← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 10895

منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب

عبد العزيز بن حمد آل معمر

Полный текст (538 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على عيسى ﵇، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من فاران بإنزاله القرآن على محمد ﷺ ، وهي جبال مكة. وليس بين المسلمين وأهل الكتاب اختلاف أن فاران هي مكة، وإن ادعى مدع أنها غير مكة. قلنا: أليس في التوراة أن الله أسكن هاجر وإسماعيل فاران، وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه، واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتابا بعد المسيح ﵇! ". قال شيخ الإسلام أبو العباس: وهذه الكتب نور الله، وهداه، ففي الأول جاء، والثاني أشرق والثالث استعلن، فمجيء التوراة كطلوع الفجر، والإنجيل مثل إشراق الشمس، والقرآن بمنزلة ظهور الشمس في السماء، فظهر به نور الله في المشارق والمغارب أعظم مما ظهر بالكتابين، ولهذا سماه الله تعالى سراجا منيرا، وسمى الشمس سراجا وهاجا، والخلق محتاجون إلى الأول أعظم من الثاني. وهذه الثلاثة أقسم الله بها في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ .

стр. 142

فالأول الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك -ومنها بعث المسيح -، والثاني الجبل الذي كلم الله عليه موسى، والبلد الأمين مكة. ولما كان ما في التوراة خبرا عنها أخبر بها على الترتيب الزماني، وأما القرآن فأقسم بها تعظيما لشأنها، فأتى بها على وجه التدريج درجة بعد درجة، فهو من باب الترقي إلى الأعلى مما دونه. ومن ذلك ما جاء في زبور داود ﵇ في مزمور أربعة وأربعين: "فاضت النعمة من شفتيك، من أجل هذا بارك الله لك إلى آخر الأبد. تقلد أيها الجبار بالسيف، فإن شريعتك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة، وجميع الأمم يخرون تحتك". فهذا من أظهر الأدلة على نبوة محمد ﷺ ، فالنعمة التي فاضت من شفتيه هو القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه والسنة التي سنها، وليس يتقلد بالسيف من الأنبياء بعد داود إلا محمدا ﷺ ، وقرنت شرائعه بالهيبة كقوله ﷺ : «نصرت بالرعب» . وهو صريح أنه صاحب شريعة وسنة، وأنها تقوم بسيفه.

стр. 143

وخاطبه بلفظ " الجبار " إشارة إلى قوته وقهره لأعداء الله، وأنه يجبر الخلق بالسيف على الحق، ويصرفهم عن الكفر جبرا - بخلاف المستضعف -، فهو نبي الرحمة، ونبي الملحمة، وأمته أشداء على الكفار رحماء بينهم. بخلاف من كان ذليلا للطائفتين من النصارى أو عزيزا على المؤمنين من اليهود، بل مستكبر. وجاء في الزبور -أيضا- في صفاتهم: " يكبرون الله بأصوات مرتفعة، ويسبحونه على مضاجعهم بأيديهم سيوف ذات شفرتين ". قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: وهذه الصفات إنما تنطبق على محمد ﷺ وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة، في أذانهم، وعلى الأماكن العالية، كما قال جابر: «كنا إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك» . وهم يكبرون بأصوات مرتفعة، في أعيادهم، وفي أيام منى، وعقيب الصلوات، وعلى قرابينهم، وعلى الصفا والمروة وغير ذلك.

стр. 144

وليس هذا لغيرهم، فإن موسى يجمعهم بالبوق، والنصارى لهم ناقوس، والسيوف ذات الشفرتين هي العربية التي فتح بها الصحابة وأتباعهم البلاد. وقوله: " يسبحون على مضاجعهم: أي: يذكرون الله حتى في هذه الحال، ويصلون في البيوت على المضاجع - بخلاف أهل الكتاب -، والصلاة أعظم التسبيح. واليهود لا يكبرون بأصوات مرتفعة، ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين، بل هم مغلوبون مع الأمم، والنصارى تعيب من يقاتل الكفار، وفيهم من يجعله من معايب محمد وأمته. ومن ذلك ما جاء في كتاب إشعياء ﵇ من البشارة به ﷺ يفتح العيون العور، والآذان الصم، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا يعطى أحد، مشفح يحمد الله حمدا جديدا ". فمشمح: محمد بغير شك، كما قال ابن القيم، قال: " واعتباره أنهم يقولون: شفحا لا ها، إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد شفحا، فمشفح محمد ".

