Полный текст (281 стр.). Показаны 246–281 · переход к 251.
стр. 246
ذكر مدينة عكه دمرها الله وأعادها
هي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحط الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مرفأ كل سفينة، والمشبهة في عظمها بالقسطنطينية، مجتمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، وتضيق فيها مواطئ الأقدام، تستعر كفرا وطغيانا، وتفور خنازير وصلبانا، زفرة قذرة، مملوءة كلها رجسا وعذرة. انتزعها الافرنج من أيدي المسلمين في العشر الاول من المئة السادسة، فبكى لها الاسلام ملء جفونه، وكانت احد شجونه. فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقيس، وطهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجدا صغيرا، يجمع الغرباء منهم فيه لإقامة فريضة الصلاة. وعند محرابه قبر صالح النبي، ﷺ وعلى جميع الأنبياء، فحرس الله هذه البقعة من رجس الكفرة ببركة هذا القبر المقدس.
وفي شرقي البلدة العين المعروفة بعين البقر، وهي التي أخرج الله منها البقر لآدم، ﷺ . والمهبط لهذه العين على ادراج وطية، وعليها مسجد بقي محرابه على حاله، ووضع الافرنج في شرقيه محرابا لهم. فالمسلم والكافر يجتمعان فيه، يستقبل هذا مصلاه وهذا مصلاه. وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ، وأبقى الله فيه موضع الصلاة للمسلمين.
فكان مقامنا بها يومين، ثم توجهنا الى صور يوم الخميس الثاني عشر لجمادى المذكورة،، والموفي عشرين لشتنبر المذكور على البر، واجتزنا في طريقنا على حصن كبير يعرف بالزاب، وهي مطلة على قرى وعمائر متصلة وعلى قرية مسوّرة تعرف باسكندرونة، وذلك لمطالعة مركب بها أعلمنا أنه يتوجه الى بجاية طمعا في الركوب فيه، فحللناها عشي يوم الخميس المذكور، لأن المسافة بين المدينتين نحو الثلاثين ميلا، فنزلنا بها في خان معد لنزول المسلمين.
стр. 247
ذكر مدينة صور دمرها الله تعالى
مدينة يضرب بها المثل في الحصانة، لا تلقى لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدّها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم، وجعلوها مثابة لأمانهم، هي أنظف من عكة سككا وشوارع، وأهلها ألين في الكفر طبائع، واجرى الى برّ غرباء المسلمين شمائل ومنازع، فخلائقهم أسجح، ومنازلهم أوسع وافسح، وأحوال المسلمين بها أهون واسكن، وعكة أكبر وأطغى وأكفر.
وأما حصانتها ومناعتها فأعجب ما يحدث به، وذلك أنها راجعة الى بابين:
أحدهما في البر، والآخر في البحر، وهو يحيط بها الا من جهة واحدة، فالذي في البر يفضى اليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، واما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين الى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعا منها، يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر جدار معقود بالجص. فالسفن تدخل تحت السور وترسو فيها، وتعترض بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج، فلا مجال للمراكب الا عند ازالتها. وعلى ذلك الباب حرّاس وأمناء، لا يدخل الداخل ولا يخرج الخارج الا على أعينهم، فشأن هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوضع، ولعكة مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحمل السفن الكبار حمل تلك وانما ترسو خارجها والمراكب الصغار تدخل اليها، فالصورية اكمل وأجمل وأحفل.
فكان مقامنا بها أحد عشر يوما، دخلناها يوم الخميس وخرجنا منها يوم الأحد الثاني والعشرين لجمادى المذكورة، وهو آخر يوم من شتنبر، وذلك أن المركب الذي كنا أملنا الركوب فيه استصغرناه فلم نر الركوب فيه.
стр. 248
عرس افرنجي في صور
ومن مشاهد زخارف الدنيا المحدث بها زفاف عروس شاهدناه بصور في أحد الأيام عند مينائها، وقد احتفل لذلك جميع النصارى رجالا ونساء، واصطفوا سماطين عند باب العروس المهداة، والبوقات تضرب والمزامير وجميع الآلات اللهوية، حتى خرجت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال، كأنهما من ذوي ارحامها، وهي في ابهى زيّ، وافخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحبا على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسها عصابة ذهب قد حفت بشبكة ذهب منسوجة، وعلى لبتها مثل ذلك منتظم، وهي رافلة في حليها وحللها، تمشي فترا في فتر مشي الحمامة أو سير الغمامة، نعوذ بالله من فتنة المناظر، وأمامها جلة رجالها من النصارى في أفخر ملابسهم البهية، تسحب أذيالها خلفهم، ووراءها أكفاءها ونظراؤها من النصرانيات يتهادين في أنفس الملابس ويرفلن في أرفل الحلى، والآلات اللهوية قد تقدمتهم، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم سماطين يتطلعون فيهم ولا ينكرون عليهم ذلك، فساروا بها حتى أدخلوها دار بعلها، واقاموا يومهم ذلك في وليمة. فأدّانا الاتفاق الى رؤية هذا المنظر الزخرفيّ المستعاذ بالله من الفتنة فيه.
مسلمو عكة
ثم عدنا الى عكة في البحر، وحللناها صبيحة يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى المذكورة، وأول يوم من شهر أكتوبر، واكترينا في مركب كبير نروم الاقلاع الى مسينة من بلاد جزيرة صقيلة، والله تعالى كفيل بالتيسير والتسهيل بعزّته وقدرته. وكانت راحتنا مدة مقامنا بصور بمسجد بقي بأيدي
стр. 249
المسلمين. ولهم فيها مساجد أخر. فأعلمنا به أحد أشياخ أهل صور من المسلمين أنها أخذت منهم سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وأخذت عكة قبلها باثنتي عشرة سنة بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة عليهم؛ ذكر لنا انهم انتهوا منها لحال نعوذ بالله منها، وأنهم حملتهم الأنفة على أن هموا بركوب خطة عصمهم الله منها، وذلك أنهم عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وابناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملك النصارى لهم ثم يخرجوا الى عدوّهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه.
فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج منه بسلام. فكان ذلك، وتفرقوا في بلاد المسلمين. ومنهم من استهواه حب الوطن فدعاه الى الرجوع والسكنى بينهم بعد أمان كتب لهم في ذلك بشروط اشترطوها، والله غالب على أمره، سبحانه جلت قدرته، ونفذت في البرية مشيئته، وليست له عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر الا مجتازا، وهو يجد مندوحة في بلاد المسلمين، لمشقات وأهوال يعانيها في بلادهم: منها الذلة والمسكنة الذميمة؛ ومنها سماع ما يفجع الأفئدة من ذكر من قدس الله ذكره، وأعلى خطره، لا سيما من أراذلهم وأسافلهم؛ ومنها عدم الطهارة، والتصرف بين الخنازير، وجميع المحرّمات؛ الى غير ذلك مما لا ينحصر ذكره ولا تعداده، فالحذر الحذر من دخول بلادهم، والله تعالى المسؤول حسن الإقالة والمغفرة من هذه الخطيئة التي زلت فيها القدم، ولم تتداركها الا بعد موافقة الندم، فهو سبحانه وليّ ذلك، لا رب غيره.
أسرى المسلمين
ومن الفجائع التي يعاينها من حلّ بلادهم اسرى المسلمين، يرسفون في القيود، ويصرفون في الخدمة الشاقة تصريف العبيد، والأسيرات المسلمات كذلك، في
стр. 250
أسواقهم خلاخيل الحديد، فتنفطر لهم الأفئدة ولا يغني الإشفاق عنهم شيئا.
ومن جميل صنع الله تعالى لأسرى المغاربة، بهذه البلاد الشامية الإفرنجية، أن كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها إنما يعيّنها في افتكاك المغاربة خاصة لبعدهم عن بلادهم وانهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد الله ، فهم الغرباء المنقطعون عن بلادهم. فملوك أهل هذه الجهات من المسلمين والخواتين من النساء وأهل اليسار والثراء إنما ينفقون أموالهم في هذه السبيل. وقد كان نور الدين، ﵀، نذر في مرضة اصابته تفريق اثني عشر الف دينار في فداء أسرى من المغاربة، فلما استبل من مرضه أرسل في فدائهم، فسيق فيهم نفر ليسوا من المغاربة، وكانوا من حماة من جملة عمالته، فأمر بصرفهم واخرج عوض عنهم من المغاربة، وقال: هؤلاء يفتكّهم أهلوهم وجيرانهم، والمغاربة غرباء لا أهل لهم. فانظر الى لطيف صنع الله تعالى لهذا الصنف المغربي.
وقيض الله لهم بدمشق رجلين من مياسر التجار وكبرائهم وأغنيائهم المنغمسين في الثراء: أحدهما يعرف بنصر بن قوام، والثاني بابي الدّر ياقوت مولى العطافي، وتجارتهما كلها بهذا الساحل الإفرنجي، ولا ذكر فيه لسواهما، ولهما الأمناء من المقارضين، فالقوافل صادرة وواردة ببضائعهما، وشأنهما في الغنى كبير، وقدرهما عند أمراء المسلمين والإفرنجيين خطير، وقد نصبهما الله لافتكاك الأسرى المغربيين بأموالهما واموال ذوي الوصايا، لأنهما المقصودان بها لما قد اشتهر من امانتهما وثقتهما وبذلهما أموالهما في هذه السبيل فلا يكاد مغربي يخلص من الأسر الا على ايديهما فهما طول الدهر بهذه السبيل ينفقان أموالهما ويبذلان اجتهادهما في تخليص عباد الله المسلمين من أيدي أعداء الله الكافرين، والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين.
سوء الاتفاق
ومن سوء الاتفاقات، المستعاذ بالله من شرها، أنه صحبنا في طريقنا الى عكة
стр. 251
من دمشق رجل مغربي من بونة عمل بجاية، كان أسيرا فتخلص على يدي أبي الدّر المذكور وبقي في جملة صبيانه، فوصل في قافلته الى عكة، وكان قد صحب النصارى وتخلق بكثير من أخلاقهم، فما زال الشيطان يستهويه ويغريه الى ان نبذ دين الإسلام فكفر وتنصّر مدة مقامنا بصور. فانصرفنا الى عكة، وأعلمنا بخبره، وهو بها قد بطس ورجس، وقد عقد الزنار، واستعجل النار، وحقت عليه كلمة العذاب، وتأهب لسوء الحساب، وسحيق المآب، نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، ولا يعدل بنا عن الملة الحنفية، وان يتوفانا مسلمين، بفضله ورحمته.
