← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 10883

رحلة ابن جبير ط دار الهلال

ابن جبير

Полный текст (281 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والجامع المكرم مائل الى الجهة الشمالية من البلد. وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون: منها في القبة التي تحت قبة الرصاص عشر، وفي القبة المتصلة بالمحراب مع ما يليها من الجدار أربع عشرة شمسية، وفي طول الجدار عن يمين المحراب ويساره أربع وأربعون، وفي القبة المتصلة بجدار الصحن ست، وفي ظهر الجدار الى الصحن سبع وأربعون شمسية. وفي الجامع المكرم ثلاث مقصورات: مقصورة الصحابة، ﵃، وهي أول مقصورة وضعت في الاسلام، وضعها معاوية بن أبي سفيان، ﵄، وبإزاء محرابها عن يمين مستقبل القبلة باب حديد، كان يدخل معاوية، ﵁، الى المقصورة منه الى المحراب. وبإزاء محرابها لجهة اليمين مصلى أبي الدرداء، ﵁، وخلفها كانت دار معاوية، ﵁، وهي اليوم سماط عظيم للصفارين، يتصل بطول جدار الجامع القبلي، ولا سماط أحسن منظرا منه ولا أكبر طولا وعرضا. وخلف هذا السماط على مقربة منه دار الخليل برسمه، وهي اليوم مسكونة، وفيها مواضع للكمادين. وطول المقصورة الصحابية المذكورة أربعة وأربعون شبرا، وعرضها نصف الطول. ويليها لجهة الغرب، في وسط الجامع، المقصورة التي أحدثت عند إضافة النصف المتخذ كنيسة الى الجامع، حسبما تقدم ذكره، وفيها منبر الخطبة ومحراب الصلاة. وكانت مقصورة الصحابة أولا في نصف الحظ الإسلامي من الكنيسة، وكان الجدار حيث أعيد المحراب في المقصورة المحدثة، فلما أعيدت الكنيسة كلها مسجدا صارت مقصورة الصحابة طرفا في الجانب الشرقي، وأحدثت المقصورة الأخرى وسطا حيث كان جدار الجامع قبل الاتصال. وهذه المقصورة أخرى المحدثة أكبر من الصحابية. وبالجانب الغربي بازاء الجدار مقصورة أخرى هي برسم الحنفية يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون. وبإزائها زاوية محدقة بالأعواد المشرجبة كأنها مقصورة صغيرة. وبالجانب الشرقي زاوية أخرى على هذه الصفة هي كالمقصورة، كان وضعها للصلاة فيها أحد امراء الدولة التركية، وهي

стр. 212

لاصقة بالجدار الشرقي. وبالجامع المكرم عدة زوايا على هذا الترتيب يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس، وهي من جملة مرافق الطلبة. وفي الجدار المتصل بالصحن، المحيط بالبلاطات القبيلة، عشرون بابا متصلة بطول الجدار قد علتها قسيّ جصية مخرّمة كلها على هيئة الشمسيات، فتبصر العين من اتصالها أجمل منظر وأحسنه. والبلاط المتصل بالصحن، المحيط بالبلاطات من ثلاث جهات، على أعمدة، وعلى تلك الأعمدة أبواب مقوسة تقلها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله. ومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر وأحسنها، وفيه مجتمع أهل البلد، وهو متفرجهم ومتنزههم كل عشية، تراهم فيه ذاهبين وراجعين من شرق الى غرب، من باب جيرون الى باب البريد، فمنهم من يتحدث مع صاحبه، ومنهم من يقرأ، لا يزالون على هذه الحال من ذهاب ورجوع الى انقضاء صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرفون، ولبعضهم بالغداة مثل ذلك، وأكثر الاحتفال انما هو بالعشيّ فيخيل لمبصر ذلك أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم، لا يزالون على ذلك كل يوم. وأهل البطالة من الناس يسمونهم الحراثين. وللجامع ثلاث صوامع: واحدة في الجانب الغربي، وهي كالبرج المشيد، يحتوي على مساكن متسعة وزوايا فسيحة راجعة كلها الى أغلاق يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير، والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي، ﵀، ويسكنه اليوم الفقيه الزاهد أبو عبد الله بن سعيد من أهل قلعة يحصب المنسوبة لهم، وهو قريب لبني سعيد المشتهرين بالدنيا وخدمتها، وثانية بالجانب الغربي على هذه الصفة، وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطفيين. وفي الصحن ثلاث قباب: إحداها في الجانب الغربي منه وهي أكبرها، وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام، مستطيلة كالبرج، مزخرفة بالفصوص والأصبغة

стр. 213

الملونة، كأنها الروضة حسنا، وعليها قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة، يقال: إنها كانت مخزنا لمال الجامع، وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ما ذكر لنا على الثمانية آلاف دينار صورية في السنة، وهي خمسة عشر ألف دينار مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قد ألصق أبدع إلصاق، قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام وتحتها شباك حديد مستدير، وفي وسطه أنبوب من الصفر يمج الماء الى علو، فيرتفع وينثني كأنه قضيب لجين، يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافا واستحسانا، ويسمونه قفص الماء. والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة لكن أصغر منها. وفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضي الى مسجد كبير، في وسطه صحن، قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير، يجري الماء فيه دائما من صفحة رخام أبيض مثمنة قد قامت وسط الصهريج على رأس عمود مثقوب يصعد الماء منه اليها، ويعرف هذا الموضع بالكلاسة، ويصلي فيه اليوم صاحبنا الفقيه الزاهد المحدث أبو جعفر الفنكي القرطبي، ويتزاحم الناس على الصلاة فيه خلفه التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته. وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي الى مسجد من أحسن المساجد وأبدعها وضعا وأجملها بناء؛ يذكر الشيعة أنه مشهد لعلي بن أبي طالب، ﵁. وهذا من أغرب مختلقاتهم. ومن العجيب أنه يقابله، في الجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن، موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي، مجلل بستر في أعلاه، وأمامه ستر أيضا منسدل، يزعم أكثر الناس أنه موضع لعائشة، ﵂، وأنها كانت تسمع الحديث فيه. وعائشة، ﵂، في دخول دمشق كعلي، ﵁، لكن لهم في علي، ﵁ مندوحة من القول، وذلك أنهم يزعمون أنه رؤي في المنام مصليا في ذلك الموضع فبنت الشيعة فيه مسجدا. واما الموضع المنسوب لعائشة، ﵂، فلا مندوحة فيه وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع.

стр. 214

وكان هذا الجامع المبارك، ظاهرا وباطنا، منزلا كله بالفصوص المذهبة، مزخرفا بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة، فأدركه الحريق مرتين، فتهدم وجدد، وذهب أكثر رخامه، فاستحال رونقه، فأسلم ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها. ومحرابه من أعجب المحاريب الاسلامية حسنا وغرابة صنعة، يتقد ذهبا كله. وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره تحفها سويريات مفتولات فتل الأسورة كأنها مخروطة، لم ير شيء أجمل منها، وبعضها حمر كأنها مرجان. فشأن قبلة هذا الجامع المبارك، مع ما يتصل من قبابه الثلاث، واشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه، واتصال شعاع الشمس بها، وانعكاسه الى كل لون منها، حتى ترتمي الأبصار منه أشعة ملونة، يتصل ذلك بجداره القبلي كله، عظيم لا يلحق وصفه ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر منه، والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنّه. وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان ﵁، وهو المصحف الذي وجه به الى الشام وتفتح الخزانة كل يوم إثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه. وله أربعة أبواب: باب قبلي، ويعرف بباب الزيادة، وله دهليز كبير متسع، له أعمدة عظام، وفيه حوانيت للخرزيين وسواهم، وله مرأى رائع، ومنه يفضى الى دار الخيل، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي كانت دار معاوية، ﵁، وتعرف بالخضراء؛ وباب شرقي، وهو أعظم الأبواب، ويعرف بباب جيرون؛ وباب غربي، ويعرف بباب البريد؛ وباب شمالي، ويعرف بباب الناطفيين. وللشرقي والغربي والشمالي أيضا من هذه الأبواب دهاليز متسعة، يفضي كل دهليز منها الى باب عظيم، كانت كلها مداخل للكنيسة فبقيت على حالها، وأعظمها منظرا الدهليز المتصل بباب جيرون، يخرج من هذا الباب الى بلاط

стр. 215

طويل عريض قد قامت أمامه خمسة أبواب مقوسة لها ستة اعمدة طوال. وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي، ﵄ ثم نقل الى القاهرة. وبإزائه مسجد صغير ينسب لعمر بن عبد العزيز، ﵁. وبذلك المشهد ماء جار. وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها الى الدهليز، وهو كالخندق العظيم، يتصل الى باب عظيم الارتفاع، ينحسر الطرف دونه سموا، قد حفته أعمدة كالجذوع طولا وكالأطواد ضخامة. وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة، فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم، وعليها شوارع أخر مستطيلة فيها الحجر والبيوت للكراء مشرفة على الدهليز، وفوقها سطح يبيت به سكان الحجر والبيوت، وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام، ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة مكشوفة للهواء لم ينعطف عليها تعتيب. وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع الى الهواء أزيد من القامة لم ... وحوله أنابيب صغار ترمي الماء الى علو فيخرج عنها كقضبان اللجين، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف. وعن يمين الخارج من باب جيرون، في جدار البلاط الذي أمامه، غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هندسيا، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما: أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب، والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار الى الغرفة، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين الى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحرا، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر؛

стр. 216

لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات، ثم تعود الى حالها الأول. ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة أمامها شعاعها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل ذلك الى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها، وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها، درب بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج الى موضعها. وهي التي يسميها الناس المنجانة. ودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين، وفيه سماط لبيع الفواكه، وفي أعلاه باب عظيم يصعد اليه على أدراج، وله أعمدة سامية في الهواء. وتحت الأدراج سقايتان مستديرتان: سقاية يمينا، وسقاية يسارا، لكل سقاية خمسة أنابيب ترمي الماء في حوض رخام مستطيل. ودهليز الباب الشمالي فيه زوايا على مصاطب محدقة بالأعواد المشرجبة، وهي محاضر لمعلمي الصبيان. وعن يمين الخارج في الدهليز خانقة مبنية للصوفية في وسطها صهريج ويقال: انها كانت دار عمر بن عبد العزيز، ﵁، ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا. والصهريج الذي في وسطها يجري الماء فيه، ولها مطاهر يجري الماء في بيوتها. وعن يمين الخارج أيضا من باب البريد مدرسة للشافعية في وسطها صهريج يجري الماء فيه ولها مطاهر على الصفة المذكورة. وفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان يسيرا لهما رأسان من الصفر مستطيلان مشرجبان قد خرما أحسن تخريم، يسرجان ليلة النصف من شعبان فيلوحان كأنهما ثريتان مشتعلتان. واحتفال أهل هذه البلدة لهذه الليلة المذكورة اكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم.

