Полный текст (538 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة، كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ولا جنس بلاغتهم. انتهى ملخصا.
وقد جاء في الأخبار من اعتراف عقلائهم وفصحائهم بالعجز عن معارضته عند سماعه جمل كثيرة.
«ففي قصة عتبة بن ربيعة حين قرأ عليه النبي ﷺ : حم. فصلت، ورجع عتبة إلى قريش، وقال لهم:
" إني - والله - قد سمعت قولا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة.
يا معشر قريش، أطيعوني، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، أجابني بشيء، والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، إنه قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم»
стр. 282
« ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ، فأمسكت، وناشدته الرحم أن يكف.
وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب» ". رواه البيهقي وغيره في خبر طويل.
وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسا، فقال:
" والله ما سمعت بأشر من أخي أنيس، لقد ناقض اثني عشر شاعرا في الجاهلية، أنا أحدهم، وأنه انطلق إلى مكة، وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي ﷺ . قال: قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم، ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون ". رواه مسلم والبيهقي.
стр. 283
«وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة - وكان زعيم قريش في الفصاحة - أنه قال للنبي ﷺ : اقرأ علي. فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . قال: أعد. فأعاد ﷺ فقال: " والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر ".
ثم قال لقومه: " والله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى» ".
وفي خبره الآخر حين جمع قريشا عند حضور الموسم، وقال: إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا. فقالوا: نقول: كاهن. فقال: والله ما هو بزمزمته
стр. 284
ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: والله ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا بوسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه، وقريضه، ومبسوطه، ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده. قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم قائلون من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل ... إلى آخر القصة. رواه ابن إسحاق والبيهقي.
وما أحسن ما قيل: إن هذا القرآن لو وجد مكتوبا في مصحف في فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك، لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله، وأن االبشر لا قدرة لهم على تاليف ذلك. فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق، وأبرهم، وأتقاهم، وقال: إنه كلام الله، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا؟ فكيف يبقى مع هذا شك؟ !.
стр. 285
واعلم أن وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة، وبينها بعض العلماء بما حاصله أنه ينحصر مقصود إعجازه في أمور أربعة، وعدها بعضهم أكثر من ذلك، وهو يرجع إلى ما قلناه.
الأول:
ما فيه من الإيجاز والبلاغة وحسن التركيب، بحيث وصل في كل منها إلى الرتبة العليا لفظا ومعنى، ولهذا اعترف عقلاؤهم وفصحاؤهم أنه لا يقوله بشر. وذكر أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ فسجد، وقال: سجدت لفصاحته.
وسمع آخر رجلا يقررأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ... ، فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
والأخبار عنهم بمثل هذا كثيرة.
ولما سمع نصراني قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . قال: جمعت هذه الآية ما أنزل
стр. 286
على عيسى من أمر الدنيا والآخرة.
ولقد رام بعض سخفاء العقول محاكاة بعض قصار المفصل، فأتى من الهذيان بالعجب العجاب، كقول مسيلمة الكذاب اللعين: " يا ضفدع كم تنقين، أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين ". فلما سمع أبو بكر الصديق هذا الكلام قال: " إنه كلام لم يخرج من إل ". قيل: " الإل " بالكسر هو الله - تعالى - وقيل: " الإل " بالأصل: الجيد. أي لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن.
ولما سمع مسيلمة والنازعات قال: " والزارعات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا،
стр. 287
والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، لقد فضلتم علي أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر ".
وقال معارضا لسورة الكوثر: " إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، إن مبغضك رجل كافر ".
وكقول الآخر: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين شراسيف وحشا ".
وقال آخر: " الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، وشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل ".
وهذا كلام فيه من السخافة ما لا خفاء به على من لا يعلم، فضلا عمن يعلم.
ثم جاء جماعة من المتأخرين ممن انتهت إليهم الرياسة في الفصاحة،
стр. 288
فتعرضوا لمعارضته، كابن المقفع والمعري والمتنبي، ونظراء لهم، فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع، وتنبو عنه الطباع، ونادى عليهم بالخزي والانقطاع، وصيرهم مثلة وسخرية وضحكة إلى أن تاب أكثرهم، وأظهر ندمه ونسكه.