وهذا الخنزير صاحب عكة، المسمى عندهم بالملك، محجوب لا يظهر، وقد ابتلاه الله بالجذام، فعجل له سوء الانتقام، وقد شغلته بلواه في صباه، عن نعيم دنياه، فهو فيها يشقى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. وحاجبه وصاحب الحال عوضه خاله القومس، وهو صاحب المجبى، واليه ترتفع الأموال، والمشرف على الجميع بالمكانة والوجاهة، وكبر الشأن في الإفرنجية اللعينة، القومس اللعين، صاحب طرابلس وطبرية، وهو ذو قدر ومنزلة عند الإفرنج، وهو المؤهل للملك والمرشح له، وهو موصوف بالدهاء والمكر. وكان أسيرا عند نور الدين نحو اثنتي عشرة سنة أو أزيد، ثم تخلص بمال عظيم بذل في نفسه مدة صلاح الدين وعند اول ولايته، وهو معترف لصلاح الدين بالعبودية والعتق.
وعلى بادية طبرية اختلاف القوافل من دمشق لسهولة طريقها، ويقصد بقوافل البغال على تبنين لوعورتها وقصد طريقها، وبحيرة طبرية مشهورة، وهي ماء عذب، وسعتها نحو ثلاثة فراسخ أو أربعة، وطولها نحو ستة فراسخ.
والأقوال فيها تختلف، وهذا القول أقربها الى الصحة، لأنا لم نعاينها، وعرضها أيضا مختلف سعة وضيقا. وفيها قبور كثيرة من قبور الأنبياء، صلوات الله عليهم، كشعيب وسليمان ويهوذا وروبيل وابنة شعيب زوج الكليم موسى وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وجبل الطور منها قريب.
стр. 252
وبين عكة وبيت المقدس ثلاثة أيام. وبين دمشق وبينه مقدار ثمانية أيام، وهو بين المغرب والقبلة من عكة الى جهة الإسكندرية، والله يعيده الى أيدي المسلمين، ويطهره من أيدي المشركين، بعزته وقدرته.
عكة وصور
وهاتان المدينتان، عكة وصور، لا بساتين حولهما، وانما هما في بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر، والفواكه تجلب اليهما من بساتينهما التي بالقرب منهما، ولهما عمالة متسعة، والجبال التي تقرب منهما معمورة بالضياع، ومنها تجبى الثمرات اليهما. وهما من غر البلاد. ولعكة في الشرق منها، مع آخر البلد، واد يسيل ماء. ولها مع شاطئه مما يتصل بالبحر بسيط رمل لم ير أجمل منه منظرا ولا ميدان للخيل يشبهه، واليه ركوب صاحب البلد كل بكرة وعشية، وبه يجتمع العسكر، دمره الله. ولصور عند بابها البري عين معينة ينحدر اليها على أدراج. والآبار والجباب بها كثيرة لا تخلو دار منها، والله تعالى يعيد اليها والى اخواتها كلمة الإسلام بمنه وكرمه.
في المركب الشراعي
وفي يوم السبت الثامن والعشرين لجمادى المذكورة، والسادس لأكتوبر، صعدنا الى المركب، وهو سفينة من السفن الكبار، بمنة الله على المسلمين بالماء والزاد، وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عن الإفرنج. وصعده من النصارى المعروفين بالبلغريين، وهم حجاج بيت المقدس، عالم لا يحصى ينتهي الى أزيد من ألفي انسان، أراح الله من صحبتهم بعاجل السلامة ومأمول التسهيل
стр. 253
والصنع الجميل بمنه وكرمه، لا معبود سواه. ونحن به منتظرون موافقة الريح وكمال الوسق، بمشيئة الله .
شهر رجب الفرد
استهل هلاله ليلة الثلاثاء، بموافقة التاسع لشهر اكتوبر، ونحن على ظهر المركب بمرسى عكة منتظرون كمال وسقه والاقلاع باسم الله تعالى وبركته وجميل صنعه وكريم مشيئته. وتمادى مقامنا فيه مدة اثني عشر يوما لعدم استقامة الريح.
وفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب، وذلك أن الريح الشرقية لا تهب فيها الا في فصلي الربيع والخريف، والسفر لا يكون الا فيهما، والتجار لا ينزلون الى عكة بالبضائع الا في هذين الفصلين. والسفر في الفصل الربيعي من نصف أبريل، وفيه تتحرّك ريح الشرقية وتطول مدتها الى آخر شهر مايه، واكثر واقل بحسب ما يقضي الله تعالى به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر، وفيه تتحرك الريح الشرقية، ومدتها أقصر من المدة الربيعية، وانما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وأكثر واقل. وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف، والريح الغربية أكثرها دواما.
فالمسافرون الى المغرب والى صقلية والى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق، فسبحان المبدع في حكمته، المعجز في قدرته، لا اله سواه.
وكنا طول هذه المدة التى أقمنا فيها على ظهر المركب نبيت في البر ونتفقد المركب في الأحيان. فلما كان سحر يوم الخميس العاشر لرجب المذكور، والثامن عشر لأكتوبر، أقلع المركب، وكنا على عادتنا في البر بائتين، ولم يحسن النهار
стр. 254
للروم بأهبة السفر، فضيعنا الحزم ونسينا المثل المضروب في اعداد الماء والزاد وان لا يفارق الانسان رحله. فاصبحنا والمركب لا عين له ولا أثر، فاكترينا للحين زورقا كبيرا له أربعة مجاذيف وأقلعنا نتبعه، وكانت مخاطرة عصم الله منها: فأدركنا المركب مع العشي، فحمدنا الله على ما منّ به، وكان أول ذلك اليوم يوم شدتنا في هذا السفر الطويل، وآخره والحمد لله يوم فرجنا، ولله الحمد والشكر على كل حال.
واتصل جرينا والريح الموافقة تأخذ وتدع نحو خمسة أيام، ثم هبت علينا الريح الغربية من مكمنها دافعة في وجه المركب، فأخذ رئيسه ومدبره الرومي الجنوي، وكان بصيرا بصنعته، حاذقا في شغل الرياسة البحرية، يراوغها تارة يمينا وتارة شمالا طمعا أن لا يرجع على عقبه، والبحر في أثناء ذلك رهو ساكن، فلما كان نصف الليل، أو قريب منه، ليلة السبت التاسع عشر لرجب المذكور، والسابع والعشرين لأكتوبر، ترددت علينا الريح الغربية فقصفت قرية الصاري المعروف بالأردمون والقت نصفها في البحر مع ما اتصل بها من الشراع، وعصم الله من وقوعها في المركب، لأنها كانت تشبه الصواري عظما وضخامة، فتبادر البحريون اليها، وحط شراع الصاري الكبير، وعطل المركب من جريه، وصيح بالبحريين الملازمين للعشاري المرتبط بالمركب، فقصدوا الى نصف الخشبة الواقعة في البحر وأخرجوها مع الشراع المرتبط بها، وحصلنا في أمر لا يعلمه الا الله تعالى، وشرعوا في رفع الشراع الكبير، وأقاموا في الأردمون شراعا يعرف بالدلون، وبتنا بليلة شهباء، الى ان وضح الصباح، وقد من الله بالسلامة.
وشرع البحريون في إصلاح قرية أخرى من خشبة كانت معدة عندهم، والريح الغربية على أول لجاجها، ونحن بين اليأس والرجاء نتردد مغلبين حسن الثقة بجميل صنع الله تعالى وحفي لطفه، ومعهود فضله، سبحانه، هو أهل ذلك، جلت قدرته، وتناهت عظمته، لا اله سواه.
وفي يوم الاربعاء الثالث والعشرين منه تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلا، فاستبشرت النفوس بها رجاء في نمائها وقوتها، فكانت نفسا خافتا، ثم بعد ذلك غشى البحر ضباب رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من
стр. 255
قوارير ولم يبق للجهات الأربع نفس يتنسم، فبقينا لاعبين على صفحة ماء، تخاله العين سبيكة لجين، كأنا نجول بين سماءين. وهذا الهواء الذي يسميه البحريون الغليني.
وفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب المذكور، وهو أول يوم من نونبر العجمي، كان للنصارى عيد مذكور عندهم احتفلوا له في إسراج الشمع، وكاد لا يخلوا أحد منهم، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، من شمعة في يده، وتقدم قسيسوهم للصلاة في المركب بهم، ثم قاموا واحدا واحدا لوعظهم وتذكيرهم بشرائع دينهم، والمركب يزهر كله أعلاه وأسفله سرجا متقدة، وتمادينا على تلك الحالة اكثر تلك الليلة، ثم اصبحنا بمثل ذلك الهواء الساكن، واتصل بنا ذلك الى ليلة الأحد السابع والعشرين منه، فتحركت ريح شمالية، فعاد المركب بها لحريته واستبشرت النفوس، والحمد لله.
شهر شعبان المكرم
غم هلاله علينا، فأكملنا عدة أيام رجب، فهو على الكمال من ليلة الخميس، بموافقة الثامن من نونبر، وقد تم لنا على ظهر البحر، ومن يوم إقلاعنا من عكة اثنان وعشرون يوما حتى عدمنا الأنس، واستشعرنا القنط واليأس، وصنع الله مأمول، ولطفه الحفي بنا كفيل بمنه وكرمه. وقل الزاد بأيدي الناس، لكن هم من هذا المركب بمنة الله، في مدينة جامعة للمرافق، فكل ما يحتاج شراؤه يوجد، من خبز، وماء، ومن جميع الفواكه والأدم، كالرمان والسفرجل والبطيخ السندي والكمثرى والشاه بلوط والجوز والحمص والباقلاء نيا ومطبوخا والبصل والثوم والتين والجبن والحوت، وغير ذلك مما يطول ذكره؛ عاينا جميع ذلك يباع. وفي خلال هذه الايام كلها لم يظهر لنا بر، والله يأتي بالفرج القريب.
ومات فيه رجلان من المسلمين، رحمهما الله، فقذفا في البحر، ومن البلغريين اثنان أيضا، ومات منهم بعد ذلك خلق كثير، وسقط منهم واحد في البحر حيّا، فاحتمله الموج أسرع من خطفة البارق، وورث هؤلاء الأموات
стр. 256
من المسلمين والنصارى البلغريين رئيس المركب، لأنها سنة عندهم في كل من يموت في البحر، ولا سبيل لوارث الميت الى ميراثه. فطال عجبا من ذلك.
وفي سحر يوم الثلاثاء السادس من الشهر المؤرخ، والثالث عشر من نونبر، ظهرت لنا جبال في البحر، وقد اشتدت الريح الغربية، وتوالى اعصارها، وكانت تتقلب بالقبول والدبور. فألجأتنا الى أحد تلك الجبال، فأرسينا عنده.
وسألنا عن الموضع، فأعلمنا أنه من جزائر الرمانية. وهذه الجزائر تنيف على الثلاث مئة وخمسين جزيرة، وهي الى عمل صاحب القسطنطينية، والروم يحذرون أهلها كحذر المسلمين، لأنهم لا صلح بينهم، فأقمنا بذلك المرسى يوم الثلاثاء المذكور وصدر يوم الاربعاء بعده. ونزل من تلك الجزيرة قوم بايعوا أهل المركب بعض ساعة من النهار في الخبز واللحم بعد أمان أخذوه.
