Полный текст (538 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
من بغداد وكان رئيسهم (جنكيزخان) ، ثم (هولاكو) بعده، ووصلوا إلى حلب وأطراف الشام، فالتقوا هناك بالعسكر المصري، فهزمهم الله -تعالى- شر هزيمة في سنة ثمان وخمسين وستمائة، قال السخاوي المؤرخ: " ثم لم يزل لهم بقايا يخرجون إلى أن كان آخرهم تيمور لنك الأعرج، الذي خرج سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة. وبالجملة فلم يبق لهم على المسلمين سلطنة، ولم تستقر لهم دولة ".
стр. 72
وأما الأتراك الذين كانت لهم سلطنة على المسلمين فهم طوائف، وأول حدوثهم في دول الإسلام أيام المعتصم العباسي لكون السبي كثر فيهم إذ ذاك، فاستكثر المعتصم منهم المماليك، حتى كان أكثر عسكره منهم. ثم غلبوا على الملك - كما أشرنا إليه قريبا - حتى قتلوا ابن سيدهم المتوكل ابن المعتصم، ثم خالطت المملكة بنو بويه ملوك الديلم، ثم كانت الملوك السامانية من الترك أيضا، ثم غلب على الممالك آل سبكتكين غلام معز الدولة ابن بويه الديلمي، ثم آل سلجوق، فامتدت مملكتهم من خراسان إلى العراق والشام والروم، ثم كانت حادثة
стр. 73
التتار التي زالت بها الخلافة من بغداد. ثم كانت بقايا أتباع آل سلجوق بالشام، ثم كان أتباع آل زنكي - بنو أيوب اكراد -، فاستكثر بنو أيوب من المماليك الأتراك، فغلبوهم بالديار المصرية والشامية. وكان من هؤلاء الأتراك السلطان الملك المظفر قطز الذي خرج بالعساكر المصرية إلى ملاقاة التتار بالشام في الواقعة التي أشرنا إليها، ثم كانت بعدهم الدولة الجاركسية، وكانوا مماليك للأتراك المذكورين، استكثروا منهم، ثم غلبوهم على المملكة، وهم الذين أخرجهم السلطان الغوري، وكانوا أيضا من الأتراك.
стр. 74
فهذه دولة الأتراك المشهورة في الإسلام، لم يكن ملكهم ودولتهم إلا بالطريق الذي ذكرناها.
وأما التتار فهم - وإن كان قد دخل في الإسلام منهم من شاء الله - فلم يبق لهم على المسلمين دولة، ولم يستقر لهم سلطنة، بل كان آخر أمرهم الدمار والبوار.
ومنشأ غلط النصراني هو من جهة ما يقال: إن سلاطين بني عثمان كانوا في الأصل من التتار، كما هو أحد الأقوال في نسبهم، وهذا وإن كان هو الأصح في نسبهم عند البعض، لكن دولتهم لم تنشأ من جهة التتار ولا كان لهم بها تعلق، وإنما كان ابتداؤها في أطراف الروم مما يلي الشام.
стр. 75
وسبب ذلك أن السلطان عثمان - وهو الذي ينسبون إليه - كان هو وأبوه في خدمة السلطان علاء الدين السلجوقي - ملك تلك الناحية - فترقت بهم الأحوال في خدمته، فتوفي السلطان السلجوقي -، وعثمان في خدمته، ومن أعيان دولته -، ولم يكن بعد السلطان من أهل بيته من يقوم مقامه، فاتفق العسكر على تولية عثمان وتقديمه، فتم له الأمر ولأولاده من بعده، فافتتحوا الديار الرومية، واستقرت بها سلطنتهم، ثم أخذوا ممالك الشام ومصر والحرمين من الجراكسة فيما بعد العشرين وتسعمائة.
стр. 76
النوع الثاني:
قوله: " وقبلوا الشريعة الموافقة لأخلاقهم بغير امتناع ".
فتحت هذا الكلام تمويه باطل، وهو خطأ ظاهر، ثم هو مناقض لما يأتي من كلامه: " أن الشريعة الإسلامية متعلقة بالكلية بالسيف والقتال ".
ولكنه لما سمع بدخول من دخل في الإسلام من التتار بغير إكراه ولا قتال، حاول أن يجعل ذلك ليس من باب الاختيار الذي دعاهم إليه ما عرفوه بعقولهم من صحة دين الإسلام وشرفه، حتى اختاروه على دينهم، وعلى اليهودية والنصرانية، فأحال ذلك على موافقة أخلاقهم.
ومن المعلوم أن من نشأ على دين وجد عليه آباءه وأسلافه والمعظمين عنده، فإنه لا يدعه ويؤثر غيره عليه إلا أن يحمله على ذلك رغبة أو رهبة، أو يدله العقل على فضيلة ما اختاره، فأما خلقه الموافق لهواه فإنه لا يدعوه إلى اختيار دين غير آبائه لا سيما والدين الذي اختاره يتضمن من التكاليف الشاقة على الأنفس ما هو مضاد لهوى النفس.