стр. 145

والأدلة على نبوته ﷺ من الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى أكثر مما ذكرناه، فلو أنهم تركوا الهوى، واتبعوا الهدى، وصدقوا كتب الله لعرفوا أن محمدا رسول الله، وأن نعوته وصفاته وصفات أمته مسطرة في الكتب التي بأيديهم، وأنه لا عذر لهم في إصرارهم على الكفر به ومخالفته: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ . على أنا لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم، ألم يك فيما أودع الله القرآن دليل على ذلك؟، وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره وهو يقرعهم به دليل على اعترافهم له فإنه يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ . ويقول حكاية عن المسيح ﵇: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ . ويقول: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

стр. 146

ويقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ . وكما قد كان ﷺ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه فكيف يجوز أن يحتج بباطل من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم، ويقول: من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبا، وهم لا يجدونه كما ذكر؟ !، أوليس ذلك مما يزيدهم عنه بعدا، وقد كان غنيا عن أن يدعوهم بما ينفرهم، ويستميلهم بما يوحشهم؟ !. ولو أنهم وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من إتلاف النفوس والأموال، وتخريب الديار!. وكم أسلم من علمائهم، كعبد الله بن سلام، وابني سعنة، وابن يامين، ومخيريق، وكعب الأحبار، وأشباههم من علماء

стр. 147

اليهود، وبحيرى، ونسطور، وصاحب بصرى، وأسقف الشام، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي، ونصارى الحبشة، وأساقف نجران، وغيرهم ممن أسلم من علماء النصارى، وكلهم قد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى. فلولا أنهم يعلمون صدقه فيما قال، ويجدون صفته في الكتب التي بأيديهم، وإلا لكان ذلك مما ينفرهم، ويبعدهم عنه. وقد اعترف بنبوته هرقل، وصاحب دومة عالما النصارى

стр. 148

ورئيساهم، والمقوقس صاحب مصر، وابن صورى، وابن أخطب، وأخوه، وكعب بن أسد، والزبير بن باطيا، وغيرهم من علماء أهل الكتاب ممن حمله حب الرئاسة أو الحسد والنفاسة على البقاء على الشقاء. والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر.

стр. 149

وقد قال الحارث بن عوف لعيينة بن حصن - ورآه جادا في عداوة رسول الله ﷺ ولم يحصل على شيء -: " ألم أقل لك إنك توضع في غير شيء، والله، ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب، يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا نحسد محمدا على النبوة، حيث خرجت من بني هارون، وهو نبي مرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا، ولنا منه ذبحان: واحد بيثرب وآخر بخيابر. قال الحارث قلت لسلام: يملك الأرض جميعا؟ قال: نعم، والتوراة التي أنزلت على موسى، وما أحب أن تعلم بقولي فيه ". ومن هذا استفتاح اليهود على مخالفيهم عند القتال بمجيئه كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .

стр. 150

قال محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن أشياخ منهم قالوا: " فينا - والله - وفيهم - يعني: اليهود الذي كانوا جيرانهم - نزلت هذه القصة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ . قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية، وكنا أهل شرك، وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون: إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به، يقول الله، تعالى -: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ". وقال ابن اسحاق:

стр. 151

أخبرني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله، وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال بشر بن مشكم - أخو بني النضير -: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره، فأنزل الله في ذلك حين قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ الآية.

стр. 152

إذا عرف ذلك فهو من أوضح الأدلة وأكبر الحجج على نبوة محمد ﷺ ، لأنهم ما كانوا يستفتحون به إلا لما يعلمون من نعته وصفاته وزمانه، فلما ظهر ﷺ كفروا به حسدا وبغيا، وجحدوا نبوته. ولا ريب أن استفتاحهم به وجحد نبوته لا يجتمعان، فإن كان استفتاحهم به؛ لأنه نبي كان جحد نبوته محالا، وإن كان جحد نبوته - كما يزعمون - حقا كان استفتاحهم به باطلا. وهذا مما لا جواب لأعداء الله عنه البتة، سوى أن يقولوا: إن هذا الموجود ليس بالذي كنا نستفتح به. وهذا من أعظم الجحد والعناد، فإن الصفات والعلامات التي فيه طابقت ما كان عندهم مطابقة المعلوم لعلمه، فإنكارهم أن يكون هو هذا جحد باللسان مع أن القلب يعرفه معرفة تامة. ولهذا قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ . ثم قال -تعالى-: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ . قال السدي: " ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: بئسما باعوه به أنفسهم، يقول: بئسما اعتاضوا لأنفسهم، ورضوا به، وعدلوا