стр. 217

وفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم، كل يوم اثر صلاة الصبح، لقراءة سبع من القرآن دائما، ومثله اثر صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية، يقرءون فيها من سورة الكوثر الى الخاتمة. ويحضر في هذا المجتمع الكوثري كل من لا يجيد حفظ القرآن. وللمجتمعين على ذلك اجراء كل يوم يعيش منه أزيد من خمس مئة انسان. وهذا من مفاخر هذا الجامع المكرم. فلا تخلو القراءة منه صباحا ولا مساء. وفيه حلقات للتدريس للطلبة، وللمدرسين فيها اجراء واسع، وللمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي، يجتمع فيها طلبة المغاربة، ولهم اجراء معلوم. ومرافق هذا الجامع المكرم للغرباء وأهل الطلب كثيرة واسعة. وأغرب ما يحدث به أن سارية من سواريه، هي بين المقصورتين القديمة والحديثة، لها وقف معلوم يأخذه المستند اليها للمذاكرة والتدريس. أبصرنا بها فقيها من أهل اشبيلية يعرف بالمرادي. وعند فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحا يستند كل انسان منهم الى سارية ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن. وللصبيان أيضا على قراءتهم جراية معلومة. فأهل الجدة من آبائهم ينزهون أبناءهم عن أخذها وسائرهم يأخذها وهذا من المفاخر الاسلامية. وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير، يأخذ منه المعلم لهم ما يقوم به وينفق منه على الصبيان ما يقوم بهم وبكسوتهم؛ وهذا أيضا من أغرب ما يحدّث به من مفاخر هذه البلاد. وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها انما هو تلقين، ويعلمون الخط في الأشعار وغيرها، تنزيها لكتاب الله عن ابتذال الصبيان له بالإثبات والمحو. وقد يكون في أكثر البلاد الملقن على حدة والمكتّب على حدة فينفصل من التلقين الى التكتيب، لهم في ذلك سيرة حسنة. ولذلك ما يتأتى لهم حسن الخط، لأن المعلم له لا يشتغل بغيره، فهو يستفرغ جهده في التعليم والصبي في التعلم كذلك، ويسهل عليه لأنه بتصوير يحذو حذوه. ويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات، في كل جانب سقايات، في كل جانب سقاية، كل واحدة

стр. 218

منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية، والماء يجري في كل بيت منها. وبطول صحنها حوض من الحجر مستطيل تصب فيه عدة أنابيب منتظمة بطوله. واحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون، وهي أكبرها وفيها من البيوت ما ينيف على الثلاثين، وفيها زائدا على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكادان يمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على هذه السقاية، والواحد بعيد من الآخر، ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبرا، والماء نابع فيهما. والثانية في دهليز باب الناطفيين بإزاء المعلمين، والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد، والرابعة عن يمين الخارج من باب الزيادة. وهذه ايضا من المرافق العظيمة للغرباء وسواهم. والبلد كله سقايات قلما تخلو سكة من سككه أو سوق من أسواقه، من سقاية، والمرافق به أكثر من أن توصف، والله يبقيه دار اسلام بقدرته. مشاهده المكرمة وآثره المعظمة فاولها مشهد رأس يحيى بن زكرياء، ﵇، وهو مدفون بالجامع المكرم في البلاط القبلي قبالة الركن الأيمن من المقصورة الصحابية، ﵃، وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة، وفوقه قنديل كأنه من بلور مجوف، كأنه القدح الكبير، لا يدرى أمن زجاج عراقي أم صوري هو أم من غير ذلك. ومولد ابراهيم، ﷺ وعلى نبينا الكريم، وهو بصفح جبل قاسيون عند قرية تعرف ببرزة، وهي من أجمل القرى، وهذا الجبل مشهور بالبركة في القديم لأنه مصعد الأنبياء، صلوات الله عليهم، ومطلعهم، وهو في الجهة الشمالية من البلد وعلى مقدار فرسخ، وهذا المولد المبارك غار مستطيل ضيق، وقد بني عليه مسجد كبير مرتفع مقسم على مساجد كثيرة كالغرف المطلة، وعليه صومعة عالية، ومن ذلك الغار رأى، ﷺ ، الكوكب

стр. 219

ثم القمر ثم الشمس، حسبما ذكره الله تعالى في كتابه ، وفي ظهر الغار مقامه الذي كان يخرج اليه، وهذا كله ذكره الحافظ محدث الشام أبو القاسم بن هبة الله بن عساكر الدمشقي في تاريخه في أخبار دمشق، وهو ينيف على مئة مجلد. وذكر أيضا أن بين باب الفراديس، وهو أحد أبواب البلد، وفي الجهة الشمالية من الجامع المبارك، على مقربة منه الى جبل قاسيون، مدفن سبعين ألف نبي، وقيل: سبعون ألف شهيد، وأن الأنبياء المدفونين به سبع مئة نبي، والله أعلم. وخارج هذا البلد الجبانة العتيقة، وهي مدفن الأنبياء والصالحين، وبركتها شهيرة. وفي طرفها مما يلي البساتين وهدة من الأرض متصلة بالجبانة، ذكر انها مدفن سبعين نبيا، وعصمها الله ونزهها من أن يدفن فيها أحد، والقبور محيطة بها، وهي لا تخلو من الماء حتى عادت قرارة له، كل ذلك تنزيه من الله تعالى لها. ويجبل قاسيون أيضا لجهة الغرب، على مقدار ميل أو أزيد من المولد المبارك، مغارة تعرف بمغارة الدم، لأن فوقها في الجبل دم هابيل قتيل أخيه قابيل ابني آدم، ﷺ ، يتصل من نحو نصف الجبل الى المغارة، وقد أبقى الله منه في الجبل آثارا حمرا في الحجارة تحك فتستحيل، وهي كالطريق في الجبل، وتنقطع عند المغارة، وليس يوجد في النصف الأعلى من المغارة آثار تشبهها، فكان يقال: انها لون حجارة الجبل، وانما هي من الموضع الذي جر منه القاتل لأخيه حيث قتله حتى انتهى الى المغارة، وهي من آيات الله تعالى، وآياته لا تحصى. وقرأنا في تاريخ ابن المعلى الأسدي أن تلك المغارة صلى فيها ابراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب، عليهم وعلى نبينا الكريم أفضل الصلاة والسلام. وعليها مسجد قد أتقن بناؤه، ويصعد اليه على أدراج، وهو كالغرفة المستديرة، وحولها أعواد مشرجبة مطيفة بها، وبه بيوت ومرافق للسكنى. وهو يفتح

стр. 220

كل يوم خميس والسرج من الشمع والفتائل تقد في المغارة، وهي متسعة. وفي أعلى الجبل كهف منسوب لآدم، ﷺ ، وعليه بناء، وهو موضع مبارك. وتحته في حضيض الجبل مغارة تعرف بمغارة الجوع، ذكر أن سبعين نبيا ماتوا فيها جوعا، وكان عندهم رغيف فلم يزل كل واحد منهم يؤثر به صاحبه ويدور عليهم من يد الى يد حتى لحقتهم المنية، صلوات الله عليهم. وعلى هذه المغارة أيضا مسجد مبني، وأبصرنا فيه السرج تقد نهارا. ولكل مشهد من هذه المشاهد أوقاف معينة من بساتين وأرض بيضاء ورباع، حتى ان البلد تكاد الأوقاف تستغرق جميع ما فيه. وكل مسجد يستحدث بناؤه أو مدرسة أو خانقة يعين لها السلطان أوقافا تقوم بها وبساكنيها والملتزمين لها وهذه ايضا من المفاخر المخلدة. ومن النساء الخواتين ذوات الأقدار من تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة وتنفق فيها الأموال الواسعة وتعين لها من مالها الأوقاف. ومن الأمراء من يفعل مثل ذلك، لهم في هذه الطريقة المباركة مسارعة مشكورة عند الله . وبآخر هذا الجبل المذكور، في آخر البسيط البستاني الغربي من هذا البلد، الربوة المباركة المذكورة في كتاب الله تعالى: مأوى المسيح وأمه، صلوات الله عليهما، وهي من أبدع مناظر الدنيا حسنا وجمالا واشراقا واتقان بناء واحتفال تشييد وشرف وضع، هي كالقصر المشيد، ويصعد اليها على أدراج. والمأوى المبارك منها مغارة صغيرة في وسطها، وهي كالبيت الصغير. وبإزائها بيت يقال: انه مصلى الخضر ﷺ ، فيبادر الناس للصلاة بهذين الموضعين المباركين، ولا سيما المأوى المبارك. وله باب حديد صغير ينغلق دونه، والمسجد يطيف بها، ولها شوارع دائرة، وفيها سقاية لم ير أحسن منها، قد سيق اليها الماء من علو، وماؤها ينصب على شاذروان في الجدار متصل بحوض من رخام يقع الماء فيه، لم ير أحسن من منظره. وخلف ذلك مطاهر يجري الماء في كل بيت منها ويستدير بالجانب المتصل بجدار الشاذروان.