والثاني:
أنه مع كونه من جنس كلام العرب قد جاء في نظمه وأسلوبه مخالفا لسائر فنونه من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع؛ فحير عقولهم، حتى لم يهتدوا إلى مثل شيء منه؛ إذ لا مثال له يحتذى عليه، ولا إمام يرجع عند الاشتباه إليه، وقد حكي عن غير واحد ممن تصدى لمعارضته أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك.
كما حكي عن يحيى بن حكم الغزال - وكان بليغ الأندلس في زمانه - أنه قد رام شيئا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو
стр. 289
على مثالها، وينسج بزعمه على منوالها، فاعترته منه خشية حملته على التوبة والإنابة.
وحكي أيضا أن ابن المقفع - وكان أفصح أهل زمانه - طلب ذلك ورامه، ونظم كلاما، وجعله مفصلا، وسماه سورا، فاجتاز يوما بصبي يقرأ في مكتب: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
فرجع، ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام البشر.
الثالث:
تأثيره في النفوس والقلوب، بحيث تجد من اللذة والحلاوة عند سماعه ما لا تجد عند سماع غيره، ولذلك كان قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة.
стр. 290
قال القاضي عياض:
وأما غيره من الكلام - ولو بلغ من الحسن والبلاغة ما بلغ - يمل مع الترديد، ويعادى إذا عيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات، ويؤنس بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك حتى أحدث لها أصحابها لحونا وطرقا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها.
ولهذا وصف النبي ﷺ القرآن: بأنه " «لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل وليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء» ".
الرابع:
ما فيه من الإحاطة بعلوم الأولين والآخرين، والإخبار بالغيوب الماضية والآتية، وجمعه لعلوم كثيرة لم تتعاط العرب الكلام فيها،
стр. 291
ففيه من الإخبار بالغيوب الآتية شيء كثير، فوقع على ما أخبر كقوله: ... ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ... . وقوله: ... ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾
. وقوله ... ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ... . والآيات في هذا كثيرة.
وفيه - أيضا - من أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية مما لم يكن يعلم القصة الواحدة منه إلا الفرد من أحبار أهل الكتاب، فيأتي به على وجهه، ويعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، ولقمان، وأشباه ذلك من الأنبياء.
قال القاضي عياض:
" ولم يحك عن واحد من اليهود والنصارى على شدة عداوتهم له، وحرصهم على تكذيبه، وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم، وكثرة سؤالهم له ﵊ وتعنتهم إياه عن أخبار أنبيائهم، وأسرار علومهم وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم، مثل: سؤالهم عن الروح، وذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعيسى، وحكم الرجم، وما حرم إسرائيل على نفسه، وغير ذلك من أمورهم
стр. 292
التي نزل القرآن، فأجابهم بما أوحي إليه من ذلك - أنه أنكر ذلك أو كذبه، بل أكثرهم صرح بصدق نبوته، وصدق مقالته، واعترف بعناده وحسدهم إياه كأهل نجران وابن صوريا وابني أخطب وغيرهم ". انتهى.
ولا يرد على هذا ما قدمناه من خبر عيسى، وما في القرآن من مخالفة ما عند النصارى، وفي أنه ما قتل وما صلب؛ لأن الذي عندهم من خبر قتله وصلبه لا يدعون أنه من أخبار الأنبياء، وإنما يعزونه إلى تلاميذ عيسى، وأنهم نقلوا ذلك عمن شاهده، وهم ليسوا بأنبياء، ولا معصومين عن الخطأ.
هذا لو صح أن هذه الكتب محفوظة عنهم، وأنى يعلم ذلك؟ بل فيها من الكذب والتغيير ما أقمنا برهانه فيما تقدم، ولله الحمد.
