← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 10883

رحلة ابن جبير ط دار الهلال

ابن جبير

Полный текст (281 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ابن جبير أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي، البلنسي. رحّالة، كاتب وشاعر عربي أندلسي. ولد في بلنسة شرقي أسبانيا سنة ٥٣٩ هـ. أسرته من بني كنانة وهي من القبائل العربية العريقة والكبيرة. جده الكبير أبو عبد السلام بن جبير، ذهب إلى أسبانيا وبقي مقيماً فيها. وإن أسرته على ما يبدو كانت تعيش في بلنسة. أقام بمعية والده مدة في شاطبة فأخذ العلوم الدينية والأدبية عليه وعلى أبي عبد الله الأصيل وابن الحسن بن أبي العيش ولم يغفل خلال ذلك عن تربية قريحته الشعرية. ثم هاجر بعدها إلى غرناطة وفي ظل مواهبه دخل كأبيه في عداد كتّاب أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن حاكم غرناطة الذي كان من الموحدين. يذكر كراتشكوفسكي بأن ابن جبير كان ممن لعب دوراً هاماً في تطوير الأدب العربي. ويذكر أرباب التراجم بأنه من أدباء عصره وله نظم بارع ونثر بديع. له ديوان شعر ورسائل منثورة آلت إلى شهرته إلا أن أساس شهرته قامت عن كتابه الذي عرف باسمه «رحلة ابن جبير» .

стр. 2

الكتاب والمؤلف بسم الله الرّحمن الرّحيم مؤلف هذا الكتاب هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي البلنسي. ولد في بلنسة سنة ٥٣٩ هـ. وقد شغف أول ما شغف بعلوم الدين فسمعها من أبيه في شاطبة، وأخذ القرآن عن أبي الحسن بن أبي العيش. وقد قامت شهرته عن كتابه الذي عرف باسمه (رحلة ابن جبير) اذ أنه جاء ثمرة لرحلات ثلاث قام بها، أهمها رحلة استغرقت أكثر من ثلاث سنوات وقد بدأها في يوم الاثنين في التاسع عشر من شهر شوال سنة ٥٧٨ هـ. وختمها في يوم الخميس في الثاني والعشرين من شهر محرم سنة ٥٨١ هـ. وقد جاء هذا الكتاب حافلا بالمشاهد والتجارب التي اكتسبها اثناء تجواله في عجائب البلدان والمدن، ورؤيته لغرائب المشاهد، واطلاعه على الشؤون والأحوال السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي كانت سائدة في تلك الحقبات من الزمن. وقد استرعى اهتمام المستشرقين لما له من قيمة نفيسة. فترجموا أول شيء القسم المختص منه بصقليّة الى الفرنسية وطبع في عام ١٨٤٦ م، ثم طبع كله

стр. 3

ولأول مرة في ليدن عام ١٨٥٢ م. باضافة مقدمة اليه وضعها المستشرق رايت. ثم أعيد طبعه عام ١٩٠٧ م. مع ترجمة لمؤلفه. وقد كانت وفاة ابن جبير في سنة ٦١٤ هـ. في آخر رحلة قام بها الى مصر والإسكندرية حيث أقام هنالك محدثا. لجنة تحقيق التراث بدار ومكتبة الهلال

стр. 4

تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار بسم الله الرّحمن الرّحيم ابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفي ثلاثين لشهر شوّال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة على متن البحر بمقابلة جبل شلير «١» عرّفنا الله السلامة بمنّه. وكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة، حرسها الله للنية الحجازية المباركة، قرنها الله بالتيسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل، أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبرير الأعجمي. وكان الاجتياز على جيّان «٢» لقضاء بعض الأسباب، ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الاثنين التاسع عشر لشهر شوّال المذكور وبموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبرير المذكور أيضا. وكانت مرحلتنا الأولى منها الى حصن القبذاق «٣» ثم منه الى حصن قبرة «٤»

стр. 5

ثم منه الى مدينة استجة ثم منها الى حصن أشونة «١» ثم منه الى شلبر ثم منه الى حصن أركش ثم منه الى قرية تعرف بقرية القشمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها الى جزيرة طريف، وذلك يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ. فلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم الثاني، يسر الله علينا في عبور البحر الى قصر مصمودة «٢» تيسيرا عجيبا، والحمد لله. ونهضنا منه الى سبتة غدوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين منه، وألفينا بها مركبا للروم الجنويّين مقلعا الى الإسكندرية بحول الله، ، فسهّل الله علينا في الركوب فيه. وأقلعنا ظهر يوم الخميس التاسع والعشرين منه، وبموافقة الرابع والعشرين من فبرير المذكور، بحول الله تعالى وعونه، لا ربّ غيره. وكان طريقنا في البحر محاذيا لبر الأندلس. وفارقناه يوم الخميس السادس لذي القعدة بعده عندما حاذينا دانية. وفي صبيحة يوم الجمعة السابع من السهر المذكور آنفا قابلنا بر جزيرة يابسة «٣» ثم يوم السبت بعده قابلنا بر جزيرة سيورقة ثم يوم الأحد بعده قابلنا جزيرة منورقة. ومن سبتة اليها نحو ثمانية بحار، والمجرى مئة ميل. وفارقنا بر هذه الجزيرة المذكورة، وقام معنا بر جزيرة سردانية أول ليلة الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثامن من مارس، دفعة واحدة على نحو ميل أو أقل. وبين الجزيرتين سردانيه ومنورقة نحو الأربع مئة ميل، فكان قطعا مستغربا في السرعة.

стр. 6

أهوال البحر وطرأ علينا من مقابلة البر في الليل هول عظيم، عصم الله منه بريح أرسلها الله تعالى في الحين من تلقاء البر، فأخرجنا عنه، والحمد لله على ذلك. وقام علينا نوء هال له البحر صبيحة يوم الثلاثاء المذكور، فبقينا مترددين بسببه حول برّ سردانية الى يوم الأربعاء بعده فأطلع الله علينا في حال الوحشة وانغلاق الجهات بالنوء فلا نميز شرقا من غرب، مركبا للروم قصدنا الى أن حاذانا، فسئل عن مقصده، فأخبر أنه يريد جزيرة «صقلية» وأنه من قرطاجنة عمل مرسية وقد كنا استقبلنا طريقه التي جاء منها من غير علم، فأخذنا عند ذلك في اتباع أثره، والله الميسّر لارب سواه. فخرج علينا طرف من بر سردانية المذكور، فأخذنا في الرجوع عودا على بدء الى أن وصلنا طرفا من البر المذكور يعرف بقوسمركة، وهو مرسى معروف عندهم. فأرسينا به ظهر يوم الأربعاء المذكور والمركب المذكور معنا. وبهذا الموضع المذكور أثر لبنيان قديم ذكر لنا أنه كان منزلا لليهود فيما سلف. ثم إنّا أقلعنا منه ظهر يوم الأحد السادس عشر من الشهر المذكور، وفي مدة مقامنا بالمرسى المذكور جددنا فيه الماء والحطب والزاد. وهبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم الى أقرب المواضع المعمورة منا فأعلمنا أنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال ونساء يباعون في السوق. وكان ذلك عند وصول العدو، دمره الله، بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين، والله يتداركهم برحمته. ووصل الى المرسى المذكور، يوم الجمعة الثالث من يوم أرسينا فيه، سلطان الجزيرة المذكورة، مع جملة من الخيل.

