Полный текст (281 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
باب صغير بإزاء بني شيبة شبه خوخة الأبواب: لا اسم له، وقيل: انه يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط الصوفية.
باب صغير لدار العجلة: محدث.
باب السّدّة: واحد.
باب العمرة: واحد.
باب حزورة: على بابين.
باب ابراهيم، ﷺ : واحد.
باب ينسب لحزورة أيضا: على بابين.
باب جياد الأكبر: على بابين.
باب جياد الأكبر أيضا: على بابين.
باب ينسب لجياد أيضا: على بابين. ومنهم من ينسب البابين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية الى الدقّاقين، والروايات فيها تختلف، لكنّا اجتهدنا في اثبات الاقرب من اسمائها الى الصحة، والله المستعان لا رب سواه.
وباب ابراهيم، ﷺ ، هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناسي الفقيه الذي كان إمام المالكية في الحرم، ﵀. وفيها ايضا غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الآخذ من الغرب الى الجنوب وخارجة عنه. وبازاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير اشكال الصوامع المذكورة. فيها تخاريم في الجص، مستطيلة الشكل كأنها محاريب، قد حفّت بها قرنصة غريبة الصنعة.
وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقرب من الصومعة ارتفاعها، قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف. وظاهرها ايضا تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قد تركبت دائرة على دائرة. وفحل الصومعة المذكورة على أرجل من الجص مفتّح ما بين كل رجل ورجل. وخارج
стр. 72
باب ابراهيم بئر تنسب اليه، ﵇.
وانما بدىء بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب، وهو الذي يخرج عليه الى السعي.
وكل وافد الى مكة، شرّفها الله، يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعا ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين الاسطوانتين اللتين أمر المهديّ، ﵀، بإقامتهما علما لطريق رسول الله، ﷺ ، الى الصفا، حسبما تقدّم ذكره. وبين الركن اليماني ست واربعون خطوة، ومنهما الى باب الصفا ثلاثون خطوة. ومن باب الصفا الى الصفا ستّ وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجا، وهو على ثلاثة أقواس مشرّفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت به الديار، وفي سعته سبع عشرة خطوة.
وبين الصفا والميل الأخضر ما يأتي ذكره. والميل سارية خضراء، وهي خضرة صباغية. وهي التي الى ركن الصومعة التي على الرّكن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل الى المروة وعن يسار الساعي اليها. ومنها يرمل في السعي الى الميلين الأخضرين، وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة، الواحدة منها بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب، والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الامير مكثر. وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج ألفيت فيه منقوشا برسم مذهب: «ان الصفا والمروة من شعائر الله» ... الآية. وبعدها «أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، أعزّ الله نصره، في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة» . وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة، وهي مسافة الرمل جائيا وذاهبا من الميل الى الميلين. ثم من الميلين الى الميل ومن الميلين الى المروة ثلاث مئة وخمس وعشرون خطوة. فجميع خطا الساعي من الصفا الى المروة أربع مئة خطوة وثلاث وتسعون خطوة.
وادراج المروة خمسة، وهي بقوس واحد كبير، وسعتها سعة الصفا سبع
стр. 73
عشر خطوة. وما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية، والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام، وحوانيت الباعة يمينا وشمالا، وما للبلدة سوق منتظمة سواها الا البزازين والعطارين، فهم عند باب بني شيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكاد تتصل بها.
وعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس، وهو في الجهة الشرقية، يقابل ركن الحجر الأسود، وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة، ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في اخبار مكة لأبي الوليد الأزرقيّ أنه اول جبل خلقه الله ، وفيه استودع الحجر زمن الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أدى الحجر الى ابراهيم، ﷺ ، وفيه قبر آدم، صلوات الله عليه، وهو أحد أخشبي مكة، والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا الى جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك. وفيه موضع موقف النبي، ﷺ ، عند انشقاق القمر له بقدرة الله . وناهيك بهذه الفضيلة والبركة! والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته، لا اله سواه.
وفي أعلاه آثار بناء جص مشيّد كان اتخذه معقلا أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور، فهدمه عليه أمير الحاج العراقي لمخالفة صدرت عنه، فغادره خرابا.
وألفيت منقوشا على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية الواحدة من اللتين أقيمتا عاما لطريق النبيّ، ﷺ ، الى الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: «أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله تعالى، بتوسعة المسجد الحرام مما يلي باب الصفا، لتكون الكعبة في وسط المسجد، في سنة سبع وستين ومئة» . فدلّ ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد، وكان يظن بها الانحراف الى جهة باب الصفا، فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل،
стр. 74
فوجدنا الأمر صحيحا حسبما تضمّنه رسم السارية.
وتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضا: «امر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة الباب الاوسط، الذي بين هاتين الأسطوانتين، وهو طريق رسول الله، ﷺ ، الى الصفا» .
وفي أعلى السارية التي تليها منقوش أيضا: «أمر عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين، أصلحه الله، بصرف الوادي الى مجراه على عهد أبيه ابراهيم، ﷺ ، وتوسعته بالرحاب التي حول المسجد الحرام الحاجّ بيت الله وعمّاره» . وتحتها أيضا منقوش ما تحت الأول من ذكر توسعة الباب الأوسط.
والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم، ﷺ ، ومجرا على باب الصفا المذكور، وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم، فكان مدة مدّه بالامطار يطاف حول الكعبة سبحا، فأمر المهدي، ﵀، برفع موضع في أعلى البلد يسمّى رأس الرّدم، فمتى جاء السيل عرّج عن ذلك الردم الى مجراه واستمر على باب ابراهيم الى الموضع الذي يسمّى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجري الماء فيه الّا عند نزول ديم المطر الكثير. وهو الوادي الذي عنى، ﷺ ، بقوله حيث حكى الله ﵎ عنه: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ»
، فسبحان من أبقى له الآيات البيّنات.
ذكر مكة المكرمة واثارها
هي بلدة قد وضعها الله بين جبال محدقة بها، وهي بطن واد مقدس، كبيرة مستطيلة، تسع من الخلائق ما لا يحصيه إلا الله .
ولها ثلاثة أبواب: أولها باب المعلى، ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون. وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية
стр. 75
عليها علم شبيه البرج، يخرج منها إلى طريق العمرة، وتلك الثنية تعرف بكداء، وهي التي عنى حسان بقوله في شعره:
تثير النّقع موعدها كداء فقال النبي، ﷺ ، يوم الفتح: ادخلوا من حيث قال حسان. فدخلوا من تلك الثنية. وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي بقوله:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بل نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
وبالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين قد دثرت مشاهدهم المباركة وذهبت عن أهل البلد أسماؤهم. وفيه الموضع الذي صلب فيه الحجاج بن يوسف، جازاه الله، جثة عبد الله بن الزبير، ﵄. وعلى الموضع بقية علم ظاهر إلى اليوم، وكان عليه مبنى مرتفع، فهدمه أهل الطائف غيرة منهم على ما كان يجدد من لعنة صاحبهم الحجاج المذكور. وعن يمينك، إذا استقبلت الجبانة المذكورة، مسجد في مسيل بين جبلين، يقال إنه المسجد الذي بايعت فيه الجن النبي، ﷺ وشرف وكرم.
وعلى هذا الباب المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود إلى عرفات، جعلنا الله ممن يفوز بالموقف فيها. وهذا الباب المذكور بين الشرق والشمال، وهو إلى المشرق أميل.
ثم باب المسفل: وهو إلى جهة الجنوب، وعليه طريق اليمن، ومنه كان دخول خالد بن الوليد، ﵁، يوم الفتح.
ثم باب الزاهر: ويعرف أيضا بباب العمرة، وهو غربي، وعليه
стр. 76
طريق مدينة الرسول، ﷺ ، وطريق الشام وطريق جده، ومنه يتوجه إلى التنعيم، وهو أقرب ميقات المعتمرين، يخرج من الحرم إليه على باب العمرة، ولذلك أيضا يسمى هو بهذا الاسم.
والتنعيم من البلدة على فرسخ، وهو طريق حسن فسيح، فيه الآبار العذبة التي تسمى بالشبيكة.
وعندما تخرج من البلدة بنحو ميل تلقى مسجدا بإزائه حجر موضوع على الطريق كالمصطبة يعلوه حجر آخر مسند فيه نقش دائر الرسم يقال إنه الموضع الذي قعد فيه النبي، ﷺ ، مستريحا عند مجيئه من العمرة.
فيتبرك الناس بتقبيله ومسح الخدود فيه، وحق ذلك لهم، ويستندون إليه لتنال اجسامهم بركة لمسه. ثم بعد هذا الموضع بمقدار غلوة تلقى على قارعة الطريق، من جهة اليسار للمتوجه إلى العمرة، قبرين قد علتهما أكوام من الصخر عظام، يقال إنهما قبرا أبي لهب وامرأته، لعنهما الله، فما زال الناس في القديم إلى هلم جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك جبلان عظيمان.
ثم تسير منها بمقدار ميل وتلقى الزاهر، وهو مبتنى على جانبي الطريق، يحتوي على دار وبساتين، والجميع ملك أحد المكيين، وقد أحدث في المكان مطاهر وسقاية للمعتمرين. وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصف عليه كيزان الماء ومراكن مملؤة للوضوء، وهي القصاري الصغار.
وفي الموضع بئر عذبة يملأ منها المطاهر المذكورة فيجد المعتمرون فيها مرفقا كبيرا للطهور والوضوء والشرب. فصاحبها على سبيل معمورة بالاجر والثواب.
وكثير من الناس المتاجرين من يعينه على ما هو بسبيله. وقيل: ان له من ذلك فائدا كبيرا.