ثم أقلعنا يوم الأربعاء المذكور، وقد تم لنا على ظهر المركب ثمانية وعشرون يوما، وظهر لنا يوم الخميس بعده بر جزيرة أقريطش، وهذه الجزيرة أيضا لعمل صاحب القسطنطينية، وطولها ينيف على الثلاث مئة ميل، وقد تقدم ذكرها في سفرنا البحري الى الإسكندرية، فبقينا نجري بطولها وهي منّا على اليمين، والبحر في أثناء ذلك كله هائل، والريح لا توافق، ونحن ننتظر الفرج من الله بصبر جميل، ونرتقب منه ﷻ معهود التيسير والتسهيل بمنه ولطفه.
ثورة الريح الشمالية
وفي يوم السبت العاشر لشعبان المذكور، والسابع عشر لنونبر، انقطع عنا بر الجزيرة المذكورة، ونحن نجري بريح شمالية موافقة، فذئرت وعصفت فطار لها المركب بجناحي شراعه، والبحر بها قد جن واستشرى لجاجه، وقذفت بالزبد أمواجه، فتخال غواربه المتموجة جبالا مثلجة، ومع تلك استشعرت النفوس الأنس، وغلب رجاؤها اليأس، وقد كنا مدة الستة وعشرون يوما المذكورة، التي لم يظهر لنا فيها بر، نرجم الظنون، ونغازل المنون، حذرا من نفاد الزاد والماء، والحصول بين المهلكين الجوع والظماء، فمن قائل يقول:
стр. 257
انا قد ملنا في جرينا الى بر المغرب، وهو بر افريقية، وآخر يزعم: أنا قد ملنا الى بر الأرض الكبيرة، بر القسطنطينية وما يليها، ومنهم من يقوا: الى اللاذقية جهة الشام، ومنهم من يقول: الى دمياط بر الاسكندرية. وكنا نحذر أن تلجئنا الريح الى احدى جزائر الرمانية الخالية، فنشتو فيها، أو تضطرنا الحال الى المعمور منها. وليس في هذه الوجوه المتوقعة كلها وجه فيه حظ لمختار، حتى أتى الله بالفرج، وأذهب الباس والياس، ومكن في النفوس الإيناس، بعد مكابدة الأمرين، ومقاساة البرحين، فلله در القائل:
البحر مرّ المذاق صعب ... لا جعلت حاجتي اليه
أليس ماء ونحن طين ... فما عسى صبرنا عليه
ونحن الآن بفضل الله تعالى نتطلع البشرى بطهور بر صقلية، ان شاء الله.
الرياح العاصفة الغربية
وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غربية، وكشف النوء من الغرب، وجاءت الريح عاصفة فأخذت بنا جهة الشمال. وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد، والبحر قد هاج هائجه، وماج مائجه، فرمى بموج كالجبال، يصدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمه تقلب الغصن الرطيب، وكان كالسور علوا فيرتفع له الموج ارتفاعا يرمي في وسطه بشآبيب كالوابل المنكسب. فلما جن الليل اشتد تلاطمه، وصكت الآذان غماغمه، واستشرى عصوف الريح. فحطت الشرع، واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواري. ووقع اليأس من الدنيا، وودعنا الحياة بسلام؛ وجاءنا الموج من كل مكان، وظننا أنا قد أحيط بنا، فيا لها ليلة يشيب لها سود الذوائب، مذكورة في ليالي الشوائب، مقدمة في تعداد الحوادث والنوائب! ونحن منها في مثل ليل صول طولا، فأصبحنا ولم نكد. فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا بر إقريطش عن يسارنا، وجباله قد قامت أمامنا، وكنا قد خلفناه عن يميننا، فأسقطتنا الريح عن مجرانا، ونحن نظن أنا قد جزناه. فسقط في أيدينا، وخالفنا المجرى المعهود الميمون، وهو أن يكون البر المذكور منا يمينا، في استقبال صقلية. فاستسلمنا للقدر، وتجرعنا غصص هذا الكدر، وقلنا:
стр. 258
سيكون الذي قضي ... سخط العبد أو رضي
وفي أثناء ذلك انبسطت الشمس، ولان البحر قليلا، وصممنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور إلى أن يقضي الله قضاءه وينفذ حكمه، ولكل سفر أوان، وسفر البحر إنما هو في إبانه، والمعهود من زمانه، لا أن يعتسف في فصول أشهر الشتاء اعتسافنا له، والأمر لله من قبل ومن بعد فالحذر الحذر، من ركوب مثل هذا الخطر، وان كان المحذور لا يغني عن المقدور شيئا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم ان الريح ساعدت عند استقبالنا البر بعض مساعدة، فانصرفنا عنه وتركناه يمينا وعدنا الى قريب من المجرى المقصود، وجرينا بعض ليلة الثلاثاء الثالث عشر منه، وقد ثم لنا على ظهر المركب أربعة وثلاثون يوما، والشرع مصلبة، وهو عندهم أعدل جري لأنه لا يكون الا بالريح التي تتلقى مؤخر المركب في مجراه، فأصبحنا يوم الثلاثاء المذكور على مثل تلك الحال، وساعدت الريح، ففرحنا وسررنا، وطلعت علينا مراكب قاصدة مقصدنا فاستبشرنا بها وعلمنا أنا على مجرى مقصود، ولله الحمد والشكر على كل حال من الأحوال.
ثم انقلبت الريح غربية، وهبت عاصفا، فألجأتنا اضطرارا بعد أن جرت لنا بعض ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء الى مرسى من مراسي جزائر الرمانية، وهو رأس الجزيرة، ومنه الى الأرض الكبيرة مجاز فيه الاثنا عشر ميلا، فأصبحنا به يوم الخميس الخامس عشر لشعبان المكرم، والثاني والعشرين لنونبر، فحمدنا الله على ما من به من السلامة، وتوافت بعدنا الى ذلك المرسى خمسة مراكب، منها اثنان كانا قد أقلعا من بر الاسكندرية عن عهد نحو خمسين يوما فأسقطتهما الريح، فأقمنا بذلك المرسى أربعة أيام، وجدد الناس به الماء والزاد لأن العمارة كانت منا قريبا، فنزل أهل الجزيرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم. ولم يكن خبزهم برا خالصا انما كان خليطا بالشعير وكان يضرب للسود. فتهافت الناس عليه على غلائه، ولم يكن بالرخيص في سومه، وشكروا لله على ما من به عليهم.
وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوما، والحمد لله على كل حال، ومدة مقامنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية، وعادت أشد ما
стр. 259
يكون هبوبا. فحمدنا الله تعالى على أن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين، والحمد لله على جميل صنعه.
وأقلعنا من المرسى المذكور يوم الاثنين التاسع عشر لشعبان المذكور، والسادس والعشرين لنونبر، بريح طيبة موافقة، فاستبشرنا بها واستطلعنا جميل صنع الله ولطف قضائه، لا رب سواه. وتمادى سيرنا الى يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان، والتاسع لنونبر، ثم انقلبت الريح غربية وأنشأت سحابة فيها رعد قاصف، وزجتها ريح عاصف، وتقدمها برق خاطف، فأرسلت حاصبا من البرد صبته علينا في المركب شآبيب متداركة، فارتاعت له النفوس، ثم أسرع انقشاعها، وانجلى عن الأنفس ارتياعها، وبتنا ليلة الجمعة مبيت وحشة وطالعنا بها اليأس من مكمنه، فلما أسفر الصبح وطلع النهار أبصرنا بر صقلية لائحا أمامنا. فيا لها بشرى ومسرة، لو لم تعد حسرة في كرة! فأمسينا ليلة السبت، وهو أول يوم من دجنبر، ونحن على ادراكه في أقل من ثلثها أو منتصفها، ولكل أجل كتاب وميقات، وكم أمل تعترض دونه الآفات، فما كان الا كلا ولا حتى ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب، وحالت بين الابصار والارتقاب. وما زالت تعصف، حتى كادت تنسف وتقصف، فحطت الشرع عن صواريها، واستسلمت النفوس لباريها، وتركنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عوارض ديم، حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم، وعباب الموج تتوالى صدماته، وتطفر الألباب رجفاته. فنبذت نفوسنا كل أمنية، وتأهبت للقاء المنية.
وقطعنا هذه الليلة البهماء في مصادمة أهوال، ومكابدة أوجال، ومقاساة أحوال، يا لها من أحوال! ثم أصبحنا يوم السبت ليوم عصيب، أخذ من هول ليلة بأوفر نصيب، والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت، وقد استسلمنا للقضاء، وتمسكنا بأسباب الرجاء. ثم تداركنا صنع الله تعالى مع المساء ففترت الريح ولان متن البحر وأسفر وجه الجو. وأصبحنا يوم الاحد ثاني دجنبر، والخامس والعشرين لشعبان، وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان، وساعدت الريح بعض مساعدة. فعدنا
стр. 260
نطلب من البر أثرا بعد عين، ونرجم الظنون بين متى وأين، والله لطيف بعباده، وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده، لا رب سواه.
شهر رمضان المعظم
استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين، وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من ازاء الأرض الكبيرة المذكورة، وأبصرنا فيها ضياعا وعمارة كثيرة، أعلمنا أنها من قلورية، وهي من بلاد صاحب صقلية، لأن بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين. وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده. وحسبك أنا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس نتقسمه بين أربعة منا نبله بيسير من الماء فنتبلغ به. وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده، فترفق المسلمون بابتياع ما أمكن منه على غلائه وانتهى الى مقدار خبزة بدرهم من الخالص، فما ظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس أنهم يقطعونها في عشرة أيام او خمسة عشر يوما الغاية، فالحازم من أدخل زاد ثلاثين يوما، وسائر الناس لعشرين يوما، ولخمسة عشر يوما.
ومن العجب في الاتفاقات في الأسفار البحرية أنا استطلعنا على ظهر البحر أهلة ثلاثة أشهر.: هلال رجب، وهلال شعبان، وهلال رمضان هذا. وفي يوم مستهله مع الصباح أبصرنا أمامنا جبل النار، وهو جبل البركان المشهور بصقيلة، فاستبشرنا بذلك، والله تعالى يعظم أجورنا على ما كابدناه، ويختم لنا بأجمل الصنع وأسناه، ويوزعنا في كل حال شكر ما اولاه، بمنه وكرمه.
