Полный текст (142 стр.). Показаны 106–142 · переход к 111.
стр. 106
كلام الحافظ ابن القيم في النونية في رد هذه الفرية مع كلام شارحها
وقال الحافظ ابن القيم بعد أبيات عديدة من النونية، لزيادة الإيضاح والبيان والتأكيد ورفع الالتباس والشبهة، ولعله كان يقصد الرد على من زعم أن الحنابلة يقولون بقدم صوت القارئ ومداده وكتابته، فقال ﵀:
وتلاوة القرآن أفعال لنا ... وكذا الكتابة فهي خط بنان
لكنما المتلو والمكتوب والمحفوظ ... قول الواحد الرحمن
والعبد يقرؤه بصوت طيب ... وبضده, فهما له صوتان
وكذاك يكتبه بخط جيد ... وبضده فهما له خطان
أصواتنا, ومدادنا وأداؤنا ... والرق, ثم كتابة القرآن
ولقد أتى في نظمه من قال قول ... الحق والإنصاف غير جبان
стр. 107
إن الذي هو في المصاحف مثبت ... بأنامل الأشباح والشبان
هو قول ربي آيه وحروفه ... ومدادنا والرق مخلوقان
فشفى وفرق بين متلو ومصنوع ... وذاك حقيقة العرفان
الكل مخلوق وليس كلامه ... المتلو مخلوقًا, هنا شيئان
فعليك بالتفصيل والتمييز ... فالإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا ... الأذهان والآراء كل زمان
وتلاوة القرآن في تعريفها ... باللام قد يعنى بها شيئان
يعنى بها المتلو فهو كلامه ... هو غير مخلوق كذي الأكوان
ويراد أفعال العباد كصوتهم ... وأدائهم, وكلاهما خلقان
فانظر إلى كلامه ﵀ حيث أكد غير مرة أن المداد والأداة والرق والكتابة كلها
стр. 108
مخلوقة، وأفاد فائدة جديدة حاثا عليها وهي- أنه يجب أن نفرق بين التلاوة والمتلو، وبين الكتابة والمكتوب، وأن لا نحكم حكمًا إجماليًا مطلقًا بغير تفصيل فإنه ما أفسد هذا الوجود، وأوقع هذا الشجار والنزاع بين الطوائف، وأضل العقول والأفكار، إلا عدم التفصيل والبيان، والتحديد لمعاني الألفاظ المجملة التي يقع في معانيها احتمال واشتباه، وبعض هذه المعاني يكون صحيحًا مرادًا، وبعضها يكون فاسدًا غير مراد، فتشبهث طوائف المبتدعة بتلك المعاني الفاسدة، وتفسر الألفاظ بها، فتقع في الضلال؛ ولهذا أوصى بما أوصى شيخه به من قبل، مبينًا أن الفساد كله إنما ينشأ عن الإطلاق والإجمال.
ففي المسألة التي معنا لا يجوز -مثلًا- إطلاق القول بأن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، بل يجب التفصيل:
فإذا كان المراد بالقرآن نفس ألفاظ القارئ وصوته وأداؤه فذلك ولا شك مخلوق، وأما إن كان المراد به المتلو المؤدى، فهذا كلام اللَّه غير
стр. 109
مخلوق، وكذلك لفظ التلاوة، إذا عرف باللام كان محتملًا لمعنيين، أن يراد به المتلو، فيكون غير مخلوق كهذه الأكوان المخلوقة، وقد يراد به أفعال العباد من أدائهم وأصواتهم فهذا مخلوق، وقد اشتبه على كثير من الناس، ولم يهتدوا للفرق بين الأمرين، ومن أجل ذلك لما سئل الإمام أحمد هل لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ فقال: "لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق.. فأنكر عليه من لم يفهم معنى كلامه نفي الضدين، واهتدى أولو المعرفة إلى سر ذاك النفي وحكمته، وذلك أن كلمة اللفظ من الكلمات المجملة التي لا يجوز الحكم عليها بنفي أو إثبات قبل التفصيل ومعرفة المراد منها، فإنها تصلح أن تكون مصدرًا بمعنى التلفظ وهي بهذا المعنى فعل العبد، وهو مخلوق، وتصلح أن يراد بها نفس الملفوظ به وهو القرآن، وهو بهذا المعنى غير مخلوق.
