Полный текст (142 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مثلًا: ورد أن اللَّه له علم وسمع وبصر وقدرة وإرادة، فنقول: هذه صفات نؤمن بها، أما كونها هي عين الذات، أو غير عين الذات -كما يقول المتكلمون- ويطيلون الأبحاث والنقاش والجدل حولها، فهذا من فضول الكلام، ولسنا بمكلفين عن ذلك.
لو مشوا على هذا الصراط المستقيم، لما حصل ما حصل من التفرق والانقسام، وما نتج عنهما من هذه النسب الكاذبة، والإلزامات الباطلة.
(رابعًا) : هذه كتب الحنابلة طبعت في هذا العصر أكثر من قبل، وسارت بها الركبان شرقًا وغربًا فهل في إمكان أحد أن يأتي بحرف مما يؤيد تلك المزاعم الضالة؟
وعلى سبيل المثال والتوضيح والبيان أورد للقارئ ما يلي:
стр. 37
(افتراء الكثيرين على شيخ الإسلام ابن تيمية اعتمادا على رحلة ابن بطوطة في تشبيه نزول اللَّه بنزول خلقه، ودحض ذلك الافتراء من كتاب شرح النزول ومن الوجهة التاريخية ومن المعقول)
هذا شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني، قد نسب إليه كثير من أتباع المذاهب غير الحنابلة، فضلًا عن أهل الأهواء والضلال، أنه يقول بالتجسيم والتشبيه، ويؤيدون زعمهم بما وجدوه في رحلة ابن بطوطة من أنه قرأ حديث النزول ونزل من على المنبر وقال: ينزل كنزولي هذا.
فاسمع الجواب مما كتبته في كتابي (العقائد السلفية بأدلتها العقلية والنقلية) ص: (٧٤) .
من الجهل الفاضح أو التجاهل والعصبية العمياء، ما نسبه كثير ممن ادعى العلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر حديث النزول في المسجد الأموي، وأنه قال: (ينزل ربنا كنزولي هذا) ونزل من على منبر الجامع درجة، يريدون بذلك أنه مشبه مجسم، وأخذ يروي المتأخر عن السلف هذه الأكذوبة التي منشؤها ابن بطوطة في رحلته.
стр. 38
فيا سبحان الله، ما أعظم جهل هؤلاء؟ هلا قرءوا مؤلفات شيخ الإسلام ليروا كيف يرد على هؤلاء المشبهة والمجسمة، كما يرد على الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
بل ألف شيخ الإسلام شرحًا لحديث النزول ليس فيه أدنى رائحة من التشبيه والتجسيم، بل يقرر في شرحه في عدة مواضع تنزيه اللَّه عن التمثيل، والشرح مطبوع عدة مرات متداول
стр. 39
بين الناس، فمن يشك فيما أقول فليقرأه ولو مرة واحدة، بل ليقرأ صفحات منه ليعلم كذب أولئك القوم ومبلغ تعصبهم.
فما أدري ما قيمة العالم إذا كان كذابًا مفتريًا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 40
وأما تمسكهم بما قاله ابن بطوطة، فالجواب: يحتمل أن الشيخ ابن تيمية قال: (ينزل ربنا لا كنزولي هذا) فلم يسمع ابن بطوطة كلمة (لا) أو سمعها وكتبها، ولكن حرفها النساخ.
هذا إذا أسلمنا أن ابن بطوطة رأى شيخ الإسلام، ولكن قال المحقق بهجت البيطار في كتابه حياة شيخ الإسلام: إن ابن بطوطة لم يسمع من ابن تيمية، ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع من رمضان عام ست وعشرين وسبعمائة هجرية.
وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شعبان من ذلك العام، إلى أن توفاه اللَّه ليلة الاثنين لعشرين خلون من ذي القعدة عام ثمان وعشرين وسبعمائة هجرية، فكيف رآه ابن بطوطة يعظ على منبر الجامع، وسمعه؟ ولم يكن يعظ الناس على منبر الجامع -كما زعم ابن بطوطة - وإنما كان يجلس على كرسي يعظ الناس.