ثم حركتنا من ذلك الموضع ريح موافقة، فلما كان عشي يوم السبت ثاني الشهر المذكور اشتد هبوبها فزجت المركب تزجية سريعة، فلم يكن الا كلا ولا حتى أدتنا الى أول المضيق والليل قد جن، وهذا المضيق ينحصر فيه البحر الى مقدار ستة أميال، وأضيق موضع فيه ثلاثة أميال يعترض من بر الأرض الكبيرة الى بر جزيرة صقلية، والبحر بهذا المضيق ينصب انصباب السيل العرم، ويغلي غليان المرجل، لشدة انحصاره وانضغاطه، وشقه صعب على
стр. 261
المراكب. فاستمر مركبنا في سيره، والريح الجنوبية تسوقه سوقا عنيفا، وبر الأرض الكبيرة عن يميننا،، وبر صقلية عن يسارنا.
الإشراف على الغرق
فلما كان مع نصف ليلة الأحد الثالث للشهر المبارك، وقد شارفنا مدينة مسينة من الجزيرة المذكورة، دهمتنا زعقات البحريين بأن المركب قد أمالته الريح بقوتها الى أحد البرين وهو ضارب فيه، فأمر رئيسهم بحط الشرع للحين، فلم ينحط شراع الصاري المعروف بالأردمون، وعالجوه فلم يقدروا عليه لشدة ذهاب الريح به، فلما أعياهم مزقه الرائس بالسكين قطعا قطعا طمعا في توقيفه، وفي أثناء هذه المحاولة سنح المركب بكلكله على البر، والتقاه بسكانيه، وهما رجلاه اللتان يصرف بهما، وقامت الصيحة الهائلة في المركب، فجاءت الطامة الكبرى، والصدعة التي لم نطق لها جبرا، والقارعة الصماء التي لم تدع لنا صبرا، والتدم النصارى التداما، واستسلم المسلمون لقضاء ربهم استسلاما، ولم يجدوا سوى حبل الرجاء استمساكا واعتصاما.
وتعاورت الريح والامواج صفح المركب حتى تكسرت رجله الواحدة فألقى الرائس مرسى من مراسيه طمعا في تمسكه به، فلم يغن شيئا، فقطع حبله وتركه في البحر، فلما تحققنا أنها هي قمنا فشددنا للموت حيازيمنا، وأمضينا على الصبر الجميل عزائمنا، وأقمنا نرتقب الصباح أو الحين المتاح، وقد علا الصياح، وارتفع الصراخ من أطفال الروم ونسائهم، والقى الجميع عن يد الإذعان، وقد حيل بين العير والنزوان. ونحن قيام نبصر البر قريبا، ونتردد بين أن نلقي بأنفسنا اليه سبحا، أو ننتظر لعل الفرج من الله يطلع صبحا. فأحضرنا نية الثبات، والبحريون قد ضموا العشاري لإخراج المهم من رجالهم ونسائهم وأسبابهم، فساروا به الى البر دفعة واحدة، ثم لم يطيقوا رده، وقذفه الموج مكسرا على ظهر البر، فتكمن حينئذ اليأس من النفوس، وفي أثناء مكابدة هذه الأحوال أسر الصبح، فجاء نصر الله والفتح، وحققنا النظر فاذا بمدينة مسينة أمامنا على أقل من نصف الميل وقد حيل بيننا وبينها، فعجبنا من قدرة الله في تصريف أقداره، وقلنا: رب مجلوب اليه حتفه في عتبة داره.
стр. 262
الزوارق المغيثة
ثم تمكن الشروق فجاءتنا الزوارق مغيثة، ووقعت الصيحة في المدينة، فخرج ملك صقلية غليام بنفسه في جملة من رجاله متطلعا لتلك الحال: وبادرنا الى النزول في الزوارق والأمواج لشدتها لا تمكنها الوصول الى المركب. فكان نزولنا فيها خاتمة الهول العظيم، ونجونا الى البر منجى أبي نصر عن قدر. وتلف للناس بعض أسبابهم فتسلوا عن الغنيمة بإيابهم.
ومن العجب، على ما أخبرنا به، أن هذا الملك الرومي المذكور أبصر فقراء من المسلمين يتطلعون من المركب وليس لهم شيء يؤدونه نزولهم لأن أصحاب الزوارق أغلوا على الناس في تخليصهم، فسأل عنهم، فاعلم بقصتهم، فأمر لهم بمائة رباعي من سكته ينزلون بها، وخلص جميع المسلمين عن سلام، وقيل: الحمد لله رب العالمين.
وفرغ النصارى جميع ما كان لهم فيه، فأصبح في اليوم الثاني وقد جعلته الأمواج جذاذا، ورمت به الى البر أفلاذا، فعاد عبرة للناظرين، وآية للمتوسمين.
ووقع العجب من سلامتنا منه، وجددنا شكر الله على ما من به من لطيف صنعه وجميل قضائه وتخليصه لنا من أن يكون هذا القدر ينفذ علينا في الأرض الكبيرة أو إحدى جزائر الروم المعمورة. فكنا، لو سلمنا، نستعبد للابد، والله يعيننا على أداء شكر هذه المنة والنعمة، وما تداركنا به من لحظات الرأفة والرحمة، انه على ذلك قدير، وبعوائد الفضل والخير جدير، لا إله سواه.
ومن جملة صنع الله لنا، ولطفه بنا، في هذه الحادثة، كون هذا الملك الرومي حاضرا فيها. ولولا ذلك لانتهب جميع ما في المركب انتهابا، وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين، لأن العادة جرت لهم بذلك. وكان وصول هذا الملك لهذه البلاد، بسبب اسطوله الذي ينشئه، رحمة لنا، والحمد لله على ما من به علينا من حسن نظره الكفيل بنا، لا إله سواه.
مدينة مسينة من جزيرة صقيلة
هذه المدينة موسم تجار الكفار، ومقصد جواري البحر من جميع الأقطار،
стр. 263
كثيرة الأرفاق برخاء الأسعار، مظلمة الآفاق بالكفر لا يقر فيها لمسلم قرار، مشحونة بعبدة الصلبان، تغص بقاطنيها، وتكاد تضيق ذرعا بساكنيها، مملوءة نتنا ورجسا، موحشة لا توجد لغريب أنسا، أسواقها نافقة حفيلة، وأرزاقها واسعة بإرغاد العيش كفيلة، لا تزال بها ليلك ونهارك في أمان، وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان، مستندة الى جبال قد انتظمت حضيضها وخنادقها، والبحر يعترض أمامها في الجهة الجنوبية منها. ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية، لأن المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى تكاد تمسه وتنصب منها الى البر خشبة يتصرف عليها، فالحمال يصعد بحمله اليها ولا يحتاج لزوارق في وسقها ولا في تفريغها الا ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا، فتراها مصطفة مع البر كاصطفاف الجياد في مرابطها واصطبلاتها، وذلك لإفراط عمق البحر فيها، وهو زقاق معترض بينها وبين الأرض الكبيرة، بمقدار ثلاثة أميال، ويقابلها منه بلدة تعرف برية، وهي عمالة كبيرة. وهذه المدينة: مسينة، رأس جزيرة صقلية، وهي كثيرة المدن والعمائر والضياع، وتسميتها تطول.
وطول هذه الخزيرة: صقلية، سبعة أيام، وعرضها مسيرة خمسة أيام، وبها جبل البركان المذكور، وهو يأتزر بالسحب لإفراط سموه ويعتم بالثلج شتاء وصيفا دائما، وخصب هذه الجزيرة أكثر من أن يوصف، وكفى بأنها ابنة الأندلس في سعة العمارة، وكثرة الخصب والرفاهة، مشحونة بالأرزاق على اختلافها، مملوءة بانواع الفواكه واصنافها، لكنها معمورة بعبدة الصلبان، يمشون في مناكبها، ويرتعون في أكنافها. والمسلمون معهم على املاكهم وضياعهم، وقد حسنوا السيرة في استعمالهم واصطناعهم، وضربوا عليهم اتاوة في فصلين من العام يؤدونها، وحالوا بينهم وبين سعة في الارض كانوا يجدونها، والله يصلح أحوالهم، ويجعل العقبى الجميلة مآلهم، بمنه. وجبالها كلها بساتين مثمرة بالتفاح والشاه بلوط والبندق والإحاص وغيرها من الفواكه.
المسلمون في صقلية
وليس في مسينه هذه من المسلمين الا نفر يسير من ذوي المهن، ولذلك يستوحش بها المسلم الغريب، وأحسن مدنها قاعدة ملكها، والمسلمون يعرفونها
стр. 264
بالمدينة، والنصارى يعرفونها ببلارمة، وفيها سكنى الحضريين من المسلمين، ولهم فيها المساجد، والأسواق المختصة بهم في الأرباض كثير. وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها، وسائر مدنها كسر قوسة وغيرها. لكن المدينة الكبيرة التي هي مسكن ملكها غليام أكبرها وأحفلها وبعدها مسينة. وبالمدينة ان شاء الله يكون مقامنا، ومنها نؤمل سفرنا الى حيث يقضي الله من بلاد المغرب ان شاء الله.
الملك غليام وحسن سيرته
وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب، وكلهم أو أكثرهم كاتم ايمانه متمسك بشريعة الإسلام، وهو كثير الثقة بالمسلمين وساكن اليهم في احواله والمهم من أشغاله، حتى ان الناظر في مطبخته رجل من المسلمين، وله جملة من العبيد السود المسلمين، وعليهم قائد منهم. ووزراؤه وحجابه الفتيان، وله منهم جملة كبيرة، هم أهل دولته والمرتسمون بخاصته، وعليهم يلوح رونق مملكته، لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة، وما منهم إلا من له الحاشية والخول والأتباع.
القصر الأبيض
ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الأنيقة، ولا سيما بحضرة ملكة المدينة المذكورة. وله بمسينة قصر أبيض كالحمامة مطل على ساحل البحر. وهو كثير الاتخاذ للفتيان والجواري. وليس في ملوك النصارى أترف في الملك ولا أنعم ولا أرفه منه، وهو يتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك واظهار زينته بملوك المسلمين، وملكه عظيم جدا. وله الأطباء والمنجمون، وهو كثير الاعتناء بهم، شديد الحرص عليهم، حتى انه متى ذكر له أن طبيبا أو منجما أجتاز ببلده أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه، والله يعيذ المسلمين من الفتنة به بمنه. وسنه نحو الثلاثين سنة، كفى الله المسلمين عاديته وبسطته. ومن عجيب شأنه المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية، وعلامته، على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به: الحمد لله حق حمده. وكانت علامة أبيه: الحمد لله
стр. 265
شكرا لأنعمه.
المسلمون في دولة غليام
وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن. ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكور، وهو يحيى بن فتيان الطراز، وهو يطرز بالذهب في طراز الملك: أن الافرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة، تعيدها الجواري المزكورات مسلمة، وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله، ولهن في فعل الخير أمور عجيبة. وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك. فكان يتطلع في قصره فلا يسمع الا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه، وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته، فكان يقول لهم: ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به؛ تسكينا لهم.
وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عمالته في ملكه فهم مسلمون، ما منهم الا من يصوم الأشهر تطوعا وتأجرا، ويتصدق تقربا الى الله وتزلفا، ويفتك الأسرى ويربي الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن اليهم، ويفعل الخير ما استطاع. وهذا كله صنع من الله لمسلمي هذه الجزيرة وسر من أسرار اعتناء الله بهم. لقينا منهم بمسينة فتى اسمه عبد المسيح، من وجوههم وكبرائهم، بعد تقدمة رغبة منه الينا في ذلك، فاحتفل في كرامتنا وبرنا وباح لنا بسره المكنون بعد مراقبة منه مجلسه أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه. فسألنا عن مكة قدسها الله وعن مشاهدها المعظمة وعن مشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام، فأخبرناه، وهو يذوب شوقا وتحرقا، واستهدى منا بعض ما استصحبناه من الطرف المباركة من مكة والمدينة قدسهما الله، ورغب في أن لا نبخل عليه بما أمكن من ذلك. وقال لنا: أنتم مدلون بإظهار الإسلام، فائزون بما قصدتم له، رابحون ان شاء الله في متجركم. ونحن كاتمون ايماننا، خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا، معتقلون في ملكة كافر بالله، قد وضع في أعناقنا ربقة الرق، فغايتنا التبرك بلقاء أمثالكم من الحجاج، واستهداء أدعيتهم، والاغتباط بما نتلقاه منهم من تحف تلك المشاهد المقدسة، لنتخذها عدة للإيمان، وذخيرة
стр. 266
للأكفان، فتفطرت قلوبنا له اشفاقا ودعونا له بحسن الخاتمة، واتحفناه ببعض ما كان عندنا مما رغب فيه. وأبلغ في مجازاتنا ومكافأتنا واستكتمناه سائر اخوانه من الفتيان.
ولهم في فعل الجميل أخبار مأثورة، وفي افتكاك الأسرى صنائع عند الله مشكورة. وجميع خدمتهم على مثل أحوالهم. ومن عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذا من مجلسه فيقضون صلاتهم. وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم الله ، فلا يزالون بأعمالهم ونياتهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم، والله ينفعهم ويجمل خلاصهم بمنه.
ولهذا الملك بمدينة مسينة المذكورة دار صنعة البحر تحتوي من الأساطيل على ما لا يحصى عدد مراكبه، وله بالمدينة مثل ذلك.
مغادرة صقلية
فكان نزولنا في أحد الفنادق، وأقمنا بها تسعة أيام، فلما كان ليلة الثلاثاء الثاني عشر للشهر المبارك المذكور، والثامن عشر لدجنبر، ركبنا في زورق متوجهين الى المدينة المتقدم ذكرها، وصرنا قريبا من الساحل بحيث نبصره رأي العين، وأرسل الله علينا ريحا شرقية رخاء طيبة زجت الزورق أهنأ تزجية وسرنا نسرح اللحظ في عمائر وقرى متصلة وحصون ومعاقل في قنن الجبال مشرفة، وأبصرنا عن يمننا في البحر تسع جزائر قد قامت جبالا مرتفعة: على مقربة من بر الجزيرة اثنتان منها، تخرج منهما النار دائما، وابصرنا الدخان صاعدا منهما، ويظهر بالليل نارا حمراء ذات السن تصعد في الجو، وهو البركان المشهور خبره، وأعلمنا ان خروجها من منافس في الجبلين المذكورين يصعد منها نفس ناري بقوة شديدة تكون عنه النار، وربما قذف فيها الحجر الكبير فتلقي به في الساعة الى الهواء لقوة ذلك النفس وتمنعه من الاستقرار والانتهاء الى القعر، وهذا من أعجب المسموعات الصحيحة.
وأما الجبل الشامخ الذي بالجزيرة، المعروف بجبل النار، فشأنه أيضا عجيب، وذلك أن نارا تخرج منه في بعض السنين كالسيل العرم، فلا تمر بشيء الا أحرقته
стр. 267
حتى تنتهي الى البحر فتركب ثبجه على صفحه حتى تغوص فيه، فسبحان المبدع في عجائب مخلوقاته، لا اله سواه. الى أن حللنا عشي يوم الأربعاء، بعد يوم الثلاثاء المؤرخ، مرسى مدينة شفلودي، وبينها وبين مسينة مجرى ونصف مجرى.
مدينة شفلودي من جزيرة صقلية
هي مدينة ساحلية كثيرة الخصب، واسعة المرافق، منتظمة أشجار الأعناب وغيرها، مرتبة الأسواق، تسكنها طائفة من المسلمين، وعليها قنة جبل واسعة مستديرة، فيها قلعة لم ير أمنع منها اتخذوها عدة لأسطول يفجؤهم من جهة البحر من جهة المسلمين، نصرهم الله. وكان اقلاعنا منها نصف الليل، فجئنا مدينة ثرمة ضحوة يوم الخميس بسير رويد. وبين المدينتين خمسة وعشرون ميلا، فانتقلنا فيها من ذلك الزورق الى زورق ثان اكتريناه لكون البحريين الذين صحبونا فيه من أهلها.
مدينة ثرمة من الجزيرة المذكورة .
هي أحسن وضعا من التي تقدم ذكرها، وهي جصينة، تركب البحر وتشرف عليه، وللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيه المساجد، ولها قلعة سامية منيعة. وفي اسفل البلدة حمة قد أغنت أهلها عن اتخاذ حمام. وهذه البلدة من الخصب. وسعة الرزق على غاية. والجزيرة بأسرها من أعجب بلاد الله في الخصب وسعة الأرزاق. فأقمنا بها يوم الخميس الرابع عشر للشهر المذكور، ونحن قد أرسينا في واد بأسفلها ويطلع فيه المد من البحر ثم ينحسر عنه. وبتنا بها ليلة الجمعة، ثم انقلب الهواء غربيا، فلم نجد للإقلاع سبيلا، وبيننا وبين المدينة المقصودة المعروفة عند النصارى ببلارمة خمسة وعشرون ميلا، فخشينا طول المقام، وحمدنا الله تعالى على ما أنعم به من التسهيل في قطع المسافة في يومين، وقد تلبث الزوارق في قطعها، على ما أعلمنا به، العشرين يوما والثلاثين يوما ونيفا على ذلك.
فأصبحنا يوم الجمعة منتصف الشهر المبارك على نية من المسير في البر على أقدامنا، فنفذنا لطيتنا وتحملنا بعض أسبابنا وخلفنا بعض الأصحاب على
стр. 268
الأسباب الباقية في الزورق، وسرنا في طريق كأنها السوق عمارة وكثرة صادر ووارد، وطوائف النصارى يتلقوننا فيبادرون بالسلام علينا ويؤنسوننا، فرأينا من سياستهم ولين مقصدهم مع المسلمين ما يوقع الفتنة في نفوس أهل الجهل، عصم الله جميع أمة محمد، ﷺ ، من الفتنة بهم بعزته ومنه، فانتهينا الى قصر سعد، وهو على فرسخ من المدينة، وقد أخذ منا الإعياء فملنا اليه وبتنا فيه.
وهذا القصر على ساحل البحر مشيد البناء عتيقه قديم الوضع من عهد ملكة المسلمين للجزيرة، لم يزل ولا يزال، بفضل الله، مسكنا للعباد منهم، وحوله قبور كثيرة للمسلمين: أهل الزهادة والورع، وهو موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان، وبإزائه عين تعرف بعين المجنونة، وله باب وثيق من الحديد، وداخله مساكن، وعلالي مشرفة وبيوت منتظمة، وهو كامل مرافق السكنى، وفي اعلاه مسجد من احسن مساجد الدنيا بهاء، مستطيل ذو حنايا مستطيلة، مفروش بحصر نظيفة، لم ير أحسن منها صنعة، وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلا من أنواع الصفر والزجاج، وأمامه شارع واسع يستدير بأعلى القصر، وفي أسفل القصر بئر عذبة. فبتنا في هذا المسجد أحسن مبيت وأطيبه، وسمعنا الأذان وكنا قد طال عهدنا بسماعه. وأكرمنا القوم الساكنون فيه. وله إمام يصلي بهم الفريضة. والتراويح في هذا الشهر المبارك. وبمقربة من هذا القصر، بنحو الميل الى جهة المدينة، قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر، وداخله سقاية تفور بماء عذب. وأبصرنا للنصارى في هذه الطريق كنائس معدة لمرضى النصارى، ولهم في مدنهم مثل ذلك على صفة مارستانات المسلمين، وأبصرنا لهم بعكة وبصور مثل ذلك، فعجبنا من اعتنائهم بهذا القدر.
فلما صلينا الصبح توجهنا الى المدينة فجئنا لندخل، فمنعنا وحملنا الى الباب المتصل بقصور الملك الأفرنجي، أراح الله المسلمين من ملكته، وادينا الى المستخلف من قبله ليسألنا عن مقصدنا، وكذلك فعلهم بكل غريب، فسلك رحاب وابواب وساحات ملوكية، وأبصرنا من القصور المشرفة والميادين المنتظمة والبساتين والمراتب المتخذة لأهل الخدمة ما راع أبصارنا وأذهل أفكارنا،
стр. 269
وتذكرنا قول الله «وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ»
وأبصرنا فيما أبصرناه مجلسا في ساحة فسيحة قد أحدق بها بستان وانتظمت جوانبها بلاطات، والمجلس قد أخذ استطالة تلك الساحة كلها، فعجبنا من طوله واشراف مناظره، فأعلمنا أنه موضع غذاء الملك مع اصحابه وتلك البلاطات والمراتب حيث تقعد حكامه. وأهل الخدمة والعمالة أمامه. فخرج الينا ذلك المستخلف يتهادى بين خديمين يحفان به ويرفعان أذياله، فأبصرنا شيخا طويل السبلة أبيضها ذا أبهة، فسألنا عن مقصدنا وعن بلدنا بكلام عربي لين، فأعلمناه، فأظهر الإشفاق علينا وأمر بانصرافنا بعد أن أحفى في السلام والدعاء، فعجبنا من شأنه.
وكان أول سؤاله لنا عن خبر القسطنطينية العظمى وما عندنا منه، فلم يكن عندنا ما نعلمه به، وقد نقيد خبرها بعد هذا. وكان من أغرب ما شاهدناه من الأمور الفتانة أن أحد من كان قاعدا عند باب القصر من النصارى قال لنا عند انصرافنا عن القصر المذكور: تحفظوا بما عندكم يا حجاج من العمال الممكسين لئلا يقع عليكم. وظن أن عندنا تجارة تقتضي التمكيس. فاستجاب له احد النصارى، فقال: ما أعجب أمرك، يدخلون حرم الملك، ويخافون من شيء، ما كنت أود لهم الا آلافا من الرباعيات، انهضوا بسلام لا خوف عليكم. فقضينا عجبا مما شاهدناه وسمعناه.
