← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 10895

منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب

عبد العزيز بن حمد آل معمر

Полный текст (538 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «وستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها، فإن لهم ذمة ورحما» ". وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين، الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى»

стр. 317

«أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وأن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أني لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا» ". وهذا أخبر به ﷺ في أول الأمر وأصحابه في غاية القلة قبل فتح مكة، فكان كما أخبر، فإن ملكهم انتشر في المشرق والمغرب ما بين أرض الهند - أقصى المشرق - إلى بحر طنجة في المغرب، حيث لا عمارة وراءه. وذلك ما لم تملكه أمة من الأمم، ولم ينتشر في الجنوب والشمال كانتشاره في المشرق والمغرب. قال بعض العلماء: لما كانت أمته أعدل الأمم انتشرت دعوته في الأقاليم التي هي وسط المعمور من الأرض. وفي حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر»

стр. 318

«فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لينفقن كنوزهما في سبيل الله» ". أخرجاه في الصحيحين. وملك كسرى وقيصر أعز ملك في الأرض، فلم يبق للفرس ملك، وهلك قيصر الذي بالشام وغيرها، فلم يبق من وقت الفتوح العمرية من هو ملك على الشام ولا مصر ولا الجزيرة من النصارى، وهو الذي يدعى قيصر. وقال في قيصر: " «ثبت الله ملكه» "، فثبت ببلاد الروم، وفي كسرى: " «مزق الله ملكه» "، فلم يبق له ملك. وهذا كله يصدق بعضه بعضا. وفي الصحيحين عنه ﷺ : " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» ... " الحديث. وهذا أخبر به حين كانت أمته أقل الأمم، ثم انتشرت في المشارق والمغارب، وكان كما أخبر، فإنه - ولله الحمد - لم تزل فينا

стр. 319

طائفة ظاهرة بالعلم والدين والسيف، فلم يصب هذه الأمة ما أصاب من قبلها من بني إسرائيل وغيرها، حيث كانوا مقهورين مع الأعداء، بل إن غلبت في قطر كان في قطر آخر طائفة ظاهرة لم يسلط على مجموعها عدو من غيرهم، ولكن وقع بينهم اختلاف وفتن. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» "، فظهرت نار عظيمة على نحو مرحلة من المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، ودامت نحو أربعة وأربعين يوما، وكانت تحرق الحجر، ولا تنضج اللحم، ورؤيت منها أعناق الإبل ببصرى. وقد أطال المؤرخون في أخبارها بما لا يتسع له هذا الموضع. وصح عنه ﷺ أنه أخبر بموت النجاشي يوم موته بالحبشة، وصلى عليه بأصحابه.

стр. 320

وأنه وأبا بكر وعمر وعثمان صعدوا أحدا، فتحرك الجبل، فضربه برجله، وقال له: " «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد» "، فاستشهدوا. وأنه قال لسراقة بن جعشم: " «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» ". فألبسهما عمر له لما زال ملك كسرى في زمنه. وأخبر بأن ابنته فاطمة ﵂ أول أهله لحوقا به، فكان كذلك. وأخبر بأن أشقى الأولين عاقر الناقة، والآخرين قاتل علي يضربه في يافوخة، فتبتل من دمها لحيته. فضربه الشقي ابن ملجم ضربة كذلك، فمات منها، ﵁.

стр. 321

وبأن عثمان يقتل ظلما، وبأن المدينة ستغزى، فكانت وقعة الحرة المشهورة على أهل المدينة من جيش يزيد بن معاوية. وأخبر بوقعة الجمل، وصفين، وقتال عائشة والزبير لعلي ﵃ ولذلك «قال علي للزبير لما برز له يومئذ: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنك تقاتله وأنت له ظالم "؟. فانصرف الزبير، وقال: " بلى، ولكني نسيت» ".

