← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 10883

رحلة ابن جبير ط دار الهلال

ابن جبير

Полный текст (281 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وضمّانها، وهم من بليّ من افخاذ قضاعة «١» ، وبين بعض الأغزاز «٢» بسبب التزاحم على الماء، مهاوشة كادت تفضي الى الفتنة ثم عصم الله منها. والقصد الى عيذاب من قوص على طريقين: احدهما يعرف بطريق العبدين، وهي هذه التي سلكناها، وهي اقصر مسافة، والآخر طريق دون قنا، وهي قرية على شاطىء النيل. ومجتمع هاتين الطريقين على مقربة من ماء دنقاش المذكور. ولهما مجتمع آخر على ماء يعرف بشاغب أمام ماء دنقاش بيوم. فلما كان عشاء يوم الاثنين المذكور تزودنا الماء ليوم وليلة ورفعنا الى ماء بموضع يعرف بشاغب، فوردناه ضحوة يوم الأربعاء الثاني والعشرين لصفر المذكور وهذا الماء ثماد يحفر عليه في الأرض فتسمح به قريبا غير بعيد الا أنه زعاق. ثم رحلنا منه سحر يوم الخميس بعده وتزودنا الماء لثلاثة أيام الى ماء بموضع يعرف بأمتان، وتركنا طريق الماء بموضع يعرف با ... يسارا، وليس بينه وبين شاغب غير مسافة يوم، والطريق عليه وعر للإبل. فلما كان ضحوة يوم الأحد السادس والعشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور، وفي هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب الله له الحمد وله الشكر على ما يسر لنا من ذلك. وهذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها الله بالبركة. وهو أطيب مياه الطريق وأعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد ما لا يحصى كثرة فتروي القوافل النازلة عليها على كثرتها وتروي من الإبل البعيدة الإظماء ما لو وردت نهرا من الانهار لأنضبته وانزفته. ورمنا في هذه الطريق احصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة الى اليمن، ثم من اليمن إلى عيذاب. وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل الينا لكثرته أنه

стр. 37

يوازي التراب قيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقاعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى بموضعها الى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المارة عليها من أطوار الناس. ثم كان رفعنا من امتان المذكور صبيحة يوم الاثنين بعد الأحد المذكور. ونزلنا على ماء بموضع يعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الاثنين المذكور. ومنه تزودنا الماء الأربعة أيام الى ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. ومن هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح، وهي رملة ميثاء تتصل بساحل بحر جدة يمشى فيها الى عيذاب ان شاء الله، وهي أفيح من الأرض مد البصر يمينا وشمالا. وفي ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح. شهر ربيع الأول استهل هلاله ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر يونيه ونحن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب، وفي وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء على مرحلتين من عيذاب، وبهذا الموضع كثير من شجر العشر، وهو شبيه بشجر الأترج لكن لا شوك له. وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة، وهو في بئر غير مطوية. وألفينا الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها، فرام الجمالون حفرها واستخراج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لا ماء عندها. فأسرينا تلك الليلة، وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور، فنزلنا

стр. 38

ضحوة على ماء الخبيب، وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب، يستقي منه القوافل وأهل البلد ويعم الجميع، وهي بئر كبيرة كأنها الجب الكبير. أحفل مراسي الدنيا فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب، وهي مدينة على ساحل بحر جدّة غير مسورة، أكثر بيوتها الأخصاص، وفيها الآن بناء مستحدث بالجص. وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائدا الى مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وهي في صحراء لا نبات فيها ولا يؤكل فيها شيء الا مجلوب، لكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرفق كثير ولا سيما مع الحاج، لأن لهم على كل حمل طعاما يحملونه ضريبة معلومة خفيفة المؤونة بالإضافة الى الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها، ولهم أيضا من المرافق من الحجاج اكراء الجلاب منهم وهي المراكب. فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم الى جدة وردهم وقت انفضاضهم من أداء الفريضة. وما من أهلها ذوي اليسار الا من له الجلبة والجلبتان، فهي تعود عليهم برزق واسع. فسبحان قاسم الارزاق على اختلاف أسبابها، لا اله سواه. وكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا بها الديار والرباع والجلاب، وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها، وأوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف، وهو شهر يونيه العجمي والشهر الذي يتلوه، ويستخرج منه جوهر نفيس، له قيمة سنية، يذهب الغائصون عليه الى تلك الجزائر في الزوارق ويقيمون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق. والمغاص منها قريب القعر ليس ببعيد. ويستخرجونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة. فاذا شقت ظهرت الشقتان من داخلها

стр. 39

كأنهما محارتا فضة، ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف. فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ والأرزاق. فسبحان مقدرها لا اله سواه. لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد الفوا بها عيش البهائم؛ فسبحان محبب الأوطان الى أهلها، على أنهم أقرب الى الوحش منهم الى الأنس. آفة الحجاج والركوب من جدة اليها آفة للحجاج عظيمة الا الأقل منهم ممن يسلمه الله ، وذلك ان الرياح تلقيهم على الأكثر في مراس بصحارى تبعد منها مما يلي الجنوب، فينزل اليهم البجاة، وهم نوع من السودان ساكنون بالجبال، فيكرون منهم الجمال ويسلكون بهم غير طريق الماء. فربما ذهب اكثرهم عطشا وحصلوا على ما يخلفهم من نفقة او سواها. وربما كان من الحجاج من يتعسف تلك المجهلة على قدميه فيضل ويهلك عطشا. والذي يسلم منهم يصل الى عيذاب كأنه منشر من كفن، شاهدنا منهم مدة مقامنا أقواما قد وصلوا على هذه الصفة في مناظرهم المستحيلة وهيئاتهم المتغيرة، آية للمتوسمين. وأكثر هلاك الحجاج بهذه المراسي. ومنهم من تساعده الريح الى أن يحط بمرسى عيذاب، وهو الأقل. والجلاب التي يصرّفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة الإنشاء لا يستعمل فيها مسمار البتة انما هي مخيطة بأمراس من القنبار، وهو قشر جوز النارجيل يدرسونه الى ان يتخيط ويفتلون منه أمراسا يخيطون بها المراكب ويخللونها بدسر من عيدان النخل، فاذا فرغوا من انشاء الجلبة على هذه الصفة سقوها بالسمن او بدهن الخروع أو بدهن القرش، وهو أحسنها، وهذا القرش حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى فيه. ومقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها ويرطب لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر. ولذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري. وعود هذا الجلاب مجلوب من الهند واليمن، وكذلك القنبار المذكور.

стр. 40

ومن اعجب أمر هذه الجلاب أن شرعها منسوجة من خوص شجر المقل. فمجموعها متناسب في اختلال البنية ووهنها، فسبحان مسخرها على تلك الحال والمسلم فيها لا اله سواه. ول أهل عيذاب في الحجاج احكام الطواغيت «١» وذلك انهم يشحنون بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة ولا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك، ويقولون: علينا بالألواح، وعلى الحجاج بالأرواح. وهذا مثل متعارف بينهم. فأحق بلاد الله بحسبة يكون السيف درتها هذه البلدة، والأولى بمن يمكنه ذلك ان لا يراهما وأن يكون طريقه على الشام الى العراق، ويصل مع أمير الحاج البغدادي، وان لم يمكنه ذلك اولا فيمكنه آخرا عند انفضاض الحاج، يتوجه مع أمير الحاج المذكور الى بغداد ومنها الى عكة، فان شاء دخل منها الى الاسكندرية، وان شاء الى صقلية أو سواهما. ويمكن أن يجد مركبا من الروم يقلع الى سبتة أو سواها من بلاد المسلمين. وان طال طريقه بهذا التحليق فيهون لما يلقى بعيذاب ونحوها. أهل عيذاب واهلها الساكنون بها من قبيل السودان يعرفون بالبجاة، ولهم سلطان من أنفسهم يسكن معهم في الجبال المتصلة بها. وربما وصل في بعض الأحيان واجتمع بالوالي الذي فيها من الغز اظهارا للطاعة. ومستنابه مع الوالي في البلد، والفوائد كلها له الا البعض منها. وهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلا واقل عقولا

стр. 41

لا دين لهم سوى كلمة التوحيد التي ينطقون بها اظهارا للإسلام، ووراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة وسيرهم ما لا يرضى ولا يحل، ورجالهم ونساؤهم يتصرفون عراة الا خرقا يسترون بها عوراتهم، وأكثرهم لا يسترون. وبالجملة فهم أمة لا أخلاق لهم، ولا جناح على لاعنهم. أهوال بحر فرعون وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين لربيع الأول المذكور، وهو الثامن عشر من يوليه، ركبنا الجلبة للعبور الى جدة. فأقمنا يومنا ذلك بالمرسى لركود الريح ومغيب النواتية، فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء اقلعنا على بركة الله، ، وحسن عونه المأمول. فكانت مدة المقام بعيذاب، حاشا يوم الاثنين المذكور، ثلاثة وعشرين يوما، محتسبة عند الله، ، لشظف العيش وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الاغذية الموافقة، وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء، والعطش أشهى الى النفس منه. فأقمنا بين هواء يذيب الأجسام وماء يشغل المعدة عن اشتهاء الطعام، فما ظلم من غنى عن هذه البلدة بقوله: ماء زعاق وجو كله لهب فالحلول بها من أعظم المكاره التي حف بها السبيل الى البيت العتيق، زاده الله تشريفا وتكريما، وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدونه ولا سيما في تلك البلدة الملعونة، ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون أن سليمان ابن داود، على نبينا وعليه السلام، كان اتخذها سجنا للعفارتة، أراح الله الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة الى بيته الحرام، وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة الى المدينة المقدسة، وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا وجبل الطور المعظم يسارا، لكن للإفرنج بمقربة منها حصن مندوب يمنع الناس من سلوكه والله

