← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 10896

نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين

أحمد بن حجر آل بوطامي

Полный текст (142 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ... أما بعد: فيقول الفقير إلى اللَّه أحمد بن حجر: "أنه قد ورد إلي سؤال من أخ عماني فاضل يقول فيه: كنت بالأمس أطالع فصلًا من كتاب (ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين) عن المعتزلة وفلسفتهم الكلامية ومسائلهم الاعتقادية، ومنها مسألة خلق القرآن، وفي هذه المسألة استوقفت نظري العبارة التالية -نقلها عن الحنابلة في (ج٣ ص٣٩) وهي (وفريق آخر من بعض الحنابلة زعم أن القرآن بحروفه وأصواته قديم وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلًا: الجلد والغلاف قديمان فضلًا عن المصحف) . وأشار إلى أنه نقلها من كتاب المواقف (ج٣ ص٧٦) . كما أن الرأي نفسه نقل عنهم من كتاب (نهاية الإقدام) للشهرستاني (ص٣١٣) في عبارة مماثلة فما هو نصيب هذا النقل من الصحة؟ وما هو موقف الفحول الكبار كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من هذا القول؟ أرجو من فضيلتكم توضيح هذه المسألة من جميع جوانبها وإعطائها حقها من البحث والتحليل والتحقيق، والله يرشدكم إلى الصواب ...

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى الأئمة المهتدين أجمعين: أما بعد: فقد كنت أجبت عن هذا السؤال الذي أرسله أخونا الفاضل العماني في عام ١٣٩١هـ - والآن بدا لي أن أراجع السؤال والجواب وأعيد النظر فيهما، وبالفعل قمت بالنظر في السؤال والجواب، وزدت في بعض مواضع الجواب زيادة في الفائدة للقراء والواقفين على هذا السؤال والجواب- أسأل اللَّه أن ينفع بهذا الجواب الشافي، وأن يثيبني في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم. فأقول وبالله التوفيق: قد وقفت على ما ذكره أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام - الجزء الثالث) فإذا هو كما ذكره السائل عنه فقد نقل عن (المواقف) (ونهاية الإقدام) للشهرستاني ما نسباه إلى بعض الحنابلة مما هو مذكور في السؤال بالنص الذي ذكره أحمد أمين، ولكن بالرجوع إلى كتاب المواقف لعضد الملة والدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، وجدت عبارته في المقصد السابع في أن اللَّه متكلم، قال "بعد عبارات ساقها، ثم قال الحنابلة" كلامه حرف وصوت، يقومان بذاته وأنه قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلًا: الجلد والغلاف قديمان فضلًا عن المصحف. فإذا قارنا بين ما نقله أحمد أمين عن المواقف وبين عبارة المواقف وجدنا في العبارة فرقًا؛ لأن عبارة أحمد أمين تقول "وفريق آخر من

стр. 3

بعض الحنابلة زعم، وعبارة المواقف، وقال الحنابلة" ولم تقل للعبارة، وفريق آخر من بعض الحنابلة، ولم تقل زعم بل قالت "قال الحنابلة" وقال: إن القرآن بحروفه وأصواته قديم، والحال أن عبارة المواقف كلامه حرف وصوت يقومان بذاته، وأنه قديم، ولم تقل العبارة: القرآن بحروفه وأصواته قديم، ولا شك أن بين العبارتين فرقا، وبيانه أن قوله: بحروفه إن كان الضمير راجعا للقرآن فهو معقول، لكن وأصواته، فإن كان الضمير للقرآن فهو فاسد، لأن القرآن لا صوت له، وإن كان يقصد صوت القارئ فلم تقل الحنابلة بقدمه كما سيأتي، وعبارة المواقف ليس فيها إضافة إلى الضمير حتى يرد عليها ما يرد على ما نقله أحمد أمين، وإنما قصد صاحب المواقف أن يقول: إن الحنابلة تقول: "كلام اللَّه قديم مع كونه بصوت وحرف خلافًا للأشاعرة" ولا تعطي عبارته صوت القارئ وأنه قديم، وإن بعضهم نسب إليهم هذا. فعبارة أحمد أمين توحي أن كلام المواقف حول القرآن، وليس الأمر كذلك، بل عبارة المواقف عن كلام اللَّه من حيث هو بقطع النظر عن القرآن وغيره، ومن المقارنة بين العبارتين يتبين بكل وضوح أن أحمد أمين لم يتحر الدقة في النقل، ولعله نقل بالمعنى وتصرف فيه، أما قوله: نقلا عن المواقف وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلا: الجلد والغلاف قديمان، فهذه العبارة نقلها صحيح من المواقف (أما كلمة فضلا عن المصحف) فهذه الكلمة من الشراح وليست من متن المواقف. وها أنا أشرع في الجواب بعون الملك الوهاب، فأقول إن هذا السؤال يشتمل على مسألتين: (الأولى) : قوله (وفريق آخر من بعض الحنابلة زعم أن القرآن بحروفه وأصواته قديم) .