стр. 322

وصح عنه ﷺ أنه قال في الحسن ﵁: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ". فكان كذلك يوم التقى مع معاوية. وأخبر بقتل الحسين ﵁ وأخبر ابن عمر أنه سيعمى لما رأى جبرائيل معه في صورة رجل، وأخبر بالخوارج الذين خرجوا على علي، وأن فيهم رجلا إحدى يديه مثل ثدي المرأة، فقاتلهم علي ﵁ وأخرج ذلك الرجل من بين القتلى حتى رآه الناس بالوصف الذي وصفه ﷺ .

стр. 323

وأخبر بالرافضة وبالقدرية، وبأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وبأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهم الذين على ما كان عليه هو وأصحابه ﷺ .

стр. 324

وأخبر أنه ستكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في حلة، ويروح في أخرى، وتوضع بين يديه صحفة، وترفع أخرى، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة، ثم قال في آخر الحديث: " «وأنتم اليوم خير منكم يومئذ» ". وقال: " «يكون في ثقيف كذاب ومبير» ". فرأوهما: المختار بن أبي عبيد الذي ادعى أنه يوحى إليه، والحجاج بن يوسف.

стр. 325

وأنذر بالردة التي وقعت بعد موته. وبأن الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا. فكانت كذلك بمدة الحسن بن علي. وقال: " «إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون عضوضا، ثم تكون عتوا وجبروتا وفسادا في الأمة» ". وأخبر بشأن أويس القرني، وأنه في أمداد اهل اليمن، وأن له أما هو بار بها، وأخبر عمر بصفته، وقال له: " «إن استطعت أن يستغفر لك فافعل» "، وأخبر بأنه مجاب الدعوة.

стр. 326

وأخبر بأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، وبأنه سيكون في أمته ثلاثون كذابا يدعون النبوة. وعنه ﷺ : " «لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس» ". وأنه أخبر بالموتان الذي يكون بعد فتح بيت المقدس، وما وعد من سكنى البصرة، وأن أمته يغزون في البحر كالملوك على الأسرة.

стр. 327

وقال لسعد: " لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون ". وأخبر أبا ذر بتطريده، فكان كما كان، وبموته وحده، وأنه يشهد جنازته طائفة من المسلمين. وقال لعمر في سهيل بن عمرو: " «عسى أن يقوم مقاما يسرك،»

стр. 328

«يا عمر» ". فكان كذلك، قام بمكة مقام أبي بكر يوم بلغه موت النبي ﷺ وخطب بنحو خطبته، وثبتهم، وقوى بصائرهم. وأخبر ﷺ بأشياء كثيرة وقعت في زمانه، كقوله في الرجل الذي أبلى مع المسلمين في الجهاد: " «إنه من أهل النار» ". فقتل نفسه. وقال في حنظلة الغسيل: " «سلوا زوجته عنه، فإني رأيت الملائكة تغسله» ". فسألوها، فقالت: إنه خرج جنبا، وأعجله الحال عن الغسل. وأخبر بالذي غل خرزا من خرز اليهود، فوجدت في رحله،

стр. 329

وبالذي غل الشملة، وبشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة، وبقضية عمير مع صفوان حين ساره، وشارطه على قتل النبي ﷺ فلما جاء عمير إلى النبي ﷺ قاصدا لقتله، وأطلعه رسول الله ﷺ على السر أسلم.

стр. 330

وأخبر بالمال الذي تركه العباس عند أم الفضل بعد أن كتمه، فقال: ما علمه غيري وغيرها. فأسلم. وأخبر بأنه سيقتل أبي بن خلف، فقتله.

стр. 331

وفي عتبة بن أبي لهب أنه يأكله كلب الله. وعن مصارع أهل بدر. فكان كما قال. وأخبر بقتل أهل مؤتة يوم قتلوا، وبينهم مسيرة شهر فأكثر. وقال لخالد لما وجهه لأكيدر: إنك تجده يصيد البقر.

