنه يرد المال، والحجة عن نفسه، قال هشام: سمعت أبا يوسف يقول في هذا الفصل: يتصدق بالفضل يعني بالربح، وأجزت الحجة عن الميت في قول أبي حنيفة، وفي قولهما إليه: يحج.
стр. 989
أوصى أن يحج عنه بثلثه، وثلثه لا يبلغ للحج من بلده إلا ماشياً، فقال رجل: أنا أحج من بلده ماشياً لم يجز ذلك، ويدفع إلى رجل يحج راكباً من حيث يبلغ.
أوصى أن يحج عنه فلان فمات فلان رد المال إلى ورثته.
هشام عن محمد ﵀ أوصى أن يحج عنه بألف درهم، وذلك النقد لا يجوز في الحج، قال: يخرجه الوصي بقدر ما أوصى، ويصرفها بدراهم تجوز في الحج، وإن شاء دفع دنانير بقيمتها.
الحاج عن الميت إذا ضاعت نفقته في الطريق، فأنفق من عند نفسه حتى قضى حجة ينوي عن الميت. قال محمد ﵀: فهي للميت تطوع وعليهم (أن) يحجوا عن الميت من حيث فمات الموصى؛ لأن الشرع أقام السبب مقام الحج وذلك بالإنفاق في كل الطريق من مال الميت، وليس للذي أنفق من ماله أن يرجع بذلك على أحد، وأما من أنفق قبل ذلك، فقد ذهب من مال الميت. ولو كانت النفقة ضاعت بعد ما أحرم عن الميت جازت الحجة عن الميت، ولم يرجع بالنفقة على أحد.
المأمور بالحج لا بأس له بالثمر في الطريق، وتفسيره أن يخلط دراهم الآمر مع دراهم الرفقة أن ينفقوا جملة من المخلوط، سواء كان الآمر أمره بذلك أو لم يأمره لمكان العرف.
الوصي إذا أمر رجلاً أن يحج عن الميت في هذه السنة، فأخّر الحج عن وقته حتى مضت السنة، وحج من قابل جاز عن الميت، ولا يضمن النفقة، وذكر السنة في هذا للاستعجال لا ليفيد الآمر بها.
المأمور بالحج عن الميت إذا رجع عن الطريق، وقال: مُنِعْتُ، وقد أنفق من مال الميت في الرجوع لم يصدق، وهو ضامن جميع النفقة، إلا أن يكون أمراً ظاهر.
المأمور بالحج عن الميت إذا قال: حجه عن الميت وأنكر الورثة والوصي، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنهم أرادوا الرجوع عليه بالنفقة، وهو منكر، فيكون القول قوله مع يمينه، إلا أن يكون للميت على المأمور دين، فقال له: حج عني بهذا المال حجة، فحج عنه بعد موته، فعليه أن يقيم البينة أنه حج بها؛ لأنه يدعي الخروج عن عهدة ما عليه، والورثة منكرون.
في «المنتقى» : عن محمد ﵀: رجل دفع إلى رجل دراهم ليحج بها عن الميت، فادعى الدافع أنه لم يحج، وأقام البينة أنه كان يوم النحر بالكوفة، وقال المدفوع إليه: قد حججت، فالقول قوله، وليست تلك الشهادة بشيء، ألا ترى أنه لو كان عند رجل وديعة لرجل فقال المودع: دفعتها إليك بمكة، وأقام رب الوديعة أن المودع في اليوم الذي يدعي الدفع بمكة كان بالكوفة لم تجز هذه الشهادة؟ وإن أقاما جميعاً البينة في النائبين على إقرار المدفوع والمودع أنه كان بالكوفة، وأنه لم يدفع الوديعة ولم يحج قبلت.
أوصى أن يعطى بعيره هذا رجلاً يحج عنه، فدفع إلى رجل، فأكراه الرجل وأنفق
стр. 990
الكراء لنفسه في الطريق، وحج ماشياً جاز عن الميت استحساناً، وإن خالف أمره، قال الصدر الشهيد ﵀: هو المختار؛ لأنه لما ملك أن يملك رقبته بالبيع ويحج بالثمن ملك أن يملك منفعته بالإجارة، ويحج بالأجرة بطريق الأولى؛ إذ لو لم يملك ذلك على هذا التقدير يكون بالكراء عاصياً، فيكون الكراء له والحج له، فيتضرر، وكان نظير الميت فيما قلنا، ثم يرد البعير على الورثة؛ لأنه ملك الميت، وقد فرغ عن وصيته.
في مناسك «المنتقى» : ابن سماعة في «نوادره» : عن محمد ﵀ إذا قال: أحجوا عشرة يعني عشر حجج فأحجوا عنه رجلاً عشر حجج جاز، وهو نظير ما لو قال: أطعموا عني عشرة مساكين، فأطعموا عنه مسكيناً واحداً عشرة أيام، وعلى هذا إذا قالوا: تصدقوا عني بهذه العشرة على عشرة مساكين، فتصدق على مسكين واحد أجزأه، وإن قال: على مسكينين، أو قال: على مسكين، فتصدقوا على عشرة أجزأه، وهذا وأجناسه على الأجر لا على العدد.
وأعاد هذه المسائل في وصايا «المنتقى» بعينها، وزاد عليها لو قال: تصدقوا بها على مساكين مكة، فتصدقوا بها على مساكين الكوفة ضمنوا، لأنه سمى لهم قوماً ووصفهم ولا يشبه هذا العدد.
في «الجامع الكبير» إذا قال: أوصيت بثلث مالي في الحج يحج عني كل سنة (١٨٤ب١) بمائة درهم أو قال: يحج من ثلثي كل سنة بمائة درهم، فإنه يحج عنه بالثلث كل سنة واحدة حتى يأتي على جميعه كل حجة بمائة درهم كما سمى، وكذلك إذا قال: أوصيت بثلث مالي في المساكين يتصدق منه كل سنة بمائة درهم، أو قال: أوصيت بأن يتصدق من ثلثي كل سنة بمائة درهم فإنهم يتصدقون بجميع الثلث في السنة الأولى، ولا يوزع على السنين، وكذلك إذا قال: أوصيت بثلثي يشترى منه كل سنة نسمة بمائة درهم فيعتق أو قال: أوصيت أن يشترى من ثلثي كل سنة نسمة، فإنه يشترى ذلك بكله في السنة الأولى ويعتق عنه ولا يوزع على السنين.
فَرْق بين هذه المسائل وبينما إذا أوصى أن يعطى لفلان كل سنة من ثلث ماله، فالثلث يوقف على فلان، ويعطى له كل سنة ما سمى، والفرق أنه إنما يراعى من الشروط ما يفيد لا ما لا يفيد، والأمر بإنفاق الثلث موزعاً على السنين يفيد؛ لأنه ربما يموت الموصى له قبل أن يستكمل الثلث، فيعود ما بقي من الثلث إلى ورثة الموصي، ونفع الوارث كنفع المورث، فأما في المسائل الثلاث الأمر بالتوزيع على السنين لا يفيد؛ لأنه لا يتوهم أن يفضل شيء من وصيته في المسائل، بل ثلث؛ لأن هذه جهات لا تنقطع إلى يوم القيامة، فلا يعود شيء إلى ورثته.
بقي من هذه الجنس مسألة لا بد من معرفتها: أن من مات، وعليه فرض الحج، ولم يوص به لم يلزم الوارث أن يحج عنه، وإن أحب أن يحج عنه حج، وأرجو أن يجزئه إن شاء الله، هكذا ذكر القدوري في «شرحه» ؛ لأن رسول الله ﵇ شبه ديون الله تعالى بديون العباد في الحج في حديث الخثعمية، ثم في ديون العباد من قضى دين غيره
стр. 991
بغير أمره يجوز، ولكن موقوفاً على مشيئة رب الدين، فكذا في دين الله تعالى.
وذكر في «الزيادات» : فيمن مات وعليه صيام وأوصى أن يطعم عنه، فأطعم عنه الوارث، قال: يجزئه إن شاء الله، قرن الجواب بالمشيئة في باب الصوم، ولو حصل الإطعام بأمر من عليه، وفي باب الحج قصر الاستثناء على الحج بغير الأمر، والفرق: أن تشبيه دين الله تعالى بديون العباد في الحج منصوص عليه؛ لأن حديث الخثعمية ورد في الحج مجرى الحج يجري ديون العباد على النيّات إن كان بأمر من عليه، ومعلقاً بالمشيئة إن كان بغير أمر من يلي على ذلك، أما في باب الصوم لم يرد نص يوجب تشبيه دين الله بدين العبد، وإنما جوّز الإطعام بدلاً عن الصوم بقوله ﵇: «من مات وعليه صيام أطعم عنه وليه» ، وهذا الخبر من جملة أخبار الآحاد، وخبر الواحد يوجب العمل دون العلم، فمن حيث إنه يوجب العمل قلنا بالجواز، ومن حيث إنه لا يوجب العلم قرن الجواز في الوجهين جميعاً، والله أعلم.
الفصل السابع عشر: في إحرام المرأة والمماليك
المرأة إذا أحرمت بحجة تطوع بغير إذن زوجها له أن يحللها في قول علمائنا ﵏، والتحليل بارتكاب محظور والمحظور نوعان: إما حلق شعر أو تطييب عضو أو جماع، غير أن الأولى أن يكتفي بأقلها وأهونها حظراً، أو عليه الدم؛ لأجل التحلل، فإن أذن لها زوجها بعد ذلك، يعني: بعد ما حللها وكان ذلك قبل فوت الحج، وإن شاءت حجت من عامها ذلك، فطالما شرعت فيه، وإذا حجت من عامها ذلك فلا عمرة عليها لأن وجوب العمرة لأجل فوات الحج والدم عليها على حاله، وإن شاءت حجت في العام القابل وعليها العمرة، وكذلك إن كان ذلك بعد ما فات الحج، فعليها الحجة، والعمرة في العام القابل.
ابن سماعة عن محمد: في رجل أذن لامرأته في الحج، فأحرمت بالحج قبل أشهر الحج يحللها، وإن أحرمت في أشهر الحج، فليس له أن يحللها، وإن كانت في بلاد بعيدة يخرجون منها قبل أشهر الحج أو في أشهر الحج، فله أن يحللها ويكره له ذلك. وإحرام الأمة في حق هذا الحكم يفارق إحرام المنكوحة.
الرجل إذا أحرمت امرأته أو أمته بغير إذنه، فجامعها أو قبلها مع علمه بإحرامها فذلك تحليل، أراد به التحليل، أو لم يرد.
الحسن بن زياد ذكر في كتاب «الاختلاف» : امرأة أحرمت بحجة تطوعاً تزوجت،
стр. 992
ولها ذو رحم محرم، فلزوجها أن يحللها، وأن يمنعها من الحج عند أبي يوسف خلافاً لزفر، وذكر عيسى بن أبان في «نوادره» : عن محمد: امرأة أحرمت بحج تطوعاً، ثم طلقها ولم يدخل بها، فزوجت رجلاً آخر في إحرامها، فليس له أن يحللها، قال: وليست هذه كالأمة إذا باعها المولى، وقد كانت أحرمت بإذن المولى، فإن للمشتري أن يحللها.
وفرق في حق الأمة بين المشتري والبائع، فإنه يكره للبائع أن يحللها إذا كانت أحرمت بإذنه، ولا يكره للمشتري أن يحللها، والفرق أن التحليل من البائع خلف في الميعاد بخلاف التحليل من المشتري، وقد اختلفت ألفاظ نسخ «الجامع الصغير» في مسألة الأمة في حق المشتري، وقع في بعضها، للمشتري أن يحللها ويجامعها، وقع في بعضها وللمشتري أن يحللها أو يجامعها.
وفي «الأصل» قال: للمشتري بأن يحللها، ولم يرد عليه، فإن كان الصحيح، فللمشتري أن يحللها ويجامعها، فمعناه يحللها بمس أو قص شعر، ويجامعها بعد ذلك، وإن كان الصحيح يحللها أو يجامعها، فمعناه يحللها بقص شعر أو مس أو جماع، واختلف المشايخ في تحليلها بالجماع فبعضهم كره ذلك كيلا يلاقي الجماع إحرامها، وبعضهم لم يكره ذلك؛ لأن المواقعة لا تخلو عن سابقة مس يقع به التحلل، فتقع المواقعة بعد التحلل، والله أعلم بالصواب.
الفصل الثامن عشر: في التزام الهدي والبدنة وما يتصل بذلك
إذا قال: عليّ المشي إلى بيت الله أو إلى مكة لزمه حجة أو عمرة استحساناً، ولو قال: عليّ المشي إلى الحرم وإلى المسجد الحرام، فعلى قول أبي حنيفة (١٨٥أ١) لا يصح النذر، ولا يلزمه شيء خلافاً لهما، ولو قال: عليّ المشي إلى زمزم أو إلى أسطوانة الكعبة، في غير رواية الأصول أنه على هذا الخلاف أيضاً، ولو قال: عليّ الذهاب إلى مكة، أو قال: عليّ السفر إلى مكة، أو قال: عليّ الركوب إلى مكة لا يلزمه شيء، بلا خلاف هذه الجملة في «الأصل» .