стр. 4

فيقال في الجواب: قوله (بحروفه) إن كان الضمير راجعا للقرآن فهو معقول، لكن (وأصواته) فإن كان الضمير للقرآن فهو فاسد كما سبق، لأن القرآن لا صوت له، فماذا يقصد الكتاب أو الناقل، من هذه العبارة. فإن كان يقصد صوت القارئ، فما هنا مرجع إليه، والمرجع هنا هو القرآن، وإن كان يقصد صوت القارئ: فجوابه: لم يقل أحد من الحنابلة أن صوت القارئ قديم -كما سيأتي- بل إطلاق القديم على كلام اللَّه لم يرد عن السلف، ولا عن الإمام أحمد، ولا محققي الصحابة.. نعم قد يطلق بعضهم لفظ قديم على كلام اللَّه تجاوزًا ويقصد بذلك أنه غير مخلوق كما سيأتي في كلام ابن قدامة والسفاريني. وإنما يقولون: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. (ثانيًا) لا مرجع للضمير هنا إلا القرآن -كما سبق- نعم هناك قول لطائفة من أهل الكلام والحديث: أن كلام اللَّه بقطع النظر عن القرآن حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل. وهذا كما ترى ليس من قول الحنابلة، وعلى الفرض أن بعض الحنابلة قال به، فليس خاصا بالحنابلة ولا بالقرآن، على أنه غير معقول ولا مؤيد بالدليل. أما المسألة الثانية وهي: (وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلًا: الجلد والغلاف قديمان فضلًا عن المصحف) . وأشار أحمد أمين إلى أنه نقلها من كتاب المواقف ج٣، ومن نهاية الإقدام للشهرستاني.

стр. 5

افتراء بعض المتكلمين على الحنابلة فالجواب: ليست هذه أول فرية افتراها بعض المتكلمين الذين خالفوا مذهب السلف القويم، وتأثروا بآراء الفلاسفة فزعم بعضهم أن الحنابلة يمثلون الرب بخلقه، أو يجسمونه، تعالى اللَّه عن قولهم علوا كبيرا ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ ، فقد افترى عليهم سالفًا الراضي العباسي وبعض وزرائه وإلى القارئ البيان: قال ابن الأثير في حوادث سنة ٣٢٣هـ.

стр. 6

ذكر فتنة الحنابلة ببغداد وفيها عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون من دور القواد العامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء واعترضوا في البيع والشراء ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوا عن الذي معه من هو؟ فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، إلى أن قال: فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره - ا. هـ. وهنا نسب إليهم أنهم يشبهون اللَّه بخلقه، وأن هيئتهم على هيئة رب العالمين، وأنهم يطعنون على خيار الأئمة، وينسبون آل محمد إلى الكفر، وينكرون زيارة قبور الأئمة ويقولون بنزول اللَّه في كل ليلة إلى السماء الدنيا.

стр. 7

ويظهر أن صاحب الشرطة أو الوزير نقل إلى الخليفة الراضي العباسي عن الحنابلة ما ليس صحيحا في نفس الأمر، ومن أجل ذلك نسب الراضي إليهم ما نسب، ومن جراء ما شحنوه بالأكاذيب والافتراءات عليهم قال في توقيعه (يعني منشوره) الذي نشره تحذيرًا لهم: وأمير المؤمنين يقسم باللَّه قسمًا جهدًا إليه يلزم الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربًا وتشريدًا أو قتلًا وتبديدًا

стр. 8

وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم (من الكامل الجزء السادس) . وزعم بعضهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يعظ على منبر جامع دمشق، وقرأ حديث النزول وقال: "ينزل كنزولي هذا" -يقصد أنه مشبه- وسيأتي رد هذا الزعم. إن خصوم السلف وهم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، يرمون السلف الذين يثبتون للَّه الصفات الواردة في الكتاب وفي صحيح السنة بالتجسيم والتمثيل، لأن هذه الصفات -بزعمهم- من صفات المخلوقين حتى زعم الشهرستاني أن مثبتة الصفات من السلف، قد آل ببعضهم الإثبات إلى التشبيه. وخصصت ذكر الحنابلة، لأنهم هم أكثر الذين يمثلون مذهب السلف ويناضلون عنه سائر الفرق الضالة؛ إذ الممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إله الأرض والسماء. وبرأ اللَّه أهل السنة والجماعة والسلف من أنهم يمثلون اللَّه بخلقه أو يشبهونه.