وأما ما في القرآن من العلوم والمعارف - سوى ما تقدم - مما لم تعهده العرب عامة، ولا سيدنا محمد ﷺ خاصة قبل نبوته، فشيء هو مبلغ النهاية، كما قال الله - تعالى - ... ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ... . وقال عز
стр. 293
من قائل: ... ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ... وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين، والعلوم الإلهية، وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق، والسياسات، والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس، وصلاحها وسعادتها ونجاتها، لم يجد عن الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن.
ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر، فضلا عن أن تحتاج إلى المحدثين المهلمين، أو إلى أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
" «إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» "، فعلق ذلك تعليقا في أمته، مع جزمه به فيمن تقدم؛ لأن
стр. 294
الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدث، كما كانوا محتاجين إلى نبي بعد نبي، وأما أمة محمد ﷺ فأغناهم الله برسولهم وكتابهم عن كل ما سواه، حتى إن المحدث منهم كعمر إنما يؤخذ عنه ما وافق الكتاب والسنة، وإذا حدث شيء في قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب والسنة، فلا يقبله إلا إذا وافقهما.
وهذا باب واسع في فضائل القرآن الذي جاء به محمد ﷺ على ما سواه.
هذا وهو ﷺ رجل أمي لا يخط كتابا، ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس به عالم يعرف أخبار الماضين، ولا خرج في سفر ضاربا إلى عالم، فيعكف عنده، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل، وعلم الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين.
وهذا أدل دليل على أنه أمر جاءه من عند الله؛ ولهذا احتج عليهم بذلك في قوله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .
стр. 295
وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها؛ أي: هذا الكلام ليس من قبلي، ولا من عندي، ولا أقدر أن أفتريه على الله، ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة العلماء والتعلم منهم.
ولكن الله بعثني به، ولو شاء - سبحانه - لم ينزله علي، ولم ييسره بلساني، ولا لسان غيري، ولكنه أوحاه إلي، وأذن لي في تلاوته عليكم، ولا أدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبا وافتراء - كما تقولون - لأمكن غيري أن يتلوه عليكم، وتدرون به من جهته؛ لأن الكذب لا يعجز عنه البشر. وأنتم لم تدروا بهذا، ولم تسمعوه إلا مني، ولم تسمعوه من بشر غيري.
ثم أجاب عن سؤال مقدر، وهو أنه تعلمه من غيره، وافتراه من تلقاء نفسه، فقال: ... ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ ... أي: تعلمون حالي، ولا تخفى عليكم سيرتي ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي، وتعلمون أني ما طالعت كتابا، ولا تتلمذت لأستاذ، ولا تعلمت من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة من عمري جئتكم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة في الأصول والأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، وقد عجز عن معارضته الفصحاء والبلغاء والعلماء.
стр. 296
فكل ذي عقل سليم يعرف أن هذا لا يحصل إلا بالوحي من الله تعالى.
ولما كان علم ذلك ضروريا، وكان إنكار المعلوم بالضرورة يقدح في صحة العقل قال تعالى: ... ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .
فتأمل صحة هذا الدليل، وحسن تأليفه، وظهور دلالته.
قال القاضي أبو الفضل:
" كون القرآن من قبل النبي ﷺ وأنه أتى به، معلوم ضرورة، وكونه متحديا به معلوم ضرورة، وعجز العرب عن الإتيان بمثله معلوم ضرورة، وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوة البلاغة، وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المنكرين من أهلها عن معارضته، واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته ". انتهى.
فعجز العرب عن معارضته حجة قاطعة، ومحجة ساطعة، ومحال أن يلبثوا ثلاثا وعشرين سنة على السكوت عن معارضة آية منه، تستلزم تلك المعارضة نقض أمره، وتفريق أتباعه، وزوال شوكته، وحيازة مرتبته، مع قدرتهم عليها، وطلبها منهم، وقتل أكابرهم، وسبي ذراريهم، وهو لا يزداد إلا تقريعا لهم بعجزهم عن المعارضة، ويقول لهم: إن زعمتم أني افتريته لعلمي بأخبار الأمم فأتوا بمفترى مثله.