وفي «المنتقى» ابن سماعة عن محمد: رجل قال: لله عليّ المشي إلى بيت الله تعالى ثلاثين سنة، قال: عليه ثلاثون حجة أو ثلاثون عمرة، ولو قال: عليّ المشي إلى بيت الله ثلاثين شهراً، أو قال: أحد عشر شهراً، فإنما عليه عمرة واحدة. قال هشام: استحسن في السنتين؛ لأن عليه أيمان الناس، ولو قال: لله عليّ في هذه السنة حجتان، فعليه حجتان يعني في سنتين، ولو قال: لله عليّ عشر حجات في هذه السنة، فعليه عشر حجات في عشر سنين، فرق بينه وبين الصوم، فإنه إذا قال: لله عليّ صوم يومين في هذا اليوم لا يلزمه صوم يومين.
أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله: إذا قال الرجل بخراسان: إن كلمت فلاناً
стр. 993
فعليّ المشي إلى بيت الله تعالى، فكلمه بالكوفة، فعليه أن يمشي من خراسان.
الحسن بن زياد عن أبي حنيفة إذا قال: أنا محرم بحجة بل بعمرة إن فعلت كذا ففعل، فعليه حجة وعمرة. الحسن بن زياد: إذا نذر المشي إلى بيت الله، ثم قرن بين حجة الإسلام وبين عمرة نواها بالمشي الذي أوجبه، ومشى فيهما إلى مكة أجزأه، ولا يلزمه شيء.
ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل قال وهو في غير أشهر الحج: لله عليّ حجة في أشهر الحج، فمات قبل أن يجيء لم يجب عليه شيء، وإن قال: وهو في غير أشهر الحج، فالحجة واجبة عليه من قبل أنه أوجبها على نفسه الساعة، فإذا قال: في أشهر الحج، فكأنه قال: إذا جاء فلان.
«الجامع الصغير» : رجل جعل على نفسه أن يحج ماشياً، فإنه لا يركب حتى يطوف للزيارة، وفي «الأصل» يشير إلى خلافه وموضع ما ذكر في «الأصل» : إذا حلف بالمشي إلى بيت الله تعالى، فعليه حجة أو عمرة استحساناً، فإن عنى حجة أو عمرة كان عليه أن يحج أو يعتمر ماشياً، ويصير تقدير كلامه عند تعيين أحدهما لله عليّ أن أحج ماشياً، أو لله عليّ أن أعتمر ماشياً، ولو نص على هذا لزمه كذلك، ولكن إن ركب يجزئه، ويريق لذلك دماء.
الأصل فيه حديث عقبة بن عامر الجهني حيث قال: «يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية، فقال ﵇: إن الله تعالى غني عن تعذيب أختك، مُرها فلتركب ولترق دماً» .
ثم إذا حج أو اعتمر ماشياً متى يبتدىء، ومتى يترك المشي؟
أما الترك: ففي الحج يترك المشي متى طاف الزيارة؛ لأن الحج ينتهي بطواف الزيارة، فينتهي المشي أيضاً بطواف الزيارة، وفي العمرة يترك المشي متى طاف وسعى.
وفي «البداية» : اختلف المشايخ، بعضهم قالوا: يمشي من حين يحرم؛ لأنه التزم الحج ماشياً، فإنما يلزمه المشي متى أخذ في أفعال الحج، وإنما يصير أخذ في أفعال الحج متى أحرم، ومنهم من قال: يمشي حين يخرج من بيته؛ لأن المشي من بيته من أفعال الحج؛ لأنه لا يتوصل إلى الأعمال إلا به.
في «العيون» : إذا قال: لله عليّ حجة الإسلام مرتين لا يلزمه شيء؛ لأنه التزم غير المشروع، وفي «فتاوى أبي الليث» إذا قال: أن أحج فلا شيء عليه، ولو قال: إذا دخلت الدار، فأنا أحج فدخلها لزمه الحج.
وفيه أيضاً: إذا قال: لله عليّ مئة حجة لزمها كلها، ويظهر الوجوب فيما زاد على عمره في حق وجوب الإيصاء، وفي الأيمان من «فتاوى أبي الليث» إذا قال: لله عليّ ثلاثين حجة لزمه بقدر عمره؛ لأن ما زاد على عمره إيجاب بعد الموت، والإيجاب بعد الموت لا يعمل.
стр. 994
في «فتاوى أبي الليث» أيضاً إذا قال: لله عليّ ثلاثين حجة ثلاثين نفساً في سنة واحدة إن مات قبل أن يجيء وقت الحج جاز الكلّ؛ لأنه لم يستطع بنفسه، فتبين أن شرط الإحجاج كان موجوداً، وإن (جاء) وقت الحج، وهو حي قادر على الحج بطلب حجة واحدة؛ لأنه استطاع، فتبين أن شرط الإحجاج وهو الناس لم يكن موجود، وكذلك كل سنة عليّ هذا.
إذا قال المريض: إن عافاني الله من مرضي هذا فعليّ حجة، فبرأ من مرضه، فعليه حجة، وإن لم يقل: فلله حجة، فبرأ وحج جاز ذلك عن حجة الإسلام؛ لأن الغالب من أمور الناس أنهم يريدون بهذا الكلام حجة الإسلام إذا لم يكن حج قبل ذلك، فإن نوى حجة غير حجة الإسلام أجزأه؛ لأنه نوى ما يحتمله.d
إذا قال: إن فعلت كذا فعليّ هدي، أو قال: فعليّ بدنه، فهذه المسألة لا بد لمعرفتها من أصل أن اسم الهدي عند الإطلاق يتناول الهدي، فنقول: اسم البدنة عند الإطلاق يتناول الإبل والبقر، قال ﵇ «البدن من الإبل والبقر» قال علي ﵁: الهدي من ثلاثة، فهي من الإبل والبقر والشاة، ولأن الهدي اسم لما تهدى إليها كالإبل والبقر تحدياً البدنة؛ لأن البدن مشتقة من الضخامة والضخامة للإبل والبقر دون الشاة.
إذا عرفنا هذا جئنا إلى تخريج المسألة؛ فنقول: إذا قال: لله عليّ هدي نوى شيئاً من الأنواع الثلاثة فهو على ما نوى، وإن لم ينو شيئاً ينصرف إلى الشاة لأنه أدنى الأنواع الثلاثة، وإن قال: لله عليّ بدنة، فإن نوى شيئاً من النوعين فهو على ما نوى، وإن لم ينو شيئاً فله أن يختار أي النوعين شاء.
ثم في البدن إن نوى أن ينحرها بمكة لزمه أن ينحرها بمكة، وإن لم ينو ذلك نحرها في أي مكان شاء، وقال أبو يوسف (١٨٥ب١) ومحمد: يلزمه أن ينحرها بمكة، وفي الهدي يلزمه النحر بمكة، وإن لم ينو النحر بمكة بلا خلاف، ولا يجزي في الهدايا والضحايا إلا الجذع من الضأن إذا كان عظيماً والثني من غيره، والجذع من الضأن عند الفقهاء الذي أتى عليه أكثر الحول سبعة أشهر، فصاعداً، وعند أهل اللغة الذي أتى عليه ستة أشهر، والثني من الإبل الذي طعن في السنة السادسة، ومن البقر الذي طعن في السنة الثالثة ومن الغنم الذي طعن في السنة الثانية.
قال في «الأصل» : ويستحب للرجل أن يأكل من هدي المتعة والتطوع والقران، وكذلك يستحب له التصدق، وما أكثر من التصدق فهو أفضل، ولا يستحب له أن يتصدق بأقل من الثلث، وإذا بلغ هدي التطوع الحرم وعطب فيه قبل يوم النحر فإن كان قد تمكن منها نقصان يمنع أداء الواجب ذبحه وتصدق بلحمه، لأنه لما عينه للهدي فقد لزمه شيئان قربة الإراقة فيه والتصدق باللحم، فإذا تمكن فيه عيب يمنع قربة الإراقة إن عجز عن قربة
стр. 995
الإراقة ما عجز عن التصدق باللحم، فيلزمه ما قدر عليه ولا يأكل منه لأن إباحة الأكل من الهدي، معلقة بقربة الإراقة كما في الأضحية وقربة الإراقة لا تتأدى بمثل هذا العيب كما لا تتأدى قربة الأضحية، فإذا لم توجد قربة الإراقة لا يحل الأكل، وإن كان النقصان المتمكن يسيراً بحيث لا يمنع أداء الواجب ذبحه ويتصدق بلحمه وأكله، لأن قربة الإراقة قد وجدت لأن ما لا يمنع أداء الواجب لا يمنع أداء التطوع، وهذا بخلاف هدي المتعة، فإنه لو عطب في الحرم قبل يوم النحر فذبحه لا يجزئه؛ لأن هدي المتعة مؤقت بيوم النحر فلا يجزئه الذبح قبل يوم النحر بخلاف هدي التطوع.
قال في «الأصل» : وإذا سرق هدي رجل فاشترى مكانها أخرى وقلدها وأوجبها، ثم وجد الأول فإن نحرها، فهو أفضل؛ لأنه أوجبها الأول على نفسه مطلقاً وأوجبها الثاني بنية إسقاط الواجب، وتبين أنه ليس عليه حين وجد الأول، فالأفضل في مثل هذا المعنى، كما إذا شرع في صوم أو صلاة على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه، فإن نحر الأول وباع الآخر أجزأه، وإن نحر الآخر وباع الأول، فإن كان قيمة الآخر مثل قيمة الأول وأكثر فلا شيء عليه، وإن كان أقل يتصدق بفضل ما بينهما.
قال في «الأصل» : عقيب هذه المسائل: وهدي المتعة والتطوع في هذا، قالوا: وما ذكر محمد ﵀ يبطل قول من قال بأن من الفقير إذا اشترى شاة بنية الأضحية فضلت فاشترى بأخرى، ثم وجد الأولى، أنه يلزمه أن يضحي بهما لأن الشراء بنية الأضحية بمنزلة النذر فكأنه نذر أن يضحى بالأخرى ووجه الإبطال أن محمد ﵀ نص هنا على أن له بيع الآخر، وإن كان هذا في التطوع في هذا الواجب سواء.
وفي «المنتقى» : قال عيسى بن أبان في «نوادره» : قلت لمحمد: رجل قلد بدنة تطوعاً فضلّت منه، ثم اشترى مكانها أخرى هي أفضل منها وقلدها وأوجبها، ثم وجد الأولى قال: إن نحر الأولى تصدق بفضل الثانية عليها، وكذلك في الأضحية قلت: لو قلد بدنة تطوعاً وأوجبها فضلت منه، ثم اشترى مكانها بدنتين كل واحدة منهما أفضل من الأولى فقلدهما جميعاً، ثم وجد الأولى، قال: أحب إليّ أن ينحرهن جميعاً، وإن لم يفعل ينحر الأولى وإحدى هاتين، وأمسك إحداهما، والله أعلم.
الفصل التاسع عشر: في الخطأ في الوقوف
ذكر ابن سماعة في «نوادره» عن محمد ﵀ في الإمام يخطىء، ويقف بالناس بعرفة يوم التروية لم يجز للناس حجتهم.
وفي «الجامع الصغير» : أهل عرفة وقفوا في يوم شهد قوم أنهم وقفوا في يوم النحر أجزأتهم حجتهم. وصورة المسألة: أن يشهد قوم برؤية هلال ذي الحجة في ليلة كان اليوم الذي وقفوا اليوم العاشر من ذي الحجة، وهذا لأن التحرز عن الخطأ غير ممكن،
стр. 996
فإذا ظهر الخطأ، والتدارك غير ممكن، وجب أن يسقط التكليف صيانة لجميع المسلمين، ولأن هذه شهادة قامت على النفي، وعلى أمر لا يدخل تحت الحكم والإلزام، ومثل هذه الشهادة لا تقبل.
وذكر الكرخي ﵀: إذا التبس على الناس هلال ذي الحجة، فأكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين يوماً، ووقفوا في اليوم التاسع من ذي الحجة ثم تبين أن اليوم الذي كان وقوفهم صحيحاً وحجهم تاماً استحساناً، والقياس: أن لا يجوز.
وفي «المنتقى» : عمرو بن أبي عمرو عن محمد ﵀: إذا قيل الحجاج..... بريدون، فأبصر بعضهم هلال ذي الحجة، فرد الإمام شهادتهم، وعدّ الإمام ذا القعدة ثلاثين يوماً، ووقف يوم التاسع بعرفة وهو اليوم العاشر في شهادة الشهود، ووقف الشهود معه، فحجهم تام، هم وغيرهم في الحج سواء، وإن استيقنوا أن هذا اليوم يوم النحر. ولو أن هؤلاء الشهود بعدما رد الإمام شهادتهم وقفوا بعرفات على ما رأوا عليه الهلال قبل وقوف الإمام بيوم ولم يقفوا مع الإمام من الغد، فقد فاتهم الحج، وعليهم أن يحلوا بعمرة، وعليهم الحج من قابل.
وفيه أيضاً: ولو أن قوماً من الحجاج أو من غيرهم أتوا الإمام وشهدوا عنده في صبيحة يوم عرفة أنهم رأوا الهلال قبل عدد الثلاثين بيوم، وهذا اليوم يوم النحر وهم عدول لا تقبل شهادتهم، ووقف بالناس على عدده الذي عدّوا، ووقف معه هؤلاء الشهود أجزأهم؛ لأن الإمام لا ينبغي له أن يبطل الحج في سنة من السنين، حتى لا يكون فيها حج. وكذلك لو كانوا شهدوا بذلك في آخر ليلة عرفة في ساعة، إن طلب (١٨٦أ١) الإمام المسلمين أن يأتوا عرفة، فيقفوا بها لم يدركوها حتى يطلع الفجر لا تقبل هذه الشهادة، وإن شهد في أول الليل أو في عشي اليوم الذي هو يوم عرفة في شهادتهم، وكان الإمام والمسلمون يقدرون على أن يمضوا إلى عرفات حتى يقفوا بها قبل الإمام شهادتهم، قال: ولا ينبغي أن يقبل في هذا شهادة الواحد والاثنين ونحو ذلك في الاستحسان.