стр. 221

وهذه الربوة المباركة رأس بساتين البلد ومقسم مائه، ينقسم فيها الماء على سبعة أنهار، يأخذ كل نهر طريقه، وأكبر هذه الأنهار نهر يعرف بثورا، وهو يشق تحت الربوة، وقد نقر له في الحجر الصلد أسفلها حتى انفتح له متسرب واسع كالغار، وربما انغمس الجسور من سباح الصبيان أو الرجال من أعلى الربوة في النهر واندفع تحت الماء حتى يشق متسربه تحت الربوة ويخرج أسفلها، وهي مخاطرة كبيرة. ويشرف من هذه الربوة على جميع البساتين الغربية من البلد، ولا اشراف كإشرافها حسنا وجمالا واتساع مسرح للأبصار. وتحتها تلك الأنهار السبعة تتسرب وتسيح في طرق شتى، فتحار الأبصار في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاع انصبابها. وشرف موضوع هذه الربوة ومجموع حسنها أعظم من أن يحيط به وصف واصف في غلو مدحه. وشأنها في موضوعات الدنيا الشريفة خطير كبير. ويتصل بها أسفل منها، بمقربة من المسافة، قرية كبيرة تعرف بالنيرب، قد غطتها البساتين، فلا يظهر منها الا ما سما بناؤه. وبها جامع لم ير أحسن منه مفروش سطحه كله بفصوص الرخام الملون، فيخيل لناظره انه ديباج مبسوط. وفيه سقاية ماء رائقة الحسن، ومطهرة لها عشرة أبواب، يجري الماء فيها ويطيف بها. وفوقها لجهة القبلة قرية كبيرة، هي من أحسن القرى، تعرف بالمزة، وبها جامع كبير وسقاية معينة، وبقرية النيرب حمّام، وأكثر قرى هذه البلدة فيها الحمّامات. وفي الجهة الشرقية من البلد، عن يمين الطريق الى مولد ابراهيم، ﵇، قرية تعرف ببيت لاهية، يريدون الآلهة، وكانت فيها كنيسة هي الآن مسجد مبارك، وكان آزر أبو ابراهيم ينحت فيها الآلهة ويصورها فيجيء الخليل ابراهيم، صلوات الله عليه وعلى نبينا الكريم، فيكسرها. وهي اليوم مسجد يجتمع فيه أهل القرية، وسطحه كله مفروش بفصوص الرخام الملونة، منتظم

стр. 222

كله خواتيم وأشكالا بديعة، يخيل لمبصرها أنها فرش متقنة مزخرفة، وهو من المشاهد الكريمة. وللربوة المباركة أوقاف كثيرة من بساتين وأرض بيضاء ورباع. وهي معينة التقسيم لوظائفها. فمنها ما هو معين باسم النفقة في الأدم للبائتين فيها من الزوار، ومنها ما هو معين للأكسية برسم التغطية بالليل، ومنها ما هو معين للطعام، الى تقاسيم تستوفى جميع مؤنها، ومؤن الأمين الراتب فيها برسم الإمامة، والمؤذن الملتزم خدمتها، ولهم على ذلك كله مرتب معلوم في كل شهر. وهي خطة من أعظم الخطط. والأمين فيها الآن من بقية المرابطين المسوفيين ومن أعيانهم، يعرف بأبي الربيع سليمان بن ابراهيم بن مالك، وله مكانة من السلطان ووجوه الدولة، وله في الشهر خمسة دنانير حاشا فائدة الربوة، وهو متسم بالخير ومرتسم به، وهو متعلق بسبب من أسباب البر في ايواء أهل الغرب من الغرباء المنقطعين بهذه الجهات، يسبب لهم وجوه المعايش من إمامة في مسجد أو سكنى بمدرسة تجرى عليه فيها النفقة أو التزام زاوية من زوايا المسجد الجامع يجبى اليه فيها رزقه أو حضور في قراءة سبع، أو سدانة مشهد من المشاهد المباركة يكون فيه، ويجري عليه ما يقوم به من أوقافه، الى غير ذلك من الوجوه المعاشية على هذه السبيل المباركة مما يطول شرحه. فالغريب المحتاج هنا، اذا كان على طريقة الخير، مصون محفوظ غير مريق ماء الوجه. وسائر الغرباء ممن ليس على هذه الحال، ممن عهد الخدمة والمهنة، يسبب له أيضا أسباب غريبة من الخدمة. اما بستان يكون ناطورا فيه، أو حمّام يكون عينا على خدمته، وحافظا لأثواب داخليه، أو طاحونة يكون أمينا عليها، أو كفالة صبيان يؤديهم الى محاضرهم ويصرفهم الى منازلهم، الى غير ذلك من الوجوه الواسعة. وليس يؤتمن فيها كلها سوى المغاربة الغرباء، لأنهم قد علا لهم بهذا البلد

стр. 223

صيت في الأمانة، وطار لهم فيها ذكر، وأهلها لا يأتمنون البلديين. وهذا من إلطاف الله تعالى بالغرباء، وله الحمد والشكر على ما يولي عباده. وان شاء أحد المتعلقين بأسباب المعارف التعرض هنالك للسلطان يقبله ويكرمه ويرتبه ويجري عليه بحسب قدره ومنصبه، وقد طبعت هذه البلاد وملوكها على هذه الفضائل قديما وحديثا. وقد تسلسل بنا القول الى غير الباب الذي نحن فيه، والحديث ذو شجون، والله كفيل بحسن العون، لا رب سواه. وبغربي البلد جبانة كبيرة تعرف بقبور الشهداء، فيها كثير من الصحابة والتابعين الأئمة الصالحين، ﵃، فالمشهور بها من قبور الصحابة، ﵃، قبر أبي الدرداء وقبر زوجته أم الدرداء، ﵄، وموضع مبارك فيه تاريخ قديم مكتوب عليه في هذا الموضع قبر جماعة من الصحابة، ﵃، منهم فضالة بن عبيد، وسهل بن الحنظلية، من الذين بايعوا رسول الله، ﷺ ، تحت الشجرة، وخال أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، ﵁؛ وقبره مسنم في الموضع المذكور. وقرأت في فضائل دمشق: أن أم المؤمنين أم حبيبة أخت معاوية، ﵄، مدفونة بدمشق. وقبر واثلة بن الأسقع من أهل الصفة. وفي الجهة التي تلي هذا الموضع المبارك تاريخ فيه مكتوب: هذا قبر أوس بن أوس الثقفي. وحول هذا الموضع المذكور، على مقربة منه، قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله، ﷺ . وفي رأس القبر المبارك تاريخ باسمه، ﵁. والدعاء في هذا الموضع المبارك مستجاب، قد جرّب ذلك كثير من الأولياء وأهل الخير المتبركين بزيارتهم الى قبور كثيرة من الصحابة وسواهم من الصالحين ممن قد ذهب اسمه وغبر ذكره، ومشاهد كثيرة لأهل البيت، ﵃، رجالا ونساء، وقد احتفل الشيعة في البناء عليهم، ولها الأوقاف الواسعة ومن أحفل هذه المشاهد مشهد منسوب لعلي بن أبي طالب، ﵁ قد بني عليه مسجد حفيل رائق البناء، وبإزائه بستان كله نارنج، والماء بطر؟؟؟

стр. 224

فيه من سقاية معينة. والمسجد كله ستور معلقة في جوانبه صغار وكبار. وفي المحراب حجر عظيم قد شق بنصفين والتحم بينهما ولم يبن النصف عن النصف بالكلية، يزعم الشيعة أنه انشق لعلي، ﵁، اما بضربة بسيفه أو بأمر من الأمور الإلهية على يديه. ولم يذكر عن علي، ﵁، أنه دخل قط هذا البلد، اللهم الا ان زعموا أنه كان في النوم، فلعل جهة الرؤيا تصح لهم اذ لا تصح لهم جهة اليقظة. وهذا الحجر أوجب بنيان هذا المشهد. وللشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها. وقد عمروا البلاد بمذاهبهم، وهم فرق شتى: منهم الرافضة، وهم السبّابون؛ ومنهم الإمامية والزيدية، وهم يقولون بالتفضيل خاصة؛ ومنهم الاسماعيلية والنصيرية وهم كفرة فإنهم يزعمون الإلهية لعلي، ﵁، تعالى الله عن قولهم؛ ومنهم الغرابية، وهم يقولون: ان عليا، ﵁، كان أشبه بالنبي، ﷺ ، من الغراب بالغراب، وينسبون الى الروح الأمين، ﵇، قولا تعالى الله عنه علوا كبيرا؛ الى فرق كثيرة يضيق عنهم الإحصاء، قد أضلهم الله وأضل بهم كثيرا من خلقه، نسأل الله العصمة في الدين، ونعوذ به من زيغ لملحدين. وسلط الله على هذه الرافضة طائفة تعرف بالنبوية، سنيون يدينون بالفتوة وبأمور الرجولة كلها. وكل من الحقوه بهم لخصلة يرونها فيه منها يحزمونه السراويل فيلحقونه بهم، ولا يرون أن يستعدي أحد منهم في نازلة تنزل به، لهم في ذلك مذاهب عجيبة. واذا أقسم أحدهم بالفتوة برّ قسمه. وهم يقتلون هؤلاء الروافض أينما وجدوهم. وشأنهم عجيب في الأنفة والائتلاف. ومن المشاهد المكرمة مشهد سعد بن عبادة رئيس الخزرج، صاحب رسول الله، ﷺ ، وهو بقرية تعرف بالمنيحة شرقي البلد وعلى مقدار أربعة أميال منه. وعلى قبره مسجد صغير حسن البناء، والقبر في وسطه، وعند رأسه مكتوب: هذا قبر سعد بن عبادة رأس الخزرج، صاحب رسول الله، ﷺ .

стр. 225

ومن مشاهد أهل البيت، ﵃: مشهد أم كلثوم ابنة عليّ بن أبي طالب، ﵄، ويقال لها زينب الصغرى، وأم كلثوم، كنية أوقعها عليها النبي، ﷺ ، لشبهها بابنته ام كلثوم، ﵂، والله أعلم بذلك، ومشهدها الكريم بقرية قبليّ البلد تعرف براوية على مقدار فرسخ، وعليه مسجد كبير، وخارجه مساكن، وله أوقاف، وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست أم كلثوم، مشينا اليه وبتنا به وتبرّكنا برؤيته، نفعنا الله بذلك. وبالجبّانة التي بغربي البلد، من قبور أهل البيت، كثير، ﵃، منهما قبران عليهما مسجد يقال انهما من ولد الحسن والحسين، ﵄، ومسجد آخر فيه قبر يقال انه لسكينة بنت الحسين، ﵄، أو لعلها سكينة اخرى من أهل البيت ومن المشاهد أيضا قبر بجامع النّيرب، في بيت بالجهة الشرقية منه، يقال انه لأم مريم، ﵂. وبقرية دارية قبر أبي مسلم الخولاني، ﵁، وعليه قبة هي علامة القبر، وبها أيضا قبر أبي سليمان الداراني، ﵁. وبين هذه القرية وبين البلد مقدار اربعة أميال، وهي لجهة الغرب منه. ومن المشاهد الكريمة التي لم نعاينها ووصفت لنا قبرا شيث ونوح، ﵉، وهما بالبقاع، وهي على يومين من البلد. وحدثنا من ذرع قبر شيث فألفى فيه أربعين باعا، وفي قبر نوح ثلاثين. وبإزاء قبر نوح قبر ابنة له. وعلى هذه القبور بناء، ولها أوقاف كثيرة، ولها قيّم يلتزمها. ومن المشاهد المباركة أيضا، بالجبانة الغربية وبمقربة من باب الجابية، قبر اويس القرني، ﵁، وقبور خلفاء بني امية، ﵏، يقال: انها بإزاء باب الصغير بمقربة من الجبانة المذكورة، وعليها اليوم بناء يسكن فيه. والمشاهد المباركة في هذه البلدة أكثر من أن تنضبط بالتقييد وانما رسم من ذلك ما هو مشهور ومعلوم. ومن المشاهد الشهيرة أيضا مسجد الاقدام، وهو