стр. 9

والشهرستاني على جلالة قدره في علم الكلام لم يحقق مذهب السلف، ولو حقق لعرف أنهم أبرياء مما نسب إليهم؛ إذ المعطلة والمشبهة والمجسمة هم من أهل البدع والضلال، بل قد تؤول عقيدة بعضهم إلى الكفر. وهذه النسب الكاذبة إلى الحنابلة من دعوى التشبيه والتجسيم حصلت أيام الفتن والنزاع بين الحنابلة والشافعية وبين الحنابلة والحنفية وإليك تأييدًا لما قلت ما ذكره ابن الأثير في حوادث ٤٧٥.

стр. 10

ذكر الفتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة ورد إلى بغداد هذه السنة الشريف أبو القاسم البكري المغربي الواعظ وكان أشعري المذهب، وكان قد قصد نظام الملك فأحبه ومال إليه وسيره إلى بغداد وأجرى عليه الجراية الوافرة فوعظ بالمدرسة النظامية، وكان يذكر الحنابلة ويعيبهم ويقول: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ والله ما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا، ثم إنه قصد يوما دار قاضي القضاة أبي عبد اللَّه الدامغاني بنهر القلائين فجرى بين بعض أصحابه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدت إلى الفتنة وكثر جمعه فكبس دور بني الفراء وأخذ كتبهم وأخذ منها كتاب الصفات لأبي يعلى فكان يقرأ بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ فيشنع به عليهم، وجرى له معهم خصومات وفتن ولقب البكري من الديوان بعلم السنة ومات ببغداد ودفن عند قبر أبي الحسن الأشعري (انتهى من الكامل لابن الأثير الجزء الثاني) .

стр. 11

أقول: لقد ابتلي المسلمون بمثل هؤلاء العلماء كأبي القاسم البكري السالف الذكر الذين جمدوا على التقليد ونبذوا الأخذ بالدليل، وفرقوا من جراء ذلك شمل المسلمين بتعصبهم الممقوت لمذهبهم وعقيدتهم، وإن كان في نفس الأمر فيها وفي المذهب ما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة كاعتقادهم تأويل آيات الصفات جريا وراء مذهب المعتزلة والجهمية، والتقليد في الفروع ولو خالف نص الكتاب والسنة في بعض المسائل وإلا فلو لم يكن فيهم هذا الداء الوبيل، داء التأويل والتعطيل والتقليد ما عاب أبو القاسم الحنابلة ولا ذمهم، فأي عيب فيهم ومذهبهم في الأصول والفروع معروف، مذهبهم في العقيدة هو المذهب الصحيح من الإيمان باللَّه وبأسمائه وصفاته كما جاء في الكتاب والسنة إيمانا لا يشوبه تعطيل ولا تمثيل وحاشاهم عن التشبيه والتمثيل، وكذب أبو القاسم فيما عابه به عليهم وعفا اللَّه عنه. وقال بعضهم، ناسبا إلى الحنابلة: إن القرآن قديم: وأصوات القراء قديمة، بل والمداد الذي يكتبون به قديم، بل زعم بعضهم بقدم الجلد والغلاف، حتى تهكم بعضهم وقال: ما بالهم لا يقولون بقدم الكاتب والمجلد، إلى غير ذلك من

стр. 12

الافتراءات الباطلة، والاختلاقات الكاذبة التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان. وما أدري كيف يوثق بعلم هؤلاء وبكتبهم وهم يفترون هذه الأكاذيب على جمهور من المسلمين، وصفوة أمة محمد سيد المرسلين. وكيف ينقل زيد بن عمرو، وعمرو عن خالد من غير أن يرجع إلى كتب من نقل عنهم هذا القول ونسب إليهم؟ ... وكيف يكون المرء عالما محققا، إذا لم يمحص البحث ويحققه من جميع نواحيه، وينسب الأقوال إلى مصادرها الموثوقة؟. أما مجرد أن يرى عبارة في كتاب لعالم يقول فيها قال العالم الفلاني، أو في المذهب الفلاني كذا، بدون ذكر المصدر فينقلها ناسبًا إياها إلى ذلك العالم أو المذهب، جازمًا بصحتها، فلا يكون محققا، ولا ينبغي أن يوثق بكلامه أو نقله، لأنه لم يبنه على دليل صحيح من نقل صحيح أو عقل رجيح. فهؤلاء الذين نسبوا إلى الحنابلة هذه الأقوال السخيفة، التي لا تصدر إلا عن ملحد أو مبتدع ضال أرعن يعوزهم إثبات ذلك بنقل صحيح من