ولا ريب أن الذين دخلوا في الإسلام من أولئك التتار - وقد كانوا أهل شوكة ودولة - لم يكن لهم داع إلى ذلك من رغبة ولا رهبة، وإنما دخلوا في الإسلام لما رأوا من شرفه وفضله بعد مخالطة المسلمين.
وهذا يدل على معنى ما أشرنا إليه فيما تقدم، ويأتي إيضاحه فيما بعد - إن شاء الله - من أن من الحكمة في شرع الجهاد ليس
стр. 77
إجبار الناس على الدخول في الإسلام بالظاهر دون الباطن، وإنما سيف الجهاد منفذ للشريعة موصل لها إلى أسماع المكلفين؛ حتى يصغوا إليها، فيعلموا أنها الحق، فيعملوا بها باطنا وظاهرا.
ولما كان هؤلاء القوم خالطوا المسلمين، وسمعوا القرآن، ورأوا محاسن الإسلام دعتهم عقولهم إلى استحسانه من غير داع آخر، ولا رغبة ولا رهبة، مع أن إسلام أكثرهم ضعيف من جهة تساهلهم في فعل المأمورات، وترك المحظورات، كما ذكر العلماء بأحوالهم.
واعلم أن السنة النبوية قد أشارت إلى قتال الترك وفتنتهم، فهو من الأعلام الظاهرة على نبوة محمد ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، صغار الأعين، ذلف الأنوف» . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي رواية: «حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه، فطس الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة» .
стр. 78
وفي رواية للبخاري: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم كالمجان المطرقة، نعالهم الشعر» . وفي لفظ: عراض الوجوه.
وجاء عنه ﷺ أنه أخبر: «بأن الترك ستغلب على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم» ، وورد عنه في حديثه: «اتركوا الترك ما تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكها بنو قنطوراء» .
فقد ظهر مصداق ما أخبر به ﷺ في هذه الواقعة كغيرها من الغيوب التي أطلعه الله عليها فوقعت على وفق ما أخبر.
стр. 79
المقام الثاني
قال النصراني:
" فصل في الرد على المسلمين بحجة مأخوذة من الكتب المقدسة التي لليهود والنصارى، وأنهم لم تتغير.
من المشهور المجتمع عليه عند المسلمين، وما قد شهد له محمد أن الله بعث موسى، ويشوع، الذي اسمه في العربية عيسى.
وأن الذين دعوا الناس في أول الأمر إلى قبول شريعة يشوع كانوا من أهل الصلاح، ولكن مع ذلك توجد في القرآن أخبار عدة مخالفة لما أتى به موسى وتلاميذ يشوع.
ومن جملة تلك الأخبار نقتصر على ما أوتي به من أمر يشوع:
فأما الذي حقق رسله وتلاميذه بإجماع منهم كلهم أنه صلب، ومات، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات وشاهده عدة من الناس، وأما المسلمون يزعمون بخلاف ذلك، أنه رفع إلى السماء خفية، وأن المصلوب هو الشخص المشبه به ظنه اليهود أنه هو، وأما يشوع فلم يصلب، ولم يقتل.
ولا سبيل إلى فك هذا الاعتراض إلا أن يقولوا - وهو قولهم -: إن كتب موسى وتلاميذ يشوع لم تبق على ما كانت عليه أولا، إنها تغيرت. وقولهم هذا مما أبطلناه فيما تقدم.
وإنما لو قال أحد: " إن القرآن قد تغير " لأنكر المسلمون ذلك.
стр. 80
وقالوا: إن في إنكارهم ذلك ما يكفي ردا على من يقول: " إنه بدل " ما لم يكن له حجة يستدل بها على صحة قوله. مع أنهم لا يمكنهم أن يستدلوا على صحة كتابهم بما يعادل دلالتنا على صحة كتابنا من حيث انتشار عدة نسخ منذ أول الأمر في جميع الآفاق، لا كحال كتابهم بلسان واحد، بل بلغات عدة، وأنها محفوظة عند الفرق المختلفة. هذا كلامه.
والجواب عنه من وجوه:
الأول:
أن هذا الاعتراض وأمثاله نظير اعتراض اليهود على نبوة عيسى ﵇ واحتجاجهم بأشياء من التوراة التي بأيديهم.
كاعتراضهم في إحلال السبت بأن في التوراة الأمر بالتمسك بالسبت ما دامت السماوات والأرض.
وكاعتراضهم بما في التوراة من وصف زمن المسيح مثل: أنه سيسكن الذئب مع الجمل، والنمر مع الجدي، والأسد مع الضأن وأن الطفل يلاعب الحية، وأن جبل الله سيعلو على سائر الجبال، وأن غير اليهود من الأمم سيأتون ويسجدون لله فيه ... ، إلى غير ذلك من اعتراضات اليهود على نبوة عيسى ﵇.
