← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 108

منتقى الألفاظ بتقريب علوم الحديث للحفاظ

الحارث بن علي الحسني

Полный текст (485 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

منتقى الألفاظ بتقريب علوم الحديث للحفاظ تقديم المحدث العلامة صبحي السامرائي تأليف الحارث بن علي الحسني مكتبة دار البيان

стр. 2

تقريظ محدث العراق الشيخ صبحي السامرائي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وبعد: فقد قرأت رسالة المنتقى للألفاظ بتقريب علوم الحديث للحفاظ لولدنا الحارث بن علي بن عبد العزيز فوجدتها بحمد لله جامعة ومستوعبة لعلوم الحديث، وكل ما يحتاجه طالب الحديث، وهو بحق لم يصنف مثلها ولم يكن في علوم الحديث رسالة جمعت ما جمع فيها. وحق علي أن أوصي طلاب العلم باقتنائها والمثابرة على حفظها فإن فيها ما لا يوجد في غيرها من المصنفات في مصطلح الحديث، فالله أسأل أن ينفع بها مؤلفها وقارئها وحافظها، وصلى الله وبارك وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وآله وصحبه وسلم.

стр. 3

مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد والنبيين ومن تبعهم وبعد: فهذه بحمد الله الطبعة الثانية من كتاب "منتقى الألفاظ بتقريب علوم الحديث للحفاظ" بعد أنْ تمَّ انتشار الطبعة الأولى، وفي هذه الطبعة تعديل لمواضع يسيرة من الطبعة الأولى، وزيادات مهمة عليها، أسأل الله تعالى أن يجعلها أصوب من سابقتها، وأنْ يجعل العمل خالصًا لوجهه ويباركه ويتقبله بقبول حسن وينفع به عباده. وَكَتَبَ أبُو عَلِيّ الحَارِثُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الحسَنِيّ

стр. 4

مُسَلَّمَةٌ إنَّ مِن أمحَل المُحَال أن يَأتِيَ أحدٌ مِنَ المُشتَغِلينَ بِالحَديثِ بِحُكمٍ عَلَى حَدِيثٍ أوْ عِلَّةِ حَدِيثٍ أوْ حُكمٍ عَلَى رَاوٍ أوْ تَأصِيلٍ فِي تَحدِيثٍ أخطَأ فِيهِ المُتقدِمُونَ وَأصَابَ فِيهِ المُتَأخِرونَ لَيسَ لِلمُتَأخِرينَ فِيه سَلَفُ مِن المُتَقَدِمِينَ. الحَارِثُ بنُ عَلِيّ الحَسَنِيّ مُهِمَّةٌ مَن تَصَدَّى للإفتَاءِ وَالفِقهِ بِغَيرِ تَحديثٍ عَلَى مَنهَجِ المُتَقَدِمينَ فَقَد ضَلَّ وَأضَلَّ، فإنَّهُ لَا يَكُونُ الفَقيهُ فَقِيهًا حَتَّى يَكُونَ مُحَدِّثًا، وَقَد لَا يَكونُ المُحَدِّثُ فَقِيهًا. الحَارِثُ بنُ عَلِيّ الَحسَنِيّ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف الحَمْدُ لله وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى رَسُوْلِ الله وَالنَّبِيِّين وَمَنْ تَبِعَهُم، وَبَعْد: فَهَذِه رِسَالَةٌ لِلمُبْتَدِئين، جَعَلتُهَا مَدْخَلًا لَهم إلى عُلُوم الحَدِيثِ، بِمَنزِلَةِ المَفَاتِيْح يَفْتَحُ بِهَا طَالِبُ العِلمِ المُبْتَدِئُ أبْوَابَ هَذَا العِلمِ، لِيَلِجَ ابْتِدَاءً، وَيَسْتَعِيْن بِهَا تَوَسُّطًا وَانْتِهَاءً. صَيَّرْتُ مَبَاحِثَهَا عَلَى سِتٍّ: الأوَّل: تَعْرِيْفَاتُ المُصْطَلَحَاتِ الحَدِيثِيَّةِ، وَجَعَلتُهَا مُسْتَوْفَاة لَا مُجَرَّد ألفَاظٍ اصْطِلَاحِيَّة، وَعُنِيْتُ بِذِكْرِ اصْطِلَاحَاتِ الُمتَقَدِّمِيْن فِي كُلِّ مَبْحَثٍ مِنْ مَبَاحِثِ المصْطَلَح، مَع ذِكْرِ بَعْضِ اصْطِلَاحَاتِ المُتَأخِّرِيْن، فَلَم أكْتَفِ بِذِكْر الاصْطِلَاحِ عَلَى طَرِيْقَةِ المُتَأخِّرِيْن، كَمَا فَعَلَ مَنْ صَنَّفَ مِنْ بَعْدِ الحاكم، وَأرْدَفْتُهَا بِأهَمِّ قَوَاعِدِ وَضَوَابِطِ عُلُوْمِ الحَدِيثِ الَّتِي تَكْثُرُ حَاجَةُ طَالِبِ الحَدِيثِ لَهَا. الثَّانِي: ذِكْرُ رُوَاةِ الأحَادِيْثِ الثِّقَاتِ المُكْثِرِيْن الَّذِيْن دَارَت عَلَيْهِم الأسَانِيْدُ، مَنْ يَحْفَظُ أسْمَاءَهُم وَألقَابَهُم وَكُنَاهُم وَأنْسَابَهُم: يَحْفَظُ أُصُولَ الأسَانيْدِ الصَّحِيْحَة، وَعَقَّبْتُ هَذَا المبْحَث بِذِكْرِ جُمْلَةٍ مِن الأُمُورِ الُمهِمَّة الَّتي تهمُ البَاحِثَ فِي الرُوَاةِ العِلَلِ لِتكُونَ مُتَّكئًا لَهُ فِي التَّعَامُلِ مَع الأسَانِيد. الثَّالِث: ذِكْرُ الأُصُولِ الجَوَامِع المُسْنَدةِ الصَّحِيْحَةِ الَّتي بِحِفْظِهَا تُحْفَظُ أُصُولُ الأحَادِيث الَّتي عَلَيْهَا مَدَارُ العِلمِ، وَبِحِفْظِ أسَانيدِهَا تُحْفَظُ جُملَةٌ مِن الأسَانيدِ الصَّحِيْحَةِ.