стр. 297
فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا تكلفه مصقع، وإلا لظهر ووجد من يستجيده، ويحامي عليه، ويزعم بمجرد الدعوى أنه عارض وناقض، فلما لم يوجد ذلك - مع أن كثيرا منهم هجاه وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته - قطع بعجزهم وتحيرهم وانقطاعهم.
قال أبو سليمان الخطابي:
" وقد كان ﷺ أعقل خلق الله، وقد قطع القول بأن ما أتى به من عند ربه، وأنهم لا يأتون بمثل أقصر سورة منه. فلولا أنه على بينة واضحة من ربه - علام الغيوب - وأنه لا يقع فيما أخبر به خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يمكن أن يكون ". انتهى.
قال بعض العلماء:
إن الذي أورده ﷺ على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب البيان والتقدم في اللسن بكلام مفهم المعنى عندهم، فكان عجزهم عنه
стр. 298
أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص، ولا يتعاطون علمه. وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة، فدل أن العجز عنه إنما كان ليكون علما على رسالته وصحة نبوته.
واعلم أن جمهور العلماء وأهل السنة على أن القرآن معجز بذاته، لا يصح أن يكون مقدورا للبشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن اقتدار الخلق عليها كإحياء الموتى، وقلب العصا، وتسبيح الحصى.
ومن قال: إنه مما تمكن مماثلته، وأنه لا يمتنع أن تأتي به القوة البشرية فهو يقول: أن الله - تعالى - صرف الناس عن معارضته، فالإعجاز في هذا ظاهر - أيضا - لأن الله - تعالى - لما دعا أهل الخطابة والفصاحة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة لسانهم، إلى معارضة القرآن، فعجزوا عن الإتيان بمثله، لم يخف على أولي الألباب أن صارفا إلهيا صرفهم عن ذلك.
وعلى الطرفين فعجز العرب عنه ثابت، فالإعجاز به حاصل.
ولكن الصحيح هو الأول.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
стр. 299
فصل
ومن وجوه إعجازه كونه آية باقية ما بقيت الدنيا، محفوظا من التغيير والتبديل الواقعين في الكتب قبله، كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ .
وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، ولم يبق إلا خبرها. والقرآن العزيز، الباهرة آياته، الظاهرة معجزاته، الذي هو أعظم من كل معجزة، وأبهر من كل آية باق على ما كان، غضا طريا لم يتغير منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وجميع وجوه إعجازه التي ذكرناها ثابتة إلى يوم القيامة، بينة الحجة لكل أمة تأتي.
لا يخفى وجه ذلك على من نظر إليه، وتأمل وجوه إعجازه.
وما أخبر به من الغيوب يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، حتى كأنه يشاهد عيانا، فيتجدد الإيمان، ويتظاهر البرهان، وليس الخبر كالعيان.
والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين، وإن كان كل عندها حقا.
стр. 300
وإلى هذا المعنى - كما قال القاضي عياض - أشار النبي ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " «ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيه أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» ". وهذا لفظ مسلم.
ومما يلحق بإعجازه إخباره بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا، ولا قدروا على ذلك، كقوله لليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
والإعجاز في هذا من وجهين:
من جهة إخباره بأنه لا يكون أبدا، فلم يكن. وهذا أدخل في باب الإخبار بالغيب.
ومن جهة صرف دواعيهم.
стр. 301
وهذا من أعجب الخوارق، أنهم مع حرصهم على تكذيبه لم تنبعث دواعيهم لإظهار تكذيبه بالتمني، بل صرفهم الله عن تمنيه، ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه.
قال أبو محمد الأصيلي:
من أعجب أمرهم أنه لا توجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله بذلك نبيه ﵇ يقدم عليه، ولا يجيب إليه، وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم.
وكذلك آية المباهلة التي نزلت في قصة وفد نجران، حيث نكلوا عن المباهلة، ورجعوا إلى الصلح، وبذلوا الجزية.
وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ....، فما فعلوا، ولا قدروا، ولا يفعلون أبدا.
واعلم أن آية التمني - على ما قرره الحافظ ابن كثير - هي من باب المباهلة، على معنى أنها تضمنت الدعاء بالموت على أي الفريقين أكذب: من اليهود، ومن المسلمين، فقال:
" قال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد
стр. 302
بن جبير عن ابن عباس يقول لله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: اعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ .
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ، أي: لعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات.
قال ابن كثير: وهذا في الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب. ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس، رحمهم الله تعالى.
والمعنى: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء وأحباؤه من دون الناس، وأنكم أهل الجنة ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعو على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة لتستأصل الكاذب لا محالة.
فلما تيقنوا ذلك، وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة، لما يعلمون من كذبهم، وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم.
стр. 303
فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وسميت هذه المباهلة تمنيا، لأن كل محق يتمنى لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره. انتهى.
واعلم أن النصراني - فيما تقدم من كلامه - قسم معجزات نبينا ﷺ إلى ثلاثة أقسام: قسم زعم أنه مما أمكن فعله بحيلة مما تقوم به القوة البشرية، وأراد أن القرآن من ذلك.
وقسم زعم أنه من المحال كانشقاق القمر.
وقسم زعم أنه ليس عليه شهود.
وقد عرفت بما قدمناه الجواب عن القسم الأول، وأن البراهين القوية، والأدلة الصحيحة العقلية شاهدة أن القرآن غير مقدور للبشر، وأنه مما لا يمكن الإتيان به إلا بالوحي من الله .
وعلى التنزل إلى أنه مما يمكن البشر الإتيان به فقد ثبت عجزهم عنه وظهر انقطاعهم، ويكون ذلك على هذا القول بصرف الله إياهم عن معارضته، كما صرف اليهود عن تمني الموت تصديقا لنبيه ﷺ في إخباره أنهم لن يتمنوه أبدا. وكما صرف النصارى عن المباهلة، فقامت الحجة، وانقطعت المعذرة، وجاء الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.
стр. 304
فصل
وأما معجزة انشقاق القمر فهي - كما قال الخطابي - آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات خارجا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى.
وهذه المعجزة دل عليها القرآن، قال الله - تعالى -: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ والمراد وقوع انشقاقه. ويؤيده قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ، فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: (انشق) وقوع انشقاقه، لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، فدل على أن المراد بالآية وقوع انشقاقه في الدنيا، كما دل عليه صريح الأحاديث الآتية.
وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجل نبينا ﷺ فإن كفار قريش لما كذبوه، ولم يصدقوه أعطاه الله - تعالى - هذه الآية العظيمة المتضمنة لثلاث حكم:
الأولى: دلالتها على وحدانية الله - تعالى - وأنه المتفرد بالربوبية
стр. 305
والإلهية، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها من دونه باطلة، لا تنفع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده.
وهذا على طريق القرآن من الاستدلال بتفرده - تعالى - بالخلق والتدبير على أنه هو المعبود وحده.
الثانية: دلالتها على نبوة محمد ﷺ وصحة رسالته حيث أراهم هذه الآية جوابا لاقتراحهم.
الثالثة: أنها دلت على ما أخبرت به الأنبياء من انشقاق السموات يوم القيامة.
قال بعض الأئمة: وجعل الآية فيه دون الشمس والنجوم، لأنه أقرب إلى الأرض، وكان فيه دون سائر أجزاء الفلك، إذ هو الجسم المستدير الذي فيه الانشقاق، فقبول محله أولى.
وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم: أنس بن مالك، وعبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، وغيرهم.
стр. 306
ففي الصحيحين من حديث أنس: " «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما» ".
وفي الصحيحين - أيضا - من حديث ابن مسعود قال: " «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا» ".
وروى الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم، قال: " «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس» ".
стр. 307
وعند أبي داود الطيالسي عن ابن مسعود في حديثه قال: " «فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار "، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار، فأخبروهم بذلك» ".
وبالجملة، فالروايات بهذه الواقعة متعددة، وطرقها متعددة، وعلى وقوعها أجمع علماء الأمة وحفاظها، وتلقاه الخلف عن السلف. قال ابن عبد البر:
" قد روي هذا الحديث - يعني حديث الانشقاق - عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا، وتأيد بالآية الكريمة ".
وقال غيره: إن لهذا الحديث طرقا شتى بحيث لا يمترى في تواتره.
