← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 10883

رحلة ابن جبير ط دار الهلال

ابن جبير

Полный текст (281 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فيهما قنطار وقد حفت بهما شمع دونهما صغار وكبار. فجاءت جهة المالكية تروق حسنا وترتمي الأبصار نورا، وكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية الا وفيها قارىء يصلي بجماعة خلفه، فيرتج المسجد لأصوات القراءة من كل ناحية، فتعاين الأبصار، وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعا تنخلع له النفوس خشية ورقة. ومن الغرباء من اقتصر على الطواف والصلاة في الحجر ولم يحضر التراويح، ورأى أن ذلك افضل ما يغتنم، وأشرف عمل يلتزم، وما بكل مكان يوجد الركن الكريم والملتزم. والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهادا، وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل الطواف مع جماعة، فاذا فرغ من الأسبوع وركع عاد لإقامة تراويح أخر وضرب بالفرقعة الخطيبية المتقدمة الذكر ضربة يسمعها المسجد لعلو صوتها، كأنها ايذان بالعود الى الصلاة، فاذا فرغوا من تسليمتين، عادوا للطواف اسبوغ، فاذا اكملوه ضربت الفرقعة وعادوا الصلاة تسليمتين، ثم عادوا للطواف، هكذا الى أن يفرغوا من عشر تسليمات، فيكمل لهم عشرون ركعة، ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون. وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئا، والمتناوبون لهذه التراويح المقامية خمسة أئمة، أولهم إمام الفريضة، وأوسطم صاحبنا الفقيه الزاهد الورع أبو جعفر بن علي الفنكيّ القرطبيّ، وقراءته ترقّ الجمادات خشوعا. وهذه الفرقعة المذكورة تستعمل في هذا الشهر المبارك، وذلك أنه يضرب بها ثلاث ضربات عند الفراغ من أذان المغرب، ومثلها عند الفراغ من أذان العشاء الآخرة. وهي لا محالة من جميلة البدع المحدثة في هذا المسجد المعظم، قدسه الله. والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولانه، وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التسحير. فإذا قرب

стр. 107

تبيين خيطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان، وثوّب المؤذنون من كل ناحية بالأذان. وفي ديار مكة كلها سطوح مرتفعة، فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة،، فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع. سيف الإسلام وفي ليلة الثلاثاء الثاني من الشهر مع العشيّ طاف الأمير مكثر بالبيت مودعا وخرج للقاء الأمير سيف الاسلام طغتكين بن أيوب أخي صلاح الدين، وقد تقدم الخبر بوروده من مصر منذ مدة ثم تواتر إلى أن صحّ وصوله إلى الينبوع، وأنه عرج إلى المدينة لزيارة الرسول، ﷺ ، وتقدمت أثقاله إلى الصفراء. والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها، لكن وقع في نفوس المكيين منه إيجاس خيفة واستشعار خشية، فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا ومسلما، وفي الحقيقة مستسلما، والله تعالى يعرّف المسلمين خيرا. وفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور كنا جلوسا بالحجر لمكرم فسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة يولولن عليه. فبينا نحن كذلك دخل منصرفا من لقاء الأمير سيف الاسلام المذكور وطائفا بالبيت المكرم طواف التسليم، والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه، والسرور بسلامته، وقد شاع الخبر بنزول سيف الاسلام الزاهر، وضرب أبنيته فيه، ومقدمته من العسكر قد وصلت الى الحرم، وزاحمت الأمير مكثرا في الطواف. فبينا الناس ينظرون اليهم اذ سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة، فما راعهم الا الأمير سيف الاسلام داخلا من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه، والقاضي عن يمينه وزعيم الشيبيين عن يساره، والمسجد قد ارتج وغصّ بالنظارة والوافدين، والأصوات بالدعاء له ولاخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الاسماع وأذهلت الاذهان؛

стр. 108

والزمزميّ المؤذن في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه؛ وأصوات الناس تعلو على صوته، والهول قد عظم مرأى ومستمعا. فلحين دنوّ الأمير من البيت المعظم أغمدت السيوف وتضاءلت النفوس وخلعت ملابس العزة وذلت الأعناق وخضعت الرقاب وطاشت الالباب مهابة وتعظيما لبيت ملك الملوك العزيز الجبار الواحد القهار، مؤتي الملك من يشاء، ونازع الملك ممن يشاء، سبحانه، جلت قدرته وعزّ سلطانه. ثم تهافتت هذه العصابة الغزية على بيت الله العتيق تهافت الفراش على لمصباح، وقد نكس أذقانهم الخضوع، وبلت سبالهم الدموع. وطاف القاضي او زعيم الشيبيين بسيف الاسلام، والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام، فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر الى منزله. وعندما أكمل سيف الاسلام طوافه صلى خلف المقام ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها ثم خرج على باب الصفا الى السعي، فابتدأه ماشيا على قدميه تواضعا وتذللا لمن يجب التواضع له، والسيوف مسلوتة أمامه، وقد اصطف الناس من أول المسعى الى آخره سماطين مثل ما صنعوا أيضا في الطواف، فسعى على قدميه طريقين من الصفا الى المروة، ومنها الى الصفا، وهرول بين الميلين الاخضرين، ثم قيده الاعياء فركب وأكمل السعي راكبا، وقد حشر الناس ضحى. ثم عاد الامير الى المسجد الحرام على حالته من الارهاب والهيبة وهو يتهادى بين بروق خواطف السيوف المصلتة، وقد بادر الشيبيون الى باب البيت المكرم ليفتحوه، ولم يكن يوم فتحه، وضم الكرسي الذي يصعد عليه، فرقي الامير فيه، وتناول زعيم الشيبيين فتح الباب، فاذا المفتاح قد سقط من كمه في ذلك الزحام، فوقف وقفة دهش مذعور، ووقف الامير على الادراج، فيسر الله للحين في وجود المفتاح، ففتح الباب الكريم، ودخل الامير وحده مع الشيبي وأغلق الباب، وبقي وجوه الاغزاز وأعيانهم مزدحمين على ذلك الكرسي،

стр. 109

فبعد لأي ما فتح لامرائهم المقربين فدخلوا. وتمادى مقام سيف الاسلام في البيت الكريم مدة طويلة، ثم خرج، وانفتح الباب للكافة منهم. فيا له من ازدحام وتراكم وانتظام، حتى صاروا كالعقد المستطيل وقد اتصلوا وتسلسلوا. فكان يومهم أشبه شيء بأيام السرو في دخولهم البيت، حسبما تقدم وصفه. وركب الامير سيف الاسلام وخرج الى مضرب أبنيته بالموضع المذكور. وكان هذا اليوم بمكة من الايام الهائلة المنظر العجيبة المشهد الغريبة الشأن، فسبحان من لا ينقضي ملكه ولا يبيد سلطانه، لا اله سواه. وصحب هذا الامير جملة من حجاج مصر وسواها اغتناما لطريق البر والامن فوصلوا في عافية وسلامة، والحمد الله. وفي ضحوة يوم الخميس بعده كنا أيضا بالحجر المكرم، فاذا بأصوات طبول ودبادب وبوقات قد قرعت الآذان وارتجت لها نواحي الحرم الشريف. فبينا نحن نتطلع لاستعلام خبرها طلع علينا الامير مكثر وغاشيته الاقربون حوله وهو رافل في حلة ذهب كأنها الجمر المتقد يسحب أذيالها وعلى رأسه عمامة شرب رقيق سحابي اللون قد علا كورها على رأسه كأنها سحابة مركومة وهي مصفحة بالذهب، وتحت الحلة خلعتان من الدبيقي المرسوم البديع الصنعة، خلعها عليه الامير سيف الاسلام، فوصل بها فرحا جذلان، والطبول والدبادب تشيعه عن أمر سيف الاسلام اشادة بتكرمته واعلاما بمأثرة منزلته. فطاف بالبيت المكرم شكرا لله على ما وهبه من كرامة هذا الامير بعد أن كان أوجس في نفسه خيفة منه، والله يصلحه ويوفقه بمنه. وفي يوم الجمعة وصل الامير سيف الاسلام للصلاة أول الوقت وفتح البيت المكرم، فدخله مع الامير مكثر وأقاما به مدة طويلة ثم خرجا. وتزاحم الغز للدخول تزاحما أبهت الناظرين حتى أزيل الكرسيّ الذي يصعد عليه فلم يغن ذلك شيئا، وأقاموا على الازدحام في الصعود باشالة بعضهم على بعض، وداموا على هذه الحالة الى أن وصل الخطيب، فخرجوا لاستماع الخطبة، وأغلق الباب.

стр. 110

وصلى الأمير سيف الاسلام مع الأمير مكثر في القبة العباسية. فلما انقضت الصلاة خرج على باب الصفا وركب الى مضرب أبنيته. وفي يوم الأربعاء العاشر منه خرج الأمير المذكور بجنوده الى اليمن، والله يعرّف اهلها من المسلمين في مقدمه خيرا بمنه. تراويح رمضان وهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه، وكل وتر من الليالي العشر الاواخر يختم فيها القرآن. فأوّلها ليلة احدى وعشرين، ختم فيها احد أبناء أهل مكة، وحضر الختمة القاضي وجماعة من الأشياخ. فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا، ثم استدعاهم ابو الصبي المذكور الى منزله الى طعام وحلوى قد أعدّهما واحتفل فيهما. ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين، وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار، غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة، فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا. وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة، قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة، وأعدّ لها شمعا كثيرا، ووضع في وسط الحرم مما يلي باب بني شيبة شبيه المحراب المربع من أعواد مشرجبة، قد أقيم على قوائم اربع، وربطت في اعلاه عيدان نزلت منها قناديل وأسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل وسمر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف غرز فيها الشمع، فاستدار بالمحراب كله. وأوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه، وأمعن الاحتفال في هذا كله. ووضع بمقربة من المحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان. وحضر الإمام الطفل فصلى التراويح وختم، وقد انحشد أهل المسجد الحرام اليه رجالا ونساء، وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به. ثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة امامية وسكينة غلامية، مكحل