стр. 332

وأخبر بكثير من أسرار المنافقين وكفرهم وقولهم فيه وفي المؤمنين، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت، فوالله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء. وأعلم بصفة السحر الذي سحره لبيد بن الأعصم، وكونه في مشط ومشاطة في جف طلع نخلة ذكر، وأنه ألقي في بئر ذروان. فكان كما قال ﷺ . ووصف لكفار قريش بيت المقدس حين كذبوه في خبر الإسراء. ونعته لهم نعت من عرفه، وأعلمهم بعيرهم التي مر عليها في طريقه، وأخبرهم بوقت وصولها. فكان ذلك كله كما قال. وأما ما أخبر به ﷺ مما لم يقع إلى الآن فكثير جدا، وبحسب هذا النوع من معجزاته ﷺ أن يكون المروي فيه ديوانا مفردا يشتمل على عدة أجزاء. وفيما اشرنا إليه من نكت الأحاديث التي ذكرناها كفاية، وأكثرها في الصحيحين والسنن والمسانيد المشهورة.

стр. 333

وقد روى البخارى ومسلم وأبو داود عن حذيفة - رضى الله عنه - قال: " «قام فينا رسول ﷺ مقاما، فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، وقد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم رآه» ". وأخرج مسلم عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال: " «صلى بنا رسول الله ﷺ يوما الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، وصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، فنزل، وصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا» ".

стр. 334

ومن آياته كلام الشجر له، وسلامها عليه، وطواعيتها له، وشهادتها له بالرسالة. أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لما أوحى الله إلي جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» ". وعن علي ﵁ قال: " «كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله» ". رواه الترمذي، وقال: " حسن غريب ". وأخرج الحاكم في مستدركه بإسناد جيد «عن ابن عمر، قال: " كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ : أين تريد؟ قال: »

стр. 335

«إلى أهلي. قال: هل لك إلى خير؟ قال: وما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال رسول الله ﷺ : هذه الشجرة. فدعاها رسول الله ﷺ وهي على شاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدا، فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها» ... الحديث ". رواه الدارمي - أيضا - بنحوه. وفي حديث جابر بن عبد الله قال: " «سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا بواد أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان في شاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله. فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده. ثم»

стр. 336

«فعل بالأخرى كذلك. حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال: التئما علي بإذن الله - تعالى - فالتأمتا» ". الحديث رواه مسلم. ومن آياته وعجائب معجزاته حنين الجذع شوقا إليه ﷺ . وقد روي عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوعه. فأخرج البخاري من طرق عن جابر ﵁ " «أن رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار: ألا نجعل لك منبرا. قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرا. فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة فنزل رسول الله ﷺ وضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها» ". قال القاضي: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، خرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم:

стр. 337

أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد

стр. 338

الخدري، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة. وقال البيهقي: " قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف ". وقال الشافعي فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في مناقبه: " ما أعطى الله نبيا ما أعطى نبينا محمدا - عليه أفضل الصلاة والسلام -. فقيل له: أعطي عيسى إحياء الموتى، قال: أعطي محمد حنين الجذع حتى سمع صوته فهو أكبر من ذلك ".

стр. 339

ومن آياته كلام الحيوانات وطاعتها له ﷺ - فمن ذلك سجود الجمل، وشكواه إليه. أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: " «كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم، ومنعهم ظهره، وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وأنه استصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا. فقاموا، فدخل الحائط والجمل في ناحية، فمشى رسول الله ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكلب، وإنا نخاف عليك صولته. فقال رسول الله ﷺ : ليس علي منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذل ما كان قط،»

стр. 340

«حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك؟ ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك. فقال رسول الله ﷺ : لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها» ". وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث من طرق تدل على تعدد القصة. ومن ذلك قصة الذئب. أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «عدا الذئب على شاة، فأخذها، فطلبه الراعي فأخذها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، وقال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي. فقال الراعي: يا عجبا! ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره» ... الحديث.

стр. 341

واعلم أن قصة كلام الذئب جاءت من عدة طرق - أيضا - من حديث أبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وجاءت أحاديث - أيضا - في كلام الحمار وكلام الضب وكلام الغزالة، ولكن لا تخلو أسانيدها عن مقال. ومن آياته نبع الماء من بين أصابعه، ﷺ . قال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ . وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا، فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم ". انتهى. وقد روي حديث نبع الماء عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس، وجابر، وابن مسعود.

