← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 10896

نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين

أحمد بن حجر آل بوطامي

Полный текст (142 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال؛ لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل. ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورًا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي (فمنها) قوله: أني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وأني أقول أن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء أني أدعي الاجتهاد، وأني خارج على التقليد، وأني أقول أن اختلاف العلماء نقمة، وأني أكفر من توسل بالصالحين، وأني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، وأني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول اللَّه ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت

стр. 72

ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب، وأني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ وأني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وأني أكفر من حلف بغير الله، وأني أكفر ابن الفارض وابن عربي، وأني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين. جوابي عن هذه المسائل أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، وقبله من بهت محمدًا ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهتوه ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة وعيسى وعزيرًا في النار. فأنزل اللَّه ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية. وأما المسائل الأخر وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا اللَّه، وأني أعرف من يأتيني بمعناها، وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير اللَّه وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير اللَّه كفر، والذبيحة حرام، فهذه المسائل حق وأنا قائل بها، ولي عليها دلائل من كلام اللَّه وكلام رسوله ومن أقوال

стр. 73

العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة، وإذا سهل اللَّه تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء اللَّه تعالى. ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ . الآية اهـ (مجموعة رسائل التوحيد- جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم) . فهل في هذه الرسالة وفي كتاب التوحيد الذي انتشر في الشرق وفي الغرب يستطيع عالم فضلًا عن جاهل أن يأتي بكلمة يدين بها الشيخ ﵀ مما زعمه أولئك المغرضون، ومثل هذه الرسالة عدة رسائل كتبها الشيخ ﵀ إلى كثيرين منها: إلى عبد اللَّه بن محمد عبد اللطيف الإحسائي، وكتب إلى علماء مكة وعالم من علماء المدينة، وكتب إلى من يصل إليه من المسلمين رسالة، وإلى السويدي عالم أهل العراق في زمانه، وإلى أهل المغرب وإلى رئيس بادية الشام، وإلى البكيلي اليماني، وإلى الشيخ إسماعيل الجراعي وإلى غير هؤلاء، وفي كثير منها ينفي ما نسب إليه من عدم محبة الأولياء والصالحين وتكفير الناس أجمعين إلا

стр. 74

من كان على مذهبه ومنع زيارة القبور، ومنها زيارة قبر الرسول ﷺ سوى منع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، فإنه قد اتبع الحديث، وعدم احترام الأئمة الأربعة وغيرهم وإتلاف كتبهم إلى غير ذلك مما صنعه المفترون، وكل هذا كان جوابه ﵀، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . ومن يشك فيما أقول، فليقرأ كتبهم ليعلم حقيقة الحال، ولا يروج عليه ما يفتريه الجهال، أو فليقرأ التواريخ التي ألفت لنجد كعنوان المجد لابن بشر، وتاريخ ابن غنام الإحسائي، وتاريخ نجد للألوسي وجزيرة العرب في القرن العشرين لحافظ وهبة، وتاريخ نجد القديم والحديث للريحاني المسيحي. ويقرأ الكتب التي ألفت في تراجم الشيخ، مثل كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأحمد بن عبد الغفور الحجازي، ورسالة مختصرة في ترجمة الشيخ لعلي الطنطاوي، كما أني كتبت في ترجمته كتابًا أسميته (الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه) . وأما ما ذكره الكتاب والمؤرخون في حقيقة دعوته والثناء عليه، فأكثر من أن يحصر مثل:

стр. 75

حاضر العالم الإسلامي وتعليقات شكيب أرسلان، ومثل ما كتبه الزركلي في الأعلام، كما ترجم له ﵀ عبد الكريم الخطيب، حتى أن كثيرًا من المستشرقين كتبوا عن دعوة الشيخ وأثنوا عليها، هدانا اللَّه وإخواننا المسلمين إلى سلوك الطريق المستقيم. وخلاصة ما في الأمر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -أجزل اللَّه له الأجر والثواب- قال للناس: لا تعبدوا إلا اللَّه، ولا تتبعوا إلا الرسول محمد بن عبد اللَّه وأصحابه. صلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه. وذروا عبادة ما سوى المنفرد ولا تتنطعوا بزيارة وتردد بعثت به الرسل الكرام لمن هدى عهد النبي الهاشمي محمد هل قال إلا وحدوا رب السما وتمسكوا بالسنة البيضا هذا الذي جعلوه غشا وهو قد من عهد نوح هكذا تترى إلى وهي دعوة جميع الأنبياء والرسل، فإن كانت