стр. 42

ينصر دينه ويعز كلمته بمنه. فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس والعشرين لربيع الأول المذكور ويوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب. فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخميس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بر الحجاز، لمع برق من جهة البر المذكور، وهي جهة الشرق، ثم نشأ نوء أظلم له الأفق الى أن كسا الآفاق كلها، وهبت ريح شديدة صرفت المركب عن طريقه راجعا وراءه، وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الآفاق، فلم ندر الجهة المقصودة منها، الى أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع الى اسفل الدقل، وهو الصاري. واقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن باليأس، وارانا بحر فرعون بعض اهواله الموصوفة، الى ان أتى الله بالفرج مقترنا مع الصباح. فهدأ قياد الريح وأقشع الغيم وأصحت السماء ولاح لنا بر الحجاز على بعد لا نبصر منه الا بعض جباله، وهي شرق من جدة، زعم ربان المركب وهو الرّائس، أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدّة يومين، والله يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه. فجرينا يومنا ذلك، وهو يوم الخميس المذكور، بريح رخاء طيبة، ثم ارسينا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعد أن لقينا شعابا كثيرة يكثر فيها الماء ويضحل علينا، فتخللنا أثناءها على حذر وتحفظ. وكان الربان بصيرا بصنعته حاذقا فيها، فخلصنا الله منها، حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة، ونزلنا اليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع الأول المذكور، واصبح الهواء راكدا والريح غير متنفسة الا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكور. فلما كان يوم السبت الموفي ثلاثين تنفست الريح بعض التنفس، فاقلعنا بذلك النفس نسير سيرا رويدا. وسكن البحر حتى

стр. 43

خيل لناظره انه صحن زجاج ازرق. فأقمنا على تلك الحال نرجو لطيف صنع الله . وهذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن، فعصمنا الله من فأل اسمها المذموم، وله الحمد والشكر على ذلك. شهر ربيع الآخر استهل هلاله ليلة السبت ونحن بالجزيرة المذكورة ولم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيرا مرتفعا، فتحققنا اهلاله ليلة السبت المذكور، وهو الثالث والعشرون من شهر يوليه، وفي عشيّ يوم الأحد ثانية أرسينا بمرسى يعرف بأبحر، وهو على بعض يوم من جدة، وهو من أعجب المراسي وضعا، وذلك أن خليجا من البحر يدخل الى البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسي الجلاب منه في قرارة مكنّة هادئة. فلما كان سحر يوم الاثنين بعده أقلعنا منه على بركة الله تعالى بريح فاترة، والله الميسر لا رب سواه فلما جن الليل أرسينا على مقربة من جدة وهي بمرأى العين منا. وحالت الريح صبيحة يوم الثلاثاء بعده بيننا وبين دخول مرساها، ودخول هذه المراسي صعب المرام بسبب كثرة الشعاب والتفافها. وأبصرنا من صنعة هؤلاء الرؤساء والنواتية في التصرف بالجلبة أثناءها أمرا ضخما، يدخلونها على مضايق ويصرّفونها خلالها تصريف الفارس للجواد الرطب العنان السلس القياد، ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه. وفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور، وهو السادس والعشرون من شهر يوليه، كان نزولنا بجدة حامدين لله وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ما عايناه في تلك الثمانية الأيام طول مقامنا على البحر، وكانت اهوالا شتى، عصمنا الله منها بفضله وكرمه، فمنها ما كان يطرأ من

стр. 44

البحر واختلاف رياحه وكثرة شعابه المعترضة فيه. ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتصامها المرة بعد المرة عند رفع الشراع أو حطه أو جذب مرساة من مراسيه، وربما سنحت الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تخللها فنسمع لها هدا يؤذن باليأس، فكنا فيها نموت مرارا ونحيا مرارا، والحمد لله على ما منّ به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمدا يبلغ رضاه ويستهدي المزيد من نعماه، بعزته وقدرته، لا اله سواه. وكان نزولنا فيها بدار القائد عليّ وهو صاحب جدة من قبل أمير مكة المذكور، في صرح من تلك الصروح الخوصية التي يبنونها في أعالي ديارهم ويخرجون منها الى سطوح يبيتون فيها. وعند احتلالنا جدة المذكورة عاهدنا الله ، سرورا بما أنعم الله به من السلامة، الا يكون انصرافنا على هذا البحر الملعون الا ان طرأت ضرورة تحول بيننا وبين سواه من الطرق، والله وليّ الخيرة في جميع ما يقضيه ويسنيه بعزته. جدة وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور اكثر بيوتها اخصاص، وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي اعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف، ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر. وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة، وأثر سورها المحدق بها باق الى اليوم. وبها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزل حواء أم البشر، صلى الله عليها، عند توجهها الى مكة، فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته وفضله، والله أعلم بذلك. وفيها مسجد مبارك منسوب الى عمر بن الخطاب، ﵁، ومسجد آخر له ساريتان من خشب الآبنوس ينسب ايضا إليه، ﵁، ومنهم من ينسبه الى هارون الرشيد، رحمة الله عليه.

стр. 45

واكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون: حسنيون وحسينيون وجعفريون، رضي الله عن سلفهم الكريم. وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد اشفاقا، ويستخدمون انفسهم في كل مهنة من المهن: من اكراء جمال ان كانت لهم، او مبيع لبن او ماء، الى غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه. وربما تناول ذلك نساءهم الشريفات بأنفسهن، فسبحان المقدر لما يشاء. ولا شك أنهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا. جعلنا الله ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وبخارج هذه البلدة مصانع قديمة تدل على قدم اختطاطها، ويذكر أنها كانت من مدن الفرس. وبها جباب منقورة في الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة وهي داخل البلد وخارجه، حتى انهم يزعمون ان التي خارج البلد ثلاث مئة وستون جبا ومثل ذلك داخل البلد. وعاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذها الإحصاء. وعجائب الموضوعات كثيرة، فسبحان المحيط علما بها. استغلال الحجاج وأكثر هذه الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى. وهم يعتقدون في الحاج ما لا يعتقد في أهل الذمة، قد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهابا، ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابا. فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤونة الى أن ييسر الله رجوعه الى وطنه. ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في امر لا ينادى وليده ولا يلين شديده. فانه رفع ضرائب المكوس عن الحاج وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتوصيلهما الى مكثر أمير مكة، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمير الى ترويع الحاج واظهار تثقيفهم بسبب المكوس. واتفق لنا من ذلك أن وصلنا

стр. 46

جدة، فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور. فورد أمره أن يضمن الحاج بعضهم بعضا ويدخلوا الى حرم الله، فان ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين والا فهو لا يترك ماله قبل الحاج. هذا لفظه، كأن حرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج. فسبحان مغير السنن ومبدلها. والذي جعل له صلاح الدين، بدلا من مكس الحاج، ألفا دينار اثنان وألفا اردب من القمح، وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشببلي عندنا، حاشا اقطاعات أقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور. ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج. فأحق بلاد الله بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية لما هم عليه من حل عرى الإسلام واستحلال أموال الحاج ودمائهم. فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس اسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه الله . فراكب هذا السبيل راكب خطر ومعتسف غرر. والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال، فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سببا الى استلاب الأموال واستحقاقها من غير حل ومصادرة الحجاج عليها وضرب الذلة والمسكنة الدنية عليهم، تلافاها الله عن قريب بتطهير يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين أنصار الدّين، وحزب الله أولي الحق والصدق، والذابين عن حرم الله ، والغائرين على محارمه، والجادين في اعلاء كلمته واظهار دعوته ونصر ملته، انه على ما يشاء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير. لا اسلام إلا في المغرب وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه لا اسلام الا ببلاد المغرب،

стр. 47

لأنهم على جادة واضحة لا بنيات لها. وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع، الا من عصم الله من اهلها. كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهه الا عند الموحدين، أعزهم الله، فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب، ويركبون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها، اللهم الا هذا السلطان العادل صلاح الدين، الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه، لو كان له أعوان على الحق ... مما أريد الله يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطيف صنعه. الدعوة المؤمنية الموحدية ومن عجيب ما شاهدناه في أمر الدعوة المؤمنية الموحدية وانتشار كلمتها بهذه البلاد واستشعار أهلها لملكتها أن أكثر أهلها بل الكل منهم يرمزون بذلك رمزا خفيا حتى يؤدي ذلك بهم الى التصريح، وينسبون ذلك لآثار حدثانية وقعت بأيدي بعضهم أنذرت بأشياء من الكوائن فعاينوها صحيحة. فمن بعض الآثار المؤذنة بذلك عندهم أن بين جامع ابن طولون والقاهرة برجين مقتربين عتيقي البناء، على أحدهما تمثال ناظر الى جهة المغرب وكان على الآخر تمثال ناظر الى المشرق، فكانوا يرون أن أحدهم اذا سقط أنذر بغلبة أهل الجهة التي كان ناظرا اليها على ديار مصر وسواها. وكان من الاتفاق العجيب أن وقع التمثال الناظر الى المشرق فتلا وقوعه استيلاء الغز «١» على الدولة العبيدية وتملكهم ديار مصر وسائر البلاد. وهم الآن متوقعون سقوط التمثال الغربي وحدثان ما يؤملونه من ملكة أهله لهم ان شاء الله. ولم يبق الا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد، فهم يستطلعون بها صبحا جليا ويقطعون بصحتها، ويرتقبونها ارتقاب الساعة التي لا يمترون في