ولأجل احتمال المعنيين، أنكر الإطلاق في الإثبات والنفي قبل التفصيل والبيان الذي
стр. 110
يحصل به التمييز بين المعنيين ومعرفة المراد منهما انتهى.
الثاني: أنه مخلوق، خلقه اللَّه منفصلًا عنه، وهذا قول المعتزلة.
الثالث: أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وغيره.
الرابع: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث.
الخامس: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، وهذا قول الكرامية وغيرها.
السادس: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته.. وهذا يقول صاحب المعتبر ويميل إليه الرازي في المطالب العالية.
стр. 111
السابع: أن كلامه يتضمن معنى قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول أبي منصور الماتريدي.
الثامن: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات، وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه.
وبما أن أشهر هذه الأقوال، هو قول السلف وعليه الحنابلة، وقول المعتزلة والجهمية وقول الأشاعرة وهذه الأقوال هي التي شحنت بها الكتب ولها حتى الآن نصراء، ويحصل فيها الجدل والنقاش، نذكر حجج كل فريق، وبيان ما هو الصواب منها بطريق الاختصار؛ إذ بحث الكلام قد دونه العلماء الأعلام، وأطال فيه بعضهم إطالة مسهبة، فلا يمكن استقصاؤه فلذلك نكتفي بما يلي:-
стр. 112
حجة السلف على اتصاف اللَّه بالكلام
حجة السلف ومنهم الحنابلة، على اتصاف اللَّه بالكلام. القرآن، والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والعقل.
أما القرآن: فآيات كثيرة يعسر استقصاؤها؛ ولذا نذكر بعضها:-
(١) - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ الآية.
(٢) - قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ .
(٣) - قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ .
(٤) - قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ .
стр. 113
(٥) - قال الله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ .
وانظر كيف أكده بالمصدر بقوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ رفعا لتوهم عدم الحقيقة.
(٦) - قوله تعالى: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
(٧) - قوله تعالى ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ .
ومن السنة:-
قوله ﷺ : «ما من عبد إلا سيكلمه اللَّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان» .
روى البيهقي في الأسماء والصفات، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن اللَّه إذا تكلم بالوحي»
стр. 114
«سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ قال: فيقول الحق.
قال فينا دون الحق الحق» رواه أبو داود مرفوعًا.
وأما الإجماع:-
فقد أجمعت الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان -قبل حدوث أهل الضلال- على أن اللَّه لم يزل متكلمًا متى يشاء وكيف شاء.
وأما البرهان العقلي:-
فإن العقل يحكم أن التكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص، وكل كمال لا يستلزم نقصًا بوجه من الوجوه، فالله أولى أن يوصف به، فإذا ثبت أن الكلام صفة كمال في المخلوق، فالخالق أولى به، ومعطي الكمال أحق بالكمال.
فلو نفينا عنه الكلام لكان غيره أكمل، وكفى بذلك قبحا.
стр. 115
والدليل على أنه من أوصاف الكمال: أن اللَّه وبخ عباد العجل، وأبان قلة أفهامهم، كما بين بطلان ألوهية العجل من حيث إنه لا يتكلم، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، فقال اللَّه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ وفي آية أخرى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ .
وقال في وصف المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ .
стр. 116
شبهات المعتزلة النقلية
للمعتزلة شبهات على قولهم: (أن كلام اللَّه مخلوق، خلقه منفصلًا عنه في بعض الأجسام) .
الأولى- قالوا: قال اللَّه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالقرآن شيء، فيكون داخلًا في عموم (كل) فيكون مخلوقًا.