стр. 6

الرَّابِع: ذِكْرُ الأحَادِيْثِ وَالأبْوَابِ الَّتِي لَا يَصِحُّ فِيْهَا حَدِيْث، وَبِحِفْظِ هَذِه تُضْبَطُ مِئَاتُ الأحَادِيْثِ الضَّعِيفَةِ دُونَ الحَاجَةِ إِلى النَّظَرِ فِي أسَانيدِهَا، أو الحَاجَةِ إِلى عَالِمٍ يُبيِّنُ لَنَا صِحَّتَهَا مِن ضَعْفِهَا. الخَامِس: مُلَخَّصٌ مُحرَّرٌ فِي بَيَانِ أُصُولِ الاخْتِلَافِ بَيْن المُتَقَدِّمِيْن والُمتَأخِّرِيْن، وَفَضْل مَنْ لَهُ الفَضْلُ مِنْهُم عَلَى الآخَرِ، وَذِكْر الفَوَارِقِ المَنْهَجِيَّةِ بَيْنَهُم، وَالتَّدْلِيْل عَلَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا، وَذِكْر شَيءٍ مِنْ تَعَامُلَاتِهم مَع الحَدِيثِ وَعُلُومِهِ، لِيَتَبيَّن الطَّالِبُ البَوْنَ الشَّاسِع بَيْن الفَرِيْقَيْنِ، وَلِئَلَّا يَغْتَرَّ بِصَنيْعِ الُمتَأخِّرِيْن فِي هَذَا العِلم. السَّادِس: مُنْتَقَى بِأهَمِّ مَا يَحْتَاجُهُ طَالِبُ عِلمِ الحَدِيثِ المُبْتَدِئ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ: مُتُوْنهَا، وَأُصُوْل مُصْطَلَحِهَا، وَجَرْحِهَا وَتَعْدِيْلِهَا، وَعِلَلِهَا، وَتَخْرِيجِهَا، وَمَنَاهِج مُصَنِّفِيْهَا. وَخِتَامًا لا يَفُوتُنِي أنْ أشْكُرَ شَيْخَنَا العَلَّامَة المُحَدِّث صُبْحِي السَّامَرَائِي لمِا بَذَلَهُ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ وَالتَفَضُّل بِالتَقْدِيمِ لَه، وَمَا أكْثْرَ تَفَضّله عَلَيَّ بَعْدَ الله حَفِظَهُ اللهُ وَأطَالَ عُمُرَهُ وَأحْسَنَ عَمَلَه (١). هَذَا وَاللهَ أسْألُ أنْ يَجْعَلَ هذه الرسالة خَالصَةً لِوَجْهِهِ، وَعَلَى مُرَادِهِ، وَأنْ يَنْفَعَ بِهَا، وَيُبَارِكَهَا، وَيَتَقَبَّلَهَا، وَيَجعَلَهَا سَبَبًا لِكَفِّ وَجْهِي عَن النَّار. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَك عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَن تَبِعَهُم. وَكَتَبَ أبو عَلِيّ الحَارِثُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الحَسَنِيّ

стр. 7

مَدْخَل أهَمُّ وَأشْهَرُ المُصَنَّفَاتِ في عُلُومِ الحَدِيث قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا لم يُصنف المتقدمون من طبقة الكبار في المصطلح مصنفات مستقلة؛ فقد كانوا يتعاملون مع هذا الفن عمليًا، ولهذا قَلَّتْ كتابتهم فيه، أو عُدِمت، فقد كانوا يعتمدون على الفهم والحفظ، وإعمال القرائن، ولم يكونوا يعتبرون القواعد حاكمة إلا بالجملة، وهي محفوظة في أذهانهم، خاضعة عندهم للقرائن غالبًا، فالقواعد عندهم عصى الأعمى، وقوالب غير متسعة، حتى جاء المتأخرون فركنوا إلى الدِعَة وجعلوا هذا العلم عبارة عن قوالب، وأخضعوه لقواعد صمَّاء ضيقة جامدة، وأهملوا القرائن. فكانت مظانّ أصول علم الحديث عموم المصنفات الحديثية: ككتب المتون، وكتب الجرح والتعديل، وكتب العلل، وكتب السؤالات، وكتب الأجزاء. ففي كتب المتون: كما في "سنن الدارمي" كثير من أصول علم الحديث، وكذا في "صحيح البخاري" جملٌ كثيرةٌ في مسائل علوم الحديث، وكذا في مقدمة "صحيح مسلم" وفي "جامع الترمذي" جمل كثيرة مبثوثة عقب أحاديثه، ثم ختمه بجزء نفيسٍ عُرِف بالعلل الصغير، وفي "رسالة "أبي داود إلى أهل مكة" ولم تخل "سنن النسائي" من بعض مباحث علوم الحديث وإن قَلَّت. وفي كتب الجرح والتعديل: ككتاب "التاريخ الكبير" للبخاري، و "المعرفة والتاريخ" للفَسَوي، و "مقدمة الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم. وفي كتب العلل: كما في "علل ابن أبي حاتم"، و "علل الدارقطني" وفيها أصول منهج، التعليل (١)، وفي كتب السؤالات: كما في "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني"، وسؤالات" "أبي داود للإمام أحمد، و "سؤالات الدارمي لابن معين".

стр. 8

وفي كتب الأجزاء: كجزء عبد الله بن الزبير الحميدي. و "معرفة المتصل" للبَردِيجي، وقد هُجِرت هذه الكتب بالنسبة لأخذ أصول هذا العلم منها، ومن هنا نشأ الخطأ في فهم هذا العلم، والتباين الحاصل بين المتقدمين والمتأخرين، نعم قد يكون السبب الرئيس لهجر الأخذ من هذه الكتب أن الأقوال متناثرة فيها غير مجموعة في موضع واحد، مما شق على الكسول والمُتعجِّل والمقلِّد النظر فيها، ولو سبر أحدٌ هذه المصنفات لأتى على كل مباحث المصطلح عند المتقدمين، حتى جاء القرن الرابع الهجري فتوجهت أنظار بعض العلماء إلى جمع تلك المباحث والقواعد المتفرقة. فكتب ابن حبان مقدمات كتبه "التقاسيم والأنواع" (١)، "المجروحين" و "الثقات"، ثم صنف الرَّامَهُرْمُزِيُّ كتابه "المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي" وكذا أبو سليمان، الخطَّابي فيما كتبه في مقدمة كتابه "معالم السنن" وتبعهم أبو الحسن القابسي في مقدمة كتابه "مختصر الموطأ" المعروف بالملخَّص، وصنف ابن مَنْدَه في شروط الأئمة، وكتاب الحاكم، "المدخل إلى الإكليل" ثم صنف الحاكم كتابه العظيم "معرفة علوم الحديث" (٢)، ووضع عليه أبو نعيم الأصبهاني مستخرجًا، نسجه على منواله (٣). ثم صنف الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" (٤)، ثم "الجامع لأخلاق الراوي "وآداب السامع" وهو خاص بأدب الرواية، ثم صنف ابن طاهر المقدسي "شروط الأئمة الستة" وهو جزء صغير. وصنف القاضي عياض "الإلماع" وصنف أبو موسى المديني "خصائص مسند أحمد"