стр. 7

فنزل اليه أشياخ المركب من الروم واجتمعوا به، وطال مقامهم عنده، ثم انصرفوا وانصرف الى موضع سكناه. وتركنا المركب المذكور في موضع ارسائه، بسبب مغيب بعض أصحابه في البلد، عند هبوب الريح الموافقة لنا. وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضا، وفي الربع الباقي منها، فارقنا بر سردانية المذكورة، وهو بر طويل جرينا بحذائه نحو المئتي ميل. ومنتهى دور الجزيرة، على ما ذكر لنا، الى أزيد من خمس مئة ميل، ويسر الله علينا في التخلص من بحرها، لأنه أصعب ما في الطريق، والخروج منه يتعذر في أكثر الأحيان، والحمد لله على ذلك. وفي ليلة الأربعاء بعدها من أولها عصفت علينا ريح هال لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة، كأنه شآبيب «١» سهام. فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة. فبقينا على تلك الحال الليل كله، واليأس قد بلغ منا مبلغه، وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار، وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو اشد هولا وأعظم كربا، وزاد البحر اهتياجا واربدت الآفاق سوادا، واستشرت الريح والمطر عصوفا، حتى لم يثبت معها شراع. فلجىء الى استعمال الشّرع الصّغار. فأخذت الريح أحدها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها، وهي المعروفة عندهم بالقرّية. فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء الى الله . وأقمنا على تلك الحال النهار كله. فلما جن الليل فترت الحال بعض فتور، وسرنا في هذه الحال كلها بريح الصواري سيرا سريعا. وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية. وبتنا تلك الليلة، التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور، مترددين بين الرجاء واليأس. فلما أسفر الصبح

стр. 8

نشر الله رحمته، وأقشعت السحاب وطاب الهواء وأضاءت الشمس وأخذ في السكون البحر. فاستبشر الناس وعاد الأنس وذهب اليأس، والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته، ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته، حمدا يكون كفاء لمنته ونعمته. وفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقيلة وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه الا الأقل. وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الأسفار والأهوال في البحر من المسلمين أنهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم، والخبر عن هذه الحال يصغر في خبرها. وبين البرين المذكورين بر سردانية وبر صقيلة نحو الاربع مئة ميل. واستصحبنا من برصقلية ازيد من مئتي ميل، ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح. فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور أقلعنا من الموضع الذي كنا أرسينا فيه، وفارقنا البر المذكور أول تلك الليلة. وأصبحنا يوم السبت وبيننا وبينه مسافة بعيدة، وظهر لنا اذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان «١» ، وهو جبل عظيم مصعد في جو السماء قد كساه الثلج. وأعلمنا أنه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مئة ميل. فأخذنا ملججين وأقرب ما نؤمله من البر الينا جزيرة أقريطش «٢» ، وهي من جزائر الروم ونظرها الى صاحب القسطنطينية، وبينها وبين جزيرة صقيلة مسيرة سبع مئة ميل، والله كفيل بالتيسير والتسهيل بمنّه. وفي طول هذه الجزيرة، جزيرة أقريطش المذكورة، نحو من ثلاث مئة ميل. وفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من الشهر المذكور، وهو الثاني والعشرون من شهر مارس، حاذينا البر المذكور تقديرا لا عيانا. وفي صبيحة اليوم المذكور فارقناه متوجهين لقصدنا. وبين هذه الجزيرة المذكورة وبين الإسكندرية ست مئة ميل أو نحوها.

стр. 9

وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالإسكندرية المعروف ببر الغرب، وحاذينا منه موضعا يعرف بجزائر الحمّام «١» على ما ذكر لنا، وبينه وبين الاسكندرية نحو الأربع مئة ميل على ما ذكر لنا فأخذنا في السير والبر المذكور منا يمينا. البشرى بالسلامة وفي صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر المذكور أطلع الله علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الاسكندرية على نحو العشرين ميلا، والحمد لله على ذلك حمدا يقتضي المزيد من فضله وكريم صنعه. وفي آخر الساعة الخامسة منه كان ارساؤنا بمرسى البلد، ونزولنا اثر ذلك، والله المستعان فيما بقي بمنّه. فكانت اقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما، ونزلنا في الحادي والثلاثين، لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوّال، ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة، وبموافقة السادس والعشرين من مارس، والحمد لله على ما منّ به من التيسير والتسهيل، وهو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، وتعجيل الإياب الى الوطن على خير وعافية، انه المنعم بذلك لا رب سواه. وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصّفار بمقربة من الصّبانة. شهر ذي الحجة من السنة المذكورة أوله يوم الأحد، ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية. فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء الى المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه. فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين

стр. 10

واحدا واحدا وكتبت أسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناضّ «١» ليؤدي زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. وكان أكثرهم متشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فلزّموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل احال عليه الحول أم لا واستنزل احمد بن حسان منا ليسأل عن أنباء المغرب وسلع المركب. فطيف به مرقّبا على السلطان أولا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كلّ يستفهم ثم يقيد قوله. فخلي سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم، وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جميع ما أنزلوه الى الديوان. فاستدعوا واحدا واحدا وأحضر ما لكل واحد من الأسباب، والديوان قد غص؟. فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وما جل، واختلط بعضها ببعض، وادخلت الأيدي الى أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا. وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم، نسأل الله أن يعظم الأجر بذلك. وهذه لا محالة من الامور الملبّس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين، ولو علم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وايثار الرفق لأزال ذلك، وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا «٢» الزكاة على أجمل الوجوه. وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الاحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين. ذكر بعض أخبار الاسكندرية وآثارها فأول ذلك حسن وضع البلد واتساع مبانيه، حتى إنّا ما شاهدنا بلدا أوسع

стр. 11

مسالك منه ولا أعلى مبنى ولا أعتق ولا أحفل منه، وأسواقه في نهاية من الاحتفال أيضا. ومن العجب في وصفه أن بناءه تحت الأرض كبنائه فوقها وأعتق وأمتن، لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا. وعاينا فيها ايضا من سواري الرخام وألواحه كثرة وعلوا واتساعا وحسنا ما لا يتخيل بالوهم، حتى انك تلفي في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعودا لا يدرى ما معناه ولا لم كان أصل وضعها. وذكر لنا أنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان، والله أعلم، ويشبه أن يكون ذلك للرصد. منار الاسكندرية ومن أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله على يدي من سخّر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر الى بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلا. ومبناه في غاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا، يزاحم الجو سموا وارتفاعا، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع. ذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا ويذكر ان في طوله أزيد من مئة وخمسين قامة. وأما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج ومداخل وكثرة مساكن، حتى ان المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضلّ. وبالجملة لا يحصّلها القول، والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه. وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه، طلعنا اليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المورخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور.

стр. 12

وشاهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف. مناقب الاسكندرية ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة الى سلطانه: المدارس والمحارس «١» الموضوعة فيه لأهل الطب والتعبد، يفدون من الاقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي اليه ومدرّسا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه واجراء يقوم به في جميع احواله. واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمّامات يستحمون فيها متى احتاجوا الى ذلك، ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم، ووكل بهم اطباء يتفقدون احوالهم، وتحت أيديهم خدام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء. وقد رتب ايضا فيه اقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة، وينهون الى الاطباء أحوالهم ليتكفلوا بمعالجتهم. ومن اشرف هذه المقاصد أيضا ان السلطان عين لأبناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل انسان في كل يوم بالغا ما بلغوا، ونصب لتفريق ذلك كل يوم انسانا امينا من قبله. فقد ينتهي في اليوم الى ألفي خبزة او ازيد بحسب القلة والكثرة، وهكذا دائما، ولهذا كله اوقاف من قبله حاشا ما عيّنه من زكاة العين لذلك. وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء أن يرجعوا الى صلب ماله. وأما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه واتساع الأحوال لا يلزمهم وظيف البتة. ولا فائد للسلطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله لهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة، وليس له منها سوى ثلاثة اثمانها والخمسة الأثمان مضافة للوجوه المذكورة.