стр. 153

إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد من تصديقه ومؤازرته ونصرته. وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، ولا حسد أعظم من هذا ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ". قال ابن عباس: غضب بما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم. ثم قال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لما كان كفرهم سببه البغي - ومنشأ ذلك الكبر - قوبلوا بالإهانة، والصغار في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . قال أبو عبد الله ابن القيم في هذه الآية: " هذه حكاية مناظرة بين الرسول وبين اليهود لما قال لهم: آمنوا بما أنزل الله، فأجابوه بأن قالوا: نؤمن بما أنزل علينا. ومرادهم التخصيص، أي: نؤمن بالمنزل علينا غيره، فظهرت عليهم الحجة بقولهم هذا من وجهين:

стр. 154

أحدهما: أنه إن كان إيمانكم به لأنه حق فقد وجب عليكم أن تؤمنوا بما أنزل على محمد، لأنه حق مصدق لما معكم، وحكم الحق الإيمان به أين كان، ومع من كان، فلزمكم الإيمان بالحقين جميعا أو الكفر الصريح، ففي ضمن هذا الشهادة عليهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الأول، ولا بالثاني. وهذا الحكم في كل من فرق الحق، فآمن ببعضه، وكفر ببعضه، كمن آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض، وكمن آمن ببعض الأنبياء، وكفر ببعض، لم ينفعه إيمانه حتى يؤمن بالجميع. ونظير هذا التفريق تفريق من يرد آيات الصفات وأخبارها، ويقبل آيات الأوامر والنواهي، فإن ذلك لا ينفعه، لأنه آمن ببعض الرسالة، وكفر ببعض، فإن كانت الشبهة التي عرضت لمن كفر ببعض الأنبياء غير نافعة، فالشبهة التي عرضت لمن رد بعض ما جاء به النبي ﷺ أولى ألا تكون نافعة، وإن كانت هذه عذرا فشبهة من كذب ببعض الأنبياء مثلها. وكما أنه لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع الأنبياء، ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميعهم، فكذلك لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع ما جاء به الرسول، فإذا آمن ببعضه ورد بعضه فهو كمن كفر به كله.

стр. 155

فتأمل هذا الموضع، واعتبر به الناس على اختلاف طرائقهم يتبين لك أن أكثر من يدعي الإيمان بريء من الإيمان -ولا حول ولا قوة إلا بالله-. الوجه الثاني من النقض: قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ووجه النقض أنكم تزعمون أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم وبالأنبياء الذين بعثوا فيكم، فلم قتلتموهم، وفيما أنزل إليكم الإيمان بهم وتصديقهم؟ فلا آمنتم بما أنزل إليكم، ولا ما أنزل على محمد. ثم كأنه توقع منهم الجواب بأنا لم نقتل من ثبتت نبوته، ولم نكذبه، فأجيبوا على تقدير هذا الجواب الباطل منهم بأن موسى قد جاءكم بالبينات وما لا ريب معه في صحة نبوته، ثم عبدتم العجل بعد غيبته عنكم، وأشركتم بالله، وكفرتم به، وقد علمتم نبوة موسى وقيام البراهين على صدقه، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ . فهكذا تكون الحجج، والبراهين، ومناظرة الأنبياء لخصومهم ". انتهى.

стр. 156

قال محمد بن إسحاق: "حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد -أخي عبد الأشهل - عن سلمة بن سلامة بن وقش -وكان سلمة من أصحاب بدر-، قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنا، فذكر القيامة، والبعث والحساب، والميزان، والجنة، والنار، قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك وأصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك -يا فلان- أوتراها كائنة أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، ولود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا

стр. 157

يحمونه، ثم يدخلونه إياه، فيطبقونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدا. قالوا له: ويحك -يا فلان- فما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد -وأشار بيده إلى مكة واليمن-. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله، ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله، وهو حي بين أظهرنا فآمنا به، وكفر به بغيا وحسدا. قال: فقلنا له: ويحك -يا فلان- ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ولكن ليس به". وأخرج ابن إسحاق أيضا قصة ابن الهيبان، وهو رجل من أهل الشام من اليهود، قدم المدينة على بني قريظة في الجاهلية، ووصف الراوي من فضله، وأنهم كانوا يستسقون به المطر. قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر اليهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: فقلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره، وكنت أرجو أن يبعث