стр. 9

وصنف أبو حفص المَيَانَجِيّ "إيضاح ما لا يسع المحدث جهله" (١)، وصنف الحازمي "شروط الأئمة الخمسة". ثم جاء المتأخرون (٢)، فصنف ابن الصلاح كتابه "معرفة أنواع علم الحديث" المشهور بمقدمة ابن الصلاح، حاول فيه جمع شتات ما تقدم مما كُتب في المصطلح، وعليه بنى المتأخرون مصنفاتهم في علوم الحديث، وهو عمدة المتأخرين وقبلتهم في تصانيفهم، فمنهم من اختصره ومنهم من نظمه ومنهم من نكَّتَ عليه، ومنهم من شرحه، فمن مختصراته: "إرشاد طلاب الحقائق" للنووي (٣). و "الخلاصة" لحسن بن محمد الطيبي، و "المُقنع" لابن المُلَقِّن، و "اختصار علوم الحديث" لابن كثير، و "الاقتراح" لابن دقيق العيد (٤)، ومن شروحه "إصلاح كتاب ابن الصلاح" لابن اللبَّان. و "إصلاح ابن الصلاح" لمُغُلْطَاي. و "الجواهر الصحاح" لابن جَمَّاعَة. ومن النكت عليه: "النكت"، للزركَشِي، و "التقييد والإيضاح" للعراقي، و "النكت" لابن حجر. ومن منظوماته وشروحها: "ألفية العراقي"، شرحها السخاوي في "فتح المغيث"، و "ألفية السيوطي"، شرحها هو نفسه في "البحر الذي زَخَر". وقد مارستُ مصنفات المصطلح المشهورة عند المتأخرين فرأيت أجلَّهَا وأشهَرَها عندهم: "الكفاية" للخطيب، و "مقدمة" ابن الصلاح، و "الموقظة" للذهبي، و "النخبة" لابن حجر. و "المنظومة البيقونية" للبيقوني، و "الألفية" للعراقي، و "فتح المغيث" للسخاوي، و "تدريب الراوي" للسيوطي، و "نكت" العراقي، و "نكت" ابن حجر (٥).

стр. 10

هذا وغالب من كتبَ في الباب على طريقة المتأخرين، إلا ابن رجب، فإنه حَرَّرَ منهج المتقدمين، بل كل من صنف في علوم الحديث بعد ابن حجر إنما ينقل عنه من مصنفاته كـ "النخبة" و "النزهة" و "هدي الساري"، فكأنَّ المصنف ابن حجر نفسه. حتى جاء عبد الرحمن المُعَلِّمِي فتابع ابن رجب، وحرَّر كثيرًا من مباحث المصطلح، ونقى كثيرًا من قواعده التي اندرست وهجرها المشتغلون، ثم شرع جمعٌ من المعاصرين يكتبون في تحرير مباحث هذا العلم على طريقة السلف، لتنقيته من أقوال غير أهل الحديث، وأقوال أهل الحديث الذين تأثروا بغير أهل الحديث، منهم محمد عمرو بن عبد اللطيف - رحمه الله تعالى -، والحافظ عبد الله بن عبد الرحمن السعد، وهما المقدَّمان على المعاصرين، وأبو المعاطي النوري - رحمه الله تعالى -، وإبراهيم اللاحم، وعمرو عبد المنعم سليم، وحمزة المِلِّبَارِي، وأضرابهم، فلله درهم. وهنا أقول: لا بد لطالب العلم بعد هذا أن يأخذ هذا العلم من مصنفات من حرَّر على طريقة المتقدمين، حتى لا يقع في الإشكالات التي سنذكرها في موضعها إن شاء الله من هذه الرسالة (١). وسيتبين لكَ جليًّا بإذن الله أنَّ المتأخرين لا يحسنون هذا الفن كما يحسنه المتقدمون، بل حرفوا منهاجه وأفسدوه علينا، مما جرَّ إلى قَلبِ الحقائق الشرعية. * * *

стр. 11

المبْحَثُ الأَوَّل مُخْتَصَر التَّعْرِيفَات وَالْقَوَاعِد وَالضَّوَابِط دُونكَ - رحمكَ اللهُ - المُصطَلحات والقوَاعِد والضَوَابِط التي يَحتَاجُهَا طَالبُ الحديث المُبتَدِئ؛ أذكُرُها مُجرَّدَةً مِنْ غَيْرِ تَوسعٍ فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ مَبَاحِثِ عُلومِ الحَدِيثِ، لِتَكُونَ لَهُ مَدْخَلًا أوَلِيًا إلَى كُتُبِ المُتونِ وَالعِلَلِ وَالسُؤَالَاتِ وَالجَرْحِ وَالتَعْدِيلِ، وأقتصد في الأمْثِلَة فَأقتَصِرُ عَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ لِئَلا يَطُولُ الكِتَابُ. دَقِيْقَةٌ مُهِمَّةٌ لَا بُدَّ مِنْ ضَبْطِهَا ليعلم طالب علم الحديث: أنه ليس يصلح أن يصنف أحدٌ رسالةً في علوم الحديث وينتقي فيها تعريف عالم ما لمصطلح يقْصُر عليه كل المعاني عند باقي العلماء. وذلك أنَّ لكل عالم اصطلاحه الخاص به ومراده الذي يعنيه هو، والذي يجب أن يتميز عن اصطلاح غيره، حتى لا تختلط المصطلحات، وتُسْتَشكَل المفاهيم، وتتضارب الأحكام على الأحاديث. فعلى سبيل المثال: لو أن أحدًا صنف في المصطلح وانتقى في تعريف الحديث الحسن قول من قال: إنه رواية من خَفَّ ضبطه، وترك باقي التعاريف التي جاءت عن علماء آخرين، فإن من يصنع هذا يجعل طالب العلم لا يعرف في تعريف الحسن إلا هذا المعنى، ولن يتبادر إلى ذهنه كلما قرأ لفظ الحسن لعالم ما إلا أن مراده هذا المعنى دون غيره، في حين قد يكون مراده غير هذا المعنى في معاني تعريف الحسن عند غيره من العلماء (١).