стр. 13

وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ورسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة هو صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، وصل الله صلاحه وتوفيقه. ومن أعجب ما اتفق للغرباء أن بعض من يريد التقرب بالنصائح الى السلطان ذكر ان أكثر هؤلاء يأخذون جراية الخبز ولا حاجة لهم بها رغبة في المعيشة لأنهم لا يصلون الا بزاد يقلهم. فكاد يؤثر سعي هذا المتنصح. فلما كان في احد الأيام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده، فتلقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس، وهم قد ذهبت رسومهم عطشا وجوعا. فسألهم عن وجهتهم واستطلع ما لديهم. فأعلموه أنهم قاصدون بيت الله الحرام وانهم ركبوا البر وكابدوا مشقة صحرائية. فقال: لو وصل هؤلاء وهم قد اعتسفوا هذه المجاهل التي اعتسفوها وكابدوا من الشقاء ما كابدوه وبيد كل واحد منهم زنته ذهبا وفضة لوجب ان يشاركوا ولا يقطعوا عن العادة التي اجريناها لهم، فالعجب ممن يسعى على مثل هؤلاء ويروم التقرب الينا بالسعي في قطع ما أوجبناه لله خالصا لوجهه. ومآثر هذا السلطان ومقاصده في العدل ومقاماته في الذّب عن حوزة الدين لا تحصى كثرة. ومن الغريب ايضا في أحوال هذا البلد تصرّف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم. وهو أكثر بلاد الله مساجد، حتى إن تقدير الناس لها يطفّق فمنهم المكثّر والمقلّل، ينتهي في تقديره الى اثني عشر ألف مسجد، والمقلل ما دون ذلك لا ينضبط، فمنهم من يقول ثمانية آلاف ومنهم من يقول غير ذلك. وبالجملة فهي كثيرة جدا تكون منها الأربعة والخمسة في موضوع وربما كانت مركبة «١» ، وكلها بأئمة مرتبين من قبل السلطان، فمنهم من له الخمسة دنانير مصرية في الشهر، وهي عشرة مؤمنية، ومنهم من له فوق ذلك

стр. 14

ومنهم من له دونه. وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان. إلى غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر. ثم كان الانفصال عنها على بركة الله تعالى وحسن عونه صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور، وهو الثالث لأبريل، فكانت مرحلتنا منه الى موضع يعرف بدمنهور، وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح، متصل من الإسكندرية اليه الى مصر. والبسيط كله محرّث يعمه النيل بفيضه، والقرى فيه يمينا وشمالا لا تحصى كثرة. ثم في اليوم الثاني وهو يوم الاثنين، أجزنا النيل بموضع يعرف بصا في مركب تعدية. واتصل سيرنا الى موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها، وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء، وهو يوم عيد النحر من سنة ثمان وسبعين وخمس مئة المؤرخة، فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندتة «١» ، وهي من القرى الفسيحة الآهلة، فأبصرنا بها مجمعا حفيلا، وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة. واتصل سيرنا الى موضع يعرف بسبئك وكان مبيتنا بها. واجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج، والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها. ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان، ثم بعده المنية، وهو موضع أيضا حفيل، ثم منها الى القاهرة، وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة، ثم منها الى مصر المحروسة. وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء، وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس من أبريل، عرّفنا الله فيها الخير والخبرة وتمّم علينا صنعه الجميل بالوصول الى الغرض المأمول ولا أخلانا من التيسير والتسهيل بعزّته وقدرته، انه على ما يشاء قدير.

стр. 15

وفي يوم الأربعاء المذكور أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضا بموضع يعرف بدجوة، وذلك وقت الغداة الصغرى، وكان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص، ﵁، في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور. ذكر مصر والقاهرة فأول ما نبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله : فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵄، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولا يحيط الإدراك به، مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعا أبيض ومنه ما هو دون ذلك، قد وضع أكثرها في أتوار «١» فضة خالصة ومنها مذهبة، وعلقت عليه قناديل فضة، وحفّ أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسنا وجمالا، فيه من أنواع الرخام المجزّع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لا يتخيله المتخيلون ولا يلحق أدنى وصفه الواصفون. والمدخل الى هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق والغرابة، حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة، وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بيتان من كليهما المدخل اليها وهما أيضا على تلك الصفة بعينها. والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلّقة على الجميع. ومن اعجب ما شاهدناه في دخولنا الى هذا المسجد المبارك حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص، يصف الأشخاص كلها

стр. 16

كأنه المرآة الهندية الحديثة الصقل. وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك، واحداقهم به وانكبابهم عليه وتمسحهم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين باكين متوسلين الى الله ببركة التربة المقدسة، ومتضرّعين ما يذيب الأكباد ويصدع الجماد. والأمر فيه أعظم، ومرأى الحال أهول، نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم. وانما وقع الإلماع بنبذة من صفته مستدلا على ما وراء ذلك اذ لا ينبغي لعاقل أن يتصدى لوصفه لأنه يقف موقف التقصير والعجز. وبالجملة فما أظن في الوجود كله مصنعا أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا ابدع، قدّس الله العضو الكريم الذي فيه بمنّه وكرمه. وفي ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة بالقرافة، وهي أيضا إحدى عجائب الدنيا لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء صلوات الله عليهم، وأهل البيت رضوان الله عليهم، والصحابة والتابعين والعلماء والزّهاد والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة. وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته. فمنها قبر ابن النبي صالح، وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم أجمعين، وقبر آسية امرأة فرعون ﵂، ومشاهد اهل البيت ﵃ أجمعين، مشاهد أربعة عشر من الرجال، وخمس من النساء. وعلى كل واحد منها بناء حفل. فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكل بها قومة يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب، والجرايات متّصلة لقوامها في كل شهر. ذكر مشاهد أهل البيت ﵃ مشهد علي بن الحسين بن علي ﵁، ومشهدان لإبني جعفر بن محمد الصادق، ﵃، ومشهد القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين المذكور، ﵃، ومشهدان لابنيه الحسن والحسين ﵄، ومشهد ابنه عند الله بن القاسم، ﵁، ومشهد ابنه يحيى بن

стр. 17

القاسم، ومشهد علي بن عبد الله بن القاسم ﵃، ومشهد اخيه عيسى بن عبد الله، ﵄، ومشهد يحيى بن الحسن بن زيد بن الحسن، ﵃، ومشهد محمد بن عبد الله بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي، ﵃، ومشهد جعفر بن محمد من ذرية علي بن الحسن، ﵃، وذكر لنا أنه كان ربيب الإمام مالك، ﵁. مشاهد الشريفات ﵅ مشهد السيدة أم كلثوم ابنة القاسم بن محمد بن جعفر، ﵃، ومشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، ﵃، ومشهد أم كلثوم ابنة محمد بن جعفر الصادق، ﵃، ومشهد السيدة أم عبد الله بن القاسم بن محمد، ﵃. وهذا ذكر ما حصّله العيان من هذه المشاهد العلوية المكرمة وهي أكثر من ذلك. وأخبرنا أن في جملتها مشهدا مباركا لمريم ابنة علي بن أبي طالب، ﵁. وهو مشهور لكن لم نعاينه. وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة انما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك، والله أعلم بها. وعلى كل واحد منها بناء حفيل، فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكل بها قومة يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب. والجرايات متصلة لقوّامها في كل شهر. ذكر مشاهد بعض أصحاب النبي (ص) بالقرافة المذكورة ومشاهد التابعين والأئمة والعلماء والزهاد والأولياء المشتهرين بالكرامات ﵃ أجمعين. والمقيّد يبرأ من القطع بصحة ذلك وانما رسم من أسمائهم ما وجده مرسوما في تواريخها، وبالجملة فالصحة غالبة لا يشك فيها، ان شاء الله عز

стр. 18

وجل: مشهد معاذ بن جبل ﵁، مشهد عقبة بن عامر الجهني حامل راية رسول الله ﷺ ، مشهد صاحب بردة ﷺ ، مشهد أبي الحسن صائغ رسول الله ﷺ ، مشهد سارية الجبل ﵁، مشهد محمد بن أبي بكر الصّدّيق ﵄، مشهد أسماء ابنة أبي بكر الصّديق ﵄، مشهد ابن الزّبير بن العوّام ﵄، مشهد عبد الله بن حذافة السّهمي صاحب رسول الله ﷺ ، مشهد ابن حليمة رضيع رسول الله ﷺ . مشاهد الأئمة العلماء الزهاد مشهد الإمام الشافعي ﵁، وهو من المشاهد العظيمة احتفالا واتساعا. وبني بإزائه مدرسة لم يعمر بهذه البلاد مثلها، لا أوسع مساحة ولا أحفل بناء، يخيل لمن يطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته، بإزائها الحمّام، الى غير ذلك من مرافقها، والبناء فيها حتى الساعة، والنفقة عليها لا تحصى. تولى ذلك بنفسه الشيخ الإمام الزاهد العالم المعروف بنجم الدين الخبوشاني وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك كله، ويقول: زد احتفالا وتأنقا وعلينا القيام بمؤونة ذلك كله، فسبحان الذي جعله صلاح دينه كاسمه. ولقينا هذا الرجل الخبوشاني المذكور تبركا بدعائه لأنه قد كان ذكر لنا امره بالأندلس. فألفيناه في مسجده بالقاهرة وفي البيت الذي يسكنه داخل المسجد المذكور، وهو بيت ضيق الفناء، فدعا لنا، وانصرفنا ولم نلق من رجال مصر سواه. مشهد المزني صاحب الإمام الشافعي ﵁، مشهد أشهب صاحب مالك ﵁، مشهد عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك ﵄، مشهد أصبغ صاحب مالك ﵄، مشهد القاضي عبد الوهاب ﵁، مشهد عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن عبد الله بن