وخرجنا الى أحد الفنادق فنزلنا فيه، وذلك يوم السبت السادس عشر للشهر المبارك، والثاني والعشرين لدجنبر، وفي خروجنا من القصر المذكور سلكنا بلاطا متصلا مشينا فيه مسافة طويلة، وهو مسقف، حتى انتهينا الى كنيسة عظيمة البناء. فاعلمنا أن ذلك البلاط ممشى الملك الى هذه الكنيسة.
ذكر المدينة التي هي حضرة صقلية
هي بهذه الجزائر أم الحضارة، والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة، فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر، ومراد عيش يانع أخضر، عتيقة أنيقة، مشرقة مونقة، تتطلع بمرأى فتان، وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان، فسيحة السكك والشوارع، تروق الأبصار بحسن منظرها البارع، عجيبة الشان،
стр. 270
قرطبية البنيان، مبانيها كلها بمنحوت الحجر المعروف بالكذان، يشقها نهر معين، ويطرد في جنباتها أربع عيون، قد زخرفت فيها لملكها دنياه، فاتخذها حضرة ملكه الإفرنجي أباده الله، تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب، ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهة وملاعب، فكم له فيها، لا عمرت به، من مقاصير ومصانع، ومناظر ومطالع، وكم له بجهاتها من ديارات قد زخرف بنيانها، ورفه بالأقطاعات الواسعة رهبانها، وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها، وعسى الله عن قريب أن يصلح لهذه الجزيرة الزمان، فيعيدها دار ايمان، وينقلها من الخوف للأمان، بعزته، انه على ما يشاء قدير.
وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإيمان، يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى، والأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها، ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم، ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسي، ولهم بها قاض يرتفعون اليه في أحكامهم، وجامع يجتمعون للصلاة فيه ويحتفلون في وقيده في هذا الشهر المبارك، وأما المساجد فكثيرة لا تحصى، وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن.
وبالجملة فهم عزباء عن اخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمن لهم في اموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم، تلافاهم الله بصنع جميل بمنه.
ومن جملة شبه هذه المدينة بقرطبة، والشيء قد تشبه بالشيء من إحدى جهاته، أن لها مدينة قديمة تعرف بالقصر القديم هي في وسط المدينة الحديثة، وعلى هذا المثال موضوع قرطبة، حرسها الله. وبهذا القصر القديم ديار كأنها القصور المشيدة لها مناظر في الجو مطلة تحار الأبصار في حسنها.
كنسية الأنطاكي
ومن أعجب ما شاهدناه بها من أمور الكفران كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي، أبصرناها يوم الميلاد، وهو يوم عيد لهم عظيم، وقد احتفلوا لها رجالا ونساء، فأبصرنا من بنيانها مرأى يعجز الوصف عنه، ويقع القطع بأنها أعجب مصانع الدنيا المزخرفة جدرها الداخلة ذهب كلها، وفيها من ألواح الرخام الملون ما لم ير مثله قط، قد رصعت كلها بفصوص الذهب وكللت بأشجار
стр. 271
الفصوص الخضر ونظم أعلاها بالشمسيات المذهبات من الزجاج، فتخطف الأبصار بساطع شعاعها، وتحدث في النفوس فتنة نعوذ بالله منها، وأعلمنا ان بانيها الذي تنسب اليه أنفق فيها قناطير من الذهب، وكان وزيرا لجد هذا الملك المشرك، ولهذه الكنيسة صومعة قد قامت على أعمدة سوار من الرخام ملونة وعلت قبة على أخرى سوار كلها فتعرف بصومعة السواري، وهي من أعجب ما يبصر من البنيان، شرفها الله عن قريب بالأذان، بلطفه وكريم صنعه.
وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين: فصيحات الألسن، ملتحفات، منتقبات، خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبسن ثياب الحرير المذهب، والتحفن اللحف الرائقة، وانتقبن بالنقب الملونة، وانتعلن الأخفاف المذهبة، وبررن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلي والتخضب والتعطر. فتذكرنا على جهة الدعابة الأدبية قول الشاعر:
أن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء
ونعوذ بالله من وصف يدخل مدخل اللغو، ويؤدي الى أباطيل اللهو، ونعوذ به من تقييد، يؤدي الى تفنيد، انه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة. فكان مقامنا بهذه المدينة سبعة أيام، ونزولنا بها في احد فنادقها التي يسكنها المسلمون، وخرجنا منها صبيحة يوم الجمعة الثاني والعشرين لهذا الشهر المبارك، والثامن والعشرين لشهر دجنبر، الى مدينة أطرابنش، بسبب مركبين بها: أحدهما يتوجه الى الأندلس والثاني الى سبتة، وكنا أقلعنا الى الاسكندرية فيه، وفيهما حجاج وتجار من المسلمين، فسلكنا على قرى متصلة وضياع متجاورة، وأبصرنا محارث ومزارع لم نر مثل تربتها طيبا وكرما واتساعا، فشبهناها بقنبانية قرطبة، أو هذه أطيب وأمتن.
وبتنا في الطريق ليلة واحدة في بلدة تعرف بعلقمة، وهي كبيرة متسعة، فيها السوق والمساجد، وسكانها وسكان هذه الضياع التي في هذه الطريق كلها مسلمون، وقمنا منها سحر يوم السبت الثالث والعشرين لهذا الشهر المبارك، والتاسع والعشرين لدجنبر، فاجتزنا بمقربة منها على حصن يعرف بحصن الحمة، وهو بلد كبير فيه حمامات كثيرة، وقد فجرها الله ينابيع في الارض وأسالها عناصر لا يكاد البدن يحتملها لإفراط حرّها، فأجزنا منها واحدة على
стр. 272
الطريق، فنزلنا اليها عن الدواب وأرحنا الأبدان بالاستحمام فيها. ووصلنا الى أطرابنش عصر ذلك اليوم، فنزلنا فيها في دار اكتريناها.
ذكر مدنية اطرابنش من جزيرة صقلية
هي مدينة صغيرة الساحة، غير كبيرة المساحة، مسورة بيضاء كالحمامة، مرساها من أحسن المراسي وأوفقها للمراكب، ولذلك يقصد الروم كثيرا اليها ولا سيما المقلعون الى بر العدوة، فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة، فالسفر منها اليها لا يتعطل شتاء ولا صيفا الا ريثما تهب الريح الموافقة، فمجراها في ذلك مجرى المجاز القريب. وبهذه المدينة السوق والحمّام وجميع ما يحتاج اليه من مرافق المدن، لكنها في لهوات البحر لإحاطته بها من ثلاث جهات، واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة، والبحر فاغرفاه لها من سائر الجهات، فأهلها يرون أنه لا بد له من الاستيلاء عليها وان تراخى مدى أيامها، ولا يعلم الغيب الا الله تعالى.
وهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم، وسكانها المسلمون والنصارى، ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس، وبركبها من جهة الشرق مائلا الى الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه قنة تنقطع عنه، وفيها معقل للروم، وبينه وبين الجبل قنطرة، ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير، ويقال إن حريمه من أحسن حريم هذه الجزيرة، جعلها الله سببا للمسلمين.
وبهذا الجبل الكروم والمزارع، واعلمنا أن به نحو أربع مئة عين متفجرة، وهو يعرف بجبل حامد، والصعود اليه هين من احدى جهاته، وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة، ان شاء الله، ولا سبيل أن يتركوا مسلما يصعد اليه، ولذلك أعدّوا في ذلك المعقل الحصين، فلو أحسوا بحادثة حصلوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة. واعترض بينهم وبين الذي في اعلاه متصل به خندق كبير.
وشأن هذا البلد العجيب، فمن العجب أن يكون فيه من العيون المتفجرة ما تقدم ذكره، وأطرابنش في هذا البسيط ولا ماء لها الا من بئر على البعد منها، وفي ديارها آبار قصيرة الأرشية ماؤها كلها شريب لا يساغ.
وألفينا المركبين الذين يرومان الاقلاع الى المغرب بها، ونحن، ان شاء الله،
стр. 273
نؤمل ركوب أحدهما، وهو القاصد الى بر الأندلس، والله بمعهود صنعه الجميل كفيل بمنه. وفي غربي هذه البلدة: أطرابنش المذكورة، ثلاث جزائر في البحر على نحو فرسخين منها، وهي صغار متجاورة: احداها تعرف بمليطمة، والاخرى بيابسة، والثالثة تعرف بالراهب، نسبت الى راهب يسكنها في بناء أعلاها كأنه الحصن، وهي مكمن للعدو، والجزيرتان لا عمارة فيهما، ولا يعمر الثالثة سوى الراهب المذكور.
شهر شوال
استهل هلاله ليلة السبت الخامس من ينير بشهادة ثبتت عند حاكم أطرابنش المذكورة بأنه أبصر هلال شهر رمضان ليلة الخميس، ويوم الخميس كان صيام أهل مدينة صقلية المتقدم ذكرها، فعيّد الناس على الكمال بحساب يوم الخميس المذكور، وكان مصلّانا في هذا العيد المبارك بأحد مساجد أطرابنش المذكورة مع قوم من أهلها امتنعوا من الخروج الى المصلى لعذر كان لهم. فصلينا صلاة الغرباء، جبر الله كل غريب الى وطنه، وخرج أهل البلد الى مصلاهم مع صاحب أحكامهم وانصرفوا بالطبول والبوقات، فعجبنا من ذلك ومن اغضاء النصارى لهم عليه.
ونحن قد اتفق كراؤنا في المركب المتوجه ان شاء الله الى بر الأندلس ونظرنا في الزاد، والله المتكفل بالتيسير والتسهيل.
ووصل أمر من ملك صقلية بعقلة المراكب بجميع السواحل بجزيرته بسبب الأسطول الذي يعمّره ويعده، فليس لمركب سبيل للسفر الى أن يسافر الأسطول المذكور، خيب الله سعيه ولا تمم قصده. فبادر الروم الجنويون، أصحاب المركبين المذكورين، الى الصعود فيهما تحصنا من الوالي، ثم امتد سبب الرشوة بينهم وبينه فأقاموا بمركبيهم ينتظرون هواء يقلعون به. وفي هذا التاريخ المذكور وصلتنا أخبار موحشة من الغرب، منها تغلب صاحب ميورقة على بجاية، والله لا يحقق ذلك ويجعل العاقبة والهدنة للمسلمين بمنه وكرمه.