стр. 76

الرسل قد قالوا لأممهم: اعبدوا اللَّه ولا تعبدوا الأوثان والأصنام؛ فقد قال الشيخ: اعبدوا اللَّه وحده وذروا عبادة القبور والأشجار والغيران والكهوف وكل شيء سوى اللَّه؛ لأن عبادة هذه الأشياء هي الوثنية بعينها، وكونهم كانوا يعتقدون بأن اللَّه خالق ورازق ومحيي ومميت، وأن محمدًا رسول، لا يفيدهم شيئا بعد أن أشركوا به غيره، ولكن مع ذلك كله ما كان الشيخ يحكم بتكفير أحد إلا بعد إقامة الحجة عليه. وأحب أن يفهم القارئ أو السامع الأسباب والبواعث لانتشار تلك المفاهيم المغلوطة عن الشيخ محمد وأتباعه، وتلك الافتراءات المنسوبة إليهم، فتفضل اقرأ باختصار: لما فشلت علماء الضلال من القبوريين والمتصوفة وأمثالهم في ميدان الحجج، كتب كثير منهم إلى الدولة العثمانية يحرضونها على الشيخ وأتباعه بأنه خارج عن دائرة المذاهب الأربعة، وأنه مبتدع ويكفر الناس، إلى غير ذلك من تلك الأكاذيب الملفقة التي أوحاها إليهم الشيطان وحب الرئاسة والأصفر الرنان، وما زالوا بالعثمانيين يتوسلون إليهم وإلى قواد جيشهم حتى انخدعت الدولة بأولئك المفترين وزاد

стр. 77

الطين بلة ما رأت الدولة من قوة انتشار دعوة الشيخ وتأسيس دولة آل سعود، ورأت أن الدولة السعودية قد بسطت نفوذها على نجد، وامتد إلى عمان، وأخذت تغزو العراق وأطراف الشام، وخافت أن يزول استعمارها من البلدان العربية لاسيما بعدما فتح آل سعود مكة المكرمة سنة ١٢١٨ هـ، قام العثمانيون عندئذ بدورهم السياسي، واستعملوا القلم والسنان ضد الشيخ وأتباعه النجديين. أما القلم فأخذوا يوزعون إلى بعض العلماء ممن قل نصيبه من الدين والعقل والحياء بأن يؤلفوا ضد الشيخ وأتباعه، وينشروا بين الناس تلك الأكاذيب. وأما السنان فقد أمرت الدولة محمد علي باشا واليها بمصر، أن يجهز الجيوش الجرارة لحرب النجديين وإبادتهم.. وجرى ما جرى. وقامت أشراف الحجاز بدورهم السياسي قبل الترك، وحاربوا السعوديين والدعوة السلفية، ولكنهم باءوا بالفشل الذريع واندحروا، وتم للسعوديين فتح مكة. كما حاربوا السعوديين قبل استيلائهم على مكة المكرمة وبعد خروجهم منها بنشر الدعايات