وأما قول النصراني: " ... إنه من المحال يستفظعه العقل ... " فجوابه أن العقل الصحيح المؤيد بنور الإيمان بالله، ورسوله، وأن الله على كل شيء قدير، لا يحيل ذلك، ولا يستبعده، فإن الله - تعالى - هو الذي خلق القمر وجميع المخلوقات، وهي في قبضته وتحت تصرفه،
стр. 308
أوجدها من العدم، وسيعيدها إليه، فلا يستبعد أن يخرق العادة فيها معجزة لرسوله، ودلالة على صدقه، كما جعل العصا حية، وأخرج الناقة من صخرة.
واعلم أن شبهة القائلين باستحالة الانشقاق دعواهم أن الأجرام العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام. وكذا قالوه في إنكارهم فتح أبواب السماء لنبينا ﷺ ليلة المعراج. وما ذكرناه من عموم قدرة الله - تعالى - على جميع الممكنات دليل على عدم الإحالة.
وبمثل هذا أجاب العلماء، كقول أبي إسحاق الزجاج - وهو من متقدمي العلماء -: أنكر بعض المبتدعة - الموافقين لمخالفي الملة - انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله، يفعل فيه ما يشاء، كما يكون يوم القيامة، ويفنيه. انتهى.
ويكفي في الحجة على النصارى في ذلك رفع عيسى ﵇ إلى السماء، فإنهم يعترفون أنه رفع بجسمه فقد حصل برفعه الانخراق والالتئام الذي أنكروه، فبطل قولهم في إحالة الانشقاق، وبقي ثبوته من جهة النقل.
стр. 309
وقد قدمنا أنه بلغ مبلغ التواتر الذي لا يشك فيه، وإن أنكره أهل الكفر والعناد.
وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا لنقل متواترا، واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص به أهل مكة، لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعي متوافرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد. ولو كان لذلك أصل لخلد في كتب السير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه، وإغفاله، مع جلالة شأنه ووضوح أمره.
فأجاب عنه الخطابي وغيره بأن هذه القصة خرجت عن الأمور التي ذكروها، لأنه شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلا، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فسه نياما ومستكنين في الأبنية، والبارز منهم بالصحراء - إن كان يقظانا - يحتمل أنه اتفق أنه كان في ذلك الوقت مشغولا بما يلهيه من سمر وغيره.
ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فيجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر.
وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي يظهر لبعض الآفاق
стр. 310
دون بعض. كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عن قوم كما يجد الكسوف أهل بلد دون أهل بلد آخر.
وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم طوالع عظام، تظهر في الأحيان بالليل في السماء، ولا علم عند أحد منها.
стр. 311
فصل
وأما ما عدا ما تقدم من معجزاته ﷺ ودلائل نبوته فكثيرة جدا، وبسطها يحتمل مجلدات، ولكننا نذكر من عيونها ومشهورها ما هو اللائق بما قصدناه من الاختصار.
فمن ذلك ما أخبر به من المغيبات المستقبلة في القرآن، من ذلك شيء كثير كقوله:
﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ .
وقوله - تعالى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ .... الآية.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ .... الآية.
стр. 312
وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ... الآية.
وقال للمسيح:.... ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .
وقال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ .
وقال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ .... .
وقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .... .
وقال في اليهود:.... ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ .... الآية.
وقال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ... الآية.
стр. 313
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ ... الآية. وتقدمت القصة.
وقال في الوليد بن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ... إلى قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ . وقال عن أبي لهب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ .... . فماتا كافرين.
وقال - تعالى -: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ .... .
وقال: ... ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ .... .
стр. 314
وقال: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ... .
وهذا كله وقع، وحصلت الغنائم الكثيرة، ودخلوا المسجد آمنين ودعيت الأعراب إلى قتال الروم وفارس.
وقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ .
وكان ذلك إخبارا من الله لرسوله باقتراب أجله حينئذ، وكذلك وقع، فما مات ﷺ حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، ولم يبق في بلاد العرب موضع لم يدخله الإسلام.