стр. 19

عبد الحكم ﵄، مشهد الفقيه الواعظ الزاهد أبي الحسن الدينوري ﵁، مشهد بنان العابد ﵁، مشهد الرجل الصالح العابد الزاهد المعروف بصاحب الإبريق، وقصته عجيبة في الكرامة، مشهد بأبي مسلم الخولاني ﵁، مشهد المرأة الصالحة المعروفة بالعيناء ﵂، مشهد الروذباري ﵁، مشهد محمد بن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي ﵁، مشهد الرجل الصالح مقبل الحبشي ﵁، مشهد ذي النون بن ابراهيم المصري ﵁، مشهد القاضي الأنباري، قبر الناطق الذي سمع عند وضعه في لحده يقول: اللهم انزلني منزلا مباركا وانت خير المنزلين، ﵁، مشهد العروس ولها أثر من الكرامة في حال جلوتها على زوجها لم يسمع أعجب منه، مشهد الصامت الذي يحكى عنه انه لم يتكلم أربعين سنة، مشهد العصافيري، مشهد عبد العزيز بن أحمد بن علي بن الحسن الخوارزمي، مشهد الفقيه الواعظ الأفضل الجوهري ومشاهد أصحابه بازائه ﵃ أجمعين، مشهد شقران شيخ ذي النون المصري، مشهد الرجل الصالح المعروف بالأقطع المغربي، مشهد المقرئ ورش، مشهد الطبري، مشهد شيبان الراعي. والمشاهد الكريمة بها أكثر من أن تضبط بالتقييد أو تتحصل بالإحصاء وانما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته. وبقبلة القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بموضع قبور الشهداء، وهم الذين استشهدوا مع سارية رضي الله عن جميعهم. والبسيط المذكور مسنم كله للعيان على مثال أسنمة القبور دون بناء. ومن العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة يأوي اليها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء، والاجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر، والمدارس التي بمصر والقاهرة كذلك، وحقق عندنا أن الإجراء على ذلك كله نيف على الفي دينار مصرية في الشهر، وهي أربعة آلاف دينار مؤمنية.

стр. 20

وذكر لنا أن لجامع عمرو بن العاص بمصر من الفائد نحو الثلاثين دينارا مصرية في كل يوم تتفرق في مصالحه ومرتبات قومته وسدنته «١» وأئمته والقراء فيه. ومما شاهدناه بالقاهرة أربعة جوامع حفيلة البنيان أنيقة الصنعة الى مساجد عدة. وفي أحد الجوامع الخطبة اليوم، ويأخذ الخطيب فيها مأخذ سنّي يجمع فيها الدعاء للصحابة، ﵃، وللتابعين ومن سواهم ولأمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ ، ولعميه الكريمين حمزة والعباس، ﵄، ويلطف الوعظ ويرقق التذكير حتى تخشع القلوب القاسية وتتفجر العيون الجامدة. ويأتي للخطبة لابسا السواد على رسم العباسية. وصفة لباسه بردة سوداء عليها طيلسان شرب «٢» أسود، وهو الذي يسمى بالمغرب الإحرام، وعمامة سوداء، متقلدا سيفا. وعند صعوده المنبر يضرب بنعل سيفه المنبر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها ايذان بالإنصات، وفي توسطه أخرى، وفي انتهاء صعوده ثالثة. ثم يسلم على الحاضرين يمينا وشمالا ويقف بين رايتين سوداوين فيهما تجزيع بياض قد ركزتا في أعلى المنبر. ودعاؤه في هذا التاريخ للإمام العباسي أبي العباس أحمد الناصر لدين الله ابن الإمام أبي محمد الحسن المستضيء بالله ابن الإمام أبي المظفّر يوسف المستنجد بالله، ثم لمحيي دولته أبي المظفر يوسف بن أيوب صلاح الدين، ثم لأخيه ولي عهده أبي بكر سيف الدين. قلعة القاهرة وشاهدنا أيضا بنيان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة حصين المنعة، يريد السلطان أن يتخذه موضع سكناه، ويمد سوره حتى ينتظم بالمدينتين مصر والقاهرة. والمسخّرون في هذا البنيان والمتولون لجميع امتهاناته ومؤونته العظيمة

стр. 21

كنشر الرخام وتحت الصخور العظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور وهو خندق ينقر بالمعاول نقرا في الصخر عجبا من العجائب الباقية الآثار، العلوج الاسارى من الروم، وعددهم لا يحصى كثرة، ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان احد سواهم. وللسلطان أيضا بمواضع أخر بنيان والأعلاج يخدمونه فيه، ومن يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله ولا وظيفة في شيء من ذلك على أحد. مارستان المجانين ومما شاهدناه أيضا من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة. وهو قصر من القصور الرائقة حسنا واتساعا أبرزه لهذه الفضيلة تأجرا واحتسابا وعيّن قيّما من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير ومكنه من استعمال الأشربة واقامتها على اختلاف أنواعها. ووضعت في مقاصير ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسى. وبين يدي ذلك القيم خدمة يتكفلون بتفقد احوال المرضى بكرة وعشية، فيقابلون من الاغذية والاشربة بما يليق بهم. وبازاء هذا الموضع موضع مقتطع للنساء المرضى. ولهن أيضا من يكفلهن. ويتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء فيه مقاصير عليها شبابيك الحديد اتخذت محابس للمجانين. ولهم أيضا من يتفقد في كل يوم أحوالهم ويقابلها بما يصلح لها. والسلطان يتطلع هذه الاحوال كلها بالبحث والسؤال ويؤكد في الاعتناء بها والمثابرة عليها غاية التأكيد. وبمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه.

стр. 22

مسجد ابن طولون وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب الى ابي العباس أحمد بن طولون، وهو من الجوامع العتيقة الانيقة الصنعة الواسعة البنيان، جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلّقون فيه، وأجرى عليهم الارزاق في كل شهر. ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصّصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم اليهم ولم يجعل يدا لأحد عليهم. فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارىء أمورهم عنده، واستصحبوا الدعة والعافية، وتفرغوا لعبادة ربهم، ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله. مآثر السلطان ومفاخره وما منها جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا روضة من الروضات المبنية على القبور ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس الا وفضل السلطان يعم جميع من يأوي اليها ويلزم السكنى فيها، تهوّن عليه في ذلك نفقات بيوت الاموال. ومن مآثره الكريمة المعربة عن اعتنائه بأمور المسلمين كافة أنه أمر بعمارة محاضر ألزمها معلمين لكتاب الله، ، يعلمون أبناء الفقراء والايتام خاصة وتجرى عليهم الجراية الكافية لهم. ومن مفاخر هذا السلطان وآثاره الباقية المنفعة للمسلمين القناطر التي شرع في بنائها بغربي مصر، وعلى مقدار سبعة أميال منها، بعد رصيف ابتدئ به من حيز النيل بازاء مصر كأنه جبل ممدود على الارض، تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة المذكورة، وهي نحو الاربعين قوسا من أكبر ما يكون من قسيّ القناطر. والقنطرة متصلة بالصحراء التي يفضى منها الى الإسكندرية، له في ذلك تدبير عجيب من تدابير الملوك الحزمة اعدادا لحادثة تطرأ من عدو