وعن جانبي الطريق في هذا الموضع جبال أربعة: جبلان من هنا، وجبلان من هنا، عليها اعلام من الحجارة، وذكر لنا أنها الجبال المباركة التي جعل
стр. 77
ابراهيم، ﵇، عليها أجزاء الطير ثم دعاهن حسبما حكى الله، ، سؤاله إياه جل وتعالى أن يريه كيف يحيي الموتى. وحول تلك الجبال الأربعة جبال غيرها، وقيل: ان التي جعل ابراهيم عليها الطير سبعة منها، والله أعلم.
وعند إجازتك الزاهر المذكور تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي ذكر أن النبي، ﷺ ، نزل فيه عند دخوله مكة، وكان ابن عمر، ﵄، يغتسل فيه وحينئذ يدخلها. وحوله آبار تعرف بالشبيكة، وفيه مسجد يقال انه مسجد ابراهيم، ﵇، فتأمل بركة هذا الطريق ومجموع الآيات التي فيه والآثار المقدسة التي اكتنفته.
وتجيز الوادي الى مضيق تخرج منه الى الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل والحرام، فما داخلها الى مكة حرم وما خارجها حل، وهي كالأبراج مصفوفة كبار وصغار واحد بازاء آخر، وعلى مقربة منه تأخذ من أعلى الجبل الذي يعترض عن يمين الطريق في التوجه الى العمرة، وتشق الطريق الى أعلى الجبل عن يساره، ومنه ميقات المعتمرين، وفيها مساجد مبنية بالحجارة يصلي المعتمرون فيها ويحرمون منها.
ومسجد عائشة، ﵂، خارج هذه الأعلام بمقدار غلوتين، واليه يصل المالكيون ومنه يحرمون. وأما الشافعيون فيحرمون من المساجد التي حول الأعلام المذكورة. وامام مسجد عائشة، ﵂، مسجد ينسب لعلي بن أبي طالب، ﵁.
ومن عجيب ما عرض علينا بباب بني شيبة المذكور عتب من الحجارة العظام طوال كأنها مصاطب صفت أمام الأبواب الثلاثة المنسوبة لبني شيبة، ذكر لنا أنها الأصنام التي كانت قريش تعبدها في جاهليتها، وكبيرها هبل بينها، قد كبت على وجوهها، تطؤها الأقدام وتمتهنها بأنعلتها العوام، ولم تغن عن أنفسها فضلا عن عابديها شيئا، فسبحان المنفرد بالوحدانية لا اله سواه. والصحيح في أمر تلك الحجارة أن النبي، ﷺ .
стр. 78
أمر يوم فتح مكة بكسر الأصنام واحراقها. وهذا الذي نقل الينا غير صحيح وانما تلك التي على الباب حجارة منقولة وعني القوم بتشبيهها الى الأصنام لعظمها.
ومن جبال مكة المشهورة، بعد جبل أبي قبيس، جبل حراء، وهو في الشرق على مقدار فرسخ أو نحوه مشرف على منى، وهو مرتفع في الهواء عالي القنة، وهو جبل مبارك، كان النبي، ﷺ ، كثيرا ما ينتابه ويتعبد فيه، واهتز تحته فقال له النبي، ﷺ : «اسكن حراء، فيما عليك الا نبي وصديق وشهيد» ، وكان معه أبو بكر وعمر، ﵄. ويروى: «أثبت فما عليك الا نبي وصديق وشهيدان» ، وكان عثمان، ﵁، معهم، واول آية نزلت من القرآن على النبي، ﷺ ، في الجبل المذكور وهو آخذ من الغرب الى الشمال، ووراء طرفه الشمالي جبانة الحجون التي تقدم ذكرها. وسور مكة انما كان من جهة المعلى وهو مدخل الى البلد، ومن جهة المسفل وهو مدخل ايضا اليه.
ومن جهة باب العمرة وسائر الجوانب جبال لا يحتاج معها الى سور. وسورها اليوم منهدم الا آثاره الباقية وأبوابه القائمة.
بعض مشاهدها
مكة، شرفها الله، كلها مشهد كريم، كفاها شرفا ما خصها الله به من مثابة بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخليل ابراهيم وانها حرم الله وأمنه، وكفاها أنها منشأ النبي، ﷺ ، الذي آثره الله بالتشريف والتكريم وابتعثه بالآيات والذكر الحكيم، فهي مبدأ نزول الوحي والتنزيل وأول مهبط الروح الأمين جبريل، وكانت مثابة أنبياء الله ورسله الاكرمين، وهي أيضا مسقط رؤوس جماعة من الصحابة القرشيين المهاجرين الذين جعلهم الله مصابيح الدين ونجوما للمهتدين.
فمن مشاهدها التي عايناها قبة الوحي، وهي في دار خديجة أم المؤمنين، ﵂، وبها كان ابتناء النبي، ﷺ ، بها، وقبة صغيرة
стр. 79
أيضا في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء، ﵂، وفيها أيضا ولدت سيّدي شباب أهل الجنة: الحسن والحسين، ﵄، وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها.
ومن مشاهدها الكريمة أيضا مولد النبي، ﷺ ، والتربة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الظاهر، بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه، أكثره ذهب منزل به. والموضع المقدس الذي سقط فيه، ﷺ ، ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة. فيا لها تربة شرفها الله بأن جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام وسلم تسليما.
يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الاثنين منه، لأنه كان شهر مولد النبي، ﷺ ، وفي اليوم المذكور ولد، ﷺ ، وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها. وهو يوم مشهود بمكة دائما.
ومن مشاهدها الكريمة أيضا دار الخيزران، وهي الدار التي كان النبي، ﷺ ، يعبد الله فيها سرا مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه، ﵃، حتى نشر الله الإسلام منها على يدي الفاروق عمر ابن الخطاب، ﵁، وكفى بهذه الفضيلة.
ومن مشاهدها أيضا دار أبي بكر الصديق، ﵁، وهي اليوم دارسة الأثر، ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه، يقال:
إنه كان يسلم على النبي، ﷺ ، متى اجتاز عليه. وذكر انه جاء يوما، ﷺ ، الى دار ابي بكر، ﵁ فنادى به ولم يكن حاضرا فأنطق الله الحجر المزكور، وقال: يا رسول الله ليس بحاضر. وكانت احدى آياته المعجزات، ﷺ .
ومن مشاهدها قبة بين الصفا والمروة تنسب لعمر بن الخطاب، ﵁، وفي وسطها بئر يقال انه كان يجلس فيها للحكم، ﵁.
стр. 80
والصحيح في هذه القبة انها قبة حفيده عمر بن عبد العزيز، ﵁، وبإزاء داره المنسوبة اليه، وفيها كان يجلس للحكم ايام توليه مكة. كذلك حكى لنا أحد أشياخنا الموثوقين. ويقال ان البئر كانت في القديم فيها، ولا بئر فيها الآن لانا دخلناها فالفيناها مسطحة، وهي حفيلة الصنعة.
وكانت بمقربة من الدار التي نزلنا فيها دار جعفر بن أبي طالب، ﵁، ذي الجناحين.
وبجهة المسفل، وهو آخر البلد، مسجد منسوب لأبي بكر الصديق، ﵁، يحف به بستان حسن فيه النخيل والرمان وشجر العناب، وعاينا فيه شجر الحناء. وأمام المسجد بيت صغير فيه محراب، يقال: انه كان مختبأ له، ﵁، من المشركين الطالبين له.
وعلى مقربة من دار خديجة، ﵂، المذكورة، وفي الزقاق الذي الدار المكرمة فيه مصطبة فيها متكأ يقصد الناس اليها ويصلون فيها ويتمسحون بأركانها، لأن في موضعها كان موضع قعود النبي، ﷺ .
ومن الجبال التي فيها أثر كريم ومشهد عظيم الجبل المعروف بأبي ثور، وهو في الجهة اليمنية من مكة على مقدار فرسخ او ازيد. وفيه الغار الذي آوى اليه النبي، ﷺ ، مع صاحبه الصديق، ﵁، حسبما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز. وقرأت في كتاب أخبار مكة لابي الوليد الازرقي:
إن الجبل نادى النبي، ﷺ ، فقال: الي يا محمد! الي يا محمد! فقد آويت قبلك نبيا. وخص الله، ، نبيه فيه بايات فمنها أنه، ﷺ ، دخل مع صاحبه على شق فيه ثلثا شبر وطوله ذراع، فلما اطمأنّا فيه، أمر الله العنكبوت فأتخذت عليه بيتا، والحمام فصنعت عليه عشا وفرخت فيه. فانتهى المشركون اليه بدليل قصّاص للأثر مستاف أخلاق الطريق، فوقف لهم على الغار وقال: ههنا انقطع الاثر، فاما صعد بصاحبكم من ههنا الى السماء أو غيض به في الارض. ورأوا العنكبوت ناسجة على فم
стр. 81
الغار والحمام مفرخة فيه، فقالوا: ما دخل هنا أحد. فأخذوا في الانصراف.
فقال الصديق، ﵁. يا رسول الله! لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال رسول الله، ﷺ : لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك، وأشار بيده المباركة الى الجانب الآخر من الغار، ولم يكن فيه شق، فانفتح للحين فيه باب، بقدرة الله ، وهو سبحانه قدير على ما يشاء.
وأكثر الناس ينتابون هذا الغار المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي احدث الله فيه، ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي، ﷺ ، منه تبركا به. فيمتد المحاول لذلك على الارض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولا ثم يعالج ادخال سائر جسده. فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة بدنه، ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر فينشب ويلاقي مشقة وصعوبة، حتى يتناول بالجذاب العنيف من ورائه.
فالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب، ولا سيما ويتصل به سبب آخر مخجل فاضح، وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويمتسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة «١» . جرى هذا الخبر على السنتهم حتى عاد عندهم قطعا على صحته لا يشكون. فبحسب المنتشب فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل، زائدا الى ما يكابده بدنه من اللز في ذلك المضيق واشرافه منه على المنية توجعا وانقطاع نفس وبرح ألم. فالبعض من الناس يقولون في مثل: ليس يصعد جبل أبي ثور الاثور.
وعلى مقربة من هذا الغار في الجبل بعينه عمود منقطع من الجبل، قد قام شبه الذراع المرتفعة بمقدار شبه القامة، وانبسط له في أعلاه شبه الكف، خارجا عن الذراع، كأنه القبة المبسوطة، بقدرة الله ، يستظل تحتها نحو
стр. 82
العشرين رجلا، وتسمى قبة جبريل، ﷺ .
ومما يجب أن يثبت ويؤثر، لبركة معاينته وفضل مشاهدته: أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى، وهو التاسع من شتنبر، أنشأ الله بحرية فتشاءمت فانهلت عينا غديقة، كما قال رسول الله، ﷺ ، وذلك أثر صلاة العصر ومع العشي من اليوم المذكور، فجاءت بمطر جود. وتبادر الناس الى الحجر فوقفوا تحت الميزاب المبارك متجردين عن ثيابهم، يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برءوسهم وأيديهم وأفواههم مزدحمين عليه ازدحاما عظيما، أحدث ضوضاء عظيمة، كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة الله نصيبا، ودعاؤهم قد علا، ودموع أهل الخشوع منهم تسيل، فلا تسمع الا ضجيج دعاء، أو نشيج بكاء. والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع، وقلوب خواشع، يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به.
وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج اليهن ويعصره في أيدي البعض منهن، فيتلقينه شربا ومسحا على الوجوه والأبدان.
وتمادت تلك السحابة المباركة الى قريب المغرب، وتمادى الناس على تلك الحال من الازدحام على تلقي ماء الميزاب بالايدي والوجوه والافواه، وربما رفعوا الاواني ليقع فيها. فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه ولما اقترن بها من القرائن المباركة، فمنها: أنها كانت عشية الجمعة وفضل اليوم فضله، والدعاء فيها يرجى من الله تعالى قبوله، لما ورد فيها من الأثر الصحيح، وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر. وقد وقف الناس تحت الميزاب، وهو من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وطهرت أبدانهم رحمة الله النازلة من سمائه الى سطح بيته العتيق الذي هو حيال البيت المعمور، وكفى بهذا المجتمع الكريم والمنتظم الشريف، جعلنا الله ممن طهر فيه من أرجاس الذنوب، واختص من رحمة الله تعالى
стр. 83
بذنوب، ورحمته سبحانه واسعة تسع عباده المذنبين، انه غفور رحيم.
وذكروا أن الامام أبا حامد الغزالي دعا الله بدعوات، وهو في حرمه الكريم، في رغبات رفعها الى الله جل وتعالى، فأعطي بعضا ومنع بعضا. وكان مما منع نزول المطر وقت مقامه بمكة، وكان تمنى أن يغتسل به تحت الميزاب ويدعو الله عند بيته الكريم في الساعة التي أبواب سمائه فيها مفتوحة فمنع ذلك واجيب دعاؤه في سائر ما سأله. فله الحمد وله الشكر على ما أنعم به علينا. ولعل عبدا من عباده الصالحين الوافدين على بيته الكريم خصه الله بهذه الكرامة، فدخلنا، جميع المذنبين، في شفاعته، والله ينفعنا بدعاء المخلصين من عباده ولا تجعلنا ممن شقي بدعائه، إنه منعم كبير.
ما خص الله تعالى به مكة
هذه البلدة المباركة سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الإبراهيمية، وذلك أن الله يقول حاكيا عن خليله، ﷺ : «فأجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم، وارزقهم من الثمرات، لعلهم يشكرون» ، وقال : «أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ»
. فبرهان ذلك فيها ظاهر متصل إلى يوم القيامة، وذلك أن أفئدة الناس تهوي اليها من الاصقاع النائية والاقطار الشاحطة. فالطريق اليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة. والثمرات تجبى اليها من كل مكان، فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر.
ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب، فيباع فيها في يوم واحد، فضلا عما يتبعه، من الذخائر النفيسة كالجواهر، والياقوت، وسائر الأحجار، ومن انواع الطيب: كالمسك، والكافور، والعنبر والعود؛ والعقاقير الهندية، إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة، الى الامتعة العراقية واليمانية، الى غير ذلك من السلع الخراسانية، والبضائع
стр. 84
المغربية، الى مالا ينحصر ولا ينضبط، ما لو فرق على البلاد كلها لأقام لها الأسواق النافقة ولعم جميعها بالمنفعة التجارية، كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم، حاشا ما يطرأ بها من طول الأيام من اليمن وسواها فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة من الذخائر الا وهي موجودة فيها مدة الموسم.
فهذه بركة لا خفاء بها وآية من آياتها التي خصها الله بها.
وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات فكنا نظن أن الاندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد حتى حللنا بهذه البلاد المباركة فألفيناها تغص بالنعم والفواكه: كالتين، والعنب، والرمان، والسفرجل، والخوخ، والاترج، والجوز، والمقل، والبطيخ، والقثاء، والخيار، الى جميع البقول كلها: كالباذنجان، واليقطين، والسلجم، والجزر، والكرنب، الى سائرها، الى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة. وأكثر هذه البقول كالباذنجان والقثاء والبطيخ لا يكاد ينقطع مع طول العام، وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره. ولكل نوع من هذه الانواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد، فالعجب من ذلك يطول.
ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفرجل، وكل فواكهها عجب، لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة، وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها، يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت اليك، فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك اياه، حتى اذا ذقته خيل اليك أنه شيب بسكر مذاب أو يحنى النحل اللباب، ولعل متصفح هذه الاحرف يظن أن في الوصف بعض غلو، كلا لعمر الله! انه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت، وبها عسل أطيب من الماذيّ المضروب به المثل يعرف عندهم بالمسعودي.
وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب، وكل ما يصنع منها من السمن، فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة. ويجلب اليها قوم من اليمن يعرفون بالسرو
стр. 85
نوعا من الزبيب الأسود والاحمر في نهاية الطيب، ويجلبون معه من اللوز كثيرا.
وبها قصب السكر أيضا كثير، يجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها والسكر بها كثير مجلوب وسائر النعم والطيبات من الرزق، والحمد لله.
وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى، انهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة. وفي الاشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان، يتصل منها أسمطة بين الصفا والمروة، ولم يشاهد أحد اكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكهية وجليت في منصات كأنها العرائس ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة، فتلوح كأنها الازاهر حسنا، فتقيد الأبصار وتستنزل الدرهم والدينار.
وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا.
وما ذاك، والله أعلم، إلا لبركة مراعيها، هذا على افراط سمنه، ولو كان سواه من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهما ولعافته وتجنبته.
والأمر في هذا بالضد، كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا، فتجده هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغا، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما. وما أرى ذلك الا من الخواص الغريبة، وبركة البلد الأمين قد تكلفت بطيبه لا شك فيه. والخبر عنه يضيق عن الخبر له، والله يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام، وتمنى هذه المشاهد العظام، والمناسك الكرام، بعزته وقدرته.
وهذه الفواكه تجلب اليها من الطائف، وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها، على الرفق والتّؤدة، ومن قرى حولها. وأقرب هذه المواضع يعرف بأدم، هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا، وهو من بطن الطائف، ويحتوي على قرى كثيرة، ومن بطن مرّ، وهو على مسيرة يوم أو أقل؛ ومن نخلة، وهي على مثل
стр. 86
هذه المسافة؛ ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها، قد جلب الله اليها من المغاربة ذوي البصارة بالفلاحة والزراعة فأحدثوا فيها بساتين ومزارع، فكانوا أحد الأسباب في خصب هذه الجهات، وذلك بفضل الله، ، وكريم اعتنائه بحرمه الكريم، وبلده الأمين.
ومن أغرب ما الفيناه فاستمتعنا بأكله وأجرينا الحديث باستطابته، ولا سيما لكوننا لم نعهده، الرّطب، وهو عندهم بمنزلة التين الأخضر في شجره يجنى ويؤكل، وهو في نهاية من الطيب واللذاذة، لا يسأم التفكه به، وابّانه عندهم عظيم، يخرج الناس اليه كخروجهم الى الضّيعة أو كخروج أهل المغرب لقراهم أيام نضج التين والعنب، ثم بعد ذلك عند تناهي نضجه يبسط على الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلال والظروف ويرفع.
ومن صنع الله الجميل وفضله العميم علينا أنّا وصلنا الى هذه البلدة المكرمة فألفينا كل من بها من الحجاج المجاورين ممن قدم عهده فيها وطال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بأمنها من الحرابة المتلصصين فيها على الحاج المختلسين ما بأيديهم والذين كانوا آفة الحرم الشريف، لا يغفل أحد عن متاعه طرفة عين الا اختلس من يديه أو من وسطه بحيل عجيبة ولطافة غريبة، فما منهم الا أحذّ يد القميص، فكفى الله في هذا العام شرهم الا القليل، وأظهر أمير البلد التشديد عليهم فتوقف شرهم، وبطيب هوائها في هذا العام، وفتور حمارّة قيظها المعهود فيها، وانكسار حدة سمومها. وكنا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه، فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه الى دثار يقينا منه. وذلك أمر مستغرب بمكة.