стр. 342

ففي الصحيحين عن أنس قال: «رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم» . وفي البخاري أنهم ثمانين رجلا. وفي اللفظ: " «فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضأ القوم. قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة» . وفي الصحيحين أيضا عن جابر ﵁ قال: «عطش الناس يوم الحديبية فأتوا رسول الله ﷺ وبين يديه ركوة، فقالوا: ليس عندنا ما نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك. فوضع ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فتوضأنا، وشربنا. قيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة» .

стр. 343

وفي صحيح مسلم عن جابر قصة نبع الماء في غزوة بواط - أيضا - وفيه قال: " «فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، واستدارت، حتى امتلأت، وأمر الناس بالاستقاء، فاستقوا حتى رووا» ... " الحديث. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: " «بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر وليس معنا معنا ماء، فقال لنا رسول الله ﷺ : اطلبوا من معه فضل ماء، فأتي بماء، فصبه في إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» ". أخرجه البخاري والترمذي والنسائي. ومما يشبه ذلك تفجير الماء ببركته وانبعاثه بمسه ودعوته. وروى مسلم في صحيحه «عن معاذ ﵁ قصة عين»

стр. 344

«تبوك أنهم جاؤوها وهي تبض بشيء من ماء مثل الشراك. قال: " ثم غرفوا من العين قليلا قليلا، حتى اجتمع في شيء، ثم غسل وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس» ". وعن ابن اسحاق: " «فانخرق من الماء ما له حس كحس الصواعق» ". وفي صحيح البخاري في غزوة الحديبية من حديث المسور بن مخرمة، ومروان: " «أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش بالري، جتى صدرواعنه» ".

стр. 345

وفي رواية: " «أنه ﷺ توضأ، ومج في بئر الحديبية من فمه، فجاشت بالماء كذلك» ". وفي بعض الطرق عند غير البخاري: " «أنه توضأ في الدلو ومضمض فاه، ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته، فألقاه في البئر، ودعا الله، ففارت بالماء، حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها» ". فجمع بين الأمرين. وفي حديث البراء وسلمة بن الأكوع، «مما رواه البخاري في قصة الحديبية، وهم أربع عشرة مائة، وبئرها لا تروي خمسين شاة، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله ﷺ على جباها. قال البراء: وأتي بدلو منها، فبصق، ودعا - وقال سلمة: فإما دعا، وإما بصق فيها - فجاشت، فأرووا أنفسهم وركابهم» .

стр. 346

وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: " «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل ودعا فلانا، ودعا عليا، وقال: اذهبا، فاسقيا الماء، فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء، فجاءا بها إلى رسول الله ﷺ فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي ﷺ بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكى أفواههما، وأطلق العزالى، ونودي في الناس: اسقوا، واستقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء. وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بها، وأيم الله، لقد أقلع عنها وأنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها» .... " الحديث. وفيه: " «أنها لما أتت إلى قومها قالت: والله، إنه لأسحر الناس كلهم، أو إنه رسول الله، وقالت لهم: فهل لكم في الإسلام؟» .... " الحديث.

стр. 347

وعن أنس قال: " «أصاب الناس سنة على عهد رسول ﷺ فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي، فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع لنا. فرفع يديده وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد حتى الجمعة الأخرى. وقام ذلك الأعرابي أو غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا. فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة في مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحيته إلا حدث بالجود» ". رواه البخاري ومسلم. ومن آياته ﷺ تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه.