وأما في القياس فتقبل فيه شهادة العدلين، وأما الذي تقبل فيه شهادة العدلين قياساً واستحساناً إذا كان القوم يقدرون على الوقوف على ما أمروا به، معناه: أن الشهود إذا شهدوا في زمان يمكّنهم الوقوف بعرفة نهاراً تقبل شهادة عدلين، وإذا شهدوا في زمان لا يمكنهم الوقوف بعرفة نهاراً، ويحتاجون إلى الوقوف بها ليلاً لا تقبل فيه شهادة العدلين، لأن الوقوف يتحول بشهادته حتى يوقف بالليل مكان النهار، فلا يقبل فيه الأمر الظاهر.
وفيه أيضاً: لو شهدوا عند الإمام عدلان على رؤية الهلال في أول العشر من ذي الحجة أو شهود عدول، فرأى أن لا يقبل ذلك حتى يراه العامة، يعني حتى يشهد عنده جماعة كذلك، ومضى ما رأى ووقف في يوم هو يوم النحر في شهادة الشهود، ووقف
стр. 997
الناس معه والشهود أجزأهم: قال: لأن هذا أمر يختلف فيه الفقهاء، وإن خالفه الشهود، ووقفوا قبله لا يجزئه، قال: إنما هذا بمنزلة الأحكام التي يختلف فيها المسلمون يريد بقوله: إن هذا أمر يختلف فيه الفقهاء، إن الفقهاء اختلفوا في هلال ذي الحجة، بعضهم جعلوه بمنزلة هلال رمضان، فتقبل فيه شهادة عدلين، وبعضهم جعلوه بمنزلة هلال شوال، فلا تقبل فيه إلا شهادة الجمع العظيم.
وفي «الرقيات» : ابن سماعة، قلت لمحمد ﵀: أرأيت لو غُمَّ على الناس هلال ذي الحجة بمكة قعدوا لأيام حتى إذا أصبحوا في اليوم الذي يرونهم يوم عرفة أتاهم تعين الخبر أن ذلك اليوم يوم النحر أيجزئهم أن يقفوا؟ أرأيت إن أتاهم الخبر وهم بمنى ليلة النحر في وقت إن أرادوا إتيان عرفة أصبحوا دونها، أو في وقت يلحق المسرع عرفة بمثل طلوع الفجر، فأما المشاة وأصحاب الثقل، فلا يلحقوا بها إلا بعد الفجر، قال محمد ﵀: لا ينبغي للإمام أن يقبل على هذا بينة، ولا يلتفت إلى شيء من ذلك إذا كان أمراً إن فعله كان القوم فاتهم الحج، فإن كان الإمام، ومن أسرع فيه يدركون الحج تقبل فيه شهادة الشهود، وإن فات بعضهم الحج.
وفي صورة أخرى من هذا الجنس يقول: إذا جاء الإمام، وذلك أمر مكشوف معروف، وهو يقدر على الذهاب إلى عرفة، ومن أسرع معه في المشي، فليذهب هو وليقف، ومن لم يقف معه فاته الحج، وإن كان لا يدري هو، ولا غيره، فلا ينبغي له أن يقبل شهادتهم على هذا وإن كثروا، ولا يقف إلا من الغد.
والحاصل أن في كل موضع لو قبلت الشهادة لفات الحج على الكل، فالإمام لا يقبل الشهادة، وإن كثر الشهود في كل موضع لو قبلت الشهادة لفات الحج على البعض دون البعض قبلت الشهادة.
الفصل العشرون: في المتفرقات
ذكر في «واقعات الناطفي» أن المرأة المحرمة ترخي على وجهها خرقة، وتجافي عن وجهها، ودلت هذه المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للرجال من غير ضرورة؛ لأنها منهية عن تغطية الوجه لحق نسك، لولا أن الأمر كذلك، وإلا لما عرف بهذا الإرخاء في النواهي.
البالغ إذا جن بعد الإحرام، ثم ارتكب شيئاً من المحظور، فإن عليه فيها الكفارة. فرق بينه وبين الصبي؛ لأن ابتداء إحرام المجنون قبل أن يجن كان صحيحاً لازماً؛ بخلاف إحرام الصبي. حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ أن المرأة إذا لم تجد محرماً لم تحج عن نفسها إلى أن تبلغ الوقت الذي تعجز، فلا تقدر على السير، فحينئذٍ تبعث من يحج عنها، وقبل ذلك لا يجوز لها ذلك لتوهم وجود
стр. 998
المحرم، فإن بعثت رجلاً، فإن دام عدم المحرم إلى وقت الموت فذلك جائز، كالمريض إذا أحج عنه فدام به المرض.
ولو بلغ الصبي أو أسلم الكافر في وقت لا يقدر على الحج ثم مات، ذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن على قول أبي يوسف: يجب الحج، وعلى قول زفر: لا يجب، قال البلخي: وقد روي عن أبي يوسف أنه يجب قضاءً، وعن أبي يوسف ﵀ روايتان، قيل: وكان عن أبي حنيفة روايتان أيضاً.
وكذلك على هذا إذا أصاب مالاً، واستهلكه أو هلك المال في وقت لا يقدر على الحج. والفتوى: على أنه لا يجب عليه الحج وهو الأظهر. وروى الحسن عن أبي حنيفة إذا أتى بالإحرام في الميقات يعني الحاج يقول: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبل مني عن فلان.
إذا حج الرجل مرة، ثم أراد أن يحج مرة، فالحج مرة أخرى أفضل له أم الصدقة، فالمختار أن الصدقة أفضل له؛ لأن نفع الصدقة يعود إلى الفقير، ونفع الحج يقتصر عليه.
في «العيون» : إذا أراد الرجل أن يخرج إلى الحج وأبوه كاره، فإن كان الأب مستغنياً عن خدمته لا بأس بذلك؛ وإن لم يكن مستغنياً لا يسعه الخروج.
وذكر في «السير الكبير» إذا كان لا يخاف عليه لذلك الضيْعة فلا بأس بالخروج، وكذلك إن كره خروجه زوجته وأولاده ومن سواهم ممن يلزمه نفقتهم، وهو لا يخاف الضيْعة عليهم، فلا بأس بأن يخرج، ومن لا يلزمه نفقته لو كان حاضراً، فلا بأس بالخروج مع كراهيته، وإن كان يخاف الضيعة عليه.
وذكر في «فتاوى أبي الليث» : إذا كان الابن أمرداً صبيح الوجه فلا بأس أن يمنعه عن الخروج حتى يلتحي، وإن لم يكن كذلك إلا أن أبواه يحتاجان إلى النفقة، ولا يمكنه أن يخلف لهما نفقة كاملة، أو يمكنه إلا أن الغالب هو الخوف في الطريق، فلا يخرج مع كراهيته، وإن كان الغالب هو السلامة، فلا بأس بالخروج.
في «فتاوى أبي الليث» : الخروج إلى الحج راكباً أفضل من الخروج ماشياً؛ لأن المشي يجهد الإنسان، ويسيء خلقه، فلا يأمن أن يأثم في إحرامه.
فيه أيضاً: رجل وجب عليه الحج، فحج من عامه فمات في الطريق، فليس عليه أن يوصي بالحج إلا أن يتطوع؛ لأنه لم يؤخر بعد الإيجاب، شكَّ الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ عمن قال: اللهم نريد الإحرام هل يصير محرماً؟ قال: على قياس قول أبي حنيفة يجب أن يصير محرماً؛ لأنه يجوز الشروع في الصلاة بقوله: اللهم، فأولى أن يجعله محرماً به، روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ قال: أقل ما يجب أن يكون بين الناس وبين الجماعة في حال ما بين من عشرة أذرع، والله أعلم بالصواب. ويتلوه كتاب النكاح (١٨٦ب١) .
стр. 999
كتاب النكاح
هذا الكتاب يشتمل على خمسة وعشرين فصلاً:
١ * في الألفاظ التي ينعقد بها النكاح.
٢ * في الألفاظ التي تكون إجارة أو إذناً في النكاح والتي تكون رداً وإبطالاً.
٣ * فيما يكون إقراراً بالنكاح، وما لا يكون إقراراً به.
٤ * في الشروط والخيار في النكاح.
٥ * في تعريف المرأة والزوج في العقد بالتسمية أو الإشارة.
٦ * في الكفارة.
٧ * في الشهادة في النكاح.
٨ * في الوكالة في النكاح.
٩ * في معرفة الأولياء،
١٠ * في نكاح الصغار والصغائر وتسليمهن إلى الأزواج وتصرف الأولياء في المهر.
١١ * في نكاح الأبكار.
١٢ * في النكاح بالكتاب والرسالة، وفي النكاح مع الغائب.
١٣ * في بيان أسباب التحريم.
١٤ * في بيان ما يجوز من الأنكحة وما لا يجوز.
١٥ * في الأنكحة التي لا تتوقف على الإجازة والتي تتوقف على الإجازة.
١٦ * في المهور.
١٧ * في النكاح الفاسد وأحكامه.
١٨ * في ثبوت النسب.
١٩ * في نكاح العبيد والإماء.
٢٠ * في نكاح الكفار.
стр. 1000
٢١ * في الخصومات الواقعة بين الزوجين.
٢٢ * في بيان ما للزوج أن يفعل، وما ليس له أن يفعل، وفي بيان ما للمرأة أن تفعل وما ليس لها أن تفعل.
٢٣ * في العنين والمجبوب.
٢٤ * في بيان حكم الولد عند افتراق الزوجين.
٢٥ * في المسائل المتعلقة بنكاح المحلل وما يتصل به ونكاح الفضولي وفي طلاق المضاف، والحيل في رفع اليمين في طلاق المضاف وقضاء القاضي في مسألة العجز عن النفقة وأمثالها.
٢٦ * في المتفرقات.
стр. 1001
الفصل الأول: في الألفاظ التي ينعقد بها النكاح
قال القدوري ﵀ في «كتابه» : عقد النكاح ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي نحو أن تقول المرأة: زوجت، ويقول الرجل: قبلت، قال: وينعقد أيضاً بلفظين أيضاً، يعبر بأحدهما عن المستقبل نحو أن يقول الرجل: زوجت.
وفي نكاح «فتاوى أهل سمرقند» : إذا (قال) الرجل لغيره: دخرحوبش مراده، فقال: وادم، ينعقد النكاح، وإن لم يقل الخاطب: بدر فتم، ولو قال: دمتر حوبش مراد داي، فقال: دا دم، لا ينعقد النكاح ما لم يقل الخاطب: بدر فتم إلا إذا أراد أن يقول: دادي التحقيق دون السوام، فحينئذ يصح النكاح وإن لم يقل الخاطب: بدرفتم. ولو قال: حوبش بمن ذرى فقالت: دادم، فقال الزوج: لي بدرفتم، فها هنا لا يمكن حمل قوله: دادي على التحقيق؛ لأن معنى التحقيق لا يتضمن هذا الكلام، وقول الزوج: بدرفتم يعني خوبش بمن داري كه من بدرفتم، وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه مع التصريح بعدم القبول بعد ذلك.
وفي «مجموع النوازل» : عن الشيخ الإمام الزاهد نجم النسفي ﵀: إن في قوله: دمتر حوبش مراده لا بد وأن يقول: برني، ويقول الآخر: برني دادم، أما بدون ذلك لا ينعقد النكاح عند بعض المشايخ، وعند بعضهم ينعقد، فلا بد من هذه الزيادة لتصير المسألة محققة، وفي قوله: برى دادي، قال: اختلف مشايخ بلخ، بعضهم جعلوا هذا استفهاماً، وبعضهم جعلوه بمنزلة الأمر: خوبش بمنى برني ده، قال الشيخ الإمام الزاهد نجم الدين عمر ﵀: ومعنى الأمر راجح، ألا ترى أن التعارف فيما بين الناس أنهم يقولون وقت العقد جوتشتن بفلان نولي دادي، ويريدون به الأمر.
وسئل نجم الدين عمن قال: لامرأة خوشتن بهزاردرم كبتن عن ترني دادي فقال: ما يسمع والطاعة قال: ينعقد النكاح. ولو قال: فساس دارم لا ينعقد؛ لأن الأول إجابة، والثاني عقد. وسئل هو أيضاً عمن قال: لأب امرأة: وجوحويشتن عقيد ركابين أصدر كردى مربن فلان راكضت كردم، وقيل للزوج بهذه اللفظة أيضاً، فقال: كردم، قال: لا ينعقد النكاح إن لم يسبق من غيرهما في حقهما عقد؛ لأن الإجازة الإمضاء لا الابتداء قيل للمرأة خويشتن بفلان ترني داري فقالت: دار. وقيل للزوج: بدرقتي، قال: بدرفتم ينعقد النكاح، وإن لم تقل المرأة: وادم ويدرفتم لمكان الفرق.