والجواب من وجوه:
الأول: أن هذا الاستدلال عجيب جدًا من هؤلاء، وبيان ذلك أنهم لا يعترفون ولا يعتقدون أن أفعال العباد مخلوقة لله، فإذا كان العموم مرادًا من قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فلماذا أخرجوا أفعال العباد.
مع العلم أننا نقول: كلام اللَّه صفة من صفاته به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ .
стр. 117
ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقًا، لكان بأمر آخر، وللآخر بآخر إلى ما لا نهاية له، ويلزم منه التسلسل وهو باطل كما لا يخفى.
الثاني: عموم (كل) في كل موضع بحسبه، ألا ترى قوله تعالى إخبارا عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ .
فإن المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام، وهو من أنواع التخصيص عند أهل الأصول.
وإذ عرفت ما ذكرنا لك، فاعلم أن المراد من قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أنه خالق كل موجود
стр. 118
سوى اللَّه فدخل في هذا العموم أفعال العباد، ولم يدخل فيه الخالق وصفاته، والكلام صفة من صفاته.
وقول المعتزلة (أن اللَّه خلق الكلام منفصلًا عنه في بعض الأجسام) .
فيقال في جوابهم: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، فإذا قام الكلام بمحل كان هو المتكلم به.
كما أن العلم والقدرة إذا قاما بمحل كان العالم القادر.
ولو كان كما تقول المعتزلة، لكان الكلام كلام ذلك الجسم الذي خلقه فيه، فكانت الشجرة هي القائلة: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وتصور هذا كاف في بطلانه.
الشبهة الثانية:-
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾
стр. 119
الآية.
والجواب: أن المعنى محدث في النزول.
الشبهة الثالثة:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ومعنى جعل: خلق.
والجواب: ما أفسد هذا الاستدلال؛ لأن جعل إذا كان متعديا إلى مفعول واحد يكون بمعنى خلق كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ .
وأما إذا تعدى إلى مفعولين فلا يكون بمعنى خلق كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ . فهل يقول عاقل: ولا تخلقوا اللَّه عرضة لأيمانكم) ، وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ وكالآية التي استدلوا بها.
فهل يقول عاقل بمعنى جعلتم اللَّه في هذه الآية، خلقتم الله؟ بل جعل هنا بمعنى صير كما هو غير خاف.
стр. 120
اعتراض المعتزلة على احتجاج أهل السنة وجوابهم لهم
اعترضت المعتزلة على احتجاج أهل السنة بقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وسائر الآيات التي فيها لفظ التنزيل مثل قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أن هذا نظير إنزال المطر، أو إنزال الحديد فليس بمثل هذه الآيات حجة على أن القرآن غير مخلوق.
وأجاب أهل السنة: أن إنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء، كما قال اللَّه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وفي آية أخرى: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ وهي السحاب.
وأما إنزال القرآن فمذكور بأنه إنزال من اللَّه كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ .
وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشبه هذا الإنزال بهذا الإنزال، فالحديد إنما يكون
стр. 121
من المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديده أجود.
والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا قال أنزل ولم يقل نزل، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى سفل، وعلى هذا فيحتمل قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ وجهين:
أحدهما: أن تكون (من) لبيان الجنس.
الثاني: أن تكون (من) لابتداء الغاية.
وهذان الوجهان يحتملان في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ .
واعترضوا ثانيا على قول أهل السنة في احتجاجهم أن الكلام صفة للَّه؛ لأن اللَّه أضافه إلى نفسه؛ حيث قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ .
стр. 122
قالوا في اعتراضهم: أن الإضافة للتشريف كبيت الله، وناقة الله، فلا تقتضي أن تكون صفة ... وأجاب أهل السنة: أن الإضافة نوعان:
(١) إضافة أعيان: كالبيت والناقة، فهذه للتشريف والتنويه لما فيه من الصفات العظيمة.