стр. 13

مصدر موثوق به، وها أنا بعون اللَّه وتوفيقه أبين بطلان هذه النسب الكاذبة التي لم يخش اللَّه ناسبوها ولم يتصفوا بالحياء ولا بالعقل الرجيح، فأقول وبالله التوفيق: لا يخفى أن الحنابلة إمامهم أحمد بن حنبل، والإمام أحمد لم تخف مكانته العلمية، واتباعه للسنة المطهرة في عقائده وأقواله وأفعاله ومذهبه، وله مؤلفات عديدة، ولابنه عبد اللَّه مؤلفات، وقد بنى مذهبه في الأصول أعني العقائد - على الكتاب والسنة الصحيحة. وإليك الآن بيان مذهب أحمد وعقيدته وأتباعه في الأصول والفروع، وأن عقيدتهم تمثل مذهب السلف الصالح، كما أن مذهبهم في الفروع مؤيد بالكتاب والسنة وبالإجماع والقياس الصحيح.

стр. 14

(مذهب الإمام أحمد وأتباعه في الأصول والفروع) الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى هو الذي أظهر مذهب السلف وناضل عنه، -وإن كانت الأئمة كلهم ﵏ على ذلك- فالإمام أحمد وأتباعه تابعون للسلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، لا يؤولون في صفات اللَّه ولا يشبهون اللَّه بخلقه، ولا يكيفون بل يقولون نؤمن بما ورد، فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، فيقولون للَّه علم يليق به، وللمخلوقين علم يليق بهم، وليس علم اللَّه كعلم المخلوق، ولله سمع يليق به، وللمخلوقين سمع يليق بهم، وليس سمع اللَّه كسمع المخلوق وهكذا سائر الصفات.

стр. 15

ومن صفاته الكلام، فيقولون: كلام اللَّه لا يشبه كلام المخلوق وكلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. ومن المستحسن أن أذكر مذهب الإمام أحمد وأتباعه في الأصول، أعني العقائد باختصار: وذلك أنهم يؤمنون باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فيشهدون أن

стр. 16

الله هو الرب الإله المعبود، المنفرد بكل كمال فيعبدونه وحده مخلصين له الدين. فيقولون أن اللَّه هو الخالق البارئ المصور الرزاق المعطي المانع المدبر لجميع الأمور. وأنه المألوه المعبود الموحد المقصود، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء. وأنه العلي الأعلى بكل معنى واعتبار، علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر. وأنه على العرش استوى استواء يليق بعظمته وجلاله، ومع علوه المطلق وفوقيته، فعلمه محيط بالظواهر والبواطن والعالم العلوي والسفلي، وهو مع العباد بعلمه، يعلم جميع أحوالهم، وهو القريب المجيب. وأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، والكل إليه مفتقرون في إيجادهم وإيجاد ما يحتاجون إليه في جميع الأوقات، ولا غنى لأحد عنه طرفة عين وهو الرؤوف الرحيم، الذي ما بالعباد من نعمة دينية ولا دنيوية ولا دفع نقمة إلا من الله، فهو الجالب للنعم الدافع للنقم.

стр. 17

ويصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به -رسول اللَّه ﷺ من الصفات الذاتية، كالحياة الكاملة والسمع والبصر، وكمال القدرة والعظمة والكبرياء والمجد والجلال والجمال، والحمد المطلق، ومن صفات الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته كالرحمة والرضا، والسخط، وأنه يتكلم بما يشاء وكيف يشاء، وكلماته لا تنفد ولا تبيد. وأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وأنه لم يزل ولا يزال موصوفًا بأنه يفعل ما يريد، ويتكلم بما شاء، ويحكم على عباده بأحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية، فهو الحاكم المالك، ومن سواه مملوك محكوم عليه، فلا خروج للعباد عن ملكه ولا عن حكمه. ويؤمنون بما جاء به الكتاب وتواترت به السنة، أن المؤمنين يرون ربهم تعالى عيانًا جهرة، وأن نعيم رؤيته والفوز برضوانه أكبر النعيم واللذة.

стр. 18

وأن من مات على غير الإيمان والتوحيد فهو مخلد في نار جهنم أبدا، وأن أرباب الكبائر إذا ماتوا على غير توبة ولا حصل لهم مكفر لذنوبهم ولا شفاعة، فإنهم وإن دخلوا النار لا يخلدون فيها، ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إلا خرج منها. وأن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، فمن قام بها على الوجه الأكمل فهو المؤمن حقا، الذي استحق الثواب وسلم من العقاب، ومن انتقص منها شيئا نقص من إيمانه بقدر ذلك، ولذلك كان الإيمان يزيد بالطاعة وفعل الخير، وينقص بالمعصية والشر. ويشهدون أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله اللَّه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو خاتم النبيين، أرسل إلى الإنس والجن بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراجًا منيرًا، أرسله بصلاح الدين وصلاح الدنيا، وليقوم الخلق بعبادة اللَّه ويستعينوا برزقه على ذلك. ويعلمون أنه أعلم الخلق وأصدقهم وأنصحهم وأعظمهم بيانا، فيعظمونه، ويقدمون محبته