стр. 12

شَيءٌ مِنْ فَضْلِ أَهْلِ الحَدِيث قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]. الحكمة: هي السنة. وفي حديث أبي قِلابة عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ يَخْذُلهُمْ، حَتَّى يَأتِيَ أمْرُ الله". أخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي. فَهُم الطائفة المنصورة، ولقد ثبت عن أهل العلم أن المراد بهذه الطائفة هم أهل الحديث، منهم: عبد الله بن المبارك، وابن المديني، وأحمد، والبخاري. انظر "سنن الترمذي" (٢١٩٢) و "الإلماع" للقاضي عياض (١/ ٢٧). وثبت عنه ﷺ أنه قال: "نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا ثُمَّ أدَّاهَا إِلى مَنْ لَم يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُو أفْقَهُ مِنْه". أخرجه الطيالسي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جَرِيْر عن زيد بن ثابت. وأخرجه أحمد، والدارمي، وأبو يعلى، وابن جَرِيْر عن جبير بن مطعم. وأخرجه ابن ماجه، والترمذي عن ابن مسعود. فَهُم: المبيَّضَةُ وجوههم في الدُّنيا والآخرة. قال ابن عُيَيْنَة: ليس أحد من أهل الحديث إلا في وجهه نضرة لهذا الحديث. "نظم المتناثر" (١/ ٤). وقال الشافعي: إذا رأيتُ صاحب حديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ . "العلو والنزول" لابن القيسراني (١/ ٤٥). وقال أحمد بن سُريج: أهل الحديث أعظم درجة من الفقهاء لاعتنائهم بضبط الأصول. "المستخرج على المستدرك" (١/ ١٤). وقال الفضل بن زياد: سألتُ أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عن الكرابيسي، وما أظهر؟ فكَلَح وجهه، ثم قال: إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب. "شرف أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي (١/ ٥).

стр. 13

قال الخطيب: لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها؛ لبطلت الشريعة وتعطَّلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة. "الكفاية" (١/ ٢). تَعْرِيْفَاتٌ أَوَّلِيَّةٌ عِلمُ الحَدِيث: علم بأصول ومناهج ومصطلحات يتوصل به إلى تمييز سنن النبوة، وضبطها. فهو علم يتوصل بها إلى معرفة أحوال السند والمتن، من حيث القبول والرد، ليتميز بها صحيح الأحاديث من سقيمها. ويطلق عليه في تصانيف أهل الحديث المتقدمين "علوم الحديث" أو "أنواع علوم الحديث". ونحوها من المسميات. كما سماه الحاكم "معرفة علوم الحديث". والمتأخرون يطلقون عليه اسم: علم مصطلح الحديث. وهو خطأ، فإنه أعم من الاصطلاح. أقْسَامُ عُلُوْمِ الحَدِيث: ليس له عند المتقدمين أقسام. وعند المتأخرين: قسمان: علم الرواية، وعلم الدراية. عِلمُ الرِّوَايَة: هو حفظ الحديث والأثر، وروايتهما، وضبط وتحرير ألفاظهما. كالحفظ في الصدور، ومعرفة فقه المتن، ومعاني ألفاظه، وضبط المسطور من التحريف والتغيير. عِلمُ الدِّرَايَة: جملة العلوم المتعلقة بأحوال السند والمتن. كالجرح والتعديل، والعلل، والتخريج، والقواعد، والمصطلحات، والمناهج الحديثية. ومادة علوم الحديث خمسة: علم مصنفات الحديث ومناهج مؤلفيها، وعلم مصطلح الحديث، وعلم علل الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وعلم التخريج.

стр. 14

استمداد علوم الحديث: من كتب المتون والعلل والسؤالات والجرح والتعديل. واضعوه: علماء الحديث. واعلم أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم (١). فلا تؤخذ علوم الحديث ولا الحكم عليه عمن تأصل فيه على طريقة المتأخرين، ولا عن مبتدع لا يجري على اعتقاد أهل القرون المُفَضَّلَة الثلاثة الأولى، ولا عن فاسق، ولا عن متمذهب متعصب لمذهبه. غاية علم الحديث: تمييز المقبول من المردود. ولا يستطاع هذا العلم إلّا بالحفظ والمذاكرة وممارسة الأسانيد والمتون. وقواعد المصطلح والحكم على الرواة اجتهادية، توفيقية. وقد أنعمت النظر في أحوال الأئمة المتقدمين وتعاملاتهم مع هذا العلم وصنيعهم فيه فتبين لي: أنَّ الله تعالى أراده لهم، وهداهم لما قرروه فيه، ووفقهم إليه وأعانهم عليه. ومن هنا لا يحل لأحد أن يخالفهم فيه، فإنهم مهديون موفقون معانون. فإنهم أقرب لعصر النبوة، وأصلح اعتقادًا وألزم للسنة وأثبت في المتابعة. وهذا أصل ينبغي التفطن له، والاعتناء به. المصطلح: عبارة يطلقها عالم أو طائفة مخصوصة على أمر معين يريد بها معناها عنده. كالثقة عند ابن معين، والمنكر عند أحمد، والباطل عند أبي حاتم، وفيه نظر عند البخاري، والحسن عند الترمذي. السُّنَّة: عند المحدثين يُراد بها الحديث (٢).

стр. 15

الحَدِيث: هو ما ورد عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة. وَالمتقدمون لا يفرقون في العادة بين الحديث والخبر والأثر من جهة الإطلاق، فقد يطلقون الحديث على الخبر والأثر؛ لأن الأمر سهل عندهم. قال ابن المديني: قَالَ [يعني الحسن]: وَرَأيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُبَايِعُ عَلِيًا فِي حُشٍ، وَخَالَفَهُ مُوسَى بْن دَاوُدَ قَالَ: رَأيْتُ طَلحَةَ يُبَايِعُ عَلِيًا فِي حُشٍ، فَسَألَهُ خَالِدُ بن القَاسِمِ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: لَيْسَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، وَالحسن لم ير عَلِيًا إِلَّا أنْ يَكُونَ رَآهُ بِالمَدِينَةِ وَهُوَ غُلَام. العلل لابن المديني (٥٩). وقال ابن أبي حاتم: وسألتُ أبِي وَأبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ شُعْبَة، عن منصور، عن الفَيْضِ، عن ابن أبِي حَثْمة، عَنْ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ كَانَ إِذَا خرجَ مِنَ الخَلاء قَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي عَافَانِي، وَأذْهَبَ عَنِّي الأذَى؟ فَقَالَ أبُو زُرْعَةَ: وَهِمَ شُعْبَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ. وَرَوَاهُ الثوريُّ، فَقَالَ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ عُبَيد بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أبِي ذَرٍّ؛ وَهَذَا الصَّحيحُ. علل الحديث لابن أبي حاتم (٤٥). ومنهم من فَرَّقَ فجعل: الحَدِيث: يختص بما أضيف للرسول ﷺ . وَالأثَر: يختص بما أضيف إلى من دون الرسول ﷺ من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم. وقد يطلق الأثر على ما أضيف للرسول ﷺ مقيدًا. كأن يقال: "وفي الأثر عن النبي ﷺ ... ". وَالخَبر: يَعُمُّ الحديث والأثر. وينقسم الحديث إلى: إسناد، ومتن. السَّنَد: هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن. ويقال له: الإسناد.