стр. 78

الكاذبة والافتراءات الصريحة، وإيعاذهم إلى بعض علمائهم، بتأليف كتب ضد دعوة الشيخ وأتباعه. فألف مأجورو الترك والأشراف كتبا شحنوها بالأكاذيب والترهات، وحشوها بالأحاديث الموضوعة والضعيفة والحكايات السمجة ضد الدعوة السلفية، وزعموا أن الشيخ مبتدع خارجي. حتى أن (زيني دحلان) نزل الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ وأتباعه، في كتابه (الدرر السنية) وفي (الفتوحات الإسلامية) . فعلوا كل ذلك تنفيرًا للناس، كيلا يتبعوا الشيخ الجليل، ويعتنقوا مبدأه الصحيح. ومن دعايات الأتراك والأشراف المنفردة للناس، نبزهم لأتباع الشيخ بالوهابية، وجعلهم هذا اللقب على هذه الفرقة السلفية كعنوان لخروج هذه الفرقة عن المذاهب، وعدم محبة النبي والصالحين، وكذبوا والله في ذلك. والقصد الوحيد من تلك الدعايات والإشاعات الباطلة صد الناس عن اعتناق الدعوة. وأمر آخر وهو أن لا تقوى شوكة السعوديين ويتسع نفوذهم، كي تبقى سيطرة الأتراك،

стр. 79

وإمارة الأشراف، ولكن اللَّه رد كيدهم في نحرهم، وعاملهم بنقيض قصدهم، فانتشرت دعوة الشيخ في سائر الأقطار، وعرف كثير من الناس صحتها وحقيقتها، وأنها لا تخرج عن نطاق الكتاب والسنة، فاعتنقها كثيرون، وألف جمع من المعتنقين لها كتبًا في تأييدها والدفاع عنها. وهاك زيادة على ما قدمناه من رسالة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ما قاله الشيخ سعد بن حمد بن عتيق أحد علماء نجد المتأخرين. لما ذهب الشيخ إلى الهند وسئل هناك عما يعتقده ويعتقده مشايخه من علماء الدعوة في ثلاث مسائل: الأولى: في حكم الاستغاثة بالنبي ﷺ كقول القائل: "أغثني يا رسول الله، اشفع لي، فرج كربي" ونحو ذلك. والثانية: في شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ وأقول ومثله سائر الأنبياء. والثالثة: في التوسل به ﵊. فأجاب في المسائل الثلاث بجواب مفيد، مستدلًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

стр. 80

قال في جوابه عن المسألة الأولى: "الذي نعتقده وندين للَّه تعالى به في هذه المسائل وغيرها، هو ما دل عليه كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فإن اللَّه تعالى أنزل كتابه وأرسل رسوله ليبين للناس ما يهتدون به، ويخلصهم من ظلمات الجهل والضلال، ويوصلهم إلى ربهم ، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ . قال ابن عباس ﵄: "تكفل اللَّه لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ .

стр. 81

أما ما يفعله أكثر الناس عند قبر النبي ﷺ من دعائه والتضرع إليه وسؤاله بأنواع السؤال، وكذلك ما يفعله عباد القبور من دعاء الأموات والاستغاثة بهم في الشدائد والمهمات والاستنجاد بهم في تفريج الكربات وإغاثة اللهفات كل ذلك من أعظم المحدثات وأكبر المنكرات؛ لأنه من الدعاء الذي هو مخ العبادة التي هي حق اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك كما يفيده تقدم المعمول، وهذا معنى قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ؛ فدلت هذه الآيات أوضح دلالة على أن العبادة بجميع أنواعها حق اللَّه تعالى، مختصة به لا يصلح منها شيء لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلًا عن غيرهما من الأولياء والصالحين وغيرهم من الأشجار

стр. 82

والأحجار. ولما كانت العبادة مختصة به تعالى أمرنا بإخلاصها له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ، وغير ذلك من الآيات الدالة على اختصاصه تعالى بالعبادة بجميع أنواعها. ومن أعظم أنواعها الدعاء كما قال النبي ﷺ : «الدعاء مخ العبادة» ، فمن دعا أحدًا غير اللَّه فقد عبده، فإن اللَّه تعالى قد سمى الدعاء عبادة في غير موضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ؛ فسماه دعاء، ثم سماه عبادة، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فسماه في أول الآية دعاء، وسماه في آخرها عبادة، وقد أفصح القرآن في مواضع بالنهي عن دعاء غير اللَّه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي

стр. 83

المشركين، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ، وصرح سبحانه بكفر من دعا غيره، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فدلت هذه الآيات على أنه سبحانه هو الإله الحق المتفرد بالعبادة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ . فمن دعا غير اللَّه من نبي أو ملك أو صالح أو غيرهم فقد أتى بالشرك الذي قال اللَّه فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وشرع دينا لم يأذن به اللَّه كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ، والله تعالى إنما شرع لعباده توحيده وإخلاص العبادة له كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ .

стр. 84

والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والذبح. فمن أخلص هذه العبادة بجميع أنواعها للَّه تعالى فهو المسلم وإن فعل الكبائر، ومن أشرك في شيء من أنواعها مخلوقًا نبيًا أو ملكًا أو صالحًا أو شيطانًا أو شجرًا أو حجرًا فقد بدل الدين، وأشرك برب العالمين، وسلك ضد سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ ومما ذكرنا يعرف مراد النبي ﷺ من النهي عن الصلاة عند القبور والبناء عليها واتخاذها مساجد ولعن فاعل ذلك كما قال النبي ﷺ : «لعنة اللَّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وإنما نهى عن ذلك واشتد نكيره على فاعله؛ لأنه ذريعة إلى الشرك في العبادة التي هي حق اللَّه تعالى، وفي الصحيح عن عائشة أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول اللَّه ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنو على قبره مسجدًا وصوروا فيه»

стр. 85

«تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» ، وفي حديث جندب بن عبد اللَّه مرفوعًا: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك» . ونهى النبي ﷺ عن الغلو والإطراء وهو مجاوزة الحد كما قال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد اللَّه ورسوله» ، وقال ﷺ : «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» ، وقال ﷺ للذي قال قوموا بنا نستغيث برسول اللَّه ﷺ : «من هذا المنافق إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله» . وقد وقع ما حذر منه ﷺ أمته من الغلو والإطراء، وفشى ذلك في البلاد والعباد حتى عظمت الفتنة، واستحكم الشر، وتفاقم الأمر، واشتدت الفتنة بالقبور وأهلها حتى وقعوا في الغاية التي لأجلها نهى ﷺ عن الغلو وعن البناء على القبور واتخاذها مساجد، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والبدعة سنة والسنة بدعة، وباشر أكثر الخلق جهارًا ما جاءهم فيه النهي الصريح من ربهم ونبيهم

стр. 86

صلى اللَّه عليه وسلم، وهذا مصداق قوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ» فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وبما حررنا تعرف أن ما يفعله القبوريون اليوم في مصر والشام والعراق والهند وغيرها من البلاد من عبادة القبور والاستمداد بأهلها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات كقول بعضهم: يا فلان أغثني، أو يا فلان اشف مريضي ورد غائبي، وأنا في حسبك، ونحو هذه الألفاظ، أن هذا هو الشرك المبين والضلال البعيد كما قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ وفي الآيتين بالكاف التي هي للبعد وتوسط اللام بينهما وبين اسم الإشارة وإقحام ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر مع تعريفه ووصفه بالبعد ما يقتضي أن هؤلاء قد بلغوا من الضلال والغواية والبعد عن الصراط المستقيم إلى ما لا نهاية له، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ قال المفسرون: معنى قوله من أضل أي لا أحد أضل منه، ولهذا كان هذا الذنب أعظم الذنوب عند اللَّه وأكبر الكبائر، ورتب عليه الخلود في النار

стр. 87

وحرم أهله جنته كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ، وقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الصحيح عن ابن مسعود مرفوعًا «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» فأنزل اللَّه تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ .

стр. 88

المسألة الثانية وأما المسألة الثانية وهي مسألة شد الرحل لزيارة قبر النبي ﷺ فقد جوز طائفة من متأخري العلماء شد الرحل إلى قبر النبي ﷺ وكذلك قبور الصالحين، وخالفهم طوائف من المحققين. والذي نعتقده هو ما دل عليه الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» ، وبهذا الحديث الصحيح تعرف بطلان قول المجوزين، فإن كل قول يخالف قول سيد المرسلين مردود على قائله، مضروب به في وجهه لا يلتفت إليه ولا يعول عليه. وكل أحد من أفراد الأمة وإن بلغ في العلم ما عسى أن يبلغ فهو أنقص من أن يرد لقوله قول محمد بن عبد اللَّه ﷺ لا سيما إن كان ذلك القائل في القرون المتأخرة المفضولة كما في مسألتنا. وعن ابن عباس ﵄ قال: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول اللَّه ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر فإذا كان هذا فيمن اختار قول أبي بكر وعمر على قول رسول اللَّه ﷺ ، فكيف تكون حال من رد

стр. 89

قوله ﷺ لقول عالم من العلماء؟. فمن شد الرحل لزيارة القبر الشريف، أو غيره من قبور الصالحين فهذا ممنوع؛ لما في هذا الحديث من حصر جواز ذلك في المساجد الثلاثة. والذي يشد الرحل لزيارة القبور أي قبر كان، داخل في هذا النهي، لكن ينبغي لمن يشد الرحل إلى أحد المساجد الثلاثة أن يزور من هناك من الصالحين؛ فإن زيارة القبور من غير شد رحل سنة مرغب فيها كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «زوروا القبور فإنها تذكركم الموت» ، وفيه عن بريدة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» ، وقد كان ﷺ يخرج إلى أهل البقيع فيدعو لهم، كما جاء ذلك في الصحيح، فهذه هي الزيارة الشرعية وهي أن يكون مقصود الزائر تذكر الآخرة والدعاء للميت والاستغفار له.

стр. 90

وأما ما يتوهمه بعض الناس من أن الزيارة إنما شرعت لأجل التبرك بالصالحين، وتحري الإجابة عند قبورهم فهو وهم فاسد مخالف لما شرعه اللَّه ورسوله، قال ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: ولم يكن أحد من الصحابة يقصد الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا صلى عندها.

стр. 91

وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف، وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، وقول بعضهم فلان يدعى عند قبره، وقول بعض الشيوخ إن كان لك حاجة فاستغث به، أو قال استغث عند قبري ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم، ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون المفضلة، وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا» ، قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدًا، وثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» ، وقد علم أن عمر لما أجدبوا استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون فلم يذهبوا

стр. 92

إلى القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا بالعباس، وكان توسلهم به توسلًا بدعائه كالإمام مع المأموم وهذا تعذر بموته. انتهى. قلت: وليت أهل زماننا اقتصروا على البدعة، ودعوا اللَّه عند قبور الصالحين، ولا أشركوهم في خالص حق اللَّه وأنت تراهم يسافرون إلى القبور من مسيرة أشهر، وبعضهم يرى ذلك السفر أفضل من الحج إلى بيت اللَّه، ويفعلون عند تلك القبور وفي تلك المشاهد من الشرك والكفر ما تطير منه أفئدة أهل الإيمان. اللهم إنا نعوذ بك من الشرك ووسائله، والله أعلم.

стр. 93

المسألة الثالثة وأما المسألة الثالثة وهي مسألة التوسل بالنبي ﷺ وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ ، فهي مسألة مشهورة، والكلام فيها معروف عند أهل العلم. فطائفة من العلماء منعوا من ذلك سواء توسل بالنبي ﷺ أو بغيره، وطائفة جوزوا ذلك بالنبي ﷺ لا بغيره، واستدل هؤلاء بما روى الترمذي والنسائي أن النبي ﷺ علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها؛ اللهم فشفعه في» ، فاستدلوا بهذا الحديث على جواز التوسل به ﷺ في حياته وبعد مماته، وقالوا: ليس في التوسل به ﷺ دعاء للمخلوق والاستغاثة به، وإنما هو دعاء ولكن فيه بجاهه ﷺ . قالوا: وهذا مثل قوله فيما رواه ابن ماجه في دعاء الخارج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا

стр. 94

بطرًا خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، هذا حاصل ما استدل به المجوزون للتوسل به ﷺ .