стр. 19

على محبة الخلق كلهم، ويتبعونه في أصول دينهم وفروعه. ويقدمون قوله وهديه على قول كل أحد وهديه. ويعتقدون أن اللَّه جمع له من الفضائل والخصائص والكمالات ما لم يجمعه لأحد، فهو أعلى الخلق مقاما وأعظمهم جاهًا، وأكملهم في كل فضيلة، لم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرهم عنه. وكذلك يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وكل رسول أرسله الله، لا يفرقون بين أحد من رسله ويؤمنون بالملائكة وأنهم عباد اللَّه المكرمون ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ . ويؤمنون بالقدر كله، وأن جميع أعمال العباد خيرها وشرها، قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيهما مشيئته، وتعلقت بها حكمته، حيث خلق للعباد قدرة وإرادة تقع بها أقوالهم وأفعالهم حسب مشيئتهم لم يجبرهم على شيء منها بل جعلهم مختارين لها، وخص المؤمنين بأن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان بعدله وحكمته.

стр. 20

ويؤمنون بيوم البعث وإحياء اللَّه الموتى للحساب والجزاء، ويؤمنون بالشفاعة العظمى للرسول ﷺ ، وسائر الشفاعات الثابتة، وبالصراط والميزان والجنة والنار، كما جاء في القرآن وصحت الأحاديث عن النبي المختار. ويؤمنون بأن أفضل الأمم أمة محمد ﷺ ، وأفضلهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ خصوصا الخلفاء الراشدين، والعشرة المشهود لهم بالجنة، وأهل بدر، وبيعة الرضوان، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. ويحبون الصحابة ويدينون اللَّه به وينشرون محاسنهم ويسكتون عما شجر بينهم، ويدينون اللَّه باحترام العلماء الهداة وأئمة العدل، ومن لهم المقامات العالية في الدين والفضل المتنوع على المسلمين، ويسألون اللَّه أن يعيذهم من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وأن يثبتهم على دين نبيهم إلى الممات. هذه الأصول الكلية بها يؤمنون ولها يعتقدون وإليها يدعون. (من القول السديد لعلامة القصيم عبد الرحمن بن ناصر السعدي من

стр. 21

أكابر علماء نجد -رحمه اللَّه تعالى- بحذف في بعض المواضيع وزيادة في بعضها) . الأصول التي بنيت عليها فتاوى الإمام أحمد وإذ بينت عقيدة الإمام أحمد وأتباعه، فمن المستحسن جدًا أن أذكر أصول مذهبه في الفروع وفتاويه وهاك أيها القارئ تلك الأصول نقلا عن العلامة ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: بنيت على خمس أصول وهي كما يلي: الأصل الأول:- (النصوص) النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنًا من كان، كما لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي بن كعب من ترك الغسل من الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول اللَّه ﷺ فاغتسلا، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين، لصحة حديث سبيعة الأسلمية. وهذا كثير جدا، ولم يكن يقدم على الحديث عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا ولا قول صاحب ولا عدم

стр. 22

علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع. ونصوص رسول اللَّه ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده. الأصل الثاني: - (فتاوى الصحابة) الأصل الثاني من أصول فتاوى الإمام أحمد ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل أن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة، يقول "لا أعلم شيئا يدفعه" أو نحو هذا، كما قال في رواية أبي طالب لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين منهم عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد، وهكذا قال أنس بن مالك لا أعلم أحدًا رد شهادة العبد، حكاه عن

стр. 23

الإمام أحمد، وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة، لم يقدم عليه عملًا، ولا رأيًا ولا قياسًا. الأصل الثالث:- (الاختيار من أقوال الصحابة إذا اختلفوا) الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول. قال إسحاق بن هانئ في مسائله قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه، قيل له: أفيجيب عليه؟ قال: لا. الأصل الرابع: (الحديث المرسل) الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، فالعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح

стр. 24

وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صاحب، ولا إجماعا على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس. الأصل الخامس: - (القياس للضرورة) فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول للصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس -وهو القياس- فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه. فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليه مدارها، وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده، أو اختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهية والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. ا. هـ

стр. 25

(من إعلام الموقعين - الجزء الأول باختصار من الأصل الأول) . فهل في هذه الأصول الخمسة لمن تحلى بالإنصاف قول لقائل أو نقد لناقد، ولا شك أن الحنابلة هم أتباع هذا الإمام الجليل الذي قال فيه بعض أهل العلم: تأيد الدين برجلين بأبي بكر يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، يقصد