على أن ابن بطوطة لم يكتب رحلته بقلمه، وإنما أملاه على ابن جزي الكلبي، فيجوز أن يكون ذلك من تحريف النساخ، أو وسوسة بعض الخصوم.ا. هـ.
стр. 41
وزيادة على ما أسلفناه نتحف القارئ ب عقيدة موجزة لشيخ الإسلام في لاميته الشهيرة:
ومودة القربى بها أتوسل لكنما الصديق منهم أفضل آياته فهو الكريم المنزل المصطفى الهادي ولا أتأول حقًا كما نقل الطراز الأول وأصونها عن كل ما يتخيل وإذا استدل يقول قال الأخطل وإلى السماء بغير كيف ينزل أرجو بأني منه ريا أنهل فمسلم ناج وآخر مهمل وكذا التقي إلى الجنان سيدخل عمل يقارنه هناك ويسأل وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل وإن ابتدعت فما عليك معول حب الصحابة كلهم لي مذهب ولكلهم قدر علا وفضائل وأقول في القرآن ما جاءت به وأقول قال اللَّه جل جلاله
стр. 42
وجميع آيات الصفات أمرها وأرد عهدتها إلى نقالها قبحًا لمن نبذ القرآن وراءه والمؤمنون يرون حقًا ربهم وأقر بالميزان والحوض الذي وكذا الصراط يمد فوق جهنم والنار يصلاها الشقي بحكمة ولكل حي عاقل في قبره هذا اعتقاد الشافعي ومالك فإن اتبعت سبيلهم فموفق
стр. 43
وقال الشيخ في خصوص كلام اللَّه في رسالته الواسطية:
فصل
ومن الإيمان باللَّه وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وأن اللَّه تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ وهو كلام اللَّه حقيقة لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام اللَّه أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك في المصاحف لم يخرج عن أن يكون كلام اللَّه تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما قاله مبلغًا مؤديًا، وهو كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلام اللَّه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.
وها أنا أذكر زيادة على كلام شيخ الإسلام عقيدة شيخين جليلين من قدماء الحنابلة وأكابر علمائهم.
(الأول) - الشيخ الحافظ العلامة عبد الغني المقدسي.
(الثاني) - الشيخ العلامة موفق الدين
стр. 44
عبد اللَّه أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي مؤلف كتاب المغني.
وإلى القارئ ما قاله الشيخ عبد الغني المقدسي الحنبلي في عقيدته:
اعلم وفقنا اللَّه وإياك لما يرضيه من القول والعمل والنية، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل أن صالح السلف وخيار الخلف وسادات الأئمة وعلماء الملة اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان باللَّه ، وأنه واحد أحد، فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير لا شريك له ولا وزير ولا شبيه ولا نظير ولا عدل ولا مثيل، وأنه موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وصح به النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر الذي بلغ رسالة ربه لأمته، وجاهد في اللَّه حق جهاده، وأقام الملة، وأوضح الحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين ولم يدع لملحد مجالًا ولا لمجادل مقالًا.
وروى طارق بن شهاب ﵁ قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك عيدًا. قال:
стр. 45
أي آية قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .
فقال عمر إني لأعلم ذلك اليوم الذي نزلت فيه نزلت على رسول اللَّه ﷺ ونحن بعرفة عشية جمعة.
فآمنوا بما قال اللَّه سبحانه في كتابه وصح عن نبيه، وأمروه كما ورد من غير تعرض لكيفيته واعتقاد شبيه أو مثيل أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية والطريقة المرضية ولم يتعدوا بها إلى البدعة الردية فحازوا بذلك الرتبة السنية والمنزلة العلية.