стр. 111

العينين، مخضوب الكفين الى الزندين، فلم يستطع الخلوص الى منبره من كثرة الزحام، فأخذه أحد سدنة تلك الناحية في ذراعه حتى القاه على ذروة منبره، فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما. وقعد بين يديه قراء، فابتدروا القراءة على لسان واحد. فلما أكملوا عشرا من القرآن، قام الخطيب فصدع بخطبة تحرك لها اكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع، وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أتوار الشمع في ايديهم ويرفعون أصواتهم بيا رب يا رب، عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك، والقراء يبتدرون القراءة في اثناء ذلك، فيسكت الخطيب الى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته. وتمادى فيها متصرفا في فنون من التذكير. وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق، كرّمه الله، فحسر عن ذراعيه مشيرا اليه، وأردفه بذكر زمزم والمقام فأشار اليهما بكلتا اصبعيه ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه، ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء، ثم نزل، وانفضّ ذلك الجمع العظيم، وقد استظرف ذلك الخطيب واستنبل وان لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل، والتذكرة اذا خرجت من اللسان لم تتعد مسافة الآذان. ثم ذكر أن المعينين من ذلك الجمع، كالقاضي وسواه، خصوا بطعام حفيل وحلوى على عادتهم في مثل هذا المجتمع. وكانت لأبي الخطيب في تلك الليلة نفقة واسعة في جميع ما ذكر. ثم كانت ليلة خمس وعشرين، فكان المختتم فيها الإمام الحنفي، وقد أعد ابنا لذلك سنه نحو من سن الخطيب الأول المذكور. فكان احتفال الإمام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما، أحضر فيها من ثريات الشمع اربعا مختلفات الصنعة: منها مشجرة مغصنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة، ومنها غير مغصنة. فصففت أمام حطيمه وتوّج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل ذلك كله سرجا ومشاعيل وشمعا، فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور. وأحضر الشمع في أتوار الصفر، ووضع المحراب العودي المشرجب،

стр. 112

فجلل دائره الاعلى كله شمعا، وأحدق الشمع في الأتوار به، فاكتنفته هالات من نور، ونصب المنبر قبالته مجللا أيضا بالكسوة الملونة. واحتفل الناس لمشاهدة هذا المنظر النير أعظم من الاحتفال الاول. فختم الصبيّ المذكور ثم برز من محرابه الى منبره يسحب أذيال الحفر في أثواب رائقة المنظر، فتسور منبره وأشار بالسلام على الحاضرين وأبتدأ خطبته بسكينة ولين ولسان على حالة الحياء مبين. فكأن الحال على طفولتها كانت أوقر من الاولى وأخشع، والموعظة أبلغ، والتذكرة أنفع. وحضر القرّاء بين يديه على الرسم الاول. وفي أثناء فصول الخطبة يبتدرون القراءة فيسكت خلال اكمالهم الآية التي انتزعوها من القرآن ثم يعود الى خطبته وبين يديه في درجات المنبر طائفة من الخدمة يمسكون اتوار الشمع بأيديهم ومنهم من يمسك المجمرة تسطع بعرف العود الرطب الموضوع فيها مرة بعد أخرى. فعند ما يصل الى فصل من تذكير أو تخشيع يرفعون أصواتهم بيا رب يا رب يكرّرونها ثلاثا أو أربعا، وربما جاراهم في النطق بعض الحاضرين، الى أن فرغ من خطبته ونزل. وجرى الامام اثره على الرسم من الاطعام لمن حضر من أعيان المكان اما باستدعائهم الى منزله تلك الليلة أو بتوجيه ذلك الى منازلهم. ثم كانت ليلة سبع وعشرين، وهي ليلة الجمعة بحساب يوم الاحد، فكانت الليلة الغراء، والختمة الزهراء، والهيبة الموفورة الكهلاء، والحالة التي تمكن عند الله تعالى في القبول والرجاء. وأي حالة توازي شهود ختم القرآن ليلة سبع وعشرين من رمضان خلف المقام الكريم وتجاه البيت العظيم؟ وانها لنعمة تتضاءل لها النعم تضاؤل سائر البقاع للحرم. ووقع النظر والاحتفال لهذه الليلة المباركة قبل ذلك بيومين أو ثلاثة، وأقيمت ازاء حطيم إمام الشافعية خشب عظام بائنة الارتفاع موصول بين كل ثلاث منها بأذرع من الاعواد الوثيقة، فاتصل منها صف كاد يمسك نصف الحرم

стр. 113

عرضا ووصلت بالحطيم المذكور، ثم عرضت بينها ألواح طوال مدت على الأذرع المذكورة، وعلت طبقة منها طبقة أخرى حتى استكملت ثلاث طبقات، فكانت الطبقة العليا منها خشبا مستطيلة مغروزة كلها مسامير محددة الأطراف لاصقا بعضها ببعض كظهر الشيهم نصب عليها الشمع، والطبقتان تحتها الواح مثقوبة ثقبا متصلا وضعت فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسافلها. وتدلت من جوانب هذه الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قناديل كبار وصغار وتخللها أشباه الاطباق المبسوطة من الصفر قد انتظم كل طبق منها ثلاث سلاسل تقلها في الهواء وخرقت كلها ثقبا ووضعت فيها الزجاجات ذوات الأنابيب من أسفل تلك الأطباق الصفرية لا يزيد منها أنبوب على أنبوب في القد. وأوقدت فيها المصابيح، فجاءت كأنها موائد ذوات أرجل كثيرة تشتعل نورا، ووصلت بالحطيم الثاني الذي يقابل الركن الجنوبي من قبة زمزم خشب على الصفة المذكورة اتصلت الى الركن المذكور، وأوقد المشعل الذي في رأس فحل القبة المذكورة، وصففت طرة شباكها شمعا مما يقابل البيت المكرم. وحف المقام الكريم بمحراب من الأعواد المشرجبة المخرمة محفوفة الأعلى بمسامير حديدة الأطراف، على الصفة المذكورة، جللت كلها شمعا. ونصب عن يمين المقام ويساره شمع كبير الجرم، في أتوار تناسبها كبرا، وصفت تلك الأتوار على الكراسي التي يصرفها السدنة مطالع عند الإيقاد، وجلل جدار الحجر المكرم كله شمعا في اتوار من الصفر فجاءت كأنها دائرة نور ساطع، واحدقت بالحرم المشاعيل. وأوقد جميع ما ذكر. وأحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة، وقد وضعت بيد كل منهم كرة من الخرق المشبعة سليطا، فوضعوها متقدة في رؤوس الشرفات. وأخذت كل طائفة منهم ناحية من نواحيها الاربعة فجعلت كل طائفة تباري صاحبتها في سرعة ايقادها. فيخيل للناظر أن النار تشب من شرفة الى شرفة لخفاء أشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار. وفي اثناء محاولتهم لذلك يرفعون أصواتهم بيا رب يا رب على لسان واحد، فيرتج الحرم لأصواتهم.

стр. 114

فلما كمل ايقاد الجميع بما ذكر كاد يعشي الأبصار شعاع تلك الانوار، فلا تقع لمحة طرف الا على نور يشغل حاسة البصر عن استمالة النظر. فيتوهم المتوهم، لهول ما يعاينه من ذلك، أن تلك الليلة المباركة نزهت لشرفها عن لباس الظلماء فزينت بمصابيح السماء. وتقدّم القاضي فصلى فريضة العشاء الآخرة ثم قام وابتدأ بسورة القدر. وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها قد انتهوا في القراءة اليها. وتعطل في تلك الساعة سائر الأئمة من قراءة التراويح، تعظيما لختمة المقام، وحضروا متبركين بمشاهدتها. وقد كان المقام المطهر أخرج من موضعه المستحدث في البيت العتيق، حسبما تقدم الذكر أولا له، فيما سلف من هذا التقييد، ووضع في محله الكريم المتخذ مصلى مستورا بقبته التي يصلي الناس خلفها. فختم القاضي بتسليمتين وقام خطيبا مستقبل المقام والبيت العتيق. فلم يتمكن من سماع الخطبة للازدحام وضوضاء العوام. فلما فرغ من خطبته عاد الأئمة لإقامة تراويحهم، وانفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا، وأعينهم قد سالت دموعا، والأنفس قد أشعرت من فضل تلك الليلة المباركة رجاء مبشرا بمن الله تعالى بالقبول، ومشعرا أنها ولعلها ليلة القدر المشرف ذكرها في التنزيل، والله، ، لا يخلي الجميع من بركة مشاهدتها وفضل معاينتها، انه كريم منان، لا اله سواه. ثم ترتبت قراءة أئمة المقام الخمسة المذكورين أولا، بعد هذه الليلة المذكورة، بآيات ينتزعونها من القرآن على اختلاف السور، تتضمن التذكير والتحذير والتبشير، بحسب اختيار كل واحد منهم. ورسم طوافهم اثر كل تسليمتين باق على حاله، والله ولي القبول من الجميع. ثم كانت ليلة تسع وعشرين منه، فكان المختتم فيها سائر أئمة التراويح ملتزمين رسم الخطبة اثر الختمة، والمشار اليه منهم المالكي، فتقدم باعداد اعواد بإزاء محرابه نصبها ستة على هيئة دائرة محراب مرتفعة عن الأرض بدون

стр. 115

القامة يعترض على كل اثنين منها عود مبسوط، فأدير بالشمع أعلاها وأحدق اسفلها ببقايا شمع كثير قد تقدم ذكره عند اول الشهر المبارك واحدق أيضا داخل تلك الدائرة شمع آخر متوسط، فكان منظرا مختصرا ومشهدا عن احتفال المباهاة منزها موقرا، رغبة في احتفال الأجر والثواب ومناسبة لموضع هيئة المحراب؛ نصبت للشمع فيه عوضا من الأتوار أثافي من الأحجار. فجاءت الحال غريبة في الاختصار، خارجة عن محفل التعاظم والاستكبار، داخلة مدخل التواضع والاستصغار. واحتفل جميع المالكية للختمة، فتناوبها أئمة التراويح، فقضوا صلاتهم سراعا عجالا، كاد يلتقي طرفاها خفوقا واستعجالا. ثم تقدم احدهم فعقد حبوته بين تلك الاثافيّ وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي فأرسلها معادة الى الاسماع ثقيلا لحنها على الطباع، ثم انفض الجمع، وقد جمد في شؤونه الدمع، واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع، أطلقت عليه أيدي الانتهاب، ولم يكن في الجماعة من يستحى منه أو يهاب. وعند الله تعالى في ذلك الجزاء والثواب، انه سبحانه الكريم الوهاب. وانتهت ليالي الشهر ذاهبة عنا بسلام، جعلنا الله ممن طهر فيها من الآثام، ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام، وختم الله لنا ولجميع أهل الملة الحنفية بالوفاة على الإسلام، وأوزعنا حمدا يحق هذه النعمة وشكرا، وجعلها للمعاد لنا ذخرا، ووفانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه، انه لا يضيع لديه ايام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا، انه الحنان المنان، لا رب سواه. شهر شوال استهل هلاله ليلة الثلاثاء السادس عشر من ينير، يمن الله مطلعه، ورزقنا بركته، وهذا الشهر المبارك هو فاتحة أشهر الحج المعلومات، وبعده تتصل