стр. 226

على مقدار ميلين من البلد مما يلي القبلة على قارعة الطريق الأعظم الآخذ الى بلاد الحجاز والساحل وديار مصر. وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه: كان بعض الصالحين يرى النبيّ، ﷺ ، في النوم، فيقول: ههنا قبر أخي موسى، ﷺ . والكثيب الأحمر على الطريق بمقربة من هذا الموضع وهو بين غالية وغويلية كما ورد في الأثر، وهما موضعان. وشأن هذا المسجد في البركة عظيم، ويقال: ان النور ما خلا قط من هذا الموضع الذي يذكر أن القبر فيه حيث الحجر المكتوب. وله أوقاف كثيرة. فأما الأقدام ففي حجارة في الطريق اليه معلم عليها، تجد اثر القدم في كل حجر، وعدد الأقدام تسع، ويقال. انها أثر قدم موسى، ﵇، والله أعلم بحقيقة ذلك، لا اله سواه. شهر جمادى الأول استهل هلاله ليلة الجمعة، بموافقة العاشر لشهر أغوشت العجمي. بعض أحوال البلد لهذه البلدة ثمانية ابواب. باب شرقي، وهو شرقي وفيه منارة بيضاء يقال: انّ عيسى، ﵇، ينزل فيها، لما جاء في الأثر انه ينزل بالمنارة البيضاء شرقيّ دمشق، ويلي هذا الباب باب توما، وهو أيضا في حيّز الشرق؛ ثم باب السلامة، ثم باب الفراديس، وهو شمالي؛ ثم باب الفرج، ثم باب النصر، وهو غربي؛ ثم باب الجابية كذلك؛ ثم باب الصغير، وهو بين الغرب والقبلة. والمسجد الجامع مائل الى الجهة الشمالية من البلد، والأرباض به مطيفة الا من جهة

стр. 227

الشرق مع ما يتصل بها من القبلة يسيرا. والأرباض كبار، والبلد ليس بمفرط الكبر، وهو مائل للطول، وسككه ضيقة مظلمة، وبناؤه طين وقصب، طبقات بعضها فوق بعض، ولذلك ما يسرع الحريق اليه، وهو كله ثلاث طبقات، فيحتوي من الخلق على ما تحتوي ثلاث مدن، لأنه أكثر بلاد الدنيا خلقا، وحسنه كله خارج لا داخل. وفي داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن عظيم، تعرف بكنيسة مريم، ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها. وهي حفيلة البناء، تتضمن من التصاوير أمرا عجيبا تبهت الأفكار، وتستوقف الأبصار، ومرآها عجيب، وهي بأيدي الروم، ولا اعتراض عليهم فيها. وبهذه البلدة نحو عشرين مدرسة، وبها مارستانان قديم وحديث، والحديث أحفلهما واكبرهما، وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا، وله قومة بأيديهم الأزمة المحتوية على اسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون اليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك، والأطباء يبكرون اليه في كل يوم ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق بكل انسان منهم. والمارستان الآخر على هذا الرسم، لكن الاحتفال في الجديد أكثر. وهذا القديم هو غربي الجامع المكرّم. وللمجانين المعتقلين أيضا ضرب من العلاج، وهم في سلاسل موثقون، نعوذ بالله من المحنة وسوء القدر. وتندر من بعضهم النوادر الظريفة، حسبما كنا نسمع به. ومن أعجب ما حدثت به من ذلك: أن رجلا كان يعلم القرآن، وكان يقرأ عليه أحد أبناء وجوه البلد ممن أوتي مسحة جمال، واسمه نصر الله، وكان المعلم يهيم به، فزاد كلفه حتى اختبل وأدي الى المارستان، واشتهرت علته وفضيحته بالصبي، وربما كان يدخله أبوه اليه، فقيل له: اخرج، وعد لما كنت عليه من القرآن. فقال متماجنا تماجن المجانين: وأي قراءة بقيت لي؟ ما بقي في حفظي من القرآن شيء سوى: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ» فضحك منه، ومن قوله. ونسأل الله العافية له ولكل

стр. 228

مسلم، فلم يزل كذلك حتى توفي سمح الله له. وهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام، والمدارس كذلك. ومن أحسن مدارس الدنيا منظرا مدرسة نور الدين، ﵀، وبها قبره، نوّره الله. وهي قصر من القصور الأنيقة، ينصب فيها الماء في شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة الى ان يقع في صهريج كبير وسط الدار. فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر، فكل من يبصره يجدد الدعاء لنور الدين، ﵀. وأما الرباطات التي يسمونها الخوانق فكثيرة، وهي برسم الصوفية. وهي قصور مزخرفة، يطرد في جميعها الماء على احسن منظر يبصر. وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد، لأنهم قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرّغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في اسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكرهم قصور الجنان. فالسعداء الموفقون منهم قد حصل لهم بفضل الله تعالى نعيم الدنيا والآخرة. وهم على طريقة شريفة، وسنّة في المعاشرة عجيبة، وسيرتهم في التزام رتب الخدمة غريبة، وعوائدهم من الاجتماع للسماع المشوّق جميلة، وربما فارق منهم الدنيا في تلك الحالات المنفعل المثابر رقة وتشوّقا. وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة، وهم يرجون عيشا طيبا هنيئا. ومن أعظم ما شاهدناه لهم موضع يعرف بالقصر، وهو صرح عظيم مستقل في الهواء، في اعلاه مساكن لم ير اجمل اشرافا منها، وهو من البلد بنصف الميل، له بستان عظيم يتصل به، وكان متنزها لاحد ملوك الاتراك. فيقال: انه كان فيه احدى الليالي على راحة، فاجتاز به قوم من الصوفية، فهريق عليهم من النبيذ الذي كانوا يشربونه في ذلك القصر. فرفعوا الأمر لنور الدين، فلم يزل حتى استوهبه من صاحبه ووقفه برسم الصوفية مؤبدا لهم. فطال العجب من السماحة بمثله، وبقي أثر الفضل فيه مخلدا لنور الدين، ﵀. ومناقب هذا الرجل الصالح كبيرة، وكان من الملوك الزهاد. وتوفي في شوال

стр. 229

سنة تسع وستين وخمس مئة، واستولى بعده على الأمر صلاح الدين، وهو على طريقة من الفضل شهيرة، وشأنه في الملوك كبير، وله الأثر الباقي شرفه من ازالة المكوس بطريق الحجاز، ودفعه عوضا عنها لصاحب الحجاز. وكانت الأيام قد استمرت قديما بهذه الضريبة اللعينة الى أن محا الله رسمها على يدي هذا الملك العادل، أصلحه الله. ومن مناقب نور الدين، رحمه الله تعالى، أنه كان عين للمغاربة الغرباء، الملتزمين زاوية المالكية بالمسجد الجامع المبارك، أوقافا كثيرة، منها طاحونتان وسبعة بساتين وارض بيضاء وحمام ودكانان بالعطارين. وأخبرني احد المغاربة الذين كانوا ينظرون فيه، وهو أبو الحسن علي بن سردال الجياني المعروف بالأسود: أن هذا الوقف المغربي يغل، اذا كان النظر فيه جيدا، خمس مئة دينار في العام. وكان له، ﵀، بجانبهم فضل كبير، نفعه الله بما أسلف من الخير، وهيأ ديارا موقوفة لقراء كتاب الله يسكنونها. مرافق الغرباء ومرافق الغرباء بهذه البلدة أكثر من أن يأخذها الاحصاء، ولا سيما لحفاظ كتاب الله، ، والمنتمين للطلب. فالشأن بهذه البلدة لهم عجيب جدا. وهذه البلاد المشرقية كلها على هذا الرسم، لكن الاحتفال بهذه البلدة أكثر والاتساع أوجد. فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل الى هذه البلاد ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة فأولها فراغ البال من أمر المعيشة، وهو اكبر الأعوان وأهمها، فاذا كانت الهمة فقد وجد السبيل الى الاجتهاد، ولا عذر للمقصر الا من يدين بالعجز والتسويف، فذلك من لا يتوجه هذا الخطاب عليه، وانما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي، فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها المجتهد بسلام، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق

стр. 230

الاهل والاولاد وتقرع سن الندم على زمن التضييع، والله يوفق ويرشد، لا اله سواه، قد نصحت ان ألفيت سامعا، وناديت ان اسمعت مجيبا، «ومن يهد الله فهو المهتد» ، جلت قدرته، وتعالى جده. ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها الا مبادرة أهلها لإكرام الغرباء وايثار الفقراء، ولا سيما أهل باديتها، فانك تجد من بدار الى بر الضيف عجبا، كفى بذلك شرفا لها. وربما يعرض أحدهم كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها، فيبكي الرجل ويقول: لو علم الله فيّ خيرا لأكل الفقير طعامي، لهم في ذلك سرّ شريف. من عجيب أمر المشارقة ومن عظيم أمرهم تعظيمهم للحاج، على قرب مسافة الحجّ منهم، وتيسير ذلك لهم، واستطاعتهم لسبيله. فهم يتمسحون بهم عند صدورهم، ويتهافتون عليهم تبركا بهم. ومن أغرب ما حدثنا من ذلك: أن الحاج الدمشقي مع من انضاف اليهم من المغاربة عند صدورهم الى دمشق في هذا العام، الذي هو عام ثمانين، خرج الناس لتلقيهم: الجمّ الغفير نساء ورجالا، يصافحونهم ويتمسحون بهم، وأخرجوا الدراهم لفقرائهم يتلقونهم بها، وأخرجوا اليهم الأطعمة. فأخبرني من أبصر كثيرا من النساء يتلقين الحاج ويناولنهم الخبز، فإذا عض الحاج فيه اختطفنه من أيديهم وتبادرن لأكله تبركا بأكل الحاج له ودفعن له عوضا منه دراهم، الى غير ذلك من الأمور العجيبة ضد ما اعتدنا في المغرب في ذلك، وصنع بنا في بغداد عند تلقي الحاج بها مثل ذلك أو قريب منه. ولو شئنا استقصاء هذه الأمور لخرجت بنا عن مقصد التقييد، وانما وقع الإلماع بلمحة دالة يكتفى بها عن التطويل. وكل من وفقه الله بهذه الجهات من الغرباء للانفراد يلتزم ان أحب ضيعة من الضياع فيكون فيها طيب العيش، ناعم البال، وينثال الخبز عليه من أهل الضيعة، ويلتزم الإمامة أو التعليم أو ما شاء. ومتى سئم المقام خرج الى ضيعة أخرى أو يصعد ألى جبل لبنان أو الى جبل الجودي فيلقى بها