وقال عن المنافقين في أمرهم مع اليهود فيما وعدهم به من أنفسهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ .... الآية. وكذلك كان.
وضرب الله لهم المثل بالشيطان: ... ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ ... . وقصتهم مشهورة في التفاسير والسير.
وفي الأحاديث الصحيحة مما أخبر بوقوعه فكان ما لا يحصى كثرة.
стр. 315
كما في صحيح البخاري عن عدي بن حاتم ﵁ قال: " «بينما أنا عند رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل، فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. فقال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله - قلت في نفسي: فأين ذعار طي الذين سعروا البلاد - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كنوز كسرى بن هرمز؟ ! قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه ذهبا أو فضة يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه ". قال عدي: " فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم ﷺ يخرج الرجل ملء كفه ذهبا أو فضة فلا يجد من يقبله منه» ".
стр. 316
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «وستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها، فإن لهم ذمة ورحما» ".
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين، الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى»
стр. 317
«أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وأن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أني لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا» ".
وهذا أخبر به ﷺ في أول الأمر وأصحابه في غاية القلة قبل فتح مكة، فكان كما أخبر، فإن ملكهم انتشر في المشرق والمغرب ما بين أرض الهند - أقصى المشرق - إلى بحر طنجة في المغرب، حيث لا عمارة وراءه.
وذلك ما لم تملكه أمة من الأمم، ولم ينتشر في الجنوب والشمال كانتشاره في المشرق والمغرب.
قال بعض العلماء:
لما كانت أمته أعدل الأمم انتشرت دعوته في الأقاليم التي هي وسط المعمور من الأرض.
وفي حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر»
стр. 318
«فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لينفقن كنوزهما في سبيل الله» ". أخرجاه في الصحيحين.
وملك كسرى وقيصر أعز ملك في الأرض، فلم يبق للفرس ملك، وهلك قيصر الذي بالشام وغيرها، فلم يبق من وقت الفتوح العمرية من هو ملك على الشام ولا مصر ولا الجزيرة من النصارى، وهو الذي يدعى قيصر.
وقال في قيصر: " «ثبت الله ملكه» "، فثبت ببلاد الروم، وفي كسرى: " «مزق الله ملكه» "، فلم يبق له ملك.
وهذا كله يصدق بعضه بعضا.
وفي الصحيحين عنه ﷺ : " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» ... " الحديث.
وهذا أخبر به حين كانت أمته أقل الأمم، ثم انتشرت في المشارق والمغارب، وكان كما أخبر، فإنه - ولله الحمد - لم تزل فينا
стр. 319
طائفة ظاهرة بالعلم والدين والسيف، فلم يصب هذه الأمة ما أصاب من قبلها من بني إسرائيل وغيرها، حيث كانوا مقهورين مع الأعداء، بل إن غلبت في قطر كان في قطر آخر طائفة ظاهرة لم يسلط على مجموعها عدو من غيرهم، ولكن وقع بينهم اختلاف وفتن.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» "، فظهرت نار عظيمة على نحو مرحلة من المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، ودامت نحو أربعة وأربعين يوما، وكانت تحرق الحجر، ولا تنضج اللحم، ورؤيت منها أعناق الإبل ببصرى.
وقد أطال المؤرخون في أخبارها بما لا يتسع له هذا الموضع.
وصح عنه ﷺ أنه أخبر بموت النجاشي يوم موته بالحبشة، وصلى عليه بأصحابه.
стр. 320
وأنه وأبا بكر وعمر وعثمان صعدوا أحدا، فتحرك الجبل، فضربه برجله، وقال له: " «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد» "، فاستشهدوا.
وأنه قال لسراقة بن جعشم: " «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» ". فألبسهما عمر له لما زال ملك كسرى في زمنه.
وأخبر بأن ابنته فاطمة ﵂ أول أهله لحوقا به، فكان كذلك.
وأخبر بأن أشقى الأولين عاقر الناقة، والآخرين قاتل علي يضربه في يافوخة، فتبتل من دمها لحيته. فضربه الشقي ابن ملجم ضربة كذلك، فمات منها، ﵁.
следующие страницы →