стр. 48

انجاز وعدها. شاهدنا من ذلك بالإسكندرية ومصر وسواهما مشافهة وسماعا أمرا غريبا يدل على أن ذلك الأمر العزيز أمر الله الحق ودعوته الصدق. ونمي الينا أن بعض فقهاء هذه البلاد المذكورة وزعمائها قد حبّر خطبا أعدها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين، أعلى الله أمره، وهو يرتقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة وينتظره انتظار الفرج بالصبر الذي هو عبادة، والله يبسطها من كلمة، ويعليها من دعوة، انه على ما يشاء قدير. من جدة إلى حرم الشريف وفي عشيّ يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثاني من شهر أغشت، كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضا، وثبتت أسماؤهم في زمام عند قائد جدة عليّ بن موفق، حسبما نفذ اليه ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور وهذا الرجل مكثر من ذرية الحسن بن عليّ، رضوان الله عليهما، لكنه ممن يعمل غير صالح، فليس من أهل سلفه الكريم، ﵃. وأسرينا تلك الليلة الى ان وصلنا القرين مع طلوع الشمس. وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحط رحالهم، ومنه يحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه. فاذا كان في عشية رفعوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف، زاده الله تشريفا وتعظيما. والصادرون من الحج ينزلون به ايضا ويسرون منه الى جدة وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة، والحاج بسببها لا يحتاجون الى تزود الماء غير ليلة اسرائهم اليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين. فلما حان العشي رحنا منه محرمين بعمرة، فأسرينا ليلتنا تلك، فكان وصولنا مع الفجر الى قريب الحرم. فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء. ودخلنا مكة، حرسها الله، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر

стр. 49

لربيع المذكور، وهو الرابع من شهر أغشت، على باب العمرة، وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة، والبدر قد القى على البسيطة شعاعه، والليل قد كشف عنا قناعه، والأصوات تصك الآذان بالتلبية من كل مكان، والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل الى الله بالثناء، فتارة تشتد بالتلبية، وآونة تتضرع بالأدعية. فيا لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر. الى أن وصلنا، في الساعة المذكورة من اليوم المذكور، حرم الله العظيم ومبوّأ الخليل ابراهيم. فألفينا الكعبة الحرام عروسا مجلوة مزفوفة الى جنة الرضوان محفوفة بوفود الرحمن، فطفنا طواف القدوم، ثم صلينا بالمقام الكريم وتعلقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، وهو بين الحجر الأسود والباب، وهو موضع استجابة الدعوة. ودخلنا قبة زمزم وشربنا من مائها وهو لما شرب له، كما قال، ﷺ . ثم سعينا بين الصفا والمروة، ثم حلقنا واحللنا. فالحمد لله الذي كرمنا بالوفادة عليه وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية اليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة الى الحلال قريبا من الحرم، ومن باب السدة احد ابوابه في حجرة كثيرة المرافق المسكنية مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة. شهر جمادى الأول استهل هلاله ليلة الاثنين الثاني والعشرين لأغشت، وقد كمل لنا بمكة، شرفها الله تعالى، ثمانية عشر يوما، فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من اعمارنا. طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم الله العظيم والقبة التي فيها مقام ابراهيم، مبعث الرسول ومهبط الروح الأمين جبريل بالوحي والتنزيل، فأوزعنا الله شكر هذه المنة وعرّفنا قدر ما خصنا به من نعمة، وختم لنا بالقبول، وأجرانا على كريم عوائده من الصنع الجميل ولطيف

стр. 50

التيسير والتسهيل بعزته وقدرته، لا اله سواه. المسجد الحرام والبيت العتيق البيت المكرّم له اربعة أركان. وهو قريب من التربيع. واخبرني زعيم الشيبيين الذين اليهم سدانة البيت، وهو محمد بن اسماعيل بن عبد الرحمن من ذرية عثمان بن طلحة بن شيبة بن طلحة بن عبد الدار صاحب رسول الله، ﷺ ، وصاحب حجابة البيت: أن ارتفاعه في الهواء من الصفح الذي يقابل باب الصفا، وهو من الحجر الأسود، الى الركن اليماني، تسع وعشرون ذراعا وسائر الجوانب ثمان وعشرون، بسبب انصباب السطح الى الميزاب. فأول أركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود، ومنه ابتداء الطواف، ويتقهقر الطائف عنه ليمر جميع بدنه به، والبيت المكرم عن يساره، وأول ما يلقى بعده الركن العراقي، وهو ناظر الى جهة الشمال. ثم الركن الشامي، وهو ناظر الى جهة الغرب. ثم الركن اليماني، وهو ناظر الى جهة الجنوب. ثم يعود الى الركن الأسود، وهو ناظر الى جهة الشرق. وعند ذلك يتم شوطا واحدا. وباب البيت الكريم في الصفح الذي بين الركن العراقي وركن الحجر الأسود، وهو قريب من الحجر بعشرة أشبار محققة. وذلك الموضع الذي بينهما من صفح البيت يسمى الملتزم، وهو موضع استجابة الدعاء. والباب الكريم مرتفع عن الأرض بأحد عشر شبرا ونصف. وهو من فضة مذهبة، بديع الصنعة، رائق الصفة، يستوقف الأبصار حسنا وخشوعا للمهابة التي كساها الله بيته. وعضادتاه كذلك، والعتبة العليا كذلك أيضا. وعلى رأسها لوح ذهب خالص ابريز في سعته مقدار شبرين. وللباب نقارتا فضة كبيرتان يتعلق عليهما قفل الباب، وهو ناظر للشرق، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبرا وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار. وداخل البيت الكريم مفروش بالرخام المجزّع، وحيطانه رخام كلها مجزّع.

стр. 51

قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج مفرطة الطول، وبين كل عمود وعمود أربع خطا. وهي على طول البيت متوسطة فيه. فأحد الأعمدة، وهو أولها، يقابل نصف الصفح الذي يحف به الركنان اليمانيان. وبينه وبين الصفح مقدار ثلاث خطا. والعمود الثالث، وهو آخرها، يقابل الصفح الذي يحف به الركنان العراقي والشامي. ودائر البيت كله من نصفه الأعلى مطلي بالفضة المذهبة المستحسنة، يخيل للناظر اليها أنها صفيحة ذهب لغلظها. وهي تحف بالجوانب الأربعة وتمسك مقدار نصف الجدار الأعلى. وسقف البيت مجلل بكساء من الحرير الملون. وظاهر الكعبة كلها من الأربعة الجوانب مكسو بستور من الحرير الأخضر وسداها قطن وفي أعلاها رسم بالحرير الأحمر، فيه مكتوب: «إنّ أوّل بيت وضع للناس للّذي ببكّة» الآية، واسم الإمام الناصر لدين الله في سعته قدر ثلاث أذرع يطيف بها كلها. قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغريبة التي تبصرها أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروءة مرسومة بذكر الله تعالى وبالدعاء للناصر العباسي المذكور الآمر باقامتها، وكل ذلك لا يخالف لونها، وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا. وفي الصفحين الكبيرين منها ثمانية عشر، وفي الصفحين الصغيرين ستة عشر، وله خمسة مضاوئ، وعليها زجاج عراقي بديع النقش، أحدها في وسط السقف، ومع كل ركن مضوأ، والواحد منها لا يظهر لأنه تحت القبو المذكور بعد. وبين الأعمدة أكواس من الفضة عددها ثلاث عشرة واحداها من ذهب. واول ما يلقى الداخل على الباب عن يساره الركن الذي خارجه الحجر الأسود، وفيه صندوقان فيهما مصاحف، وقد علاهما في الركن بويبان من فضة كأنهما طاقان ملصقان بزاوية الركن. وبينهما وبين الأرض ازيد من قامة. وفي

стр. 52

الركن الذي يليه وهو اليماني كذلك لكنهما انقلعا وبقي العمود الذي كانا ملصقين عليه. وفي الركن الشامي كذلك وهما باقيان. وفي جهة الركن العراقي كذلك. وعن يمينه الركن العراقي وفيه باب يسمى بباب الرحمة يصعد منه الى سطح البيت المكرّم. وقد قام له قبو فهو متصل بأعلى سطح البيت داخله الأدراج. وفي أوله البيت المحتوي على المقام الكريم. فتجد للبيت الكريم بسبب هذا القبو خمسة أركان، وفي سعة صفحيه قامتان، وهو محتو على الركن العراقي بنصفين من كل صفح، وثلثا قناة هذا القبو مكسوان بستر الحرير الملون كأنه قد لف فيه ثم وضع. وهذا المقام الكريم الذي داخل هذا القبو هو مقام ابراهيم، صلى الله على نبينا وعليه، وهو حجر مغشى بالفضة، وارتفاعه مقدار ثلاثة أشبار، وسعته مقدار شبرين، وأعلاه اوسع من اسفله، فكأنه، وله التنزيه والمثل الأعلى، كانون فخار كبير اوسطه يضيق عن اسفله وعن أعلاه، عايناه وتبركنا بلمسه وتقبيله، وصب لنا في أثر القدمين المباركتين ماء زمزم فشربناه، نفعنا الله به. وأثرهما بيّن وأثر الأصابع المكرمة المباركة. فسبحان من ألانه لواطئه حتى أثرت فيه ولا تأثير القدم في الرمل الوثير، سبحان جاعله من الآيات البينات. ولمعاينته ومعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس من الذهول ويطيش الأفئدة والعقول، فلا تبصر الا لحظات خاشعة وعبرات هامعة ومدامع باكية وألسنة الى الله، ، ضارعة داعية. وبين الباب الكريم والركن العراقي حوض طوله اثنا عشر شبرا، وعرضه خمسة اشبار ونصف، وارتفاعه نحو شبر، متصل من قبالة عضادة الباب التي تلي الركن المذكور آخذا الى جهته، وهو علامة موضع المقام مدة ابراهيم، ﵇ الى ان صرفه النبي، ﷺ ، الى الموضع الذي هو الآن مصلّى. وبقي الحوض المذكور مصبا لماء البيت اذا غسل، وهو موضع مبارك، يقال:

