← Сира

Сира · id 10898

أهمية دراسة السيرة النبوية للمعلمين

حصة بنت عبد الكريم

Полный текст (71 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أهمية دراسة السيرة النبوية للمعلمين تأليف: د. حصة بنت عبد الكريم الزيد ال مقدمة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: وبعد. فإن الله جعل محمداً شاهداً على الناس أجمعين، وجعل سلوكه أعظم سلوك، وتصرفاته أهدى تصرف، فكانت بذلك مثلاً يحتذى، وميزاناً صادقاً للبشرية في أعمالها وتصرفاتها، وقد كان هذا الهدي واضحاً لدى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكانوا يترسمونه، ويسيرون على هداه، ويتحرونه في كل أمورهم صغيرها وكبيرها. ولما خبا ضوء السيرة النبوية في حياة الناس، وبخاصة من لهم رأي وتوجيه، وتعليم وتربية، تبع ذلك خلل في سلوك الناشئة التي تتلقى عنهم، فتلفت المربون، وبادر الموجهون إلى البحث عن مواطن الخلل في هذه السلوكيات، أهذا الخلل في المادة العلمية، أم في طريقتها؟ أهو في المعلم، أم في المتلقِّي؟ وفي ميدان البحث يتذكر الراشدون أنه لن يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وخير زاد، وأعظم هدي، يستضاء به ويسترشد بخطواته عملياً، هو الهدي المحمدي، في سيرة محمد بن عبد الله ﷺ ، أعظم معلم، وأهدى مُرَبًّ. وفي هذا البحث الذي اخترته بعد تفكير وتأمل حرصت فيه على إبراز أهمية دراسة السيرة النبوية للمعلمين من خلال التركيز على المسائل التالية: المسألة الأولى: اهتمام الرسول ﷺ بالتعليم. المسألة الثانية: موضوعات التعليم في سيرة المصطفى ﷺ . المسألة الثالثة: أساليب الرسول ﷺ في التعليم.

стр. 2

المسألة الرابعة: وسائل الرسول ﷺ في التعليم. الخاتمة: نتائج دراسة سيرة الرسول ﷺ المتعلقة بالتعليم، وكيف يمكن توظيف نتائج الدراسة فيما يحقق خدمة المعلمين في العصر الحاضر، ويساعد على تطوير أدائهم التعليمي استناداً إلى سيرة المصطفى ﷺ ؟ وأسأله جل شأنه أن يتقبله، ويجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم.

стр. 3

المسألة الأولى: اهتمام رسول الله ﷺ بالتعليم مدخل ... المسألة الأولى: اهتمام رسول الله ﷺ بالتعليم. لم يُعرف دين رفع قَدْرَ العلم، واحترم العلماء واهتم بطلب العلم، مثل الدين الإسلامي قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] . ولقد رغب رسول الله ﷺ في العلم وبَيَّن أنه طريق الجنة، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة" (١) . ولم يرغَّب ﷺ أحداً أن يغبط أحداً على شيء من النعم التي أنعم الله بها على عباده إلا على نعمتين إحداهما: طلب العلم والعمل به، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (٢) (٣) . ومن المؤكد أن ما ورد عن النبي ﷺ في الحث على التعليم لم يرد على سبيل الإشارة العابرة هنا وهناك بدون امتداد وإثراء للفكرة ذاتها. فالقدر الكبير من أقوال الرسول ﷺ التي تحض على طلب العلم والاستمرار فيه تؤكد

стр. 4

أن الاهتمام بالتعليم كان فكرة أصيلة ضمن إطار فكري عام (١) . ولهذا فالإنسان المسلم في حاجة ماسة إلى العلم الذي ينمي الإيمان، ويغرس الفضائل، ويفقهه في دينه، فيحصل على الخيرية التي قال النبي ﷺ فيها: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (٢) ، فيعبد ربه على بصيرة، فإذا تعلم وتفقه في أمور دينه ودنياه، وعلَّمه غيره ورغبهم في العلم، وبيَّن لهم أن مجالسه تحفها الملائكة، وتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في الملأ الأعلى (٣) مقتدياً في ذلك برسول الله ﷺ الذي رغَّب في العلم، وحرص على تعليم المسلمين أمور دينهم سواء كانوا رجالاً أو نساءً أو أطفالاً. وكان ﷺ أرفق الناس بالمتعلمين، وأبعدهم عن التشديد والتعسير والفظاظة والغلظة، وهذا ما نوَّه به القرآن الكريم عند الإشارة إلى أخلاقه ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) . وقد طبق رسول الله ﷺ ما عَلَّمه الله تعالى قولاً وفعلاً وأمر أصحابه

стр. 5

رضي الله عنهم بذلك، فعندما أرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري ﵄ إلى اليمن معلمين وقضاة قال لهما: "يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وَبَشِّروا ولا تُنَفِّروا" (١) . ولهذا ينبغي للمعلمين الاقتداء برسول الله ﷺ في فعله وقوله بالرفق بطلابهم والصبر عليهم، وعدم تعنيفهم، كما قال الماوردي ﵀: "ألا يعنفوا متعلماً، ولا يحقروا ناشئاً، ولا يستصغروا مبتدئاً، فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحث على الرغبة فيما لديهم" (٢) . ولم يكن رسول الله ﷺ يخص فئة دون أخرى بالتعليم أو يتابع مجموعة دون غيرها، بل كان حرصه على التعليم ممتداً ليشمل الصغار والكبار، والنساء والرجال، متابعاً لأمورهم، حريصاً على إرشادهم وتعليمهم بالقول والفعل والقدوة. ولتقديم توضيح لاهتمامه ﷺ بالجميع دون استثناء نتناول كيفية اهتمامه ﷺ بتعليم الرجال، والنساء، وكذلك الأطفال.

стр. 6

أولاً: الاهتمام بتعليم الرجال . كان رسول الله ﷺ حريصاً على تعليم أصحابه وتوجيههم وإرشادهم حسب واقع الحال الذي يتطلبه الموقف، فمثلاً هذا رجل غريب جاء يسأل

стр. 7

عن دينه فترك ﷺ خطبته ليعلمه ما سأل عنه، فقد روى الإمام مسلم عن أبي رفاعة ﵁ قال: "انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: قلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، ولا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليّ. فأُتي بكرسي، حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ . وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها" (١) . قال الإمام النووي ﵀: "فيه تواضع النبي ﷺ ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم" (٢) . وفي موضع آخر يصف صحابي جليل اهتمام رسول الله ﷺ بتعليم أصحابه ﵃ مشيراً إلى رفقه وحسن تعليمه بقوله: "بأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه"، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله؛ فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليّ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ . فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ماكهرني، ولا ضربني ولا شتمني قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكُهَّان؟

стр. 8

قال: "فلا تأتهم". قلت: ومنا رجال يتطيرون قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم" (١) . قال النووي – ﵀: "فيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وفيه من التخلق بخلقه ﷺ في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف، وتقريب الصواب إلى فهمه" (٢) . ونلحظ أثر الرفق واللين في معاملة رسول الله ﷺ لمعاوية ﵁، إذ بدأ يستفسر عن الأمور التي كانت شائعة في الجاهلية كي يتجنبها إن كانت محرمة – لئلا تظهر منه فينكر عليه (٣) . فالمعلم شفيق على طلابه حريص على تعليمهم وتقريب المعاني إلى أفهامهم مقتدياً بفعل رسول الله ﷺ . وهذا رجل يدخل المسجد ويتبول فيه، من دون مراعاة لحرمة المكان ووجود الناس فيتركه رسول الله ﷺ حتى ينتهي، ثم يدعوه إليه ليعلمه أن للمسجد حرمة وأنه للصلاة والذكر والتسبيح. فعن أنس ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : "مه مه" (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزرموه (٥) ،دعوه (٦) " فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ﷺ دعاه

стр. 9

فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: "فأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه (١) عليه". قال الإمام النووي ﵀: "وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافاً أو عناداً (٢) .فالرسول ﷺ لم يترك الأعرابي يبول في المسجد إلا لما خشي من ظهور منكر أعظم من منعه مِن البول" (٣) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: "إنما تركوه يبول في المسجد لأنه كان شرع في المفسدة، فلو منع لزادت، إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين: إما أن يقطعه فيتضرر، وإما ألا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد" (٤) فالمعلم التربوي يقرن تعليمه بالرفق واللين، فيكون له أعظم الأثر في قلوب طلابه. وهكذا كان لمعاملة رسول الله ﷺ للأعرابي بالرفق أعظم الأثر في نفسه، ونلاحظ ذلك في قول الأعرابي بعد أن فقه "بأبي وأمي" فلم يؤنب ولم يسب. ومن اهتمامه ﷺ بتعليم الرجال دعوته المستمرة إلى الاهتمام بالفرد، واغتنام أحسن المناسبات لتوعيته وتوجيهه، ومن ذلك قصة الرجل الذي جاء

стр. 10

يسأل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة "فعن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة. فقال له: صَلِّ معنا هذين – يعني اليومين". فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن. ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره، فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله.. قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم" (١) . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "فيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار، وفيه أن وقت المغرب ممتد، وفيه البيان بالفعل، فإنه أبلغ في الإيضاح، والفعل تعم فائدته السائل وغيره" (٢) . فعلى المعلم أن يقتدي بفعل رسول الله ﷺ أثناء تعليمه لطلابه، فيقرن العلم بالعمل؛ لتثبيت المعلومات في أذهانهم، وحصر الفكرة في مدلول واقعي يدركه المتعلم ويفهمه.

стр. 11

ثانياً: الاهتمام بتعليم النساء . لم يغفل الرسول ﷺ عن الاهتمام بتعليم النساء أمور دينهن، بل كان حريصاً على توصيل الأحكام الشرعية إليهن وبخاصة ما يتعلق منها بالمرأة، وله في ذلك شواهد تؤكد اهتمامه وحرصه ﷺ على الاستجابة لأي سؤال أو استفسار يأتيه من النساء، حتى ولو كان في أدق خصوصياتهن. ومن ذلك ما ورد عن عائشة ﵂: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأخبرها كيف تغتسل. ثم قال: "خذي فرصة من مسك، فتطهري بها" قالت: وكيف أتطهر بها. ثم قال: "سبحان الله تطهري بها"، قالت عائشة ﵂: فجذبت المرأة وقلت: "تتبعين بها أثر الدم" (١) . كما كان ﷺ يتفقد أحوال النساء، ويطمئن على صحتهن. فها هو رسول الله ﷺ يدخل على ضباعة بنت الزبير، ويسألها عن الحج، وهل تستطيع ذلك؟ فيشجعها بقوله ﷺ : "حجي واشترطي". فعن عائشة ﵂ – قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: " لعلك أردت الحج" قالت: والله لا أجدني إلا وجعة (٢) فقال لها: "حجي واشترطي، قولي: اللهم محلِّي (٣) حيث حبستني (٤) " وكانت تحت المقداد بن الأسود (٥) .

стр. 12

كما كان رسول الله ﷺ يعلم من أشكل عليها أمراً، وأثار لديها تساؤلاً، حيث عَلَّم رسول الله ﷺ أم سلمة ﵂، حينما أشكل عليها صلاة النبي ﷺ بعد العصر لتعارضها ظاهراً مع نهيه ﷺ . فعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ ينهى عنها ثم رأيته يصليها حين صلى العصر، ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه، قولي له: "تقول لك أم سلمة: يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين، وأراك تصليها". فإن أشار بيده فاستأخري عنه. ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه. فلما انصرف، قال: "يا ابنة أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني أناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان" (١) . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفيه الفحص عن الجمع بين المتعارضين (٢) فأم سلمة ﵂ استشكلت ما ظهر لها من خلاف بين قول النبي ﷺ وفعله، فأثار لديها تساؤلاً، أجاب عنه رسول الله ﷺ حتى لا يكون هناك مجال لظن". فالطالب إذا أشكل عليه أمر فظهر له الخلاف بين القول والفعل أو الفعل والأمر، ينبغي له المسارعة بسؤال المعلم، فإنه بالسؤال يسلم من إرسال الظن السيئ بتعارض الأفعال والأقوال (٣) .

стр. 13

كما كان ﷺ حريصاً على تعليم من جهل منهن أمراً من أمور الدين والرفق بهن، وعدم مؤاخذتهن. ومن ذلك ما ورد عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري". قالت: "إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه". فقيل لها: إنه النبي ﷺ . فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين. فقالت: لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى " (١) . قال العلامة العيني ﵀: "فيه ما كان ﵊ من التواضع والرفق بالجاهل، وترك مؤاخذة المصاب، وقبول اعتذاره" (٢) . وكان لتعامل رسول الله ﷺ باللطف مع المرأة الأثر الكبير في نفسها. فهذا التعامل بالرفق واللين مع المرأة ولَّد لديها محبةً لرسول الله ﷺ ومهابة. ومما يؤيد ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: فلما ذهب النبي ﷺ قيل لها: "إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت. فأتت بابه ... الحديث" (٣) . قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح قول أنس بن مالك ﵁ "فأخذها مثل الموت" أي: من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه ﷺ ؛ خجلاً منه ومهابة (٤) . فحسن تعامل المعلم مع طلابه والرفق بهم، والأخذ بأيديهم يُوَلِّد لديهم

стр. 14

محبة المعلم ومهابته، وحسن الاستماع إلى ما يأمر به. وهذا هو المطلوب في العملية التعليمية.

стр. 15

ثالثاً: اهتمامه ﷺ بتعليم الصغار . كان رسول الله ﷺ نعم المعلم لأصحابه متصفاً بصفات الكمال، ومن كمال منهجه التربوي اهتمامه بتربية الصغار وتعليمهم، وصبره عليهم وأخذه بأيديهم، حيث كان ﷺ يحرص أن يكون معلماً ومؤدباً لهم ليتحقق صلاحهم حينما يكبرون. من اهتمامه ﷺ بالصغار ما ورد من توجيهه التدريجي في الصلاة حيث قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع" (١) . فبيَّن ﷺ أن الصلاة هي الأساس، وأمر بحثِّ الأبناء على إقامتها على الوجه المطلوب وإن في ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة. قال الإمام ابن قدامة ﵀: "قال القاضي: يجب على ولي الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة إذا بلغ سبع سنين، ويأمره بها، ويؤدبه عليها إذا بلغ عشر سنين" (٢) . لذا ينبغي للمربي أن يأمر الأطفال بالطاعات قبل بلوغهم سن الرشد؛ كي يستأنسوا لها ويعتادوها؛ فالطفل أسلس قياداً، وأسرع مؤاتاة، ولم تغلب عليه عادة تمنعه من اتباع ما يراد منه، ولا له عزيمة تصرفه عما يؤمر به (٣) .

стр. 16

فإذا اعتادوا هذه الطاعات سهل عليهم القيام بها إذا ما كبروا. قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي: "ويجب عليه أيضاً أن يعلمه ما يجب عليه علمه، أويقيم له مَنْ يعلمه ذلك" (١) . كما كان ﷺ حريصاً على تعليمهم بعض مهارات الحياة التي تفيدهم في دنياهم فعن أبي سعيد ﵁: "أن النبي ﷺ مر بغلام وهو يسلخ شاة فقال له رسول الله ﷺ : "تنح حتى أريك" فأدخل يده بين الجلد واللحم، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى، فصلى للناس، ولم يتوضأ" (٢) . والرسول ﷺ عطوف ورحيم في تعليمه للصغار معالجاً لأخطائهم بدون قسوة ولا تعنيف. ومن ذلك حينما جمعت لدى الرسول ﷺ الزكاة فأكل منها الحسن ﵁، فوجَّهه الرسول ﷺ بلطف، بأنه لا ينبغي له الأكل من الزكاة؛ وذلك لما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ : "كخ كخ" ليطرحها ثم قال: "أما شعرتَ أنَّا لا نأكل الصدقة" (٣) . قال الحافظ ابن حجر: كلمة كخٍ كخٍ كلمة زجر للصبي عما يريد فِعْله (٤) .

стр. 17

لذا يجب على الأولياء إبعاد أطفالهم عن المحرمات، ومنعهم من تعاطيها، ومعاتبتهم عليها، فرسول الله ﷺ أمر الحسن بطرح التمرة ورميها مِنْ فيه مع أنه طفل لا تلزمه الفرائض، ولم تَجْرِ عليه الأقلام. قال الإمام النووي ﵀: "وفي الحديث أن الصبيان يُحَذّرون مما يحذر منه الكبار، وهذا واجب على الولي" (١) . ولا ينسى رسول الله ﷺ أن يقرن توجيهه للصغار بالقول حينما يكون ذلك كافياً في التوجيه والتعلم. ومن ذلك حينما رأى الرسول ﷺ عمر بن أبي سلمة وهو لا يحسن الأكل من الإناء، فوجَّهه توجيهاً لطيفاً إلى آداب الأكل. فعن عمر بن أبي سلمة ﵄ يقول: "كنت في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة (٢) فقال لي رسول الله ﷺ : "يا غلام، سَمِّ الله وكل بيمينك وكُلْ مما يليك" فما زالت طعمتي بعد (٣) (٤) . فرسول الله ﷺ علَّم عمر بن أبي سلمة ﵁ آداب الأكل بالرغم من صغر سنه. ومما يدل على ذلك مخاطبة رسول الله ﷺ له بقوله: "يا غلام"، والغلام - كما بيَّن العلماء - هو الصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم (٥) .

стр. 18

فعلى الأولياء والمعلمين الحرص على تعليم الأطفال ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، على أن يكون التعليم بالرفق واللين، حتى يتقبل الطفل من وليه، ويكون له الأثر العظيم في مستقبل حياته. كما كان في تعليم رسول الله ﷺ لعمر بن أبي سلمة الأثر العظيم حيث قال ﵁: "فما زالت تلك طعمتي بعد أي: لزمت ذلك وصار عادة لي" (١) . ومن اهتمامه ﷺ بتعليم الصغار: أنه ﷺ عندما سمع من البنت الأنصارية الصغيرة قولاً مخالفاً للشرع، بأن نَسَبت إليه أنه يعلم ما في الغد علَّمها ما ينبغي لها قوله، ومنعها من إعادة كلامها. فقد روت الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليّ (٢) فجلس على فراشي كمجلسك (٣) مني، فجعلت جويريات (٤) لنا يضربن بالدف (٥) ويندبن (٦) من قُتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: "وفينا نبيّ يعلم ما في غد". قال: "دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين" (٧) .

стр. 19

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "إنما أنكر عليها ما ذُكر من الإطراء حيث أُطلق علم الغيب له، وهو صفة تختص بالله تعالى كما قال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] . فعلى المعلمين والأولياء الحرص على تعليم الصغار الكلمات الصحيحة التي لا تتنافى مع التوحيد ولا تتعارض مع احترام الرسول ﷺ ، وأن يمنعوهم إذا سمعوا منهم كلمات تخالف الشرع، مِنْ حلفٍ بغير الله، أو سب أو شتم أو غيبة أو نميمة أو تنابز بالألقاب (١) .

стр. 20

المسألة الثانية: موضوعات التعليم في سيرة المصطفى ﷺ أولا: العقيدة ... المسألة الثانية: موضوعات التعليم في سيرة المصطفى ﷺ بينت في المسألة السابقة اهتمام الرسول ﷺ بالتعليم. وهنا أتحدث عن الموضوعات التى كان يوليها الرسول ﷺ اهتماماً بارزاً في تعليمه للناس والتي يمكن الحديث عنها في الفقرات التالية: أولاً: العقيدة: إن الإيمان بالله وطاعته وابتغاء مرضاته هو الهدف من خلق الإنسان. وفي حديث جبريل الطويل عندما أرسله الله ليعلم نبيه ﷺ الأولويات في التعليم بدأ بالعقيدة ثم العبادات ثم المعاملات، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال:" كان رسول الله ﷺ يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر.." قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم

стр. 21

الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك". قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، لكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَةُ ربها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] . قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "ردوا عليّ الرجل" فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم" (١) . فالإيمان فَسَّره النبي ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة، فقال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٢) . ورسول الله ﷺ سلك هذا المنهج في تعليمه للبشرية فبدأ بالعقيدة وقَدَّمها على سائر الموضوعات الأخرى، فتناول أصول الإيمان بالله تعالى وملائكته

стр. 22

وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين، حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام (١) . ومن أمثلة ذلك: ما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" (٢) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: "المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بها؛ لأنها أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة" (٣) . كما أن من أقر بالشهادتين، واعتقد ذلك جزماً كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة والجنة (٤) ومن ذلك ما وَرَدَ في حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانيَّة (٥) ،

стр. 23

فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ كما يأسفون (١) ، لكني صككتها (٢) صكةً، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال "من أنا؟ " قالت:" أنت رسول الله " قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٣) . قال النووي رحمه الله تعالى قال: "كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده؟ " (٤) . فعلى المعلم الابتداء في تعليم طلابه العقيدة الإسلامية الصحيحة مقتدياً في ذلك برسول الله ﷺ وغرس مفهومها الصحيح في نفوس طلابه، فيربطهم بالخالق ، حتى يتوجهوا إليه في سائر عباداتهم ودعائهم، ويعلموا يقيناً أنه تعالى هو الرازق الناصر القادر على كل شيء، كما عليه أن يحثهم على أن من حصل له مكروه فعليه التوجه إلى الله تعالى بالدعاء، فإنه سميع مجيب، وليتوكلوا عليه في سائر أمورهم (٥) .

стр. 24

ثانياً: الشريعة: وتعليم الرسول ﷺ لم يكن مقتصراً على العقيدة بل اتجهت جهوده ﷺ إلى العبادات التي تعد أمراً أساسياً في الشريعة الإسلامية حتى أوجد منهجاً

стр. 25

متكاملاً في أمور العبادات العملية بجميع أشكالها من صلاة وزكاة وصوم وحج..إلخ واتخذ في ذلك منهج التدرج في التشريع ليحصل القبول لهذا الدين عند الناس. وذلك بعد أن عمر قلوبهم بالإيمان الخالص لله وحده، فبدأ بتعليمهم كيفية الصلاة المفروضة وحقوقها وأركانها وحدودها، سواء كان ذلك عن طريق سؤال الصحابة ﵃ له أو من خلال الممارسة العملية. ومن ذلك أنه ﷺ كان يُعَلمهم دعاء الاستفتاح في الصلاة. فعن أبي هريرة – ﵁ – قال: كان رسول الله ﷺ إذا كَبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً (١) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد" (٢) . قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقيل قاله على سبيل التعليم لأمته" (٣) . فالمعلم الناجح المشفق على طلابه يُعَلِّمهم أدعية الاستفتاح في الصلاة فإذا اعتادت أنفسهم دعاءً أرشدهم إلى غيره، كما يحثهم على الإلحاح بالدعاء إلى الله أن ينقيهم من الخطايا والذنوب.

стр. 26

كما كان يُعَلِّمهم قراءة الفاتحة آية آية، أي قراءتها ثم قراءة الآية التي بعدها كما ورد عن أبي هريرة – ﵁ – قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبد ي نصفين، ولعبد ي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبد ي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبد ي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مَجَّدني عبد ي (وقال مرة: فَوَّض إليّ عبدي) فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين: قال: هذا بيني وبين عبد ي ولعبد ي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبد ي ولعبد ي ما سأل" (١) . فالمعلم يحث طلابه ويرغبهم أثناء قراءة الفاتحة في السكوت على الآية والتي بعدها لاستحضار رَدٍّ من رب العالمين، مما يزيد المصلي طمأنينة وخشوعاً، كما كان ﷺ يترك فرصة للصحابة ﵃ أن يتعلموا ما يُلْقَى إليهم بعد تكراره. ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﵇ فقال: ارجع، فصل فإنك لم تصل، فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: "ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصل ثلاثاً" فقال: والذي بعثك بالحق فما أُحسن غيره، فعلِّمني. قال "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد

стр. 27

حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (١) . قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفيه حسن التعليم بغير تعنيف" (٢) ، وقال النووي ﵀: "وإنما لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة" (٣) . وكان ﷺ يعلم أصحابه ﵃ بالفعل ليقع التشريع منه؛ لكونه أبلغ من القول، ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة ﵁ – "صلَّى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي (٤) - قال محمد: وأكثر ظني أنها العصر – ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر – ﵄ – فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعَانُ (٥) الناس فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه رسول الله ذا اليدين فقال: أَنَسِيت أم قَصُرَت؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر"، قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبَّر ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبَّر" (٦) .

стр. 28

قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره" (١) . وكثير من الطلاب يجهلون من أحكام سجود السهو في الصلاة، فمنهم من يترك سجود السهو في محل وجوبه، ومنهم من يسجد في غير محله، ومنهم مَنْ يجعل سجود السهو قبل السلام وإن كان هو وضعه بعده ... ولذا كان تعليم المعلم لطلابه أحكام سجود السهو مُهِمّاً جداًّ؛ ليفهموا أحكام دينهم ويطبقوه (٢) . وكما عَلَّمهم ﷺ الصلاة عَلَّمهم ما يكون لهم فيه من بركة أو تزكية للنفوس إذا أخرجوا زكاة أموالهم، ففيها تنمية للأموال وتكثير لبركتها. كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما نقصت صدقة من مال" (٣) . فهي ليست غرامةً، ولا ضريبة تنقص المال وتضر صاحبها، بل هي على العكس تزيد المال نمواً من حيث لا يشعر الناس (٤) . كما بَيَّن ﷺ ما يترتب على أدائها من الأجر العظيم ألا وهو دخول الجنة وذلك ما ورد عن أبي الدرداء – ﵁ – قال: قال ﷺ : " خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة. من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وصام رمضان وحج البيت، إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه " (٥) .

стр. 29

كما بَيَّنَ لهم ﷺ مقدار الزكاة، وأنَّ مَنْ أدَّى زكاته كما أمر بذلك فليس بكانز لقول رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق (١) صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ (٢) صدقة وليس فيما دون خمس أوسق (٣) صدقة" (٤) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: "كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه، فلا يُسَمَّى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزاً " (٥) . لذا فالمعلم يُرغَّب في الصدقة، ويبين أنها إن نقصت المال عددياً فإنها لن تنقصه بركة وزيادة في المستقبل، بل يخلف الله بدلها ويبارك له في ماله" (٦) . ولم يكن رسول الله ﷺ ينتظر حتى يسأل عن الأجر بل إذا رأى منكراً أو أمراً مخالفاً يبادر إلى إنكاره. ومن ذلك ما ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده – ﵃ – أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يدِ ابنتها مسكتان غليظتان (٧) من ذهب، فقال لها: " أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: "أيسرك أن يُسَوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ " قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله" (٨) .

стр. 30

وشرع صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة بعد أن مرت مشروعيته بمراحل (١) فكان في ذلك مجال لتعليم أصحابه فضل الصوم وأحكامه. فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه احتساباً، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٢) . وأيضاً ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة

стр. 31

المفروضة، وتصوم رمضان"، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً أبداً، ولا أنقص. فلما ولَّى قال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (١) . فالرسول ﷺ رغَّب في الصيام وحث عليه لما فيه من تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة ولما له من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٢) . قال ابن القيم ﵀ في الصوم: "هو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئاً، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو يترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سر ما بين العبد وربه ولا يطلع عليه سواه" (٣) . فلهذا ينبغي للمعلم أن يبين لطلابه حقيقة الصوم، وهو أن يترك طعامه وشرابه لأجل الله فهذا أمرٌ لا يَطَّلع عليه إلا الله، ويحثهم ويرغبهم في صيام شهر رمضان وقيامه، ويبين لهم فضل هذا الشهر، وأنه مضاف إلى الله تعالى يقول ، عن الرسول ﷺ : "إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به" (٤) . قال الغزالي:" اعلم أن في الصوم خصيصة ليست في غيره، وهي إضافته إلى

стр. 32

الله – وكفى بهذه الإضافة شرفاً " (١) . وفي السنة العاشرة من الهجرة أُذن في الناس أن رسول الله ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينةَ بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتَّم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله (٢) وكان في ذلك فرصة عظيمة لتعليم رسول الله ﷺ المسلمين أمور دينهم. فعن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي – ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلاً فنادى رسول الله ﷺ كيف الحج؟ فأمر رسول الله ﷺ رجلاً فنادى "الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتمَّ حجه. أيام منى ثلاثة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" (٣) وزاد الترمذي لفظاً آخر " ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج" (٤) . وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: "خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه الناس" (٦) . وأيضاً ما رواه جابر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا مناسككم (٥) ، فإني لا أدري لعلي لا أحج

стр. 33

بعد حجتي هذه" (١) . فالمعلم المحب لتلاميذه يبين لهم أسباب الفوز بالجنة والنجاة من النار فيبين لهم فضل الحج المبرور الذي قال عنه رسول الله ﷺ "والحج المبرور (٢) ليس له جزاء إلا الجنة" (٣) . كما يحثهم على المتابعة ما بين الحج والعمرة لنفي الفقر والذنوب فعن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خَبَثَ الحديد" (٤) . قال الشيخ أبو الحسن السندي مبيناً المراد بالمتابعة بين الحج والعمرة: "اجعلوا أحدهم تابعاً للآخر واقعاً على عقبه، أي: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا فإنهما متتابعان" (٥) .

стр. 34

ثالثاً: الأخلاق: بعد تأصيل مبادئ الإيمان والعقيدة في النفوس ووضع القواعد الأساسية لأمور العبادات، يأتي دور محاسن الأخلاق التي تزكو بها النفوس، ويستقيم عوجها (٦) واتخذ لذلك وسيلتين: إمَّا التدرجَ، وإما القطعَ الحاسم. وكان

стр. 35

التدرج في تربية الأمة وفق ما يمر بها من أحداث. وأوضح مثال لذلك التدرج في تشريع تحريم الخمر. فقد نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٧] . ثم نزل قوله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فقارنت الآية بين منافع الخمر فيما يصدر عن شربها من طرب ونشوة أو يترتب على الاتِّجار بها من ربح، ومضارها من إثم تعاطيها، وما ينشأ عنه من ضرر في الجسم وفساد في العقل، وضياع للمال وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ونَفَّرت الآية منها بترجيح المضارِّ على المنافع. ثم نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] فاقتضى هذا الامتناع عن شرب الخمر من الأوقات التي يستمر تأثيرها إلى وقت الصلاة، حيث جاء النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر حتى يزول عنهم أثره، ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] . فكان هذا تحريماً قاطعاً للخمر في كل الأوقات (١) .

стр. 36

وهناك بعض الأخلاق التي واجهها ﷺ مواجهة حاسمة دون تدرج أو إبطاء عند تعليمه لأصحابه، لما يترتب عليها من أضرار. منها: * الغيبة: وهي من الصفات المذمومة والتي يتم فيها ذكر المرء ما يكرهه بظهر الغيب (١) فالرسول ﷺ بين لأصحابه ما هي الغيبة، وما الفرق بينها وبين البهتان. فعن أبي هريرة ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه" (٢) (٣) . والله تعالى ذكر مثلاً منفراً عن الغيبة فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] قال الشيخ السعدي: "شَبَّهَ أكل لحمه ميتاً المكروه للنفوس غاية الكراهة، باغتيابه فكما أنكم تكرهون أكل لحمه ولاسيما إذا كان ميتاً، فاقد الروح، فكذلك فلتكرهوا غيبته، وأكل لحمه حياً" (٤) . وحذَّرهم من الغيبة، وبيَّن لهم العقاب الشديد لمن أطلق عنان لسانه ليتحدث بما يشاء كيفما شاء.

стр. 37

عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (١) ، قال الشيخ السعدي تعليقاً على قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات: ١٢] وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأنها من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر" (٢) . وبين ﷺ أن التعريض بالغيبة كالتصريح، سواء كان إشارة أو إيماء أو غمزاً أو لمزاً أو حركة أو إشارة أو محاكاة. وعن عائشة ﵂ – قالت: فقلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". قالت وحكيت له إنساناً فقال: "ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا" (٣) . قال ابن حجر ﵀: "هي ذكر امرئ بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله" (٤) . والرسول ﷺ قد حثَّ المسلم على دفع كلام السوء عن أخيه المسلم وأن من فعل ذلك أبعد الله عن وجهه النار فعن أبي الدرداء ﵁، عن

стр. 38

النبي ﷺ قال: "من رد عن عِرْض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" (١) . فعلى المعلم أن يقتدي برسول الله ﷺ ويحث طلابه على مدافعة بعضهم عن بعض، وعدم تتبع عورات بعضهم بعضاً، فعن معاوية ﵁ قال سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم" (٢) . وقال عمر ﵁ في ذلك: "وإياكم وذِكْرَ الناس، فإنه داء" (٣) . * النميمة: هي نَقْلُ كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، ولذلك حذر منها رسول الله ﷺ وبين أنها طريق موصل إلى النار، فعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ : "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه". كما أن النمَّام ينال عقاب الله في قبره، كما ورد عن ابن عباس ﵄ – أنه قال: "مرّ النبي على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، - ثم قال-: بلى، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله"، قال: ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: "لعله يُخَفف عنهما، مالم ييبسا" (٤) .

стр. 39

قال الحافظ ابن حجر: "قال الزين بن المنير: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهم " (١) . قال قتادة ﵀: "ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول" (٢) . فالمعلم يبين أن النميمة تؤذي وتضر، وتؤلم، وتجلب الخصام والنفور وتذكي نار العداوة بين المتآلفين، ولم ينقل جواز إباحتها أحد (٣) . فقد روي عن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئاً فقال له عمر:" إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] . وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] . وإن شئت عفونا عنك؟ فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبداً " (٤) . فالرسول ﷺ وهو المعلم الأول للبشرية يبين الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة وعلومها، ويبين الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة ويحذر منها. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "فالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها هي أسباب سعادة الأمة ورقيها، وبقاء حكمها ودولتها، فعلى كل مسلم ومسلمة التخلق بهذه الأخلاق العظيمة" (٥) .

стр. 40

المسألة الثالثة: أساليب الرسول ﷺ في التعليم مدخل ... المسألة الثالثة: أساليب الرسول ﷺ في التعليم الأسلوب هو الإجراء الذي يتخذه المعلم في إيصال المادة التعليمية للمتعلم (١) . ويختلف الناس في سرعة استيعابهم وتعلمهم لما يلقى عليهم..ولهذا اهتمت البحوث التربوية بتنويع أساليب التعليم وصدرت العديد من البحوث التربوية التي تتناول الفروق الفردية بين سريع التعلم، وبطيئه، والمتوسط بينهما. ومن صفات المعلم الناجح أن يكون قادراً على مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين قادراً على التنويع في مادته العلمية، يمزج بين الأساليب المختلفة، سواء كانت في التطبيق أو الحوار أو المناقشة، مع التنويع في أساليب التشويق من قصة وضرب للأمثال. وقد كان رسول الله ﷺ نِعْمَ المربي والمعلم بل أفضل مُرَبًّ ومعلم لأصحابه رضوان الله عليهم، إذ كان ﷺ أقدر الناس على الاستفادة من الأساليب التي تقرب المفاهيم إلى الأذهان، وتساعد على ترسيخها في عقولهم وقلوبهم.. ينتقل من أسلوب إلى آخر مراعياً حال المخاطبين فتارة، يبدأ بالقول المقرون بالفعل، وتارة يطلب التطبيق من آخرين، وأخرى يستخدم السؤال والحوار، كما أنه ﷺ يلجأ في بعض الأوقات، ووفقاً لواقع الحال، إلى استخدام القصة أو ضرب الأمثال أو التشبيه، أو يستخدم أسلوب التشجيع حرصاً منه صلى الله عليه وسلمعلى أن تنتقل هذه التوجيهات النبوية الشريفة من مرحلة القول إلى مرحلة التطبيق والفعل. ومن الأساليب التي استخدمها ﷺ في تعليمه وتوجيهه لأصحابه نذكر ما يأتي:
следующие страницы →