(٢) إضافة المعاني: كعلم اللَّه وقدرته وكلامه فهي من إضافة الصفة للموصوف.
стр. 123
للمعتزلة شبهات عقلية على اتصاف الله بالصفات عمومًا، والكلام خصوصًا
(١) قالوا ما معناه: من المعلوم الثابت عقلًا ونقلًا وفطرة أن اللَّه واحد فرد، قديم أزلي، وعلى ذلك جميع المسلمين فإذا وصفناه بصفات عديدة، كصفة العلم والسمع والبصر والكلام، وقلنا كلها قديمة أزلية، لزم تعدد القدماء، وقد كفرت النصارى بالتثليث، فكيف بهذه الصفات العديدة؟
والجواب:
أولًا: لا ينبغي لمن كان مسلمًا مؤمنًا أن ينكر ما ثبت للَّه في القرآن وفي السنة الصحيحة بمثل هذه التشكيكات القبيحة، بل عليه الإيمان والتسليم، ويجزم أن عقله قاصر مهما بلغ وعلا وارتقى أن يدرك كنه ذاته تعالى أو صفاته.
فإذا كان لا يدرك كنه كثير من المخلوقات كالروح والعقل، فكيف يمكنه أن يدرك كنه اللَّه أو صفاته؟
وإذا كان لا يدرك، فهل ينكر؟ لا بل يجب أن
стр. 124
يؤمن ويسلم؛ لأن الشرائع لا تأتي بما يحيله العقل، بل بما يدركه أو يحير فيه.
وأي عاقل يقول: إذا كنا لا ندرك حقيقة الروح والعقل والكهرباء، يجب علينا أن ننكرها. وثانيًا: يلزم تعدد القدماء لو قلنا بتعدد الذوات، أما تعدد الصفات لذات واحدة فلا يلزم ذلك، وليس فيه محذور.
(٢) قالوا ما معناه: لو وصفنا اللَّه بالصفات المذكورة، وبالصفات التي تثبتها السلف، كصفة الرحمة والغضب والاستواء، لزم تمثيل اللَّه بخلقه وتشبيهه بهم، لأن هذه من صفات المخلوقين.
فالجواب:
أولًا: يفهم من الجواب السابق.
ثانيًا: معاذ اللَّه أن نقول بالمثلية والتشبيه، كيف وقد قال اللَّه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات -كما سبق- فكما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته.
ويلزم من قولهم أن القرآن مخلوق من تمثيل اللَّه وتشبيهه بخلقه؛ لأن القرآن طافح بصفات عديدة
стр. 125
لله يعز استقصاؤها، ولو كان لقولهم أصل لثبت عن رسول اللَّه وأصحابه والتابعين بأن يؤولوها كما تزعم المعتزلة وسائر المؤولة، ولا يسع المسلم الصحيح إلا ما وسعهم، والبحث في هذا يطول، وقد تكلفت كتب أئمة السنة برد هذه الشبه الواهية، وقد مر بعض ذلك في أوائل البحث.
(٣) في خصوص الكلام قالت المعتزلة: إذا كانت ذات البارئ بالاتفاق وصفاته- على حد تعبيركم أهل السنة، واحدة لا تتجزأ فمحال أن يكون القرآن كلام الله، على معنى أنه صفة من صفاته؛ لأنه لو كان كذلك لكان هو وذاته وبقية صفاته شيئا واحدًا، ونحن نرى أن في القرآن أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا، ووعدًا ووعيدًا، فهذه حقائق مختلفة، وخصائص متباينة.
ومن المحال أن يكون الواحد متنوعًا إلى خصائص مختلفة اهـ.
والجواب: أن نقول الحمد للَّه على نعمة العقل والهداية للإسلام والعقيدة الصحيحة، والحمد للَّه الذي عافانا مما ابتلاهم.