стр. 116

ثلاثة الأشبر الحرم المباركات. وكانت ليلة استهلال هلاله من الليالي الحفيلة في المسجد الحرام، زاده الله تكريما؛ جرى الرسم في ايقاد مشاعله وثرياته وشمعه على الرسم المذكور ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم، وأوقدت الصوامع من الأربع جهات من الحرم، وأوقد سطح المسجد الذي في أعلى جبل أبي قبيس. وأقام المؤذن ليلته تلك في أعلى سطح قبة زمزم مهللا ومكبرا ومسبحا وحامدا. وأكثر الأئمة تلك الليلة أحيا، وأكثر الناس على مثل تلك الحال بين طواف وصلاة وتهليل وتكبير، يقبل الله من جميعهم، انه سميع الدعاء كفيل بالرجاء، سبحانه لا اله سواه. عيد رمضان فلما كان صبيحتها وقضى الناس صلاة الفجر، لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد بالمسجد الحرام، لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى يخرج الناس اليه، رغبة في شرف البقعة وفضل بركتها وفضل صلاة الامام خلف المقام ومن يأتم به. فأول من بكر الشيبيون، وفتحوا باب الكعبة المقدسة، وأقام زعيمهم جالسا في العتبة المقدسة، وسائر الشيبيين داخل الكعبة الى ان أحسوا بوصول الأمير مكثر فنزلوا اليه، وتلقوه بمقربة من باب النبي، ﷺ ، فانتهى الى البيت المكرم، وطاف حوله أسبوعا، والناس قد احتفلوا لعيدهم، والحرم قد غص بهم، والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة على العادة رافعا صوته بالثناء عليه والدعاء له متناوبا في ذلك مع اخيه. فلما اكمل الامير الاسبوع عمد الى مصطبة قبة زمزم، مما يقابل الركن الأسود، فقعد بها، وبنوه عن يمينه ويساره، ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه وعاد الشيبيون لمكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بأبصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم من حجابته وسدانته، فسبحان من خصهم بالشرف في

стр. 117

خدمته. وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة، فأنشدوه واحدا اثر واحد الى أن فرغوا من انشادهم. وفي اثناء ذلك تمكن وقت الصلاة، وكان ضحى من النهار، فأقبل القاضي الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين، والفرقعة المتقدمة ذكرها أمامه، وقد صك الحرم صوتها، وهو لابس ثياب سواده، فجاء الى المقام الكريم، وقام الناس للصلاة، فلما قضوها رقي المنبر، وقد ألصق الى موضعه المعين له كل جمعة، من جدار الكعبة المكرمة، حيث الباب الكريم شارعا، فخطب خطبة بليغة، والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر، فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره، الى أن فرغ من خطبته. وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والتسليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله، وبادروا الى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدحمين عليه فوجا فوجا. فكان مشهدا عظيما وجمعا بفضل الله تعالى مرحوما، جعله الله ذخيرة للمعاد، كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الاعياد، بمنه وكرمه، انه وليّ ذلك والقادر عليه. واخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى تبركا باحتساب الخطا اليها، والدعاء بالرحمة لمن فيها من عباد الله الصالحين من الصدر الأول وسواه، رضي الله عن جميعهم، وحشرنا في زمرتهم، ونفعنا بمحبتهم. فالمرء، كما قال، ﷺ ، مع من أحب. مناسك الحج وفي يوم السبت التاسع عشر منه، والثالث لفبرير، صعدنا الى منى لمشاهدة المناسك المعظمة بها ولمعاينة منزل اكتري لنا فيها اعدادا لمقام بها أيام التشريق، ان شاء الله، فألفيناها تملأ النفوس بهجة وانشراحا، مدينة عظيمة الآثار،

стр. 118

واسعة الاختطاط، عتيقة الوضع، قد درست الى منازل يسيرة متخذة للنزول تحف بجانبي طريق كأنه ميدان انبساطا وانفساحا، ممتد الطول. فأول ما يلقى المتوجه اليها عن يساره، وبمقربة منها، مسجد البيعة المباركة، التي كانت أول بيعة في الاسلام، عقدها العباس، ﵁، للنبي، ﷺ ، على الانصار، حسب المشهور من ذلك. ثم يفضى منه الى جمرة العقبة، وهي اول منى للمتوجه من مكة وعن يسار المار اليها، وهي على قارعة الطريق مرتفعة للمتراكم فيها من حصى الجمرات. ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على تعاقب الدهور وتوالي الازمنة، لكن الله، ، فيها سر كريم من اسراره الخفيات، لا اله سواه. وعليها مسجد مبارك، وبها علم منصوب شبه أعلام الحرم التي ذكرناها، فيجعلها الرامي عن يمينه مستقبلا مكة، شرّفها الله، ويرمي بها سبع حصيات، وذلك يوم النحر اثر طلوع الشمس، ثم ينحر أو يذبح ويحلق، والمحلق حولها، والمنحر في كل موضع من منى، لان منى كلها منحر، كما قال، ﷺ . وقد حل له كل شيء الا النساء والطيب حتى يطوف طواف الافاضة. وبعد هذه الجمرة العقبية موضع الجمرة الوسطى، ولها أيضا علم منصوب، وبينهما قدر الغلوة، ثم بعدها يلقى الجمرة الأولى ومسافتها منها كمسافة الأخرى. وفي وقت الزوال من ثاني يوم النحر ترمى في الأولى سبع حصيات، وفي الوسطى كذلك، وفي العقبة كذلك، فتلك احدى وعشرون حصاة. وفي اليوم الثالث من يوم النحر، في الوقت بعينه، كذلك على الترتيب المذكور، فتلك اثنتان واربعون حصاة في اليومين وسبع رميت في العقبة يوم النحر وقت طلوع الشمس، كما ذكرناه، وهي المحللات للحاج ما حرم عليه سوى النساء والطيب، فتلك تكملة تسع وأربعين جمرة. وفي إثر ذلك ينفصل الحاج إلى مكة من ذلك اليوم. واختصر في هذا الزمان

стр. 119

إحدى وعشرون كانت ترمى في اليوم الرابع على الترتيب المذكور، وذلك لاستعجال الحاج خوفا من العرب الشعبيين إلى غير ذلك من محذورات الفتن المغيرات لآثار السنن، فمضى العمل اليوم على تسع وأربعين حصاة، وكانت في القديم سبعين، والله يهب القبول لعباده. والصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقى الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة. وفي يوم النحر تكون جمرة العقبة اولى منفردة بسبع حصيات، حسبما تقدم ذكره، ولا يشترك معها سواها في ذلك اليوم، ثم في اليومين بعده ترجع الآخرة على الترتيب حسبما وصفناه، بحول الله . وبعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح، ﷺ ، حيث فدي بالذبح العظيم. وعلى الموضع المبارك مسجد مبني، وهو بمقربة من سفح ثبير. وفي موضع المنحر المذكور حجر قد الصق بالجدار المبني فيه أثر قدم صغيرة، يقال: إنه أثر قدم الذبيح، ﷺ ، عند تحركه، فلان الحجر له بقدرة الله، ، إشفاقا وحنانا. فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله. ويفضى من ذلك إلى مسجد الخيف المبارك، وهو آخر منى في توجهك، أعني من المعمورة منها بالبنيان. وأما الآثار القديمة فآخذة إلى أبعد غاية أمام المسجد. وهذا المسجد المبارك متسع الساحة كأكبر ما يكون من الجوامع. والصومعة وسط رحبة المسجد. وله في القبلة أربعة بلاطات يشملها سقف واحد. وهو من المساجد الشهيرة بركة وشرف بقعة. وكفى بما ورد في الأثر الكريم من أن بقعته الطاهرة مدفن كثير من الأنبياء، صلوات الله عليهم. وبمقربة منه عن يمين المار في الطريق، حجر كبير مسند إلى صفح الجبل مرتفع عن الأرض يظل ما تحته، ذكر أن النبيّ، صل الله عليه وسلم، قعد تحته مستظلا ومسّ رأسه المكرم فيه فلان له حتى أثر فيه تأثيرا بقدر دور الرأس. فيبادر الناس لوضع رؤوسهم في ذلك الموضع تبركا واستجارة لها بموضع مسه

стр. 120

الرأس المكرّم أن لا تمسها النار بقدرة الله، . فلما قضينا معاينة هذه المشاهد الكريمة أخذنا في الانصراف مستبشرين بما وهبنا الله من فضله في مباشرتها. ووصلنا إلى مكة قريب الظهر، والحمد لله على ما منّ به. وفي يوم الأحد بعده، وهو الموفي عشرين لشوال، صعدنا إلى الجبل المقدس حراء وتبركنا بمشاهدة الغار في أعلاه الذي كان النبي، ﷺ ، يتعبد فيه، وهو أول موضع نزل فيه الوحي عليه، ﷺ ، ورزقنا شفاعته، وحشرنا في زمرته، وأماتنا على سنته ومحبته، بمنه وكرمه، لا رب سواه. وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه، وهو السادس من فبرير، اجتمع الناس كافة للاستسقاء تجاه الكعبة المعظمة بعد أن ندبهم القاضي إلى ذلك وحرضهم على صيام ثلاثة أيام قبله. فاجتمعوا في هذا اليوم الرابع المذكور وقد أخلصوا النيات لله ، وبكر الشيبيون ففتحوا الباب المكرم من البيت العتيق، ثم أقبل القاضي بين رايتيه السوداوين لابسا ثياب البياض، واخرج مقام الخليل ابراهيم، ﷺ ، وعلى نبينا، ووضع على عتبة باب البيت المكرم، واخرج مصحف عثمان، ﵁، من خزانته، ونشر بازاء المقام المطهر، فكانت دفته الواحدة عليه والثانية على الباب الكريم. ثم نودي في الناس بالصلاة جامعة، فصلى القاضي بهم خلف موضع المقام المتخذ مصلى ركعتين، قرأ في إحداهما ب «سبح اسم ربك الاعلى» ، وفي الثانية بالغاشية، ثم صعد المنبر، وقد الصق الى موضعه المعهود من جدار الكعبة المقدسة، فخطب خطبة بليغة والى فيها الاستغفار ووعظ الناس وذكرهم وخشعهم وحضهم على التوبة والإنابة لله ، حتى نزفت دمعها العيون واستنفدت ماءها الشؤون وعلا الضجيج وارتفع الشهيق والنشيج، وحول رداءه، وحول الناس أرديتهم اتباعا للسنة. ثم انفض الجميع راجين رحمة الله غير قانطين منها، والله يتلافى