стр. 95

وأما المانعون من ذلك فيقولون: إن صح الحديث فليس فيه دليل على جواز التوسل به ﷺ بعد مماته، وإنما فيه جواز ذلك في حياته بحضوره، قالوا: والدليل على صحة ما قلناه أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس ﵄ فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا فيسقون. ولو كان التوسل به ﷺ بعد مماته مشروعًا لما عدل عمر عن النبي ﷺ إلى العباس هذا ما ذكره العلماء في هذه المسألة. ونحن وإن قلنا بالمنع من التوسل به ﷺ بهذا اللفظ أو نحوه لما نعتقده من أصحية المنع فنحن مع ذلك لا نشدد في ذلك على

стр. 96

من فعله مستدلًا بالحديث فضلًا عن أن نكفره كما ينسبه إلينا من لم يعرف حقيقة ما نحن عليه، وكذلك قول بعضهم أنا نكفر الناس بالعموم، ونستبيح دماء الناس وأموالهم من غير حجة، وكقول بعضهم: أنا نمنع من زيارة القبور، ونكفر من فعله ونحو هذه الأقاويل التي برأنا اللَّه منها، وله الحمد. ونحن لا نكفر إلا من كفره اللَّه ورسوله، ونعوذ باللَّه من أن نقول على اللَّه بلا علم في أسمائه وصفاته وشرعه وأحكامه، فإن ذلك من أعظم الذنوب كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ .

стр. 97

بيان المذاهب في كلام الله وإذ ذكرنا مقدمة تطلع القارئ على معلومات جمة عن السلف الصالح، وعلى معتقدهم ومنهم الحنابلة، ونفي ما نسب إلى الحنابلة النجديين من الأمور السابقة وإلى السابقين ومن القول بقدم الجلد والغلاف. كما تكشف له الافتراءات المنسوبة إليهم، وتبين حقيقة قولهم في الصفات، والكلام صفة من صفاته ﷻ فلنشرع الآن في بيان المذاهب في كلام البارئ فنقول وبالله التوفيق: هذه المسألة قد ضل فيها طوائف عديدة، وحبس الإمام أحمد وغيره من أجل أنه امتنع أن يقول: أن القرآن مخلوق، كما أوذي غيره بسببها من المأمون والمعتصم والواثق أبناء هارون الرشيد الذين تمذهبوا بمذهب المعتزلة، وهذا بيان المذاهب: الأول -الذي عليه الحنابلة- هو ما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين- أن كلام اللَّه غير مخلوق

стр. 98

وأنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء ومتى شاء، وأن الكلام صفة له قائمة له بذاته، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته بحرف وصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا. قال العلامة ابن قدامة ﵀ وهو من كبار علماء الحنابلة، قال: (فصل) ومن صفات اللَّه تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه ويأذن لهم فيزورونه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ، وقال سبحانه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾

стр. 99

وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله. وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁ إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع صوته أهل السماء. روى ذلك عن النبي ﷺ ، وروى عبد اللَّه بن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر اللَّه الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بهما فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» رواه الأئمة، واستشهد به البخاري. وقال بعد كلام: (فصل) ومن كلام اللَّه سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب اللَّه المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات وآيات بينات، وحروف وكلمات، ومن قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض متلو بالألسنة، محفوظ

стр. 100

في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام وأمر ونهي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . وسبق كلام شيخ الإسلام في منظومته اللامية وكلامه في رسالته الواسطية عن كلام الله. فهذه عقائد الحنابلة، فمن أين جاء في أقوالهم أن الجلد والغلاف قديمان، وأن أصوات القراء قديمة، ومن هنا يتبين أن ما نسبه المفترون إلى الحنابلة كذب لا أصل له وبهتان عظيم، وسيأتي زيادة بيان من كلام ابن القيم ﵀ في نونيته. قال العلامة السفاريني ﵀ وهو من متأخري الحنابلة في عقيدته: والعلم والكلام قد تعلقا ... بكل شيء يا خليلي مطلقا