كما قال في بحث الكلام:
ومن مذهب أهل الحق أن اللَّه لم يزل متكلمًا بكلام مسموع مفهوم مكتوب، قال اللَّه : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وروى عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «وما منكم من أحد إلا سيكلمه اللَّه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان ثم ينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو»
стр. 46
«بشق تمرة فليفعل» .
وروى جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: «لما قتل عبد اللَّه بن حرام قال رسول اللَّه ﷺ : يا جابر ألا أخبرك ما قال اللَّه لأبيك؟ قال: بلى. قال: وما كلم اللَّه أحدًا إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحا قال يا عبد اللَّه: تمن علي أعطك. قال: يا رب تحيني فأقتل فيك ثانية. قال: إنه سبق مني أنهم لا يرجعون. قال: فأبلغ من ورائي فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ » رواه ابن ماجه.
والقرآن كلام اللَّه ووحيه وتنزيله والمسموع من القارئ كلام اللَّه قال اللَّه ﵎: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وإنما سمعه من التالي، وقال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ، وهو محفوظ في الصدور كما قال : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (ا. هـ من
стр. 47
المجموعة العلمية السعودية من درر علماء السلف الصالح) تحقيق الشيخ عبد اللَّه بن محمد بن حميد.
وقال الشيخ العلامة موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي: الحمد للَّه المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو عن علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، ولا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
له الأسماء الحسنى، والصفات العلى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٥، ٦، ٧، سورة طه.
أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل مخلوق عزة وحكما، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا
стр. 48
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ١١٠ سورة طه.
موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن، وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى اللَّه عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ آية (٧) - آل عمران، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ آية ٦ آل عمران فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
آية ٦ آل عمران.
قال الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي صلى اللَّه عليه
стр. 49
وسلم: «إن اللَّه ينزل إلى السماء الدنيا» «وإن اللَّه يرى في القيامة» وما أشبهه: هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى ولا نرد شيئا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول اللَّه ﷺ ولا نصف اللَّه بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن.
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت باللَّه وبما جاء عن اللَّه على مراد الله، وآمنت برسول اللَّه وبما جاء عن رسول اللَّه على مراد رسول الله، وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃ كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب اللَّه وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله، وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم
стр. 50
وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات فقال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» ، وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
(ا. هـ من لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لشيخ الإسلام موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي) .
فهذه عقيدة شيخ الإسلام والشيخين الجليلين وهكذا سائر الحنابلة، أنهم كسائر السلف الكرام في صفات اللَّه جل وعلا ومنها كلامه، فهل فيها حرف واحد مما يزعمه أولئك الذين نسبوه إلى التشبيه والتجسيم، وأولئك الذين نسبوا إلى الحنابلة هذا الزعم الباطل، وأنهم يقولون أن الجلد والغلاف للقرآن قديمان.
يا لها من فرية عظيمة لا تليق بمن لم يكن من أهل
стр. 51
العلم، فكيف بمن يزعم أنه من العلماء ينتصب للتدريس والوعظ والإرشاد والتأليف، ويدعي أنه يقود الناس إلى الصراط المستقيم، إلى صراط أهل السنة والجماعة.
فأين في عقيدة أهل السنة والصحابة والتابعين والأئمة المهتدين كالإمام الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والإمام أبي حنيفة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه والأوزاعي والنخعي والليث بن سعد والبخاري ومسلم وسائر أهل الصحاح والمسانيد، تأويل الاستواء بالاستيلاء، ونزول اللَّه بنزول الرحمة واليد بالقدرة وكلام اللَّه أنه مخلوق، أو أنه عبارة عن كلام اللَّه النفسي القائم بذاته، وأما هذا القرآن الذي يتلوه الناس فهو حادث كما يقول الأشاعرة: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ آية ١٥ من سورة النور.