стр. 23

يدهم جهة ثغر الإسكندرية عند فيض النيل وانغمار الارض به وامتناع سلوك العساكر بسببه. فأعد ذلك مسلكا في كل وقت ان احتيج الى ذلك. والله يدفع عن حوزة المسلمين كل متوقع ومحذور بمنه. ولاهل مصر في شأن هذه القنطرة انذار من الانذارات الحدثانية يرون أن حدوثها ايذان باستيلاء الموحدين عليها وعلى الجهات الشرقية، والله أعلم بغيبه، لا إله سواه. معجزة البناء وبمقربة من هذه القنطرة المحدثة الاهرام القديمة، المعجزة البناء، الغريبة المنظر، المربعة الشكل، كأنها القباب المضروبة قد قامت في جو السماء، ولا سيما الاثنان منها، فانهما يغص الجو بهما سموا، في سعة الواحد منها من أحد أركانه الى الركن الثاني ثلاث مئة خطوة وست وستون خطوة. قد اقيمت من الصخور العظام المنحوتة. وركبت تركيبا هائلا بديع الإلصاق دون أن يتخللها ما يعين على الصاقها، محددة الأطراف في رأي العين، وربما أمكن الصعود اليها على خطر ومشقة فتلفى أطرافها المحددة كأوسع ما يكون من الرحاب، لو رام أهل الأرض نقض بنائها لأعجزهم ذلك. للناس في أمرها اختلاف: فمنهم من يجعلها قبورا لعاد وبنيه، ومنهم من يزعم غير ذلك. وبالجملة فلا يعلم شأنها الا الله . ولأحد الكبيرين منها باب يصعد اليه على نحو القامة من الأرض أو أزيد ويدخل منه الى بيت كبير سعته نحو خمسين شبرا وطوله نحو ذلك. وفي جوف ذلك البيت رخامة طويلة مجوفة شبه التي تسميها العامة البيلة يقال انها قبر والله أعلم بحقيقة ذلك. ودون الكبير هرم سعته من الركن الواحد الى الركن الثاني مئة واربعون

стр. 24

خطوة. ودون هذا الصغير خمسة صغار وثلاثة متصلة والاثنان على مقربة منها متصلان. وعلى مقربة من هذه الأهرام بمقدار غلوة صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدمي هائل المنظر، وجهه الى الأهرام وظهره الى القبلة مهبط النيل، تعرف بأبي الأهوال. وبمدينة مصر المسجد الجامع المنسوب لعمر بن العاص ﵁. وله أيضا بالإسكندرية جامع آخر هو مصلى الجمعة للمالكيين. وبمدينة مصر آثار من الخراب الذي أحدثه الإحراق الحادث بها وقت الفتنة عند انتساخ دولة العبيديين «١» ، وذلك سنة أربع وستين وخمس مئة، وأكثرها الآن مستجدّ والبنيان بها متصل. وهي مدينة كبيرة والآثار القديمة حولها، وعلى مقربة منها ظاهرة تدل على عظمة اختطاطها فيما سلف. روضة النيل وعلى شط نيلها مما يلي غربيها، والنيل معترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم احد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع اليها. ويعترض بينها وبين مصر جزيرة فيها مساكن حسان وعلالي مشرفة وهي مجتمع اللهو والنزهة، وبينها وبين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل ولها مخرج له. وبهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة. واستشعار ابتدائه في شهر يونيه، ومعظم انتهائه أغشت «٢» ، وآخره أول شهر أكتوبر. وهذا المقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه اليه، وهو مفصل

стр. 25

على اثنتين وعشرين ذراعا مقسمة على أربعة وعشرين قسما تعرف بالأصابع. فاذا انتهى الفيض عندهم الى أن يستوفي الماء تسع عشرة ذراعا منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. وربما كان الغامر منه كثيرا بعموم الفيض. والمتوسط عندهم ما استوفى سبع عشرة ذراعا، وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة. والذي يستحق به السلطان خراجه في بلاد مصر ست عشرة ذراعا فصاعدا، وعليها يعطي البشارة الذي يراعي الزيادة في كل يوم والزيادة في أقسام الذراع المذكورة ويعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي يقضى بها. وان قصر عن ست عشرة ذراعا فلا مجبى للسلطان في ذلك العام ولا خراج. وذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار ﵁. وفي صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح، فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علوا وسفلا، والله أعلم بحقيقة ذلك. عدل صلاح الدين ومن مفاخر هذا السلطان المزلفة من الله تعالى وآثاره التي أبقاها ذكرا جميلا للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين. فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفا ويسامون فيها خطة خسف باهظة. وربما ورد منهم من لا فضل لديه على نفقته أو لا نفقة عنده فيلزم أداء الضريبة المعلومة، وكانت سبعة دنانير ونصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر دينارا مؤمنية على كل رأس، ويعجز عن ذلك، فيتناول بأليم العذاب بعيذاب. فكانت كاسمها مفتوحة العين. وربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الأنثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة، نعوذ بالله من سوء قدره. وكان بجدّة أمثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤدّ مكسه بعيذاب ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء. فمحا هذا

стр. 26

السلطان هذا الرسم اللعين ودفع عوضا منه ما يقوم مقامه من أطعمة وسواها، وعيّن مجبى موضع معيّن بأسره لذلك، وتكفل بتوصيل جميع ذلك الى الحجاز لأن الرسم المذكور كان باسم ميرة مكة والمدينة، عمّرهما الله، فعوض من ذلك أجمل عوض، وسهل السبيل للحجاج، وكانت في حيز الانقطاع وعدم الاستطلاع، وكفى الله المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثا عظيما وخطبا أليما. فترتب الشكر له على كل من يعتقد من الناس أن حج البيت الحرام احدى القواعد الخمس من الإسلام، حتى يعم جميع الآفاق ويوجب الدعاء له في كل صقع من الأصقاع وبقعة من البقاع، والله من وراء مجازاة المحسنين، وهو، جلت قدرته، لا يضيع أجر من أحسن عملا. الى مكوس كانت في البلاد المصرية وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أو جل، حتى كان يؤدّى على شرب ماء النيل المكس فضلا عما سواه. فمحا هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها وبسط العدل ونشر الأمن. ومن عدل هذا السلطان وتأمينه للسبل أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفا فيما يعنيهم، ولا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم. على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر والإسكندرية حسبما تقدم ذكره. شهر محرم سنة تسع وسبعين استهل هلاله ليلة الثلاثاء، وهو اليوم السادس والعشرون من أبريل، ونحن بمصر، يسر الله علينا مرامنا. وفي صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر وصعودنا في النيل على الصعيد قاصدين الى قوص. عرفنا الله عادته الجميلة من التيسير وحسن المعونة بمنه، ووافق يوم اقلاعنا المذكور أول يوم من مايه «١»

стр. 27

بحول الله . والقرى في طريقنا متصلة في شطي النيل والبلاد الكبار حسبما يأتي ذكره، ان شاء الله. فمنها قرية تعرف بأسكر في الضفة الشرقية من النيل مياسرة للصاعد فيه. ويذكر أن فيها كان مولد النبي موسى الكليم، صلى الله على نبينا وعليه، ومنها القته أمه في اليم، وهو النيل حسبما ذكر. وعاينا أيضا بغربي النيل ميامنا لنا، وذلك كله يوم اقلاعنا المذكور وفي الثاني منه، المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق ﷺ ، وبها موضع السجن الذي كان فيه، وهو الآن ينقض وينقل أحجاره الى القلعة المبتناة الآن على القاهرة، وهو حصن حصين المنعة. وبهذه المدينة المذكورة مخازن الطعام التي اختزنها يوسف، ﷺ ، وهي مجوفة على ما يذكر. ومنها الموضع المذكور بمنية ابن الخصيب وهو بلد على شط النيل ميامنا للصاعد فيه كبير فيه الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن، اجتزنا عليه ليلة الأحد الثالث عشر لمحرم المذكور، وهو الثامن من يوم اقلاعنا من مصر، لأن الريح سكنت عنا فتربصنا في الطريق. ولو ذهبنا الى رسم كل موضع يعترضنا في شطي النيل يمينا وشمالا لضاق الكتاب عنه، لكن نقصد من ذلك الى الأكبر الأشهر. وقابلنا على مقربة من هذا الموضع مياسرا لنا المسجد المبارك المنسوب لإبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليه وعلى نبينا، وهو مسجد مذكور مشهور معلوم بالبركة مقصود، ويقال: إن بفنائه أثر الدابة التي كان يركبها الخليل، ﷺ . ومنها موضع يعرف بأنصنا مياسرا لنا، وهي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة، وكانت في السالف مدينة عتيقة، وكان لها سور عتيق هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخره الى القاهرة، فنقل