وعلى هذا البيع إذا قيل للبائع: فروخني، فقال: فروخت، وقيل للمشتري خريدي
стр. 1002
فقال: خريد ينعقد البيع وإن لم يقل: خريدم وفروختم، قيل لامرأة فلان رابا سيدي فقالت: يا شدم، قيل: لا ينعقد النكاح إلا إذا كان المخاطب قال لها: فلان رائرى ياشدي، فقال: يا شرم فحينئذ يكفي قولها جواباً، وانعقد النكاح بينهما، وقيل: ينعقد وهو الظاهر بحكم الفرق خويشتن دازن كر دانتدي، فقالت: كرد انيدم. وقال الزوج: بدرختم ينعقد النكاح في الأمر إذا قال لها: تزوجتك بكذا، فقالت: فعلت تم النكاح وإن لم تقل: قبلت.
وإذا قال لها: جئتك خاطباً، فقالت: فعلت، أو قالت زوجتك نفسي نكاحاً تاماً، وكذلك إذا قال لها: خطبتك إلى نفسك، فقالت: قد فعلت كان نكاحاً تاماً ذكرهما شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح «الكافي» .
وفي «نوادر المعلى» قال أبو حنيفة ﵀: إذا قال الرجل لرجل: جئتك خاطباً ابنتك، فقال الأب: زوجتك، فقد تم النكاح.
وينعقد النكاح بلفظ الهبة والصدقة والتمليك بأن قالت: وهبت نفسي منك، ملكت نفسي منك، تصدقت بنفسي عليك، ولا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة، وهل ينعقد بلفظة الإجارة؟ فعلى قول أبي بكر الرازي ﵀ لا ينعقد، وعن الحسن الكرخي ﵀ أنه ينعقد.
وإنما وقع الاختلاف في هذا لاختلاف روايات عن أصحابنا ﵏ روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أن كل لفظ يملك به شيء ينعقد به النكاح، وهذه الرواية تدل على جواز النكاح بلفظ الإجارة.
في رواية ابن رستم عن أبي حنيفة ﵀: كل لفظ تملك به الرقاب ينعقد به النكاح، والأولى وهذه الرواية تدل على عدم جواز النكاح بلفظ الإجارة وفي العبارة بلفظ البيع والشراء بأن قالت المرأة: بعت نفسي منك، أو قال أبو البنت: بعت ابنتي منك بكذا، أو قال الرجل لامرأة: اشتريتك بكذا، وأجابت بنعم، اختلاف المشايخ. كان الفقيه أبو القاسم البلخي يقول بالعبارة، وإليه أشار محمد ﵀ في كتاب الحدود، ورواية الحسن ورواية ابن رستم عن أبي حنيفة ﵀ يدلان عليه وهو الصحيح.
وفي القرض والرهن اختلاف المشايخ كذلك وفي لفظ الإعارة اختلاف المشايخ. روي عن أبي الحسن الكرخي ﵀ أن ينعقد، وكان يقول: الإعارة تفيد ملك المنفعة، ألا ترى أن إباحة استيفاء المنافع دون التمليك، ألا ترى أنه لا يملك الإجارة من غيره؟ فقال الفقيه أبو العباس الناطفي: وكان شيخنا أبو عبد الله ﵀ يقول: النكاح.... أصلين مختلفين أحدهما الإباحة، فلا ينعقد بلفظة العارية بالشك، وأما لفظة الإقالة، فقد حكى الناطفي في «واقعاته» عن شيخه أبي عبد الله الجرجاني ﵀ أنه لا ينعقد به النكاح؛ لأنها موضوعة لفسخ عقد سابق لا لعقد مبتدأ. قال: وعلى هذا
стр. 1003
لا ينعقد النكاح بلفظة الجامع، وكذلك لا ينعقد بلفظ الصلح؛ لأن موضعه الحطيطة ولإسقاط الحق.
وذكر شيخ الأئمة السرخسي ﵀ في شرح كتاب الصلح: الابتداء النكاح بلفظ الصلح العطية جائز، قال الناطقي ﵀: وكذلك لا ينعقد بلفظ الشركة، وإن كانت تفيد التمليك لمن قال لغيره: أشركتك في هذه الجارية، فإنه يفيد تمليكاً قال الناطقي ﵀: إنما كان كذلك؛ لأنها تفيد الملك في بعض رقبتها، لا في جميعها، فصار كمن قال لآخر: زوجتك نصف جاريتي، فإنه لا يصح النكاح؛ لأنه من حيث لم يزوج النصف الآخر، لا يستباح وطؤها، فاجتمع الحلال والحرام وكان الحكم الحرام، وفيه نظر، وقد ذكر في كثير من الكتب إذا أضاف النكاح إلى فضولي أضاف إليه الطلاق يقع الطلاق يصح النكاح أيضاً، وإن أضاف الطلاق إلى نصفها يقع الطلاق، فإذا أضاف النكاح إلى نصفها يصح النكاح أيضاً، وهذا لما عرف أن المرأة في حق محلية النكاح لا تتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ ذكر كله (١٨٧أ١) .t
وفي «البقالي» : إذا تزوج نصفها، فقد ذكر بعضهم أنه يجوز، والنكرة غيره، وأما لفظ الرد هل ينعقد به النكاح ذكر في نكاح «إملاء بشر بن غياث» أن من طلق امرأته طلاقاً بائناً، فقالت: رددت نفسي عليك، فقال الرجل: قبلت كان نكاحاً هذا لفظ كتابه. قال أبو العباس الناطفي ﵀ قال: وقد يكون في حكم الابتداء النفي.
في «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀، لو مرض الموهوب له، فرد الموهوب على الواهب بغير قضاء جاز في قدر ثلثه، ولا يجوز في قدر ثلثيه، وأما لفظ المتعة فقد اختلفت الروايات فيها ذكر في «الأصل» ، وفي «نوادر هشام» عن أبي حنيفة ﵀ لو قال لها: أتزوجك بمتعة لا ينعقد به النكاح، وقال في «الهارونيات» : قال أبو حنيفة ﵀: ينعقد به النكاح، ويلغو قوله: متعة.
وفي «المنتقى» : هشام عن محمد ﵀ إذا قال لامرأة: أتزوجك متعة، فالنكاح باطل، ولو قال لغيره: أبيعك هذه الدار تلجئة بألف درهم فالبيع جائز، وقال أبو يوسف: البيع والنكاح فاسدان، وفي «الأصل» إذا تزوج امرأة مدة معلومة، فالنكاح باطل، وهو المتعة.... إلى الآجال حتى سمى مائة وأبطل فيه العقد. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: وكثير من مشايخنا قالوا: إذا سميا ما يعلم يقيناً أنهما لا يعيشان إليه كألف سنة ينعقد العقد ويبطل الشرط، كما لو تزوجها إلى قيام الساعة أو خروج الدجال، أو نزول عيسى ﵇، وهكذا روي عن الحسن عن أبي حنيفة ﵀، فأما بلفظة الوصية إن أطلق وقال: أوصيت لك ببضع أمتي بألف درهم وقبل الآخر، أو أضاف العقد إلى ما بعد الموت، بأن قال: أوصيت لك ببضع أمتي للحال بألف درهم وقبل الآخر ينعقد النكاح. ذكره شيخ الإسلام ﵀، وهكذا حكي عن
стр. 1004
الشيخ أبي عبد الله الجرجاني ﵀، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ مطلقاً أن النكاح لا ينعقد بلفظة الوصية.
وفي كتاب الصلح من «الأصل» أعطيك مائة درهم على أن تكوني امرأتي، فهو جائز إذا قبلت بمحضر من الشهود، فيكون ذلك نكاحاً مبتدأ، فالنكاح ابتداء ينعقد بلفظة الكون، ولهذا من قال لامرأة: كوني امرأتي بمائة فقبلت بمحضر الشهود صح، إذا قال لامرأة: ثبت حقي في منافع بضعك بألف فقالت: قبلت صح النكاح، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قال مشايخنا: لو قال الرجل لامرأة: كنت لي، أو صرت لي فقالت: نعم، أو صرت لك كان نكاحاً في كتاب الصلح في باب الصلح، وقد قيل بخلافه.
ادعى رجل قبل امرأة نكاحاً، فجحدت فصالحها على مائة إن هي بذلك أقرت فهذا الإقرار منها جائز، وهذا الإقرار منها بمنزلة إنشاء النكاح؛ لأن هذا إقرار مقرون بالعوض، فيكون عبارة عن تمليك مبتدأ للحال، كمن قال لغيره: أقر لي بهذا العبد على أن أعطيك مائة فكان بيعاً حتى لو قال: إلى الحصاد لم يجز.
وإذا جعل هذا الإقرار بمنزلة إنشاء النكاح، فإن كان بمحضر من الشهود صح النكاح، ووسعها المقام مع زوجها فيما بينهما وبين ربها، وإن لم يكن بمحضر من الشهود لا ينعقد النكاح، ولا يسعها المقام مع زوجها، وهو الصحيح، وهو نظير ما لو قضى القاضي بالنكاح بشهادة شهود زور ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، ويجعل ذلك بمنزلة إنشاء النكاح، وإن كان بمحضر من الشهود يصح النكاح، وما لا فلا، وهو الصحيح.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا قال لامرأة بمحضر الشهود: راجعتك، فقالت المرأة: رضيت يكون نكاحاً، وفي «فتاوى القاضي» : لا يكون فقد نص في «الجامع» أن من قال للمطلقة بائناً أو ثلاثاً: إن راجعتك فعبدي حر، ينصرف إلى النكاح؛ لأن الرجعة قد يراد بها الرجعة المعروفة، وقد يراد بها النكاح فينظر إلى (المراد) وهذا المحل لا يقبل الرجعة المعروفة، فكان المراد منها النكاح.
وفي «أجناس» الناطفي ﵀، إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً أو ثلاثاً ثم قال لها: راجعتك على كذا، فرضيت المرأة بذلك، وكان بمحضر الشهود كان ذلك نكاحاً صحيحاً وإن لم يذكر المال، فإن أجمعا على أن الزوج أراد به النكاح كان نكاحاً، ومالا فلا، وتبين بما ذكر في «الأجناس» أن ما ذكر (في) «الفتاوى» محمول على ما إذا ذكر المال، أو أقر أن الزوج أراد به النكاح.
إذا قال لامرأة: هذه امرأتي، وقالت المرأة: هذا زوجي، وكانت بمحضر من الشهود لا يكون نكاحاً، وكذلك لو قال بالفارسية: رن وسوهم لا يكون ذلك نكاحاً. وفي «فتاوى النسفي» أن فيه اختلاف المشايخ، قال ثمة: ولو قضى قاضى بصحة هذا النكاح ينفذ القضاء ويصح النكاح، ودلت المسألة أن قضاء القاضي في مثل هذه
стр. 1005
المجتهدات صحيح. فإن قال لها الشهود: أجزتما أو رضيتما، فقالا: أجزنا، أو قالا: رضينا لا يكون نكاحاً مبتدأ، فالنكاح لا ينعقد بلفظة الإجازة والرضا، ولو قال لهما الشهود: جعلتما هذا نكاحاً، فقالا: نعم كان ذلك نكاحاً مبتدأ، فالنكاح ينعقد بلفظ الجعل، ولهذا إذا قالت المرأة: نفسي لك بكذا، وقال الرجل: قبلت كان نكاحاً تاماً.
طلب من امرأة زنا، فقالت المرأة للطالب: وهبت نفسي منك، وقبل الطالب لا يكون نكاحاً، بخلاف ما إذا وهبت نفسها منه على وجه النكاح، والفرق أن هبة نفسها من طالب الزنا يمكن..... وليست بهبة حقيقة لا يكون جواباً لما التمس، أما هبة نفسها على وجه النكاح هبة حقيقة، وبالهبة ينعقد النكاح، وهو نظير ما لو قال لآخر: وهبت لك ابنتي، وقال الآخر: قبلت كان نكاحاً إذا كان بمحضر من الشهود، ولو قال: وهبت ابنتي منك لتخدمك، (وقال) الآخر لا يكون نكاحاً.
قيل لرجل: دحترخوش دابه بسر من بادراني داستي، فقال: دا شم لا ينعقد النكاح بينهما؛ لأن هذا اللفظ لا ينبىء عن التمليك ولا يستعمل فيه.
في «فتاوى الفضلي» : إذا قال الرجل لغيره: زوج ابنتك مني بألف درهم، فقال والدها: ادفعها واذهب بها حيث شئت، وكان ذلك بمحضر (الشهود) لا ينعقد به النكاح، وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا قال أب الصغير: اشهدوا أني قد زوجت ابنة فلان الصغيرة من ابني فلان بمهر كذا، فقيل لأب الصغيرة: أليس هكذا؟ فقال أب الصغيرة: هكذا، ولم يزد على ذلك، فالأولى أن يجدد النكاح وأن يجدد إجازته.
الفصل الثاني: في الألفاظ التي تكون إجازة وإذناًفي النكاح والتي تكون رداً وإبطالا
رجلٌ زوج رجلاً امرأة بغير أمره، فلما بلغه الخبر فقال: نعم ما صنعته بارك الله لنا فيها، أو قال: أحسنت، أو قال: أصبت، قال الفقيه أبو القاسم ﵀: إنه ليس بإجازة، وذكر الصدر الشهيد في أول نكاح «واقعاته» : أنه إجازة هو المختار، واختاره الفقيه أبو الليث ﵀، إلا إذا علم بيقين أنه أراد به الاستهزاء، قال: وكذلك هذا في البيع والطلاق، قال: كذلك إذا هنأه قوم وقبل التهنئة كان إجازة.