وكانوا أيضا يتحدثون بكثرة نعمها في هذا العام، ولين سعرها، وأنها خارقة للعوائد السالفة عندهم. كان سوم الحنطة أربعة اصواع بدينار مؤمني، وهي أوبتان من كيل مصر وجهاتها، والأوبتان قدحان ونصف قدح من الكيل المغربيّ. وهذا السعر في بلد لا ضيعة فيه ولا قوام معيشة لأهله الّا بالميرة المجلوبة
стр. 87
اليه سعر لا خفاء بيمنه وبركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام وانجلاب الناس اليها وترادفهم عليها. فحدثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة أنهم لم يروا هذا الجمع بها قط، ولا سمع بمثله فيها. والله يجعله جمعا مرحوما معصوما بمنّه.
وما زال الناس فيها يسلسلون أوصاف أحوالها في هذه السنة وتمييزها عمّا سلف من السنين، حتى لقد زعموا أن ماء زمزم المبارك زاد عذوبة ولم يكن قبل بصادقها.
وهذا الماء المبارك في أمره عجب، وذلك أنك تشربه عند خروجه من قرارته، فتجده في حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئا، وتلك فيه من الله تعالى آية وعناية، وبركته أشهر من أن تحتاج لوصف واصف، وهو لما شرب له كما قال، ﷺ ، أروى الله منه كل ظامىء اليه، بعزّته وكرمه.
ومن الأمور المجرّبة في هذا الماء المبارك أن الإنسان ربما وجد مس الإعياء وفتور الأعضاء اما من كثرة الطواف أو من عمرة يعتمرها على قدميه أو من غير ذلك من الأسباب المؤدية الى تعب البدن، فيصب من ذلك الماء على بدنه فيجد الراحة والنشاط لحينه ويذهب عنه ما كان أصابه.
شهر جمادى الآخرة
استهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الحادي والعشرون من شهر شتنبر العجمي، ونحن بالحرم المقدس، زاده الله تعظيما وتشريفا. وفي صبيحة الليلة المذكورة وافى الأمير مكثر باتباعه وأشياعه، على العادة السالفة المذكورة في الشهر الأول، وعلى ذلك الرسم بعينه، والزمزميّ المغرد بثنائه والدعاء له فوق قبة زمزم، يرفع عقيرته بالدعاء والثناء عند كل شوط يطوفه الأمير، والقرّاء أمامه، الى أن فرغ من طوافه، وأخذ في طريق انصرافه.
стр. 88
ولأهل هذه الجهات المشرقيّة كلها سيرة حسنة، عند مستهل كل شهر من شهور العام يتصافحون ويهنئ بعضهم بعضا ويتغافرون ويدعو بعضهم لبعض، كفعلهم في الأعياد؛ هكذا دائما. وتلك طريقة من الخير واقعة في النفوس، تجدد الإخلاص وتستمد الرحمة من الله، ، بمصافحة المؤمنين بعضهم بعضا وبركة ما يتهادونه من الدعاء. والجماعة رحمة، ودعاؤهم من الله بمكان.
جمال الدين وآثاره السنية
ولهذه البلدة المباركة حمّامان: أحدهما ينسب للفقيه الميانشي، أحد الأشياخ المحلقين بالحرم المكرّم؛ والثاني، وهو الاكبر، ينسب لجمال الدين، وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين، له، ﵀، بمكة والمدينة، شرّفهما الله، من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله المشيدة ما لم يسبقه أحد اليه فيما سلف من الزمان ولا أكابر الخلفاء فضلا عن الوزراء.
وكان، ﵀، وزير صاحب الموصل، تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم الله تعالى وحرم رسوله، ﷺ ، أكثر من خمس عشرة سنة، ولم يزل فيها باذلا أموالا لا تحصى في بناء رباع بمكة مسبلة في طرق الخير والبرّ، مؤبدة، محبسة، واختطاط صهاريج للماء، ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر، الى تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين.
وكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء الى عرفات وقاطع عليه العرب بني شعبة، سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء، بوظيفة من المال كبيرة على أن لا يقطعوا الماء عن الحاج، فلما توفي الرجل، رحمة الله عليه، عادوا الى عادتهم الذميمة من قطعه.
ومن مفاخره ومناقبه أيضا أنه جعل مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلّم
стр. 89
تحت سورين عتيقين أنفق فيهما أموالا لا تحصى كثرة. ومن أعجب ما وفّقه الله تعالى اليه أنه جدّد ابواب الحرم كلّها.
وجدّد باب الكعبة المقدسة وغشاه فضة مذهبة، وهو الذي فيها الآن حسبما تقدم وصفه، وجلّل العتبة المباركة بلوح ذهب ابريز، وقد تقدم ذكره أيضا. فأخذ الباب القديم وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه، فلما حانت وفاته أوصى بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك ويحج به ميتا. فسيق الى عرفات ووقف به على بعد وكشف عن التابوت، فلما افاض الناس افيض به وقضيت له المناسك كلها وطيف به طواف الافاضة، وكان الرجل، ﵀، لم يحجّ في حياته. ثم حمل الى مدينة الرسول، ﷺ ، وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره، وكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم. وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى، ﷺ ، وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة، وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة، ودفن في تلك الروضة، وأسعده الله بالجوار الكريم، وخصّه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم، والله لا يضيع أجر المحسنين، وسنذكر تاريخ وفاته اذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته، ان شاء الله ، وهو ولي التيسير، لا رب غيره.
ولهذا الرجل، ﵀، من الآثار السنية والمفاخر العلية التي لم يسبقه اليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويستغرق الثناء ويستصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء، وحسبك أنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق الى الشام الى الحجاز، حسبما نذكره، واستنبط المياه، وبنى الجباب، واختط المنازل في المفازات، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وجميع المسافرين، وابتنى بالمدن المتصلة من العراق الى الشام فنادق عيّنها لنزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية، وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم،
стр. 90
وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم، فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها الى الآن. فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرّفاق، وملئت ثناء عليه الآفاق.
وكان مدّة حياته بالموصل، على ما اخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك، قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو اليها كل يوم الجفلى من الغرباء فيعمهم شبعا وريا، ويرد الصادر والوارد من ابناء السبيل في ظله عيشا هنيئا، لم يزل على ذلك مدة حياته، ﵀. فبقيت آثاره مخلدة، واخباره بألسنة الذكر مجددة، وقضى حميدا سعيدا، والذكر الجميل للسعداء حياة باقية، ومدة من العمر ثانية، والله الكفيل بجزاء المحسنين الى عباده، فهو أكرم الكرماء، وأكفل الكفلاء.
الأمور المحظورة في الحرام
ومن الأمور المحظورة في هذا الحرم الشريف، زاده الله تعظيما وتكريما، أن النفقة فيه ممنوعة، لا يجد المتاجر من ذوي اليسار اليها سبيلا في تجديد بناء أو اقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك. ولو كان الأمر مباحا في ذلك لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة حيطانه عسجدا وترابه عنبرا، لكنهم لا يجدون السبيل الى ذلك، فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا الى تجديد أثر من آثاره او اقامة رسم كريم من رسومه أخذ اذن الخليفة في ذلك. فإن كان مما ينقش عليه أو يرسم فيه طرز باسم الخليفة ونفوذ أمره بعمله ولم يذكر اسم المتولي لذلك. ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لأمير البلد ربما يوازي قدر المنفوق فيه. فتضاعف المؤونة على صاحبه وحينئذ يصل الى غرضه من ذلك.
ومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم، ذوي الملك والثراء، أنه وصل الى الحرم الكريم، مدة جدّ هذا الأمير مكثر، فرأى تنور بئر زمزم وقبتها
стр. 91
على صفة لم يرضها. فاجتمع بالأمير، وقال: أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبته، وأبلغ في ذلك الغاية الممكنة، وأنفق من صميم مالي، ولك علي في ذلك شرط ابلغ بالتزامه لك الغرض المقصود، وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك، فاذا استوفى البناء التمام، وانتهت النفقة منتهاها، وتحصلت محصاة، بذلت لك مثلها جزاء على اباحتك لي ذلك.
فاهتزّ الأمير طمعا، وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي الى آلاف من الدنانير، على الصفة التي وصفها له، فأباح له ذلك، وألزمه مقيدا يحصي قليل الإنفاق وكثيره.
وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع وتأنق وبذل المجهود، فعل من يقصد بفعله ذات الله ويقرضه قرضا حسنا. والمقيد يسوّد طواميره بالتقييد، والأمير يتطلع الى ما لديه، ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه، الى ان فرغ البناء على الصفة التي تقدم ذكرها أولا عند ذكر بئر زمزم وقبته، فلما لم يبق الا ان يصبح صاحب النفقة بالحساب ويستقضي منه العدد المجتمع فيها، خلا منه المكان، واصبح في خبر كان، وركب الليل جملا، وأصبح الأمير يقلب كفيه، ويضرب اصدريه، ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم الله تعالى حادثا يحيله، أو نقضا يزيله، وفاز الرجل بثوابه، وتكفل الله به في انقلابه وتحسين مآبه: «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»
وبقي خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا، ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك.
شهر رجب الفرد
استهل هلاله ليلة الخميس الموفي عشرين لشهر أكتوبر بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة، ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس، فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي، واما من المسجد الحرام فلم يبصره أحد.
стр. 92
وهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسيم المعظمة وهو اكبر أعيادهم، ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا يتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك الى الجاهلية لأنهم كانوا يسمونه منصل الاسنة. وهو أحد الاشهر الحرم، وكانوا يحرّمون القتال فيه، وهو شهر الله الأصم، كما جاء في الحديث عن رسول الله، ﷺ .