стр. 16

ويقال: سلسلة الرجال ... وهذا وإن كانت الأسانيد فيها النساء والصغار، لكن الوصف بالغالب لغة العرب. وللإسناد معنى آخر: وهو: عزو الحديث إلى قائله مسندًا. الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (١). المَتْن: هو ما انتهى إليه السند من كلام. مِثَالُ السَّنَد والمَتْن: كحديث: قُتَيْبَة بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن سَعِيدٍ يَقُولُ: أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بن إِبْرَاهِيمَ أنَّهُ سَمِعَ عَلقَمَةَ بن وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيةِ، وَإِنَّما لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". أخرجه الجماعة. فسند الحديث: قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي، يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... ومتن الحديث: هو من قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنية ... إلى قوله ﷺ : فهجرته إلى ما هاجر إليه". التَّقْرِيْر: سكوته ﷺ عن فِعْلٍ حَدَثَ في عصره. الصِّفَة: وصف النبي ﷺ الخَلقِي والخُلُقِي. مِثَالُ الحَدِيث القَوْلِيّ: حديث: ابْن أبِي ذِئْبٍ، عَنْ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالي المرءُ أبِحَلالٍ أخَذَ المالَ أمْ بِحَرَامٍ" أخرجه أحمد، والدارمي، والبخاري، والنسائي.

стр. 17

مِثَالُ الحَدِيث الفِعْليّ: حديث: الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، وإسحاق، ومسلم، وأبو داود. مِثَالُ الحَدِيث التَّقْرِيْرِيّ: حديث: عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِر، قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ المشْرِكِينَ وَأسْقِيَتِهِمْ، فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، فَلا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. أخرجه أحمد، وأبو داود. مِثَالُ الحَدِيث الوَصْفِيّ (صِفَة خَلقِيَّة): حديث: شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ": "ضَلِيعَ الفَمِ، أشْكَلَ العَيْنِ، مَنْهُوسَ العَقِبَيْنِ" أخرجه الطيالسي، وأحمد، ومسلم، والترمذي. مِثَالُ الحَدِيث الوَصْفِيّ (صِفَة خُلُقِيَّة): حديث: شُعْبَة، أخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبِي عُتْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ وَجْهِهِ" أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو يعلى. المُتَقَدِمُون: مَنْ كان مِنْ أهل الحديث إلى عصر الدارقطني. كمالك وطبقته، وشعبة وطبقته، وابن مهدي وطبقته، وأحمد وطبقته، والبخاري وطبقته، والترمذي وطبقته، والنسائي وطبقته. المُتَأخِّرُوْن: مَنْ أتى بعد الدارقطني، كالخطيب البغدادي، والنووي، وابن الصلاح، والعراقي، وابن حجر، والسيوطي، إلى عصرنا (١).

стр. 18

والحد الفاصل بينهم منهجي أكثر منه زمني، فمن كان على منهج المتقدمين فهو منهم وإن تأخر عنهم زمنًا. وجعل الذهبي الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، هو: رأس سنة ثلاثمائة هجرية. وحدَّ ابنُ حجر المتأخرين: بمن بعد الخمسمائة، وفيه نظر. اسْتِقْرَارُ الاصْطِلَاح: حمل المصطلحات على ما اختاره ابن حجر في مصنفاته (١). وهذا خطأ فإن الاصطلاح استقر عند المتقدمين، فكل اصطلاح بعدهم غاير اصطلاحهم لا عبرة به. فلا يعترض على المتقدمين في التعريفات ولا ينتقد عليهم، ولعل هذا لأن القوم كانوا لا يتكلفون في التعريفات ولا يدققون في حدودها، وإنما يتكلمون بأمر عام، أو مقارب، وأنهم إنما تعاملوا مع هذا الفن عمليًا، وليست طريقتهم كطريقة المتأخرين، في تكلف التعريفات، وعدم صونها عن الإسهاب، والتوسع في تفعيل الجانب النظري. فلا يلتفت إلى مقالات المتأخرين في تحرير اصطلاحات المتقدمين، فإنها بنيت في الفهم على منهاج غير أهل الحديث أصلًا، أو أن مُطْلِقَها بدا له أمر لأول وهلة فظنه نهائيًا، فقال به من غير أن يستقصي أو يتثبت. ثم جاء مَن بَعده فقلده فانتشرت وشاعت وتتابع الناس عليها ثقةً بمن نُقِلَت عنهم. فلا بد من سبر مصنفات المتقدمين في الحديث، ثم تتبع ألفاظ الأئمة المتقدمين، وحمل المصطلح على مرادهم لا على فهم المتأخرين، ومن ثَمَّ بناء علوم الحديث والتخريج والعلل والأحكام عليها. ولا بد من المراجعة من جديد والغربلة، وإزاحة المفاهيم المغلوطة على المتقدمين. والحل الأمثل هو حفظ مصطلحات الأئمة واحدًا واحدًا.

стр. 19

المُسْنَد: على معان: الحديث المتصل. ما روي بالسند. كل كتاب فيه أحاديث كل صحابي على حدة (١). مثل: "مسند أبي داود الطيالسي"، و "مسند الحميدي"، و "مسند أحمد". اخْتِصَارُ الحَدِيث: هو الاقتصار على بعض ألفاظ الحديث، لتحرير معنى مراد من حديث طويل. كما يفعله ابن أبي شيبة في "مصنفه"، والبخاري في كتابه " الصحيح ". أو تلخيص معنى الحديث، بالتصرُّف في ألفاظه. كما فعل شعيب بن أبي حمزة في حديث: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار، فقد اختصر بهذا حديثين: الأول: توضؤوا مما مست النار. والثاني: أكل ﷺ كتفًا وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. أخرجه أبو داود، والنسائي. الصَّحِيْحُ المقْبُولُ مِن الرُّوَاة: يشمل العدل الذي تَمَّ ضبطه، والذي خَفَّ ضبطه. وجعله ابن حجر، في "التقريب": المجهول إذا توبع، وهو خطأ. الحَدِيث الَمقْبُوْل: ما استوفى شروط القبول من أعلاها إلى أدناها. الصَّحِيْح: ما اتصل سنده بنقل الثقة من غير علة. وَالمتقدمون يطلقون اسم الصحيح على كل ما يحتج به عندهم، فيعم الصحيح والحسن بمعناه عند المتأخرين.

стр. 20

وعند المتأخرين: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللًا (١). تنبيه: الشذوذ من جملة العلل الخفية؛ فلم أذكره في تعريف الصحيح، كما صنع المتأخرون. مثال الصحيح: حديث: مُسَدَّد حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أبِي قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بن مالك ﵁ قَالَ: كان النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبنِ وَالَهرَمِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المحْيَا وَالممَاتِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود والنسائي. والحديث إذا ثبت فهو حجة يتعبد الله به. المَعْرُوْف: هو الحديث المشهور الصحيح عند المتقدمين. وعند المتأخرين: ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الضعيف. فائدة: الأحاديث لها طرق مسلوكة معروفة، فإذا جاءت الأحاديث من غير هذه الطرق فهي مَظِنَّةُ وجود العلة. الثِّقَة: هو من جمع بين العدالة في الدِّين، والضبط لمحفوظه. العِلَّة: هي سبب غامض خفي يقدح في حديث ظاهره الصحة (٢). وعلة المتن غالبًا ما تكون مرتبطة بعلة الإسناد. العَدَالَة: هي الاستقامة في الدِّيْن والمروءة في الخُلُق. ومردها بالجملة إلى هذين الأمرين. العَدْل: من سدَّد وقارب، وغلب خيره على شره. وإن شئت فقل: من لم يكن فاسقًا ولا مبتدعًا.

стр. 21

وهو من يجتنب كبائر الذنوب، ويتقي في الغالب صغائرها، وليس من شرط العدالة ألّا تقع منه المعصية، غير أن عليه المسارعة في التوبة، فليس ثمة أحد معصوم بعد النبي ﷺ . الفِسْق: مِثل شرب الخمر، والزنى، والسرقة، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والتولي يوم الزحف، ونحوها، فراوي هذا الصنف متروك لا يُقْبَل (١). شَرْطُ العَدَالَة: أن يكون الراوي مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، غير فاسق، ولا مخروم المروءة، وفي المبتدع تفصيلٌ ونزاعٌ. شُرُوْطُ قبُوْلِ الأدَاء: العقل، والبلوغ، والإسلام، والاستقامة. البَالِغ: من نبت شعر عانته وإبطيه. المُرُوْءَة: هي تجنب الأدناس، والترفُّع عما يشين عند الناس. واشتراط العدالة والضبط لا يدخل فيه الصحابة؛ لأنهم كلهم عدول. واعلم أنَّ الطعن في الرواة بسبب خوارم المروءة نظري (٢). فائدة: الصحابة ﵃ كلهم عدول، بإجماع أهل الحديث، فلا يبحث عن حالهم ﵃ في الأسانيد. الضَّبْط: هو الإتقان والتثبت، بأن يتقن الراوي الحديث من سماعه حتى أدائه. وهو قسمان: ضبط صدر، وضبط كتاب. ضَبْطُ الصَّدْر: أن يحفظ الراوي ما سمعه فيستحضره متى شاء. ولا يلزم من كونه ضابطًا أنه لا يخطئ، إذ ليس من حد الحافظ أن لا يخطئ. قال سفيان الثوري: "لَيْسَ يَكَادُ يُفْلِتُ مِنَ الغَلَطِ أحَدٌ، إِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَى الرَّجُلِ الحِفْظُ فَهُوَ حَافَظٌ وَإِنْ غَلَطَ، وَإِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَيْهِ الغَلَطُ تُرِكَ" الكفاية للخطيب (ص: ١٤٤). فقد أخطأ مالك، والأوزاعي، وابن عيينة، وابن المبارك، وشعبة، وغيرهم.

стр. 22

فقال مالك في راوي حديث الجارية: (عمر بن الحكم) وإنما هو (معاوية بن الحكم السلمي). ووهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة: فقال عن أبي قلابة عن عمه أبي المهاجر. وإنما هو أبو المهلب اسمه عمرو بن معاوية بن زيد الجرمي. ووهم سفيان فحدث عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة أن النبي ﷺ أردف. إنما هو عن كريب سمعه من أسامة نفسه. وقال ابن المبارك في راوي حديث: "رأيت على أنس خفين أبيضين" عن بقية عن (محمد بن زياد). أهـ. وهم فيه ابن المبارك إنما هو (مسلم بن زياد). ووهم شعبة في حصين بن عقبة فقال: حصين بن سمرة. ضَبْطُ الكِتَاب: هو أن يصون كتاب مروياته عن التحريف والتبديل، منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه. وبعض الرواة لا يحفظ إلا ما في كتابه، فلا يقبل إلّا ما رواه من كتابه. كحفص بن غياث، ومحمد بن مسلم الطائفي، ويحيى بن أيوب الغافقي. والطعن في الراوي في عدم ضبط الكتاب إنما يكون فيمن ليس له حفظ إلّا من الكتاب. ويعرف تحديث الراوي من كتابه بأحد أمور: أ - بتصريحه أنه حدَّث من كتابه. ب - أن يُعرف من طريقته أنه لا يحدث إلا من كتابه. ت - إذا قلَّ الخطأ في حديثه. مَرَاتِبُ الضَّبْط: هي درجاته من حيث التمكن. وليس في الضبط مقدار منضبط، وإنما المرجع إلى كثرة حديث الراوي وقلته، ونوع الخطأ. وهي أربعة:

стр. 23

١ - تام الضبط. ٢ - خفيف الضبط (١). وهاتان المرتبتان مقبول من اتصف بهما. ٣ - كثير الغلط. وهذه يُقْبَلُ في المتابعات من اتصف بها، وقد يُقْبَلُ لذاته. ٤ - من غلب خطؤه على حفظه حتى كثر. وهذه مردود من اتصف بها، وقد يُقْبَلُ في المتابعات. وقال ابن مهدي: الناس ثلاثة؛ رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه. ضعفاء العقيلي (١/ ١٣). ومما يعرف به الضبط سبر مرويات الراوي ومقارنتها بمرويات الثقات لينظر في موافقته ومخالفته لهم، وباختبار الراوي، وبالمذاكرة. المُذَاكَرَة: رواية الحديث على سبيل الاستذكار لتقوية الحفظ وتثبيته. وقد لا يُذكر من الإسناد إلا أصله، ومن المتن إلا طرفه. وليس من شأنهم فيها الحرص على الدقة في أداء الرواية كما يحرصون عليها في مجالس التحديث. الخَطَأُ الفَاحِش: غلبة الوهم والخطأ والمنكرات في حديث الراوي حتى يفحش. سُوءُ الحِفْظ: هو عدم ضبط المرويات. ومنه الشديد ومنه الخفيف، ومنه العارض ومنه الدائم. الاخْتِلَاط: هو فساد في العقل يطرأ على الراوي لعارض، يمنع من قبول روايته بعده.

стр. 24

العَارِض: خرف، أو احتراق كتب، أو هدم منزل، أو فقد حبيب، أو مرض، أو حجامة، ونحو هذا من العوارض. الرَّاوِي المُخْتَلط: من زال ضبطه بأمر طارئ، فاختلط عليه الحفظ. التَّغَيُّر: هو أن يطرأ على الحفظ بعض السوء الخفيف لكبر سن، مع بقاء الحفظ في الجملة. والتغير عند المتقدمين من الاختلاط. والمتأخرون يفردون له اصطلاحًا خاصًا به. كأبي إسحق السَّبِيعِيّ فقد تغير قليلًا، قال عنه اختلط بل تغيَّر قليلًا، وهشام بن عروة، كبر وتغير فأخطأ في بعض الأحاديث. ومثل هؤلاء يُرَدُّ من حديثهم ما علم أنهم أخطؤوا فيه. والمختلط الثقة لا يعتدُّ بروايته إلّا من طريق ثقة عرف أنه أخذ عنه قبل اختلاطه. كرواية خَالِد بْن الحارث، وعبد الأعلى بْن عبد الأعلى، وعبد الوهاب بْن عطاء الخَفَّاف، عن سعيد بن أبي عروبة، البصري. ومن لم يتبين من الرواة المختلطين متى وقع السماع منه: قبل الاختلاط أو بعده، تُرِك، وقد يُعتبَرُ به. كصالح مولى التوأمة فقد قيل أنه لم يتميز حديثه القديم من الجديد. ومنهم من لم يضر الاختلاط حديثه، إما لقصر مدة الاختلاط وقلته وإما لعدم روايته حال اختلاطه. كأبان بن صَمْعَة، فقد ذكر ابن عدي أنه مع ذلك لم يجد له حديثًا منكرًا. وسفيان بن عُيينة، لقلته. وجرير بن حازم، فقد منعه بنوه من التحديث. ومن المختلطين من كان مُتكلَّمًا فيه قبل الاختلاط، فلم يحصل من اختلاطه إلّا زيادة في ضعفه: كابن لهيعة، ومحمد بن جابر السُّحيمي، ونحوهما.

стр. 25

فائدة: من الرواة من كان حديثه في آخره أحسن من حديثه في أوله. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: من سمع من همام بأخرة فهو أجود، لأنَّ همامًا كان في آخر عمره أصابته زمانة فكان يقرب عهده بالكتاب، فقل ما كان يخطئ. قال ابن رجب: ويظهر أن همامًا كان يحدث من حفظه في الغالب فلما كبر حدّث من كتابه وراجعه فصار أضبط. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٢٠٤). فائدة: قد تقبل بعض أخبار المختلطين إذا كان الراوي عنهم من كبار الحفاظ، ممن يميز صحيح حديثهم. كرواية شعبة عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِي. ويعرف الاختلاط الفاحش من اليسير بأمور: الأول: بتنصيص الأئمة. والثاني: أن يروى عنه من المنكرات ما يدل على اختلاط عقله تمامًا. والثالث: بتعامل الحفاظ مع من وصف بالاختلاط، كإخراج مشترطي الصحة في كتبهم عنه. زِيَادَةُ الثِّقَة: ما زاده بعض الثقات في السند أو المتن، على روايةٍ شاركه فيها ثقاتٌ آخرون. وتكون في السند والمتن. ففي السند: كحديث يرويه البعض بإسناد فيزيد في إسناده أحد الثقات رواة ليسوا عند غيره. قال ابن أبي حاتم: وسألتُ أبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبة، عَنْ عَلقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ سُلَيمان بْنِ رَزِين، عن سالم بن عبد الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النبيِّ ﷺ ؛ فِي الَّذِي تكونُ لَهُ المرأةُ، فيطلِّقها، ثُمَّ يتزوَّجها رجُلٌ، فطلَّقها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، فتَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا الأوَّلِ؟ قَالَ: لا! حَتَّى تَذُوقَ العُسَيْلَةَ؟

стр. 26

قَالَ أبِي: قَدْ زَادَ عِنْدِي فِي هَذَا الإِسْنَادِ رِجَالا لَمْ يَذكُرهم الثَّوْري، وليست هذه الزِّيادةُ بمحفوظة. علل الحديث لابن أبي حاتم (١٢٨٨). يعني: أن شعبة زاد في الإسناد: سالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب. أو حديث يرويه البعض موقوفًا فيزيد في إسناده أحد الثقات فيجعله مرفوعًا. كحديث يَحْيَى بْن آدَمَ، قَالَ: حدَّثَنَا قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إذَا أجْمَرْتُمَ المَيِّتَ فَأجْمِرُوهُ ثَلاثًا. فَقَالَ يَحْيَى: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ يَحْيَى: وَلَا أظُنُّ هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا غَلَطًا. السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٥٦٨) وفي المتن: أن يروي البعض الحديث، فيرويه ثقة شاركه في روايته، فيزيد في متنه. - وَسُئِلَ الدارقطني عَنْ حَدِيثِ: رِيَاحِ بْنِ الحَارِثِ النَّخَعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : عَشَرَةٌ فِي الجَنَّةِ فَذَكَرَهُمْ. فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ صَدَقَةُ بْنُ المُثَنَّى، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الحَارِثِ، حَدَّثَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وَأبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، وَعُمَرُ بْنُ عِمْرَانَ الطُّفَاوِيُّ، فَاتَّفَقُوا عَلَى إسناده ومتنه. وَرَوَاهُ عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ سَلَمَةَ الأفْطَسُ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ المُثنَّى بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَا فِيهِ: أنَّ سَعِيدَ بْن زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَليَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. هَذِهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ صَحِيحَةٌ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ لأنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ. فَأمَّا عَبْدُ الله بْنُ سَلَمَةَ الأفْطَسُ فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ.