стр. 231

المريدين المنقطعين الى الله، ، فيقيم معهم ما شاء، وينصرف الى حيث شاء. نصارى جبل لبنان ومن العجب ان النصارى المجاورين لجبل لبنان اذا رأوا به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا اليهم، ويقولون: هؤلاء ممن انقطع الى الله فتجب مشاركتهم. وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا، فيه أنواع الفواكه، وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة، وقلما يخلو من التبتيل والزهادة. واذا كانت معاملة النصارى لضد ملتهم هذه المعاملة فما ظنك بالمسلمين بعضهم مع بعض. الحرب واتفاق النصارى والمسلمين ومن أعجب ما يحدث به ان نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم. شاهدنا في هذا الوقت، الذي هو شهر جمادى الأولى، من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك، وهو من اعظم حصون النصارى، وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البر، بينه وبين القدس مسيرة يوم أو اشف قليلا، وهو سرارة ارض فلسطين، وله نظر عظيم الاتساع متصل العمارة، يذكر أنه ينتهي الى اربع مئة قرية، فنازله هذا السلطان وضيق عليه وطال حصاره.

стр. 232

واختلاف القوافل من مصر الى دمشق على بلاد الافرنج غير منقطع. واختلاف المسلمين من دمشق الى عكة كذلك. وتجار النصارى ايضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض. وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، وهي من الامنة على غاية. وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال. وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، والدنيا لمن غلب. هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك. ولا تعترض الرعايا ولا التجار، فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا. وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوفى الحديث عنه، والله يعلي كلمة الإسلام بمنه. دمشق وآثارها ولهذه البلدة قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية من البلد، وهي بإزاء باب الفرج من أبواب البلد، وبها جامع السلطان يجمع فيه، وعلى مقربة منها، خارج البلد في جهة الغرب، ميدانان كأنهما مبسوطان خزا لشدة خضرتهما، وعليهما حلق، والنهر بينهما، وغيضة عظيمة من لحور متصلة بهما، وهما من أبدع لمناظر، يخرج السلطان اليهما ويلعب فيهما بالصوالجة ويسابق بين الخيل فيهما، ولا مجال للعين كمجالها فيهما. وفي كل ليلة يخرج أبناء السلطان اليهما للرماية والمسابقة واللعب بالصوالجة. وبهذه البلدة ايضا قرب مئة حمام فيها وفي ارباضها، وفيها نحو اربعين دارا للوضوء يجري الماء فيها كلها. وليس في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب، لأن المرافق بها كثيرة. وفي الذي ذكرناه من ذلك كفاية، والله يبقيها دار اسلام بمنه.

стр. 233

وأسواق هذه البلدة من أحفل اسواق البلاد وأحسنها انتظاما وابدعها وضعا، ولا سيما قيسارياتها، وهي مرتفعات كأنها الفناديق مثقفة كلها بأبواب حديد كأنها أبواب القصور، وكل قيسارية منفردة بضبتها واغلاقها الجديدة. ولها ايضا سوق، يعرف بالسوق الكبير، يتصل من باب الجابية الى باب شرقي. وفيه بيت صغير جدا قد اتخذ مصلى، وفي قبلته حجر يقال: ان ابراهيم، ﷺ ، كان يكسر عليه الآلهة التي كان يسوقها أبوه للبيع. وحديث الدار المنسوبة لعمر بن عبد العزيز، التي هي اليوم خانقة للصوفية، وهي في الدهلير الذي في الباب الشمالي المعروف بباب الناطفيين، وقد تقدم التنبيه عليها قبل هذا، حديث عجيب، وذلك ان الذي اشتراها وبناها وجعل لها الأوقاف الواسعة وأمر بأن يدفن فيها وان يختم على قبره القرآن كل جمعة وعين من تلك الاوقاف لمن يحضر ذلك كل جمعة رطلا من خبز الحوارى، وهو ثلاثة أرطال من أرطال المغرب، رجل من العجم يعرف بالسميساطي، وسميساط بلدة من بلاد العجم، وكان موصوفا بالورع والزهد، وأصل يساره وتموله، فيما ذكر لنا، أنه الفى يوما من الأيام بالدهليز المذكور ازاء الدار المذكورة رجلا أسود مريضا مطروحا بموضعه غير ملتفت اليه ولا معتنى به، فتأجر فيه والتزم تمريضه وخدمته والنظر له اغتناما للثواب من الله ، فحانت وفاة الرجل، فاستدعى ممرضه السميساطي المذكور فقال له: انت قد احسنت الي وخدمتني ولطفت في تمريضي واشفقت لحالي وغربتي، فأنا اريد ان اكافئك على فعلك بي زائدا الى مكافأة الله عني في الآجل، ان شاء الله؛ وذلك أني كنت من أحد فتيان الخليفة المعتضد العباسي، ومعروفا بزمام الدار، وكانت لي حظوة ومكانة، فعتب علي في بعض الامر، فخرجت طريدا، فانتهيت الى هذه البلدة، فأصابني فيها من امر الله ما اصابني، فسببك الله لي رحمة، فأنا اقلدك امانة واعهد اليك فيها عهدا، اذا انا مت وغسلتني فانهض على بركة الله تعالى الى بغداد وتلطف في السؤال عن دار صاحب الزمام فتى الخليفة، فاذا

стр. 234

ارشدت اليها فصرف الحيلة في اكترائها، وارجو ان الله يعينك على ذلك، واذا سكنتها فاعمد الى موضع، سماه له فيها وذكر له امارة عليه، فاحفر فيه مقدار كذا وانزع اللوح الذي تجده معترضا تحت الأرض وخذ الذي تجده مدفونا تحت الارض وصرفه في منافعك وما يوفقك الله اليه من وجوه البر والخير مباركا لك في ذلك، ان شاء الله. ثم توفي الرجل الموصي، ﵀، وتوجه الموصى اليه بعهده الى بغداد، فيسر الله له في اكتراء الدار وانتهى الى الموضع المذكور فاستخرج منه ذخائر لا قيمة لها، عظيمة الشأن، كبيرة القدر، فدسها في احمال متاع ابتاعها وخرج الى دمشق من بغداد، فابتاع الدار المذكورة المنسوبة لعمر بن عبد العزيز، ﵁، وبناها خانقة للصوفية واحتفل فيها وابتاع لها الاوقاف ضياعا ورباعا وجعلها برسم الصوفية، واوصى بأن يدفن فيها وان يختم القرآن على قبره كل جمعة، وعين لكل من يحضر ذلك ما ذكرناه. فوجد الغرباء والفقراء في ذلك مرفقا كثيرا. فتغص الخانقة بالقرأة كل جمعة، فإذا ختموا القرآن دعوا له وانصرفوا واندفع لكل واحد منهم رطل من الخبز، على الصفة المذكورة. وبقي للمتوفي جميل الاثر والخير، رحمة الله ورضوانه عليه. والكوثرية التي ذكرناها ايضا بالجامع المكرم، والمقروءة كل يوم بعد العصر، المعينة لمن لا يحفظ القرآن كان اصلها ايضا ان احد ذوي اليسار توفي واوصى بأن يدس قبره في الجامع المكرم واوقف وقفا يغل مئة وخمسين دينارا في السنة برسم من لا يحفظ القرآن ويقرأ من سورة الكوثر الى الخاتمة، فينقسم له اربعون دينارا، في كل ثلاثة اشهر من السنة. ويذكر ان احد الملوك السالفين توفي ايضا وأوصى بأن يجعل قبره في قبلة الجامع المكرم بحيث لا يظهر، وعين اوقافا عظيمة تغل نحو الالف دينار وأربع مئة دينار في السنة وزائد لقراء سبع القرآن كل يوم. وموضع الاجتماع لقراءة هذا السبع المبارك كل يوم، اثر صلاة الصبح، بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة، ﵃، ويقال: ان في ذلك الموضع

стр. 235

هو القبر المذكور. وقراءة السبع لا تتعدى ذلك الموضع متصلا مع جدار القبلة الى الجدار الشرقي، والله لا يضيع اجر المحسنين. وبقيت هذه الرسوم الشريفة مخلدة مع الأيام، نفع الله بهار اسميها. وناميك فيها من بلاد يهدى فيها لهذه الصنائع المزلفة لرضوان الله، ، وللفقراء الملتزمين الجلوس في الجانب الشرقي من الجامع المكرم، الذين ليس لهم مأوى يأوون اليه، وقف وضعه بعض المتأجرين الموفقين برسمهم، الى ما يطول ذكره من المآثر الاخراوية الصدقية التي كفل الله بها غرباء هذه الجهات. ومن عادة اهل دمشق وسائر تلك البلاد المستحسنة، المرجو لهم فيها من الله، ، قبول، انهم في كل سنة يتوخون الوقوف يوم عرفة بجوامعهم اثر صلاة العصر، يقف بهم ائمتهم كاشفي رؤوسهم داعين الى ربهم التماسا لبركة الساعة التي يقف فيها وفد الله وحجيج بيته الحرام بعرفات، فلا يزالون واقفين داعين متضرعين الى الله ، وبحجاج بيته الحرام متوسلين، الى ان يسقط قرص الشمس ويقدروا نفر الحاج فينفصلوا باكين على ما حرموه من ذلك الموقف العظيم بعرفات وداعين الى الله في ان يوصلهم اليها ولا يخليهم من بركة القبول في فعلهم ذلك. من أعظم المناظر في الدنيا ومن أعظم ما شاهدناه من مناظر الدنيا الغريبة الشأن، وهياكلها الهائلة البنيان، المعجزة الصنعة والاتقان، المعترف لوصفها بالتقصير لسان كل بيان: الصعود الى أعلى قبة الرصاص المذكورة في هذا التقييد، القائمة وسط الجامع المكرم، والدخول في جوفها، واحالة لحظ الاعتبار في بديع وضعها، مع القبة التي في وسطها كأنها كرة مجوفة داخلة وسط كرة أخرى أعظم منها؛ صعدنا اليه في جملة من الأصحاب المغاربة ضحوة يوم الاثنين الثامن عشر لجمادى الاولى