стр. 28

بأسره اليها. وفي صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من محرم المذكور، وهو التاسع من اقلاعنا من مصر، اجتزنا بالجبل المعروف بجبل المقلة وهو بالشط الشرقي من النيل مياسرا للصاعد فيه، وهو نصف الطريق الى قوص، من مصر اليه ثلاثة عشر بريدا، ومنه الى قوص مثلها. ومما يجب ذكره على جهة التعجب أن من حيّز مصر في شط النيل الشرقي مياسرا للصاعد فيه حائطا متصلا قديم البنيان، منه ما قد تهدم ومنه ما بقي أثره، يتمادى على الشط المذكور الى أسوان آخر صعيد مصر، وبين أسوان وبين قوص ثمانية برد. والأقوال في أمر هذا الحائط تتشعب وتختلف، وبالجملة فشأنه عجيب ولا يعلم سره الا الله . وهو يعرف بحائط العجوز، ولها خبر مذكور، أظن هذه العجوز هي الساحرة المذكور خبرها في المسالك والممالك التي كانت لها المملكة بها مدة. ذكر ما استدرك خبره وذلك أنّا لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا عاينا مجتمعا من الناس عظيما بروزا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوههم الى اذنابها وحولهم الطبول والأبواق. فسألنا عن قصتهم، فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد اشفاقا وجزعا. وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم «١» ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه، فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم وأكملوا انشاءها وتأليفها ودفعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج، وانتهوا الى بحر النعم فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا. وانتهوا الى عيذاب فأخذوا فيها مركبا كان يأتي بالحجاج من جدة، واخذوا أيضا في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص الى عيذاب، وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحدا. وأخذوا مركبين

стр. 29

كانا مقبلين بتجار من اليمن، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله، وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام، ولا انتهى رومي الى ذلك الموضع قطّ. ومن أعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة، وذلك انهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول، ﷺ ، واخراجه من الضريح المقدس. أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم. فآخذهم الله باجترائهم عليه وتعاطيهم ما تحول عناية القدر بينهم وبينه. ولم يكن بينهم وبين المدينة أكثر من مسيرة يوم. فدفع الله عاديتهم بمراكب عمرت من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد المغاربة البحريين. فلحقوا العدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذوا عن آخرهم. وكانت آية من آيات العنايات الجبارية، وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف على شهر ونصف أو حوله. وقتلوا واسروا، وفرق من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها، ووجه منهم الى مكة والمدينة. وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمرا عظيما، والحمد لله رب العالمين. رجع الذكر ومن المواضع التي اجتزنا عليها في الصعيد بعد جبل المقلة الذي ذكرنا أنه نصف الطريق من مصر الى قوص، حسبما تقدم ذكره، موضع يعرف بمنفلوط بمقربة من الشط الغربي ميامنا للصاعد في النيل، فيه الأسواق وسائر ما يحتاج اليه من المرافق، وهي بلدة في نهاية من الطيب ليس في الصعيد مثلها، وقمحها يجلب الى مصر لطيبه ورزانة حبته، قد اشتهر عندهم بذلك. فالتجار يصعدون في المراكب لاستجلابه. ومنها مدينة أسيوط، وهي من مدن الصعيد الشهيرة، بينها وبين الشط الغربي من النيل مقدار ثلاثة أميال. وهي جميلة المنظر، حولها بساتين النخل،

стр. 30

وسورها سور عتيق. ومنها موضع يعرف بأبي تيج، وهو بلد فيه الأسواق وسائر مرافق المدن، وهو في الشط الغربي من النيل. ومنها مدينة اخميم، وهي أيضا من مدن الصعيد الشهيرة المذكورة بشرقي النيل وبشطه، قديمة الاختطاط عتيقة الوضع، فيها مسجد ذي النون المصري، ومسجد داود أحد الصالحين المشتهرين بالخير والزهادة، وهما مسجدان موسومان بالبركة، دخلنا اليهما متبركين بالصلاة فيهما، وذلك يوم السبت التاسع عشر لمحرم المذكور. وبهذه المدينة المذكورة آثار ومصانع من بنيان القبط وكنائس معمورة الى الآن بالمعاهدين من نصارى القبط. ومن أعظم الهياكل المتحدّث بغرائبها في الدنيا هيكل عظيم في شرقي المدينة المذكورة وتحت سورها، طوله مئتا ذراع وعشرون ذراعا، وسعته مئة وستون ذراعا، يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا «١» وكذلك يعرف كل هيكل عندهم وكل مصنع قديم. قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية، حاشا حيطانه، دور كل سارية منها خمسون شبرا، وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبرا، ورؤوسها في نهاية من العظم والإتقان قد نحتت نحتا غريبا فجاءت مركنة بديعة الشكل كأن الخراطين تناولوها، وهي كلها مرقشة بأنواع الأصبغة اللازوردية وسواها. والسواري كلها منقوشة من أسفلها الى أعلاها. وقد انتصب على رأس كل سارية منها الى رأس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت، من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخمسين شبرا طولا وعشرة أشبار عرضا وثمانية أشبار ارتفاعا وسقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الإلصاق، فجاءت كأنها فرش واحد. وقد انتظمت جميعه التصاوير البديعة والأصبغة الغريبة، حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش.

стр. 31

والتصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطاته، فمنها ما قد جللته طيور بصور رائقة باسطة أجنحتها توهم الناظر اليها أنها تهمّ بالطيران، ومنها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل. قد أعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها، كإمساك تمثال بيدها، أو سلاح، أو طائر، أو كأس، أو اشارة شخص الى آخر بيده، أو غير ذلك، مما يطول الوصف له ولا تتأتى العبارة لاستيفائه. وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة، منها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر اليها رعبا ويتملأ منها عبرة وتعجبا. وما فيه مغرز اشفى ولا ابرة الا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند لا يفهم. قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا النقش البديع. ويتأتى في صم الحجارة من ذلك ما لا يتأتى في الرخو من الخشب، فيحسب الناظر استعظاما له أن عمر الزمان لو شغل بترقيشه وترصيعه وتزيينه لضاق عنه. فسبحان الموجد للعجائب لا اله سواه. وعلى أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بألواح الحجارة العظيمة على الصفة المذكورة، وهو في نهاية الارتفاع، فيحار الوهم فيها، ويضل العقل في الفكرة في تطليعها ووضعها. وداخل هذا الهيكل من المجالس والزوايا والمداخل والمخارج والمصاعد والمعارج والمسارب والموالج ما تضل فيه الجماعات من الناس ولا يهتدي بعضهم لبعض الا بالنداء العالي، وعرض حائطه ثمانية عشر شبرا، وهو كله من حجارة مرصوصة على الصفة التي ذكرناها. وبالجملة فشأن هذا الهيكل عظيم ومرآه احدى عجائب الدنيا التي لا يبلغها الوصف ولا ينتهي اليها الحد، وانما وقع الإلماع بنبذة من وصفه دلالة عليه، والله المحيط بالعلم فيه والخبير بالمعنى الذي وضع له. فلا يظن المتصفح لهذا المكتوب أن في الإخبار عنه بعض غلوّ، فإن كل مخبر عنه، لو كان قسا بيانا، أو سحبانا