стр. 52
الافتراء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الحنابلة النجديين ورد تلك المفتريات
فكما افترى بعض المتكلمين على الحنابلة السابقين، بأن رموا بعضهم بالتمثيل والتشبيه والتجسيم، وبعضهم بهذه الفرية، فقد افترى كثير من معاصري الشيخ المجدد المصلح الشهير محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي عليه وعلى أتباعه، وتناقلها كثير من الناس ممن نسب نفسه إلى العلم ومن العوام، ونسبوا إليه ﵀ وإلى أتباعه أنهم لا يجعلون للرسول حرمة، بل يقول أحدهم: عصاي خير من الرسول، ولا يرون للعلماء والصالحين مقامًا، وينكرون شفاعة الرسول، ويحرمون زيارة قبره وقبور سائر المؤمنين، ولا يرون الصلاة على الرسول ﷺ ولا يعتنون بكتب الأئمة، بل يحرقونها ويتلفونها، ولا يرون تقليدهم جائزًا، ويكفرون المسلمين من قرون عديدة، سوى من كان على معتقدهم، ويحرمون قراءة المولد النبوي.. إلى غير ذلك من المزاعم.
стр. 53
والجواب: أن هذه الأشياء المنسوبة إليهم كلها كذب لا نصيب لها من الصحة أبدًا، وهذه كتبهم مطبوعة تباع وتوزع، فمن أراد أن يعرف كذب هذه المزاعم فليقرأ كتبهم.
وكل ما في الأمر أن الشيخ محمد عبد الوهاب ﵀ رأى أكثر أهل نجد وأهل الحجاز وأهل البصرة والعراق، كما سمع بالنقل المتواتر عن سائر الأقطار الأخرى أنهم يؤلهون قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، بل وكثيرًا من الكهوف والغيران والأشجار، يعتقدون فيها الضر والنفع، ويطوفون حول قبورهم، وينذرون لتلك القبور وتلك الأشجار، ويقدمون لها القرابين، ويحلفون بالأنبياء والصالحين، ويستغيثون بهم في الشدائد والملمات لدفع الكربات، وكشف البليات وقضاء الحاجات. ورأى تهاون أهل نجد بالصلاة ودفع الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زيادة على بدعهم وضلالهم، كما رأى علماء الأقطار وسكوتهم على تلك الترهات والمنكرات إلا من قل وندر، فقويت عزيمته وإرادته بتوفيق من الله أن يدعو الناس إلى الطريق المستقيم، فدعاهم إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وبين لهم أن اعتقادهم بأن الله، وإفراده بالعبادة، وبين لهم اعتقادهم بأن اللَّه هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، لا
стр. 54
ينجيكم من عذاب اللَّه ما دمتم لا تخلصون لله، ولا تفردونه بالقصد والإرادة في عباداتكم بل تشركون معه نبيا أو صالحا أو شجرًا.
وبين لهم أقسام التوحيد: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، ووضح لهم أن اعتقاد توحيد الربوبية لا يكفي لدخول الإنسان في الإسلام، لأن المشركين السابقين يعتقدون هذا الاعتقاد، ولم يدخلهم في الإسلام، قال الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ .
بل لا بد من توحيد العبودية، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال، فالصلاة والصوم والزكاة والحج والطواف والنذر والخشية والرغبة والتوكل والذبح والاستغاثة كلها من أفراد العبادة. فمن نذر لغير اللَّه أو استغاث بغيره أو طاف بالقبور أو اعتقد بواسطتها ينال خيرا ونفعًا، أو أنها تقربهم إلى الله، فإنه بذلك الاعتقاد يكون مشركًا.
واستدل الشيخ على دعوته بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ،
стр. 55
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .
فكلمة من دون اللَّه تشمل كل معبود غيره من نبي أو ملك أو ولي أو غيرهم، واستدل الشيخ في نهيه عن عبادة الصالحين والأولياء بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وسيسأل اللَّه المسيح ﵊ يوم القيامة ليبكت المسيحيين الذين عبدوه وجعلوه إلها من دون الله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهنا يتبرأ المسيح ويجيب: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ،
стр. 56
فإذا كان اللَّه ينكر على عُباد المسيح وهو من النبيين المرسلين فكيف بمن يعبد غيره.
وبالجملة - حثهم على التمسك بالكتاب والسنة، وترك الشرك والبدع، فقامت عند ذلك قيامة الجهال، وأهل البدع والضلال، وعلماء السوء، وشنعوا على الشيخ ورموه بهذه الافتراءات، وجرى ما جرى مما سجله التاريخ.
وإلى القارئ تفنيد تلك المزاعم:
فنقول: بل يعتقدون أن رسول اللَّه ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين -فضلا عن سائر المخلوقين - ويؤمنون بشفاعته العظمى وغيرها من سائر الشفاعات.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته التي كتبها لأهل القصيم: وأومن بشفاعته ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من
стр. 57
بعد الإذن والرضا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . ا. هـ.
ويرون أن الصلاة على النبي ﷺ من أجل القربات وأفضل الطاعات، بل يرون أن الصلاة على الرسول ﷺ ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بالصلاة على الرسول، بينما سائر المذاهب يرون أنه سنة في الصلاة فقط.
فمن منهم أكثر محبة وتعظيما للرسول ﷺ ؟
ولم يكفروا مرتكب الكبائر -كما عليه أهل السنة- ولم يقولوا بكفر جميع الناس، كما زعم الكذابون، بل قالوا: من عبد غير الله كأن يتقرب إلى قبر نبي أو صالح أو شجرة أو كهف، بصلاة أو صدقة أو نذر أو ذبح، أو يعتقد في مخلوق ضرا أو نفعا، فهذا يكون مشركا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ،
стр. 58
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
ولا يشك عاقل مسلم أن الطواف عبادة، والنذر عبادة والصلاة عبادة والذبح عبادة والدعاء عبادة، فإذا صرف منها شيئا لغير اللَّه يكون قد أشرك مع اللَّه إلهًا آخر، ولكن لا يبادرون أحدا بالتكفير، حتى يقيموا عليه الحجة من الكتاب والسنة، ولم يقل أحد منهم أن عصاي خير من الرسول، بل لم يقولوا أن إبراهيم الخليل خير من الرسول، فضلا عن العصا، ولا يحرمون زيارة قبر الرسول، ولا زيارة سائر القبور، بل يقولون مسنونة، إلا النساء فإنهم يمنعونهن من الزيارة، لحديث: «لعن اللَّه زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد» ، ولكن يحرمون شد الرحال إلى قبور الأنبياء وغيرهم، للحديث الوارد: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد»
стр. 59
«الأقصى» ، وينبغي أن يقصد زيارة المسجد لنص الحديث، فإذا ورد هناك فليسلم على الرسول ﷺ وصاحبيه، ويزور البقيع.
فإذا كانت زيارة سائر قبور المؤمنين سنة للحديث الوارد: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» فكيف بزيارة قبر الرسول ﷺ ؟
ويرون للعلماء والصالحين مقاما عظيمًا، وينتفعون بكتبهم، ويشترونها بأغلى الأثمان، من سائر المذاهب. لكنهم يقولون: "إن العلماء والصالحين وحتى الأنبياء والمرسلين لا يستحقون
стр. 60
العبادة، لأن العبادة مختصة باللَّه رب العالمين ولأننا إذا عبدناهم جعلناهم آلهة وهم لا يرضون بذلك، ولكن علينا أن نعظمهم ونتبعهم في هديهم الموافق لهدي الرسول ﷺ وننتفع بعلمهم وكتبهم.