стр. 236

المذكورة من مرقى في الجانب الغربي من بلاط الصحن كان صومعة في القديم، وتمشينا على سطح الجامع المكرم، وكله ألواح رصاص منتظمة، كما قد تقدم الذكر لذلك، وطول كل لوح أربعة أشبار، وعرضه ثلاثة أشبار، وربما اعترض في الالواح نقص أو زيادة، حتى انتهينا الى القبة المذكورة، فصعدنا اليها على سلم منصوب، وريح الميد تكاد تطير بنا، فحبونا في الممشى المطيف بها، وهو من رصاص، وسعته ستة اشبار، فلم نستطع القيام عليه لهول الموقف فيه، فأسرعنا الولوج في جوف القبة على أحد شراجيبها المفتحة في الرصاص، فأبصرنا مرأى تحار فيه العقول، وتقف دون ادراك هيبة وصفه الافهام، وجلنا في فرش من الخشب العظام حول القبة الصغيرة الداخلة في جوف القبة الرصاصية على الصفة التي ذكرناها، ولها طيقان يبصر منها الجامع ومن فيه، فكنا نبصر الرجال فيه كأنهم الصبيان في المحاضر. وهذه القبة مستديرة كالكرة، وظاهرها من خشب قد شد باضلاع من الخشب الضخام موثقة بنطق من الحديد، ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة وتجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها. وداخل هذه القبة، وهو ما يلي الجامع المكرم، خواتيم من الخشب منتظم بعضها ببعض قد اتصل اتصالا عجيبا، وهي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب، مزخرفة التلوين، بديعة القرنصة، ويرتمي الأبصار شعاع ذهبها، وتتحير الألباب في كيفية عقدها ووضعها لإفراط سموّها؛ أبصرنا من تلك الخواتيم الخشبية خاتما مطروحا جوف القبة، لم يكن طوله أقل من ستة اشبار في عرض اربعة. وهي تلوح في انتظامها للعين كأن دور كل واحدة منها شبر أو شبران الغاية لعظم سموها. والقبة الرصاص محتوية على هذه القبة المذكورة وقد شدت أيضا بأضلاع عظيمة من الخشب الضخام، موثقة الاوساط بنطق الحديد، وعددها ثمان واربعون ضلعا، بين كل ضلع وضلع اربعة اشبار، قد انعطفت انعطافا عجيبا، واجتمعت أطرافها في مركز دائرة من الخشب أعلاها، ودور هذه القبة

стр. 237

الرصاصية ثمانون خطوة، وهي مئتا شبر وستون شبرا، والحال فيها أعظم من أن يبلغ وصفها، وانما هذا الذي ذكرناه نبذة يستدل بها على ما وراءها. وتحت الغارب المستطيل المسمى النسر، الذي تحت هاتين القبتين، مدخل عظيم هو سقف للمقصورة، بينه وبينها سماء جص مزينة، وقد انتظم فيه من الخشب ما لا يحصى عدده، وانعقد بعضها ببعض، وتقوس بعضها على بعض، وتركبّت تركيبا هائلا منظره. وقد أدخلت في الجدار كله دعائم للقبتين المذكورتين. وفي ذلك الجدار حجارة، كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة، لا تنقلها الفيلة فضلا عن غيرها. فالعجب كل العجب من تطليعها الى ذلك الموضع المفرط السمو، وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك، فسبحان من ألهم عباده الى هذه الصنائع العجيبة، ومعينهم على التأتي لما ليس موجودا في طبائعهم البشرية، ومظهر آياته على ايدي من يشاء من خلقه، لا اله سواه؟ والقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة قد قامت فوقها أرجل قصار ضخام من الحجارة الصم الكبار، وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية، واستدارت الشمسيات باستدارتها، والقبتان في رأي العين واحدة، وكنينا عنها باثنين لكون الواحدة في جوف الاخرى، والظاهر منها قبة الرصاص. ومن جملة عجائب ما عايناه في هاتين القبتين أن لم نجد فيهما عنكبوتا ناسجا على بعد العهد من التفقد لهما من أحد والتعاهد لتنظيف مساحتهما، والعنكبوت في أمثالهما موجود كثير. وقد كان حقق عندنا أن الجامع المكرم لا تنسج فيه العنكبوت، ولا يدخله الطير المعروف بالخطاف، وقد تقدم ذكرنا لذلك في هذا التقييد. فانصرفنا منحدرين، وقد قضينا عجبا عجابا من هذا المنظر العظيم شأنه، المعجز وضعه، المرتفع عن الادراك وصفه، ويقال: انه ما على ظهر المعمور أعجب منظرا ولا أبعد سموا ولا أغرب بنيانا

стр. 238

من هذه القبة الا ما يحكى عن قبة بيت المقدس، فانها يحكى أنها أبعد في الارتفاع والسمو من هذه وجملة الأمر أن منظرها والوقوف على هيئة وضعها وعظيم الاستقدار فيها عند معاينها بالصعود اليها والولوج داخلها من أغرب ما يحدّث به من عجائب الدنيا، والقدرة لله الواحد القهار، لا اله سواه. رتبهم في جنائزهم ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة عجيبة، وذلك انهم يمشون أمام الجنائز بقرّاء يقرءون القرآن بأصوات شجية، وتلاحين مبكية، تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا، يرفعون أصواتهم بها، فتتلقاها الآذان بأدمع الأجفان، وجنائزهم يصلى عليها في الجامع قبالة المقصورة، فلا بد لكل جنازة من الجامع،؟ انتهوا الى بابه قطعوا القراءة، ودخلوا الى موضع الصلاة عليها، الا ان يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته، فان الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة الى موضع الصلاة عليه. وربما اجتمعوا للعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد، فيصلون أفرادا أفرادا، ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرءونها، ونقباء الجنائز يرفعون أصواتهم بالنداء لكل واصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة الى الدين، فتسمع ما شئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو نجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أو مجده أو فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه، الى ما لا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة؛ وتتبعها، ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الاسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتي الفريقين، الى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية. فيصعد كل واحد منهم الى الشريعة ساحبا أذياله من الكبر، ثانيا عطفه وقذاله. فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس

стр. 239

بهم منتهاه قام وعاظهم واحدا واحدا بحسب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر وأنشد في المعنى ما حضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ثم قعد، وتلاه آخر على مثل طريقته الى أن يفرغوا ويتفرقوا. فربما كان مجلسا نافعا لمن يحضره من الذكرى. ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة، واذا لقي أحد منهم آخر مسلما يقول: جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة، كناية عن السلام، فيتعاطون المحال تعاطيا، والجد عندهم عنقاء مغرب، وصفة سلامهم ايماء للركوع أو السجود، فترى الاعناق تتلاعب بين رفع وخفض، وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك، فواحد ينحط واخر يقوم، وعمائمهم تهوي بينهم هويا. وهذه الحالة من الانعكاف الركوعي في السلام كنا عهدناه لقينات النساء، وعند استعراض رقيق الإماء، فيا عجبا لهولاء الرجال، كيف تحلوا بسمات ربات الحجال، لقد ابتذلوا أنفسهم فيما تأنف النفوس الأبية منه، واستعملوا تكفير الذمي المنهي في الشرع عنه! لهم في الشأن طرائق عجيبة في الباطل. فيا للعجب منهم، اذا تعاملوا بهذه المعاملة وانتهوا الى هذه الغاية في الألفاظ بينهم فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟! لقد تساوت الأذناب عندهم والرءوس، ولم يميز لديهم الرئيس والمرؤوس! فسبحان خالق الخلق أطوارا، لا شريك له، ولا معبود سواه. ومن عجيب حال الصغير عندهم والكبير، بجميع هذه الجهات كلها، أنهم يمشون وأيديهم الى خلف قابضين بالواحدة على الأخرى، ويركعون للسلام على تلك الحالة المشبهة بأحوال العناة مهانة واستكانة، كأنهم قد سيموا تعنيفا، وأوثقوا تكتيفا، وهم يعتقدون تلك الهيئة لهم تمييزا لهم في ذوي الخصوصية وتشريفا، ويزعمون أنهم يجدون بها نشاطا في الأعضاء، وراحة من الاعياء، والمحتشم منهم من يسحب ذيله على الأرض شبرا أو يضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى، قد اتخذوا هذه المشية بينهم سننا، وكل منهم قد زين له سوء عمله فرآه

стр. 240

حسنا، أستغفر الله منهم! فإن لهم من آداب المصافحة عوائد تجدد لهم الإيمان، وتستوهب لهم من الله الغفران، لما بشر به الحديث المأثور عن رسول الله، ﷺ ، في المصافحة، فهم يستعملونها اثر الصلوات، ولا سيما اثر صلاة الصبح وصلاة العصر. واذا سلم الإمام وفرغ من الدعاء أقبلوا عليه بالمصافحة، وأقبل بعضهم على بعض يصافح المرء عن يمينه وعن يساره، فيتفرقون عن مجلس مغفرة، بفضل الله ، وقد تقدم الذكر فيما سلف من هذا التقييد أنهم يستعملونها عند رؤية الأهلة، ويدعو بعضهم لبعض بتعرف بركة ذلك الشهر ويمنه واستصحاب السعادة والخير فيه وفيما يعود عليه من أمثاله، وتلك أيضا طريقة حسنة ينفعهم الله بها لما فيها من تعاطي الدعوات وتجديد المودات، ومصافحة المؤمنين بعضهم بعضا رحمة من الله تعالى ونعمة. حسن سيرة السلطان وقد تقدم الذكر أيضا في غير موضع من هذا الكتاب عن حسن سيرة السلطان بهذه الجهات: صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب، وما له من المآثر المأثورة في الدنيا والدين، ومثابرته على جهاد أعداء الله، لأنه ليس أمام هذه البلدة بلدة للاسلام، والشام أكثره بيد الإفرنج، فسبب الله هذا السلطان رحمة للمسلمين بهذه الجهات، فهو لا يأوي لراحة، ولا يخلد الى دعة، ولا يزال سرجه مجلسه؛ انا بهذه البلدة نازلون منذ شهرين اثنين وحللناها وقد خرج لمنازلة حصن الكرك، وقد تقدم الذكر أيضا له، وهو عليه محاصر حتى الآن، والله تعالى يعينه على فتحه. وسمعنا أحد فقهاء هذه البلدة وزعمائها المسلمين بسدة هذا السلطان والحاضرين مجلسه يذكر عنه في حضرة محفل علماء البلد وفقهائه ثلاث مناقب في ثلاث كلمات حكاها عنه رأينا اثباتها هنا: احداها أن الحلم من