стр. 32

يقف موقف العجز والتقصير، والله المحيط بكل شيء علما، لا اله سواه. مواقف خزي ومهانة وببلاد هذا الصعيد المعترضة في الطريق للحجاج والمسافرين، كإخميم وقوص ومنية ابن الخصيب من التعرض لمراكب المسافرين وتكشفها والبحث عنها وإدخال الأيدي الى أوساط التجار، فحصا عما تأبطوه أو احتضنوه من دراهم أو دنانير، ما يقبح سماعه وتشنع الأحدوثة عنه، كل ذلك برسم الزكاة دون مراعاة لمحلها او ما يدرك النصاب منها، حسبما ذكرناه في ذكر الإسكندرية من هذا المكتوب. وربما الزموهم الأيمان على ما بأيديهم، وهل عندهم غير ذلك، ويحضرون كتاب الله العزيز تقع اليمين عليه. فيقف الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزي ومهانة تذكرهم أيام المكوس. وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه. ولو عرفه لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه، ولجاهد المتناول له، فان جهادهم من الواجبات لما يصدر عنهم من التعسف وعسير الإرهاق وسوء المعاملة مع غرباء انقطعوا الى الله ، وخرجوا مهاجرين الى حرمه الأمين، ولو شاء الله لكانت عن الخطة مندوحة في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع في التجارات مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل الزكاة، وبتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه، وكان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد شمل البلاد عدله وسار في الآفاق ذكره، ولا يسعى فيما يسيئ الذكر بمن قد حسن الله ذكره، ويقبّح المقالة في جانب من اجمل الله المقالة عنه. أشنع ما شاهدناه ومن اشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة اعوان الزكاة، في ايديهم المسال الطوال ذوات الأنصبة، فيصعدون الى المراكب استكشافا لما

стр. 33

فيها، فلا يتركون عكما ولا غرارة الا ويتخللونها بتلك المسال الملعونة مخافة ان يكون في تلك الغرارة او العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غيّب عليه من بضاعة أو مال. وهذا أقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعّنة، وقد نهى الله عن التجسس، فكيف عن الكشف لما يرجى ستر الصون دونه من حال لا يريد صاحبها ان يطلع عليها، اما استحقارا او استنفاسا دون بخل بواجب يلزمها، والله الآخذ على ايدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه، ان شاء الله. ما اجتزنا من المواضع ومن المواضع التي اجتزنا عليها بعد إخميم المذكورة موضع يعرف بمنشاة السودان على الشط الغربي من النيل، وهي قرية معمورة، ويقال: انها كانت في القدم مدينة كبيرة. وقد قام أمام هذه القرية، بينها وبين النيل، رصيف عال من الحجارة كأنه السور يضرب فيه النيل ولا يعلوه عند فيضه ومده فالقرية بسببه في امن من أتيّه. ومنها موضع يعرف بالبلينة، وهي قرية حسنة كثيرة النخل، بالشط الغربي من النيل، بينها وبين قوص اربعة برد. ومنها موضع يعرف بدشنة بالشط الشرقي من النيل، وهي مدينة مسورة فيها جميع مرافق المدن، وبينها وبين قوص بريدان. ومنها موضع بغربي النيل وعلى مقربة من شطه يعرف بدندرة، وهي مدينة من مدن الصعيد كثيرة النخل مستحسنة المنظر مشتهرة بطيب الرّطب، بينها وبين قوص بريد. وذكر لنا ان فيها هيكلا عظيما، وهو المعروف عند اهل هذه الجهات بالبربا، حسبما ذكرنا عند ذكر اخميم، وهيكلها يقال ان هيكل دندرة احفل منه واعظم.

стр. 34

ومنها مدينة قنا، وهي من مدن الصعيد، بيضاء انيقة المنظر ذات مبان حفيلة، ومن مآثرها المأثورة صون نساء أهلها والتزامهن البيوت، فلا تظهر في زقاق من ازقتها امرأة البتة، صحت بذلك الأخبار عنهن، وكذلك نساء دشنة المذكورة قبيل هذا. وهذه المدينة المذكورة في الشط الشرقي من النيل، وبينها وبين قوص نحو البريد. ومنها قفط، وهي مدينة بشرقي النيل وعلى مقدار ثلاثة أميال من شطه. وهي من المدن المذكورة في الصعيد حسنا ونظافة بنيان وإتقان وضع. ثم كان الوصول الى قوص يوم الخميس الرابع والعشرين لمحرم المؤرخ وهو التاسع عشر من مايه، فكان مقامنا في النيل ثمانية عشر يوما ودخلنا قوص في التاسع عشر. وهذه المدينة حفيلة الأسواق متسعة المرافق كثيرة الخلق لكثرة الصادر والوارد من الحجاج والتجار اليمنيين والهنديين وتجار أرض الحبشة، لأنها مخطر للجميع، ومحط للرّحال ومجتمع الرفاق، وملتقى الحجاج المغاربة والمصريين والإسكندريين ومن يتصل بهم، ومنها يفوّزون بصحراء عيذاب، واليها انقلابهم في صدرهم من الحج، وكان نزولنا فيها بفندق ينسب لأبن العجمي بالمنية، وهي ربض كبير خارج المدينة، على باب الفندق المذكور. شهر صفر استهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الخامس والعشرين من شهر مايه، ونحن بقوص نروم السفر الى عيذاب، يسر الله علينا مرامنا بمنه وكرمه. وفي يوم الاثنين الثالث عشر منه، وهو السادس من يونيه، أخرجنا جميع رحالنا من زاد وسواه الى المبرز، وهو موضع بقبلي البلد وعلى مقربة منه، فسيح الساحة، محدق بالنخيل، يجتمع فيه رحال الحاج والتجار وتشد فيه ومنه يستقلون ويرحلون، وفيه يوزن ما يحتاج الى وزنه على الجمّالين. فلما

стр. 35

كان إثر صلاة العشاء الآخرة رفعنا منه الى ماء يعرف بالحاجر فبتنا به. واصبحنا يوم الثلاثاء بعده مقيمين به بسبب تفقد بعض الجمالين من العرب لبيوتهم، وكانت على مقربة منهم، وفي ليلة الأربعاء الخامس عشر منه، ونحن بالحاجر المذكور، خسف القمر خسوفا كليا اول الليل وتمادى الى هدء منه. ثم أصبحنا يوم الأربعاء المذكور ظاعنين، وقلنا بموضع بقلاع الضيّاع. ثم كان المبيت بموضع يعرف بمحط اللّقيطة، كل ذلك في صحراء لا عمارة فيها. ثم غدونا يوم الخميس فنزلنا على ماء ينسب للعبدين، ويذكر انهما ماتا عطشا قبل ان يراده فسمي ذلك الموضع بهما، وقبراهما به، رحمهما الله. ثم تزودنا منه الماء لثلاثة ايام، وفوّزنا سحر يوم الجمعة السابع عشر منه، وسرنا في الصحراء نبيت منها حيث جن علينا الليل، والقوافل العيذابية والقوصية صادرة وواردة، والمفازة معمورة أمنا. فلما كان يوم الاثنين الموفي عشرين منه نزلنا على ماء بموضع يعرف بدنقاش، وهي بئر معينة يرد فيها من الانعام والأنام ما لا يحصيهم الا الله ، ولا يسافر في هذه الصحراء الا على الإبل لصبرها على الظمإ. واحسن ما يستعمل عليها ذوو الترفيه الشقاديف، وهي أشباه المحامل، واحسن انواعها اليمانية لأنها كالأشاكيز السفرية مجلدة متسعة، يوصل منها الاثنان بالحبال الوثيقة وتوضع على البعير ولها اذرع قد حفت بأركانها يكون عليها مظلة، فيكون الراكب فيها مع عديله في كنّ من لفح الهاجرة ويقعد مستريحا في وطائه ومتكئا ويتناول مع عديله ما يحتاج اليه من زاد وسواه ويطالع متى شاء المطالعة في مصحف أو كتاب. ومن شاء، ممن يستجيز اللعب بالشطرنج، ان يلاعب عديله تفكها واجماما للنفس لاعبه. وبالجملة فانها مريحة من نصب السفر. واكثر المسافرين يركبون الإبل على أحمالها فيكابدون من مشقة سموم الحر غما ومشقة. وفي هذا الماء وقعت بين بعض جمالي العرب اليمنيين أصحاب طريق عيذاب