стр. 121

عباده بلطفه وكرمه. وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية، على الصفة المذكورة، وقد نال الجهد من أهل الحجاز وأضرّ بهم القحط وأهلك مواشيهم الجدب، لم يمطروا في الربيع ولا الخريف ولا الشتاء إلا مطرا طلا غير كاف ولا شاف، والله لطيف بعباده، غير مؤاخذهم بجرائمهم، إنه الحنان المنان، لا رب سواه. وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال صعدنا إلى جبل ثور لمعاينة الغار المبارك الذي أوى إليه النبي، ﷺ ، مع صاحبه الصديق، ﵁، حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز، وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته أولا في هذا التقييد. وولجناه من الموضع الذي يعسر الولوج منه على البعض من الناس تبركا بمس بشرة البدن بموضع مسه الجسم المبارك، قدسه الله؛ لأن مدخل النبي، ﷺ ، كان منه. وكان لأحد الصاعدين إليه ذلك اليوم من المصريين موقف خجلة وفضيحة، وذلك أنه رام الولوج فيه على ذلك الموضع الضيق فلم يقدر بحيلة وعاود ذلك مرارا فلم يستطع حتى استوقف الناس ما عاينوه من ذلك وبكوا له إشفاقا ولجأوا إلى الله في الدعاء، فلم يغن ذلك شيئا، وكان فيهم من هو اضخم منه فيسر الله عليه. وطال تعجب الناس منه واعتبارهم. وأعلمنا بعد انفصالنا في ذلك اليوم بأن هذا الموقف المخجل وقع لثلاثة أناس في ذلك اليوم بعينه، عصمنا الله من مواقف الفضيحة في الدنيا والآخرة. وهذا الجبل صعب المرتقى جدا، يقطع الأنفاس تقطيعا، لا يكاد يبلغ منتهاه إلا وقد ألقى بالأيدي إعياء وكلالا. وهو من مكة على مقدار ثلاثة أميال، وعلى ذلك القدر هو جبل حراء منها، والله تعالى لا يخلينا من بركة هذه المشاهد بمنه وكرمه. وطول الغار ثمانية عشر شبرا، وسعته أحد عشر شبرا في الوسط منه، وفي حافتيه ثلثا شبر، وعلى الوسط منه يكون الدخول، وسعة الباب الثاني المتسع

стр. 122

مدخله خمسة أشبار أيضا، لأن له بابين، حسبما ذكرناه أولا. وفي يوم الجمعة بعده وصل السرو اليمنيون في عدد كثير مؤملين زيارة قبر الرسول، ﷺ ، وجلبوا ميرة إلى مكة على عادتهم، فاستبشر الناس بقدومهم استبشارا كثيرا، حتى إنهم أقاموه عوض نزول المطر، ولطائف الله لسكان حرمه الشريف واسعة، إنه سبحانه لطيف بعباده لا إله سواه. شهر ذي القعدة استهل هلاله لية الأربعاء، بموافقة الرابع عشر من شهر فبرير، بشهادة ثبتت عند القاضي في رؤيته. وأما الاكثر الاغلب من أهل المسجد الحرام فلم يبصروا شيئا، وطال ارتفاعهم إلى إثر صلاة المغرب، وكان منهم من يتخيله فيشير إليه فإذا حققه تلاشى عنده نظره وكذب خبره، والله أعلم بصحة ذلك. وهذا الشهر المبارك ثاني الاشهر الحرم وثاني اشهر الحج، أطلع الله هلاله على المسلمين بالامن والايمان والمغفرة والرضوان، بعزته ورحمته. مسجد مولد النبي وفي يوم الاثنين الثالث عشر منه دخلنا مولد النبي، ﷺ . وهو مسجد حفيل البنيان، وكان دارا لعبد الله بن عبد المطلب، أبي النبي، ﷺ ، وقد تقدم ذكره. ومولده، ﷺ ، صفة صهريج صغير سعته ثلاثة أشبار وفي وسطه رخامة خضراء سعتها ثلثا شبر مطوقة بالفضة فتكون سعتها مع الفضة المتصلة بها شبرا. ومسحنا الخدود في ذلك الموضع المقدس الذي هو مسقط لأكرم مولود على الأرض وممس

стр. 123

لأطهر سلالة وأشرفها، ﷺ ، ونفعنا ببركة مشاهدة مولده الكريم. وبازائه محراب حفيل القرنصة، مرسومة طرته بالذهب. وقد تقدم الوصف لهذا كله. وهذا الموضع المبارك هو شرقي الكعبة متصل بصفح الجبل. ويشرف عليه بمقربة منه جبل أبي قبيس، وعلى مقربة منه أيضا مسجد، عليه مكتوب: «هذا المسجد هو مولد علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه؛ وفيه تربى رسول الله، ﷺ ، وكان دارا لأبي طالب عمّ النبي، ﷺ ، وكافله» . دار خديجة، رضوان الله عليها ودخلت أيضا في اليوم المذكور دار خديجة الكبرى، رضوان الله عليها، وفيها قبة الوحي، وفيها أيضا مولد فاطمة، ﵂. وهو بيت صغير مائل للطول. والمولد شبه صهريج صغير وفي وسطه حجر أسود. وفي البيت المذكور مولد الحسن والحسين ابنيها، ﵄، ومسقط شلو الحسن ولاصق بمسقط شلو الحسين وعليهما حجران مائلان الى السواد كأنهما علامتان للمولدين المباركين الكريمين. ومسحنا الخدود في هذه المساقط المكرمة المخصوصة بمس بشرات المواليد الكرام، رضوان الله عليهم. وفي الدار المكرمة أيضا مختبأ النبي، ﷺ ، شبيه القبة، وفيه مقعد في الأرض عميق شبيه الحفرة داخل في الجدار قليلا وقد خرج عليه من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور، قيل: إنه كان الحجر الذي كان غطّى النبي، ﷺ ، عند اختبائه في الموضع المذكور، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. وعلى كل واحد من هذه الموالد المذكورة قبة

стр. 124

خشب صغيرة تصون الموضع غير ثابتة فيه. فاذا جاء المبصر لها نحاها ولمس الموضع الكريم وتبرك به ثم أعادها عليه. وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور نفذ أمر الأمير مكثر بالقبض على زعيم الشيبيين محمد بن اسماعيل وانتهاب منزله وصرفه عن حجابة البيت الحرام، طهره الله، وذلك لهنات نسبت اليه لا تليق بمن نيطت به سدانة البيت العتيق: «ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم» ، أعاذنا الله من سوء القضاء، ونفوذ سهام الدعاء، بمنه. وفي هذه الأيام السالفة من الشهر المذكور توالى مجيء السرويين اليمنيين في رفاق كثيرة بالميرة من الطعام وسواه وضروب الإدام والفواكه اليابسة فأرغدوا البلد؛ ولولاهم لكان من اتصال الجدب وغلاء السعر في جهد ومشقة، فهم رحمة لهذا البلد الامين. ثم توجهوا الى الزيارة المباركة، الى التربة المباركة، طيبة مدفن رسول الله، ﷺ ، ووصلوا في أسرع مدة، قطعوا الطريق من مكة الى المدينة في يسير أيام، ومن صحبهم من الحاج حمد صحبتهم. وفي أثناء مغيبهم وصلت طوائف أخر منهم للحج خاصة لضيق الوقت عن الزيارة فأقاموا بمكة، ووصل الزوار منهم فضاق بهم المتسع. فلما كان يوم الاثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور فتح البيت العتيق، وتولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول، وهو أمثل طريقة منه على ما يذكر. فازدحم السرو للدخول على العادة، فجاءوا بأمر لم يعهد فيما سلف، يصعدون أفواجا حتى يغص الباب الكريم بهم فلا يستطيعون تقدما ولا تأخرا الى ان يلجوا على أعظم مشقة ثم يسرعون الخروج، فيضيق الباب الكريم بهم، فتتحدر الفوج منهم على المصعد وفوج أخرى صاعدة فيلتقيان وقد ارتبط بعضهم الى بعض، فربما حمل المنحدرون في صدور الصاعدين، وربما وقف الصاعدون للمنحدرين وتضاغطوا الى ان يميلوا فيقع البعض على البعض. فيعاين النظارة منهم مرأى هائلا: فمنهم سليم، وغير سليم، وأكثرهم انما ينحدرون وثبا على

стр. 125

الرءوس والأعناق. ومن أعجب ما شاهدناه في يوم الاثنين المذكور أن صعد بعض من الشيبيين أثناء ذلك الزحام يرومون الدخول الى البيت الكريم فلم يقدروا على التخلص فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب ثم ان احدهم تمسك بإحدى الشرائط القنبية الممسكة للأستار الى أن علا الرءوس والأعناق فوطئها ودخل البيت، فلم يجد موطئا لقدمه سواها لشدة تراصهم وتراكمهم وانضمام بعضهم الى بعض. وهذا الجمع الذي وصل منهم في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الأعوام، ولله القدرة المعجزة، لا اله سواه. وفي هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة الى نحو قامة ونصف من الجدر من الجوانب الأربعة، ويسمون ذلك احراما لها، فيقولون: أحرمت الكعبة. وبهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر. ولا تفتح من حين احرامها الا بعد الوقفة. فكأن ذلك التشمير ايذان بالتشمير للسفر وايذان بقرب وقت وداعها المنتظر، لا جعله الله آخر وداع، وقضى لنا اليها بالعودة وتيسير سبيل الاستطاعة بعزته وقدرته. وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين قبل هذا اليوم المذكور كان دخولنا الى البيت الكريم على حال اختلاس وانتهاز فرصة أوجدت بعض فرجة من الزحام، فدخلناه دخول وداع اذ لا يتمكن دخوله بعد ذلك لترادف الناس عليه ولا سيما الاعاجم الواصلون مع الأمير العراقي، فانهم يظهرون من التهافت عليه والبدار اليه والازدحام فيه ما ينسي أحوال السرو اليمنيين لفظاظتهم وغلظتهم، فلا يتمكن لاحد منهم النظر فضلا عن غير ذلك، والله لا يجعله آخر العهد ببيته الكريم ويرزقنا العود اليه على خير وعافية بمنه ولطيف صنعه. وفي يوم احرام الكعبة المذكور اقلعت من موضع المقام المقدس القبة الخشبيه التي كانت عليه ووضعت عوضها قبة الحديد اعدادا للاعاجم المذكورين، لانها