стр. 53

إنه روضة من رياض الجنة، والناس يزدحمون للصلاة فيه. وأسفله مفروش برملة بيضاء وثيرة. وموضع المقام الكريم هو الذي يصلى خلفه، يقابل ما بين الباب الكريم والركن العراقي، وهو الى الباب أميل بكثير، وعليه قبة خشب في مقدار القامة أو ازيد مركنة محددة بديعة النقش، سعتها من ركنها الواحد الى الثاني أربعة أشبار، وقد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وحوله تكفيف من حجارة نصبت على حرف كالحوض المستطيل في ارتفاعه نحو شبر، وطوله خمس خطا، وعرضه ثلاث خطا. وأدخل المقام الى الموضع الذي وصفناه في البيت الكريم احتياطا عليه، وبينه وبين صفح البيت الذي يقابله سبع عشرة خطوة، والخطوة كلها فيها ثلاثة أشبار. ولموضع المقام أيضا قبة مصنوعة من حديد موضوعة الى جانب قبة زمزم. فاذا كان في أشهر الحج وكثر الناس ووصل العراقيون والخراسانيون رفعت قبة الخشب ووضعت قبة الحديد لتكون أحمل للازدحام. ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود الى الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا محققة. ومن الحجر الأسود الى الأرض ستة أشبار، فالطويل يتطأمن اليه والقصير يتطاول اليه. ومن الركن العراقي الى الركن الشامي ثمانية واربعون شبرا محققة، وذلك داخل الحجر، واما من خارج فمنه اليه أربعون خطوة، وهو مئة وعشرون شبرا محققة، ومن خارجه يكون الطواف. ومن الركن الشامي الى الركن اليماني ما من الركن الأسود الى العراقي لأنه الصفح الذي يقابله. ومن اليماني الى الأسود ما من العراقي الى الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله. وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنه الرخام حسنا، منها سود وسمر وبيض قد الصق بعضها الى بعض، واتسعت عن البيت بمقدار تسع خطا الا في الجهة التي تقابل المقام، فانها امتدت اليه حتى احاطت به. وسائر الحرم

стр. 54

مع البلاطات كلها مفروش برمل ابيض،، وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة، وبين الركن العراقي وبين أول جدار الحجر مدخل الى الحجر سعته أربع خطا وهي ست أذرع محققة كلناها باليد. وهذا الموضع الذي لم يحجر عليه هو الذي تركت قريش من البيت، وهو ست أذرع، حسبما وردت به الآثار الصحاح، ويقابله عند الركن الشامي مدخل آخر على مثال تلك السعة. وبين جدار البيت الذي تحت الميزاب والذي يقابله من جدار الحجر على خط استواء يشق وسط الصحن المذكور أربعون شبرا، وسعته من المدخل الى المدخل ست عشرة خطوة، وهي ثمانية وأربعون شبرا، ودور الجدار رخام كله مجزّع بديع الإلصاق ... وهناك قضبان صفر مذهبة وضع منها في صفحة أشكال شطرنجية متداخلة بعضها على بعض وصفات محاريب، فاذا ضربت الشمس فيها لاح لها بصيص ولألاء يخيل للناظر اليها انها ذهب يرتمي بالأبصار شعاعه. وفي ارتفاع جدار هذا الحجر الرخامي خمسة أشبار ونصف، وسعته أربعة أشبار ونصف. وداخل الحجر بلاط واسع ينعطف عليه الحجر كأنه ثلثا دائرة، وهو مفروش بالرخام المجزّع المقطع في دور الكف الى دور الدينار الى ما فوق ذلك، ثم الصق بانتظام بديع وتأليف معجز الصنعة غريب الإتقان رائق الترصيع والتجزيع رائع التركيب والرصف، يبصر الناظر فيه من التعاريج والتقاطيع والخواتم والأشكال الشطرنجية وسواها على اختلاف أنواعها وصفاتها ما يقيد بصره حسنا، فكأنه يجليه في أزهار مفروشة مختلفات الألوان الى محاريب قد انعطف عليها الرخام انعطاف القسي وداخلها هذه الأشكال الموصوفة والصنائع المذكورة وبازائها رخامتان متصلتان بجدار الحجر المقابل للميزاب أحدث الصانع فيهما من التوريق الرقيق والتشجير والتقضيب مالا يحدثه الصنع باليدين في الكاغد قطعا بالجلمين. فمرآهما عجيب، أمر بصنعتهما على هذه الصفة إمام المشرق أبو العباس أحمد الناصر بن المستضيء بالله أبي محمد

стр. 55

الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف العباسي، ﵁. ويقابل الميزاب في وسط الحجر وفي نصف جداره الرخامي رخامة قد نقشت أبدع نقش، وحفت بها طرة منقوشة نقشا مكحلا عجيبا، فيه مكتوب: مما أمر بعمله عبد الله وخليفته أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، وذلك في سنة ست وسبعين وخمس مئة. والميزاب في اعلى الصفح الذي يلي الحجر المذكور، وهو من صفر مذهب، قد خرج الى الحجر بمقدار أربع أذرع، وسعته مقدار شبر. وهذا الموضع تحت الميزاب هو ايضا مظنة استجابة الدعوة بفضل الله تعالى. وكذلك الركن اليماني ويسمى المستجار ما يليه، وهذا الصفح المتصل به من جهة الركن الشامي. وتحت الميزاب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر اسماعيل، ﷺ ، وعلامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة. وكلتاهما غريبة المنظر فيهما نكت تنفتح عن لونها الى الصفرة قليلا كأنها تجزيع، وهي أشبه الأشياء بالنكت التي تبقى في البيدق من حل الذهب فيه. والى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر، ﵂، وعلامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر ونصف. يتبرك الناس بالصلاة في هذين الموضعين من الحجر. وحق لهم ذلك لأنهما من البيت العتيق وقد انطبقا على جسدين مقدسين مكرمين نورهما الله ونفع ببركتهما كل من صلى عليهما. وبين القبرين المقدسين سبعة أشبار. وقبة بئر زمزم تقابل الركن، ومنها اليه أربع وعشرون خطوة. والمقام المذكور الذي يصلى خلفه عن يمين القبة، ومن ركنها اليه عشر خطا. وداخلها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض. وتنور البئر المباركة في وسطها مائل عن الوسط الى جهة الجدار الذي يقابل البيت المكرم، وعمقها احدى عشرة قامة حسبما ذرعناه. وعمق الماء سبع قامات على ما يذكر. وباب القبة

стр. 56

ناظر الى الشرق، وبابا قبة العباس وقبة اليهودية ناظران الى الشمال. والركن من الصفح الناظر الى البيت العتيق من القبة المنسوبة الى اليهودية يتصل بالركن الأيسر من الصفح الأخير الناظر الى الشرق من القبة العباسية. فبينهما هذا القد من الانحراف. وتلي قبة بئر زمزم من ورائها قبة الشراب، وهي المنسوبة للعباس، ﵁. وتلي هذه القبة العباسية على انحراف عنها قبة تنسب لليهودية. وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وأتوار شمع وغير ذلك. والقبة العباسية لم تخل من نسبتها الشرابية لأنها كانت سقاية الحاج وهي حتى الآن يبرد فيها ماء زمزم. ويخرج مع الليل لسقي الحاج في قلال يسمونها الدوارق، كل دورق منها ذو مقبض واحد. وتنور بئر زمزم من رخام قد الصق بعضه ببعض الصاقا لا تحيله الأيام وأفرغ في أثنائه الرصاص. وكذلك داخل التنور. وحفت به أعمدة الرصاص الملصقة اليه ابلاغا في قوة لزه ورّصه: اثنان وثلاثون عمودا قد خرجت لها رؤوس قابضة على حافة البئر دائرة بالتنور كله. ودوره أربعون شبرا، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف، وغلظه شبر ونصف. وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر، وعمقها نحو شبرين، وارتفاعها عن الأرض خمسة أشبار، تملأ ماء للوضوء، وحولها مصطبة دائرة يرتفع الناس اليها ويتوضأون عليها. والحجر الأسود المبارك ملصق في الركن الناظر الى جهة المشرق، ولا يدرى قدر ما دخل في الركن، وقيل: انه داخل في الجدار بمقدار ذراعين. وسعته ثلثا شبر، وطوله شبر وعقد، وفيه أربع قطع ملصقة. ويقال: ان القرمطي، لعنه الله، كان الذي كسره. وقد شدت جوانبه بصفيحة فضة يلوح بصيص بياضها على بصيص سواد الحجر ورونقه الصقيل فيبصر الرائي من ذلك منظرا عجيبا هو قيد الأبصار.