стр. 36

وضمّانها، وهم من بليّ من افخاذ قضاعة «١» ، وبين بعض الأغزاز «٢» بسبب التزاحم على الماء، مهاوشة كادت تفضي الى الفتنة ثم عصم الله منها. والقصد الى عيذاب من قوص على طريقين: احدهما يعرف بطريق العبدين، وهي هذه التي سلكناها، وهي اقصر مسافة، والآخر طريق دون قنا، وهي قرية على شاطىء النيل. ومجتمع هاتين الطريقين على مقربة من ماء دنقاش المذكور. ولهما مجتمع آخر على ماء يعرف بشاغب أمام ماء دنقاش بيوم. فلما كان عشاء يوم الاثنين المذكور تزودنا الماء ليوم وليلة ورفعنا الى ماء بموضع يعرف بشاغب، فوردناه ضحوة يوم الأربعاء الثاني والعشرين لصفر المذكور وهذا الماء ثماد يحفر عليه في الأرض فتسمح به قريبا غير بعيد الا أنه زعاق. ثم رحلنا منه سحر يوم الخميس بعده وتزودنا الماء لثلاثة أيام الى ماء بموضع يعرف بأمتان، وتركنا طريق الماء بموضع يعرف با ... يسارا، وليس بينه وبين شاغب غير مسافة يوم، والطريق عليه وعر للإبل. فلما كان ضحوة يوم الأحد السادس والعشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور، وفي هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب الله له الحمد وله الشكر على ما يسر لنا من ذلك. وهذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها الله بالبركة. وهو أطيب مياه الطريق وأعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد ما لا يحصى كثرة فتروي القوافل النازلة عليها على كثرتها وتروي من الإبل البعيدة الإظماء ما لو وردت نهرا من الانهار لأنضبته وانزفته. ورمنا في هذه الطريق احصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة الى اليمن، ثم من اليمن إلى عيذاب. وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل الينا لكثرته أنه

стр. 37

يوازي التراب قيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقاعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى بموضعها الى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المارة عليها من أطوار الناس. ثم كان رفعنا من امتان المذكور صبيحة يوم الاثنين بعد الأحد المذكور. ونزلنا على ماء بموضع يعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الاثنين المذكور. ومنه تزودنا الماء الأربعة أيام الى ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. ومن هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح، وهي رملة ميثاء تتصل بساحل بحر جدة يمشى فيها الى عيذاب ان شاء الله، وهي أفيح من الأرض مد البصر يمينا وشمالا. وفي ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح. شهر ربيع الأول استهل هلاله ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر يونيه ونحن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب، وفي وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء على مرحلتين من عيذاب، وبهذا الموضع كثير من شجر العشر، وهو شبيه بشجر الأترج لكن لا شوك له. وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة، وهو في بئر غير مطوية. وألفينا الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها، فرام الجمالون حفرها واستخراج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لا ماء عندها. فأسرينا تلك الليلة، وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور، فنزلنا

стр. 38

ضحوة على ماء الخبيب، وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب، يستقي منه القوافل وأهل البلد ويعم الجميع، وهي بئر كبيرة كأنها الجب الكبير. أحفل مراسي الدنيا فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب، وهي مدينة على ساحل بحر جدّة غير مسورة، أكثر بيوتها الأخصاص، وفيها الآن بناء مستحدث بالجص. وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائدا الى مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وهي في صحراء لا نبات فيها ولا يؤكل فيها شيء الا مجلوب، لكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرفق كثير ولا سيما مع الحاج، لأن لهم على كل حمل طعاما يحملونه ضريبة معلومة خفيفة المؤونة بالإضافة الى الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها، ولهم أيضا من المرافق من الحجاج اكراء الجلاب منهم وهي المراكب. فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم الى جدة وردهم وقت انفضاضهم من أداء الفريضة. وما من أهلها ذوي اليسار الا من له الجلبة والجلبتان، فهي تعود عليهم برزق واسع. فسبحان قاسم الارزاق على اختلاف أسبابها، لا اله سواه. وكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا بها الديار والرباع والجلاب، وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها، وأوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف، وهو شهر يونيه العجمي والشهر الذي يتلوه، ويستخرج منه جوهر نفيس، له قيمة سنية، يذهب الغائصون عليه الى تلك الجزائر في الزوارق ويقيمون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق. والمغاص منها قريب القعر ليس ببعيد. ويستخرجونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة. فاذا شقت ظهرت الشقتان من داخلها

стр. 39

كأنهما محارتا فضة، ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف. فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ والأرزاق. فسبحان مقدرها لا اله سواه. لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد الفوا بها عيش البهائم؛ فسبحان محبب الأوطان الى أهلها، على أنهم أقرب الى الوحش منهم الى الأنس. آفة الحجاج والركوب من جدة اليها آفة للحجاج عظيمة الا الأقل منهم ممن يسلمه الله ، وذلك ان الرياح تلقيهم على الأكثر في مراس بصحارى تبعد منها مما يلي الجنوب، فينزل اليهم البجاة، وهم نوع من السودان ساكنون بالجبال، فيكرون منهم الجمال ويسلكون بهم غير طريق الماء. فربما ذهب اكثرهم عطشا وحصلوا على ما يخلفهم من نفقة او سواها. وربما كان من الحجاج من يتعسف تلك المجهلة على قدميه فيضل ويهلك عطشا. والذي يسلم منهم يصل الى عيذاب كأنه منشر من كفن، شاهدنا منهم مدة مقامنا أقواما قد وصلوا على هذه الصفة في مناظرهم المستحيلة وهيئاتهم المتغيرة، آية للمتوسمين. وأكثر هلاك الحجاج بهذه المراسي. ومنهم من تساعده الريح الى أن يحط بمرسى عيذاب، وهو الأقل. والجلاب التي يصرّفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة الإنشاء لا يستعمل فيها مسمار البتة انما هي مخيطة بأمراس من القنبار، وهو قشر جوز النارجيل يدرسونه الى ان يتخيط ويفتلون منه أمراسا يخيطون بها المراكب ويخللونها بدسر من عيدان النخل، فاذا فرغوا من انشاء الجلبة على هذه الصفة سقوها بالسمن او بدهن الخروع أو بدهن القرش، وهو أحسنها، وهذا القرش حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى فيه. ومقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها ويرطب لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر. ولذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري. وعود هذا الجلاب مجلوب من الهند واليمن، وكذلك القنبار المذكور.

стр. 40

ومن اعجب أمر هذه الجلاب أن شرعها منسوجة من خوص شجر المقل. فمجموعها متناسب في اختلال البنية ووهنها، فسبحان مسخرها على تلك الحال والمسلم فيها لا اله سواه. ول أهل عيذاب في الحجاج احكام الطواغيت «١» وذلك انهم يشحنون بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة ولا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك، ويقولون: علينا بالألواح، وعلى الحجاج بالأرواح. وهذا مثل متعارف بينهم. فأحق بلاد الله بحسبة يكون السيف درتها هذه البلدة، والأولى بمن يمكنه ذلك ان لا يراهما وأن يكون طريقه على الشام الى العراق، ويصل مع أمير الحاج البغدادي، وان لم يمكنه ذلك اولا فيمكنه آخرا عند انفضاض الحاج، يتوجه مع أمير الحاج المذكور الى بغداد ومنها الى عكة، فان شاء دخل منها الى الاسكندرية، وان شاء الى صقلية أو سواهما. ويمكن أن يجد مركبا من الروم يقلع الى سبتة أو سواها من بلاد المسلمين. وان طال طريقه بهذا التحليق فيهون لما يلقى بعيذاب ونحوها. أهل عيذاب واهلها الساكنون بها من قبيل السودان يعرفون بالبجاة، ولهم سلطان من أنفسهم يسكن معهم في الجبال المتصلة بها. وربما وصل في بعض الأحيان واجتمع بالوالي الذي فيها من الغز اظهارا للطاعة. ومستنابه مع الوالي في البلد، والفوائد كلها له الا البعض منها. وهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلا واقل عقولا
следующие страницы →