стр. 26

بذلك يوم أن امتحنه بذلك المأمون والمعتصم والواثق بالسجن والضرب حتى يقول أن القرآن مخلوق فامتنع وصبر على الأذى واحتسب الأجر عند الله. فهل وقف القارئ على عقيدة الإمام أو أحد من أتباعه وخصوصا فيما يوهم التشبيه والتجسيم كما يقول المفترون، وفي كلام اللَّه ما زعمه الزاعمون من أن الجلد والمداد قديمان، كل ما قالوا أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وسيأتي فيما بعد رد هذه الفرية من كلام شيخ الإسلام والحافظ ابن القيم رحمهما اللَّه وغيرهما. وها أنا أتحدى هؤلاء الزاعمين المفترين -أن الحنابلة يمثلون اللَّه بخلقه أو يجسمونه أو

стр. 27

يشبهونه أو يقولون في القرآن ما زعموا- أن يأتوا بكلمة واحدة من كتب الإمام أحمد أو كتب أصحابه المحققين يثبت ذلك، وإلا فلينادوا على أنفسهم بالجهل والافتراء. ويعلم الواقفون على كلامهم أن لا نصيب لكلامهم من الصحة، وأن علومهم هباء في هباء، وقولهم كذب وافتراء، إذ لم يسندوها إلى المصادر المعتبرة من كتب أولئك العلماء فوالله لو استعانوا بالجن والإنس، وصعدوا إلى المريخ ونزلوا إلى أعماق الأرضين، لما أتوا بحرف واحد يدل على زعمهم وافترائهم. وها أنا ذا أوضح هذا المرام فيما يلي:

стр. 28

(تقسيم المتكلمين إلى ثلاثة أقسام بالنسبة للصفات ونفيها) (أولًا) المتكلمون في العقائد، وسموا بالمتكلمين، لكثرة كلامهم حول كلام الله، وحول صفات الله، قد انقسموا إلى فرق: (١) منهم من لم يثبت للَّه صفة ولا اسما كالجهمية. (٢) ومنهم من أثبت له الأسماء دون الصفات وهم المعتزلة، وقالوا عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، ونفوا الكلام لله، وقالوا بل يخلق اللَّه الكلام منفصلًا عنه، كما سيأتي بيانه. (٣) ومنهم من أثبت للَّه الأسماء وصفات المعاني فقط، وهي سبعة: الحياة والعلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام، ومشتقاتها وهي الأسماء -أعني- كونه حيا عليمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا ... إلخ. ونفوا بعد ذلك الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنة كالاستواء واليد ونحو ذلك، وهؤلاء هم أكثر الأشاعرة والماتريدية.

стр. 29

والسلف الصالح والذي أظهر مذهبهم وناضل عنه الإمام أحمد، يثبتون للَّه ما جاء في القرآن وصح في الحديث، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تشبيه، فيقولون: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فكما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. فقالوا للَّه علم يليق به، وللمخلوق علم يليق به، وليس علم اللَّه كعلم المخلوق، واشتراك شيئين في لفظ لا يوجب اتحادهما في الحقيقة. فالعرش موجود، والبعوض موجود، فهل وجود العرش كوجود البعوض؟. وإذا كان الجواب بالسلب، فالله موجود، والمخلوق موجود فهل وجود اللَّه كوجود المخلوق؟ لا يقول هذا من يفهم ما يقول، لأنه يقول لهم إن كان وجود اللَّه كوجود المخلوق، فهذا هو التشبيه بعينه، وإن كان له وجود خاص أبدي يليق به لم يزل ولا يزال، وللمخلوق وجود يليق به، فكذلك يقال: للَّه صفات تليق به، وللمخلوق صفات تليق به. فإذا أثبتنا للَّه صفة تليق به، كصفة العلم والإرادة أو الاستواء فليس معنى هذا أن إرادة الله

стр. 30

كإرادة المخلوق، أو أن علمه تعالى كعلم المخلوق، أو أن استواءه -سبحانه- كاستواء المخلوق، وذلك أن علم اللَّه شامل للجزئيات وللكليات، ولما كان ولما يكون، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل للمخلوقين مثل هذا العلم؟ وإرادة اللَّه تخصص ما يريد من الممكنات من العدم إلى الوجود، ومن الوجود إلى العدم، وما يريده بإرادته الكونية لا راد لها، وقدرته شاملة لكل ما يريد، ليست محدودة وكذلك إرادته، فهل للمخلوق مثل تلك الإرادة أو القدرة؟ وهكذا القول في سائر الصفات. لكن تنسب مقالة تشبيه اللَّه بخلقه إلى هشام بن الحكم، وداود الجواربي، وهما من غلاة الروافض، وإلى محمد بن كرام كما حكاه