стр. 57

وللحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى يود اللائم أن لا يقلع فمه عنه، وذلك خاصة من خواص العناية الإلهية. وكفى أن النبي، ﷺ ، قال: «إنه يمين الله في أرضه» . نفعنا الله باستلامه ومصافحته، وأوفد عليه كل شيق اليه بمنه. وفي القطعة الصحيحة من الحجر مما يلي جانبه الذي يلي يمين المستلم له اذا وقف مستقبله نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة. وفي هذه الشامة البيضاء أثر: «ان النظر اليها يجلو البصر» . فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله موضع الشامة المذكورة ما استطاع. والمسجد الحرام يطيف به ثلاث بلاطات على ثلاث سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد، ذرعها في الطول اربع مئة ذراع، وفي العرض ثلاث مئة ذراع. فيكون تكسيره محققا ثمانية وأربعين مرجعا وما بين البلاطات فضاء كبير، وكان على عهد رسول الله، ﷺ ، صغيرا. وقبة زمزم خارجة عنه، وفي مقابلة الركن الشامي، رأس سارية ثابتة في الارض منها كان حد الحرم اولا. وبين رأس السارية وبين الركن الشامي المذكور اثنتان وعشرون خطوة، والكعبة في وسطه على استواء من الجوانب الأربعة، ما بين الشرق والجنوب والشمال والغرب. وعدد سواريه الرخامية التي عددتها بنفسي أربع مئة سارية واحدى وسبعون سارية حاشا الجصية التي منها في دار الندوة، وهي التي زيدت في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ من الغرب الى الشمال، ويقابلها المقام مع الركن العراقي، وقضاؤها متسع يدخل من البلاط اليه. ويتصل بجدار هذا البلاط كله مصاطب تحت قسيّ حنايا يجلس فيها النساخون والمقرئون وبعض أهل صنعة الخياطة. والحرم محدق بحلقات المدرسين وأهل العلم. وفي جدار البلاط الذي يقابله أيضا مصاطب تحت حنايا على تلك الصفة، وهو البلاط الآخذ من الجنوب الى

стр. 58

الشرق. وسائر البلاطات تحت جداراتها مصاطب دون حنايا عليها، والبنيان فيها الآن على أكمل ما يكون. وعند باب ابراهيم مدخل آخر من البلاط الآخذ من الغرب الى الجنوب فيه أيضا سوار جصية. ووجدت بخط أبي جعفر بن علي الفنكي القرطبي الفقيه المحدث: أن عدد سواريه أربع مئة وثمانون، لأني لم أحسب التي خارج باب الصفا. وللمهدي محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي في توسعة المسجد الحرام والتأنق في بنائه آثار كريمة. وجدت في الجهة التي من الغرب الى الشمال مكتوبا في أعلى جدار البلاط: «أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة المسجد الحرام، لحجاج بيت الله وعماره، في سنة سبع وستين ومئة» وللحرم سبع صوامع: أربع في الاربعة جوانب، وواحدة في دار الندوة، وأخرى على باب الصفا، وهي اصغرها، وهي علم لباب الصفا، وليس يصعد اليها لضيقها، وعلى باب ابراهيم صومعة قد ذكرت عند باب ابراهيم فيما بعد. وباب الصفاء يقابل الركن الأسود بالبلاط الذي من الجنوب الى الشرق، وفي وسط البلاط المقابل للباب ساريتان مقابلتان الركن المذكور فيهما منقوش: «أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بإقامة هاتين الأسطوانتين علما لطريق رسول الله، ﷺ ، الى الصفا ليتأسى به حاج بيت الله وعمّاره، على يدي يقطين بن موسى وابراهيم بن صالح، في سنة سبع وستين ومئة» . وفي باب الكعبة المقدسة نقش بالذهب رائق الخط طويل الحروف غليظها، يرتمي الأبصار برونقه وحسنه، مكتوب فيه: «مما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام أبو عبد الله محمد المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، صلى الله عليه وعلى الأئمة آبائه الطاهرين، وخلد ميراث النبوة لديه، وجعلها كلمة باقية في عقبه الى يوم الدين، في سنة خمسين وخمس مئة» في صفحتي البابين على هذا النص المذكور.

стр. 59

ويكتنف البابين الكريمين عضادة غليظة من الفضة المذهبة البديعة النقش، تصعد الى العتبة المباركة تشف عليها وتستدير بجانبي البابين. ويعترض أيضا بين البابين عند اغلاقهما شبه العضادة الكبيرة من الفضة المذهبة هي بطول البابين متصلة بالواحد منهما الذي عن يسار الداخل الى البيت. وكسوة الكعبة المقدسة من الحرير الأخضر، حسبما ذكرناه. وهي أربع وثلاثون شقة: في الصفح الذي بين الركن اليماني والشامي منها تسع وفي الصفح الذي يقابله بين الركن الأسود والعراقي تسع أيضا، وفي الصفح بين العراقي والشامي ثمان، وفي الصفح بين اليماني والأسود ثمان أيضا، وقد وصلت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الأربعة جوانب. وقد احاط بها من أسفلها تكفيف مبني بالجص، في ارتفاعه أزيد من شبر، وفي سعته شبران أو أزيد قليلا، في داخله خشب غير ظاهر، وقد سمرت فيه أوتاد حديد في رؤوسها حلقات حديد ظاهرة قد ادخل فيها مرس من القنّب غليظ مفتول. واستدار بالجوانب الأربعة بعد أن وضع في أذيال الستور شبه حجز السراويلات وادخل فيها ذلك المرس وخيط عليه بخيوط من القطن المفتولة الوثيقة. ومجتمع الستور في الأركان الأربعة مخيط الى أزيد من قامة، ثم منها الى أعلاها تتصل بعرى من حديد يدخل بعضها في بعض. واستدار أيضا بأعلاها على جوانب السطح تكفيف ثان وقعت فيه أعالي الستور في حلقات حديد على تلك الصفة المذكورة. فجاءت الكسوة المباركة مخيطة الأعلى والأسفل، وثيقة الأزرار، لا تخلع الا من عام الى عام عند تجديدها، فسبحان من خلد لها الشرف الى يوم القيامة، لا اله سواه. وباب الكعبة الكريم يفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة الا في رجب فانه يفتح في كل يوم. وفتحه أول بزوغ الشمس، يقبل سدنة البيت الشيبيون، فيبادر منهم من ينقل كرسيا كبيرا شبه المنبر الواسع له تسعة أدراج مستطيلة قد وضعت له

стр. 60

قوائم من الخشب متطأمنة من الأرض لها أربع بكرات كبار مصفحة بالحديد لمباشرتها الأرض، يجري الكرسي عليها حتى يصل الى البيت الكريم. فيقع درجه الأعلى متصلا بالعتبة المباركة من الباب. فيصعد زعيم الشيبيين اليه، وهو كهل جميل الهيئة والشارة، وبيده مفتاح القفل المبارك، ومعه من السدنة من يمسك في يده سترا أسود يفتخ «١» يديه به أمام الباب خلال ما يفتحه الزعيم الشيبي المذكور، فاذا فتح القفل قبل العتبة ثم دخل البيت وحده وسد الباب خلفه وأقام قدر ما يركع ركعتين. ثم يدخل الشيبيون ويسدون الباب أيضا ويركعون. ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول، وفي أثناء محاولة فتح الباب الكريم يقف الناس مستقبلين اياه بأبصار خاشعة وأيد مبسوطة الى الله ضارعة واذا انفتح الباب كبّر الناس وعلا ضجيجهم ونادوا بألسنة مستهلة: «اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك، يا أرحم الراحمين» . ثم دخلوا بسلام آمنين. وفي الصفح المقابل للداخل فيه، الذي هو من الركن اليماني الى الركن الشامي، خمس رخامات منتصبات طولا كأنها أبواب تنتهي الى مقدار خمسة أشبار من الأرض، وكل واحدة منها نحو القامة، الثلاث منها حمر والاثنان خضراوان. في كل واحدة منها تجزيع بياض لم ير أحسن منظرا منه كأنه فيها تنقيط. فيتصل بالركن اليماني منها الحمراء ثم تليها بخمسة أشبار الحضراء، والموضع الذي يقابلها متقهقرا عنها بثلاث أذرع هو مصلى النبي، ﷺ ، فيزدحم الناس على الصلاة فيه تبركا به. ووضعهن على هذا الترتيب، وبين كل واحدة وأخرى القدر المذكور. ويتصل بينهما رخام أبيض صافي اللون ناصع البياض، قد أحدث الله، ، في أصل خلقته أشكالا غريبة مائلة الى الزرقة مشجرة مغصنة وفي التي تليها مثل ذلك بعينه من الأشكال كأنها مقسومة، فلو انطبقتا لعاد كل شكل يصافح شكله، فكل واحدة شقة الأخرى لا محالة عند ما نشرت انشقت على تلك الأشكال فوضعت كل واحدة بإزاء أختها. والفاصل منها بين كل خضراء وحمراء رخامتان، سعتهما خمسة أشبار لأعداد الأشبار المذكورة. والأشكال

стр. 61

فيها تختلف هيئاتها، وكل أخت منها بإزاء اختها. وقد شدت جوانب هذه الرخامات تكافيف غلظها قدر اصبعين من الرخام المجزع من الأخضر والأحمر المنقطين والابيض ذي الخيلان كأنها انابيب مخروطة يحار الوهم فيها. فاعترضت في هذا الصفح المذكور من فرج الرخام الابيض ست فرج. وفي الصفح الذي عن يسار الداخل، وهو من الاسود الى الركن اليماني، اربع رخامات: اثنتان خضراوان، واثنتان حمراوان. وبينهما خمس فرج من الرخام الابيض. وكل ذلك على الصفة المذكورة. وفي الصفح الذي عن يمين الداخل، وهو من الركن الاسود إلى العراقي، ثلاث: اثنتان حمراون، وواحدة خضراء. ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الابيض وهذا الصفح هو المتصل بالركن الذي فيه باب الرحمة، وسعته ثلاث اشبار، وطوله سبعة، وعضادته التي عن يمينك اذا استقبلته رخامة خضراء في سعة ثلثي شبر. وفي الصفح الذي من الشامي الى العراقي ثلاث: اثنتان حمراوان، وواحدة خضراء. ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الابيض على الصفة المذكورة. ويكلل هذا الرخام المذكور طرتان: واحدة على الاخرى، سعة كل واحدة منهما قدر شبرين، ذهب مرسوم في اللازورد قد خط فيه خط بديع. وتتصل الطرتان بالذهب المنقوش على نصف الجدار الاعلى. والجهة التي عن يمين الداخل لها طرة واحدة، وفي هاتين الطرتين بعض مواضع دراسة. وفي كل ركن من الاركان الاربعة مما يلي الارض رخامتان خضراوان صغيرتان تكتنفان الركن، وتكتنف ايضا كل بابين من الفضة، اللذين في كل ركن كأنهما طاقان، عضادتان من الرخام الاخضر صغيرتان على قدر نقبيهما. وفي أول كل صفح من الصفحات المذكورة رخامة حمراء وفي آخره مثلها، والخضراء بينهما على الترتيب المذكور الا الصفح الذي عن يسار الداخل، فأول