стр. 126

لو لم تكن حديدا لاكلوها اكلا فضلا عن غير ذلك، لما هم عليه من صحة النفوس شوقا الى هذه المشاهد المقدسة وتطارحهم بأجرامهم عليها، والله ينفعهم بنياتهم، بمنه وكرمه. وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور جاء زعيم الشيبيين المعزول يتهادى بين بنيه زهوا واعجابا ومفتاح الكعبة المقدسة بيده قد أعيد اليه، ففتح الباب الكريم وصعد مع بنيه السطح المبارك الأعلى بأمراس من القنب غليظة يوثقونها في أوتاد الحديد المضروبة في السطح ويرسلونها الى الأرض فيربط فيها شبيه محمل من العود ويجلس فيه أحد سدنة البيت من الشيبيين، فيصعد به على بكرة معدة لذلك في أعلى السطح المذكور، فيتولى خياطة ما مزقته الريح من الأستار، فسألنا عن كيفية صرف هذا الشيبي المعزول الى خطته على صحة الهنات المنسوبة اليه، فأعلمنا أنه صودر عليها بخمس مئة دينار مكية استقرضها ودفعها. فطال التعجب من ذلك والاعتبار، وتحققنا أن إظهار القبض عليه لم يكن غيرة ولا أنفة على حرمات الله المنتهكة على يديه، مع كونها في خطة دونها الخلافة رفعة، والحال تشبه بعضها بعضا، «وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» ، والى الله المشتكى من فساد ظهر حتى في اشرف بقاع الارض، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. منشأ الإسلام وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ذي القعدة المذكور دخلنا دار الخيزران التي كان منها منشأ الاسلام، وهي بإزاء الصفا ويلاصقها بيت صغير عن يمين الداخل اليها كان مسكن بلال، ﵁، ويدخل اليها على حلق كبير شبيه الفندق قد أحدقت به البيوت للكراء من الحاج. والدار المكرمة دار صغيرة يجدها الداخل الى الحلق المذكور عن يساره، وهي مجددة البناء، أنفق

стр. 127

في بنائها جمال الدين، المذكور أثره الكريم في هذا المكتوب، نحو الألف دينار، نفعه الله بما أسلفه من العمل الصالح. وعن يمين الداخل الدار المباركة باب يدخل منه الى قبة كبيرة بديعة البناء، فيها مقعد النبي، ﷺ ، والصخرة التي كان اليها مستنده، وعن يمينه موضع أبي بكر الصديق، وعن يمين أبي بكر موضع علي بن أبي طالب، والصخرة التي كان اليها مستنده هي داخلة في الجدار كشبه المحراب. وفي هذه الدار كان اسلام عمر بن الخطاب ومنها ظهر الاسلام على يديه، وأعزه الله به، نفعنا الله ببركة هذه المشاهد المكرمة والآثار المعظمة، وأماتنا على محبة الذين شرفت بهم ونسبت اليهم، صلوات الله عليهم أجمعين. شهر ذي الحجة استهل هلاله ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس. وكان للناس في ارتقابه أمر عجيب، وشأن من البهتان غريب، ونطق من الزور كاد يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد وتكذيب؛ وذلك انهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفي ثلاثين، والأفق قد تكاثف نوءه وتراكم غيمه الى ان علته مع المغيب بهض حمرة من الشفق، فطمع الناس في فرجه من الغيم لعل الأبصار تلتقطه فيها، فبينما هم كذلك اذ كبر أحدهم، فكبر الجم الغفير لتكبيره ومشوا قياما ينتظرون ما لا يبصرون ويشيرون الى ما يتخيلون حرصا منهم على أن تكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة، كأن الحج لا يرتبط الا بهذا اليوم بعينه، فاختلقوا شهادات زورية، ومشت منهم طائفة من المغاربة، أصلح الله أحوالهم، ومن أهل مصر وأربابها، فشهدوا عند القاضي برؤيته، فردهم أقبح رد وجرح شهاداتهم أسوأ تجريح وفضحهم في تزييف أقوالهم أخزى فضيحة، وقال: «يا للعجب! لو أن أحدهم يشهد برؤيته الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته، فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة!»

стр. 128

وكان ايضا مما حكي من قوله: تشوشت المغارب، وتعرضت شعرة من الحاجب، فأبصروا خيالا ظنوه هلالا. وكان لهذا القاضي جمال الدين، في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري، حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوو العقول، وحق لهم ذلك، فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة، أتوا لها من كل فج عميق. فلو تسومح فيها بطل السعي، وفال الرأي، والله يرفع الالتباس والبأس بمنه. فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى نورا من الثلاثين ليلة، فزعقت العامة زعقات هائلة وتنادت بوقفة الجمعة، وقالت: الحمد لله الذي لم يخيب سعينا، ولا ضيع قصدنا. كأنهم قد صح عندهم أن الوقفة اذا لم تكن توافق يوم الجمعة ليست مقبولة، ولا الرحمة فيها من الله مرجوة مأمولة؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ثم إنهم يوم الجمعة المذكور اجتمعوا الى القاضي فأدوا شهادات بصحة الرؤية تبكي الحق وتضحك الباطل، فردها وقال: يا قوم حتام هذا التمادي في الشهوة، والام تستنون في طرق الهفوة؟ وأعلمهم أنه قد استأذن الأمير مكثرا في ان يكون الصعود الى عرفات صبيحة يوم الجمعة فيقفوا عشية بها، ثم يقفوا صبيحة يوم السبت بعده ويبيتوا ليلة الأحد بمزدلفة، فان كانت الوقفة يوم الجمعة فما عليهم في تأخير المبيت بمزدلفة بأس، اذ هو جائز عند أئمة المسلمين، وان كانت يوم السبت فبها ونعمت. وأما أن يقع القطع بها يوم الجمعة فتغرير بالمسلمين وافساد لمناسكهم، لأن الوقفة يوم التروية عند الأئمة غير جائزة، كما أنها عندهم جائزة يوم النحر. فشكر جميع من حضر للقاضي هذا المنزع من التحقيق ودعوا له، وأظهر من حضر من العامة الرضى بذلك وانصرفوا عن سلام، والحمد لله على ذلك. وهذا الشهر المبارك هو ثالث الأشهر الحرم، وعشره الأولى مجتمع الامم وموسم الحج الاعظم، شهر العج والثج، وملتقى وفود الله من كل أوب وفج،

стр. 129

مصاب الرحمة والبركات، ومحل الموقف الاعظم بعرفات، جعلنا الله ممن فاز فيه بالحسنات، وتعرى به من ملابس الاوزار والسيئات، بمنه وكرمه، انه أهل التقوى، وأهل المغفرة، والامير العراقي منتظر لكشف هذا الإلباس عن الناس في أمر الهلال لعله قد اتضح له اليقين فيه، ان شاء الله. وفي سائر هذه الايام كلها الى هلم جرّا تصل رفاق من السرو اليمنيين وسائر حجاج الآفاق لا يحصي عددها الا محصي آجالها وأرزاقها، لا إله سواه. فمن الآيات البينات أن يسع هذا الجمع العظيم هذا البلد الامين الذي هو بطن واد سعته غلوة أو دونها. ولو أن المدن العظيمة حمل عليها هذا الجمع لضاقت عنه. وما هذه البلدة المكرمة فيما تختص به من الآيات البينات في اتساعها لهذا البشر المعجز احصاؤه الا كما شبهتها العلماء حقيقة بأنها تتسع لوفودها اتساع الرحم لمولودها. وكذلك عرفات وسائر المشاهد المعظمة بهذا البلد الحرام، عظم الله حرمته ورزقنا الرحمة فيه بكرمه وفضله. ومن أول هذا الشهر المبارك ضربت دبادب الأمير بكرة وعشية وفي أوقات الصلوات كأنها إشعار بالموسم، ولا يزال كذلك الى يوم الصعود الى عرفات، عرّفنا الله بها القبول والرحمة. وفي يوم الاثنين الخامس أو الرابع من هذا الشهر وصل الأمير عثمان بن علي صاحب عدن، خرج منها فارّا أمام سيف الاسلام المتوجه الى اليمن وركب البحر في جلاب كثيرة مشحونة بأحوال عظيمة واموال لا تحصى كثرة لأنه طال مقامه في تلك الولاية واتسع كسبه. وعند خروجه من البحر بموضع يعرف بالصر ... لحقت جلبه حراريق الأمير سيف الاسلام فأخذت جميع ما فيها من الأثقال، وكان قد استصحب الخف النفيس الخطير مع نفسه الى البر وهو في جملة من رجاله وعبيده، فسلم به، ووصل مكة بعير موقرة متاعا ومالا دخلت الى أعين الناس الى داره التي ابتناها بها بعد أن قدم نفيس ذخائره وناضّ ماله وجملة رقيقه وخدمه ليلا.