وكيف لا يحبون العلماء وهم ورثة الأنبياء ونجوم أهل الغبراء؟
ولم يحرموا تقليد الأئمة المعتبرين، مع العلم ما في التقليد من الخلاف، فمن العلماء من حرمه مطلقا، ومنهم من أجازه مطلقا من غير تفصيل، ومنهم من قال: يحرم على المجتهد، أو من يكون قادرًا على الاجتهاد، ويجب على غير القادر.
والشيخ محمد عبد الوهاب كان حنبليا وأتباعه حنابلة، فلو كانوا يحرمون التقليد لما كانوا حنابلة، وأكثر كتبهم التي يقرؤونها ويدرسونها وينتفعون بها هي كتب الحنابلة الأقدمين والسابقين خصوصًا، وكتب أتباع المذاهب عمومًا.
نعم كان الشيخ ﵀ وأتباعه من بعده، على أنه يجب الأخذ بالدليل الذي لا معارض له، ولا مخصص ولا ناسخ، ولو خالف المذهب، وبالفعل يأخذ علماؤهم بالدليل في بعض المسائل، خلاف المذهب، على أنه قل أن
стр. 61
يوجد قول مؤيد بالدليل والحال مخالف للمذهب المعتمد، وليس فيه رواية عن الإمام أحمد، على أننا لو سلمنا تسليمًا جدليًا، أنهم منعوا التقليد فليسوا بالمنفردين لذلك، بل الخلاف موجود وهذه كتب الأصول موجودة في إمكان كل واحد فاهم، أن يقرأ باب الاجتهاد والتقليد، ليعرف ما في التقليد من الخلاف، فأي ذنب إذا للحنابلة النجديين؟
وأما زعمهم أنهم حرموا قراءة المولد الشريف فهذا يدل على جهل عميق من القائلين، كسائر جهالاتهم السابقة، وتعصبهم الفاسد، إذ كل من شم رائحة العلم يعلم أن الاحتفال بالمولد حدث في القرن السابع، والذي أحدثه هو الملك المظفر صاحب إربل، وأقام الولائم الضخمة حتى قيل: كان يذبح في ليلة المولد عشرة آلاف رأس من الأغنام، وسبقه الفاطميون في مصر في القرن الرابع الهجري كما أسسوا المآتم وبنوا ضريحًا سموه قبر الحسين وهو كذب لا أثر له من الصحة.
стр. 62
ومن حين ما حدث اختلف العلماء، فمنهم من قال: إن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة، ومن العلماء من قال: إنها بدعة، وكل بدعة ضلالة كما في نص الحديث، والرسول قد وردت عنه عدة أحاديث تحذر عن البدع والمحدثات كقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجز، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» رواه الترمذي وحسنه، ولم يأت ما يخصص هذا العموم حتى يزعموا أنها بدعة حسنة.
وقراءة المولد، باب من أبواب السيرة النبوية، وقراءة الإنسان سيرة الرسول ﷺ وشمائله ومعجزاته، وهجرته وغزواته، لا شك أنها تزيد الإيمان وتقويه، وينبغي للمسلم أن يكون ملمًا بسيرته ومناقبه ﷺ حتى يعرف حقيقة هذا الرسول العظيم، الذي أرسله اللَّه رحمة للعالمين.
والشيخ محمد ﵀ ألف مختصر السيرة، وقد طبع عدة مرات، وانتشر في سائر الأقطار، فلو لم يكن محبًا للرسول، لما ألف سيرة له، ومن لا يحب الرسول، لا يكون مسلمًا، بل يكون يهوديًا أو مسيحيًا.
стр. 63
والشيخ وأتباعه يحثون الناس على التمسك بسنة الرسول الصحيحة، ويشددون النكير على من يخالف سنة الرسول، ويعدونه مبتدعًا.
أما هذا دليل على كمال حبهم وتعظيمهم لرسول اللَّه ﷺ ؟؟ ولكن المنحرفين يرون حب الرسول ﷺ في قراءة الأناشيد والأشعار والاستغاثات بالرسول وقراءة البرزنجي وأمثاله. فمن عمل بهذا فهو محب للرسول - وإن ارتكب الموبقات، وتلطخ بقاذورات المبتدعات ومن لا فلا.