العمرة الرجبية
والعمرة الرجبية عندهم أخت الوقفة العرفية، لأنهم يحتفلون لها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ويبادر اليها أهل الجهات المتصلة بها، فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم الا الله . فمن لم يشاهدها بمكة لم يشاهد مرأى يستهدي ذكره غرابة وعجبا، شاهدنا من ذلك أمرا يعجز الوصف عنه، والمقصود منه الليلة التي يستهل فيها الهلال مع صبيحتها. ويقع الاستعداد لها من قبل ذلك بأيام، فأبصرنا من ذلك ما نصف بعضه على جهة الاختصار. وذلك لأنا عاينا شوارع مكة وأزقتها، من عصر يوم الأربعاء، وهي العشية التي ارتقب فيها الهلال، قد امتلأت هوادج مشدودة على الإبل مكسوة بأنواع كسا الحرير وغيرها من ثياب الكتان الرفيعة بحسب سعة احوال اربابها ووفرهم، كل يتأنق ويحتفل بقدر استطاعته، فأخذوا في الخروج الى التنعيم ميقات المعتمرين، فسالت تلك الهوادج في اباطح مكة وشعابها، والإبل قد زينت تحتها بأنواع التزيين، واشعرت بغير هدي بقلائد رائقة المنظر من الحرير وغيره، وربما فاضت الأستار التي على الهوادج حتى تسحب أذيالها على الأرض.
ومن أغرب ما شاهدناه من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليتة عمة الأمير مكثر، فإن اذيال سترة كانت تنسحب على الارض انسحابا؛ وغيره من هوادج حرم الامير وحرم قواده، الى غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزا عن الاحصاء. فكانت تلوح على ظهور الإبل كالقباب المضروبة، فيخيل للناظر
стр. 93
اليها انها محلة قد صربت ابنيتها من كل لون رائق.
ولم يبق ليلة الخميس المذكور بمكة الا من خرج للعمرة من اهلها ومن المجاورين، وكنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة، فكدنا لا نتخلص الى مسجد عائشة من الزحام وانسداد ثنيات الطريق بالهوادج، والنيران قد اشعلت بحافتي الطريق كله، والشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها هوادج من يشار اليه من عقائل نساء مكة.
فلما قضينا العمرة وطفنا وجئنا للسعي بين الصفا والمروة، وقد مضى هدء من الليل، أبصرناه كله سرجا ونيرانا وقد غص بالساعين والساعيات على هوادجهن، فكنا لا نتلخص الا بين هوادجهن وبين قوائم الإبل لكثرة الزحام واصطكاك الهوادج بعضها على بعض. فعاينا ليلة هي أغرب ليالي الدنيا، فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به ولا عجبا يذكره مرأى الحشر يوم القيامة لكثرة الخلائق فيه، محرمين، ملبين، داعين الى الله ضارعين، والجبال المكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها حتى سكتت المسامع، وسكبت من هول تلك المعاينة المدامع، وذابت القلوب الخواشع.
وفي تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا. وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول والدبادب والبوقات إشعارا بأنها ليلة الموسم.
فلما كانت صبيحة ليلة الخميس خرج الى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد له أهل مكة على بكرة ابيهم، فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة شاكين في الأسلحة فرسانا ورجالة، فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة، يتعجب المعاين لهم لوفور عددهم، فلو أنهم من بلاد جمة لكانوا عجبا، فكيف وهم من بلد واحد وهذا أدل الدلائل على بركة البلد. فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم ويلعبون بالاسلحة عليها، والرجالة يتواثبون ويتثاقفون بالأسلحة في ايديهم حرابا وسيوفا وحجفا وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضارب بالسيوف والمدافعة بالحجف التي يستجنون بها. واظهروا من الحذق
стр. 94
؟ كل أمر مستغرب. وكانوا يرمون بالحراب الى الهواء ويبادرون اليها لقفا بأيديهم وهي قد تصوبت اسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لا يمكن فيه المجال، وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء فيستلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم تفارق أيديهم، الى أن خرج الأمير يزحف بين قواده، وأبناؤه أمامه، وقد قاربوا سن الشباب، والرايات تخفق أمامه، والطبول والدبادب بين يديه، والسكينة تفيض عليه، وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات بالنظارة من جميع المجاورين.
فلما انتهى الى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع، وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول. وقد ركب جملة من اعراب البوادي نجبا صهبا لم ير أجمل منظرا منها، وركابها يسابقون الخيل بها، بين يدي الأمير، رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه، الى أن وصل المسجد الحرام، فطاف بالكعبة، والقراء أمامه، والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة، فلما فرغ من الطواف صلى عند الملتزم ثم جاء الى المقام وصلى خلفه، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشبية التي يصلى خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به، ثم أعيدت القبة عليه، وأخذ في الخروج على باب الصفا الى المسعى. وانجفل بين يديه، فسعى راكبا والقواد مطيفون به، والرجالة الحرّابة أمامه، فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه، واحدقت الأشباع به، وتوجه الى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به، وبقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين والساعيات.
فلما كان اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة، كان طريق العمرة في العمارة قريبا من امسه، راكبين وماشين، رجالا ونساء والنساء الماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة، تقبل الله من جميعهم بمنه.
وفي أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضا فيتصافحون ويتهادون الدعاء
стр. 95
والتغافر بينهم، والنساء كذلك. والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم، له يعبأون وله يحتفلون، وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون، وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم، يقدمون النظر في ذلك والأستعداد له بأشهر.
السرو المائرون
ومن لطيف صنع الله، ، لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه بحرمه الأمين، أن قبائل من اليمن تعرف بالسّرو، وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسراة، كأنها مضافة لسراة الرجال، على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف، فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم، وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها، يستعدون للوصول الى هذه البلدة المباركة قبل حلولها بعشرة أيام، فيجتمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب الى اللوبياء الى ما دونها، ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز. فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة.
ويصلون في آلاف من العدد رجالا وجمالا موقرة بجميع ما ذكر. فيرغدون معايس اهل البلد والمجاورين فيه يتقوتون ويدّخرون، وترخص الأسعار، وتعم المرافق. فيعد منها الناس ما يكفيهم لعامهم الى ميرة اخرى. ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش.
ومن العجب في أمر هؤلاء المائرين أنهم لا يبيعون من جميع ما ذكرناه بدينار ولا بدرهم، إنما يبيونه بالخرق والعباءات والشمل، فأهل مكة يعدّون لهم من ذلك مع الأقنعة والملاحف المتان وما أشبه ذلك مما يلبسه الأعراب ويبايعونهم به ويشارونهم. ويذكر أنهم متى اقاموا عن هذه الميرة ببلادهم تجدب ويقع الموتان في مواشيهم وانعامهم، وبوصولهم بها تخصب بلادهم وتقع
стр. 96
- البركة أموالهم فمتى في قرب الوقت ووقعت منهم بعض غفلة في التأهب للخروج اجتمع نساؤهم فأخرجنهم. وكل هذا لطف من الله تعالى لحرمة البلد الأمين.
وبلادهم على ما ذكر لنا خصيبة متسعة كثيرة التين والعنب واسعة المحرث وافرة الغلات، وقد اعتقدوا اعتقادا صحيحا أن البركة كلها في هذه الميرة التي يحلبونها، فهم من ذلك في تجارة رابحة مع الله .
والقوم عرب صرحاء فصحاء جفاة أصحاء، لم تغذهم الرقة الحضرية ولا هذبتهم السير المدنية ولا سدّدت مقاصدهم السنن الشرعية، فلا تجد لديهم من أعمال العبادات سوى صدق النية، فهم اذا طافوا بالكعبة المقدّسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الام المشفقة لائذين بجوارها متعلقين بأستارها فحيثما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها. وفي اثناء ذلك تصدع لسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب وتتفجر لها الأعين الجوامد فتصوب. فترى الناس حولهم باسطي ايديهم مؤمنين على أدعيتهم متلقنين لها من السنتهم، على أنهم طول مقامهم لا يتمكن منهم طواف ولا يوجد سبيل الى استلام الحجر.
واذا فتح الباب الكريم فهم الداخلون بسلام، فتراهم في محاولة دخولهم يتسلسلون كأنهم بعض ببعض مرتبطون، يتصل منهم على هذه الصفة الثلاثون والأربعون الى أزيد من ذلك، والسلاسل منهم يتبع بعضهم بعضا، وربما انفصمت بواحد منهم، يميل عن المطلع المبارك الى البيت الكريم. فيقع الكل لوقوعه، فيشاهد الناظر لذلك مرأى يؤدي الى الضحك.
وأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الأعراب أظرف منها، وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون بالسجود نقرا، ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الثّنتين والثلاث والاربع ثم يرفعون رؤوسهم من الارض قليلا وأيديهم مبسوطة عليها، ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد، وربما تكلموا في
стр. 97
أثناء ذلك، وربما رفع أحدهم رأسه من سجوده الى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء ثم عاد الى سجوده، الى غير ذلك من أحوالهم الغريبة.
ولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها. وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة، لهم القسيّ العربية الكبار كأنها قسيّ القطانين لا تفارقهم في أسفارهم، فمتى رحلوا الى الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم وخلوا لهم عن الطريق. ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم. وعلى ما وصفنا من أحوالهم فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح، وذكر أن النبي، ﷺ ، ذكرهم واثنى عليهم خيرا، وقال:
«علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء» . وكفى بأن دخلوا في عموم قوله، ﷺ : «الإيمان يمان» الى غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن واهله.