стр. 62

رخامة تجدها متصلة بالركن الاسود رخامة خضراء، ثم حمراء الى كمال الترتيب الموصوف. وبإزاء المقام الكريم منبر الخطيب، وهو ايضا على بكرات أربع شبه التي ذكرناها. فاذا كان يوم الجمعة وقرب وقت الصلاة ضم الى صفح الكعبة الذي يقابل المقام، وهو بين الركن الاسود والعراقي، فيسند المنبر اليه. ثم يقبل الخطيب داخلا على باب النبي، ﷺ ، وهو يقابل المقام في البلاط الآخذ من الشرق الى الشمال لابسا ثوب سواد مرسوما بذهب ومتعمما بعمامة سوداء مرسومة أيضا وعليه طيلسان شرب رقيق، كل ذلك من كسا الخليفة التي يرسلها الى خطباء بلاده يرفل فيها وعليه السكينة والوقار، يتهادى رويدا بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من قومة المؤذنين، وبين يديه ساعيا أحد القومة، وفي يده عود مخروط احمر قد ربط في رأسه مرس من الأديم المفتول رقيق طويل في طرفه عذبة صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضا فتأتي بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه كأنه ايذان بوصول الخطيب، ولا يزال في نفضها الى ان يقرب من المنبر، ويسمونها الفرقعة. فاذا قرب من المنبر عرج الى الحجر الأسود فقبله ودعا عنده ثم سعى الى المنبر والمؤذن الزمزمي، رئيس المؤذنين بالحرم الشريف، ساع أمامه لابسا ثياب السواد أيضا وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد له، فعند صعوده في أول درجة قلده المؤذن المذكور السيف. ثم ضرب بنعلة سيفه فيها ضربة أسمع بها الحاضرين ثم في الثانية. ثم في الثالثة. فاذا انتهى الى الدرجة العليا ضرب ضربة رابعة ووقف داعيا مستقبل الكعبة بدعاء خفي. ثم انفتل عن يمينه وشماله وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فيرد الناس ﵇. ثم يقعد ويبادر المؤذنون بين يديه في المنبر بالأذان على لسان واحد. فاذا فرغوا قام للخطبة فذكر ووعظ وخشع فأبلغ. ثم جلس الجلسة الخطيبية وضرب بالسيف ضربة خامسة. ثم قام للخطبة الثانية فأكثر بالصلاة على محمد، ﷺ ، وعلى آله ورضّى عن أصحابه واختص الأربعة الخلفاء بالتسمية، رضي الله عن جميعهم، ودعا لعمي النبي،

стр. 63

صلى الله عليه وسلم، حمزة والعباس وللحسن والحسين ووالى الترضّي عن جميعهم. ثم دعا لأمهات المؤمنين زوجات النبي، ﷺ ، ورضّى عن فاطمة الزهراء وعن خديجة الكبرى بهذا اللفظ. ثم دعا للخليفة العباسي أبي العباس أحمد الناصر، ثم لأمير مكة مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحسني، ثم لصلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ولولي عهده أخيه أبي بكر بن ايوب. وعند ذكر صلاح الدين بالدعاء تخفق الألسنة بالتأمين عليه من كل مكان. واذا أحب الله يوما عبده ... القى عليه محبة للناس وحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ولما رفعه من وظائف المكوس عنهم. وفي هذا التاريخ أعلمنا بأن كتابه وصل الى الامير مكثر، وأهم فصوله التوصية بالحاج والتأكيد في مبرتهم وتأنيسهم ورفع أيدي الاعتداء عنهم والايعاز في ذلك الى الخدام والاتباع والاوزاع، وقال: انه انما نحن وأنت متقلبون في بركة الحاج. فتأمل هذا المنزع الشريف والمقصد الكريم. واحسان الله يتضاعف الى من احسن الى عباده، واعتناؤه الكريم موصول لمن جعل همه الاعتناء بهم، والله كفيل بجزاء المحسنين، انه ولي ذلك لا رب سواه. وفي أثناء الخطبة تركز الرايتان السوداوان في أول درجة من المنبر ويمسكهما رجلان من المؤذنين، وفي جانبي باب المنبر حلقتان تلقى الرايتان فيهما مركوزتين. فإذا فرغ من الصلاة خرج والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه على الصّفة التي دخل عليها، كأن ذلك أيضا ايذان بانصراف الخطيب والفراغ من الصلاة ثم أعيد المنبر الى موضعه بإزاء المقام. وليلة أهلّ هلال الشهر المذكور، وهو جمادى الأول، بكر أمير مكة مكثر المذكور في صبيحتها الى الحرم الكريم مع طلوع الشمس، وقواده يحفون به والقراء يقرءون أمامه، فدخل على باب النبي، ﷺ ، ورجاله

стр. 64

السودان الذين يعرفونهم بالحرّابة يطوفون أمامه وبأيديهم الحراب. وهو في هيئة اختصار عليه السكينة والوقار وسمت سلفه الكريم، ﵃، لابسا ثوب بياض متقلّدا سيفه مختصرا متعمّما بكرزية صوف بيضاء رقيقة، فلمّا انتهى بإزاء المقام الكريم وقف وبسط له وطاء كتّان فصلّى ركعتين. ثم تقدّم الى الحجر الأسود فقبّله وشرع في الطواف، وقد علا في قبة زمزم صبي، هو أخو المؤذن الزمزمي، وهو أول المؤذنين أذانا، به يقتدون وله يتبعون، وقد لبس أفخر ثيابه وتعمم، فعندما يكمل الأمير شوطا واحدا ويقرب من الحجر يندفع الصبي في اعلى القبة رافعا صوته بالدعاء ويستفتحه بصبّح الله مولانا الأمير بسعادة دائمة ونعمة شاملة. ويصل ذلك بتهنئة الشهر بكلام مسجوع مطبوع حفيل الدعاء والثناء. ثم يختم ذلك بثلاثة أبيات أو أربعة من الشعر في مدحه ومدح سلفه الكريم وذكر سابقة النبوّة، ﵃، ثم يسكت، فإذا أطل من الركن اليماني يريد الحجر اندفع بدعاء على ذلك الاسلوب، ووصله بأبيات من الشعر غير الابيات الأخر في ذلك المعنى بعينه كأنها منتزعة من قصائد مدح بها. هكذا في السبعة الأشواط الى أن يفرغ منها. والقرّاء في اثناء طوافه أمامه. فينتظم من هذه الحال والأبهة وحسن صوت ذلك الداعي على صغره لأنه ابن إحدى عشرة سنة أو نحوها، وحسن الكلام الذي يورده نثرا ونظما، وأصوات القرّاء وعلوّها بكتاب الله، ، مجموع يحرك النفوس ويشجيها ويستوكف العيون ويبكيها، تذكّرا لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرا. فإذا فرغ من الطواف ركع عند الملتزم ركعتين ثم جاء وركع خلف المقام ايضا ثمّ ولّى منصرفا وحلبته تحف به. ولا يظهر في الحرم إلّا لمستهل هلال آخر، هكذا دائما. والبيت العتيق مبني بالحجارة الكبار الصم السمر قد رصّ بعضها على بعض والصقت بالعقد الوثيق إلصاقا لا تحيله الأيام ولا تقصمه الأزمان. ومن العجيب أن قطعة انصدعت من الركن اليماني فسمّرت بمسامير فضّة واعيدت كأحسن ما كانت، والمسامير فيها ظاهرة.