والنقطة الحساسة في هذا المقام: أنه لا خلاف في قراءة سيرة الرسول ﷺ من ولادته وشمائله، ولكن الاحتفال في ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وقراءة كتاب مخصوص، ودق الدفوف، وما يحصل من الاختلاط والأمور المحرمة، فهذا هو المنكر المبتدع.
وإلا فمن أراد أن يقرأ سيرة الرسول ﷺ ويفهم الناس أخلاقه العظيمة وشمائله الكريمة، فلا مانع هنالك، بل يستحب ذلك في أي وقت أراد.
стр. 64
لكن هذه الأكاذيب والافتراءات، افترتها الأشراف والأتراك، وبعض علماء السوء، تنفيرًا عن دعوة الشيخ لما رأوا أن الدولة السعودية في ذلك الوقت قد قويت، ودخلت نجد كلها في طاعتها، وامتد سلطانها إلى عسير والحجاز وعمان، وغزت العراق، فحاربوها بمثل هذه الإشاعات والتهم، كما حاربوها بالسيف والسنان. والتاريخ شاهد بذلك، ولكن أبى اللَّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وللشيخ مؤلفات عديدة أشهرها كتاب التوحيد وشرحه حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن وسماه فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، وللشيخ محمد كتاب الكبائر ونصيحة المسلمين، ورسالة كشف الشبهات ومسائل الجاهلية، كما أن له رسائل عديدة مختصرة كثلاثة الأصول.
وها أنا أنقل للقارئ رسالة من رسائله ليعلم أن ما روجه أعداؤه من أنه كان مخالفا للسلف الصالح أو مذاهب الأئمة الأربعة، أو أنه كان يكفر الناس ولا يحب الرسول ولا الأنبياء ولا الأولياء إلى غير ذلك من الافتراءات التي أملاها
стр. 65
الشيطان على ألسنتهم، وسولت لهم أنفسهم بغية الصد عن دين الله، وتنفير الناس عن اتباع الشيخ وخدمة للدولة العثمانية وحكومة الأشراف بالحجاز، لأنهما رأيا أن في دعوة الشيخ خطرًا على حكومتهم وهاك نص الرسالة:
قال شيخ الإسلام العالم الرباني، مجدد الدعوة الإسلامية، والملة الحنيفية أوحد العلماء وأروع الزهاد، الشيخ محمد عبد الوهاب أجزل اللَّه له الأجر والثواب، وأسكنه الجنة بغير حساب لما سأله أهل القصيم عن عقيدته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أشهد اللَّه ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان باللَّه الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن اللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له ولا كفء له ولا ند له
стр. 66
ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم وسط في باب وعيد اللَّه بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول اللَّه ﷺ بين الروافض والخوارج.
وأعتقد أن القرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ ، وأؤمن بأن اللَّه فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
стр. 67
وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.
وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.
وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ،
стр. 68
وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ .
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃.
وأتولى أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ،
стр. 69
وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات عن كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا
стр. 70
أنهم لا يستحقون من حق اللَّه تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا اللَّه، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول اللَّه ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام برا كان أو فاجرًا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث اللَّه محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم
стр. 71
بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال؛ لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل.
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورًا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي (فمنها) قوله: أني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وأني أقول أن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء أني أدعي الاجتهاد، وأني خارج على التقليد، وأني أقول أن اختلاف العلماء نقمة، وأني أكفر من توسل بالصالحين، وأني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، وأني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول اللَّه ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت
стр. 72
ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب، وأني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ وأني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وأني أكفر من حلف بغير الله، وأني أكفر ابن الفارض وابن عربي، وأني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين.
جوابي عن هذه المسائل أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، وقبله من بهت محمدًا ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهتوه ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة وعيسى وعزيرًا في النار.