стр. 158

فأتبعه، وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه، يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وبسبي الذراري ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. فلما بعث رسول الله ﷺ وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية، وهم ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعنة وأسد بن عبيد - وكانوا شبابا أحداثا -: يا بني قريظة، والله، إنه للنبي الذي كان عهد إليكم ابن الهيبان. قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا، فأسلموا، فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم. وأخرج الحاكم - صاحب المستدرك -، والبيهقي في " دلائل النبوة " من طريقه بسند لا بأس به كما قال ابن كثير، عن

стр. 159

أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل - صاحب الروم -، ندعوه إلى الإسلام. فذكر الحديث. وأنه أرسل إليهما ليلا. قال: فدخلنا عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة، فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح، واستخراج حريرة سوداء، فنشرها، فإذا صورة حمراء، وإذا رجل ضخم العينين عظيم الإليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله. قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم ﵇. ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا رجل أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية. فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا نوح ﵇. قال: ثم فتح بابا آخر، وأخرج حريرة فيه صورة بيضاء وإذا فيها - والله - رسول الله ﷺ . قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، محمد رسول الله، وبكينا. قال: والله إنه

стр. 160

قام قائما، ثم جلس، وقال: إنه لهو. قلنا: نعم، إنه لهو كأنك تنظر إليه. فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما والله إنه آخر البيوت، ولكني عجلته لأنظر ما عندكم.... الحديث، وفيه ذكر صور الأنبياء إبراهيم، وموسى، وعيسى، وسليمان، وغيرهم. قال: فقلنا له: من أين هذه الصور؟ قال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم. فكان في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبدا لأشركم، ملكه حتى أموت. ثم أجازنا، فأحسن جوائزنا، فسرحنا. فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثنا بما رأينا وبما قال لنا وبما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر، وقال: مسكين، لو أراد الله به خيرا لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم. وبالجملة، فالأخبار باعتراف كثير من اليهود، والنصارى بنبوته والإقرار بصدقه ممن قدمنا ذكرهم، وغيرهم كثيرة مشهورة في كتب الأحاديث والسير. تركنا إيرادها قصد الاختصار.

стр. 161

المقام الثالث قال النصراني: " فصل في الترجيح بين المسيح ومحمد. ولنقيس الآن الخصال، والأحوال المتعلقة بالشريعتين، لننظر أيهما أشرف، وأولى بأن تتبع. ووجه امتحان ذلك هو اعتبار كمال ذلك الشخص، وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته، وأكبر علاماتك اطراح اللذات البدنية، والتهاون بها. فإن هذا أول درجات أهل العلم، فناهيك الأنبياء، وبخاصة التي هي عار علينا كما ذكر أرسطو، ولا سيما قذارة النكاح. ولذلك فضح الله بها كل مدع، ليتبين الحق للمحقين، ولا يضلوا، ولا يغلطوا. وإنما يشوع فهو على ما يعترف به المسلمون المسيح الموعود به في التوراة وكتب الأنبياء، ويسميه محمد بكلمة الله وروحه، ويقول:

стр. 162

إنه لم يكن له أب من البشر، وأما محمد فهو مولود على الطريق المعتاد به في الطبيعة. وكان يشوع ذا صلاح تام في سيرته، حتى لم يطعن في عرضه بشيء. أما محمد فهو صاحب الغزاة والقتال، مغرما بالنساء، كثير النكاح. وكان يشوع قد ارتفع إلى السماء. وأما محمد فهو بقي محبوسا في القبر. فمن ذا الذي لا ينظر أيهما أولى بأن يتبع ". هذا كلامه. فنقول - وبالله التوفيق -: لا ريب أن النظر في التفضيل إنما يكون بين شيئين متقاربين في الفضل مع ثبوت الفضل في كل منهما، فيكون النظر حينئذ نظر ترجيح، بحسب كثرة الفضائل والمحاسن في أحد الشقين. ومعلوم أنه لا نسبة بوجه من الوجوه بين أنبياء الله ورسله وبين الكذبة على الله المتقولين، ولا بين الشرائع التي شرعها -تعالى-، وفرض فرائضها وحدودها على أكمل وجوه الحكمة والمصلحة، وبين مخترعات المخلوقين ومبتدعاتهم، إلا عند أهل الضلالة والجهالة، كهؤلاء النصارى الذين اتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل.