وذكر أن عبد الله بن عمر، ﵄، كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم. فشأنهم عجيب كله.
وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس الى احد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص. فكان يقول له: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»
فيقول الصبيّ: «هو الله أحد» فيعيد عليه المعلم، فيقول له: «ألم تأمرني بأن أقول: هو الله أحد؟
قد قلت» . فكابد في تلقينه مشقة، وبعد لأي ما علقت بلسانه. وكان يقول له: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»
، فيقول الصبي: «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله» . فيعيد عليه المعلم، ويقول له: «لا تقل:
والحمد لله انما اقل: الحمد لله» فيقول الصبي: «اذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، اقول: والحمد لله، للاتصال، واذا لم أقل بسم الله، وبدأت قلت: الحمد لله» فعجبنا من أمره ومن معرفته طبعا بصلة الكلام وفصله دون تعلم.
وأما فصاحتهم فبديعة جدا، ودعاؤهم كثير التخشيع للنفوس، والله يصلح أحوالهم وأحوال جميع عباده بمنه.
стр. 98
عود إلى العمرة
والعمرة في هذا الشهر كله متصلة ليلا ونهارا، رجالا ونساء، لكن المجتمع كله انما كان في الليلة الاولى، وهي ليلة الموسم عندهم. والبيت الكريم يفتح كل يوم من هذا الشهر المبارك. فاذا كان يوم التاسع والعشرون منه افرد للنساء خاصة، فيظهر للنساء بمكة في ذلك اليوم احتفال عظيم، فهو عندهم يوم زينتهم المشهور المستعد له.
وفي يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور شاهدنا من الاحتفال للعمرة قريبا من المشهد الاول المذكور في اوله، فكان لا يبقى احد من الرجال والنساء الا خرج لها. وبالجملة فالشهر المبارك كله معمور بأنواع العبادات من العمرة وسواها، ويختص اوله ونصفه من ذلك بخط متميز، وكذلك السابع والعشرون منه.
وفي عشيّ يوم الخميس المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم فما راعنا الا الامير مكثر طالعا محرما قد وصل من ميقات العمرة تبركا بذلك اليوم وجريا فيه على الرسم وابناؤه وراءه محرمين وقد حف به بعض خاصته. وبادر المؤذن الزمزمي للحين الى سطح قبة زمزم داعيا على عادته ومتناوبا في ذلك مع أخيه صغيره.
وحانت صلاة العشاء مع فراغ الأمير من طوافه فصلى خلف الامام الشافعي وخرج الى المسعى المبارك.
وفي يوم الجمعة السادس عشر منه خرجت قافلة كبيرة من الحاج في نحو اربع مئة جمل مع الشريف الداودي الى زيارة الرسول ﷺ . وفي جمادى الثانية قبله كانت ايضا زيارة اخرى لبعض الحجاج في قافلة اصغر من هذه المذكورة. وبقيت الزيارة الشوالية والتي مع الحاج العراقي اثر الوقفة، ان شاء الله . وفي التاسع عشر من شعبان كان انصراف هذه القافلة الكبيرة في كنف السلامة، والحمد لله.
стр. 99
عمرة الأكمة
وفي ليلة الثلاثاء السابع والعشرين منه. اعني من رجب، ظهر لاهل مكة ايضا احتفال عظيم في الخروج الى العمرة لم يقصر عن الاحتفال الاول، فانجفل الجميع اليها، تلك الليلة، رجالا ونساء على الصفات والهيئات المتقدمة الذكر تبركا بفضل هذه الليلة لأنها من الليالي الشهيرة الفضل. فكانت مع صبيحتها عجبا في الاحتفال وحسن المنظر، جعل الله ذلك كله خالصا لوجهه الكريم. وهذه العمرة يسمونها عمرة الأكمة، لأنهم يحرمون فيها من اكمة امام مسجد عائشة، ﵂، بمقدار غلوة، وهي على مقربة من المسجد المنسوب لعلي، ﵇.
والاصل في هذه العمرة الاكمية عندهم ان عبد الله بن الزبير ﵄، لما فرغ من بناء الكعبة المقدسة خرج ماشيا حافيا معتمرا واهل مكة معه فانتهى الى تلك الاكمة فأحرم منها، وكان ذلك في اليوم السابع والعشرين من رجب وجعل طريقه على ثنية الحجون المفضية الى المعلى التي كان دخول المسلمين يوم فتح مكة منها، حسبما تقدم ذكره. فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة في ذلك اليوم بعينه وعلى تلك الأكمة بعينها.
وكان يوم عبد الله، ﵁، مذكورا مشهورا، لأنه أهدى فيه كذا وكذا بدنة، عددا لم تتحصل صحته، فكنت أثبته، لكنه بالجملة كثير.
ولم يبق من اشراف مكة وذوي الاستطاعة فيها الا من اهدى، وأقام أهلها أياما يطعمون ويطعمون ويتنعمون وينعّمون شكرا لله، ، على ما وهبهم من المعونة والتيسير في بناء بيته الحرام على الصفة التي كان عليها مدة الخليل ابراهيم، ﷺ ، فنقضها الحجاج، لعنه الله، وأعادها على ما كانت عليه مدة قريش، لأنهم كانوا اقتصروا في بنائه عن قواعد ابراهيم، ﷺ ، وابقى نبينا محمد، ﷺ ، ذلك على حالة لحدثان عهدهم بالكفر،
стр. 100
حسبما ثبت في رواية عائشة، ﵂، في موطإ مالك بن أنس، ﵁.
يوم طواف النساء
وفي اليوم التاسع والعشرين منه، وهو يوم الخميس، أفرد البيت للناس خاصة، فاجتمعن من كل أوب. وقد تقدم احتفالهن لذلك بأيام كاحتفالهن للمشاهد الكريمة، ولم تبق امرأة بمكة الا حضرت المسجد الحرام ذلك اليوم.
فلما وصل الشيبيون لفتح البيت الكريم، على العادة، وأسرعوا في الخروج منه وافرجوا للنساء عنه. وأفرج الناس لهن عن الطواف وعن الحجر ولم يبق حول البيت المبارك أحد من الرجال تبادر النساء الى الصعود، حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن عند هبوطهم من البيت الكريم، وتسلسل النساء بعضهن ببعض وتشابكن حتى تواقعن، فمن صائحة ومعولة ومكبرة ومهللة، وظهر من تزاحمهن ما ظهر من السرو اليمنيين مدة مقامهم بمكة وصعودهم يوم فتح بيت لمقدس، وأشبهت الحال الحال، وتمادين على ذلك صدرا من النهار، وانفسحن في الطواف والحجر، وتشفين من تقبيل الحجر واستلام الأركان. وكان ذلك اليوم عندهن الأكبر، ويومهن الأزهر الأشهر، نفعهن الله به وجعله خالصا لكريم وجهه. وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات يرين البيت الكريم ولا يلجنه ويلحظن الحجر المبارك ولا يستلمنه. فحظهن من ذلك كله النظر والأسف المستطير المستشعر. فليس لهن سوى الطواف على البعد، وهذا اليوم الذي هو من عام الى عام فهن يرتقبنه ارتقاب أشرف الأعياد ويكثرن له من التأهب والاستعداد، والله ينفعهن في ذلك، بحسن النية والاعتقاد، بمنه وكرمه.
غسيل البيت بماء زمزم
وفي اليوم الثاني منه بكر الشيبيون الى غسله بماء زمزم المبارك بسبب أن
стр. 101
كثيرا من النساء أدخلن أبناءهن الصغار والرضع معهن، فيتحرى غسله تكريما وتنزيها وازالة لما يحيك في النفوس من هواجس الظنون فيمن ليست له ملكة عقلية تمنعه من أن تصدر عنه حادثة نجس في ذلك الموطن الكريم والمحل المخصوص بالتقديس والتعظيم، فعند انسياب الماء عنه كان كثير من الرجال والنساء يبادرون اليه تبركا بغسل أوجههم وأيديهم فيه، وربما جمعوا منه في اوان قد اعدوها لذلك ولم يراعوا العلة التي غسل لها. وكان منهم من توقف عن ذلك، وربما لحظ الحال لحظة من لا يستجيزها ولا يصوب العقل في ذلك. وما ظنك بماء زمزم المبارك قد صب داخل بيت الله الحرام وماج في جنبات أركانه الكرام ثم انصب بإزاء الملتزم والركن الأسود المستلم، أليس جديرا بأن تتلقاه الافواه فضلا عن الأيدي، وتغمس فيه الوجوه فضلا عن الأقدام؟ وحاشا لله أن تعرض في ذلك علة تمنع منه وشبهة من شبهات الظنون تدفع عنه، والنيات عند الله تعالى مقبولة، والمثابرة على تعظيم حرماته برضاه موصولة، وهو المجازي على الضمائر وخفيات السرائر، لا اله سواه.
شهر شعبان المكرم
استهل هلاله ليلة السبت التاسع عشر لشهر نونبر. وفي صبيحته بكر الأمير مكثر الى الطواف على العادة في ذلك رأس كل شهر مع أخيه وبنيه ومن جرى الرسم باستصحابه من القواد والأشياع والأتباع، وعلى الأسلوب المتقدم الذكر، والزمزمي يصرخ في مرقبته على عادته متناوبا مع أخيه صغيره.
وفي سحر يوم الخميس الثالث عشر منه، وهو أول يوم من دجنبر، بعد طلوع الفجر، كسف القمر، وبدأ الكسوف والناس في صلاة الصبح في الحرم الشريف، وغاب مكسوفا، وانتهى الكسوف الى ثلثه، والله يعرفنا حقيقة الاعتبار بآياته.