فأنزل اللَّه ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية.
وأما المسائل الأخر وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا اللَّه، وأني أعرف من يأتيني بمعناها، وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير اللَّه وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير اللَّه كفر، والذبيحة حرام، فهذه المسائل حق وأنا قائل بها، ولي عليها دلائل من كلام اللَّه وكلام رسوله ومن أقوال
стр. 73
العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة، وإذا سهل اللَّه تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء اللَّه تعالى.
ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ . الآية اهـ (مجموعة رسائل التوحيد- جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم) .
فهل في هذه الرسالة وفي كتاب التوحيد الذي انتشر في الشرق وفي الغرب يستطيع عالم فضلًا عن جاهل أن يأتي بكلمة يدين بها الشيخ ﵀ مما زعمه أولئك المغرضون، ومثل هذه الرسالة عدة رسائل كتبها الشيخ ﵀ إلى كثيرين منها: إلى عبد اللَّه بن محمد عبد اللطيف الإحسائي، وكتب إلى علماء مكة وعالم من علماء المدينة، وكتب إلى من يصل إليه من المسلمين رسالة، وإلى السويدي عالم أهل العراق في زمانه، وإلى أهل المغرب وإلى رئيس بادية الشام، وإلى البكيلي اليماني، وإلى الشيخ إسماعيل الجراعي وإلى غير هؤلاء، وفي كثير منها ينفي ما نسب إليه من عدم محبة الأولياء والصالحين وتكفير الناس أجمعين إلا
стр. 74
من كان على مذهبه ومنع زيارة القبور، ومنها زيارة قبر الرسول ﷺ سوى منع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، فإنه قد اتبع الحديث، وعدم احترام الأئمة الأربعة وغيرهم وإتلاف كتبهم إلى غير ذلك مما صنعه المفترون، وكل هذا كان جوابه ﵀، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .
ومن يشك فيما أقول، فليقرأ كتبهم ليعلم حقيقة الحال، ولا يروج عليه ما يفتريه الجهال، أو فليقرأ التواريخ التي ألفت لنجد كعنوان المجد لابن بشر، وتاريخ ابن غنام الإحسائي، وتاريخ نجد للألوسي وجزيرة العرب في القرن العشرين لحافظ وهبة، وتاريخ نجد القديم والحديث للريحاني المسيحي.
ويقرأ الكتب التي ألفت في تراجم الشيخ، مثل كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأحمد بن عبد الغفور الحجازي، ورسالة مختصرة في ترجمة الشيخ لعلي الطنطاوي، كما أني كتبت في ترجمته كتابًا أسميته (الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه) .
وأما ما ذكره الكتاب والمؤرخون في حقيقة دعوته والثناء عليه، فأكثر من أن يحصر مثل:
стр. 75
حاضر العالم الإسلامي وتعليقات شكيب أرسلان، ومثل ما كتبه الزركلي في الأعلام، كما ترجم له ﵀ عبد الكريم الخطيب، حتى أن كثيرًا من المستشرقين كتبوا عن دعوة الشيخ وأثنوا عليها، هدانا اللَّه وإخواننا المسلمين إلى سلوك الطريق المستقيم.
وخلاصة ما في الأمر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -أجزل اللَّه له الأجر والثواب- قال للناس: لا تعبدوا إلا اللَّه، ولا تتبعوا إلا الرسول محمد بن عبد اللَّه وأصحابه. صلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.
وذروا عبادة ما سوى المنفرد ولا تتنطعوا بزيارة وتردد بعثت به الرسل الكرام لمن هدى عهد النبي الهاشمي محمد هل قال إلا وحدوا رب السما وتمسكوا بالسنة البيضا هذا الذي جعلوه غشا وهو قد من عهد نوح هكذا تترى إلى وهي دعوة جميع الأنبياء والرسل، فإن كانت
следующие страницы →