стр. 163

والمقصود أن نصبه الترجيح بين محمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام- وشريعتيهما دليل على اعترافه بفضل محمد ﷺ وشريعته، وهذا يلزم منه أن محمدا حق، ودينه حق، وإلا فأين النسبة بين الحق والباطل، والصدق والكذب؟ !. فهذا الطريق في الترجيح إنما يتوجه مع الاعتراف بحقية كل من الشريعتين، كأن يرجح المسلمون ما هو الحق من أفضلية محمد ﷺ على من سواه من الرسل، وشريعته على ما عداها من شرائع الأنبياء، مع الإيمان بأن كلا منهما من عند الله، وأن الله -تعالى- هو الذي فضل من شاء بما شاء، ورفع بعض الرسل فوق بعض درجات. ولكنه لما كانت شريعة محمد ﷺ شريعة باهرة، وفضائلها ظاهرة، لم يمكن الخصوم إلا الاعتراف بفضلها، وفضل من جاء بها، لما بهرهم من أنوار النبوة، وبهتهم من عظمة نواميس هذه الشريعة الكاملة التي اختارها الله لخيرته من خلقه ولأمته -خير أمة أخرجت للناس-، وجعلها حجة باقية إلى قيام الساعة، لا يتطرق إليها النسخ، ولا يعتريها التبديل والتغيير الذي وقع في الشرائع قبلها، فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، بل لا تزال فيها طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

стр. 164

ولهذا المعنى الذي ذكرناه، كان كل عاقل من اليهود والنصارى -كما قال شيخ الإسلام أبو العباس - يعترف بأن دين الإسلام حق، وأن محمدا رسول الله، وأن من أطاعه منهم دخل الجنة، بل كثير منهم يعترفون أن دين الإسلام خير من دينهم. كما أطبقت على ذلك الفلاسفة، كما قال ابن سينا وغيره: أجمع فلاسفة العالم على أنه لم يطرق العالم ناموس أعظم من هذا الناموس. انتهى. إذا عرف هذا فالله اختار الأنبياء من ولد آدم وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. واختار الرسل منهم، وهم ثلاث مائة وثلاثة عشر، على ما دل عليه من عددهم حديث أبي ذر الذي رواه الإمام أحمد وابن

стр. 165

حبان في صحيحه. ثم اختار منهم أولي العزم الخمسة، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وذكرهم -أيضا- في سورة الشورى. ثم اختار منهم الخليلين: إبراهيم، ومحمدا - صلى الله عليهما وسلم -. واختار منهما محمدا ﷺ . وهو سيد ولد آدم، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، وصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم آخر الأمم خلقا، وأولهم بعثا، فهم كما قال ﷺ في

стр. 166

الحديث الصحيح: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة. بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. فهذا - يعني يوم الجمعة - يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس فيه تبع، غدا لليهود وبعد غد للنصارى» . وقال ﷺ : «أنا أول من تنشق عنه الأرض» . وقال: «آتي باب الجنة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك» . وفضائله وفضائل أمته كثيرة دل عليها خبر صاحب المعجزات الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ونطقت بها الكتب السالفة، وأخبر بها الأنبياء الأقدمون، ودل عليها استقراء سيرهم وأخبارهم. وهذه الجملة مجمع عليها بين المسلمين، وهي أن الله فضل بعض الرسل على بعض، وفضل على الجميع محمدا ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ .

стр. 167

وكذلك أجمعوا على محبتهم وموالاتهم، والإيمان بهم كلهم، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض كحال أهل الكتاب الذين يدعون الإيمان ببعض الرسل، ويكفرون ببعض، ويعظمون بعضهم حتى يجعلوهم آلهة مع الله، ويتنقصون بعضهم، كما فعل هذا النصراني فيما تقدم من كتابه. حيث لم يقتصر على الطعن في سيد المرسلين، إذ كفره سابق على ذلك. بل اعترض -أيضا- على موسى - كليم الرحمن -، ونسبه إلى الشك فيما جاءه من الحق، وارتكاب ما يستحق عليه اللوم، مع اعترافه بأنه رسول الله. فليعتبر الموقن بالله أي الفريقين أولى بالله وبرسله. وقد أجمع المسلمون على أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - معصومون فيما يخبرون به عن الله وفي تبليغ رسالاته، لا خلاف بينهم في ذلك، وإن وقع خلاف فيما دونه. والذي عليه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين أنهم معصومون -أيضا- من الإقرار على الذنوب مطلقا، والمسألة طويلة الأذيال فلا نطيل بذكرها. والمقصود أن الله -تعالى- كما اختار الأنبياء على من سواهم اصطفى لهم من الأخلاق أزكاها، واختار لهم أفضلها وأولاها، وجمع الفضائل التي فرقها فيهم لخاتمهم وسيدهم وأفضلهم محمد