стр. 101

وأن ما جاء مع جبريل ... من محكم القرآن والتنزيل كلامه سبحانه قديم ... أعيا الورى بالنص يا عليم وليس في طوق الورى من أصله ... أن يستطيعوا سورة من مثله

стр. 102

قال الناظم في شرحه ناقلا عن شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية في شرح رسالة الأصفهاني ما نصه: قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن اللَّه تعالى متكلم بكلام قائم بذاته، وأن كلامه تعالى غير مخلوق، وأنكروا على الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم أن كلامه تعالى مخلوق خلقه في غيره، وأنه كلم موسى بكلام خلقه في الشجرة، وكلم جبريل بكلام خلقه في الهواء، واتفق أئمة السلف على أن كلام اللَّه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. قال: ومعنى قولهم منه بدأ أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم بأنه بدأ من بعض المخلوقات، وأنه سبحانه لم يقم به كلام. قال: ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته فإن الكلام وغيره من الصفات لا يفارق الموصوف، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره، ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد: كلام اللَّه ليس ببائن من خلقه في بعض الأجسام. قال شيخ الإسلام: ومعنى قول السلف "وإليه يعود" ما جاء في

стр. 103

الآثار "أن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية" وما جاءت به الآثار عن النبي المختار ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين كالحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، وكتبه إلى المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه عن النبي ﷺ أنه قال: "ما تقرب العباد إلى اللَّه بمثل ما خرج منه" يعني القرآن، وفي لفظ: "بأحب إليه مما خرج منه". وقال بعد كلام طويل بعنوان "مذهب السلف في الكلام". وتحرير مذهب السلف أن اللَّه تعالى متكلم كما مر، وأن كلامه قديم، وأن القرآن كلام اللَّه، وأنه قديم ومعانيه، وقد توعد اللَّه جل شأنه من جعله قول البشر بقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾

стр. 104

ومحمد ﷺ بشر فمن قال إنه قول محمد فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول بشر أو جني أو ملك فمن جعله قولا لأحد من هؤلاء فقد كفر. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ فالمراد أن الرسول بلغه عن مرسله لا أنه قوله من تلقاء نفسه، وهو كلام اللَّه الذي أرسله كما قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فالذي بلغه الرسول هو كلام اللَّه لا كلامه، ولهذا كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس في المواسم ويقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؛ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» رواه أبو داود وغيره. والكلام كلام من قاله مبتدئًا به لا كلام من قاله مبلغًا مؤديًا وموسى ﵇ سمع كلام اللَّه من اللَّه بلا واسطة، والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض، فسماع موسى مطلق بلا واسطة، وسماع الناس مقيد بواسطة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾

стр. 105

ففرق بين التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى وكلم نبينا ﷺ ليلة الإسراء، وبين التكليم بواسطة الرسول كما كلم سائر الأنبياء بإرسال رسول إليهم ... إلى أن قال: "فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله أو هو كلام غيره؛ فهو ملحد مبتدع ضال، ومن قال أن أصوات العباد أو المداد الذي يكتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع ضال، بل هذا القرآن هو كلام اللَّه، وهو مثبت في المصاحف، وهو كلام اللَّه مبلغًا عنه مسموعًا من القراء ليس هو مسموعًا منه تعالى، فكلام اللَّه قديم وصوت العبد مخلوق. ا. هـ.

стр. 106

كلام الحافظ ابن القيم في النونية في رد هذه الفرية مع كلام شارحها وقال الحافظ ابن القيم بعد أبيات عديدة من النونية، لزيادة الإيضاح والبيان والتأكيد ورفع الالتباس والشبهة، ولعله كان يقصد الرد على من زعم أن الحنابلة يقولون بقدم صوت القارئ ومداده وكتابته، فقال ﵀: وتلاوة القرآن أفعال لنا ... وكذا الكتابة فهي خط بنان لكنما المتلو والمكتوب والمحفوظ ... قول الواحد الرحمن والعبد يقرؤه بصوت طيب ... وبضده, فهما له صوتان وكذاك يكتبه بخط جيد ... وبضده فهما له خطان أصواتنا, ومدادنا وأداؤنا ... والرق, ثم كتابة القرآن ولقد أتى في نظمه من قال قول ... الحق والإنصاف غير جبان

стр. 107

إن الذي هو في المصاحف مثبت ... بأنامل الأشباح والشبان هو قول ربي آيه وحروفه ... ومدادنا والرق مخلوقان فشفى وفرق بين متلو ومصنوع ... وذاك حقيقة العرفان الكل مخلوق وليس كلامه ... المتلو مخلوقًا, هنا شيئان فعليك بالتفصيل والتمييز ... فالإطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا ... الأذهان والآراء كل زمان وتلاوة القرآن في تعريفها ... باللام قد يعنى بها شيئان يعنى بها المتلو فهو كلامه ... هو غير مخلوق كذي الأكوان ويراد أفعال العباد كصوتهم ... وأدائهم, وكلاهما خلقان فانظر إلى كلامه ﵀ حيث أكد غير مرة أن المداد والأداة والرق والكتابة كلها

стр. 108

مخلوقة، وأفاد فائدة جديدة حاثا عليها وهي- أنه يجب أن نفرق بين التلاوة والمتلو، وبين الكتابة والمكتوب، وأن لا نحكم حكمًا إجماليًا مطلقًا بغير تفصيل فإنه ما أفسد هذا الوجود، وأوقع هذا الشجار والنزاع بين الطوائف، وأضل العقول والأفكار، إلا عدم التفصيل والبيان، والتحديد لمعاني الألفاظ المجملة التي يقع في معانيها احتمال واشتباه، وبعض هذه المعاني يكون صحيحًا مرادًا، وبعضها يكون فاسدًا غير مراد، فتشبهث طوائف المبتدعة بتلك المعاني الفاسدة، وتفسر الألفاظ بها، فتقع في الضلال؛ ولهذا أوصى بما أوصى شيخه به من قبل، مبينًا أن الفساد كله إنما ينشأ عن الإطلاق والإجمال. ففي المسألة التي معنا لا يجوز -مثلًا- إطلاق القول بأن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، بل يجب التفصيل: فإذا كان المراد بالقرآن نفس ألفاظ القارئ وصوته وأداؤه فذلك ولا شك مخلوق، وأما إن كان المراد به المتلو المؤدى، فهذا كلام اللَّه غير

стр. 109

مخلوق، وكذلك لفظ التلاوة، إذا عرف باللام كان محتملًا لمعنيين، أن يراد به المتلو، فيكون غير مخلوق كهذه الأكوان المخلوقة، وقد يراد به أفعال العباد من أدائهم وأصواتهم فهذا مخلوق، وقد اشتبه على كثير من الناس، ولم يهتدوا للفرق بين الأمرين، ومن أجل ذلك لما سئل الإمام أحمد هل لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ فقال: "لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق.. فأنكر عليه من لم يفهم معنى كلامه نفي الضدين، واهتدى أولو المعرفة إلى سر ذاك النفي وحكمته، وذلك أن كلمة اللفظ من الكلمات المجملة التي لا يجوز الحكم عليها بنفي أو إثبات قبل التفصيل ومعرفة المراد منها، فإنها تصلح أن تكون مصدرًا بمعنى التلفظ وهي بهذا المعنى فعل العبد، وهو مخلوق، وتصلح أن يراد بها نفس الملفوظ به وهو القرآن، وهو بهذا المعنى غير مخلوق. ولأجل احتمال المعنيين، أنكر الإطلاق في الإثبات والنفي قبل التفصيل والبيان الذي

стр. 110

يحصل به التمييز بين المعنيين ومعرفة المراد منهما انتهى. الثاني: أنه مخلوق، خلقه اللَّه منفصلًا عنه، وهذا قول المعتزلة. الثالث: أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وغيره. الرابع: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث. الخامس: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، وهذا قول الكرامية وغيرها. السادس: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته.. وهذا يقول صاحب المعتبر ويميل إليه الرازي في المطالب العالية.
следующие страницы →