стр. 65

ومن آيات البيت العتيق أنه قائم وسط الحرم كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى. وحمام الحرم لا تحصى كثرة، وهي من الأمن بحيث يضرب بها المثل، ولا سبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامة ولا تحل فيه بوجه ولا على حال. فترى الحمام يتجلى على الحرم كله، فإذا قربت من البيت عرجت عنه يمينا أو شمالا. والطيور سواها كذلك. وقرأت في أخبار مكة أنه لا ينزل عليه طائر إلا عند مرض يصيبه، فإما أن يموت في حينه أو يبرأ. فسبحان من أورثه التشريف والتكريم. ومن آياته أن بابه الكريم يفتح في الأيام المعلومة المذكورة، والحرم قد غص بالخلق، فيدخله الجميع ولا يضيق عنهم بقدرة الله، ، ولا يبقى فيه موضع الا ويصلي فيه كل احد. ويتلاقى الناس عند الخروج منه، فيسأل بعضهم بعضا: هل دخل البيت ذلك اليوم؟ فكل يقول: دخلت وصليت في موضع كذا وموضع كذا حيث صلى الجميع. ولله الآيات البينات والبراهين المعجزات، . ومن عجائب اعتناء الله ﵎ به أنه لا يخلوا من الطائفين ساعة من النهار ولا وقتا من الليل. فلا تجد من يخبر أنه رآه دون طائف به، فسبحان من كرّمه وعظّمه وخلد له التشريف إلى يوم القيامة. وفي أعلى بلاطات الحرم سطح يطيف بها كلها من الجوانب الأربعة، وهو مشرّف كله بشرفات مبسوطة مركّنة، في كل جانب من الشرفة ثلاثة اركان كأنها أيضا شرفات أخر صغار. والركن الأسفل منها متّصل بالركن الذي يليه من الشرفة الأخرى. وتحت كل صلة منها ثقب مستدير في دور الشبر منفوذ يخترقه الهواء يضرب فيه شعاع الشمس أو القمر فيلوح كأنها أقمار مستديرة، يتصل ذلك بالجوانب الأربعة كلها، كأن الشرفات المذكورة بنيت شقة واحدة ثم احدثت فيها هذه التقاطيع والتراكين فجاءت عجيبة المنظر والشكل. وفي النصف من كل جانب من الجوانب الأربعة المذكورة شقّة من الجص

стр. 66

معترضة بين الشرفات مخرّمة فرجيّة طولها نحو الثلاثين شبرا تقديرا، تقابل كل شقة منها صفحا من صفحات الكعبة المقدسة قد علت على الشرفات كالتاج. وللصوامع أيضا اشكال بديعة، وذلك أنها ارتفعت بمقدار النصف، مركنة من الأربعة جوانب بحجارة رائعة النقش عجيبة الوضع، قد أحاط بها شباك من الخشب الغريب الصنعة، وارتفع عن الشباك عمود في الهواء كأنه مخروط مختم كله بالآجر تختيما يتداخل بعضه على بعض بصنعة تستميل الأبصار حسنا. وفي أعلى ذلك العمود الفحل وقد استدار به أيضا شباك آخر من الخشب على تلك الصنعة بعينها. وهي متميزة الأشكال كلها لا يشبه بعضها بعضا. لكنّها على هذا المثال المذكور، من كون نصفها الأول مركنا ونصفها الأعلى عمودا لا ركن له. وفي النصف الأعلى من قبة زمزم والقبة العباسية التي تسمى السقاية والقبة التي تليها منحرفة عنها يسيرا المنسوبة لليهودية، صنعة من قرنصة الخشب عجيبة، قد تأنق الصانع فيها وأحدق بأعلاها شباك مشرجب من الخشب رائق الخلل والتأريج وداخل شباك قبة زمزم سطح وقد قام في وسطه شبه فحل الصومعة. وفي ذلك السطح يؤذن الزمزمي، وقد انخرط من ذلك الفحل عمود من الجص واستقر في رأسه صفحة حديد تتخذ مشعلا في شهر رمضان المعظم. وفي الصفح الناظر إلى البيت العتيق من القبة سلاسل فيها قناديل من زجاج معلقة توقد كل ليلة. وفي الصفح الذي عن يمينه كذلك، وهو الناظر إلى الشمال. وفي كل جانب منها ثلاثة شراجيب مقومة كأنها أبواب قد قامت على سوار من الزجاج صغار لم ير أبدع منها صنعة، منها ما هو مفتول فتل السوار ولا سيّما الجانب الذي يقابل الحجر الاسود من قبة زمزم، فإن سواريه في نهاية من اتقان الصنعة، قد أدير بكل سارية منها رؤوس ثلاثة أو أربعة، وتحت ما بين كل رأس ورأس ... وأحدثت فيه صنائع من النقش عجيبة المنظر، وربما فتل بعضها عن الصفة السواريّة.

стр. 67

وهذا الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من القبة المذكورة تتصل به مصطبة من الرخام دائرة بالقبة يجلس الناس فيها معتبرين بشرف ذلك الموضع لأنه أشرف مواضع الدنيا المذكورة بشرف مواضع الآخرة، لأن الحجر الأسود أمامك والباب الكريم مع البيت قبالتك والمقام عن يمينك وباب الصفا عن يسارك وبئر زمزم وراء ظهرك. وناهيك بهذا! وينطبق على كل شرجب من تلك الشراجيب أعمدة حديد قد تركّب بعضها على بعض كأنها شراجيب أخر. وأحد أركان شباك الخشب المحدق بالقبة العباسية يتصل بأحد أركان شباك القبة اليهودية حتى يتماسا. فمن يكون في أعلى سطح هذه ينفتل إلى سطح الأخرى من الركنين المذكورين. وداخل هذه القباب صنعة من القرنصة الجصّية رائقة الحسن. وللحرم أربعة أئمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية. واشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم، وهم يزيدون في الأذان: «حيّ على خير العمل» إثر قول المؤذن: «حي على الفلاح» ، وهم روافض سبابون، والله من وراء حسابهم وجزائهم، ولا يجمعون مع الناس إنما يصلون ظهرا أربعا، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها. فأوّل الأئمة السنية الشافعي، ﵀، وإنما قدّمنا ذكره لأنه المقدّم من الإمام العبّاسي. وهو أول من يصلي، وصلاته خلف مقام إبراهيم، ﷺ وعلى نبينا الكريم، إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها: يبدأ مؤذن الشافعيّ بالإقامة، ثم يقيم مؤذّنو سائر الأئمة. وربما دخل في هذه الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة. فربما ركع المالكيّ بركوع الشافعي أو الحنفيّ أو سلّم أحدهم بغير سلام إمامه. فترى كل أذن مصيخة لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو. ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس. ثم المالكيّ، ﵀، وهو يصلي قبالة الركن اليماني، وله محراب حجر يشبه محاريب الطرق

стр. 68

الموضوعة فيها. ثم الحنفيّ، ﵀، وصلاته قبلة الميزاب تحت حطيم مصنوع له. وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم آلة من الشمع وسواها بسبب أن الدولة الأعجمية كلها على مذهبه، فالاحتفال له كثير، وصلاته آخرا. ثم الحنبلي، ﵀، وصلاته مع صلاة المالكيّ في حين واحد، موضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني. ويصلي الظهر والعصر قريبا من الحنفي في البلاط الآخذ من الغرب الى الشمال، والحنفيّ يصليهما في البلاط الآخذ من الغرب الى الجنوب قبالة محرابه ولا حطيم له. والشافعيّ بازاء المقام حطيم حفيل. وصفة الحطيم خشبنان موصول بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على تلك الصفة، قد عقدت هذه الخشب على رجلين من الجص غير بائنة الارتفاع. واعترض في أعلى الخشب خشبة مسمرة فيها قد نزلت منها خطاطيف حديد فيها قناديل معلّقة من الزجاج. وربما وصل بالخشبة المعترضة العليا شباك مشرجب بطول الخشبة. وللحنفي بين الرجلين الجصيتين المتعقدتين على الخشب محراب يصلى فيه. وللحنبليّ حطيم معطل هو قريب من حطيم الحنفيّ، وهو منسوب لرامشت أحد الأعاجم ذوي الثراء، وكانت له في الحرم آثار كريمة من النفقات، ﵀. ويقابل الحجر حطيم معطل أيضا ينسب للوزير المقدم بهذا اللفظ المجهول. ويطيف بهذه المواضع كلها، دائر البيت العتيق وعلى بعد منه يسيرا، مشاعيل توقد في صحاف حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف الشريف كله نورا. ويوضع الشمع بين ايدي الأئمة في محاريبهم. والمالكيّ أقلهم شمعا وأضعفهم حالا لأن مذهبه في هذه البلاد غريب. والجمهور على مذهب الشافعي وعليه علماء البلاد وفقهاؤها، إلا الإسكندرية وأكثر أهلها مالكيون وبها الفقيه ابن عوف، وهو شيخ كبير من أهل العلم، بقية الأئمة المالكية. وفي إثر كل صلاة مغرب يقف المؤذن الزمزمي في سطح قبة زمزم، ولها مطلع على أدراج من عود في الجهة التي تقابل باب الصفا، رافعا صوته بالدعاء للإمام العباسي أحمد الناصر لدين الله ثم للأمير مكثر ثم لصلاح الدين امير الشام

стр. 69

وجهات مصر كلها واليمن، ذي المآثر الشهيرة والمناقب الشريفة، فإذا انتهى الى ذكره بالدعاء ارتفعت أصوات الطائفين بالتأمين بألسنة تمدها القلوب الخالصة والنيات الصادقة. وتخفق الألسنة بذلك خفقا يذيب القلوب خشوعا لما وهب الله لهذا السلطان العادل من الثناء الجميل وألقى عليه من محبة الناس وعباد الله شهدائه في أرضه. ثم يصل ذلك بدعاء لأمراء اليمن من جهة صلاح الدين ثم لسائر المسلمين والحجاج والمسافرين، وينزل. هكذا دأبه دائما أبدا. وفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة أصحاب رسول الله، ﷺ ، وبخط يد زيد بن ثابت، ﵁، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله، ﷺ ، وينقص منه ورقات كثيرة. وهو بين دفتي عود مجلد بمغاليق من صفر، كبير الورقات واسعها، عايناه وتبركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه. نفع الله بالنية في ذلك. وأعلمنا صاحب القبة المتولي لعرضه علينا: أن أهل مكة متى أصابهم قحط أو نالتهم شدة في أسفارهم أخرجوا المصحف المذكور وفتحوا باب البيت الكريم ووضعوه في القبة المباركة مع المقام الكريم: مقام الخليل ابراهيم، صلى الله على نبينا وعليه، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين، وبالمصحف الكريم والمقام العظيم الى الله متوسلين. فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك الا ورحمة الله قد تداركتهم، والله لطيف بعباده، لا اله سواه. وبإزاء الحرم الشريف ديار كثيرة لها أبواب يخرج منها اليه. وناهيك بهذا الجوار الكريم! كدار زبيدة ودار القاضي ودار تعرف بالعجلة وسواها من الديار، وحول الحرم أيضا ديار كثيرة تطيف به لها مناظر وسطوح يخرج منها الى سطح الحرم فيبيت اهلها فيه ويبردون ماءهم في اعالي شرفاته، فهم من النظر الى البيت العتيق دائما في عبادة متصلة، والله يهنئهم ما خصهم به من مجاورة بيته الحرام بمنه وكرمه.