стр. 168

- ﷺ ، كما قال -تعالى- في خطابه له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . قال ابن عباس وغيره: أي على دين عظيم، وسمى الدين خلقا، لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة، وإرادة زاكية، وأعمال ظاهرة وباطنة، موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات، فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها. وهذه كانت أخلاقه ﷺ المقتبسة من القرآن، وهذا من أعظم آيات نبوته، وأدلة رسالته. «ولما سئلت عائشة أم المؤمنين ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ - قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ » . فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلا وتبيينا، علومه علوم القرآن، وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن، ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره.

стр. 169

فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها: «كان خلقه القرآن» . وفهم السائل عنها هذا المعنى، فاكتفى به، واشتفى. فهو ﷺ في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين. وقد خرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن رسول لله ﷺ قال: «بعثت لأتمم صالح الأخلاق» . واعلم أن خصال الفضل والكمال في البشر نوعان، كما قال بعض العلماء: أحدهما: ضروري دنيوي، اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا. والثاني: مكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله زلفى. ثم هي على قسمين: منها ما يتخلص لأحد الوصفين. ومنها ما يتداخل ويتمازج. فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب ككمال الخلقة، وجمال الصورة، وقوة العقل، وصحة الفهم، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس والأعضاء، واعتدال الحركات، وشرف النسب، وعزة العشيرة، وكرم الأرض.

стр. 170

ويلحق بذلك ما تدعو ضرورة الحياة إليه من غذائه، ونومه، وملبسه، وسكنه، ومنكحه، وماله، وجاهه. وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى، ومعونة البدن على طريقها، وكانت على قوانين الشريعة. وأما الخصال المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية من الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب والمعاشرة، ونحوها من الخصال التي جماعها حسن الخلق. وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة، ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة. وإذا نظرت في جميع هذه الخصال بنوعيها وجدت نبينا محمدا ﷺ حائزا لجميعها محيطا بشتات محاسنها من غير خلاف بين نقلة الأخبار بل قد بلغ مبلغ القطع من طرق التواتر الذي لا يمكن القدح فيه. كما نقلت -أيضا- معجزاته ﷺ النقل المتواتر الذي هو الطريق الذي علمت به نبوة موسى وعيسى ومعجزاتهما، وما كان من أخبارهما. فالذي عند المسلمين من العلم بنبيهم ﷺ ،

стр. 171

وشمائله ومعجزاته وسيرته قد حصل عندهم من طريق القطع، فلا يمكن المعارض أن يقدح في ذلك إلا بالقدح في جميع ما جاء عن الأنبياء ﵈. وأما ما فضله الله به من الفضائل التي لا تنال بالاكتساب، ولا تحصل إلا بتخصص منزل الكتاب من فضيلة ختم الأنبياء، ومن الخلة، والمحبة، والاصطفاء، والإسراء، والرؤية، والقرب، والدنو، والوحي والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والأمانة، والهداية، وكونه رحمة للعالمين، وإعطاء الرضى والسؤال والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله والملائكة، والحكم بين الناس بما أراده الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم ... إلى ما لا يحويه كتاب، ولا يحيط به إلا مانحه ذلك ومفضله به - لا إله غيره -، إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة ودرجات القدس ومراتب السعادة والحسنى والزيادة. فكل ذلك إنما علمناه من طريقه، حيث بلغه عن الله مخبرا ومؤديا لأمانته لا مفتخرا.