وليس عند النصارى جواب عن اعتراضهم إلا وعند المسلمين من
стр. 81
الأجوبة عن اعتراض الطائفتين ما هو أظهر وأوضح، كما سيأتي ما يتيسر من ذلك مما يتعلق بغرضنا - إن شاء الله -.
الوجه الثاني:
أن المعجزات الظاهرة والأدلة القاطعة قد قامت على نبوة محمد ﷺ وبعد ثبوت المعجزات فلا التفات إلى مثل هذه الاعتراضات.
كما قد أجاب به النصراني عن شبهات اليهود فلا يبقى إلا التسليم لخبر من قامت المعجزة على صدقه. فلما ثبت بالأدلة القاطعة صدق محمد ﷺ في خبره عن الله علم قطعا كذب كل خبر يخالف ما جاء به.
يوضح ذلك الوجه الثالث:
وهو أن دعوى النصارى قتل المسيح، وصلبه مستندة إلى أخبار من وضع الكتب التي بأيدي النصارى، وهي غير موثوق بها، لما سنبينه من أمرها، ولأنها كانت في أول الأمر بأيدي عدد قليل لا يستبعد تواطؤهم على الكذب والتبديل والتغيير، فلا يعارض بها خبر من جاء بالمعجزات التي لا مرية معها أنه أخبر بما أخبر به عن وحي من الله.
стр. 82
وقد قال الله -تعالى- في الكتاب الذي أنزل عليه فيما ذم به اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
وكان من خبر اليهود أنهم لما بعث الله عيسى بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات التي منها: أنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى - بإذن الله -، ويصور من الطين طائرا، ثم ينفخ فيه، فيكون طائرا يشاهد طيرانه - بإذن الله ... ، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها، فأجراها على يديه.
ومع هذا كذبوه وخالفوه ورموه بالعظائم كما قال -تعالى- في الآية: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ .
قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس:" إنهم رموها بالزنا ".
стр. 83
وكذا قال غير واحد من السلف، وهو ظاهر من الآية، فجعلوها زانية قد حملت بولدها من ذلك. زاد بعضهم: وهي حائض ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ .
أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب وقد قتلناه، وهذا من باب التهكم والاستهزاء كقول المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: يا ذا الذي يدعي لنفسه ذلك، إنك لمجنون.
والمقصود أن اليهود آذوا نبي الله ﵇ بكل ممكن حتى جعل لا يساكنهم في بلد، بل كان يكثر السياحة هو وأمه ﵉ حتى كان آخر ذلك أن سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب من اليونان، وأنهوا إليه أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس، ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك، وكتب إلى نائب بيت المقدس: " أن يحتاط على هذا المذكور، ويصلبه، ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن الناس ". فامتثل والي بيت المقدس ذلك.
وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى ﵇ وهو في جماعة: اثنا عشر، أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة
стр. 84
عشر نفرا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر إقبال السبت فحصروه، فلما أحس بهم، وأنه لا محالة من دخولهم إليه، أو خروجه إليهم قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟
فابتدر لذلك شاب منهم، فاستصغره عن ذلك، فأعادها ثانية، فكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقي عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة في سقف الباب، وأخذت عيسى ﵇ سنة من النوم، فرفع إلى السماء، وهو كذلك كما قال -تعالى-: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ... .
فلما دخل أولئك النفر ورأوا ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى ﵇؛ فأخذوه في الليل، وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم قتلوه، وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى، ذلك بجهلهم وقلة عقلهم ما عدا من كان في بيت المسيح؛ فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت. ويقال: إنه خاطبها. والله أعلم.
وهذا كله امتحان من الله لعباده لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد وضح الله الأمر، وجلاه، وبينه، وأظهره في القرآن الذي
стр. 85
أنزله على رسوله المؤيد بالمعجزات، والبينات، والدلائل الواضحات، فقال -تعالى- وهو أصدق القائلين، ورب العالمين المطلع على السرائر والضمائر الذي يعلم السر في السماوات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه؛ فظنوا أنه إياه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني: من ادعى قتله من اليهود ومن سلمه لهم من جهلة النصارى كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال.
قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " لما أراد
стр. 86
الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج عيسى على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين - يعني فخرج عليهم - من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة.
ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي؛ فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال: أنا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال أنت هو ذاك، فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزتة في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبيه، فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة من بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق:
فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية.
وقالت فرقة: كان عبد الله ورسوله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون.
وقالت طائفة: هو ابن الله، كان فينا ما شاء، ثم رفعه إليه، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ ". وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، قاله الحافظ ابن كثير.