стр. 126
يزعم هؤلاء أنهم لا يثقون بالنقل، ويلجئون إلى العقل، أو يرجحونه على النقل، ويقولون: نبني عقائدنا على القواعد العقلية، لأنه يسلم بها كل عاقل ولو كان كافرًا.
стр. 127
هكذا زعموا.
ونحن نقول: أي عقل هذا يحكم أن الكلام إذا كان أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا فإنه ينافي الوحدة؛ لأنه يحصل تغيير في ذات المتكلم كما يفهم من كلامهم.
ونقول ثانيًا -أن الله ﷻ واحد في ذاته وفي صفاته، والكلام صفة من صفاته، والأمر والنهي والوعد والوعيد من أنواع الكلام، والتنوع في الكلام لا في ذاته، فأي استحالة في هذا؟ وأين المحذور الذي زعموه؟.
والمتكلم البشري إذا نوع كلامه من خبر إلى أمر إلى نهي فهل يقال إنها خصائص مختلفة؟ وأنها تؤثر على ذات الإنسان؟ والله أعلى من أن تضرب له الأمثال، ولكن له المثل الأعلى في صفاته العلى.
(٤) قالوا- إذا كان الكلام أزليا وهو صفة من صفاته، ترتبت على ذلك أمور مستحيلة، منها: أن الأمر لا قيمة له ما لم يصادف مأمورًا إلا إذا كان هناك مأمورون بالصلاة، ولا كتب عليكم الصيام إلا إذا كان هناك مأمورون بالصيام.
ومن المسلم به، أن في الأزل لم يكن هناك
стр. 128
مأمور بالصلاة والصيام، ومحال أن يكون المأمور معدومًا.
ثانيًا: يلزم من ذلك أن يكون الكلام من غير مكلم، وهذا من المستحيلات.
ثالثًا: الخطاب مع موسى غير الخطاب مع محمد، ومناهج الكلامين مع الرسولين مختلفة.
ويستحيل أن يكون معنى واحدًا هو في نفسه كلام مع شخص على معان ومناهج، وكلام مع شخص آخر على معان ومناهج أخرى، ثم يكون الكلامان شيئا واحدًا ومعنى واحدًا.
الجواب:
أن هذه الأمور التي ذكرتها المعتزلة من أنها تترتب على الكلام الأزلي، وهو صفة من صفاته أو نقول- هذه الشبهات التي ذكروها ترد على الأشاعرة القائلين بالكلام النفسي كما سيأتي مذهبهم- لا علينا معشر السفليين.
لأننا نقول: "كلام اللَّه من حيث هو صفة له، وهو من صفات الذات والفعل".
وأما خطابه لموسى بقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ، ولنبينا محمد
стр. 129
صلى اللَّه عليه وسلم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فقد حصل كل واحد من الخطابين في وقته لا في الأزل.
وكذلك الأوامر والنواهي القرآنية حصلت بعد ما أرسل اللَّه الرسول، وآمن بعض الناس لا في الأزل، إلا أمر تبليغه الرسالة فقد حصل قبل أن يؤمن أحد.
(٥) قالوا "قال اللَّه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ والمسموع حادث؛ لأنه لا يكون إلا حرفًا وصوتًا.
والجواب:
نحن قائلون اللَّه يتكلم بحرف وصوت خلافًا للأشاعرة وغيرهم.
ودليلنا على الحرف ما ورد في الحديث الصحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ : «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله عشر حسنات» .
وأما الصوت- فقد ورد في الحديث الصحيح: «أن اللَّه ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» .
стр. 130
والنداء لا يكون إلا بصوت، ولكن لا يماثل صوت المخلوقين.
في شرح البخاري - ومن نفى الصوت، يلزمه أن اللَّه تعالى لم يسمع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامه، بل ألهمهم إياه إلهامًا، قال: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهدت ذات مخارج، كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة، ولئن سلم فيمنع القياس المذكور؛ لأن صفة الخالق لا تقاس على صفة المخلوقين.
وحيث ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به.