стр. 241

سجاياه، فقال، وقد صفح عن جريرة أحد الجناة عليه: أما أنا فلأن أخطىء في العفو أحب الي من أن اصيب في العقوبة. وهذا في الحلم منزع أحنفي. وقال أيضا، وقد تنوشدت بحضرته الأشعار وجرى ذكر من سلف من أكارم الملوك وأجوادهم: والله لو وهبت الدنيا للقاصد الآمل لما كنت أستكثرها له، ولو استفرغت له جميع ما في خزانتي لما كان عوضا مما أراقه من حر ماء وجهه في استمناحه اياي. وهذا في الكرم مذهب رشيدي او جعفري. وحضره أحد مماليكه المتميزين لديه بالحظوة والأثرة مستعديا على جمال ذكر أنه باعه جملا معيبا أو صرف عليه جملا بعيب لم يكن فيه، فقال السلطان له: ما عسى أن أصنع لك، وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وانما أنا عبد الشرع وشحنته، والشحنة عندهم صاحب الشرطة، فالحق يقضي لك أو عليك. وهذا في العقد مقصد عمري. وهذه كلمات كفى بها لهذا السلطان فخرا، والله يمتع ببقائه الإسلام والمسلمين بمنه. شهر جمادى الآخرة استهل هلاله ليلة الأحد التاسع من شهر شتنبر العجمي ونحن بدمشق، حرسها الله، على قدم الرحلة الى عكة، فتحها الله والتماس ركوب البحر مع تجار النصارى وفي مراكبهم المعدة لسفر الخريف المعروف عندهم بالصليبية، عرفنا الله في ذلك معهود خيرته، وتكفلنا بكلاءته وعصمته، بعزته وقدرته، انه سبحانه الحنان المنان، ولي الطول والاحسان، لا رب غيره، وكان انفصالنا منها عشي يوم الخميس الخامس من الشهر المذكور، وهو الثالث عشر من شهر شتنبر المذكور، في قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع الى عكة.

стр. 242

من أعجب الأحاديث ومن أعجب ما يحدث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج الى بلاد الافرنج وسبيهم يدخل الى بلاد المسلمين، شاهدنا من ذلك عند خروجنا أمرا عجيبا، وذلك أن صلاح الدين عند منازلته حصن الكرك، المتقدم الذكر في هذا التاريخ، قصد اليه الافرنج في جميعهم، وقد تألبوا من كل أوب وراموا أن يسبقوه الى موضع الماء ويقطعوا عنه الميرة من بلاد المسلمين. فصمد لهم وأقلع عن الحصن بجملته وسبقهم الى موضع الماء. فحادوا عن طريقه وسلكوا طريقا وعرا ذهب فيه أكثر دوابهم، وتوجهوا الى حصن الكرك المذكور، وقد سد عليهم بنيات الطرق القاصدة الى بلادهم ولم يبق لهم الا طريق عن الحصن يأخذ على الصحراء ويبعد مداه عليهم بتحليق يعترض فيه. فاهتبل صلاح الدين في بلادهم الغرة وانتهز الفرصة وقصد قصدها عن الطريق القاصدة، فدهم مدينة نابلوس وهجمها بعسكره فاستولى عليها وسبى كل من فيها وأخذ اليها حصونا وضياعا. وامتلأت أيدي المسلمين سبيا لا يحصى عدده من الافرنج، ومن فرقة من اليهود تعرف بالسمرة منسوبة الى السامري. وانبسط فيهم القتل الذريع، وحصل المسلمون منها على غنائم يضيق الحصر عنها، الى ما اكتفت من الأمتعة والذخائر والأسباب والأثاث، الى النعم والكراع، الى غير ذلك. وكان من فعل هذا السلطان الموفق أن أطلق أيدي المسلمين على جميع ما احتازته، وسلم لهم ذلك، فاحتازت كل يد ما حوت وامتلأت غنى ويسارا. وعفى الجيش على رسوم تلك الجهات التي مر عليها من بلاد الفرنج، وآبوا غانمين فائزين بالسلامة والغنيمة والاياب، وتخلصوا من أسرى المسلمين عددا كثيرا، وكانت غزوة لم يسمع مثلها في البلاد. وخرجنا نحن من دمشق وأوائل المسلمين قد طرقوا بالغنائم كل بما احتواه وحصلت يده عليه، وكان مبلغ السبي آلافا لم نتحقق احصاءها ولحق السلطان

стр. 243

بدمشق يوم السبت بعدنا الاقرب ليوم انفصالنا وأعلمنا أنه يجم عسكره قليلا ويعود الى الحصن المذكور، فالله يعينه ويفتح عليه بعزته وقدرته. وخرجنا نحن الى بلاد الفرنج وسبيهم يدخل بلاد المسلمين، وناهيك من هذا الاعتدال في السياسة! فكان مبيتنا ليلة الجمعة بدارية، وهي قرية من دمشق على مقدار فرسخ ونصف، ثم رحلنا منها صبيحة يوم الجمعة بعده الى قرية تعرف ببيت جن، هي بين جبال، ثم رحلنا منها صبيحة يوم السبت الى مدينة بانياس، واعترضنا في نصف الطريق شجرة بلوط عظيمة الجرم متسعة التدويح، أعلمنا أنها تعرف بشجرة الميزان، فسألنا عن ذلك، فقيل لنا: هي حد بين الامن والخوف في هذه الطريق لحرامية الافرنج، وهم الحواسة والقطاع، من أخذوه وراءها الى جهة بلاد المسلمين ولو بباع أو شبر أسر، ومن اخذ دونها الى جهة بلاد الافرنج بقدر ذلك أطلق سبيله، لهم في ذلك عهد يوفون به، وهو من أظرف الارتباطات الافرنجية وأغربها. ذكر مدينة بانياس هذه المدينة ثغر بلاد المسلمين، وهي صغيرة، ولها قلعة يستدير بها تحت السور نهر ويقضي الى أحد أبواب المدينة، وله مصب تحت أرحاء. وكانت بيد الافرنج فاسترجعها نور الدين، ﵀. ولها محرث واسع في بطحاء متصلة يشرف عليها حصن للافرنج يسمى هونين، بينه وبين بانياس مقدار ثلاثة فراسخ. وعمالة تلك البطحاء بين الافرنج والمسلمين، لهم في ذلك حد يعرف بحد المقاسمة، فهم يتشاطرون الغلة على استواء، ومواشيهم مختلطة، ولا حيف يجري بينهما فيها. فرحلنا عنها عشي يوم السبت المذكور الى قرية تعرف بالمسية بمقربة من حصن الافرنج المذكور فكان مبيتنا بها، ثم رحلنا منها يوم الاحد سحرا، واجتزنا في طريقنا بين هونين وتبنين بواد ملتف الشجر، وأكثر شجره الرند،

стр. 244

بعيد العمق كأنه الخندق السحيق المهوى، تلتقي حافتاه، ويتعلق بالسماء أعلاه، يعرف بالاسطيل لو ولجته العساكر لغابت فيه، لا منجى ولا مجال لسالكه عن يد الطالب فيه؛ المهبط اليه والمطلع عنه عقبتان كؤودان، فعجبنا من أمر ذلك المكان. فأجزناه ومشينا عنه يسيرا وانتهينا الى حصن كبير من حصون الافرنج يعرف بتبنين، وهو موضع تمكيس القوافل، وصاحبته خنزيرة تعرف بالملكة، وهي أم الملك الخنزير صاحب عكة، دمرها الله، فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن، ومكس الناس تمكيسا غير مستقصى، والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الرأس، ولا اعتراض على التجار فيه لأنهم يقصدون موضع الملك الملعون، وهو محل التعشير، والضريبة فيه قيراط من الدينار، والدينار أربعة وعشرون قيراطا. وأكثر المعترضين في هذا المكس المغاربة، ولا اعتراض على غيرهم من جميع بلاد المسلمين، وذلك لمقدمة منهم أحفظت الافرنج عليهم، سببها أن طائفة من أنجادهم غزت مع نور الدين، ﵀، أحد الحصون فكان لهم في أخذه غنى ظهر واشتهر، فجازاهم الافرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم، فكل مغربي يزن على رأسه الدينار المذكور في اختلافه على بلادهم. وقال الافرنج: ان هؤلاء المغاربة كانوا يختلفون على بلادنا ونسالمهم ولا نرزأهم شيئا، فلما تعرضوا لحربنا وتألبوا مع اخوانهم المسلمين علينا وجب أن نضع هذه الضريبة عليهم، فللمغاربة في أداء هذا المكس سبب من الذكر الجميل في نكايتهم العدو يسهله عليهم ويخفف عنتهم عنهم. ورحلنا من تبنين، دمرها الله، سحر يوم الاثنين، وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلها مسلمون، وهم مع الافرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة، وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أوان ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها ايضا. ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم

стр. 245

متروكة لهم. وكل ما بأيدي الافرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتيقهم كلها للمسلمين، وهي القرى والضياع، وقد اشربت الفتنة قلوب اكثرهم لما يبصرون عليه اخوانهم من أهل الرساتيق المسلمين وعمالهم، لانهم على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق. وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين: أن يشتكي الصنف الاسلامي جور صنفه المالك له، ويحمد سيرة ضده وعدوه المالك له من الافرنج، ويأنس بعدله، فالى الله المشتكى من هذه الحال، وحسبنا تعزية وتسلية ما جاء في الكتاب العزيز: «ان هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء» . فنزلنا يوم الاثنين المذكور بضيعة من ضياع عكة، على مقدار فرسخ، ورئيسها الناظر فيها من المسلمين مقدم من جهة الافرنج على من فيها من عمارها من المسلمين. فأضاف جميع أهل القافلة ضيافة حفيلة وأحضرهم صغيرا وكبيرا في غرفة متسعة بمنزله وأنالهم ألوانا من الطعام قدمها لهم، فعمهم بتكرمته. وكنا فيمن حضر هذه الدعوة. وبتنا تلك الليلة وصبحنا يوم الثلاثاء العاشر من الشهر المذكور، وهو الثامن عشر لشتنبر، مدينة عكة، دمرها الله، وحملنا الى الديوان، وهو خان معد لنزول القافلة، وأمام بابه مصاطب مفروشة فيها كتاب الديوان من النصارى بمحابر الآبنوس المذهبة الحلى، وهم يكتبون بالعربية ويتكلمون بها، ورئيسهم صاحب الديوان والضامن له يعرف بالصاحب، لقب وقع عليه لمكانه من الخطة، وهم يعرفون به كل محتشم متعين عندهم من غير الجند. وكل ما يجبى عندهم راجع الى الضمان، وضمان هذا الديوان بمال عظيم. فأنزل التجار رحالهم به ونزلوا في أعلاه، وطلب رحل من لا سلعة له لئلا يحتوي على سلعة مخبؤءة فيه وأطلق سبيله فنزل حيث شاء. وكل ذلك برفق وتؤدة دون تعنيف ولا حمل. فنزلنا بها في بيت اكتريناه من نصرانية بإزاء البحر، وسألنا الله تعالى حسن الخلاص وتيسير السلامة.