قال " ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه ".
стр. 87
وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال: أيكم يلقى عليه شبهي؛ فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة؟. وللقصة طرق كثيرة ملخص الصحيح منها ما قدمنا.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ .
قال ابن عباس في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: " قبل موت عيسى ".
قال العوفي عنه: " عند نزول عيسى لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به "، وقيل: " قبل موت الكتابي ". والصحيح القول الأول؛ لأن المقصود من سياق الآية كما قال ابن كثير: تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم ذلك من النصارى.
فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبيه،
стр. 88
وأنه رفعه إليه، وأنه باق حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية؛ أي: لا يقبلها من أحد، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف.
وأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه وبعد نزوله إلى الأرض.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل عيسى ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها.
ثم قال أبو هريرة اقرؤوا: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ » .
стр. 89
وروى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
«الأنبياء إخوة العلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان مخضران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقذف الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة في الأرض، ثم ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات، لا تضرهم، فيمكث في الأرض أربعين سنة، فيتوفى، ويصلي عليه المسلمون» .
والأحاديث في هذا المعنى والأخبار بنزول عيسى كثيرة مقطوع بها، وهذا كله معلوم من نعته عند أهل الكتاب.
لكن النصارى ظنوا أن نزوله ومجيئه مرة أخرى إنما يكون يوم القيامة، فغلطوا في مجيئه الثاني، كما غلطوا في مجيئه الأول حيث ظنوا أنه الله.
واليهود أنكروا مجيئه الأول وظنوا أنه غير المبشر به، وصاروا ينتظرون غيره، وإنما بعث إليهم أولا، فكذبوه، فجاء القرآن بالحق من
стр. 90
أمره وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت فيه أقوالهم، وخرجوا عن الحق، فتنقصه اليهود، ورموه بالعظائم، وأطراه النصارى، فادعوا فيه الربوبية - تعالى الله عن قول هؤلاء وقول هؤلاء علوا كبيرا -.
والنصارى لم يؤمنوا بنزوله قبل يوم القيامة لم ينفصلوا عن شبهة اليهود المأخوذة من نعت زمان المسيح المذكور في التوراة - كما أشرنا إليه قريبا -، واضطروا إلى تأويل ذلك الوصف على المجاز البعيد الذي يعلم كل أحد أنه غير مراد.
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على أن الأنبياء أنذرت بالمسيح الدجال، وعلى أن الأنبياء بشروا بالمسيح من ولد داود، ومتفقون على أن مسيح الضلالة له آيات، وعلى أن مسيح الهدى سيأتي أيضا.
ثم المسلمون والنصارى متفقون على أنه عيسى، واليهود تنكر ذلك مع إقرارهم أنه من ولد داود. قالوا: لأنه تؤمن به الأمم كلها، والنصارى مقرون بأنه بعث، وأنه سيأتي، لكن يقولون: يوم القيامة، ليجزي الناس بأعمالهم.
стр. 91
وأما المسلمون فآمنوا بما أخبرت به الأنبياء على وجهه. وهو موافق لما أخبر به خاتم الرسل في الأحاديث المشار إليها.
الوجه الرابع:
ما اعترف به النصراني في المقالة الأولى من كتابه من حصول الاختلاف بين النصارى في صحة بعض هذه الكتب التي هي عمدتهم في الدين - بزعمهم -، وأنهم في أول الأمر شاكون فيها، كرسالة بطرس الثانية، ورسالتي يعقوب ويهوذا، والرسالتان المنسوبتان إلى يوحنا، أي: الرؤيا والرسالة إلى العبرانيين.
ولم يجب النصراني عن هذا الإيراد إلا بأنها كانت مقبولة في بعض الكنائس، ثم بعد ذلك حصل اتفاق النصارى عليها.
стр. 92
ولا ريب عند كل ذي لب صحيح أن هذا يمنع الثقة بشيء من كتبهم، حيث قبلوا ما كان مشكوكا فيه عند أوائلهم أو مردودا مكذوبا، ثم عمدوا إليه، فألحقوه بإنجيل المسيح الذي زعموا أنه لم يغير، ولم يبدل، فإن مثل هذا لا يرتضيه ثقات المؤرخين أن يضعوا في كتبهم ما يكون مستندا إلى الشك وعدم الثقة، فكيف بكتب الشريعة المنسوبة إلى الأنبياء المجعولة عمدة في الدين؟
فهذا أوضح دليل وأظهر برهان على جهالة الأمة الضالة بالعلم الصحيح الموروث عن المسيح ﵇، بل قد التبس عليهم الصدق بالكذب، والصحيح بالسقيم، لأنه ليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة الإسلامية من الأئمة العلماء والسادة الأتقياء، والبررة النجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث، وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه ومنكره
стр. 93
ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال.
كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس عنه. فضلا عن عنايتهم بنقل القرآن وحفظه حتى لا يشك في حرف من حروفه أنه من عند الله، فرضي الله عنهم، وأرضاهم، وجعل جنة الفردوس مأواهم، وقد فعل.
الوجه الخامس:
أن هذه الكتب كما يدل عليه صريح كلام النصراني لم تتلق إلا من صحف وجدت بأيدي النصارى، لا كحال المسلمين في تلقي القرآن من أفواه الثقات المتقنين قرنا بعد قرن، حتى لم يقع اختلاف بينهم في حرف واحد أنه من القرآن.
стр. 94
ولا كنقلهم لحديث رسول الله ﷺ ، وأخباره وسيرته وسيرة أصحابه، حيث رووا ذلك كله بالأسانيد الصحيحة الموثوق برجالها، المعروفين بالصدق والأمانة وتمام الثقة، وميزوا الصحيح من المعلول والمجروح من المقبول كما قال أبو العباس الدغولي: " سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إن الله -تعالى- قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات.
وهذه الأمة الشريفة - زادها الله شرفا بنبيها - إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول فالأطول مجالسة لمن فوقه ممن هو أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث الواحد من عشرين وجها فأكثر، حتى هذبوه من الغلط والزلل، وضبطوا حروفه، وعدوه عدا ".
стр. 95
فهذا من فضل الله على هذه الأمة، فنستودع الله -تعالى- شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه.
قال أبو حاتم الرازي:
" لم يكن في أمة من الأمم - منذ خلق الله آدم - أئمة يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة فقال له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثا لا أصل له؟ فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم ".
الوجه السادس:
أن الاختلاف والتناقض والإخبار بأشياء على غير ما هي عليه واقع في هذه الكتب، فكان ذلك دليلا على التغيير والتبديل، فإن ما كان من عند الله لا يكون فيه اختلاف ولا تناقض.
ومن أمثلة ذلك ما وقع في " إنجيل متى "، وهو عند النصارى أصح الأناجيل وعمدتها، فإنه بعد أن ذكر فيه أن الذي دل اليهود على عيسى بما بذلوا له من الفضة ندم وطرح الفضة في الهيكل عند اليهود ومضى، وخنق نفسه، وأن اليهود قالوا: هذه الفضة لا تحل لنا، فابتاعوا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء.
стр. 96
قال: (حينئذ ثم قيل في أرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين فضة ثمن المثمن الذي أثمنوه من بني إسرائيل، وجعلوها لحقل الفخاري كما أمرني به الرب) . انتهى.
وهذا المذكور لا وجود له في " صحيفة أرميا " التي بأيدي اليهود، كما حقق ذلك من له خبرة بكتبهم. وحينئذ فلا يخلو: إما أن يكون هذا الكلام لا وجود له في " صحيفة أرميا " أصلا، فتكون نسبته إليها من الزيادة في " إنجيل متى ". أو أن يكون قد نقص وحذف من " صحيفة أرميا "، فيكون من تحريف النقصان.
فقد ثبت التحريف إما في العهد العتيق بالنقصان أو في الجديد بالزيادة، وهو المطلوب.
وعندهم مما يدل على التحريف أشياء كثيرة، ولم ينفصلوا عن هذا الإيراد إلا باحتمال أن يكون ذلك من غلط الكاتب، وحينئذ فنقول: إذا احتمل أن يكون من غلط الكاتب، ولم يكن في النصارى إذ ذاك من يبين الغلط، وينفي التحريف، ويصلح التصحيف دل على أنهم قبلوا من ذلك الكاتب ما ألقاه إليهم من هذه الكتب من غير علم بصحتها عمن نسبت إليه، فسقطت الثقة بها.
يقرر ذلك الوجه السابع:
وهو أن هذه الكتب لما لم تتلق إلا من الصحف التي وصفناها كما اعترف به الخصم، وليست بيد من هو معلوم الثقة والأمانة، ولم تنقل
стр. 97
من طريق أهل التواتر، الذي ينفي عنها تطرق التهمة، لم يصح أن يستند إليها في دين الله وشرعه، فكيف يعارض بها ما جاء به صاحب المعجزات القاطعة الذي ظهرت أدلة صدقة أعظم من ظهور الشمس، فقد علم يقينا أن كل ما خالف خبر من دلت المعجزة على صدقه فهو كذب مردود.
وأما ما احتج به النصراني من انتشار نسخ هذه الكتب في الآفاق، فهو غير مفيد للعلم بصحة أصلها، لأنا نقول: لما خالف بعض ما فيها خبر صاحب المعجزة، علمنا أن التغيير قد حصل فيها قبل الانتشار المانع من حصول التواطؤ على الكذب.