وقال ابن حجر أيضًا في موضع آخر من شرح البخاري "قوله ﷺ : «ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب، كما يسمعه من بعد» حمله بعض الأئمة على مجاز يأمر من ينادي فاستتبعه بعض من أثبت الصوت، لأن في قوله: «يسمعه من بعد» إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات، لأنه لم يعهد مثل هذا عنهم، وبأن الملائكة إذا سمعوا صعقوا، وإذا سمع بعضها بعضًا لم يصعقوا.
стр. 131
قال: "فعلى هذا صوته صفة من صفات ذاته ليس يشبه صوت غيره، إذ ليس يوجد شيء من صفات المخلوقين.
قال: "وهكذا قرره المصنف يعني الإمام البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، اهـ.
فإن قيل: إن هذه أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن والعقائد ينبغي أن تبنى على العلم والقطع.
الجواب:
أن هذا القول اخترعه المتكلمون من المعتزلة، واغتر به بعض السنة، وهو قول باطل فيه هدم لكثير من العقائد والشرائع، ومن المستحسن أن نذكر بعض الأدلة على قبول ذلك.
стр. 132
بعض الأدلة على قبول خبر الآحاد
الأول: أن الرسول ﷺ أرسل الرسل إلى ملوك العرب وغيرهم، يدعوهم إلى الإسلام، ومعلوم أن المرسل من الرسول كان رجلًا واحدًا أو اثنين ومعه كتاب، ولم تكن تلك الرسالة بدرجة التواتر، ومع ذلك أسلم من أسلم ورأى أن الحجة قد قامت على من أبى بواسطة إرسال ذلك الرسول، ولو لم تقم الحجة على المرسل إليهم بإرسال الرسول أو المرسولين، ويجب عليهم أن يقبلوا خبر رسول الرسول ويسلموا. لما أرسل رسول الله ﷺ رسله إلى كسرى وقيصر، وملك اليمامة وابني الجلندي ملك عمان وغيرهم.
كما أنه أرسل معاذا إلى اليمن وقال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، -وفي رواية-: إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
الثاني: أن المسلمين لما أخبرهم العدل الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح، أن القبلة قد
стр. 133
حولت إلى الكعبة قبلوا خبره، وتركوا الجهة التي كانوا عليها، واستداروا إلى القبلة، ولم ينكر عليهم رسول اللَّه ﷺ ؛ بل شكروا على ذلك، وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى.
فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به، المعلوم لخبر لا يفيد العلم، وغاية ما يقال فيه أنه خبر اقترن به قرينة، وكثير منهم يقول: "لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها، وهذا في غاية المكابرة".
ومعلوم أن قرينة تلقي الأمة له بالقبول وروايته قرنا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها, فبأي قرينة فرضتها، كانت أقوى منها.
والثالث: قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الإسراء- ٣٦- أي لا تتبعه ولا تعمل به، ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها، ويثبتون للَّه تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علمًا لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم.
الرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾
стр. 134
وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ، وقال النبي ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: «أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت» .
ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم، ولو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة اللَّه على العباد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم.
وقد كان رسول اللَّه ﷺ يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه.
وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة، أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل.
стр. 135
فيلزم من قال أن أخبار رسول اللَّه ﷺ لا تفيد العلم أحد أمرين:
إما أن يقول أن الرسول ﷺ لم يبلغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.
وإما أن يقول: "أن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علمًا، ولا يقتضي عملًا، وإذا بطل هذان الأمران بطل القول بأن أخباره ﷺ التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علمًا، وهذا أمر ظاهر لا خفاء به.
الخامس: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علمًا، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقًا، فلو كان واحدًا لكان سؤاله وجوابه كافيًا.