وذكر (في) بيوع «المنتقى» : أن من باع عبد الغير (١٨٧ب١) بغير إذنه، فقال صاحب العبد: قد أحسنت وأصبت ووفقت، أو قال: كفيتني لمؤنة البيع وأحسنت، فجزاك الله خيراً إن ذلك ليس بإجازة، ولو قبض الثمن من المشتري فهو إجازة، وذكر هذه المسألة في موضع آخر من الكتاب وذكر أن قوله: أحسنت ووفقت إجازة.
стр. 1006
في الباب الأول من نكاح «واقعات الصدر الشهيد» ﵀ إذا قال لأجنبية: إني أريد أن أزوجك من فلان، فقالت بالفارسية: توبة داني، لا يكون إذناً منها، ولو قالت: ذلك إليك فهو إذن وتوكيل، وهكذا ذكر في «أجناس الناطفي» عن أبي يوسف رحمهما الله.
وفي «واقعات الناطفي» ﵀: العبد إذا طلب من المولى أن يأذن له في النكاح، فقال المولى: ذلك إليك فهو إذن، ولو قال: أنت أعلم، أو قال بالفارسية: توبة دان فذلك ليس بإذن، وبعض مشايخنا قالوا: قوله توداني وتوبة دان في عرفنا تفويض وتوكيل بمنزلة قوله: ذلك إليك. وهكذا حكي عن الفقيه أبي بكر الإسكاف ﵀ أنه كان يقول: إن قوله: توية دان إذن، ووافقه في ذلك الفقيه أبو القاسم أحمد بن حمر.
رجل زوج امرأة من رجل بغير أمرها، فبلغها الخبر فقالت باك نيت فهذا إجازة، هكذا ذكر الفقيه أبو الليث، وهو قول الفقيه أبي جعفر رحمهما الله؛ لأن هذا الكلام يستعمل في الإجازة في متعارف الناس، ومن مشايخ زماننا من أبى ذلك، وقال: إن قوله: بالانيت غير صلبي عن الإجازة، وهكذا كان يقول محمد بن سلمة ﵀ ولكن هذا غير صواب؛ لأنه إن لم يكن منبئاً عن الإجازة، فهو مستعمل فيها، والإنباء ليس بشرط لا محالة إنما الشرط الاستعمال وقد وجد، وهو معنى كلام الفقيه أبي جعفر ﵀ في تعليل هذه المسألة، هذا الكلام يراد به الإذن، وليس فيه معنى الإذن، أراد به أنه مستعمل في الإذن، وأنه لا ينبىء عن الإذن.
رجل زوج وليته وهي بالغة، فلما بلغها الخبر قالت: أنا لا أريد الأزواج، أو قالت: رضيت بيت أبي، فهذا لا يكون رداً للنكاح، ولو قالت: لا أريد فلاناً فهو رد للنكاح، هكذا ذكر في «المنتقى» عن محمد ﵀، وقيل: هو رد في الوجهين جميعاً، والأول أظهر وأقرب إلى الصواب.
وإذا استأمرها الولي في التزويج من رجل، فقالت: غيره أولى لم يكن ذلك إذناً في العقد، ولو أخبرها به بعد العقد، فقالت ذلك كان ذلك إجازة في «القدوري» .
في «فتاوى الفضلي» : في عم قال لبنت أخيه: إني أريد أن أزوجك من فلان، فقالت: يصلح، ثم لما فارقها العم، فقالت: لا أرضى، فزوجها العم قبل أن يعلم قولها: لا أرضى ممن سمى لها، قال: صح النكاح عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن العم كالوكيل لا ينعزل قبل العلم، وأما عند محمد ﵀ ينبغي أن لا يصح نكاح العم؛ لأن عنده العم ليس بوكيل وإنما يزوجها بحق له في تزويجها، وحين زوجها بحق الولاية زوجها وهي غير راضية بذلك فلا يجوز.
في «المنتقى» : البنت إذا قبلت الهدية، فليست بإجازة للنكاح، وإذا قبلت المهر فهو إجازة؛ لأن المهر ثمن رقبتها، وفيه أيضاً: إبراهيم عن محمد رحمهما الله: قال لامرأة: قد تزوجتك على ألف درهم، فقالت: ما زوجتك نفسي، ثم قالت بعد ذلك: قد زوجتك
стр. 1007
نفسي فهو جائز، وفيه أيضاً: المرأة إذا زوجت، فقالت: لا أرضى، لا أجيز له،.... أنا كارهة، فهذا كله فرقة، وليس لها أن ترضى بعد ذلك، وإن وصلت بقولها لا أرضى ولكني قد أجزت، أو وصلت بقولها: وأنا كارهة لكني قد أجزت، فهو في القياس باطل لكني قد أجيزه بالاستحسان.
وعن أبي يوسف ﵀ إذا زوج رجل امرأة من رجل بغير أمرها، فبلغها فقالت: لا أجيز فقال لها: افعلي، فقالت: قد أجزت لم يجز، وبطل النكاح حين ردت، ثم قال: إذا ردت ما قد وقع لم يكن لها أن تجيزه، وإذا كان لم يقع بعد مثل مخاطبة الزوج إياها، وردت كان لها أن تجيزه.
وعن هذا قال أبو يوسف ﵀: إذا قال لامرأة: زوجيني نفسك على ألف، فقالت: لا أفعل إلا بألفين، فقال: اتق الله وأجيبي، فقالت: قد فعلت كان جائزاً.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: المرأة إذا بلغها خبر النكاح أخذها السعال أو العطاس، فلم يمكنها الرد، فلما ذهب ذلك عنها فقالت: لا أرضى صح الرد، وكذلك إذا أخذها، فلم يمكنها الرد فلما تركت قالت: لا أرضى صح الرد، وإن تركت الرد حال ما بلغها الخبر؛ لأنها تركت بعذر.
وفيه: قالت المرأة لوليها: لا تزوجني من فلان فلاني لا أريده، فزوجها الولي من فلان، فبلغها الخبر، فرضيت جاز النكاح؛ لأن المنع عن الفعل في حال لا يمنع الرضا به في حال آخر، ولو قالت: كنت قلت: لا أريد فلاناً ولم تزد على هذا لم يجز النكاح؛ لأنها أخبرت عن إبائها الأول.
الأم إذا زوجت ابنتها الصغيرة حال غيبة أبيها، فلما حضر الأب قال لها: حر اكردى، أو قال: اين كتوكردي مصلحت، فهذا لا يكون رداً للنكاح.
الأم زوجت الصغيرة، ولها أب وسكتت الابنة نفسها بعد البلوغ، فهذا إجازة منها للنكاح.
سئل أبو نصر عن امرأة زوجها وليها، فبلغها، وردت النكاح، ثم عاد إليها وليها في مجلس، فقال: إن أقواماً يخطبونك فقالت: أنا راضية بما تفعله أنت، فزوجها الولي من الذي قد ردته، فأبت أيضاً أن تجيز هذا النكاح، قال: لها أن ترد؛ لأن قولها: أنا راضية بما تفعله ليس بتفويض عام، وإنما ينصرف ذلك إلى غير الأول من الرجال؛ لأن تقدير هذا الكلام كأن الولي، قال لها: إذا أبيت فلاناً قد خطبك قوم آخرون، فماذا تقولين؟ فقالت: قد رضيت بما تفعل، فيكون ذلك رضا بغير الأول بمنزلة من قال لغيره: إني كرهت صحبة امرأتي فلانة فطلقتها، فزوجني امرأة ترضاها لي فزوجه المطلقة لم يجز كذا ههنا.
وفي هذا الجواب نوع نظر عندي؛ لأن الإباء في حال لا يمنع الرضا في حال آخر
стр. 1008
كما في المسألة المتقدمة، فيمكن أن يجعل قولها: أنا راضية بما تفعله تفويضاً عاماً كما يقتضيه ظاهر اللفظ، فلا ضرورة إلى صرفه إلى غير الذي ردته.
سئل هو أيضاً عن رجل زوج وليته، فلما بلغها الخبر قالت: هو دميم لا أرضى به، أو قالت: هو دباغ لا أرضى لك منه الإباء، قال: هذا كلام واحد، فلا يضرها ما قدمت وبطل النكاح.
وسئل الفقيه أبو جعفر ﵀ عن بالغة وكلت رجلاً ليزوجها من فلان بألف درهم، فزوجها منه بخمسمائة درهم، فلما أخبرت بذلك قالت: لم يعجبني هذا لأجل الناس لنقصان المهر، فقيل لها: لا يكون لك منه إلا ما تريدين، فقالت: رضيت، قال: يجوز النكاح؛ لأن قولها لم (١٨٨أ١) يعجبني ليس برد، فالرضا يرد على النكاح الموقوف فصح.
ولو تزوج العبد امرأة بغير إذن مولاه، ثم قال له مولاه: طلقها لا يكون ذلك إجازة للنكاح، ولو قال له: طلقها تطليقة رجعية، أو قال: طلقها تطليقة تملك الرجعة، فهو إجازة للنكاح. في «الجامع الصغير» .
وفي «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد ﵀: رجل زوج رجلاً امرأة بغير أمره، فبلغه الخبر فقال: هي طالق لم يكن إجازة، وكان رداً، وإن قال: فهي طالق، فهذا عند أبي حنيفة ﵀ قبول، والطلاق واقع، وقال محمد ﵀: هو رد ولا يقع الطلاق، والله أعلم.
الفصل الثالث: فيما يكون إقراراً بالنكاح وما لا يكون إقراراً به
قال محمد ﵀ في إقرار «الأصل» : إذا قالت المرأة لرجل: طلقني، فهذا إقرار منها بالنكاح؛ لأنها طلبت منه ما لا صحة له إلا بالنكاح، فتضمن ذلك إقراراً بالنكاح، فلأن الطلاق لرفع قيد النكاح، وقولها: طلقني بمنزلة قولها: ارفع عني قيد النكاح الذي لك عليّ، وكذلك إذا قالت: اخلعني بألف درهم وهذا أظهر من الأول؛ لأنها التزمت البدل، والبدل لا يلزمها إلا بزوال ملك الزوج عنها بالخلع، وكذلك لو قالت: طلقتني أمس بألف درهم، خلعتني أمس بألف درهم، أنت مني مظاهر، أنت مني مول لأنه لا صحة لشيء مما أخبرت إلا بعد صحة النكاح، فيتضمن ذلك إقراراً منها بصحة النكاح، فكذلك إذا قال الرجل لامرأة اختلعي مني بمال فهذا إقرار منه أنه زوجها، فكذلك إذا قالت: طلقني، فقال لها: اختاري أمرك بيدك في الطلاق فهذا منه إقرار بالنكاح.
ولو قال الرجل: والله لا أقربك فهذا لا يكون إقراراً منه بالنكاح بخلاف قوله: أنا منك مول، وهذا لأن قوله: والله لا أقربك محتمل يحتمل والله لا أقربك؛ لأنه لا ملك
стр. 1009
لي عليك، ويحتمل لا أقربك مع أن لي عليك ملك على قصد الإضرار والتعنت والمحتمل لا يصلح لبناء الحكم عليه.
وقوله: أنت عليّ حرام، أنت مني بائن أمرك بيدك، اختاري، اعتدي لا يكون إقراراً بالنكاح إلا إذا خرج جواباً لقولها طلقني؛ لأن هذه الألفاظ عند مذاكرة الطلاق متعينة للطلاق، ولهذا لا تحتاج إلى النية وإيقاع الطلاق إقرار بالنكاح.
ولو قال لها: أنت عليّ كظهر أمي فهذا لا يكون إقراراً بالنكاح؛ لأن هذا إخبار منه بحرمتها، وهو ضد موجب النكاح بخلاف قوله: ظاهرتك، أنا منك مظاهر، فإن هذا يكون إقراراً بالنكاح، ولو قال لها ألم أطلقك أمس؟ أما طلقتك أمس؟ فهذا إقرار بالنكاح؛ لأن في هذا الاستفهام معنى التقرير قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ﴾ (الأنعام: ١٣٠) أي: أتاكم وتقرير الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح، فكان إقراراً بالنكاح.
ولو قال لها: هل طلقتك أمس؟ فهذا إقرار منه بالنكاح، ولا يكون إقراراً بالطلاق؛ لأن مثل هذا الاستفهام للاستبيان لا للتقرير فلا يصير به مقراً للطلاق، ولكن استبيان الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح، فكان إقراراً منه بالنكاح.
إذا قال لامرأة حرة: هذا ابني منك، فقالت: نعم، أو قالت حرة لرجل ذلك، فقال الرجل: نعم كان هذا إقراراً بالنكاح؛ لأن ثبوت النسب باعتبار الفراش والأصل فيه الفراش الصحيح؛ لأن الشرع إنما يرد بالصحيح دون الفاسد، ولا يثبت الفراش الصحيح على الحرة إلا بالنكاح فكان اتفاقهما على النسب اتفاقاً على سببه وهو النكاح، حتى لو كان مكان الحرة أمة لا يكون إقراراً بالنكاح، هذه الجملة من إقرار «الأصل» . وفي «المنتقى» : إبراهيم عن محمد ﵀: امرأة قالت لرجل: أنا امرأتك فقال الرجل: أنت طالق فهذا إقرار منه بالنكاح.