وهذا بخلاف ما وقع في نقل القرآن العزيز، فإن الله - تعالى، وله الحمد - قيض له من أسباب الحفظ والضبط ما لم يقع نظيره لغيره من الكتب، حتى حصل تمام اليقين الذي لا يخالجه شك، ولا يرد عليه شبهة أن القرآن الذي تضمنه المصحف هو القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ، وهذا مما يعترف به الموافق والمخالف.
والقول بخلاف ذلك قدح في الضروريات، لأنه من المعلوم بالتواتر الذي لا مرية فيه أن الصحابة تلقوه عن نبيهم، وكتبوه في الصحف في حياته، وإن لم يكن إذ ذاك مجموعا في مصحف واحد.
стр. 98
وأيضا فقد حفظه كله عن ظهر قلب جماعة من الصحابة تلقوه من فم محمد ﷺ من أوله إلى آخره، وتوفي رسول الله ﷺ وأصحابه متوافرون، فألهم الله خليفة رسوله أبا بكر الصديق أن يجمع القرآن في المصحف حداثة العهد بوفاة رسول الله ﷺ وأصحابه متوافرون، فجمعوه بحضور علمائهم، وسباقهم من المهاجرين والأنصار الذين عرفوا كل آية منه، وكل سورة متى نزلت، وفي أي شيء نزلت، وتلقوه غضا طريا عن نبيهم ﷺ ، وأتقنوه علما وعملا.
كما قال الأعمش: عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي:
حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوهن
стр. 99
حتى يعملوا بما فيها من العلم قال: فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.
والمقصود أن القرآن نقل بالتواتر عن محمد ﷺ من أول الأمر حتى لا يتطرق الشك إلى حرف واحد منه أنه من القرآن.
ولم يقيض لمن قبلنا من حفظ الكتب وضبطها ما يقارب ذلك، فإنا قد دللنا على وقوع التحريف والتصحيف في كتب النصارى بما لا يمكنهم دفعه، فضلا عما اعترفوا به من الشك في بعضها من أصله.
وأما كتابنا فإن أحدا لو حاول أن يغير حرفا أو نقطة منه لقال له أهل الدنيا: هذا كذاب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا.
ولم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الكتاب العزيز الذي صانه الله عن التحريف، وحفظه عن التغيير والتصحيف، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوافرة على إفساده وإبطاله، وانقضى الآن ما ينيف على ألف ومائتين وأربعين سنة من أول نزوله وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ.
стр. 100
الوجه الثامن أن دعوى النصارى قتل المسيح وصلبه يناقض دعواهم ربوبيته، حتى صاروا ضحكة للسفهاء، ومثلة عند العقلاء في جمعهم بين النقيضين. وقد قال أبو العلاء المعري:
عجبا للمسيح بين النصارى ... وإلى أي والد نسبوه!
أسلموه إلى اليهود وقالوا: ... إنهم بعد قتله صلبوه
فإن كان ما يقولون حقا ... فسلوهم في اين كان أبوه؟
فإن كان ساخطا بأذاهم ... فاعبدوهم لأنهم غلبوه!
هذا وقد زعموا أن كتابهم الذي بأيديهم تضمن هذين الأمرين الباطلين، واجتماعهما أفسد شيء ببديهة العقل، مع أن كلا منهما باطل وضلال.
فبحيث زعموا أن كتابهم تضمن هذا المحال علمنا قطعا وقوع التغيير والتبديل فيه، وأيضا فدعوى إلهية المخلوق محال في العقل على انفرادها.
وأما عدم قتله وصلبه فإنما علمناه بالسمع.
стр. 101
الوجه التاسع:
أن القرآن جاء بموافقة التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء في الخبر عن الله -تعالى- وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك تفصيلا وبيانا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها.
وهذا معنى كون القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب كما قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ .. .
وقال -تعالى-: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وذلك برهان عظيم على أنه من عند الله، وأن الرسول الذي جاء به صادق.
فإنه لما جاء يطابق ما جاء به من قبله من الرسل مع تباعد الزمان وشهادة أعدائه، وإقرارهم بأنه لم يتلقه من بشر.
стр. 102
ولهذا يمتحنونه بأشياء كانوا يعلمون أنه لا يخبر بها إلا نبي أو من قد أخذ عنه، وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحد البتة، ولو كان ذلك لوجد أعداؤه السبيل إلى الطعن عليه ومعارضته بمثل ما جاء به، إذ من الممكن أن لو كان ما جاء به مأخوذا عن بشر أن يأخذوا هم عن ذلك البشر أو عن نظيره، فيعارضوا ما جاء به.
وسيأتي مزيد لهذا المعنى فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
والمقصود أنه لما طابق الكتب المتقدمة وصدقها وشهد بصحة ما أنزل الله فيها من غير مواطأة ولا اقتباس منها، دل على أن الذي جاء به رسول صادق، كما أن الذي جاء به كذلك، وأن مخرجها من مشكاة واحدة.