стр. 130

وبالجملة فحاله لا توصف كثرة واتساعا، والذي انتهب له أكثر، لأنه كان في ولايته يوصف بسوء السيرة مع التجار، وكانت المنافع التجارية كلها راجعة اليه، والذخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة الى يديه، فاكتسب سحتا «١» عظيما، وحصل على كنوز قارونية، لكن حوادث الأيام قد ابتدأت بالخسف به، ولا يدري حال أمره مع صلاح الدين لم يكون، والدنيا مفنية محبيها، وآكلة بنيها، وثواب الله خير ذخيرة، وطاعته أشرف غنيمة، لا إله سواه. وبقيت الشهادة مضطربة في أمر هذا الهلال المبارك الميمون الى أن تواصلت الأخبار برؤيته ليلة الخميس الذي يوافق الخامس عشر من مارس، شهد بذلك ثقات من أهل الزهد والورع يمنيّون وسواهم من الواصلين من المدينة المكرمة لكن بقي القاضي على ثباته وتوقفه في القبول وارجاء الامر الى وصول المبشر المعلم بوصول الأمير العراقي ليتعرف من قبله ما عند أمير الحاج في ذلك. فلما كان يوم الأربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر، وكانت نفوس أهل مكة قد أوجست خيفة لبطئه حذرا من حقد الخليفة على اميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه. فكان وصول هذا البشير أمانا وتسكينا للنفوس الشاردة، فوصل مبشرا ومؤنسا، واعلم برؤية الهلال ليلة الخميس المذكور. وتواترت الأنباء بذلك، فصح الأمر عند القاضي بذلك صحة أوجبت خطبته في ذلك اليوم على ما جرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة اثر صلاة الظهر، علم الناس فيها مناسكهم، ثم أعلمهم أن غدهم هو يوم الصعود الى منى، وهو يوم التروية، وأن وقفتهم يوم الجمعة، وأن الأثر الكريم فيها عن رسول الله، ﷺ ، بأنها تعدل سبعين وقفة، ففضل هذه الوقفة في الأعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الأيام. الصعود إلى عرفات فلما كان يوم الخميس بكر الناس بالصعود الى منى وتمادوا منها الى عرفات.

стр. 131

وكانت السنّة المبيت بها، لكن ترك الناس ذلك اضطرارا بسبب خوف بني شعبة المغيرين على الحجاج في طريقهم الى عرفات. وصدر عن هذا الأمير عثمان المتقدم ذكره في ذلك اجتهاد بل جهاد يرجى له به المغفرة لجميع خطاياه، ان شاء الله، وذلك أنه تقدم بجميع أصحابه شاكين في الأسلحة الى المضيق الذي بين مزدلفة وعرفات، وهو موضع ينحصر الطريق فيه بين جبلين فينحدر الشعبيون من أحدهما، وهو الذي عن يسار المار الى عرفات، فينتهبون الحاج انتهابا، فضرب هذا الامير قبة في ذلك المضيق بين الجبلين بعد أن قدم أحد أصحابه فصعد الى رأس الجبل بفرسه، وهو جبل كؤود، فعجبنا من شأنه، واكثر التعجب من أمر الفرس وكيف تمكن له الصعود الى ذلك المرتقى الصعب الذي لا يرتقيه ... فأمن جميع الحاج بمشاركة هذا الأمير لهم، فحصل على اجرين: أجر جهاد وحج، لأن تأمين وفد الله في مثل ذلك اليوم من أعظم الجهاد. واتصل صعود الناس ذلك اليوم كله والليلة كلها الى يوم الجمعة كله. فاجتمع بعرفات من البشر جمع لا يحصي عدده الا الله . ومزدلفة بين منى وعرفات، من منى اليها ما من مكة الى منى، وذلك نحو خمسة أميال، ومنها الى عرفات مثل ذلك أو أشفّ قليلا، وتسمى المشعر الحرام، وتسمى جمعا، فلها ثلاثة اسماء، وقبلها بنحو الميل وادي محسر، وجرت العادة بالهرولة فيه، وهو حد بين مزدلفة ومنى لأنه معترض بينهما. ومزدلفة بسيط من الارض فسيح بين جبلين وحوله مصانع وصهاريج كانت للماء في زمان زبيدة، رحمها الله. وفي وسط ذلك البسيط من الارض حلق في وسطه قبة في أعلاها مسجد يصعد اليه على أدراج من جهتين، يزدحم الناس في الصعود اليه والصلاة فيه عند مبيتهم بها. وعرفات أيضا بسيط من الأرض مد البصر، لو كان محشرا للخلائق لوسعهم، يحدق بذلك البسيط الافيح جبال كثيرة. جبل الرحمة وفي آخر ذلك البسيط جبل الرحمة، وفيه وحوله موقف الناس، والعلمان

стр. 132

قبله بنحو الميلين، فما أمام العلمين الى عرفات حل، وما دونهما حرم. وبمقربة منهما، مما يلي عرفات، بطن عرنة الذي أمر النبي، ﷺ ، بالارتفاع عنه في قوله، ﷺ : «عرفات كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة» ، فالواقف فيه لا يصح حجه، فيجب التحفظ من ذلك لان الجمالين عشية الوقفة ربما استحثوا كثيرا من الحاج وحذروهم الزحمة في النفر واستدرجوهم بالعلمين اللذين أمامهم الى أن يصلوا بهم بطن عرنة أو يجيزوه فيبطلوا على الناس حجهم. والمتحفظ لا ينفر من الموقف حتى يتمكن سقوط القرصة من الشمس. وجبل الرحمة المذكور منقطع عن الجبال قائم في وسط البسيط، وهو كله حجارة منقطعة بعضها عن بعض. وكان صعب المرتقى، فأحدث فيه جمال الدين المذكورة مآثره في هذا التقييد أدراجا وطيئة من أربع جهاته، يصعد فيها بالدواب المذكورة، وانفق فيها مالا عظيما. وفي أعلى الجبل قبة تنسب الى أمّ سلمة، ﵂، ولا يعرف صحة ذلك. وفي وسط القبة مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه. وحول ذلك المسجد المكرم سطح محدق به فسيح الساحة جميل المنظر، يشرف منه على بسيط عرفات. وفي جهة القبلة منه جدار، وقد نصبت فيه محاريب يصلي الناس فيها. وفي اسفل هذا الجبل المقدس، عن يسار المستقبل للقبلة فيه، دار عتيقة البنيان في أعلاها غرف لها طيقان تنسب الى آدم، ﷺ . وعن يسار هذه الدار في استقبال القبلة الصخرة التي كان عندها موقف النبي، ﷺ ، وهي في جبل متطامن. وحول جبل الرحمة والدار المكرّمة صهاريج للماء وجباب. وعن يسار الدار ايضا، على مقربة منها، مسجد صغير. وبمقربة من العلمين، عن يسار مستقبل القبلة، مسجد قديم فسيح البناء، بقي منه الجدار القبلي، ينسب الى ابراهيم، ﷺ ، فيه

стр. 133

يخطب الخطيب يوم الوقفة، ثم يجمع بين الظهر والعصر. وعن يسار العلمين أيضا، في استقبال القبلة، وادي الأراك، وهو أراك أخضر يمتد في ذلك البسيط مع البصر امتدادا طويلا. فتكامل جمع الناس بعرفات يوم الخميس وليلة الجمعة كلها. وفي نحو الثلث الباقي من ليلة الجمعة المذكورة وصل أمير الحاج العراقي فضرب أبنيته في البسيط الأفيح، مما يلي الجانب الأيمن من جبل الرحمة في استقبال القبلة. والقبلة في عرفات هي الى مغرب الشمس، لأن الكعبة المقدسة في تلك الجهة منها. فأصبح يوم الجمعة المذكورة في عرفات جمع لا شبيه له الا الحشر، لكنه ان شاء الله تعالى حشر للثواب، مبشر بالرحمة والمغفرة يوم الحشر للحساب؛ زعم المحققون من الأشياخ المجاورين انهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا احفل منه، ولا أرى كان من عهد الرشيد، الذي هو آخر من حج من الخلفاء، جمع في الاسلام مثله، جعله الله جمعا مرحوما معصوما بعزّته. فلما جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين، والى الله في الرحمة متضرعين، والتكبير قد علا، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رؤي يوم أكثر مدامع، ولا قلوبا خواشع، ولا اعناقا لهيبة الله خوانع خواضع من ذلك اليوم. فما زال الناس على تلك الحالة والشمس تلفح وجوههم الى أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب. وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجد الصغير المذكور. وأخذ السّرو اليمنيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات المتوارثة عن جدّ فجدّ من عهد النبي، ﷺ ، لا تتعدى قبيلة على منزل أخرى. قدوم الأمير العراقي وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله. وكذلك وصل

стр. 134

الامير العراقي في جمع لم يصل قط مثله، ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين، واحدتهن خاتون، ومن السيدات بنات الامراء كثير، ومن سائر العجم عدد لا يحصى، فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي، لأنه مذهب مالك، ﵁، يقتضي أن لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرصة ويحين وقت المغرب. ومن السرو اليمنيين من نفر قبل ذلك. فلما أن حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا ارتجت له الأرض ووجفت الجبال، فيا له موقفا ما أهون مرآه وأرجى في النفوس عقباه! جعلنا الله ممن خصه فيه برضاه، وتغمده بنعماه، إنه منعم كريم، حنان منان. وكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر، بهية العدة، رائقة المضارب والأبنية، عجيبة القباب والاروقة، على هيئات لم ير أبدع منها منظرا. فأعظمها مرأى مضرب الامير، وذلك أنه أحدق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة بستان أو زخرفة بنيان، وفي داخله القباب المضروبة، وهي كلها سواد في بياض، مرقشة ملونة كأنها أزاهير الرياض. وقد جللت صفحات ذلك السرادق من جوانبه الاربعة كلها اشكال ذرقية من ذلك السواد المنزّل في البياض يستشعر الناظر اليها مهابة يتخيلها درقا لمطية قد جللتها مزخرفات الاغشية. ولهذا السرادق الذي هو كالسور المضروب أبواب مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة، يدخل منها الى دهاليز وتعاريج ثم يفضى منها الى الفضاء الذي فيه القباب. وكأن هذا الامير ساكن في مدينة قد احدق بها سورها تنتقل بانتقاله وتنزل بنزوله، وهي من الابّهات الملوكية المعهودة التي لم يعهد مثلها عند ملوك المغرب. وداخل تلك الابواب حجاب الامير وخدمه وغاشيته، وهي أبواب مرتفعة، يجيء الفارس برايته فيدخل عليها دون تنكيس ولا تطأطؤ، قد احكمت اقامة ذلك كله أمراس وثيقة من الكتان تتصل بأوتاد مضروبة، أدير ذلك كله بتدبير