стр. 31

الشهرستاني وغيره بأنهم شبهوا اللَّه بخلقه، حتى قال شيخنا الشيخ أحمد نور في منظومته: فأثبتوا لذاته الجوارحا ... مما عدا الفروج والقبائحا لكن في نفس الوقت قال بعضهم: جسم لا كالأجسام، ولم نقف على كتبهم، ونقل أهل الكلام يحتمل الصدق وضده، ولا أظن للمجسمة أو للمشبهة وجودا في هذا العصر، ولعلهم قد انقرضوا من قرون. وقال بعض الكلاميين: إن أولئك الذين عبروا بقولهم (جسمًا لا كالأجسام) . معنى قولهم جسمًا، أي قائم بنفسه لا بغيره، لأن الموجودات إما جسم، وهو الجوهر عند المناطقة وهو القائم بنفسه - أو عرض قائم بغيره، والله ليس بعرض، فزعموا أنه جسم قائم بنفسه، وأخطئوا وضلوا؛ حيث أطلقوا على اللَّه الجسمية، وتعالى اللَّه عن ذلك؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنة إطلاق الجسم على الله. ومن المسلم به والمعروف بالبداهة والعقل السليم أن الخالق لا يكون مماثلًا للمخلوق، فالمشبه يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إله الأرض والسماء.

стр. 32

ويرحم اللَّه ابن القيم حيث قال: إن لمشبه عابد الأوثان إن المعطل عابد البهتان فهو النسيب لمشرك نصراني فهو الكفور وليس ذا إيمان لسنا نشبه وصفه بصفاتنا كلا ولا نخليه عن أوصافه من شبه اللَّه العظيم بخلقه أو عطل الرحمن عن أوصافه

стр. 33

(إلزام المتكلمين لأهل السنة في قولهم بأن اللَّه على عرشه استوى يلزم منه التجسيم والتشبيه ورد الحنابلة عليهم وإلزامهم بما لا مفر منه) فقالت الحنابلة، (أولًا) معاذ اللَّه أن نقول بالجسمية، أو أن نشبهه بخلقه، أو أن نقول يحويه عرش أو مكان. ولكن نقول: استوى على عرشه كما يليق بجلاله، وأنتم إذا نفيتم أن يكون اللَّه عاليًا على خلقه، بل إنكم صرحتم بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال يلزمكم أن يكون معدوما؛ لأن هذه صفات المعدوم وبهذا خالفتم صريح الكتاب والسنة، وعقائد الصحابة والتابعين وجميع المسلمين بل والكتابيين. (ثانيًا) : هذا الإلزام ليس بلازم لنا، لأن لازم المذهب ليس بلازم، فإن كان إلزامكم لازمًا لنا، فكذلك إلزامنا لكم ولا محيص لكم. (ثالثًا) : هذا الإلزام، أو نقول هذه الشبهة لا ترد على اللَّه من حيث هو مستو على العرش، ومن حيث هو في السماء، بل هي واردة عليه،

стр. 34

من حيث هو موجود ولا شك. كأن يقال: اللَّه موجود، والموجود إما أن يكون جسمًا قائمًا بنفسه، أو عرضًا قائمًا بغيره، ولا ثالث لهذين الأمرين؛ إذ الموجودات كلها كذلك. والله موجود، فإما أن يكون جسمًا، وإما أن يكون عرضًا، وباطل أن يكون عرضًا، فلم يبق إلا أن يكون جسمًا فهو جسم إذن، سواء أقيل أنه في السماء أم لا في السماء ولا في غيرها. فلا ضرر إذا من القول بأنه في السماء، أو بأنه مستو على العرش، لأنه لا يلزم هذا معنى فاسد من حيث الصفة. وحينئذ يقال: إن أمكن أن يكون ثم موجود ليس جسمًا، أمكن أن يكون ثم موجود في السماء. أو نقول فوق العرش وليس جسمًا بالضرورة وتعالى اللَّه عن الجسمية والتشبيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .

стр. 35

(تفرق المسلمين ورمي بعضهم بعضًا بالتفسق أو التكفير لتركهم الاستدلال بالكتاب والسنة ورجوعهم إلى القواعد الفلسفية والمنطقية) من المحن التي ابتلي بها المسلمون النزاع والجدل، التفرق والاختلاف، ورمي بعضهم بعضًا بالتفسيق تارة، وبالتكفير أخرى؛ وذلك لأن أكثرهم ترك الاستدلال بالكتاب والسنة، ورجعوا إلى القواعد المنطقية والفلسفية، فآل بهم الأمر إلى ما آل. وإلا لو رجعوا إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه وقالوا كلنا متفقون على أن اللَّه ربنا وخالقنا ومعبودنا، لا شبيه له، ولا نظير له ولا مثيل له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . وعلينا أن نتبع القرآن والسنة الصحيحة، فما ورد في القرآن وفي السنة الصحيحة من صفات اللَّه نؤمن به، ولا نكيف ولا نشبه ولا نمثل، وما لم يرد لا نخوض فيه.