كما قال النجاشي - ملك الحبشة وأحد علماء النصارى - حين قرئ عليه القرآن: " هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة "، يعني فإذا كان موسى صادقا وكتابه حقا فهذا كذلك.
стр. 103
حيث أخبر بما أخبر به من غير مواطأة ولا تساعد ولا تلقي عمن أخذ عنه، ويكون ذلك دليلا على صدق الرسول الأول أيضا.
ونظير هذا أن يشهد رجل بشهادة فيخبر فيها بما يقطع معه بأنه صادق في شهادته صدقا لا تتطرق إليه شبهة، فيجيء آخر من بلاد أخرى لم يجتمع بالأول ولم يتواطأ معه، فيخبر بمثل تلك الشهادة سواء، مع القطع بأنه لم يجتمع به ولا تلقاها من أحد اجتمع به.
فهذا يكفي في صدقه إذا تجرد الإخبار، فكيف إذا اقترن بأدلة قطع بها بأنه صادق أعظم من الدلالة التي اقترنت بخبر الأول، فكيف إذا بشر به الأول، فكيف إذا اقترن بالثاني من البراهين الدالة على صدقه نظير ما اقترن بالأول وأقوى منها؟
وكثيرا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن، إذ في ضمنه الاحتجاج على أهل الكتابين على صحة نبوة محمد ﷺ بهذا الطريق.
وهو حجة -أيضا- على غيرهم بطريق اللزوم، لأنه لما جاء بمثل ما جاءوا به من غير أن يتعلم منهم حرفا واحدا دل على أنه من عند الله، وحتى لو أنكروا رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاءوا به إثبات لرسالته ورسالة من تقدمه، ودليل على صحة الكتابين، وصدق الرسولين، لا سيما والكتاب الثاني جاء على يد أمي لم يقرأ كتابا، ولا خطه بيمينه، ولا عاشر أحدا من أهل الكتاب، بل نشأ بين قوم أميين يشاهدون حاله حضرا وسفرا وإقامة.
стр. 104
فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر، ولا في قدرتهم فهو برهان أبين من الشمس، فقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه، وتصديق من تقدمت البشارة به، فتطابقت حجج الله به وبيناته على أيد أنبيائه ورسله، وانقطعت المعذرة، وثبت الحق، وقامت الحجة، فلم يبق إلا العناد المحض، والإعراض والصد.
وأما مخالفة القرآن بعض ما تضمنته بعض تلك الكتب فهو غير قادح في الدليل، فإنه لما جاء القرآن بما فيها من أصول دين الأنبياء والشرائع الكلية، وغير ذلك من سائر ما تضمنته من حجج الله وبيناته كان ذلك دليلا على وقوع التغيير فيها والتبديل، وعلمنا قطعا أن ذلك واقع في الجزء الذي خالف ما جاء به القرآن، إما بزيادة ونقصان في الألفاظ، وإما بتحريف التأويل وإخراج اللفظ عن مدلوله: إما في أصل لفظ لغة ذلك الكتاب، أو في الترجمة باللغة التي نقل إليها. فالقرآن هو المهيمن على تلك الكتب الشاهد بصدقها وكذب ما حرف فيها.
الوجه العاشر:
أن أهل الكتاب قد مزجوا أخبارهم بكتب أنبيائهم، كما هو مشاهد في الإنجيل الذي بيد النصارى، كقصة اليهود مع المسيح، وما زعمه النصارى من قتله وصلبه ودفنه، ثم قيامه من بين الأموات وغير ذلك من الأخبار التي إنما هي محكية عن تلاميذ عيسى وأتباعه، وقد خلطوها مع كتاب الله من غير تمييز بين ما هو عن الأنبياء ﵈، وبين غيره.
стр. 105
وأما كتابنا الذي تكفل الله بحفظه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، فلم يقع فيه زيادة ولا نقص، ولم يختلط كتاب الله بغيره بما قيض الله له من أسباب الحفظ على أيدي نقلته العلماء الأبرار والأتقياء الأخيار؛ فقد كان من تمام اعتنائهم بحفظه أنهم تركوا تدوين أحاديث السنة وكتابتها حذر اختلاط شيء منها بالقرآن حتى انقرض العصر الأول وأمن هذا المحذور.
وإذا أردت أن تعلم سخافة علم النصارى وقلة معرفتهم، فانظر إلى ما أورده هذا النصراني من الانتصار لصحة كتبهم كقوله عند ذكر قتل المسيح وصلبه: " وحيث إنا نصدق المؤرخين فيما أخبروا به عن الأمور التي جرت في زمان طويل قبل ميلادهم معتمدين على اجتهادهم في البحث عنها؛ فبالحري أن يصدق هذا الذي يدعي أنه أخذ جميع ما قال من الذين شاهدوه عيانا ". انتهى.