стр. 135

هندسي غريب. ولسائر الامراء الواصلين صحبة هذا الامير مضارب دون ذلك لكنها على تلك الصفة، وقباب بديعة المنظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المنصوبة، الى ما يطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الاحوال وعظيم الانخراق في المكاسب والاموال. ولهم أيضا في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم بديعة المنظر عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الاعواد يسمونها القشاوات، وهي كالتوابيت المجوفة، هي لركابها من الرجال والنساء كالامهدة للأطفال، تملأ بالفرش الوثيرة، ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهاد لين فسيح وبإزائه معادله أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الاخرى، والقبة مضروبة عليهما، فيسار بهما وهما نائمان لا يشعران، أو كيفما أحبا، فعندما يصلان الى المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين ان كانا من أهل الترفّه والنعم فيدخل بهما راكبين وينصب لهما كرسيّ ينزلان عليه، فينتقلان من ظل قبة المحمل الى قبة المنزل دون واسطة هواء يلحقهما ولا خطفة شمس تصيبهما. وناهيك من هذا الترفيه! فهؤلاء لا يلقون لسفرهم، وان بعدت شقته، نصبا، ولا يجدون على طول الحل والترحال تعبا. ودون هؤلاء في الراحة راكبوا المحارات، وهي شبيهة الشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب، لكن الشقادف أبسط وأوسع، وهذه أضمّ واضيق، وعليها أيضا ظلائل تقي حر الشمس. ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب. استيفاء حال النفر ثم يرجع القول الى استيفاء حال النفر عشية الوقفة المذكورة بعرفات، وذلك أن الناس نفروا منها بعد غروب الشمس، كما تقدم الذكر، فوصلوا مزدلفة مع

стр. 136

العشاء الآخرة، فجمعوا بها بين العشاءين، حسبما جرت به سنة النبي، ﷺ ، واتقد المشعر الحرام تلك الليلة كلها مشاعيل من الشمع المسرج، واما مسجده المذكور فعاد كله نورا، فيخيل للناظر اليه أن كواكب السماء كلها نزلت به. وعلى هذه الصفة كان جبل الرحمة ومسجده ليلة الجمعة؛ لأن هؤلاء الأعاجم الخراسانيين وسواهم من العراقيين أعظم الناس همّة في استجلاب هذا الشمع والاستكثار منه إضاءة لهذه المشاهد الكريمة. وعلى هذه الصفة عاد الحرم بهم مدة مقامهم فيه، فيدخل منهم كل انسان بشمعة في يده، وأكثر ما يقصدون بذلك حطيم الإمام الحنفي لأنهم على مذهبه. وشاهدنا منه شمعا عظيما أحضر منه، تنوء الشمعة منه بالعصبة كأنه السّرو، ووضع أمام الحنفي. فبات الناس بالمشعر الحرام هذه الليلة، وهي ليلة السبت، فلما صلوا الصبح غدوا منه الى منى بعد الوقوف والدعاء، لأن مزدلفة كلها موقف الى وادي محسّر، ففيه تقع الهرولة في التوجه الى منى حتى يخرج عنه. ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وهو المستحب، ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى، وكل ذلك واسع. فلما انتهى الناس الى منى بادروا لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم نحروا أو ذبحوا وحلوا من كل شيء الا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة. ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر. ثم توجه أكثر الناس لطواف الإفاضة، ومنهم من أقام الى اليوم الثاني، ومنهم من أقام الى اليوم الثالث، وهو يوم الانحدار الى مكة. فلمّا كان اليوم الثاني من يوم النحر، عند زوال الشمس، رمى الناس بالجمرة الأولى سبع حصيات، وبالجمرة الوسطى كذلك، وبهاتين الجمرتين يقفون للدعاء، وبجمرة العقبة كذلك ولا يقفون بها، اقتداء في ذلك كله بفعل النبي، ﷺ . فتعود جمرة العقبة في هذين اليومين أخيرة، وهي يوم النحر أولى منفردة لا يخلط معها سواها. وفي اليوم الثاني من يوم النحر، بعد رمي الجمرات، خطب الخطيب بمسجد الخيف، ثم جمع بين الظهر والعصر، وهذا الخطيب وصل مع الأمير العراقي

стр. 137

مقدما من عند الخليفة للخطبة والقضاء بمكة على ما يذكر، ويعرف بتاج الدين. وظاهر أمره البلادة والبله لأن خطبته أعربت عن ذلك، ولسانه لا يقيم الإعراب. الهبوط إلى مكة فلما كان اليوم الثالث تعجل الناس في الانحدار الى مكة بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين جمرة: سبع منها يوم النحر بالعقبة، وهي المحلة؛ ثم احدى وعشرون في اليوم الثاني، بعد زوال الشمس، سبعا سبعا في الجمرات الثلاث؛ وفي اليوم الثالث كذلك، ونفروا الى مكة؛ فمنهم من صلى العصر بالأبطح، ومنهم من صلّاها بالمسجد الحرام، ومنهم من تعجل فصلى الظهر بالأبطح. ومضت السنّة قديما بإقامة ثلاثة أيام، بعد يوم النحر بمنى، لإكمال رمي سبعين حصاة، فوقع التعجيل في هذا الزمان في اليومين كما قال الله ﵎: «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» ، وذلك مخافة بني شعبة وما يطرأ من حرّابة المكيين. وقد كانت في يوم الانحدار المذكور بين سودان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين جولة وهوشة وقعت فيها جراحات وسلت السيوف وفوقت القسي ورميت السهام وانتهب بعض أمتعة التجار، لأن منى في تلك الأيام الثلاثة سوق من أعظم الأسواق يباع فيها من الجوهر النفيس الى أدنى الخرز، الى غير ذلك من الأمتعة وسائر سلع الدنيا، لأنها مجتمع أهل الآفاق. فوقى الله شرّ تلك الفتنة بتسكينها سريعا. وكانت عين الكمال في تلك الوقفة الهنيئة، وكمل للناس حجّهم، والحمد لله رب العالمين. نقل كسوة الأمير العراقي للكعبة وفي يوم السبت، يوم النحر المذكور، سيقت كسوة الكعبة المقدّسة من محلة

стр. 138

الأمير العراقي الى مكة على أربعة جمال، تقدّمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السّوادية، والرايات على رأسه، والطبول تهر وراءه، وابن عمّ الشيبي محمد بن اسماعيل معها لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات اشتهرت عنه، والله يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدّامه بمنه. وهذا ابن العمّ المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالا، وقد تقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى. فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة. فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنا، في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح الموجه الى المقام الكريم حيث الباب المكرم، وهو وجهها المبارك، بعد البسملة: «ان أول بيت وضع للناس» الآية، وفي سائر الصفحات اسم الخليفة والدعاء له، وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضا. فكملت كسوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها. فلاح للناظرين منها أجمل منظر، كأنها عروس جليت في السندس الأخضر، أمتع الله بالنظر اليها كل مشتاق الى لقائها حريص على المثول بفنائها بمنه. يوم الأعاجم العراقيين في البيت الكريم وفي هذه الأيام يفتح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العراقيين والخراسانيين وسواهم من الواصلين مع الأمير العراقي. فظهر من تزاحمهم وتطارحهم على الباب الكريم ووصول بعضهم على بعض وسباحة بعضهم على رؤوس بعض كأنهم في غدير من الماء، أمر لم ير أهول منه، يؤدي الى تلهف المهج وكسر الاعضاء. وهم في خلال ذلك لا يبالون ولا يتوقفون، بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم، من فرط الطرب والارتياح، القاء الفراش بنفسه على المصباح. فعادت

стр. 139

أحوال السرو اليمنيين في دخولهم البيت المبارك على الصفة المتقدمة الذكر، حال تؤدة ووقار بالإضافة الى هؤلاء الاعاجم الاغتام، نفعهم الله بنياتهم، وقد فقد منهم في ذلك المزدحم الشديد من دنا أجله، والله يغفر للجميع. وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقد نضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمي بأنفاس الشوق وطيشه، والله ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته. وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك، اثر صلاة العتمة، نصب منبر الوعظ أمام المقام، فصعد واعظ خراساني حسن الشارة مليح الإشارة، يجمع بين اللسانين عربي وعجمي، فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان، فصيح المنطق، بارع الالفاظ، ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم اطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا. فلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي، فصعد اثر صلاة العتمة أيضا شيخ أبيض السبال، رائع الجلال، بارع التمام في الفضل والكمال، فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة، ثم تصرف في أساليب الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا، حرك بها القلوب حتى أطارها واورثها احتداما بالخشية بعد استعارها. وفي اثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ، فتحار له الالباب، ويملك كل نفس منه الإغراب والإعجاب، فكأنما هو وحي يوحى. وهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من القاء المسائل اليهم وافاضة شآبيب الامتحان عليهم من اعجب الامور المعربة عن غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم. وليست في فن واحد انما هي من فنون شتى. وربما قصد بها التعنيت والتنكيب فيأتون بالجواب كخطفة البرق وارتداد الطرف، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وبين أيدي هؤلاء الوعاظ قرّاء ينغمون بالقراءة فيأتون بألحان تكسب

стр. 140

الجماد طربا واريحيّة كأنها المزامير الداودية. فلا تدري من اي أحوال هذا المجتمع تعجب، والله يؤتي الحكمة من يشاء، لا اله سواه، وسمعت هذا الشيخ الواعظ يسند الحديث الى خمسة من اجداده: جدّ عن جدّ، نسقا مسلسلا من أبيه اليهم على اتصال، كلهم له لقب يدل على منزلته من العلم ومكانته من التذكير والوعظ، فهو معرق في الصنعة الشريفة، تليد المجد فيها. سوق المسجد الحرام وفي أيام الموسم كلها عاد المسجد الحرام، نزّهه الله وشرّفه، سوقا عظيمة يباع فيه من الدقيق الى العقيق، ومن البرّ الى الدر، الى غير ذلك من السلع. فكان مبيع الدقيق بدار الندوة الى جهة باب بني شيبة، ومعظم السوق في البلاط الآخذ من الغرب الى الشمال، وفي البلاط الآخذ من الشمال الى الشرق، وفي ذلك من النهي الشرعي ما هو معلوم، والله غالب على أمره، لا اله سواه. يوم الرحيل وفي عشيّ يوم الأحد الموفي عشرين من الشهر المذكور، وهو أول أبريل، كان مسيرنا الى محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو الميلين من البلد، وقد كمل اكتراؤنا الى الموصل، وهو أمام بغداد بعشرة أيام، عرّفنا الله الخير والخيرة بمنه، فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق، ونعيد وداعه. فلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة المذكور، أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية اميال من الموضع الذي اقلعت منه بمقربة من بطن مرة، والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه. فكانت مدة مقامنا بمكة، قدّسها الله، من يوم وصولنا اليها، وهو يوم