زيادة ماء زمزم
وفي يوم الجمعة الثاني من ذلك اليوم أصبح بالحرم امر عجيب وذلك أنه لم
стр. 102
يبق بمكة صبي الا وصبحه واجتمعوا كلهم في قبة زمزم، وينادون بلسان واحد:
هللوا وكبروا يا عباد الله؛ فيهلل الناس ويكبرون. وربما دخل معهم من عرض العامة من ينادي معهم بندائهم. والناس والنساء يزدحمون على قبة البئر المباركة لأنهم يزعمون، بل يقطعون قطعا جهليا لا قطعا عقليا، أن ماء زمزم يفيض ليلة النصف من شعبان.
وكانوا على ظن من هلال الشهر، لأنه قيل: انه رؤي ليلة الجمعة في جهة اليمن. فبكر الناس الى القبة، وكان فيها من الازدحام ما لم يعهد مثله، ومقصد الناس في ذلك التبرك بذلك الماء المبارك الذي قد ظهر فيضه، والسقاة فوق التنور يستقون ويفيضون على رؤوس الناس الماء بالدلاء قذفا؛ فمنهم من يصيبه في وجهه ومنهم من يصيبه في رأسه الى غير ذلك. وربما تمادى لشدة نفوذه من أيديهم، والناس مع ذلك يستزيدون ويبكون، والنساء من جهة اخرى يساجلنهم بالبكاء ويطارحنهم بالدعاء، والصبيان يضجون بالتهليل والتكبير؛ فكان مرأى هائلا مسموعا رائعا، لم يتخلص للطائفين بسببه طواف ولا للمصلين صلاة لعلو تلك الأصوات واشتغال الأسماع والأذهان بها. ودخل الى القبة المذكورة أحدنا ذلك اليوم فكابد من لز الزحام عنتا ومشقة، فسمع الناس يقولون: زاد الماء سبع اذرع. فجعل يقصد الى من يتوسم فيه بعض عقل ونظر من ذوي السبال البيض فيسأله عن ذلك، فيقول وأدمعه تسيل: نعم زاد الماء سبع أذرع، لا شك في ذلك، فيقول: أعن خبرة وحقيقة؟ فيقول: نعم.
ومن العجيب أن كان منهم من قال: انه بكر سحر يوم الجمعة المذكور فألفى الماء قد قارب التنور بنحو القامة. فيا عجبا لهذا الاختراع الكاذب، نعوذ بالله من الفتنة! وكان من الاتفاق أن اعتنينا بهذا الأمر لغلبة الاستفاضة التي سمعناها في ذلك واستمرارها مع سوالف الأزمنة عند عوام أهل مكة فتوجه منا ليلة الجمعة من أدلى دلوه في البئر المباركة الى أن ضرب في صفح الماء وانتهى الحبل الى حافة
стр. 103
التنور وعقد فيه عقدا يصح عندنا القياس به في ذلك. فلما كان في صبيحتها وتنادى الناس بالزيادة، الزيادة الظاهرة، خلص أحدنا في ذلك الزحام على صعوبة ومعه من استصحب الدلو وأدلاه فوجد القياس على حاله لم ينقص ولم يزد، بل كان من العجب أن عاد للقياس ليلة السبت فألفاه قد نقص يسيرا لكثرة ما امتاح الناس منه ذلك اليوم. فلو امتيح من البحر لظهر النقص فيه، فسبحان من خص به من البركة ووضع فيه من المنفعة.
وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه تتبعنا هذا القياس استبراء لصحة الحال فوجدناه على ما كان عليه، ولو أن لافظا يلفظ ذلك اليوم بأنه لم يزد لصب في البئر صبا أو لداسته الاقدام حتى تذيبه، نعوذ بالله من غلبات العوام واعتدائها وركوبها جوامح أهوائها.
ليلة النصف من شعبان
وهذه الليلة المباركة، أعني ليلة النصف من شعبان، عند أهل مكة معظمة للأثر الكريم الوارد فيها، فهم يبادرون فيها الى أعمال البر من العمرة والطواف والصلاة أفرادا وجماعة، فينقسمون في ذلك اقساما مباركة؛ فشاهدنا ليلة السبت، التي هي ليلة النصف حقيقة، احتفالا عظيما في الحرم المقدس اثر صلاة العتمة، جعل الناس يصلون فيها جماعات جماعات، تراويح يقرءون فيها بفاتحة الكتاب وبقل هو الله أحد، عشر مرات في كل ركعة الى أن يكملوا خمسين تسليمة بمائة ركعة، قد قدمت كل جماعة اماما، وبسطت الحصر وأوقدت الشمع واشعلت المشاعل وأسرجت المصابيح ومصباح السماء الأزهر الأقمر قد أفاض نوره على الأرض وبسط شعاعه. فتلاقت الأنوار في ذلك الحرم الشريف الذي هو نور بذاته، فيا لك مرأى لا يتخيله المتخيل ولا يتوهمه المتوهم! فأقام الناس تلك الليلة على أقسام: فطائفة التزمت تلك التراويح مع الجماعة وكانت سبع
стр. 104
جماعات أو ثمانيا؛ وطائفة التزمت الحجر المبارك للصلاة على انفراد؛ وطائفة خرجت للاعتمار؛ وطائفة آثرت الطواف على هذا كله، أغلبها المالكية، فكانت من الليالي الشهيرة المأمولة أن تكون من غرر القربات ومحاسنها، نفع الله بها ولا أخلى من بركتها وفضلها وأوصل الى هذه المثابة المقدسة كل شيق اليها بمنه.
وفي تلك الليلة المباركة شاهد احمد بن حسان منا امرا عجيبا هو من غرائب الأحاديث المأثورات في رقة النفوس. وذلك أنه أصابه النوم عند الثلث الباقي من الليل، فأوى الى المصطبة التي تحف بها قبة زمزم مما يقابل الحجر الأسود وباب البيت فاستلقى فيها لينام فاذا بإنسان من العجم قد جلس على المصطبة بإزائه مما يلي رأسه. فجعل يقرأ بتشويق وترقيق، ويتبع ذلك بزفير وشهيق، أحسن قراءة واوقعها في النفوس وأشدها تحريكا للساكن، فامتنع المذكور من المنام استمتاعا بحسن ذلك المسموع وما فيه من التشويق والتخشيع، الى أن قطع القراءة وجعل يقول:
ان كان سوء الفعال أبعدني، ... فحسن ظني اليك قرّبني
ويردد ذلك بلحن يتصدع له الجماد وينشق عليه الفؤاد. ومضى في ترديد ذلك البيت ودموعه تكف وصوته ترق وتضعف الى أن وقع في نفس أحمد بن حسان المذكور أنه سيغشى عليه؛ فما كان بين اعتراض هذا الخاطر بنفسه وبين وقوع الرجل مغشيا عليه من المصطبة الى الارض الا كلا ولا، وبقي ملقى كأنه لقى لا حراك به. فقام ابن حسان مذعورا لهول ما عاينه مترددا في حياة الرجل أو موته لشدة تلك الوجبة، والموضع من الارض بائن الارتفاع، وقام أحد من كان بازائه نائما، وأقاما متحيرين ولم يقدما على تحريك الرجل ولا على الدنو منه الى أن اجازت امرأة أعجمية، وقالت: هكذا تتركون هذا الرجل على مثل هذا الحال؟ وبادرت الى شيء من ماء زمزم فنضحت به وجهه، ودنا المذكوران منه وأقاماه فعندما أبصرهما زوى وجهه للحين عنهما مخافة أن تثبت له صفة في اعينهما وقام من فوره آخذا الى جهة باب بني شيبة. وبقيا
стр. 105
متعجبين مما شاهداه، وعض ابن حسان بنان الأسف على ما فاته من بركة دعائه اذ لم يمكنه الحال استدعاءه منه، وعلى انه لم تثبت له صورة في نفسه، فكان يتبرك به متى لقيه.
ومقامات هؤلاء الأعاجم في رقة الأنفس وتأثرها وسرعة انفعالها وشدة مجاهداتها في العبادات وطول مثابراتها على أفعال البر وظهور بركاتها مقامات عجيبة شريفة، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وفي سحر يوم الخميس الثالث عشر من الشهر المذكور كسف القمر وانتهى الكسوف منه الى مقدار ثلثيه، وغاب مكسوفا عند طلوع الشمس، والله يلهمنا الاعتبار بآياته.
رمضان المعظم
استهل هلاله ليلة الاثنين التاسع عشر لدجنبر، عرّفنا الله فضله وحقه ورزقنا القبول فيه. وكان صيام أهل مكة له يوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح، لكن أمضى الأمير ذلك ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبه ليلة الأحد المذكور لموافقته مذهبه ومذهب شيعته العلويين ومن اليهم، لانهم يرون صيام يوم الشك فرضا، حسبما يذكر، والله أعلم بذلك.
ووقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك، وحق ذلك من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعيل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضياء، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقا؛ فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماما لها في ناحية من نواحي المسجد؛ والحنبلية كذلك؛ والحنفية كذلك، والزيدية؛ وأما المالكية فاجتمعت على ثلاثة قراء يتناوبون القراءة، وهي في هذا العالم أحفل جمعا وأكثر شمعا، لأن قوما من التجار المالكيين تنافسوا في ذلك فجلبوا لإمام الكعبة شمعا كثيرا من أكبره شمعتان نصبتا أمام المحراب
стр. 106
فيهما قنطار وقد حفت بهما شمع دونهما صغار وكبار. فجاءت جهة المالكية تروق حسنا وترتمي الأبصار نورا، وكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية الا وفيها قارىء يصلي بجماعة خلفه، فيرتج المسجد لأصوات القراءة من كل ناحية، فتعاين الأبصار، وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعا تنخلع له النفوس خشية ورقة.