стр. 36

مثلًا: ورد أن اللَّه له علم وسمع وبصر وقدرة وإرادة، فنقول: هذه صفات نؤمن بها، أما كونها هي عين الذات، أو غير عين الذات -كما يقول المتكلمون- ويطيلون الأبحاث والنقاش والجدل حولها، فهذا من فضول الكلام، ولسنا بمكلفين عن ذلك. لو مشوا على هذا الصراط المستقيم، لما حصل ما حصل من التفرق والانقسام، وما نتج عنهما من هذه النسب الكاذبة، والإلزامات الباطلة. (رابعًا) : هذه كتب الحنابلة طبعت في هذا العصر أكثر من قبل، وسارت بها الركبان شرقًا وغربًا فهل في إمكان أحد أن يأتي بحرف مما يؤيد تلك المزاعم الضالة؟ وعلى سبيل المثال والتوضيح والبيان أورد للقارئ ما يلي:

стр. 37

(افتراء الكثيرين على شيخ الإسلام ابن تيمية اعتمادا على رحلة ابن بطوطة في تشبيه نزول اللَّه بنزول خلقه، ودحض ذلك الافتراء من كتاب شرح النزول ومن الوجهة التاريخية ومن المعقول) هذا شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني، قد نسب إليه كثير من أتباع المذاهب غير الحنابلة، فضلًا عن أهل الأهواء والضلال، أنه يقول بالتجسيم والتشبيه، ويؤيدون زعمهم بما وجدوه في رحلة ابن بطوطة من أنه قرأ حديث النزول ونزل من على المنبر وقال: ينزل كنزولي هذا. فاسمع الجواب مما كتبته في كتابي (العقائد السلفية بأدلتها العقلية والنقلية) ص: (٧٤) . من الجهل الفاضح أو التجاهل والعصبية العمياء، ما نسبه كثير ممن ادعى العلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر حديث النزول في المسجد الأموي، وأنه قال: (ينزل ربنا كنزولي هذا) ونزل من على منبر الجامع درجة، يريدون بذلك أنه مشبه مجسم، وأخذ يروي المتأخر عن السلف هذه الأكذوبة التي منشؤها ابن بطوطة في رحلته.

стр. 38

فيا سبحان الله، ما أعظم جهل هؤلاء؟ هلا قرءوا مؤلفات شيخ الإسلام ليروا كيف يرد على هؤلاء المشبهة والمجسمة، كما يرد على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. بل ألف شيخ الإسلام شرحًا لحديث النزول ليس فيه أدنى رائحة من التشبيه والتجسيم، بل يقرر في شرحه في عدة مواضع تنزيه اللَّه عن التمثيل، والشرح مطبوع عدة مرات متداول

стр. 39

بين الناس، فمن يشك فيما أقول فليقرأه ولو مرة واحدة، بل ليقرأ صفحات منه ليعلم كذب أولئك القوم ومبلغ تعصبهم. فما أدري ما قيمة العالم إذا كان كذابًا مفتريًا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 40

وأما تمسكهم بما قاله ابن بطوطة، فالجواب: يحتمل أن الشيخ ابن تيمية قال: (ينزل ربنا لا كنزولي هذا) فلم يسمع ابن بطوطة كلمة (لا) أو سمعها وكتبها، ولكن حرفها النساخ. هذا إذا أسلمنا أن ابن بطوطة رأى شيخ الإسلام، ولكن قال المحقق بهجت البيطار في كتابه حياة شيخ الإسلام: إن ابن بطوطة لم يسمع من ابن تيمية، ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع من رمضان عام ست وعشرين وسبعمائة هجرية. وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شعبان من ذلك العام، إلى أن توفاه اللَّه ليلة الاثنين لعشرين خلون من ذي القعدة عام ثمان وعشرين وسبعمائة هجرية، فكيف رآه ابن بطوطة يعظ على منبر الجامع، وسمعه؟ ولم يكن يعظ الناس على منبر الجامع -كما زعم ابن بطوطة - وإنما كان يجلس على كرسي يعظ الناس. على أن ابن بطوطة لم يكتب رحلته بقلمه، وإنما أملاه على ابن جزي الكلبي، فيجوز أن يكون ذلك من تحريف النساخ، أو وسوسة بعض الخصوم.ا. هـ.
следующие страницы →