стр. 141

الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، الى اقلاعنا من الزاهر، وهو يوم الخميس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة، ثمانية أشهر وثلث شهر، التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مئتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يوما سعيدات مباركات، جعلها الله لذاته، وجعل القبول لها موافقا لمرضاته، بمنّه، غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر، ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة، قبل يوم الخميس يوم اقلاعنا من الزاهر، والله لا يجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه. ثم أقلعنا من ذلك الموضع اثر صلاة الظهر من يوم الخميس، الى بطن مر، وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية. وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرة وعيون، ومنه تجلب الفواكه الى مكة، حرسها الله، فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب، وذلك أن الملكة خاتون بنت الأمير مسعود ملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم، وهي احدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج، مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمنين، الموجه كل عام من قبل الخليفة، وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد، وخاتون هذه اعظم الخواتين قدرا، بسبب سعة مملكة أبيها. والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مرّ ليلة الجمعة الى مكة في خاصة من خدمها وحشمها، فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور، فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف، وأقام بالناس منتظرا لها. فوصلت عتمة يوم السبت، وأجليت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون، وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون، فمنهم من يقول: انها انصرفت أنفة لبعض ما انتقدته على الأمير، ومنهم من قال: ان نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها الى المثابة المكرمة، ولا يعلم الغيب الا الله. وكيفما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها، وأطلق سبيل الحاج، ولله الحمد على ذلك. وابو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود، كما ذكرناه، وهو في بسطة من

стр. 142

ملكه واتساع من امرته، على ما حقق عندنا، أكثر من مئة الف فارس، وصهره عليها نور الدين صاحب آمد وما سواها؛ ويركب له أيضا نحو اثني عشر الف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج: منها سقي الماء للسبيل، عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة، ومثلها للزاد، واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المئة بعير. وأمورها يطول وصفها، وسنها نحو خمسة وعشرين عاما. ولخاتون الثانية، أم عز الدين صاحب الموصل، زوج قطب الدين بن اتابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام، ﵀، ولهذه أفعال كثيرة من البر. وخاتون الثالثة ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلاد خراسان، وهي أيضا كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في افعال البر. وشأنهن جمع عجيب جدا فيما هن بسبيله من الخيل والاحتفال في الأبهة الملوكية. ثم اقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان، ثم اسرينا اليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد. وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبار معينة تنسب لعثمان، ﵁، وشجر المقل فيها كثير، وبها حصن عتيق البنيان، ذو أبراج مشيدة غير معمور، قد أثر فيه القدم، وأوهته قلة العمارة ولزوم الخراب. فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين. فلما كان اثر صلاة الظهر أقلعنا الى خليص، فوصلناها عشيّ النهار. وهي أيضا في بسيط من الارض، كثيرة حدائق النخل، لها جبل فيه حصن مشيد في قنته. وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب. وبها عين فوارة قد احدثت لها اخاديد في الارض مسربة يستقى منها على أفواه كالآبار، يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط المتصل، والله يغيث بلاده وعباده. واصبح الناس بها مقيمين يوم الاثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء. وبهذه المحلة العراقية ومن انضاف اليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات

стр. 143

الآفاق من الواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لا يحصي عدده الا الله تعالى، يغص بهم البسيط الأفيح، ويضيق عنهم المهمه الصحصاح، فترى الأرض تميد بهم ميدا، وتموج بجميعهم موجا، فتبصر منهم بحرا طامي العباب، ماؤه السراب، وسفنه الركاب، وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب، تسير سير السحب المتراكمة، يتداخل بعضها على بعض، ويضرب بعضها جوانب بعض. فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع، واصطكاكا نبع المحارات فيه بعضه ببعض مقروع، فمن لم يشاهد هذا السفر العراقي لم يشاهد من أعاجيب الزمان ما يحدث به ويتحف السامع بغرابته، والقدرة والقوة لله وحده، وحسبك ان النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشودا في جملة الضوّال، وربما اضطرته الحال الى الوصول الى مضرب الأمير ورفع مسألته اليه، فيأمر أحد المنشدين ببريحه والهاتفين بأوامره ممن قد أعد لذلك ان يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة، وهو قد ذكر له اسمه، واسم جمّاله، واسم البلد الذي هو منه، فيرفع عقيرته بذلك معرّفا بهذا الضال ومناديا باسم الجمال وبلده، الى أن يقع عليه، فيؤديه اليه. ولو لم يفعل ذلك لكان آخر عهده بصاحبه الا أن يلتقطه التقاطا أو يقع عليه اتفاقا. فهذا من بعض عجائب شؤون هذه المحلة، وعجائبها أكثر من أن يحيط بها الوصف. ولأهلها من قوة الجدة واليسار ما يعينهم على ما هم بسبيله، والملك بيد الله يؤتيه من يشاء. ولهؤلاء النسوة الخواتين في كل عام، إذا لم يحججن بأنفسهن، نواضح مسبلة مع الحاج يرسلنها مع ثقات يسقون أبناء السبيل في المواضع المعروف فيها الماء، وفي الطريق كله، وبعرفات، وبالمسجد الحرام، في كل يوم وليلة، فلهن في ذلك أجر عظيم، وما التوفيق الا بالله ﷻ . فتسمع المنادي على النواضح يرفع صوته بالماء للسبيل، فيهطع اليه المرملون من الزاد والماء بقربهم وأباريقهم فيملأونها، ويقول المنادي في اشادته بصوته: أبقى الله الملكة خاتون، ابنة الملك الذي من أمره كذا، ومن شأنه كذا. ويحليه بحلاه، إعلانا باسمها،

стр. 144

واظهارا لفعلها، واستجلابا للدعاء لها من الناس، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وقد تقدم تفسير هذه اللفظة خاتون، وأنها عندهم بمنزلة السيدة أو ما يليق بهذا اللفظ الملوكي النسائي. ومن عجيب هذه المحلة أيضا، على عظمها وكبرها، وكونها وجود دنيا بأسرها، أنها اذا حطت رحالها، ونزلت منزلها، ثم ضرب الأمير طبله للإنذار بالرحيل، ويسمونه الكوس، لم يكن بين استقلال الرواحل بأوقارها ورحالها وركابها الا كلا ولا، فلا يكاد يفرغ الناقر من الضربة الثالثة الا والركائب قد أخذت سبيلها. كل ذلك من قوة الاستعداد، وشدة الاستظهار على الأسفار، والحول والقوة لله وحده، لا اله سواه. واسراؤها بالليل بمشاعيل موقدة يمسكها الرجالة بأيديهم، فلا تبصر قشاوة من القشاوات الا وأمامها مشعل، فالناس يسيرون منها بين كواكب سيارة توضح غسق الظلماء، وتباهي بها الأرض أنجم السماء. والمرافق الصناعية وغيرها من المصالح الدينية والمنافع الحيوانية كلها موجودة بهذه المحلة غير معدومة، ووصفها يطول، والأخبار عنها لا تنحصر. فلما كان ظهر يوم الاثنين اثر الصلاة أقلعنا من خليص مرتحلين، وتمادى سيرنا الى العشاء الآخرة، ثم نزلنا ونمنا نومة خفيفة، ثم ضرب الكوس فأقلعنا وأسرينا الى ضحى من النهار، ثم نزلنا مريحين الى أول الظهر من يوم الثلاثاء، ثم أقلعنا من منزلنا ذلك الى واد يعرف بوادي السمك، اسم يكاد يكون واقعا على غير مسمى، فنزلناه مع العشاء الآخرة، وأصبحنا به مقيمين يوم الأربعاء لتجديد حمل الماء، وهو بهذا الوادي في مستنقعات، وربما حفر عليه في الرمل، فأقلعنا منه أول ظهر يوم الأربعاء المذكور، ثم أجزنا مع الليل عقبة محجرة كؤودا ذهب فيها من الجمال كثير. ونزلنا في بسيط من الأرض، ونمنا الى نصف الليل، ثم رحلنا في مهمه افيح بسيط ممتد مد البصر، ورمله منثالة، فمشت الجمال فيها دون مقطرة لانفساح طريقها.

стр. 145

ثم نزلنا مريحين قائلين يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة، وبيننا وبين بدر مقدار مرحلتين، فلما كان أول الظهر رحلنا الى مقربة من بدر فنزلنا بائتين. ثم قمنا قبل نصف الليل فوصلنا بدرا وقد ارتفع النهار. وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة، وبها حصن في ربوة مرتفعة، ويدخل اليها على بطن واد بين جبال. وببدر عين فوارة، وموضع القليب الذي كان بإزائه الوقعة الاسلامية التي أعزت الدين وأذلت المشركين، هو اليوم نخيل، وموضع الشهداء خلفه، وجبل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل منها الى الصفراء، وبإزائه جبل الطبول، وهو شبيه كثيب رمل ممتد. وهذه التسمية لإشاعة لهج بها أكثر المسلمين، وذلك أنهم يزعمون أن أصوات الطبول تسمع بها كل يوم جمعة، كأنها آثار انذارات باقية بما سلف من النصر النبوي في ذلك الموضع، والله أعلم بغيبه. وموضع عريش النبي، ﷺ ، يتصل بسفح؟؟؟ جبل الطبول المذكور، وموضع الوقيعة أمامه. وعند نخيل القليب مسجد، يقال: انه مبرك ناقة النبي، ﷺ . وصح عندنا، على زعم أحد الأعراب الساكنين ببدر، أنهم يسمعون أصوات الطبول بالجبل المذكور، لكن عين لذلك كل يوم اثنين ويوم خميس. فعجبنا من زعمه كل العجب ولا يعلم حقيقة ذلك الا الله تعالى. وبين بدر والصفراء بريد، والطريق اليها في واد بين جبال تتصل بها حدائق النخيل، والعيون فيها كثيرة، وهو طريق حسن. وبالصفراء حصن مشيد، ويتصل به حصون كثيرة: منها حصنان يعرفان بالتوأمين، وحصن يعرف بالحسنية، وآخر يعرف بالجديد، الى حصون كثيرة، وقرى متصلة. شهر محرم سنة ثمانين وخمس مئة استهل هلاله ليلة السبت بموافقة الرابع عشر لشهر أبريل ونحن مقلعون من
следующие страницы →