والناس في هذه المدينة يرجمون الظنون في مقصد هذا الأسطول الذي يحاول هذا الطاغية تعميره، وعدد اجفانه، فيما يقال، ثلاث مئة: بين طرائد ومراكب، يقال: اكثر من ذلك، ويستصحب معه نحو مئة سفينة تحمل الطعام، والله يقطع به ويجعل الدائرة عليه. فمنهم من يزعم أن مقصده الإسكندرية، حرسها الله وعصمها، ومنهم من يقول: ان مقصده ميورقة، حرسها الله، ومنهم من يزعم
стр. 274
أن مقصده إفريقية، حماها الله، ناكثا لعهده في السلم بسبب الأنباء الموحشة الطارئة من جهة المغرب. وهذا أبعد الظنون من الإمكان لأنه مظهر للوفاء بالعهد، والله يعين عليه ولا يعينه، ومنهم من يرى أن احتفاله انما هو لقصد القسطنطينية العظمى بسبب ما ورد من قبلها من النبأ العظيم الشأن، المهدي للنفوس بشائر تتضمن عجائب من الحدثان، وتشهد للحديث المأثور عن المصطفى، ﷺ ، بصدق البرهان، وذلك بأنه ذكر أن صاحبها توفي وترك الملك بعده لزوجه ولها ابن صغير، فقام ابن عم له في الملك وقتل الزوج المذكورة وثقف الابن المذكور، ثم ابنا للثائر المذكور عطفته الرحم على الابن المعتقل فأطلق سبيله، وكان أبوه قد أمره بقتله، فرمت به الاقدار الى هذه الجزيرة بعد خطوب جرت عليه، فوردها على حالة ابتذال، ومهنة استعمال، خادما لأحد الرهبان، مسدلا على شارته الملوكية سترا من الامتهان، ففشي الأمر، وذاع السر، ولم يغن عنه ذلك الستر. فاستحضر عن أمر الملك الصقلي غليام، المذكور قبل، واستنطق واستفهم، فزعم أنه عبد لذلك الراهب وخديمه، ثم ان طائفة من الروم الجنويين المسافرين الى القسطنطينية أثبتوا صفته وحققوا أنه هو مع مخايل ودلائل ملوكية لاحت منه: منها، فيما ذكر لنا، أن الملك غليام خرج في يوم زينة له وقد اصطف الناس للسلام عليه وأحضروا الفتى المذكور في جملة الخاصة، فصقع الجميع خدمة للملك وتعظيما لطوعه عليهم الا ذلك الفتى فإنه لم يزد على الايمان في السلام، فعلم أن الهمة الملوكية منعته من المدخل مدخل السوقة، فاعتنى به الملك غليام وأكرم مثواه وأذكى عيون الاحتراس عليه خوفا من اغتيال يلحقه بتدسيس من ابن عمه الثائر عليه.
وكانت له أخت موصوفة بالجمال علق بها ابن العم الثائر على الملك المذكور، فلم يمكنه تزويجها بسبب أن الروم لا تنكح في الاقارب، فحمله الحب المصمي والهوى المصم المعمي، والسعادة التي تفضي بصاحبها الى العاقبة الحسنى وترمي، على أخذها والتوجه بها الى الأمير مسعود صاحب الدروب وقونية وبلاد العجم المجاورة للقسطنطينية، وقد تقدم ذكر غنائه في الإسلام فيما مضى من هذا التقييد، وحسبك أن صاحب القسطنطينية لم يزل يؤدي الجزية اليه ولصالحه على ما يجاوره من البلاد، فأسلم مع ابنة عمه على يده، وسيق له صليب ذهب قد احمي
стр. 275
عليه في النار فوضعه تحت قدمه، وهي عندهم أعظم علامات الترك لدين النصرانية والوفاء بذمة دين الاسلام، وتزوج ابنة العم المذكورة وبلغ هواه، وأخذ جيوش المسلمين معه الى القسطنطينية فدخلها بهم وقتل من أهلها نحو الخمسين الفا من الروم، وأعانه الإغريقيون على فعله، وهم فرقة من أهل الكتاب وكلامهم بالعربية، وبينهم وبين سائر الفرق من جنسهم عداوة كامنة، وهم لا يرون أكل لحم الخنزير، فشفوا نفوسهم من أعاديهم، وقرع الله نبع الكفر بعضه ببعض واستولى المسلمون على القسطنطينية ونقلت أموالها كلها، وهي ما لا يأخذه الإحصاء، الى الأمير مسعود، وجعل من المسلمين فيها ما ينيف على الاربعين الف فارس، واتصلت بلادهم بها. وهذا الفتح، اذا صح، من أكبر شروط الساعة، والله اعلم بغيبه.
ألفينا هذا الحديث بهذه الجزيرة مستفيضا على ألسنة المسلمين والنصارى محققين له لا شك عندهم فيه، أنبأت به مراكب الروم التي وصلت من القسطنطينية.
وكان أول سؤال مستخلف الملك بالمدينة لنا، يوم احضرنا لديه عند دخولنا المدينة، عما عندنا من خبر القسطنطينية، فلم يكن عندنا علم ولا تعرفنا معنى السؤال عنها الا بعد ذلك. وتحققوه أيضا من جهة ملكها هذا الصبي وما كان من اتباع الثائر عليه اياه عيونا يروم اغتياله. فهو اليوم بسبب ذلك عند صاحب صقلية محترس محافظ عليه، لا يكاد يصل لحظ العيون إليه.
وأخبرنا أنه رطيب غصن الصبا، محتدم حمرة الشباب، صقيل رونق الملك، عليه ناظر في علم اللسان العربي وغيره، بارع في الأدب الملوكي، ذو دهاء على فتوة سنه وغمرية شبيبته، فالملك الصقلي على ما يذكر يروم توجيه الأسطول المذكور الى القسطنطينية أنفة لهذا الصبي المذكور، وما جرى عليه، وكيفما توجه الأمر فيه من هذه المقاصد فالله ينكصه خاسرا على عقبه، ويعرفه شؤم مذهبه، ويجعل قواصف الرياح خاسفة به، انه على ما يشاء قدير. وهذا الخبر القسطنطيني، حققه الله، من أعظم عجائب الدنيا وكوائنها المرتقبة، ولله القدرة البالغة في أحكامه وأقداره.
شهر ذي القعدة
استهل هلاله ليلة الاثنين الرابع من شهر فبرير ونحن بمدينة اطرابنش، المتقدم
стр. 276
ذكرها، منتظرين انسلاخ فصل الشتاء وإقلاع المركب الجنوي الذي أملنا ركوبه الى الأندلس، ان شاء الله ، والله سبحانه ييمن مقصدنا وييسر مرامنا بمنه وكرمه.
وفي مدة مقامنا بهذه البلدة تعرفنا ما يؤلم النفوس تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عباد الصليب بها، دمرهم الله، وما هم عليه معهم من الذل والمسكنة، والمقام تحت عهدة الذمة، وغلظة الملك، الى طوارىء دواعي الفتنة في الدين على من كتب الله عليه الشقاء من ابنائهم ونسائهم. وربما تسبب الى بعض اشياخهم أسباب نكالية تدعوه الى فراق دينه، فمنها قصة اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء مدينتهم التي هي حضرة ملكهم الطاغية، ويعرف بابن زرعة، ضغطته العمال بالمطالبة حتى أظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية، ومهر في حفظ الإنجيل ومطالعة سير الروم وحفظ قوانين شريعتهم، فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية، وربما طرأ حكم اسلامي فيستفتى أيضا فيه لما سبق من معرفته بالأحكام الشرعية، ويقع الوقوف عند فتياه في كلا الحكمين، وكان له مسجد بإزاء داره أعاده كنيسة، نعوذ بالله من عواقب الشقاوة وخواتم الضلالة، ومع ذلك فاعلمنا أنه يكتم ايمانه. فلعله داخل تحت الاستثناء، في قوله: «الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» .
ووصل هذه الأيام الى هذه البلدة زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد ابو القاسم بن حمود، المعروف بابن الحجر، وهذا الرجل من اهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابرا عن كابر، وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح، مريد للخير، محب في أهله، كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسارى، وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج، الى مآثر جمة، ومناقب كريمة، فارتجت هذه المدينة لوصوله، وكان في هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية الزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه فيها أحاديث مزورة نسبوه فيها الى مخاطبة الموحدين أيدهم الله، فكادت تقضي عليه لولا حارس المدة، وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفا على الثلاثين ألف دينار مؤمنية، ولم يزل يتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه حتى بقي
стр. 277
دون مال، فاتفق في هذه الأيام رضي الطاغية عنه وامره بالنفوذ لمهم اشغاله السلطانية، فنفذ لها نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وماله، وصدرت عنه عند وصوله الى هذه البلدة رغبة في الاجتماع بنا، فاجتمعنا به، فأظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دما، ويذيب القلوب ألما، فمن ذلك انه قال: كنت اود لو أباع أنا واهل بيتي، فلعل البيع كان يخلصنا مما نحن فيه، ويؤدي بنا الى الحصول في بلاد المسلمين. فتأمل حالا يؤدي بهذا الرجل، مع جلالة قدره وعظم منصبه، الى أن يتمنى مثل هذا التمنين مع كونه مثقلا عيالا وبنين وبنات، فسألنا له من الله حسن التخلص مما هو فيه ولسائر المسلمين من أهل هذه الجزيرة. وواجب على كل مسلم الدعاء لهم في كل موقف يقفه بين يدي الله ، وفارقناه باكيا مبكيا، واستمال نفوسنا بشرف منزعه، وخصوصية شمائله، ورزانة حصاته، وشمول مبرته وتكرمته، وحسن خلقه وخليقته. وكنا قد أبصرنا له ولإخوته ولأهل بيته بالمدينة ديارا كأنها القصور المشيدة الأنيقة، وشأنهم بالجملة كبير لا سيما هذا الرجل منهم.
وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج وصعاليكهم أصلحت أحوالهم ويسرت لهم الكراء والزاد، والله ينفعه بها ويجازيه الجزاء الأوفى عليها بمنه.
ومن أعظم ما مني به أهل هذه الجزيرة أن الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجه أو تغضب المرأة على ابنتها فتلحق المغضوب عليه أنفة تؤديه الى التطارح في الكنيسة فيتنصر ويتعمد، فلا يجد الاب للابن سبيلا ولا الأم للبنت سبيلا. فتخيل حال من يمنى بمثل هذا في أهله وولده ويقطع عمره متوقعا لوقوع هذه الفتنة فيهم! فهم الدهر كله في مداراة الأهل والولد خوف هذه الحال.
وأهل النظر في العواقب منهم يخافون أن يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة أقريطش من المسلمين، في المدة السالفة، فإنه لم تزل بهم الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج الشيء بعد الشيء حالا بعد حال حتى اضطروا الى التنصر عن آخرهم، وفر منهم من قضى الله بنجاته، وحقت كلمة العذاب على الكافرين، والله غالب على امره؛ لا اله سواه.
ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى، أبادهم الله،
стр. 278
أنهم يزعمون أنه لو تنصر لما بقي في الجزيرة مسلم الا وفعل فعله اتباعا له واقتداء به، تكفل الله بعصمته جميعهم ونجاهم مما هم فيه بفضله وكرمه.
ومن أعجب ما شاهدناه من أحوالهم التي تقطع النفوس اشفاقا وتذيب القلوب رأفة وحنانا أن أحد أعيان هذه البلدة وجه ابنه الى أحد أصحابنا الحجاج راغبا في أن يقبل منه بنتا بكرا صغيرة السن قد زاهقت الإدراك، فإن رضيها تزوجها وإن لم يرضها زوجها ممن رضي لها من أهل بلده، ويخرجها مع نفسه راضية بفراق أبيها واخوتها طمعا في التخلص من هذه الفتنة ورغبة في الحصول في بلاد المسلمين. فطاب الأب والإخوة نفسا لذلك لعلهم يجدون السبيل للتخلص الى بلاد المسلمين بأنفسهم اذا زالت هذه العقلة المقيدة عنهم. فتأجر هذا الرجل المرغوب إليه بقبول ذلك وأعنّاه على استغنام هذه الفرصة المؤدية الى خير الدنيا والآخرة. وطال عجبنا من حال تؤدي بإنسان الى السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة من القلب وإسلامها الى يد من يغرّبها واحتمال الصبر عنها ومكابدة الشوق اليها والوحشة دونها، كما أنا استغربنا حال الصبية، صانها الله، ورضاها بفراق من لها رغبة في الإسلام واستمساكا بعروته الوثقى، والله يعصمها ويكفلها ويؤنسها بنظم شملها ويجمل الصنع لها بمنه. واستشارها الأب فيما هم به من ذلك فقالت له: ان أمسكتني فأنت مسئول عني. وكانت هذه الصبية دون أم ولها أخوان وأخت صغيرة أشقاء لها.
شهر ذي الحجة
غمّ هلاله علينا لتوالي الأنواء، فأكملنا أيام شهر ذي القعدة بحسابه من ليلة الأربعاء السادس لشهر مارس ونحن بهذه المدينة المذكورة طامعين في قرب السفر مستبشرين بطيب الهواء، والله ييسر مرامنا ويتكفل بسلامتنا بعزته. واتفق أن أبصرنا الهلال ليلة الأربعاء كبيرا، فعلم أنه من ليلة الثلاثاء، فانتقل حساب الشهر اليها.
وفي ظهر يوم الأربعاء التاسع من الشهر المذكور، والثالث عشر من مارس، وهو يوم عرفة، عرفنا الله بركته وبركة الموقف الكريم فيه بعرفات، كان صعودنا الى المركب، يمنه الله ورزقنا السلامة فيه، مبيتين للسفر، قرب الله علينا مسافته، فأصبحنا على ظهر المركب صبيحة يوم عيد الأضحى، نفعنا الله
стр. 279
بمقاساة الوحشة فيه، ونحن نيف على الخمسين رجلا من المسلمين، عصم الجميع ونظم شملهم بأوطانهم بمنه وكرمه، انه سبحانه كفيل بذلك. ورمنا الإقلاع فلم توافق الريح، فلم نزل نتردد من المركب الى البر ونبيت السفر كل ليلة اثني عشر يوما الى أن أذن الله بالإقلاع صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين لذي الحجة المذكور، والخامس والعشرين لمارس، فأقلعنا على بركة الله تعالى في ثلاث مراكب من الروم قد توافقت على الاصطحاب في الجري وأن يمسك المتقدم منها على المتأخر، فوصلنا الى جزيرة الراهب، وقد تقدم ذكرها في هذا التقييد، وبينها وبين أطرابنش نحو ثمانية عشر ميلا، فتغيرت الريح علينا، فملنا الى مرساها.
فكان من الاتفاق العجيب أن ألفينا فيها مركب مركون الجنوي المقلع من الإسكندرية بنحو مئتي رجل ونيف من أصحابنا الحجاج المغاربة الذين كنا فارقناهم بمكة، قدّسها الله، في ذي الحجة من سنة تسع، ولم نسمع لهم خبرا منذ فارقناهم ولا سمعوا لنا، وكان فيهم جماعة من أصحابنا من أهل أغرناطة، منهم الفقيه أبو جعفر بن سعد صاحبنا ونزيلنا بمكة مدة مقامنا فيها، فلحين ما علموا بنا تطلعوا الينا من المركب متعلقين بحافاته وجوانبه رافعين أصواتهم ببشرى السلامة واللقاء مسرورين بالاجتماع باكين من الفرح دهشين ذاهلين لوقوع المسرة من نفوسهم، ونحن لهم على مثل تلك الحال. فكان يوما مشهودا اتخذناه عقب العيد عيدا جديدا. ونزل الأصحاب بعضهم الى بعض، وباتوا وبتنا بأسرّ ليلة وانعمها، وجعلنا هذا الاجتماع عنوانا كريما لما نؤمله من انتظام الشمل بالأوطان، إن شاء الله .
وأهب الله علينا ريحا طيبة في سحر تلك الليلة، وهي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور، فأقلعنا بها ونحن في أربعة مراكب كلها تؤمل جزيرة الأندلس، بحول الله تعالى، وسرنا ذلك اليوم كله بريح تزجي المراكب تزجية حثيثة، ونحن من الشوق الى الأندلس بحال تكاد لها النفوس تقوم مقام الرياح في حث الرياح وانزعاجها، والله يمن بالتسهيل والتعجيل. ثم انقلبت الريح غربية، بعد مسير يوم وليلتين، فضربت في وجوهنا فأنكصتنا على الأعقاب، فرجعنا عودا على بدء الى مرسى جزيرة الراهب، فوصلنا اليه ليلة الخميس الرابع والعشرين من الشهر المذكور.
стр. 280
ثم أقلعنا منه عشي يوم الجمعة بعده منفردين دون المراكب المذكورة.
فأزعجتنا ريح شديدة خرق لها المركب في الجري، فأصبحنا يوم الأحد السابع والعشرين من الشهر ونحن على طرف جزيرة سردانية وقد قطعناها جريا، وطولها أزيد من مئتي ميل، فاستبشرنا وسررنا. وقدر للمركب في يوم وليلتين قطع نيف على خمس مئة ميل، فكان أمرا مستغربا، ثم ان الريح الموافقة ركدت عنا وهبت ريح أسقطتنا ليلة الاثنين الثامن والعشرين منه، وهو أول أبريل، الى جهة بر إفريقية، فأرسينا يوم الاثنين المذكور بجزيرة تعرف بخالطة، وهي جزيرة غير معمورة، ويقال: انها كانت معمورة، في القديم، وهي مقصد العدو، وبينها وبين البر المذكور نحو ثلاثين ميلا، وهو منا رأي العين، فأقمنا بها بعد أهوال لقيناها في دخول مرساها، عصم الله منها، وتوالت الأنواء علينا فيها ونحن ننتظر فرجا من الله تعالى. وكان مقامنا فيها أربعة أيام، آخرها يوم الخميس مستهل محرم.
شهر محرم سنة إحدى وثمانين
غمّ هلاله علينا فحسبناه على الكمال من ليلة الخميس الرابع لشهر أبريل، عرّفنا الله بركة هذه السنة ويمنها ورزقنا خيرها ووقانا شرّها ومنّ علينا بنظم الشمل فيها، انه سميع مجيب.
وفي ليلة الجمعة الثاني منه أهب الله علينا ريحا شرقية أقلعنا بها، وهي لينة رخاء، الى ان استشرت فعادت ريحا شديدة جرى بها المركب أقوى جري وأعدله، وما زلنا منذ ركبنا البحر نتنسم هذا الأفق الشرقي شوقا الى ريحه فلا يهب منه نسيم حتى خلناه لعدمه عنقاء مغربا، الى أن تداركنا الله بلطفه وجميل صنعه فأجراه لنا الآن في شهر نيسان، عرّفنا الله السلامة بمنه وكرمه.
وصحبتنا هذه الريح الشرقية نحو يومين سرنا فيهما سيرا حثيثا، وتركنا جزيرة سردانية عن يميننا، ثم تلاعبت بنا الرياح المختلفة فأقمنا بها نضرب البحر طولا وعرضا ولا يتراءى لنا بر حتى ساءت ظنون وتوهمنا اسقاط الرياح لنا الى جهة بر برشلونة، دمرها الله، الى أن أذن الله بالفرج فأبصرنا بر جزيرة يابسة ليلة السبت العاشر من الشهر المذكور، ونحن لا نكاد نتبينه لبعد خيالا خفيا، فلما كان يوم السبت المذكور بان لنا، فدخلنا مرسى الجزيرة المذكورة مع الليل بعد مكابدة اختلاف الرياح في دخوله. فأرسينا والمدينة منا على مقدار اربعة أميال، وكان إرساؤنا بازاء فرمنتيرة وهي منقطعة عن جزيرة يابسة وبينهما
стр. 281
مقدار أربعة أميال أو خمسه، وفيها قرى كثيرة معمورة، فأقمنا بمرساها ونحن بمقربة من الجبلين المنقطعين المتناظرين المعروفين بالشيخ والعجوز. وفي تلك الليلة مع المغيب أبصرنا جبال بر الأندلس، وأقربها منا جبل دانية المعروف بقاعون.
فحدقت الأبصار لهذا البر سرورا بمرآه واستبشرت الأنفس بالدنو منه. وأصبحنا يوم الأحد الحادي عشر من الشهر بالمرسى المذكور والريح غربية ونحن ننتظر تتميم الصنع الجميل من الله بإرسال الريح الموافقة، نشرا بين يدي رحمته ان شاء الله.
وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثالث عشر منه أقلعنا على اليمن والبركة بريح شرقية لينة المهب لها نفس خافت، داعين لله في احياء ذمائها، وتقوية اجرائها، وجبال دانية أمامنا رأي العين، والله يتمم فضله علينا، ويكمل صنعه بعزته لنا. وتمادت وانتشرت بفضل الله تعالى، فنزلنا بقرطاجنّة عشي يوم الخميس الخامس عشر منه، شاكرين لله على ما من به من السلامة والعافية، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد خاتم النبيين، وامام المرسلين. ثم أقلعنا منها اثر صلاة الجمعة السادس عشر منه فبتنا في فحص قرطاجنة بالبرج المعروف ببرج الثلاثة صهاريج، ثم منه يوم السبت الى مرسيه، ومنها في اليوم بعينه الى البرالة، ثم منها يوم الأحد الى لورقة، ثم منها يوم الاثنين الى المنصورة، ثم منها يوم الثلاثاء الى قنالش بسطة، ثم منها يوم الاربعاء الى وادي آش، ثم منها يوم الخميس الثاني والعشرين لمحرم، والخامس والعشرين لأبريل، الى المنزل بغرناطة:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر