← Сира

Сира · id 10899

أهمية دراسة السيرة النبوية والعناية بها في حياة المسلمين

محمد بن محمد العواجي

Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: وفيها: ١- أهمية الاقتداء بالنبي ﷺ وأهمية الكتابة في هذا الموضوع، وسبب اختياره. ٢- خطة البحث.

стр. 2

المقدمة: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد الذي قال الله عنه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، وسلَّم تسليماً كثيراً. وبعد: فإن نعم الله على عباده كثيرة جداً، وإن من أجلّ تلك النعم وأعظمها نعمة الإسلام، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ومما لا ريب فيه أن الدين الإسلامي له شرائع ونظم، منها ما يتعلق بالعبادة ومنها ما يتعلق بالأخلاق والمعاملات والسياسة وغيرها، وهذه كلها مجموعة أفعال الرسول ﷺ ، وأقواله وتقريراته، ولا تُعْرَفُ تلك الشرائع إلا باتباع هدي النبي ﷺ ، قال جل شأنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر، آية ٧] . وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب، آية: ٢١] . بل وحَذَّر الله من مخالفته، فقال عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور، آية: ٦٣] .

стр. 3

وقال ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ " (١) . وقال ﵊: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ " (٢) . ومما لا شك فيه أيضاً أن سيرته ﵊ قد اشتملت على أقواله وأفعاله وتقريراته، فهي إذاً التجسيد الحيّ لتعاليم الإسلام، بل هي الصورة المشرقة لسلوكيات النبي ﷺ ، وأصحابه. لذلك كانت الكتابة في هذا الموضوع من الأهمية بمكان، والسبب في ذلك ما ذكرت من حاجة الناس في هذا الزمن على وجه التحديد من عمر الرسالة المحمدية، والعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرته العطرة، ففي سيرته امتزجت أقواله بأفعاله، وظهر هديه ﷺ في دعوته ومراحلها، وسياسته في حروبه وتعامله مع الآخرين، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، لا تعرف إلا من خلال دراسة السيرة النبوية دراسة واعية متأنية، فهي نبراس لكل من أراد النور في الدنيا والآخرة. من هنا حاولت أن أجمع هذا العنوان الواسع "أهمية دراسة السيرة النبوية والعناية بها في حياة المسلمين". وأجعله في مقدمة وتمهيد وخمسة مباحث ثم الخاتمة، فالفهارس. ١- المقدمة وفيها: أهمية الاقتداء بالنبي ﷺ ، وأهمية الكتابة في هذا الموضوع وسبب اختياره. ٢- وأما التمهيد ففيه:

стр. 4

ـ تعريف السيرة لغة واصطلاحاً. ـ مدلول كلمة "السيرة النبوية". ـ خصوصية السيرة النبوية. وأما المباحث الخمسة فهي: المبحث الأول: أهمية دراسة السيرة النبوية، من الناحية الدينية [المنهج الدعوي] . المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية. المبحث الثالث: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية السياسية. المبحث الرابع: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاقتصادية. المبحث الخامس: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية العسكرية. ثم الخاتمة، وقد اشتملت على ذكر أهم ما جاء في البحث. فالفهارس العامة. وأخيراً أشكر الله أن وفقني للكتابة في هذا البحث وإتمامه، وهذا جهد المقل، ثم أشكر ولاة الأمر في هذه البلاد المباركة على ما بذلوه، ويبذلونه من جهود لإقامة شرع الله ، نسأل الله لهم الثبات على الحق. والشكر موصول للقائمين على هذا الصرح العظيم "مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة" لحسن اختيارهم هذه الموضوعات، وفي هذا الوقت، إذ تعصف بالأمة الإسلامية رياح التغيير بصفة عامة وما تتعرض له هذه البلاد بصفة خاصة. نسأل الله أن يردّ المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً وأن يؤلف بين قلوبهم ويصلح ذات بينهم إنه جواد كريم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5

ال تمهيد: وفيه: ١ـ تعريف السيرة لغة واصطلاحاً. ٢ـ مدلول كلمة السيرة النبوية. ٣ـ خصوصية السيرة النبوية.

стр. 6

التمهيد: ١- تعريف السيرة لغة واصطلاحاً فالسيرة لغة: السُّنَّة، وقد سارت وسِرْ تُها، قال الشاعر: فلا تَجْزَعَن من سُنَّة أنت سرْتهَا فأول راضٍ سنّةً مَنْ يسيرُها (١) والسيرة: الطريقة، يُقال: سار بهم سيرة حسنةً. والسيرة: الهيئة، وفي التنزيل: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه:٢١] . والسيرة: الضرب من السَّيْر (٢) . ويلاحظ أنّ من معاني السيرة لغة: السُّنَّة. والسيرة النبوية اصطلاحاً: هي الترجمة المأثورة لحياة النبي ﷺ (٣) . أو هي: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة، سواء كان قبل البعثة أو بعدها (٤) . وهذا التعريف ذكره المحدِّثون للسنة، وهو تعريف للسيرة أيضاً؛ لأنّ من معاني السيرة في اللغة: السُّنّة، ولأنّ التعريف اشتمل على ذكر حياة النبي ﷺ كلها قبل البعثة أي: من ولادته وبعدها حتى وفاته.

стр. 7

٢- مدلول كلمة: السيرة النبوية إذا قيل السيرة النبوية، فإنما يراد بها سيرة نبي الله ورسوله محمد بن عبد الله ﷺ ، والتي تشتمل على ذكر أدق التفاصيل عن حياة سيدنا ونبينا محمد ﷺ في المرحلة المكية والمدنية، وعلى هذا درج المؤلفون عن حياة النبي ﷺ بتسمية مؤلفاتهم بالسيرة النبوية، كالسيرة النبوية لابن إسحاق، وتهذيب ابن هشام (١) ، والسيرة النبوية لابن حزم (ت: ٤٥٦?) ، والسيرة النبوية لعبد الغني المقدسي (ت: ٦٠٠?) ، والسيرة النبوية لابن عساكر، المطبوعة ضمن تاريخه الشهير بتاريخ ابن عساكر (ت:٥٧١?) وغيرها (٢) . والملاحظ أنّ هذه المصنفات الموسومة بالسيرة النبوية، جميعها تتحدث عن حياة النبي ﷺ في المرحلة المكية والمرحلة المدنية، إلا أن بعضها أكثر تفصيلاً عن حياته ﵊ من بعض (٣) . ٣ـ خصوصية السيرة النبوية تمتاز السيرة النبوية بخصائص عدة لا يمكن حصرها منها: كونها ربانية المصدر، بمعنى أنّ صاحبها وهو نبينا محمد ﷺ مرسل من ربه إلى الناس كافة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ

стр. 8

جَمِيعاً﴾ ويتلقى تعاليمه من الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣، ٤] ، ولا يقول شيئاً من ذات نفسه فيما يتعلق بأوامر النبوة والرسالة أبداً ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوِيَتنَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] . وهذه الخصوصية وإن كان يشاركه الأنبياء في بعضها إلا أن نبينا انفرد بكونه ﷺ مرسلاً إلى الناس كافة، فأوامره ونواهيه ملزمة ومقررة للناس جميعاً. ٢- ثبوتها وصحة ما جاء فيها: فقد أورد القرآن الكريم صوراً من سيرة النبي ﷺ على سبيل الإجمال، حيث أشار إلى الحالة التي نشأ عليها ﷺ في أول حياته: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦-٨] ، ثم نزول الوحي عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] . وبداية دعوته: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] ، ثم بعض أخلاقه وشمائله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ، ثم في جهاده وغزواته، ففي بدر: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] .

стр. 9

وفي أحد: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١] . وفي الخندق: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠-١١] . وفي حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] . فالقرآن الكريم مليء بمثل هذه الإشارات المقتضبة، وعلى هذا فالقرآن الكريم يعدُّ المصدر الأول لسيرة النبي ﷺ ، وكفاك به صدقاً وعدلاً ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] . كما أنّ كتب السنة قد نقلت لنا معظم سيرة الرسول ﷺ وبأصح ما جاء فيها، حيث أورد البخاري ومسلم في صحيحيهما جملة كبيرة من السيرة النبوية، وكذا بقية كتب السنة. ٣- شمولها وكمالها: فلا تكاد تجد سيرة لنبي من أنبياء الله السابقين وصفت وصفاً دقيقاً ابتداء من ولادته حتى وفاته وبقيت بعده، فضلاً عن غيرهم من البشر، لكن سيرة نبينا ﵌ شملت جميع مراحل حياته، بل وقبل ولادته حتى وفاته ﵊، بل وفي بعض أحداثها ذكر اليوم والشهر والسنة، وشاملة لجميع مناحي الحياة الإنسانية، فتجد فيها الوسطية، والعدل والمساواة والحرية، والرفق بالإنسان والحيوان

стр. 10

وغيرها. ٤- وسطيتها ويسرها: فدين الإسلام عموماً جاء بالوسطية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] . وقال ﵊: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (١) . وقال ﷺ : "إنما بعثتم مُيَسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين" (٢) . وقال لمعاذ عندما بلغه إطالة صلاته بالناس: "يا معاذ أفتّان أنت، أو أفاتن أنت؟ ثلاث مرات، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى" (٣) . فأمّة الإسلام أمة وسطية معتدلة، قال أبو جعفر الطبري: "فلا هم أهل غُلُوٍّ فيه، غُلُوَّ النصارى الذين غَلَوا بالترهب، وقِيلِهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين أبدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل وسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها" (٤) . إلى غير ذلك من خصائص السيرة النبوية.

стр. 11

أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الدينية (المنهج الدعوي) الأمر الأول: في المراحل الدعوية ... المبحث الأول: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الدينية (المنهج الدعوي) والحديث في هذا المبحث يقتصر على ثلاثة أمور: الأمر الأول: في المراحل الدعوية الأمر الثاني: التركيز على الجانب العقدي. الأمر الثالث: أن السيرة النبوية مصدر معين لمن يريد التبحر في علوم الشريعة.

стр. 12

الأمر الأول: في المراحل الدعوية تعدُّ السيرة النبوية لب الإسلام وروحه، وتجسيداً حيًّا لجميع تعاليم الإسلام، فلا يستغني عن النظر فيها أي عالم أو طالب علم، فهي دوحة عظيمة فيها كل الثمار اليانعة، كلُّ يقطف منها ما يناسبه، وكيف لا تكون كذلك وهي ربانية المصدر ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:١٧٠] . فلو أمعن الإنسان النظر في السيرة النبوية لوجدها من الناحية الدينية كاملة المنهج، وأقصد بذلك المنهج الدعوي الذي سار عليه ﷺ في مكة، فقد وضع ﷺ أسساً لهذا المنهج يتمثل فيما يلي: ١-دعوة الأقارب من زوجة وأبناء، ومن وضعهم الله تحت يده بادئ ذي بدء؛ ولذلك نجد أن الرسول ﷺ عندما نزل عليه الوحي وأمر بتبليغه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] . بدأ بأهل بيته، فأسلمت خديجة رضوان الله عليها، بل كانت أول النساء إسلاماً على الإطلاق. ثم أسلم من الصبيان عليّ ﵁، ثم من الموالي زيد بن حارثة ﵁. وهذا هو المنهج السليم؛ لأنّ الله يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] ، وقوله سبحانه ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 13

الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] . وقوله ﵊: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (١) . فإذا أصلح الإنسان من نفسه وأهل بيته انتقل إلى المرحلة التالية وهي: ٢- إنذار العشيرة، كما قال جل شأنه لنبيِّه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . فنهض النبي ﷺ وصعد ﷺ على الصفا منادياً: "يا بني فهر، يا بني عدي ..." الحديث (٢) . فهذا التدرج في مراحل الدعوة منطقي جدّاً يجب الوقوف عنده، وقد استمر ﷺ في دعوته لقريش ولم يخرج منها إلى أي بلد حتى أكمل عشر سنين، مواصلاً دعوته لهذا الدين القوي دون كَلَل أو ملل. بعد ذلك انتقل إلى قبيلة أخرى تعد من أقرب القبائل العربية لقريش نسباً وصهراً (٣) وجواراً، إنها

стр. 14

قبيلة ثقيف في الطائف التي ضرب الرسول ﷺ في دعوتهم أروع الأمثلة لبذل الجهد وتحمّل الأذى كما سيأتي. ٣- بذل الجهد وتحمل الأذى والصبر عليه. انتقل النبي ﷺ إلى ثقيف بالطائف بعد أن مكث في أهل مكة عشر سنين يدعوهم إلى الله إلا أن دعوته ﵊ قوبلت برفض شديد من أهل الطائف، فأصابه ﷺ من الهم والغم ما لا يعلمه إلا الله جراء رفضهم لدعوته ﷺ . ٤- لما استقر النبي ﷺ في المدينة وبعد أن فرض الجهاد بدأ ﵊ يرسل السرايا والبعوث إلى القبائل العربية لنشر الإسلام تارة، ويخرج هوبنفسه الشريفة ﷺ تارة أخرى، فلم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى عمَّ الإسلام الجزيرة العربية كافة، بل وكان قد جهز جيشاً لغزو أطراف الشام قبيل وفاته ﵊ بقيادة أسامة بن زيد ﵁ تمهيداً لفتح الشام والعراق، لكنه توفي ﷺ قبل إنفاذ هذا الجيش. ٥- ثم جاء أبو بكر الصديق ﵁ فأكمل المسيرة، وأنفذ جيش أسامة الذي عقد لواءه النبي ﷺ قبل وفاته، وذلك على الرغم من معارضة بعض الصحابة عندما أشاروا على أبي بكر بأن يمسك بعث أسامة؛ خشية أن تميل العرب بعد سماعهم بوفاة رسول الله ﷺ على المدينة، فقال قولته الشهيرة: "أنا أحبس جيشاً بعثهم رسول الله ﷺ ؟ لقد اجترأتُ على أمر عظيم، والذي نفسي بيده لأن تميل عليّ العرب أحب إليّ أن أحبس جيشاً بعثهم

стр. 15

رسول الله ﷺ ..." (١) ثم أمضاه. وما ذلك إلا لأن الإسلام دين عالمي ولا بد أن يَعُمَّ نفعه أرجاء المعمورة، قال جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف:١٥٨] وقال النبي ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها ..." (٢) . ولأنّه ﷺ خاتم النبيين، قال جل شأنه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] . ولأنّ دينه ناسخ لجميع الأديان السماوية السابقة ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] . وهكذا وضعت السيرة النبوية منهجاً متكاملاً للمراحل الدعوية التي مرّ بها الرسول ﷺ ، وانطلقت الجحافل الإسلامية تنشر الدين في ربوع المعمورة حتى بلغ أقاصي الدنيا شرقاً وغرباً، مما يؤكد عالمية هذا الدين الحنيف. وهكذا وضع ﷺ منهجاً متكاملاً لمراحل الدعوة الإسلامية، فلم يُقَدِّم مرحلة على أخرى، وليس هذا من قبيل المصادفة، بل كان عملاً مقصوداً. فالعاملون في المجال الدعوي لا يسعهم إلا الاقتداء بالنبي ﷺ في هذا المجال.

стр. 16

الأمر الثاني: التركيز على الجانب العقدي ظلّ النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد الخالص. وهذا أمر معلوم، لكن ليس معنى هذا أنه لم يكن يدعو إلا إلى التوحيد فقط، بل كان يدعو إلى صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، والنهي عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة (١) ، إلاّ أن تركيزه ﷺ على الجانب العقدي كان أكثر. والحق أن التركيز على الجانب العقدي في غاية الأهمية؛ لأنّ الإيمان إذا وقر في القلب انتفت جميع الشوائب المؤدية إلى زعزعة الإيمان، وقد آتت دعوة النبي ﷺ المكية وتركيزه على الجانب العقدي ثمارها يلحظ من قرأ تاريخ حروب الردة التي أعقبت وفاة النبي ﷺ فلم نجد أحداً ارتد من المهاجرين والأنصار أبداً، وما ذلك إلا لرسوخ الإيمان في قلوبهم رضوان الله عليهم أجمعين. وعلى هذا فالواجب على الدعاة اليوم غرس العقيدة الصحيحة في النفوس أولاً مع الاهتمام أيضاً بالجوانب الأخرى التي مرّ ذكرها آنفاً. وعندما يركز الداعية اهتمامه على الجانب العقدي، فلا بد أن يدرك معنى قول المصطفى ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (٢) . والحقّ أنّ تلك المضغة إذا وقر الإيمان فيها، منعت صاحبها من الوقوع في الفواحش بأنواعها.

стр. 17

الأمر الثالث: أنّ السيرة النبوية مصدر مَعِين لمن يريد التبحر في علوم الشريعة فعن طريق السيرة تعرف قضية الناسخ والمنسوخ من الآيات والأحاديث، وهي ناحية مهمة جدّاً يترتب عليها كثير من الأحكام الشرعية (١) . كما أن من معرفة نزول الآيات وأسبابها من الأمور المهمة التي بمعرفتها تعرف أحداث السيرة النبوية كتلك التي نزلت في غزوات النبي ﷺ . أيضاً هناك بعض الأمور التي لا يستغني عن معرفتها أي طالب علم فضلاً عن العلماء، وذلك مثل المعجزات التي أجراها الله على يدي النبي الكريم ﷺ فمعرفتها تزيد - ولا شك - في الإيمان، وكذا معرفة ما كابده ﷺ من مشاق في سبيل تبليغ هذا الدين وصبره على ذلك.

стр. 18

المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم ... المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم. المطلب الثاني: في كيفية تعليمه ﷺ لبعض الصحابة وتربيته لهم. المطلب الثالث: في كيفية تعامله ﷺ مع بعض المشكلات الاجتماعية.

стр. 19

المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم لقد سلك النبي ﷺ طريقة عجيبة في كيفية دعوة الناس إلى الإسلام، ستظل نبراساً لكل من أراد الاهتداء بهديه سالكاً طريقته ﵊، إنّها طريقة الصابرين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] . إنّ سيرة النبي ﵊ مليئة بالمواقف العجيبة التي تَجَلَّى فيها حلمه ﵊ وصبره على الأذى من أجل المحافظة على العلاقة الاجتماعية. ١- لما نزلت الآية الكريمة ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] . صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي – لبطون قريش – حتى اجتمعوا، فجعل الرَّجُل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدِّقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١) [المسد:١-٢] .

стр. 20

فانظر إلى موقف أبي لهب العجيب من النبي ﷺ يصدقه أولاً، ثم يكذبه ويسخر منه ومن مقولته، بل إن مجيئه ابتداء وتلبيته لنداء النبي ﷺ يدل على تصديقه، لكنه ما تمالك نفسه حتى نال من النبي الكريم ﷺ وهو الصادق المصدوق ﵊. والحق أن الأعجب من ذلك هو موقف النبي ﷺ من أبي لهب، فلم يرد عليه مقولته؛ لأنّه يعلم يقيناً إِنْ ردّ عليه فسينقسم الناس إلى قسمين، قسم مؤيد لأبي لهب مستنكرين رَدَّ النبي ﷺ بحكم موقع أبي لهب النَّسَبي، فهو عَمُّه، وعمُّ الرجل صنو أبيه (١) ، وقد يَعُدُّ بعضهم ذلك الرد تطاولاً من النبي على عمِّه، وقسم مؤيد للنبي ﷺ ، وبهذا يفسد الهدف الذي من أجله كان الاجتماع، وهو دعوتهم إلى الله، وإقامة الحجة عليهم فآثر السكوت ﵊، مفوضاً أمره إلى الله ، فلم يكن النبي ﷺ فحاشاً ولا صخاباً، فتولى الباري جل وعلا الرد على أبي لهب، فأنزل في شأنه سورة تتلى إلى يوم القيامة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ الآيات [المسد:١-٣] . ٢- قال ابن إسحاق: ((ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ، فخرج إليهم وحده (٢) ، فلما وصل إليهم ودعاهم إلى الإسلام ردُّوه أقبح رد، وأغلظوا له القول، بل وحرَّشُوا

стр. 21

عليه الصبيان والسفهاء، فآذوه ورموه بالحجارة حتى سال الدم من عقبيه الشريفين ﵊، فكان موقفاً أليماً، رجل يدعو قومه إلى الله ، وهم يكذبونه ويتجهمونه، عن عروة عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ : ((هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ، وأنا مهموم على وجهي (١) ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (٢) ، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل"، فنادى فقال: ((إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: ((يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (٣) ، فقال النبي ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبده وحده لا يشرك به شيئاً" (٤) . فانظر إلى صبر النبي ﷺ وحلمه، الدم يسيل من عقبيه الشريفين، ويسأله ملَك الجبال إن كان يريد أن يطبق عليهم الأخشبين يفعل، ومع ذلك يتضرع إلى الله سبحانه، ويدعوه أن يخرج مِنْ أصلابهم مَنْ يعبده وحده، لا يشرك به

стр. 22

شيئاً! سبحان الله! ما أعظمها من دروس، أين دعاة اليوم من هذه الدروس العظيمة في الصبر والحلم والعفو والصفح؟ فلو دعا عليهم ووافق الملَك فيما أُمر به لهلكت قريش، ولكن ثم ماذا؟ فإذا هلكت قريش وهي ريحانة العرب فماذا بقي؟ لكن يظهر أيضاً أن القضية أكبر من ذلك، فهي دروس تعليمية للدعاة من أمته ﵊، فلو أن كل من أصابه بلاء انتقم لنفسه لم يبق للصبر ثمرة، كيف وقد رتب الله عليه أعظم الأجر، حيث قال جل شأنه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] . وما هي إلا سنوات قلائل، وتفتح مكة على يد النبي ﷺ ، في السنة الثامنة من الهجرة وتتحقق دعوته ﷺ ، ويُسْلم بقية أهل مكة بعد أن عفا عن كل من ناصبه العداء، ثم تأتي ثقيف فتدخل في الإسلام، ويعم الخير العظيم هاتين القبيلتين، وشاء الله أن يقبض نبيه ﷺ ويتوفاه بعد فترة وجيزة تقارب السنتين، ويرتد كثير من العرب عن الإسلام، لكن العجب أن قبائل قريش وثقيف لم يرتد منهم أحد، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١) . فقد كانت قريش من خيار العرب، وكيف لا يكونون كذلك والرسول الكريم ﷺ منهم؟ وهكذا نرى آثار تلك الدعوات الصادقة قد آتت ثمارها، وذلك الحِلْم والعفو والصبر والصفح أثمر غراسه، فصلى الله عليه وسلم. ٣- خرج النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة لفتح خيبر، وكانت

стр. 23

معقل يهود بعد إجلاء بني النضير إليها، فلما وصلها ﷺ حاولت يهود قتله ﷺ بطريقة حقيرة ودنيئة تنم عن خبث ومكر اليهود، فعن أنس ﵁: ((أن امرأة (١) يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: "ما كان الله ليسلطك على ذاك"، قال: أو قال: "عليّ" قال: قالوا ألا نقتلها؟ قال: "لا" (٢) . فانظر إلى سماحة الإسلام، لم يأمر ﷺ بقتلها مع أنها اعترفت بجريمتها وظفر بها، ومع ذلك عفا عنها؛ لأنّ الإسلام دين السماحة والعفو. ٤- لما خرج النبي ﷺ لفتح مكة في السنة الثامنة (٣) من الهجرة وبالتحديد في شهر رمضان (٤) كان عدد جيش المسلمين عشرة آلاف رجل، فرأت قريش أنه لا طاقة لها بقتال النبي ﷺ ، وظنت أنه سيبطش بها، لكن النبي ﷺ عفا عن الجميع، فأسلم عدد كبير منهم، بل وعندما جاءت غنائم حنين، جعل ﷺ يعطي بعضهم عطاء جزلاً، فقد أعطى صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة (٥) ، وعندما غضبت الأنصار من ذلك، ذكر لهم الرسول ﷺ أنه إنما

стр. 24

أعطاهم من أجل أنه يتألفهم لأنهم حديثو عهد بكفر (١) . إنّ القصد من ذكر تلك الأمثلة المتقدمة هو أنه ﷺ كان يحاول جاهداً تجنب المصادمة والمواجهة مع القبائل القرشية في المرحلة المكية، وحرص على تألفهم بعد الهجرة مروراً بقصة الحديبية عندما قال لهم: ”يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ..." الحديث (٢) ، وانتهاءً بقصته معهم بعد حنين. هكذا تتجلى سماحة الإسلام في تألُّف الناس، والتودد إليهم، والصفح عن مسيئهم؛ لتقوية آصرة الروابط الاجتماعية.

стр. 25

المطلب الثاني: في كيفية تعليمه ﷺ لبعض الصحابة وتربيته لهم إذا كان النبي الكريم ﷺ حريصاً على تألف الناس للدخول في الإسلام، فإنّه كان أشد حرصاً على تعليم من أسلم منهم بالرفق واللين في حالة حدوث تصرفات من بعضهم بسبب جهلهم بتعاليم الإسلام أو لقربهم من العهد الجاهلي وعاداته السيئة، من ذلك: ١- قصة الأعرابي (١) الذي قدم من البادية ممتطياً بعيره حابساً بوله حتى

стр. 26

قدم المدينة، بل وحتى دخل مسجد رسول الله ﷺ ، والنبي الكريم ﵊ جالس مع أصحابه إذ بهذا الأعرابي ينيخ بعيره، ويتوجَّه إلى ناحية من نواحي مسجد رسول الله ﷺ ، وأمام أعين الناس يرفع ثوبه ويجلس ليتخلص من بوله في مسجد رسول الله ﷺ ، إنه منظر يثير الدهشة، سلك طريقاً طويلة لم يجد مكاناً يتبول فيه إلا مسجد رسول الله ﷺ !! لذلك أثار فعله هذا حفيظة أصحاب رسول الله ﷺ فقاموا ليمنعوه وينهروه، ولكن الرجل استمر في بوله غير عابئ بتلك الصرخات التي تعالت عليه من جوانب المسجد تستنكر هذا الفعل، إلا أن النبي الكريم والمربي الحكيم أنقذ الموقف بقوله ﷺ للصحابة: "دعوه". عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يتبوَّل في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ ، مَهْ مَهْ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزرموه (١) دعوه" (٢) ، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: "إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القَذَر، إنّما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه (٣) (٤) .

стр. 27

فانظر إلى هذه الحادثة العجيبة، وكيف ساق الله هذا الأعرابي ليعمل ذلك العمل وكيف تعامل النبي ﷺ مع تلك الحادثة، ليتعلم الصحابة ومن بعدهم إلى يوم الدين الرفق واللين منه ﵊. ٢- وهناك موقف آخر حدث لبعض الصحابة تجلت فيه حكمة النبي ﷺ وتربيته في معالجة الأمور، فقد دخل رجل في الصلاة مع النبي ﷺ فبينما هم كذلك إذ عطس رجل ممن كان يصلي معهم، فَشَمَّت هذا الرجل ذلك العاطس بقوله: ((يرحمك الله)) ويظهر أنه كان قد تعلم أن العاطس يُشَمَّت مطلقاً، لأنّ النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه – أو صاحبه – يرحمك الله ..." الحديث (١) . ولا سيما أن الكلام في الصلاة في أول الإسلام كان جائزا ً، فقد قال زيد بن أرقم ﵁: ((كنّا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأُمِرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام)) (٢) . ويظهر أيضاً أنه لم يبلغه النهي، إما لأنه كان يسكن خارج المدينة أو لأمر آخر، فلما قضى النبي ﷺ استدعاه، وعلَّمه تعليماً نبويّاً تجلَّت فيه التربية المحمدية. عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ : إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثُكْل (٣) أمياه! ما شأنكم تنظرون إليّ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصَمِّتونني لكني سكتّ، فلما صلى

стр. 28

رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كَهَرَني (١) ، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنّما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن" أوكما قال رسول الله ﷺ ...الحديث (٢) . قال الإمام النووي في شرحه للحديث: ((فيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخُلُق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه ﷺ في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه (٣) . هذه هي تعاليم الإسلام التي جاء بها الهادي البشير ﷺ ، وهكذا كان يعلم النبي ﷺ أصحابه، والتعليم بهذا الأسلوب النبوي العجيب هو المثمر، وهو الذي يجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، أما الغلظة والجفاء والسخرية والاستهزاء والازدراء فليست من الإسلام في شيء. وصدق الله سبحانه إذ يقول في حق نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، والقائل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فصلوات الله وسلامه عليه.

стр. 29

المطلب الثالث: في كيفية تعامله ﷺ مع بعض المشكلات الاجتماعية إنّ التلاحم والترابط الاجتماعي في ظل العقيدة الإسلامية، والأخوة الإيمانية، يولِّد شعوراً كبيراً في نفس المسلم، تجعله يعيش في حياة سعيدة طوال حياته؛ لأنّه فَقِه قول المصطفى ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) . ولا شكّ أن الروابط التي تجمع الناس تختلف من مجتمع لآخر، فهناك روابط مشتركة بين أمة وأخرى بسبب المصالح الدنيوية، فإذا فقدت تلك المصالح انتهت تلك الروابط، وقد تجتمع الروابط بسبب آصرة القربى النَّسبي أو العِرْقي، ولكن رابطة العقيدة تبقى بين المسلمين حتى الموت. ولذلك حصر الله الأخوة والموالاة في المؤمنين فقط، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة﴾ [الحجرات:١٠] . وقطعها بين المؤمنين والكافرين حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم (٢) قال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣] . وسنرى بعد قليل فهم الصحابة رضوان الله عليهم للإسلام، وذلك عندما

стр. 30

قام النبي ﷺ بِحَلّ بعض المشكلات الاجتماعية التي واجهته في المدينة والتي تمثلت بتشريعه لنظام المؤاخاة. ١- فقد واجهت النبي ﷺ مشكلة كبيرة بعد هجرته إلى المدينة تتمثل في عدم وجود مأوى مناسب للمهاجرين بالإضافة إلى عدم تمكنهم، وقدرتهم على شراء بيوت يسكنونها لأن المهاجرين رضوان الله عليهم كانوا قد تركوا ثرواتهم في مكة ولم يتمكنوا من أخذها معهم بسبب مضايقة قريش لهم، فما كان منه ﵊ إلا أَنْ شرع نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار اثنين اثنين. وكان من ضمن بنود المؤاخاة أن يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه (١) ، بالإضافة إلى المواساة في كل أوجه الخير والمحبة. وقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في حبهم وتفانيهم في مواساة إخوانهم المهاجرين، من ذلك قصة سعد بن الربيع الأنصاري ﵁، عندما آخى الرسول ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وهو من المهاجرين، وكان سعد بن الربيع من أكثر الأنصار مالاً، قال أنس بن مالك ﵁: ((لما قدم علينا عبد الرحمن بن عوف ﵁ وآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد ابن الربيع وكان كثير المال، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلَّت تزوجتها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك...)) (٢) ، وفي رواية أنه قال: ((بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقك؟ فدلوه على السوق...)) (٣) .

стр. 31

وكان الهدف من هذه المؤاخاة إذهاب الوحشة والغربة التي أصابت المهاجرين بمفارقتهم للأهل والعشيرة، فلمّا عَزَّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة، وعرفوا أسباب اكتساب الرزق، أبطل الله التوارث، وبقيت الأخوة في الله، وذلك بنزول قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٥] . وبهذا النظام الذي شرعه الرسول ﷺ استطاع وبفضل الله أن يجعل من المهاجرين والأنصار لحمة واحدة، وقد أثرت هذه المواقف العجيبة من الأنصار في نفوس المهاجرين فوقفوا مبهورين من تضحيات إخوانهم الأنصار في سبيل إسعاد إخوانهم المهاجرين، فما ملكوا أنفسهم حتى قالوا: ((يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: "لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" (١) . وهكذا استطاع النبي ﷺ وبفضل الله حل مشكلة من أكبر المشكلات الاجتماعية التي واجهته في المدينة بعد الهجرة. والحق أنّ موقف سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف لا يصدقه العقل، ولو لم يرد في صحيح كتب السنة لما صدقه كثير من الناس، وذلك لما فيه من تضحيات تفوق الخيال، هل يُعقل أن الإسلام والأخوة الإيمانية تجعل الشخص يبذل ماله وأهله لأخيه المسلم دون مقابل؟ نعم، يُعقل وموقف سعد خير شاهد، والله إننا لمشتاقون إلى لقائهم والنظر إليهم. غداً نلقى الأحبة ... محمّداً وصحبه

стр. 32

المبحث الثالث: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية السياسية [سياسته ﷺ في تكوين دولة الإسلام في المدينة] كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل العربية في مواسم الحجّ وفي أسواقهم لحمايته حتى يبلغ دين الله الذي أمر بتبليغه وكان يقول لهم: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإنّ قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي" (١) وقوله ﵊ بسوق ذي المجاز: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا..." (٢) . ولم يطلب منهم شيئاً غير الحماية والنصرة حتى ينفذ كلام ربه . ولكن العجب أنّ تلك الدعوة اللطيفة لم تلق آذاناً صاغية من جميع تلك القبائل؛ لأنّ الله لم يرد لها الخير حينئذ، حتى هيأ الله لها نفراً من أهل المدينة قدموا مكة، فعرض عليهم الرسول ﷺ الإسلام فلم يبعدوا، ثم تتابعت اللقاءات حتى كانت بيعة العقبة الثانية التي بموجب شروطها هاجر الرسول الكريم ﷺ إلى المدينة. ولما وصل الرسول ﷺ المدينة وجد فيها العزة والقوة والمنعة لكثرة من كان قد أسلم من أهلها من الأوس والخزرج (الأنصار) بالإضافة إلى أعداد المهاجرين، إلا أنه ﷺ وجد صعوبات في نشر الدعوة، منها القبائل اليهودية الثلاث قريظة والنضير وقينقاع، وكلها تدين باليهودية، ومنها القبائل المجاورة

стр. 33

للمدينة وكلها تدين بالوثنية إلا أفراداً قلائل جدّاً دخلوا في الإسلام. فهاتان مشكلتان تعيقان نشر الدعوة، ولا سيما مشكلة القبائل اليهودية التي عرف عنها المكر والخداع وقتل الأنبياء، بالإضافة إلى قوتها الاقتصادية والعسكرية، وتحالفاتها مع بعض القبائل العربية مما قد يسبب في حال مواجهتها عسكريّاً عدم تمكين الرسول ﷺ من الاستمرار في نشر دعوته، فما كان منه ﷺ إلا أن وضع التدابير الكفيلة لحماية الدعوة الإسلامية الناشئة. وقد كان على النبي ﷺ أن يجعل المدينة -مقر الدعوة الإسلامية- آمنة، حتى يتفرغ لقريش أعتى قبائل العرب في زمانها، والتي تعد الحاجز الأقوى في وجه الدعوة الإسلامية، فبدأ ﷺ بموادعة القبائل المجاورة للمدينة والتي كان معظمها يدين بالشرك وهواها مع قريش، إلا أنه ﷺ قطع الطريق بينها وبين قريش عن طريق الموادعة التي تمت مع بعض القبائل وبخاصة القبائل الواقعة على الطريق التجاري لقريش المؤدية إلى الشام. وقد تمت هذه المعاهدات بطرق عدة، لكن لا نجد تفصيلاً لبعض هذه المعاهدات، ولا سيما القديمة منها إلا ما جاء ذكره في سرية حمزة ﵁ التي أرسلها الرسول ﷺ في رمضان من السنة الأولى إلى سيف البحر في ثلاثين راكباً ليعترضوا عيراً لقريش، لكن حجز بين الفريقين مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفاً للفريقين (١) . فهذا يدل على أنّ هذا الحلف قد تمّ في فترة مبكرة، قبل خروج حمزة ﵁،

стр. 34

ومما يدل على قدم تلك المعاهدات مجيء وفد جهينة إلى النبي ﷺ بعد مقدمه المدينة يطلبون منه أن يوثق لهم حتى يأمنهم ويأمنوه (١) . وذكر ابن سعد أن رسول الله ﷺ كتب لبني زُرْعة وبني الرَّبْعة من جهينة أنّهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، وأنّ لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم إلاّ في الدين والأهل، ولأهل باديتهم مَن بَرّ منهم واتقى ما لحاضرتهم، والله المستعان (٢) . ولكن لم تحدد الرواية تاريخ هذه الوثيقة هل كانت بعد الهجرة مباشرة أو لا؟! وخرج النبي ﷺ في غزوة الأبواء (٣) ، وفيها وادع مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه على ألا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثروا عليه جمعاً ولا يعينوا عدوّاً، وكتب بينهم وبينه كتاباً (٤) . ووادع ﷺ بني مدلج في غزوة ذي العشيرة التي كانت في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهراً من مهاجره ﷺ (٥) . وبعض هذه المعاهدات كانت في فترة مبكرة وبعضها كان متأخراً (٦) ،

стр. 35

لكنها تدل على اهتمام النبي ﷺ بالجانب الأمني لنجاح واستمرار الدعوة الإسلامية، والحق أن كل هذه المعاهدات تهدف إلى أن يأمن تلك القبائل المجاورة للمدينة ليتفرغ ﷺ لقريش واليهود الذين نقضوا العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين النبي ﷺ تدريجيّاً، والمهم أنه ﷺ استطاع أن يحل مشكلة القبائل المجاورة التي لا شك أنّها كانت له ﷺ هاجساً له شأنه. ثم سارع الرسول ﷺ إلى حل المشكلة الثانية التي تمثل عائقاً كبيراً في قيام الدولة الإسلامية، وهي مشكلة القبائل اليهودية التي كانت تسكن المدينة إبان هجرته ﷺ وقد كانت تتبوأ مركزاً مرموقاً في المدينة بسبب ما كانوا عليه من كثرة العدد، وسعة الثروة، والمهارة الزراعية والصناعية والتجارية، ثم بسبب ما كان لهم من مكانة دينية وعلمية مستمدة من كونهم أصحاب كتاب سماوي، وكونهم ذوي صلة بالأنبياء والأمم الغابرة (١) . ولعلم النبي ﷺ السابق بغدر يهود وخبثهم ومكرهم، سارع ﷺ إلى إيجاد طريقة وحلّ أمثل تجعل من الطرفين المسلمين واليهود يعيشان في أمن وسلام، هذا الحل تمثل في المعاهدة أو [الوثيقة] (٢) التي كتبها ﷺ بين المسلمين من جهة وبين اليهود من جهة أخرى.

стр. 36

وقد اشتملت بنود هذه الوثيقة على كثير من الأمور يهمنا هنا الأمور المتعلقة بالناحية الأمنية التي منها: ٤٧ـ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ (١) . ٣٩ـ وإن يثرب حرام جوفها لأهل الصحيفة. ٤٤ـ وإن بينهم النصر على من دهم يثرب. ٤٣ـ وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها. ٤٢ـ وإن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإنَّ مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة (٢) . فهذه البنود الخمسة من أهم البنود التي تحدثت عن الأمن والأمان لأهل المدينة جميعاً مسلمهم وكافرهم. فقد نصت الوثيقة على أنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. ومعنى هذا منع الحروب والقتال بين القبائل والعشائر، وتثبيت السلم في المدينة، وبذلك وضعت حدّاً لأقوى عامل في خلق القلق والاضطراب وما يجره من أمور (٣) .

стр. 37

ونص البند رقم (٤٣) على قطع السبيل على قريش أن تستفيد من المدينة أو من أحد سكانها، حيث حظر على من سكن في المدينة أو يؤوي أحداً من مشركي قريش (١) . ونصت بعض الفقرات في البند ذي الرقم (٤٧) والبند ذي الرقم (٤٢) أن مرد الشجار والتنازع إلى الله ورسوله محمد ﷺ . ويفهم من هذا -تصريحاً أو تلميحاً- أن النبي ﷺ قد صار بيده زمام الأمور في المدينة، وتولى تصريف شؤونها الداخلية والخارجية. فما من خلاف يحصل من أي قبيلة أو شجار يقع إلا ويرجع فيه إلى رسول الله ﷺ (٢) . ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ لم يعدَّ اليهود أمة واحدة، بل اعتبر كل قبيلة من قبائلها لا علاقة لها بالأخرى، وفي المقابل جعل المسلمين كلهم مهاجرهم وأنصاريهم أمة واحدة وطرفاً واحداً (٣) . وبذلك استطاع الرسول ﷺ معاقبة كل قبيلة على حِدَة في نقضها للعهد أو قيامها بأعمال مخلة بالأمن (٤) . ففي هذا تحقيق لمبدأ العدالة، فحتى لا تؤاخذ قبيلة محافظة على العهد بجريرة قبيلة أخرى نقضت العهد، وهذا ما تم بالفعل، فلم يتعرض الرسول ﷺ لقبيلة بني النضير أو قريظة حال نقض بني قينقاع عهدهم لبقائهما على

стр. 38

عهدهما، ولم يتعرض لقبيلة بني قريظة حال نقض بني النضير عهدهم لبقائهم على عهدهم. فطبَّق الرسول ﷺ مبدأ العدالة من جهة، ومن جهة أخرى يدل هذا العمل على الحنكة السياسية التي كان يتمتع بها النبي ﷺ . وبهذا اطمأنَّ النبي ﷺ على الوضع الأمني للمدينة من هجوم القبائل المجاورة لها، ومن فتنة اليهود المتوقعة وإثارتها للفتن والاضطرابات بين أفراد المجتمع المدني، ثم استطاع بعد ذلك وفي فترة وجيزة مواجهة قريش خاصة والتفرغ لها لإنهاكها اقتصاديّاً، فما من قافلة ذاهبة أو قادمة من الشام إلا وتعرض لها بإرسال السرايا أو الخروج إليها بنفسه ﷺ ، ولم يكتف بذلك، بل تعدى خطر المسلمين على تجارة قريش بإرسال السرايا لقوافلها المتجهة إلى الطائف أو القادمة منه مما سبب إزعاجاً كبيراً لقريش، حتى كانت غزوة بدر التي كسرت فيها شوكة قريش لأول مرة وفي أول لقاء بين المسلمين والكفار، وفيها دَوَّى انتصار المسلمين في جميع أرجاء الجزيرة العربية، وقطع دابر القوم الذين كفروا والحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 39

المبحث الرابع: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاقتصادية المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال ... المبحث الرابع: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاقتصادية وفيه مطلبان: المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال. المطلب الثاني: اهتمام النبي ﷺ بالنواحي الاقتصادية

стр. 40

المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال لا شك أن المال عصب الحياة كما يقال، وقد حث الإسلام على العمل والكسب الحلال، قال جل شأنه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ﴾ [الملك:١٥] . وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] . وقال النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى..." (١) . وبما أن الإنسان مأمور بالعمل فلا بد أن يكون كسبه حلالاً حتى يبارك الله له فيه، وإذا أراد الإنسان المسلم تنمية ماله، فلا بد أن يكون خالصاً من الشوائب المحرمة كالربا مثلاً، فإنّه ممحق البركة ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] ، ويقول ﷺ : "أيها الناس إن الله طيّب لا يقبل إلا طيباً..." (٢) . فالإسلام دين متكامل في كل شيء وليس للتواكل فيه مكان، فهو يحث على العمل في كل وقت إلى يوم القيامة، ومما يؤكد ذلك قوله ﵊: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة (٣) ، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل" (٤) ، وقال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع
следующие страницы →