قال في «الأجناس» : وهذا بخلاف ما لو قال لها ابتداء أنت طالق حيث لا يكون إقراراً بالنكاح، وأشار إلى الفرق فقال: الطلاق يفضي إلى ارتفاع الزوجية فلا زوجية بين الأجنبيين ولا كذلك على وجه الجواب؛ لأن من حكم الجواب أن يكون مقصوداً على السؤال وقد تقدم ذكر الزوجية منها، وقوله لها: أنت طالق تقديره عن الزوجية التي تزعمها، فيكون إقراراً بالزوجية.
في «الأجناس» أيضاً: لو قالت له: أنا امرأتك فقال: ما أنت امرأتي أنت طالق لا يكون إقراراً بالنكاح، وكذا لو قال لها: إن أنت امرأتي فأنت طالق فهنا لا يكون إقراراً بالنكاح. وفي «المنتقى» : امرأة قالت للقاضي: فرق بيني وبين هذا فهذا لا يكون إقراراً بالنكاح.
وفيه أيضاً عمرو بن أبي عمرو. وفي «الإملاء» : رجل قال لامرأة: إني أريد أن أشهد أني قد تزوجتك فيما مضى لأمر خفته، فأقري بذلك أيتها المرأة، فقالت: نعم. فأشهد بذلك وصدقته المرأة، ثم تصادقا على ما كانا قالا، فالقول قولهما ولا نكاح بينهما، وأما الطلاق والعتاق في المرأة والعبد والأمة فلا يصدقان في إبطالهما في القضاء، وفيما بينهم وبين الله
стр. 1010
تعالى فهي امرأته، والعبد والأمة رقيق المولى، وفي نكاح «الأصل» : إذا تزوج امرأة في عقدة وامرأتين في عقدة، وثلاثاً في عقدة ولا يعرف الزوج أيتهن الأول إلا أنه جامع امرأة منهن أو طلقها، أو ظاهر منها كان إقراراً منها بأنها هي الأول.
ومما يتصل بهذا الفصل ما ذكر في «المنتقى» ، قال هشام: سألت محمداً ﵀ عن أختين إحداهما فاطمة والأخرى خديجة، فقال رجل: قد تزوجت فاطمة بعد خديجة، فأخبرني أن أبا يوسف ﵀ قال: فاطمة امرأته؛ لأنه تكلم بها أولاً، قال محمد ﵀: وهو كما قال الزوج؛ لأنه وصل بين كلاميه، فأجعل خديجة امرأته، وأفرق بينه وبين فاطمة.
وكذلك إن امرأة قالت: تزوجت أبا موسى بعد (ما) تزوجت أبا حفص، وادعى الرجلان تزوجها، فهي امرأة أبي موسى عند أبي يوسف ﵀، ولا تصدق عليه، وقال محمد ﵀: تصدق عليه، فإن سألها القاضي من تزوجك؟ فقالت: تزوجت أبا موسى بعد ما تزوجت أبا حفص، فهي امرأة أبي حفص إذا كان جواب المنطق استحساناً استحسن ذلك أبو يوسف ﵀ ذكر هذا الاستحسان في «المنتقى» في مسألة أخرى هي من جنس هذه المسألة. قال ثمة: وكذلك إذا قال: بعت عبدي من هذا بعدما بعته منك، فهو مثل التزويج.
وفيه أيضاً: بشر عن أبي يوسف ﵀: امرأة قالت: تزوجت هذا الرجل أمس، ثم قالت: تزوجت هذا الرجل الآخر منذ سنة، فهي امرأة صاحب الأمس؛ لأنها أقرت له أول أمره، وإذا شهد الشهود على إقرارها لهما جميعاً، فإني أسأل الشهود بأيهما بدأت، ثم أنفذ الحكم عليه، ولو قالت: تزوجتهما جميعاً فهذا أمس وهذا مذ سنة كانت امرأة صاحب الأمس.
الفصل الرابع: في الشروط والخيار في النكاح
الخيارات التي تثبت في العقود أنواع أربعة:
خيار شرط، وخيار عيب، وخيار رؤية، وخيار إجازة.
فخيار الإجازة يثبت في النكاح كما يثبت في سائر العقود، وخيار الرؤية لا يثبت في النكاح، وخيار الشرط كذلك لا يثبت في النكاح، ولا يبطل به النكاح عندنا، وخيار العيب لا يثبت للزوج عندنا، وكذلك لا يثبت للمرأة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد ﵏ يثبت لها الخيار في العيوب الخمسة، إذا كان على صفة لا تطيق المقام معه، وإذا شرط أحدهما لصاحبه السلامة عن العمى والشلل والزمانة، فوجد بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار، وكذلك لو شرط أحدهما على صاحبه الجمال، أو شرط الزوج عليها صفة البكارة يأتي بعد هذا.
стр. 1011
r
في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد رحمهما الله إذا قال الرجل لغيره: زوجتك أمتي فلانة بكذا إن رضيت، وقبل ذلك الغير، فالنكاح جائز، والشرط باطل، ولو قال: بعت عبدي هذا إن رضي فلان، وسمى رجلاً أجنبياً، فالبيع جائز والشرط باطل، قال الحاكم أبو الفضل ﵀: تأويله عندي إذا بين وقت الرضا.
وفيه أيضاً: هشام عن أبي يوسف ﵀ إذا قال لامرأة: قد تزوجتك بألف درهم إن رضي فلان اليوم، فإن كان فلان حاضراً فقال: قد رضيت جاز النكاح استحساناً، وإن كان غير حاضر لم يجز، وليس هذا كقوله: قد تزوجتك ولفلان الرضا لمعنى في هذه الصيغة، (هذا قول وزوجت وشرط خيار) ، والأول لم يوجب وجعل الإيجاب مخاطرة.
ولو قال: تزوجتك اليوم على أن لك المشيئة اليوم إلى الليل، فالنكاح جائز والشرط باطل، وهو مثل شرط الخيار.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: تزوج امرأة على أن أباه بالخيار صح النكاح ولا خيار، ولو قال: تزوجتك إن رضي أبي لم يصح، قال الفقيه أبو الليث ﵀: لأنه علق النكاح بالخطر، ولا يعلق كذلك وفي الأول وقع في الحال.
وفي «مجموع النوازل» : سئل شيخ الإسلام ﵀ عن رجل خطب إلى رجل بنته الصغيرة لابنه الصغير، فقال المخطوب إليه: زوجتها من فلان قبل هذا، ولم يصدقه الخاطب فقال المخطوب إليه: إن لم أكن زوجتها من فلان فقد زوجتها من ابنك فلان، قال الآخر: قبلت، وذلك بحضرة الشهود، وظهر أنه لم يكن زوجها من فلان هل ينعقد هذا النكاح بهذه الكلمات؟ قال: نعم. قيل: أليس هذا تزويجاً معلقاً بالشرط؟ قال: هذا تعليق بما هو موجود للحال، ومثل هذا التعليق تحقيق.
في «شرح الزيادات» : إذا قال لأمته: تزوجتك على أن أعتقك، أو قالت الأمة: تزوجني على أن تعتقني، فقبل جاز العتق، ولا يجوز النكاح؛ لأن العتق متأخر عن النكاح، فيصير متزوجاً أمة نفسه، ولو قال لها: تزوجتك على عتقك، أعتقتك على تزوجك فقبلت، فقد اختلف المشايخ في هذه الفصول، عامتهم على أنه لا يصح النكاح؛ لأن النكاح مقارن للعتق هنا، لكونه بدلاً عن النكاح، ثم العتق تصدفها، وهي أمة فكذا النكاح، وكان القاضي الإمام أبو حازم ﵀ يقول: يصح في هذه الفصول لأنهما تصرفان لا يصح أحدهما وهو النكاح إلا بتقديم الآخر وهو العتق وجب القول بتقديم العتق كما في قوله: أعتق عبدك عني على ألف درهم.
والصحيح ما ذهب إليه عامة المشايخ، لأن النكاح مع العتق ذكرا (على) سبيل العوض والمعوض، والعوض يقترن ثبوته بالمعوض ولا يسبقه، فيصادفها النكاح وهي أمة، بخلاف قوله: أعتق عبدك عني بألف درهم؛ لأن البيع هناك يثبت شرطاً للعتق لا عوضاً عنه، والشرط أبداً يثبت سابقاً، فأمكن تقديمه على الإعتاق، وأما هنا بخلافه.
إذا تزوجها على أن يعتق أخاها، فقبلت جاز النكاح، ولا يعتق الأخ إلا بإعتاق
стр. 1012
مستأنف؛ لأن العتق هنا موعود، ولا يخبر الزوج على الإعتاق؛ لأن العتق كان موعوداً، فلا جبر في المواعيد.
بعد هذا المسألة على وجهين: أما إن عتق الزوج أخاها أو لم يعتق، فإن لم يعتق ينظر إن كان لم يسم لها مهراً، فلها مهر مثلها، وإن سمى لها مهراً، فإن كان المسمى مثل مهر مثلها، فلها ذلك ليس لها غيره، وإن كان المسمى أقل من مهر المثل، فلها تمام مهر مثلها، لأنها حطت عن مهر المثل لخلاص أخيها عن ذل الرق، ولم يحصل لها هذا المقصود.
وإن أعتق الزوج أخاها فإن كان الزوج سمى لها مهراً، فلها المسمى، وإن كان المسمى دون مهر مثلها؛ لأن مقصودها قد حصل هنا، وإن لم يسم له مهراً، فلها تمام مهر مثلها.
ولو تزوجها (على) أن يعتق أخاها عنها، فقبلت جاز النكاح، فصار رقبة الأخ ملكاً لها بنفس العقد، وعتق الأخ عليها بحكم القرابة أعتقه الزوج أو لم يعتقه؛ لأن المرأة طلبت منه أن يعتقه عنها، والعتق عنها لا يثبت إلا بعد تقدم الملك لها، فتقدم الملك، وثبت العتق عنها بجهة القرابة.
في هذا الفصل نوع إشكال؛ لأنه أثبت الملك بدون الإعتاق، والملك في مثل هذا لا يثبت بدون الإعتاق كما في قوله: أعتق عبدك عني على ألف درهم، والجواب وهو الفرق بين الفصلين أن النكاح يقتضي ملك المهر، فملك العبد يصلح مقتضى النكاح، ويصلح مقتضى العتق فاستويا فاحتجنا إلى الترجيح، فنقول: جعله مقتضى النكاح أولى؛ لأنا إن جعلناه مقتضى العتق، فالعبد يكون مهراً أيضاً، والملك لها في العبد باعتبار أنه مهر بدليل أنه لو طلقها قبل الدخول يجب عليها رد نصف قيمة العبد، فكان الترجيح لجانب النكاح، فجعلناه مقتضى النكاح، فيثبت بمجرد النكاح، ولا كذلك في قوله: أعتق عبدك عني؛ لأن هناك الملك مقتضى العتق؛ لأنا لو لم نجعله مقتضى العتق يبطل كلامهما، فجعلها مقتضى العتق، فلا يثبت قبل ثبوت العتق.
ولو تزوجها على عتق أخيها، فقبلت جاز النكاح وعتق العبد عن المولى؛ لأنه جعل العتق عوضاً عن النكاح، ولها مهر مثلها؛ لأن عتق الأخ لا يصلح صداقاً، وإن كان سمى لها مع ذلك ما يصلح مهراً، فلها المسمى لا غير، وإن كان دون مهر مثلها. ولو تزوجها على عتق أخيها عنها فقبلت جاز النكاح، وعتق العبد عليها، وليس لها غير الأخ؛ لأن الزوج حصل على رقبة الأخ؛ لأن العتق عنها لا يكون إلا بعد تقديم للملك لها في رقبة الأخ، فصار اشتراط العتق اشتراطاً لتمليك الرقبة منها، ورقبة الأخ تصلح مهراً، فلا يجب شيء آخر لها.
ولو كان تزوجها على أن يعتق عبداً أجنبياً لا قرابة بينه وبينها جاز النكاح (١٨٩أ١) ولا يعتق العبد إلا بإعتاق الزوج، فيكون لها مهر مثلها إن لم يسم لها مهراً، وإن سمى لها ما يصلح مهراً، فلها المسمى لا غير وإن كان ذلك دون مهر مثلها؛ لأن الشرط هنا ليس بمرغوب بخلاف إعتاق الأخ.
стр. 1013
ولو كان تزوجها على أن يعتق عنها عبداً من عبيده بعينه لا قرابة بينه وبينها جاز النكاح، وتصير رقبة العبد ملكاً لها مهراً، وصار الزوج وكيلاً عنها بالإعتاق فإن أعتقه قبل نهي المرأة صح إعتاقه، وإن نهته ثم أعتقه كان باطلاً؛ لأن تقدير هذا كأن المرأة قالت له: ملكني هذا العبد ثم كن وكيلي بالعتق، فكان لها أن تعزله عن الوكالة بخلاف قوله: على أن يعتق أخاها عنها؛ لأن الملك كما ثبت لها في رقبة الأخ عتق فلا تعزل الزوج عن الوكالة، ولو كان تزوجها على عتق عبد بعينه، لا قرابة بينه وبينها، فقبلت جاز النكاح وعتق العبد عن المولى حتى كان الولاء له، ولها مهر مثلها، وإن كان قد سمى لها مع ذلك (ما) يصلح مهراً، فلها المسمى لا غير، ولو كان تزوجها على عتقه عنها جاز النكاح، وعتق العبد من جهتها حتى كان الولاء لها، وهو مهرها ليس لها غيره. هذه الجملة من «الزيادات» .
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: تزوج امرأة على أنها بكر، فدخل فوجدها (ثيباً) بالوثبة أو غير، فعليه المهر كلاً ويستوي إن زالت بكارتها بالوطء أو بطول التعنيس؛ لأن البكارة لا تصير مستحقة بالنكاح، وفيما إذا اشترى جارية على أنها بكر فوجدها زائل العذرة، وقال البائع: زالت عذرتها بالوثبة، قال بعض مشايخنا: إن صدقه المشتري في ذلك لا يكون له حق الرد وإن كذبه، وقال: لا بل زالت عذرتها بالوطء كان القول قوله، وله حق الرد، وأكثر المشايخ على أن له حق الرد على كل حال هو الصحيح؛ لأن الناس باشتراط البكارة يريدون صفة العذرة، فبأي طريق زالت العذرة، فقد فات الشرط، فيكون له حق الرد.
وفي «الفتاوى» للفقيه أبي الليث ﵀ قال أبو نصر: قال البلخي: زوج رجل أمته من عبده على أن أمرها بيده يكون كذلك، وقال ابن سلمة: صح النكاح، ولا يكون الأمر بيده، قال الفقيه أبو الليث ﵀: لو بدأ العبد بقوله: زوجني على أن أمرها بيدك، فزوجها لا يكون الأمر بيده لوجود التفويض قبل النكاح، وإن بدأ المولى فقال: زوجتها منك على أن أمرها بيدي أطلقها كلما أريد، فقال العبد: قبلت صار الأمر بيده لوجود التفويض بعد النكاح.
بيانه: أن العبد لما قال: قبلت في هذه الصورة صار كأنه قال: قبلت على أن أمرها بيدك تطلقها كما تريد، فيكون التفويض بعد النكاح.
ونظير هذا: رجل قال لامرأة: تزوجتك على أنك طالق، أو على أن أمرك بيدك تطلق نفسها كما تريد، فقبلت لا يقع الطلاق، ولا يصير الأمر بيدها، ولو بدأت فقالت: زوجت نفسي منكَ على أني طالق، أو على أن أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد، فقال الزوج: قبلت، وقع الطلاق، وصار الأمر بيدها، وتصير هذه المسألة حيلة للمطلقة ثلاثاً إذا خافت من المحلل أن يمسكها، ينبغي أن تبدأ هي، وتقول للزوج: زوجت نفسي منك على أن أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد، ثم يقبل الزوج، فيصير الأمر بيدها تطلق نفسها كلما أرادت، ولو كان الزوج قال لها: تزوجتك على أنك طالق بعد ما أتزوجك،
стр. 1014
أو على أن أمرك بيدك بعد ما أتزوجك، تطلقي نفسك كلما تريدين، فقالت المرأة: قبلت تطلق، ويصير الأمر بيدها.
وفي «المنتقى» : الحسن عن أبي حنيفة ﵀: إذا قال لها: أتزوجك على أن أمرك بيدك بعدما أتزوجك شهراً، فالنكاح جائز، وأمرها بيدها شهراً منذ تزوجها، فإن اختارت زوجها في يوم من الشهر لم يبطل خيارها في باقي الشهر، وروى الحسن عن أبي مالك عن أبي يوسف ﵏، أنه يبطل خيارها في باقي الشهر.
تزوج امرأة على أن يأتي بعبدها الآبق، فلها مهر مثلها، هكذا قال الفقيه أبو القاسم ﵀.
وعنه أيضاً: تزوج امرأة على أنه مدني فإذا هو قروي لا خيار لها، وفي «الجامع الأصغر» ؛ قال أبو الليث الكبير ﵀: تزوج أمة رجل على أن كل ولد تلده فهو حر، فالنكاح جائز، والشرط كذلك، وكل ولد تلده فهو حر.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل تزوج امرأة، ولم يسم لها مهراً على أن تدفع المرأة إلى الزوج هذا العبد قسم مهر مثلها على قيمة العبد، وعلى مهر مثلها؛ لأنها بذلت البضع والعبد بأداء مهر مثلها، والبدل ينقسم على وقدر قيمة المبدل، فما أصاب قيمة العبد فالبيع فيه باطل؛ لأنها باعت بشيء مجهول، ويصير الباقي مهراً لها.
في «واقعات الناطفي» : رجل قال لامرأة: أتزوجك على أن تعطيني عبدك هذا، فأجابته بالنكاح، فالنكاح جائز بمهر المثل، ولا شيء له من العبد، قوله: لا شيء له من العبد ظاهر؛ لأنه اشترى العبد شراءً باطلاً؛ لأنه اشتراه بثمن مجهول، وقوله: فالنكاح جائز بمهر المثل يفسره ما قلنا في المسألة المتقدمة: إن مهر مثلها يقسم على مهر مثلها وعلى قيمة العبد، فما أصاب مهر مثلها يصير مهراً لها.
الفصل الخامس: في تعريف المرأة والزوج في العقد بالتسمية أو الإشارة
امرأة وكلت رجلاً ليزوجها من نفسه، فذهب الوكيل، وقال لجماعة: اشهدوا أني قد تزوجت فلانة ولم يعرف الشهود فلانة لا يجوز النكاح ما لم يذكر اسمها واسم أبيها، واسم جدها، لأنها غائبة، والغائب لا يعرف إلا بهذه الأشياء، ألا ترى أنه لو قال بين يدي الشهود: تزوجت امرأة قد وكلتني بنكاحها لا يجوز؟ وإنما لا يجوز لما قلنا، هكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀ في الباب الأول من «واقعاته» ، وذكر الخصاف في «حيله» مسألة تدل على أن مثل هذا التعريف يكفي لجواز النكاح.
فصورة ما ذكر الخصاف: رجل خطب امرأة إلى نفسها، فأجابته إلى ذلك، وكرهت أن يعلم بذلك أولياؤها، فجعلت أمرها في تزويجها إليه، واتفقا على المهر، فكره الزوج أن يسميها عند الشهود إني خطبت امرأة إلى نفسها، وبذلت لها من الصداق كذا وكذا،
стр. 1015
فرضيت بذلك، وجعلت أمرها إليّ بأن أتزوجها، فاشهدوا أني قد تزوجت المرأة التي جعلت أمرها إليّ على صداق كذا وكذا، ينعقد النكاح بينهما إذا كان كفئاً لها، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: الخصاف كبير في العلم، وهو من جملة من يصح الاقتداء به، قال ﵀: وذكر في «المنتقى» أيضاً (١٨٩ب١) . أن مثل هذا التعريف يكفي فيتأمل عند الفتوى، هذا إذا كان الشهود لا يعرفون فُلانة.
فأما إذا كانوا يعرفونها وذكر الزوج اسمها لا غير جاز النكاح، وإن كانت غائبة إذا عرف الشهود أنه أراد به المرأة التي عرفوها لأن المقصود هو التعريف وقد حصل التعريف بمجرد ذكر الاسم.
وفي «البقالي» : إذا لم ينسبها الزوج ولم يعرفها الشهود وسِعَهُ فيما بينه وبين ربِّه. وفيه أيضاً: إذا قال: المرأة التي في هذا البيت جاز إن كانت وحدها وإن كانت المرأة حاضرة إلا أنها متنقبة لا يعرفها الشهود فقال الرجل: تزوجت هذه، وقالت المرأة زوجت جاز، هو المختار خلافاً لما يقوله نصر لأنها حاضرة والحاضر يعرف بالإشارة، والاحتياط أن يكشف وجهها أو يُذكر أبوها وجدها فيقع الأمن من أن يرفع الأمر إلى قاضٍ يميل إلى قول نصر فيبطل النكاح.
جارية لها اسم سُمّيت به في صغرها فلما كبرت سميت باسم آخر، تُزوج باسمها الآخر إن صارت معروفة بهذا الاسم. في نكاح «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجلٌ له ابنة واحدة اسمها فاطمة، قال لرجل: زوجت منك ابنتي عائشة ولم تقع الإشارة إلى شخصها، ذكر في «فتاوى الفضلي» : أنه لا ينعقد النكاح لأنه إذا لم تقع الإشارة إلى شخصها كان انعقاد النكاح بالتسمية وليست له ابنة بهذا الاسم.
ولو قال: زوجت ابنتي منك ولم يزد على هذا وله ابنة واحدة جاز؛ لأنه أمكن تصحيح النكاح بدون التسمية، وفي أول شرح عتاق «الأصل» : إذا قال لغيره: بعتك عبدي أو قال: عبداً لي، وليس له إلا عبد واحد هل يجوز البيع؟ اختلف فيه المشايخ، بعضهم قالوا: يجوز كما لو قال: بعتك عبداً لي في مكان كذا وليس له في ذلك المكان إلا عبد واحد وذلك جائز بلا خلاف، وبعضهم قالوا: لا يجوز، وإليه أشار محمد ﵀ في باب الشهادة على العتق، وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني ﵀، فيجوز أن تكون مسألة النكاح على الاختلاف بين المشايخ كمسألة البيع.
في «فتاوى الفضلي» ﵀ أيضاً: إذا كانت للرجل ابنتان كبرى اسمها عائشة وصغرى (اسمها) فاطمة فأراد أن يزوج الكبرى، وعقد النكاح باسم عائشة بأن قال: زوجت منك ابنتي عائشة ولم يُشِرْ إلى أحدهما، ولم يقل ابنتي الكبرى ينعقد النكاح على عائشة، ولو قال: زوجت منك ابنتي الكبرى فاطمة لم يذكر هذا الفصل ثمة، قال الصدر الشهيد في «واقعاته» : يجب أن لا ينعقد النكاح أصلاً لأنه ليست له ابنة كبرى بهذا الاسم.
إذا أراد أن يزوج أمته من إنسان فقال: زوجت منك أمتي قتلغ، أو قال تنفشة جاز إذا لم يكن له بهذا الاسم إلا أمة واحدة، وكذا لو أراد أن يزوج امرأة من عبده فقال:
стр. 1016
زوجتك من عبدي سنقر جاز إذا لم يكن له غلام آخر بهذا الاسم، ألا ترى لو أراد أن يزوج ابنته يقول: زوجت ابنتي فاطمة مثلاً، وإن أراد أن يزوج ابنه فقال: ابني أحمد مَثَلاً، ويجوز كذا هنا.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀:
رجل (أراد) أن يزوج ابنته الصغيرة من ابن صغير لغيره، فقال أب الصغيرة لأب الصغير: زوجت ابنتي الصغيرة فلانة من ابنك الصغير فلان، وقال أب الصغير قبلت جاز النكاح للابن؛ وإن لم يقل الأب قبلت الابن؛ لأن المزوج أوجب العقد للابن، وقبول المتزوج جواب، والجواب يتقيد بالإيجاب فكأنه قال: قبلت الابن.
وفي هذا الموضع أيضاً. رجل خطب لابنه الصغير امرأة، فلما اجتمعا للعقد قال أبُ المرأة لأب الصغير بالفارسية: دادم برابرني ابن دحتر بهزاردرم فقال أب الابن: بدرفتم يجوز النكاح للأب، وإن جرى بينهما مقدمات النكاح للابن، هو المختار؛ لأن الأب أضاف النكاح إلى نفسه، وهذا أمر يجب أن يحتاط فيه.
وفي «البقالي» : إذا خطب الرجل صغيرة لابنه الصغير فقال أب الصغيرة لأب الصغيرة وهنيئاً لك؛ فقال أب الصغير: قبلتها لابني جاز.
في «مجموع النوازل» : سئل شيخ الإسلام ﵀ عن رجل قال لآخر: زوجت ابنتي فلانة من ابنك فلان بكذا ولفلان ابنان فقال فلان: قبلت لابني ولو لم يقل فلان لا يجوز النكاح. ولو قال: قبلت ولم يقل لابني جاز النكاح للابن المسمى في التزويج؛ لأن في الفصل الثاني أمكن جعل قوله قبلت جواباً للإيجاب السابق؛ لأنه لم يزد على حرف الجواب فيتقيّد بالإيجاب، وصار كأنه قال: قبلت لابني فلان. وأما في الوجه الأول زاد على حرف الجواب وقصر عن الإتمام فلا يمكن أن يجعل جواباً فلا يتقيّد بالإيجاب فنفي القبول منهما فلا يصح. فالحاصل: أنه إذا كان للمزوج ابنة واحدة وللقابل ابن واحد فقال: زوجت ابنتي من ابنك يجوز على ما ذكره الفضلي.
وعلى قياس مسألة البيع المذكور في العتاق يكون فيه اختلاف المشايخ، وإن كان للمزوج ابنة واحدة وللقابل ابنان فسمى المزوج الابنة والابن باسمهما؛ إن سمى القابل الابن باسمه صح النكاح للابن المسمى، وكذلك إذا لم يسمه واقتصر على قوله قبلت يجوز النكاح للابن المسمى ويجعل قول القابل قبلت جواباً فيتقيّد بالإيجاب. ولو ذكر القابل الابن إلا أنه لم يسمه باسمه بأن يقول قبلت لابني لا يصح لأنه لا يمكن أن يجعل جواباً؛ لأنه زاد على حرف الجواب، فإنه كان يكفيه قبلت، بخلاف ما إذا سمى الابن باسمه لأنه إن زاد على حرف الجواب فما قصر عن الإتمام، وجنس هذا في «الجامع» في الأيمان والله أعلم.
стр. 1017
الفصل السادس: في الكفاءة
الكفاءة معتبرة في باب النكاح، والأصل فيه قوله ﵇ فيما رواه جابر عنه: «لا تنكح النساء إلا من الأكفاء» وقال ﵇: «ألا لا يُزوجُ النساءَ إلا الأولياءُ ولا يزوجن إلا من الأكفاء» والحكمة في اشتراطها: تحقيق ما هو المقصود من النكاح وهو السكنى والازدواج، إذ المرأة تتعير باستفراش من لا يكافئها، ثم اعتبارها من وجوه:
أحدها: النسب، واعلم بأن الناس طبقات ثلاث: قريش والعرب والموالي، فقريش بعضهم أكفاء لبعض، والعرب بعضهم أكفاء لبعض، ولا يكون العرب أكفاء لقريش، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، ولا يكون الموالي أكفاء للعرب ولا لقريش.
قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: الكفاءة فيما بين الموالي (١٩٠ ب١) تعتبر بالإسلام لا بالنسب لأن الموالي ضيّعوا أنسَابهم فلا يعتبر النسب في حقهم، وما قال محمد ﵀ في «الكتاب» : بعضهم أكفاء بعض إلا أن يكون أمراً مشهوراً، وإنما قال ذلك تعظيماً لأمر الخلافة أو تسكيناً للفتنة والعالم يكون كفئاً للعلوية لأن للعالم شرف الكسب يعني به كسب العلم وللعلوية شرف النسب، وشرف الكسب أولى، وعن هذا قيل: إن عائشة أفضل من فاطمة ﵄؛ (لأن لعائشة شرف كسب العلم، قال ﵇: «..... تأخذون ثلثي دينكم من عائشة» . ولفاطمة شرف النسب) .
الثاني: المال إلا رواية عن أبي يوسف ﵀ رواها ابن زياد أن الكفاءة في المال غير معتبرة، وفي ظاهر الرواية معتبرة، والمعتبر فيه القدرة على المهر والنفقة، ولا تعتبر الزيادة على ذلك حتى إن من كان قادراً على المهر والنفقة كان كفئاً لها وإن كانت صاحبة أموال كثيرة وهو الصحيح من المذهب، وإن كان يقدر على نفقتها بالتكسُّب ولا يقدر على مهرها اختلف فيه المشايخ: عامتهم على أن لا يكون كفئاً لها، وذكر هشام في «نوادره» عن أبي يوسف ﵀ رواية أخرى أنه إذا كان قادراً على العمل فهو كفء لها، قال شيخ الإسلام ﵀: وهو الصحيح، وعن أبي حنيفة ﵀ فيه أنه كفء لها، هكذا روي عن محمد، وروي عن أبي يوسف روايتان ذكره البقالي في «فتاويه» .
وفي «المنتقى» عن محمد ﵀: أنه إذا كان للرجل المهر والنفقة لستة أشهر
стр. 1018
فهو كفء، والقياس: نفقة شهر. وفيه أيضاً: إذا كان يجد نفقة المرأة ولا يجد نفقة نفسه فهو كفء.
ثم إنما تعتبر القدرة على النفقة إذا كانت المرأة كبيرة أو صغيرة تصلح للجماع، أما إذا كانت صغيرة لا تصلح للجماع لا تعتبر القدرة على النفقة لأنه لا نفقة لها في هذه الصورة، ويكتفى بالقدرة على المهر، إليه أشار ابن رستم في «نوادره» .
في «المنتقى» : إذا تزوجها وهو فقير فتركت له المهر، وهذا ليس بكفء وينبغي أن يقدر على مهرها ونفقتها يوم تزوج.
في «فتاوى أهل سمرقند» : رجل زوج أخته وهي صغيرة وهو وليها من صبي ليس له طاقة المهر وقبل أبوه النكاح وهو غني جاز؛ لأن الصغير يُعَدُّ غنياً في حق المهر بغنى الأب؛ ولا يعد غنياً في حق النفقة بغنى الأب؛ لأن العادة أن الآباء يتحملون المهر عن الأبناء ولا يتحملون النفقة.u
وفي «فتاوى الفضلي» سئل عن العم إذا زوج الصغيرة من صبي صغير لا مال (له) ولأبيه مال كثير وللصغيرة مال كثير هل يكون هذا كفئاً لها؟ وهل يجوز النكاح؟ قال: اختلف المتأخرون فيه من علمائنا، منهم من لم يجعله كفئاً لها؛ ومنهم من جعله كفئاً لها لأنه يُعد غنياً بغنى أبيه، ولم يفصل بين المهر والنفقة قال ﵀: وقول من قال إنه كفء لها أعجب إليَّ.
في «فتاوى أهل سمرقند» أيضاً: رجل يملك ألف درهم ... فهذا الرجل كفء لها، وإن كانت القدرة على المهر شرطاً فإن القدرة ثابتة هنا فإنه يقضي أي الدينين شاء بذلك المال.
والثالث: الحرية فالعبد لا يكون كفئاً للحرة وكذلك المعتق لا يكون كفئاً للحرة الأصلية، والمعتق أبوه أو جده لا يكون كفئاً للمرأة لها أبوان في الحرية عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافاً لأبي يوسف ﵀ في الجد. ومن كان له أبوان في الحرية كان كفئاً لمن كان له ثلاثة آباء في الحرية أو أكثر في ذلك.
امرأة أمُّها حرة الأصل وأبوها معتق قوم فالمعتق لا يكون كفئاً لها لأن المعتق قد بقي فيه أثر من آثار الرق وهو الولاء، والمرأة إذا كانت أمها حرة الأصل كانت هي حرة الأصل فلا يكون المعتق كفئاً لهذه المرأة.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀، وفي «المنتقى» : قال هشام: سمعت محمداً ﵀ وفي رجل خطير زوج ابنته من مملوك نفسه، قال: إن كانت الابنة كبيرة ورضيت جاز، وإن كانت صغيرة لم يجز، فقلت: إن أبا يوسف ﵀ أجازه ولم يقبل ذلك مني، وكذا إذا زوج ابنته من مكاتبه؛ إن كانت كبيرة ورضيت به جاز، وإن كانت صغيرة لا يجوز، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: يجوز في الفصلين جميعاً بناءً على مسألة الكفاءة على ما يأتي بيانها في آخر الفصل إن شاء الله تعالى.
والرابع: إسلام الأب في الموالي: من أسلم بنفسه لا يكون كفئاً لامرأة لها أب في
стр. 1019
الإسلام، ومن له أب في الإسلام لا يكون كفئاً لامرأة لها أبوان في الإسلام عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، خلافاً لأبي يوسف ﵀ في الجد، ومن كان له أبوان في الإسلام كان كفئاً لامرأة لها ثلاثة آباء في الإسلام أو أكثر، والكلام في إسلام الجد وفي حرية الجد ينبني على أن التعريف هل يحصل بدون ذكر الجد؟ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يحصل، وعند أبي يوسف ﵀ يحصل، هذا في حق الموالي، وأما في حق العرب، فإسلام الأب ليس بشرط.
في «المنتقى» إبراهيم عن محمد ﵀ من كان له أب واحد في الإسلام وله فضل ودين هل يكون كفئاً لمن له أبوانِ في الإسلام أم (لا) ؟ قال: إذا استويا في المال على ما يرى الناس فربما يكون الذي له أب كفئاً لمن له أبوان، وكذلك هذا في الحرية، وروى المعلى عن أبي يوسف ﵀: من أسلم على يد إنسان لا يكون كفئاً لموالي العتاقة، وذكر ابن سماعة عنه في الرجل يُسلم والمرأة معتق أنه كفء لها قال في «شرح الطحاوي» : ومولى الوضيع لا يكون كفئاً لمولاة أشرف القوم؛ لأن الولاء «لُحْمَةٌ كلحمة النسب» حتى إن معتق العربي لا يكون كفئاً لمعتقة الهاشمي، فكان لمعتقها حق.... ومعتقة أشرف القول تكون كفئاً للموالي لأن لمعتقة أشرف القوم شرف الولاء وللموالي شرف إسلام الآباء وحريتهم.
والخامس: التقوى والحسب حتى لا يكون الفاسق كفئاً للعدلة عند أبي حنيفة ﵀ سواء كان معلن الفسق أو لم يكن، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن الصحيح عند أبي حنيفة ﵀ أن الكفاءة في التقوى، والحسب غير معتبر في التقوى، وفسّر الحسب فقال: هو مكارم الأخلاق، حتى روي عنهُ أن الذي يشرب المسكر إن كان غير متهتك بسكره حين يسكر كان كفئاً لامرأة صالحة من أهل البيوتات، وإن كان يصير ضحكة حين يسكر ويُستهزأ منه ويعربد ويتهتك لا يكون كفئاً لامرأة صالحة من أهل البيوتات، هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ عن محمد ﵀ أن الذي يسكر فيخرج ويستهزىء منه الصبيان لا يكون كفئاً لامرأة صالحة من أهل البيوتات.
وكذلك أعوان الظلمة من يستخف به منهم لا يكون كفئاً لامرأة صالحة من أهل البيوتات، وإن كان مهيباً معظماً في الناس فهو كفء لامرأة صالحة من أهل البيوتات، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: الذي يشرب المسكر إن كان يشرب ذلك ولا يخرج سكراناً كان كفئاً لامرأة صالحة من أهل البيوتات، وإن كان يعلن ذلك (١٩٠ب١) لا يكون كفئاً لها، فما ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ من قول محمد ﵀ يوافق ما ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ من قول أبي يوسف ﵀ قيل وعليه الفتوى.
стр. 1020
والسادس: الكفاءة في الحرف فقد اعتبرها أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀، وعن أبي هريرة ﵁ أن الناس بعضهم أكفاء لبعض إلا حائك أو حجام، وفي رواية أو دباغ. قال مشايخنا: ورابعهم الكنّاس، فواحد من هؤلاء الأربعة لا يكون كفئاً للصيرفي والجوهري وعليه الفتوى. وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ يقول: وهنا خسيس خامس أخسّ من كلهم وهو الذي يخدم الظلمة، هو الذي يُدعى شاكرياً كان صاحب مروءة وقال وصنعة الظلم فيه خساسة لأنه يأكل من دماء الناس وأموالهم بعد هذا المروي عن أبي يوسف ﵀ أن الحرف متى تفاوت لا يعتبر التفاوت وتثبت الكفاءة فالحايك يكون كفئاً للحجام والدباغ للكناس، والصغار يكون كفئاً للحداد، والعطار يكون كفئاً للبزاز. قال شمس الأئمة الحلواني وعليه الفتوى، وفي «الحاوي» أن القروي كفئاً للمدني.
والسابع: الكفاءة في العقل وإنها معتبرة عند بعض المتأخرين من المشايخ حتى إن الزوج إذا كان مجنوناً لا يكون كفءً للمرأة العاقلة وعند بعضهم غير معتبرة لأن الجنون بمنزلة المرض، ثم سائر الأمراض لا تسلب الكفاءة فكذا الجنون، ثم المرأة إذا زوجت نفسها من غير كفء صح النكاح في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة ﵀، وهو قول أبي يوسف ﵀ آخراً، وقول محمد ﵀ آخراً أيضاً لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، حتى إن قبل التفريق يثبت فيه حكم الطلاق والظهار وله إيلاء والتوارث وغير ذلك، ولكن للأولياء حق الاعتراض؛ لأنها ألحقت الشين بالأولياء بنسبة من لا يكافئهم إليهم بالصمدية فكان لهم أن يدفعوا هذا الشين عن أنفسهم. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أن النكاح لا ينعقد، وبه أخذ كثير من مشايخنا ﵏. ولا يكون التفريق بذلك إلا عند القاضي، يريد به: أنه ينبغي للولي أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ القاضي العقد بينهما أما بدون فسخ القاضي لا ينفسخ النكاح بينهما وتكون هذه فرقة بغير طلاق، حتى لو لم يكن الزوج دخل بها فلا شيء لها من المهر، وإن كان قد دخل بها فلها ما سمى لها من المهر وعليها العدة، والذي يلي المرافعة إلى القاضي المحارم عند بعض المشايخ، وعند بعضهم المحارم وغير المحارم في ذلك على السواء حتى يثبت ولاية المرافعة لابن العم ومن أشبهه وهو الصحيح.
في «البقالي» : وإذا زوجها أحد الأولياء من غير كفء برضاها لا يكون للآخرين حق الاعتراض إذا كانوا مثل المزوج أو دونه في الدرجة أمّا إذا كان أقرب من المزوج فله حق الاعتراض لأن المزوج لا يكون ولياً إذا كان لها ولي أقرب منه فكان هو وأجنبيٌ آخر سواء.
وسكوت الولي عن المطالبة بالتفريق لا يكون رضاً منه في النكاح من غير الكفء وإن طال ذلك حتى تلد منه.
وإذا زوجها الولي من غير كفء ثم فارقته ثم زوجت نفسها منه بغير ولي كان للولي حق التفريق فلا يكون رضاه بالنكاح الأول رضاً بالنكاح الثاني.
следующие страницы →