ومن الغرباء من اقتصر على الطواف والصلاة في الحجر ولم يحضر التراويح، ورأى أن ذلك افضل ما يغتنم، وأشرف عمل يلتزم، وما بكل مكان يوجد الركن الكريم والملتزم.
والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهادا، وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل الطواف مع جماعة، فاذا فرغ من الأسبوع وركع عاد لإقامة تراويح أخر وضرب بالفرقعة الخطيبية المتقدمة الذكر ضربة يسمعها المسجد لعلو صوتها، كأنها ايذان بالعود الى الصلاة، فاذا فرغوا من تسليمتين، عادوا للطواف اسبوغ، فاذا اكملوه ضربت الفرقعة وعادوا الصلاة تسليمتين، ثم عادوا للطواف، هكذا الى أن يفرغوا من عشر تسليمات، فيكمل لهم عشرون ركعة، ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون.
وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئا، والمتناوبون لهذه التراويح المقامية خمسة أئمة، أولهم إمام الفريضة، وأوسطم صاحبنا الفقيه الزاهد الورع أبو جعفر بن علي الفنكيّ القرطبيّ، وقراءته ترقّ الجمادات خشوعا. وهذه الفرقعة المذكورة تستعمل في هذا الشهر المبارك، وذلك أنه يضرب بها ثلاث ضربات عند الفراغ من أذان المغرب، ومثلها عند الفراغ من أذان العشاء الآخرة. وهي لا محالة من جميلة البدع المحدثة في هذا المسجد المعظم، قدسه الله.
والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولانه، وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التسحير. فإذا قرب
стр. 107
تبيين خيطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان، وثوّب المؤذنون من كل ناحية بالأذان.
وفي ديار مكة كلها سطوح مرتفعة، فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة،، فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع.
سيف الإسلام
وفي ليلة الثلاثاء الثاني من الشهر مع العشيّ طاف الأمير مكثر بالبيت مودعا وخرج للقاء الأمير سيف الاسلام طغتكين بن أيوب أخي صلاح الدين، وقد تقدم الخبر بوروده من مصر منذ مدة ثم تواتر إلى أن صحّ وصوله إلى الينبوع، وأنه عرج إلى المدينة لزيارة الرسول، ﷺ ، وتقدمت أثقاله إلى الصفراء. والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها، لكن وقع في نفوس المكيين منه إيجاس خيفة واستشعار خشية، فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا ومسلما، وفي الحقيقة مستسلما، والله تعالى يعرّف المسلمين خيرا.
وفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور كنا جلوسا بالحجر لمكرم فسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة يولولن عليه. فبينا نحن كذلك دخل منصرفا من لقاء الأمير سيف الاسلام المذكور وطائفا بالبيت المكرم طواف التسليم، والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه، والسرور بسلامته، وقد شاع الخبر بنزول سيف الاسلام الزاهر، وضرب أبنيته فيه، ومقدمته من العسكر قد وصلت الى الحرم، وزاحمت الأمير مكثرا في الطواف.
فبينا الناس ينظرون اليهم اذ سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة، فما راعهم الا الأمير سيف الاسلام داخلا من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه، والقاضي عن يمينه وزعيم الشيبيين عن يساره، والمسجد قد ارتج وغصّ بالنظارة والوافدين، والأصوات بالدعاء له ولاخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الاسماع وأذهلت الاذهان؛
стр. 108
والزمزميّ المؤذن في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه؛ وأصوات الناس تعلو على صوته، والهول قد عظم مرأى ومستمعا. فلحين دنوّ الأمير من البيت المعظم أغمدت السيوف وتضاءلت النفوس وخلعت ملابس العزة وذلت الأعناق وخضعت الرقاب وطاشت الالباب مهابة وتعظيما لبيت ملك الملوك العزيز الجبار الواحد القهار، مؤتي الملك من يشاء، ونازع الملك ممن يشاء، سبحانه، جلت قدرته وعزّ سلطانه.
ثم تهافتت هذه العصابة الغزية على بيت الله العتيق تهافت الفراش على لمصباح، وقد نكس أذقانهم الخضوع، وبلت سبالهم الدموع. وطاف القاضي او زعيم الشيبيين بسيف الاسلام، والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام، فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر الى منزله.
وعندما أكمل سيف الاسلام طوافه صلى خلف المقام ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها ثم خرج على باب الصفا الى السعي، فابتدأه ماشيا على قدميه تواضعا وتذللا لمن يجب التواضع له، والسيوف مسلوتة أمامه، وقد اصطف الناس من أول المسعى الى آخره سماطين مثل ما صنعوا أيضا في الطواف، فسعى على قدميه طريقين من الصفا الى المروة، ومنها الى الصفا، وهرول بين الميلين الاخضرين، ثم قيده الاعياء فركب وأكمل السعي راكبا، وقد حشر الناس ضحى.
ثم عاد الامير الى المسجد الحرام على حالته من الارهاب والهيبة وهو يتهادى بين بروق خواطف السيوف المصلتة، وقد بادر الشيبيون الى باب البيت المكرم ليفتحوه، ولم يكن يوم فتحه، وضم الكرسي الذي يصعد عليه، فرقي الامير فيه، وتناول زعيم الشيبيين فتح الباب، فاذا المفتاح قد سقط من كمه في ذلك الزحام، فوقف وقفة دهش مذعور، ووقف الامير على الادراج، فيسر الله للحين في وجود المفتاح، ففتح الباب الكريم، ودخل الامير وحده مع الشيبي وأغلق الباب، وبقي وجوه الاغزاز وأعيانهم مزدحمين على ذلك الكرسي،
стр. 109
فبعد لأي ما فتح لامرائهم المقربين فدخلوا.
وتمادى مقام سيف الاسلام في البيت الكريم مدة طويلة، ثم خرج، وانفتح الباب للكافة منهم. فيا له من ازدحام وتراكم وانتظام، حتى صاروا كالعقد المستطيل وقد اتصلوا وتسلسلوا. فكان يومهم أشبه شيء بأيام السرو في دخولهم البيت، حسبما تقدم وصفه. وركب الامير سيف الاسلام وخرج الى مضرب أبنيته بالموضع المذكور. وكان هذا اليوم بمكة من الايام الهائلة المنظر العجيبة المشهد الغريبة الشأن، فسبحان من لا ينقضي ملكه ولا يبيد سلطانه، لا اله سواه. وصحب هذا الامير جملة من حجاج مصر وسواها اغتناما لطريق البر والامن فوصلوا في عافية وسلامة، والحمد الله.
وفي ضحوة يوم الخميس بعده كنا أيضا بالحجر المكرم، فاذا بأصوات طبول ودبادب وبوقات قد قرعت الآذان وارتجت لها نواحي الحرم الشريف. فبينا نحن نتطلع لاستعلام خبرها طلع علينا الامير مكثر وغاشيته الاقربون حوله وهو رافل في حلة ذهب كأنها الجمر المتقد يسحب أذيالها وعلى رأسه عمامة شرب رقيق سحابي اللون قد علا كورها على رأسه كأنها سحابة مركومة وهي مصفحة بالذهب، وتحت الحلة خلعتان من الدبيقي المرسوم البديع الصنعة، خلعها عليه الامير سيف الاسلام، فوصل بها فرحا جذلان، والطبول والدبادب تشيعه عن أمر سيف الاسلام اشادة بتكرمته واعلاما بمأثرة منزلته. فطاف بالبيت المكرم شكرا لله على ما وهبه من كرامة هذا الامير بعد أن كان أوجس في نفسه خيفة منه، والله يصلحه ويوفقه بمنه.
وفي يوم الجمعة وصل الامير سيف الاسلام للصلاة أول الوقت وفتح البيت المكرم، فدخله مع الامير مكثر وأقاما به مدة طويلة ثم خرجا. وتزاحم الغز للدخول تزاحما أبهت الناظرين حتى أزيل الكرسيّ الذي يصعد عليه فلم يغن ذلك شيئا، وأقاموا على الازدحام في الصعود باشالة بعضهم على بعض، وداموا على هذه الحالة الى أن وصل الخطيب، فخرجوا لاستماع الخطبة، وأغلق الباب.
стр. 110
وصلى الأمير سيف الاسلام مع الأمير مكثر في القبة العباسية. فلما انقضت الصلاة خرج على باب الصفا وركب الى مضرب أبنيته. وفي يوم الأربعاء العاشر منه خرج الأمير المذكور بجنوده الى اليمن، والله يعرّف اهلها من المسلمين في مقدمه خيرا بمنه.
تراويح رمضان
وهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه، وكل وتر من الليالي العشر الاواخر يختم فيها القرآن. فأوّلها ليلة احدى وعشرين، ختم فيها احد أبناء أهل مكة، وحضر الختمة القاضي وجماعة من الأشياخ. فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا، ثم استدعاهم ابو الصبي المذكور الى منزله الى طعام وحلوى قد أعدّهما واحتفل فيهما.
ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين، وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار، غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة، فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا. وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة، قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة، وأعدّ لها شمعا كثيرا، ووضع في وسط الحرم مما يلي باب بني شيبة شبيه المحراب المربع من أعواد مشرجبة، قد أقيم على قوائم اربع، وربطت في اعلاه عيدان نزلت منها قناديل وأسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل وسمر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف غرز فيها الشمع، فاستدار بالمحراب كله. وأوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه، وأمعن الاحتفال في هذا كله. ووضع بمقربة من المحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان.
وحضر الإمام الطفل فصلى التراويح وختم، وقد انحشد أهل المسجد الحرام اليه رجالا ونساء، وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به.
ثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة امامية وسكينة غلامية، مكحل
следующие страницы →