стр. 172

وطريق إثباته أدلة الرسالة وأعلام النبوة، إذ هو من علم الغيب الذي لا يعلم إلا من طريق الوحي على ألسنة الرسل. ولولا خوف الإطالة لذكرنا من تفاصيل ما أجملناه من أخلاقه الزاكية ما تنشرح به صدور أهل الإيمان، وترغم به أنوف عبدة الصلبان. ولكنا قد بنينا هذا الكتاب على الاختصار، وقصدنا به تحصيل المراد من غير إكثار، فمن أراد التفصيل لهذه الخصال السنية فعليه بمظانها من كتب الشمائل والسير النبوية. ولكنا نذكر من ذلك ما يختص وما تدعو ضرورة الحياة إليه مما يقال: إنه من باب اللذات البدنية، ليتبين أنه ﷺ في هذا الباب - كما هو في غيره - على وفق الكمال البشري المرضي من جميع الوجوه. فاعلم أن الذي تدعو ضرورة الحياة إليه مما أشرنا إليه قبل ثلاثة أقسام: قسم الفضل في قلته. وقسم الفضل في كثرته. وقسم تختلف الأحوال فيه. فاما ما المدح والكمال في قلته اتفاقا عادة وشريعة، كالغذاء،

стр. 173

والنوم، فلم تزل العلماء والحكماء والعرب تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما، لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره وغلبة الشهوة، وسبب لمضار في الدنيا والدين. وقلته دليل على القناعة وملك النفس، وقمع الشهوة سبب لحفظ الصحة، وصفاء الخاطر وحدة الذهن. كما أن كثرة النوم دليل على الضعف، وقلة الذكاء والفطنة، سبب للكسل والعجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب وغفلته وموته. وكان نبينا ﷺ قد أخذ من هذين الفنين بالأقل. هذا ما لا يدفع من سيرته وهو الذي أمر به، وحض عليه، وعلى ذلك كان أصحابه ﵃ والصدر الأول من أمته. ولهذا قال العلماء: " إن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد وصف النبي ﷺ الخلف بعد القرون الفاضلة من أمته بأنه يظهر فيهم السمن ".

стр. 174

وروى الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وصححه الحاكم، من حديث المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه. فإن كان فاعلا لا محالة: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» . وقال الترمذي: " حديث حسن ". قال القرطبي: " لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة ".

стр. 175

وروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض» . رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء. إلا أن نؤتى باللحيم» . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وفي رواية: «ما شبع آل محمد من خبز البر ثلاثا حتى مضى لسبيله» .

стр. 176

وفي أخرى: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم واحد إلا إحداهما تمر» . وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: «ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا، قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي من الجوع، ما يجد من الدقل ما يملاء بطنه» . أخرجه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: «مشيت إلى رسول الله ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة. ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر، ولا صاع حب، وإن عنده يومئذ»

стр. 177

«لتسع نسوة» أخرجه البخاري والنسائي والترمذي. وفي الصحيحين عن عروة عن عائشة قالت: «إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. قال: فقلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» . وقال أنس - خادمه -: «ما أعلم أن رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتى لحق بالله» . رواه البخاري. وعن عائشة - أم المؤمنين - قالت: «توفي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف»

стр. 178

«لي فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني» . رواه البخاري ومسلم. ولهما أيضا عنها، قالت: «توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير» . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا، وهي تدل دلالة واضحة على تقلله ﷺ من تناول الطعام سوى ما تدعو إليه ضرورة البشرية. وكذلك نومه ﷺ كان قليلا، شهدت بذلك الآثار الصحيحة.

стр. 179

وكان ﷺ ينام أول الليل، ويستيقظ في أول النصف الثاني، فيقوم ويتوضأ. ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه تشريعا للأمة، ليقتدوا به، ولا يكلفوا من العمل ما لا يطيقونه، أو يشق عليهم مشقة تحملهم على السآمة من العمل. وكان يحب من العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل، وعلى ذلك حث أمته. وكان ينهاهم عن التشديد على أنفسهم. وفي السنن والمساند عنه ﷺ أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» . وكان يقول: «يسروا ولا تعسروا» . وعنه ﷺ أنه قال: «إنكم أمة أريد بكم»

стр. 180

«اليسر» . أخرجه الإمام أحمد. وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . «وقد أنكر النبي ﷺ على من عزم على التبتل، والاختصاء، وقيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن كل ليلة، كعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون، والمقداد وغيرهم. وقال: لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني» . وأما لباسه ﷺ فهو كما قال القاضي عياض: "كان قد اقتصر منه ما تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه. فكان يلبس ما وجد، فيلبس في غالب أحواله الشملة
следующие страницы →