السادس: أن هؤلاء المنكرين لإفادة أخبار النبي ﷺ العلم، يشهدون شهادة جازمة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم
стр. 136
وأقوالهم أنهم قالوا، ولو قيل لهم أنها لم تصح عنهم لأنكروا ذلك غاية الإنكار وتعجبوا من جهل قائله، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد أو الاثنان والثلاثة ونحوهم لم يروها عنهم عدد التواتر، وهذا معلوم يقينًا.
فكيف حصل لهم العلم الضروري أو المقارب للضروري بأن أئمتهم ومن قلدوهم دينهم أفتوا بكذا وذهبوا إلى كذا، ولم يحصل لهم العلم بما أخبر به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسائر الصحابة عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا بما رواه عنهم التابعون وشاع في الأمة وذاع، وتعددت طرقه وتنوعت، وكان حرصه عليه أعظم بكثير من حرص أولئك على متبوعيهم. إن هذا لهو العجب العجاب.
وهذا وإن لم يكن نفسه دليلًا لكنه يلزمهم أحد أمرين:
إما أن يقولوا أخبار رسول اللَّه ﷺ وفتاواه وأقضيته تفيد العلم.
وإما أن يقولوا أنهم لا علم لهم بصحة شيء مما نقل عن أئمتهم، وأن النقول عنهم لا تفيد علما.
وإما أن يكون ذلك مفيدًا للعلم بصحته عن أئمتهم دون المنقول عن رسول اللَّه ﷺ فهو من أبين الباطل.
السابع: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
стр. 137
وهذا يعم كل مخالف بلغه أمره ﷺ إلى يوم القيامة بمخالفة ما لا يفيد علمًا للفتنة والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر.
الثامن: أن التفريق بين العقيدة والأحكام العملية وإيجاب الأخذ بحديث الآحاد في هذه دون تلك، إنما بني على أساس أن العقيدة لا يقترن معها عمل، والأحكام العملية لا يقترن معها عقيدة، وكلا الأمرين باطل.
قال بعض المحققين: المطلوب في المسائل العملية أمران: العلم والعمل، والمطلوب في العمليات العلم والعمل أيضًا، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه للباطل الذي يخالفها فليس العمل مقصورًا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل بل هو أصل العمل،
стр. 138
وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان؛ حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه. فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي ﷺ غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق، عمل القلب من حب ما جاء به والرضا به وإرادته، والموالاة له والمعاداة عليه.
فلا تهمل هذا الموضوع فإنه مهم جدًا، به تعرف حقيقة الإيمان، فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العمليات بمجرد العلم دون العمل.
ومما يوضح لك أنه لا بد من اقتران العقيدة في العمليات أيضًا أو الأحكام أنه لو افترض أن رجلًا يغتسل أو يتوضأ للنظافة أو يصلي تريضًا أو يصوم تطبيبًا، أو يحج سياحة، لا يفعل ذلك معتقدًا أن اللَّه ﵎ أوجبه عليه وتعبده به لما أفاده ذلك شيئا، كما لا يفيده معرفة القلب إذا لم تقترن بعمل القلب الذي هو التصديق كما تقدم.
فإذن كل حكم شرعي عملي يقترن به عقيدة لا بد وأن يرجع إلى الإيمان بأمر غيبي لا يعلمه
стр. 139
إلا اللَّه تعالى، ولولا أنه أخبرنا في سنة نبيه ﷺ لما وجب التصديق به والعمل به؛ ولذلك لم يجز لأحد أن يحرم أو يحلل بدون حجة من كتاب أو سنة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ فأفادت هذه الآية الكريمة أن التحريم والتحليل بدون إذن منه كذب على اللَّه تعالى وافتراء عليه، فإذا كنا متفقين على جواز التحليل والتحريم بحديث الآحاد، وأننا به ننجوا من التقول على الله، فكذلك يجوز إيجاب العقيدة بحديث الآحاد، ولا فرق، ومن ادعى الفرق فعليه البرهان من كتاب اللَّه وسنة رسوله، ودون ذلك خرط القتاد.