стр. 348

في الصحيحين عن جابر في حديثه في غزوة الخندق قال: " «فانكفأت إلى أمرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت النبي ﷺ خمصا شديدا، فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنا صاعا من شعير، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي ﷺ : يا أهل الخندق إن جابرا صنع سؤرا فحي هلا بكم. وقال ﷺ : لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى آتي، فأخرجت له عجينا. فبصق فيه، وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق، وبارك وثم قال: ادع خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم، ولا تنزلوها. وهم ألف. »

стр. 349

«فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو» ". وفي الصحيحين - أيضا - قصة إطعام النبي ﷺ القوم الذين كانوا سبعين أو ثمانين رجلا من أقراص شعير أرسلت بها أم سليم تحت يد أنس، وأنهم كلوا حتى شبعوا. وجاءت روايات عدة عن أنس في هذا المعنى تدل على تعدد القصة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: " «لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: يا رسول الله، ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم بالبركة، فقال: نعم. فدعا بنطع، فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف»

стр. 350

«ذرة، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع من ذلك يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم. فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة» . وفي الصحيحين عن أنس قصة إطعام النبي ﷺ أصحابه، وكانوا زهاء ثلاثمائة رجل، من حيس أرسلت به أم سليم مع أنس، وأنهم أكلوا عشرة عشرة حتى شبعوا. قال أنس: " فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ ". وعن سمرة بن جندب، قال: " «كنا مع النبي ﷺ نتداول من قصعة من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة، ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تمد؟ قال: من أي شيء يعجب؟ ما كانت تمد إلا من ههنا. وأشار بيده إلى السماء» ". رواه

стр. 351

الترمذي والدارمي. وعنه قال: " «أتي النبي ﷺ بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل، يقوم قوم، ويقعد آخرون، فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا من ههنا. وأشار إلى السماء» ". رواه الدارمي، وابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وصححوه، وأبو نعيم. وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: " «كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، وذكر الحديث، وأنه عجن صاع،»

стр. 352

«وصنعت شاة، فشوي سواد بطنها، قال: فما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له من سواد بطنها. ثم جعل منها قصعتين، فأكلنا أجمعون، وفضل في القصعتين، فحملته على البعير» ". رواه البخاري. والأحاديث في مثل هذه كثيرة. ومن آياته إجابة دعائه ﷺ وهذا باب واسع جدا، وإجابة دعوة النبي ﷺ لجماعة بما دعا لهم متواتر على الجملة، معلوم ضرورة. وقد جاء في حديث حذيفة: " «كان رسول الله ﷺ إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده» ". وأخرج البخاري عن أنس قال: " «قالت أمي: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له. قال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما آتيته» ".

стр. 353

وفي رواية: قال أنس: " فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة ". وفي رواية: " وما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، ولقد دفنت بيدي هاتين مئة من ولدي، لا أقول: سقط، ولا ولد ولد ". قال القاضي أبو الفضل: ومن هذا دعاؤه لمعاوية بالتمكين في البلاد، فنال الخلافة. ولسعد بن أبي وقاص أن يجيب الله دعوته، فما دعا على أحد إلا استجيب له، ودعا بعز الإسلام بعمر أو بأبي جهل، فاستجيب له في عمر. قال ابن مسعود: " ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ". وأصاب الناس في بعض مغازيه عطش، فسأله عمر الدعاء، فجاءت سحابة، فسقتهم حاجتهم، ثم أقلعت.

стр. 354

ودعا في الاستسقاء، فسقوا، ثم شكوا إليه ضرر المطر، فدعا، فصحوا. وقال للنابغة: " «لا يفضض الله فاك» " فما سقطت له سن. وفي رواية: " «فكان أحسن الناس ثغرا، إذا سقطت له سن نبتت له أخرى» ". وعاش عشرين ومائة، وقيل أكثر من هذا. ودعا لابن عباس: " «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» ". فسمي بعد الحبر وترجمان القرآن.

стр. 355

ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه، فما اشترى شيئا إلا ربح فيه. ودعا للمقداد بالبركة، فكان عنده غرائر من المال. ودعا بمثله لعروة بن أبي الجعد فقال: " لقد كنت أقوم بالكناسة، فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا ". وقال البخاري في حديثه: " فكان لو اشترى التراب ربح فيه ". ودعا لأم أبي هريرة، فأسلمت.
следующие страницы →