فانظر إلى سخافة هذا الانتصار لتصحيح الكتب التي جعلوها عمدة للدين أن جعلها أسوة كتب المؤرخين التي يكتب مؤلفوها ما سمعوه من صحيح وسقيم!، فإن العلم الحاصل بذلك لا يفيد يقينا، وإنما يقبل من المؤرخين ما أخبروا به لكون ذلك لا يتعلق به حكم ديني، فتتلقى عنهم تلك الكتب للاطلاع على أحوال الزمان، لا لإثبات قواعد الدين وتصحيح عقائد الملة وأحكام الشريعة.
وبمثل هذه الحجة الواهية احتج على قبول الكتب التي هي من أناجيلهم لم تنسب إلى شخص معين حين قال:
стр. 106
" ولأجل هذا نقبل عدة من كتب التواريخ من حيث إننا ننظر أن مؤلفيها مع أنا نجهل أسماءهم، قد عاشوا في ذلك الزمان، وشاهدوا الأمور التي أتوا بذكرها في كتابهم، وكذلك إن الذين ألفوا الكتب التي نتكلم عنها ادعوا لأنفسهم أنهم عاشوا في الأزمنة الأولى، وأنهم منحوا من الله المواهب الرسولية، فيجب أن يقتنع بهذا " انتهى.
وله في الاحتجاج على صحة كتبهم من هذا النمط من الحجج الواهية ما يكفي سماعه عن الاشتغال برده. وهو من أكبر الحجج عليهم في ضد ما قصدوه، وقد نبهنا على مقاصدها في هذا الفصل بما فيه مقنع لذوي الألباب.
والمقصود من هذا كله أن كتب اليهود والنصارى وما عندهم من العلم قد اختلط فيه الحق بالباطل، والصدق بالكذب فلا نقبل منه إلا ما وافق الحق الذي بأيدينا عمن شهدت بصدقه المعجزات، والأدلة القاطعات، فما وافقه فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل، وما أخبروا به مما لم يشهد له بصدق ولا كذب فهذا لا يقدم على تكذيبه؛ لأنه قد يكون حقا، ولا على تصديقه؛ فلعله يكون باطلا، ولكن يؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط، وهو أن يكون منزلا لا مبدلا.
وقد أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة قال: " «كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل»
стр. 107
«الإسلام فقال رسول الله ﷺ : لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» .
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم» . أخرجه الإمام أحمد.
وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق، أو تصدقوا بباطل» .
وروى البخاري عن ابن عباس قال: " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنا قليلا. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ! لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم ".
стр. 108
فصل
قال النصراني:
" وأما المسلمون فإنهم يدعون أن في الفصل الرابع عشر من إنجيل يوحنا الذي فيه يوعد بإرسال فرقليط قد كان مسطورا ما وصف به نبيهم، وأن النصارى محوه وبدلوه.
ويا ليت شعري، هذا التعبير وقع فيما بعد ظهور نبيهم أو قبل ظهوره:
أما بعد ظهوره فما أمكن تغييره، إذ وجدت - إذ ذاك - عدة نسخ في جميع آفاق الأرض باللغات المختلفة، وهذه النسخ كلها يوافق بعضها بعضا في ذلك الفصل لا خلاف بينها فيه. وأما قبل ظهوره فلا كان لهم ما يدعوهم إلى التغيير والتبديل؛ إذ لم يمكنهم - بسابق علمهم - أن يعرفوا ما كان محمد مزمعا أن يأتي به ".
الجواب - وبالله نستعين -:
اعلم أن في الفصل المذكور مما هو موجود بأيدي النصارى الآن من الدلالة على نبوة محمد ﷺ ، والبشارة به ما هو من أوضح الأدلة. كما سنذكره إن شاء الله -تعالى-.
стр. 109
وقبل ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في معنى التحريف الذي ذكر الله عن أهل الكتاب، فقيل: إنهم كانوا يحرفون اللفظ بلفظ آخر بدليل قوله -تعالى-: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ .
قال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ ، فحرفوه عن مواضعه. وتقدم قريبا من كلام ابن عباس من رواية البخاري.
وروى ابن جرير عن كنانة العدوي عن عثمان بن عفان «عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية.
»
стр. 110
«قال: الويل جبل في النار وهو الذي أنزل في اليهود، وهم الذين حرفوا التوراة؛ زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد من التوراة. ولذلك غضب الله عليهم ورفع بعض التوراة، وقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ » .
قال ابن كثير: " وهذا غريب جدا ". وقال السدي: كان أناس من اليهود كتبوا كتابا عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذون به ثمنا قليلا. وكلام السدي هذا يدل على أن ذلك في قوم مخصوصين كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن
следующие страницы →