стр. 70

وألفيت بخط الفقيه الزاهد الورع أبي جعفر الفنكي القرطبيّ: أن ذرع المسجد الحرام في الطول والعرض ما أثبته أولا، وطول مسجد رسول الله، ﷺ ، ثلاث مئة ذراع، وعرضه مئتان، وعدد سواريه ثلاث مئة، ومناراته ثلاث، فيكون تكسيره أربعة وعشرين مرجعا من المراجع المغربية، وهي خمسون ذراعا في مثلها، وطول مسجد بيت المقدس، أعاده الله للإسلام، سبع مئة وثمانون ذراعا، وعرضه اربع مئة وخمسون ذراعا، وسواريه اربع مئة وأربع عشرة سارية، وقناديله خمس مئة، وأبوابه خمسون بابا، فيكون تكسيره من المراجع المذكورة مئة مرجع وأربعين مرجعا وخمسي مرجع. أبواب الحرم الشريف للحرم تسعة عشر بابا أكثرها مفتح على ابواب كثيرة، حسبما يأتي ذكره إن شاء الله. باب الصفا: يفتح على خمسة أبواب، وكان يسمى قديما بباب بني مخزوم. باب الخلقيين. ويسمى بباب جياد الأصغر مفتح على بابين، هو محدث. باب العباس، ﵁: هو يفتح على ثلاثة أبواب. باب علي، ﵁: مفتح على ثلاثة أبواب. باب النبي، ﷺ : يفتح على بابين. باب صغير أيضا بإزاء باب بني شيبة المذكور: لا اسم له. باب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء. باب دار الندوة: ثلاثة، البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار. فيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين بابا.

стр. 71

باب صغير بإزاء بني شيبة شبه خوخة الأبواب: لا اسم له، وقيل: انه يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط الصوفية. باب صغير لدار العجلة: محدث. باب السّدّة: واحد. باب العمرة: واحد. باب حزورة: على بابين. باب ابراهيم، ﷺ : واحد. باب ينسب لحزورة أيضا: على بابين. باب جياد الأكبر: على بابين. باب جياد الأكبر أيضا: على بابين. باب ينسب لجياد أيضا: على بابين. ومنهم من ينسب البابين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية الى الدقّاقين، والروايات فيها تختلف، لكنّا اجتهدنا في اثبات الاقرب من اسمائها الى الصحة، والله المستعان لا رب سواه. وباب ابراهيم، ﷺ ، هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناسي الفقيه الذي كان إمام المالكية في الحرم، ﵀. وفيها ايضا غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الآخذ من الغرب الى الجنوب وخارجة عنه. وبازاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير اشكال الصوامع المذكورة. فيها تخاريم في الجص، مستطيلة الشكل كأنها محاريب، قد حفّت بها قرنصة غريبة الصنعة. وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقرب من الصومعة ارتفاعها، قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف. وظاهرها ايضا تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قد تركبت دائرة على دائرة. وفحل الصومعة المذكورة على أرجل من الجص مفتّح ما بين كل رجل ورجل. وخارج

стр. 72

باب ابراهيم بئر تنسب اليه، ﵇. وانما بدىء بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب، وهو الذي يخرج عليه الى السعي. وكل وافد الى مكة، شرّفها الله، يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعا ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين الاسطوانتين اللتين أمر المهديّ، ﵀، بإقامتهما علما لطريق رسول الله، ﷺ ، الى الصفا، حسبما تقدّم ذكره. وبين الركن اليماني ست واربعون خطوة، ومنهما الى باب الصفا ثلاثون خطوة. ومن باب الصفا الى الصفا ستّ وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجا، وهو على ثلاثة أقواس مشرّفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت به الديار، وفي سعته سبع عشرة خطوة. وبين الصفا والميل الأخضر ما يأتي ذكره. والميل سارية خضراء، وهي خضرة صباغية. وهي التي الى ركن الصومعة التي على الرّكن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل الى المروة وعن يسار الساعي اليها. ومنها يرمل في السعي الى الميلين الأخضرين، وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة، الواحدة منها بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب، والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الامير مكثر. وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج ألفيت فيه منقوشا برسم مذهب: «ان الصفا والمروة من شعائر الله» ... الآية. وبعدها «أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، أعزّ الله نصره، في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة» . وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة، وهي مسافة الرمل جائيا وذاهبا من الميل الى الميلين. ثم من الميلين الى الميل ومن الميلين الى المروة ثلاث مئة وخمس وعشرون خطوة. فجميع خطا الساعي من الصفا الى المروة أربع مئة خطوة وثلاث وتسعون خطوة. وادراج المروة خمسة، وهي بقوس واحد كبير، وسعتها سعة الصفا سبع

стр. 73

عشر خطوة. وما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية، والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام، وحوانيت الباعة يمينا وشمالا، وما للبلدة سوق منتظمة سواها الا البزازين والعطارين، فهم عند باب بني شيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكاد تتصل بها. وعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس، وهو في الجهة الشرقية، يقابل ركن الحجر الأسود، وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة، ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في اخبار مكة لأبي الوليد الأزرقيّ أنه اول جبل خلقه الله ، وفيه استودع الحجر زمن الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أدى الحجر الى ابراهيم، ﷺ ، وفيه قبر آدم، صلوات الله عليه، وهو أحد أخشبي مكة، والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا الى جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك. وفيه موضع موقف النبي، ﷺ ، عند انشقاق القمر له بقدرة الله . وناهيك بهذه الفضيلة والبركة! والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته، لا اله سواه. وفي أعلاه آثار بناء جص مشيّد كان اتخذه معقلا أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور، فهدمه عليه أمير الحاج العراقي لمخالفة صدرت عنه، فغادره خرابا. وألفيت منقوشا على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية الواحدة من اللتين أقيمتا عاما لطريق النبيّ، ﷺ ، الى الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: «أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله تعالى، بتوسعة المسجد الحرام مما يلي باب الصفا، لتكون الكعبة في وسط المسجد، في سنة سبع وستين ومئة» . فدلّ ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد، وكان يظن بها الانحراف الى جهة باب الصفا، فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل،

стр. 74

فوجدنا الأمر صحيحا حسبما تضمّنه رسم السارية. وتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضا: «امر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة الباب الاوسط، الذي بين هاتين الأسطوانتين، وهو طريق رسول الله، ﷺ ، الى الصفا» . وفي أعلى السارية التي تليها منقوش أيضا: «أمر عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين، أصلحه الله، بصرف الوادي الى مجراه على عهد أبيه ابراهيم، ﷺ ، وتوسعته بالرحاب التي حول المسجد الحرام الحاجّ بيت الله وعمّاره» . وتحتها أيضا منقوش ما تحت الأول من ذكر توسعة الباب الأوسط. والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم، ﷺ ، ومجرا على باب الصفا المذكور، وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم، فكان مدة مدّه بالامطار يطاف حول الكعبة سبحا، فأمر المهدي، ﵀، برفع موضع في أعلى البلد يسمّى رأس الرّدم، فمتى جاء السيل عرّج عن ذلك الردم الى مجراه واستمر على باب ابراهيم الى الموضع الذي يسمّى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجري الماء فيه الّا عند نزول ديم المطر الكثير. وهو الوادي الذي عنى، ﷺ ، بقوله حيث حكى الله ﵎ عنه: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ» ، فسبحان من أبقى له الآيات البيّنات. ذكر مكة المكرمة واثارها هي بلدة قد وضعها الله بين جبال محدقة بها، وهي بطن واد مقدس، كبيرة مستطيلة، تسع من الخلائق ما لا يحصيه إلا الله . ولها ثلاثة أبواب: أولها باب المعلى، ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون. وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية

стр. 75

عليها علم شبيه البرج، يخرج منها إلى طريق العمرة، وتلك الثنية تعرف بكداء، وهي التي عنى حسان بقوله في شعره: تثير النّقع موعدها كداء فقال النبي، ﷺ ، يوم الفتح: ادخلوا من حيث قال حسان. فدخلوا من تلك الثنية. وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي بقوله: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بل نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وبالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين قد دثرت مشاهدهم المباركة وذهبت عن أهل البلد أسماؤهم. وفيه الموضع الذي صلب فيه الحجاج بن يوسف، جازاه الله، جثة عبد الله بن الزبير، ﵄. وعلى الموضع بقية علم ظاهر إلى اليوم، وكان عليه مبنى مرتفع، فهدمه أهل الطائف غيرة منهم على ما كان يجدد من لعنة صاحبهم الحجاج المذكور. وعن يمينك، إذا استقبلت الجبانة المذكورة، مسجد في مسيل بين جبلين، يقال إنه المسجد الذي بايعت فيه الجن النبي، ﷺ وشرف وكرم. وعلى هذا الباب المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود إلى عرفات، جعلنا الله ممن يفوز بالموقف فيها. وهذا الباب المذكور بين الشرق والشمال، وهو إلى المشرق أميل. ثم باب المسفل: وهو إلى جهة الجنوب، وعليه طريق اليمن، ومنه كان دخول خالد بن الوليد، ﵁، يوم الفتح. ثم باب الزاهر: ويعرف أيضا بباب العمرة، وهو غربي، وعليه
следующие страницы →