стр. 246

ذكر مدينة عكه دمرها الله وأعادها هي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحط الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مرفأ كل سفينة، والمشبهة في عظمها بالقسطنطينية، مجتمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، وتضيق فيها مواطئ الأقدام، تستعر كفرا وطغيانا، وتفور خنازير وصلبانا، زفرة قذرة، مملوءة كلها رجسا وعذرة. انتزعها الافرنج من أيدي المسلمين في العشر الاول من المئة السادسة، فبكى لها الاسلام ملء جفونه، وكانت احد شجونه. فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقيس، وطهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجدا صغيرا، يجمع الغرباء منهم فيه لإقامة فريضة الصلاة. وعند محرابه قبر صالح النبي، ﷺ وعلى جميع الأنبياء، فحرس الله هذه البقعة من رجس الكفرة ببركة هذا القبر المقدس. وفي شرقي البلدة العين المعروفة بعين البقر، وهي التي أخرج الله منها البقر لآدم، ﷺ . والمهبط لهذه العين على ادراج وطية، وعليها مسجد بقي محرابه على حاله، ووضع الافرنج في شرقيه محرابا لهم. فالمسلم والكافر يجتمعان فيه، يستقبل هذا مصلاه وهذا مصلاه. وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ، وأبقى الله فيه موضع الصلاة للمسلمين. فكان مقامنا بها يومين، ثم توجهنا الى صور يوم الخميس الثاني عشر لجمادى المذكورة،، والموفي عشرين لشتنبر المذكور على البر، واجتزنا في طريقنا على حصن كبير يعرف بالزاب، وهي مطلة على قرى وعمائر متصلة وعلى قرية مسوّرة تعرف باسكندرونة، وذلك لمطالعة مركب بها أعلمنا أنه يتوجه الى بجاية طمعا في الركوب فيه، فحللناها عشي يوم الخميس المذكور، لأن المسافة بين المدينتين نحو الثلاثين ميلا، فنزلنا بها في خان معد لنزول المسلمين.

стр. 247

ذكر مدينة صور دمرها الله تعالى مدينة يضرب بها المثل في الحصانة، لا تلقى لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدّها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم، وجعلوها مثابة لأمانهم، هي أنظف من عكة سككا وشوارع، وأهلها ألين في الكفر طبائع، واجرى الى برّ غرباء المسلمين شمائل ومنازع، فخلائقهم أسجح، ومنازلهم أوسع وافسح، وأحوال المسلمين بها أهون واسكن، وعكة أكبر وأطغى وأكفر. وأما حصانتها ومناعتها فأعجب ما يحدث به، وذلك أنها راجعة الى بابين: أحدهما في البر، والآخر في البحر، وهو يحيط بها الا من جهة واحدة، فالذي في البر يفضى اليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، واما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين الى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعا منها، يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر جدار معقود بالجص. فالسفن تدخل تحت السور وترسو فيها، وتعترض بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج، فلا مجال للمراكب الا عند ازالتها. وعلى ذلك الباب حرّاس وأمناء، لا يدخل الداخل ولا يخرج الخارج الا على أعينهم، فشأن هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوضع، ولعكة مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحمل السفن الكبار حمل تلك وانما ترسو خارجها والمراكب الصغار تدخل اليها، فالصورية اكمل وأجمل وأحفل. فكان مقامنا بها أحد عشر يوما، دخلناها يوم الخميس وخرجنا منها يوم الأحد الثاني والعشرين لجمادى المذكورة، وهو آخر يوم من شتنبر، وذلك أن المركب الذي كنا أملنا الركوب فيه استصغرناه فلم نر الركوب فيه.

стр. 248

عرس افرنجي في صور ومن مشاهد زخارف الدنيا المحدث بها زفاف عروس شاهدناه بصور في أحد الأيام عند مينائها، وقد احتفل لذلك جميع النصارى رجالا ونساء، واصطفوا سماطين عند باب العروس المهداة، والبوقات تضرب والمزامير وجميع الآلات اللهوية، حتى خرجت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال، كأنهما من ذوي ارحامها، وهي في ابهى زيّ، وافخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحبا على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسها عصابة ذهب قد حفت بشبكة ذهب منسوجة، وعلى لبتها مثل ذلك منتظم، وهي رافلة في حليها وحللها، تمشي فترا في فتر مشي الحمامة أو سير الغمامة، نعوذ بالله من فتنة المناظر، وأمامها جلة رجالها من النصارى في أفخر ملابسهم البهية، تسحب أذيالها خلفهم، ووراءها أكفاءها ونظراؤها من النصرانيات يتهادين في أنفس الملابس ويرفلن في أرفل الحلى، والآلات اللهوية قد تقدمتهم، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم سماطين يتطلعون فيهم ولا ينكرون عليهم ذلك، فساروا بها حتى أدخلوها دار بعلها، واقاموا يومهم ذلك في وليمة. فأدّانا الاتفاق الى رؤية هذا المنظر الزخرفيّ المستعاذ بالله من الفتنة فيه. مسلمو عكة ثم عدنا الى عكة في البحر، وحللناها صبيحة يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى المذكورة، وأول يوم من شهر أكتوبر، واكترينا في مركب كبير نروم الاقلاع الى مسينة من بلاد جزيرة صقيلة، والله تعالى كفيل بالتيسير والتسهيل بعزّته وقدرته. وكانت راحتنا مدة مقامنا بصور بمسجد بقي بأيدي

стр. 249

المسلمين. ولهم فيها مساجد أخر. فأعلمنا به أحد أشياخ أهل صور من المسلمين أنها أخذت منهم سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وأخذت عكة قبلها باثنتي عشرة سنة بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة عليهم؛ ذكر لنا انهم انتهوا منها لحال نعوذ بالله منها، وأنهم حملتهم الأنفة على أن هموا بركوب خطة عصمهم الله منها، وذلك أنهم عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وابناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملك النصارى لهم ثم يخرجوا الى عدوّهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه. فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج منه بسلام. فكان ذلك، وتفرقوا في بلاد المسلمين. ومنهم من استهواه حب الوطن فدعاه الى الرجوع والسكنى بينهم بعد أمان كتب لهم في ذلك بشروط اشترطوها، والله غالب على أمره، سبحانه جلت قدرته، ونفذت في البرية مشيئته، وليست له عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر الا مجتازا، وهو يجد مندوحة في بلاد المسلمين، لمشقات وأهوال يعانيها في بلادهم: منها الذلة والمسكنة الذميمة؛ ومنها سماع ما يفجع الأفئدة من ذكر من قدس الله ذكره، وأعلى خطره، لا سيما من أراذلهم وأسافلهم؛ ومنها عدم الطهارة، والتصرف بين الخنازير، وجميع المحرّمات؛ الى غير ذلك مما لا ينحصر ذكره ولا تعداده، فالحذر الحذر من دخول بلادهم، والله تعالى المسؤول حسن الإقالة والمغفرة من هذه الخطيئة التي زلت فيها القدم، ولم تتداركها الا بعد موافقة الندم، فهو سبحانه وليّ ذلك، لا رب غيره. أسرى المسلمين ومن الفجائع التي يعاينها من حلّ بلادهم اسرى المسلمين، يرسفون في القيود، ويصرفون في الخدمة الشاقة تصريف العبيد، والأسيرات المسلمات كذلك، في

стр. 250

أسواقهم خلاخيل الحديد، فتنفطر لهم الأفئدة ولا يغني الإشفاق عنهم شيئا. ومن جميل صنع الله تعالى لأسرى المغاربة، بهذه البلاد الشامية الإفرنجية، أن كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها إنما يعيّنها في افتكاك المغاربة خاصة لبعدهم عن بلادهم وانهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد الله ، فهم الغرباء المنقطعون عن بلادهم. فملوك أهل هذه الجهات من المسلمين والخواتين من النساء وأهل اليسار والثراء إنما ينفقون أموالهم في هذه السبيل. وقد كان نور الدين، ﵀، نذر في مرضة اصابته تفريق اثني عشر الف دينار في فداء أسرى من المغاربة، فلما استبل من مرضه أرسل في فدائهم، فسيق فيهم نفر ليسوا من المغاربة، وكانوا من حماة من جملة عمالته، فأمر بصرفهم واخرج عوض عنهم من المغاربة، وقال: هؤلاء يفتكّهم أهلوهم وجيرانهم، والمغاربة غرباء لا أهل لهم. فانظر الى لطيف صنع الله تعالى لهذا الصنف المغربي. وقيض الله لهم بدمشق رجلين من مياسر التجار وكبرائهم وأغنيائهم المنغمسين في الثراء: أحدهما يعرف بنصر بن قوام، والثاني بابي الدّر ياقوت مولى العطافي، وتجارتهما كلها بهذا الساحل الإفرنجي، ولا ذكر فيه لسواهما، ولهما الأمناء من المقارضين، فالقوافل صادرة وواردة ببضائعهما، وشأنهما في الغنى كبير، وقدرهما عند أمراء المسلمين والإفرنجيين خطير، وقد نصبهما الله لافتكاك الأسرى المغربيين بأموالهما واموال ذوي الوصايا، لأنهما المقصودان بها لما قد اشتهر من امانتهما وثقتهما وبذلهما أموالهما في هذه السبيل فلا يكاد مغربي يخلص من الأسر الا على ايديهما فهما طول الدهر بهذه السبيل ينفقان أموالهما ويبذلان اجتهادهما في تخليص عباد الله المسلمين من أيدي أعداء الله الكافرين، والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين. سوء الاتفاق ومن سوء الاتفاقات، المستعاذ بالله من شرها، أنه صحبنا في طريقنا الى عكة
следующие страницы →