التاسع: أن القائلين بهذه العقيدة الباطلة لو قيل لهم أن العكس هو الصواب، لما استطاعوا رده، فإنه من الممكن أن يقال: لما كان كل من العقيدة والعمل يتضمن أحدهما الآخر، فالعقيدة يقترن معها عمل، والعمل يقترن معه عقيدة على ما سبق بيانه آنفًا، ولكن بينهما فرقًا واضحًا من حيث إن الأول إنما هو متعلق بشخص المؤمن ولا ارتباط له بالمجتمع، بخلاف العمل فإنه
стр. 140
مرتبط بالمجتمع الذي يحيا فيه المؤمن ارتباطًا وثيقًا، فيه تستحل الفروج المحرمة في الأصل، وتستباح الأموال والنفوس، فالأمور العملية من هذه الوجهة أخطر من الأمور الاعتقادية، ولنضرب على ذلك مثلًا موضحًا:
رجل يعتقد بأن سؤال الملكين في القبر أو ضغطة القبر حق بناء على حديث آحاد، ومات على ذلك، وآخر يعتقد استباحة شرب قليل من النبيذ المسكر كثيره، أو يستحل التحليل، ويقول بإباحته بعض المذاهب لدليل بدا لهم طبعًا، ولكنه ظني طبعًا ومات على هذا، والواقع أن كلًا من الرجلين كان مخطئا بشهادة السنة الصحيحة، فأيهما كان حاله أخطر على المجتمع؟ الذي كان واهمًا في اعتقاده أم الآخر الذي كان واهمًا في استباحة الفروج والشرب المحرمين؟. ولذلك فلو قال قائل: إن الحرام والحلال لا يثبتان بخبر الآحاد، بل لا بد فيهما من آية قطعية الدلالة، أو حديث متواتر قطعي الدلالة أيضًا، لم يجد المتكلمون وأتباعهم عن ذلك جوابًا.
أما نحن فلو كان لنا أن نحكم عقولنا في مثل هذا الأمر ونشرع لها ما لم يأذن به الله، كما فعل المتكلمون حين قالوا بهذا القول الباطل- لقلنا بنقيضه تمامًا، لأنه أقرب إلى المنطق السليم من
стр. 141
قولهم، ولكن حاشا أن نقول به أو بنقيضه، إذا لكل شرع، فلا نفرق بين ما سوى اللَّه ﵎، ولا نسوي بين ما فرق، بل نؤمن بكل ما جاء به رسول اللَّه ﷺ وصح الخبر عنه آحادًا أو تواترًا، اعتقادًا أو عملًا، والحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
العاشر: أن خبر العدل الواحد المتلقى بالقبول لو لم يفد العلم لم يجز الشهادة على اللَّه ورسوله بمضمونه، ومن المعلوم المتيقن أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن لم تزل تشهد على اللَّه وعلى رسوله بمضمون هذه الأخبار جازمين بالشهادة في تصانيفهم وخطابهم، فيقولون شرع اللَّه كذا وكذا على لسان رسوله ﷺ ، فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار جازمين بها لكانوا قد شهدوا بغير علم، وكانت شهادة زور، وقولًا على اللَّه ورسوله بغير علم، ولعمر اللَّه هذا حقيقة قولهم، وهم أولى بشهادة الزور من سادات الأمة وعلمائها.
стр. 142
والحمد للَّه على ما من علينا من إكمال هذا الجواب المتضمن لإجابة السائل، وزيادة مسائل مفيدة تهم القارئين والباحثين، وأحسب أنه أروى الغليل وأشفى العليل.
وقد تم تحريره وتسطيره في اليوم الثامن من شهر جمادى الآخرة عام أربعمائة وألف من الهجرة.
المؤلف
أحمد بن حجر آل بوطامي آل بن علي
قاضي المحكمة الشرعية الأولى
بدولة قطر
شوال ١٤٠٠هـ الموافق أغسطس ١٩٨٠م