стр. 27

وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ رِيَاحِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَنْ كَذَبَ. علل الدارقطني (٦٦٧). وليس لها قاعدة مطردة، وإنما الحكم فيها للمرجحات تبعًا للقرائن والحيثيات. قال ابن حجر: وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق. النكت على ابن الصلاح (٢/ ٧٧٨). وذكر ابن حجر العسقلاني منهج الأئمة المتقدمين في قبول الزيادة فقال: المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة. نزهة النظر (ص ٤٩). ومن ظن أن زيادة الثِّقة ترجح برواية الأكثر أو الأحفظ هكذا مجردًا فقد وهم. أمثلة على زيادات الثقات: قال ابن أبي حاتم: وسألتهما عن حديث رواه أبو إسحاق عن الحارث بن مضرب في قصة ابن النواحة. الزيادة التي يزيد أبو عوانة أنه قال: "وكفلهم عشائرهم" هو الصحيح؟ . فقالا: رواه الثوري ولم يذكر هذه الزيادة، إلا أن أبا عوانة ثقة وزيادة الثقة مقبولة. علل الحديث لابن أبي حاتم (١٣٩٧). وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ منصور، عن مُجاهِد، عَنْ أبِي عَيَّاش الزُّرَقي، عَنِ النبيِّ ﷺ فِي صَلاة الخَوف. يزيدُ فِيهَا جرير: "فنزلَتْ آيةُ القَصْرِ بين الظُّهر والعَصر". هَذِهِ الزِّيادةُ محفوظَة؟ قَالَ: نعم، هُوَ صَحيحٌ. علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٧٢)

стр. 28

قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، أخْبَرَنَا سُفْيَانُ. ح وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعَ عِيَاضًا، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: "لَا أُخْرِجُ أبَدًا إِلَّا صَاعًا، إِنَّا كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ صَاعَ تَمْرٍ، أوْ شَعِيرٍ، أوْ أقِطٍ، أوْ زَبِيبٍ". هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى. زَادَ سُفْيَانُ: "أوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ" قَالَ حَامِدٌ: فَأنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَتَرَكَهُ سُفْيَانُ. قَالَ أبُو دَاوُدَ: "فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهْمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ" سنن أبي داود (١٦١٨). القَرَائِن: حيثيات تقترن بالأسانيد والمتون يترجح بها حكم على حكم. كتعارضٍ في رواية أربعة رواة يتفق ثلاثة على شيء فيها ويخالفهم واحد، فنقول: كثرة الثلاثة قرينة تدل على تقديم روايتهم على رواية الواحد. "لا نكاح إلّا بولي": كحديث فقد اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي: فرواه شعبة والثوري عنه، عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلًا. ورواه إسرائيل بن يونس في آخرين، عن جده أبي إسحاق، عن أبي بردة عن موسى متصلًا. فحكم البخاري لمن وصله، لأنَّ الذي وصله عن أبي إسحاق، سبعة منهم إسرائيل حفيده، وهو أثبت الناس في حديثه لكثرة ممارسته له. هذا وقد كان مردُّ تعامل المتقدمين في الحكم على الحديث والرواة إلى القرائن أكثرَ من مَرَدِّه إلى الضوابط والقواعد. التَّلقِيْن: هو أن يُقْرَأ على الشيخ ما ليس من حديثه، إيهامًا له أنه من حديثه، أو أن يدفع إليه من غير حديثه فيقرأه، فيقر به. صور التلقين: - أن يلقن حديثه هو.

стр. 29

- أن يلقن حديث غيره. - الضرير إذا كتب له ثم لقن ما كتب ليحفظه. ولا يُقْبلُ حديث من قَبِلَ التلقين. وممن قبل التلقين: حجاج بن نُصَير القيسي، وعُبيد بن هشام الحلبي، وعثمان بن الهيثم بن جهم العبدي. - وليس كل تلقين يضر، ولا كل من تلقن يضعف حديثه. كعبد الرزاق الصنعاني. وإنما يضر التلقين بالراوي إذا كثر منه، وكان ما تلقنه ليس من صحيح حديثه. الإِصْرَارُ عَلَى الخَطَأ: وهو أن يبين للراوي أنه أخطأ، فيُصِرُّ ولا يتراجع. كأحمد بن رشدين، وعلي بن عاصم الواسطي، وأبي الحسين بن قانع. وجعله بعض النقاد قادحًا فيمن وقع منه. قال الجديع: القدح في الراوي إنما هو من جهة خطئه، لا من جهة إصراره على ما يحسب نفسه مصيبًا فيه. تحرير علوم الحديث (١/ ٤٦٤). قال حمزة السهمي: سألته (يعني الدارقطني) عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: إن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط. سؤالات السهمي. قيل لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: لِمَ رويت عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وتركت سفيان بن وكيع؟ فقال: لأن أحمد بن عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن آخرها، إلا حديث مالك عن الزهري عن أنس: (إذا حضر العشاء)، فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع، فإن وراقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، وكلمناه فيها فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركت الرواية عنه. الخطيب في "الجامع" (١١٢٠).

стр. 30

الحُفَّاظُ مَرَاتِبُ المُحَدِّثِيْن: هي درجاتهم في الحفظ والعلم والتمكن من العلل وأحوال الرواة. المُسْنِد: هو من يسند الحديث إلى من روى عنه. فقد لا يكون له من الحديث إلّا الرواية. المُحَدِّث: هو من يشتغل بالحديث رواية ودراية حفظًا وفهمًا، فيطلع على غالب الروايات وأحوال رواتها، ويستحضر الأسانيد والمتون والعلل والجرح والتعديل والأجوبة الحديثية. وفي عصرنا مجرد الاشتغال بالحديث والتخريج والتحقيق صار يُعدُّ من التحديث، ويطلق على منتحله محدثًا. الحَافِظ: هو المتقن المكثر من الرواية، الذي يعلم من أحوال الرواة والمرويات أكثر مما يجهل. والحافظ مرادف للمحدث عند كثير من المحدثين. وقال البعض: الحافظ أرفع درجة من المحدث، بحيث يكون ما يعرفه في كل طبقة أكثر مما يجهله. وقيد البعض مرتبة الحفظ بعدد الأحاديث المحفوظة. فقيل: هو من حفظ مئة ألف حديث. وقيل: من حفظ أكثر. قلت: ولعل الحافظ في عصرنا من يحفظ الكتب الستة رواية ودراية. فائدة: ليس شرطًا أن يكون الحافظ عدلًا في دينه ولا صادقًا، إلا في قبول الرواية. الحُجَّة: قيل: هو من حفظ ثلاثمائة ألف حديث (١). الحاكم: قيل: هو من أحاط علمًا بجميع الأحاديث فلا يفوته إلَّا اليسير (٢).

стр. 31

والحق أنَّ الحاكم ليس من ألقاب الحفظ، خلافًا للمتأخرين، وإنما هو من الألفاظ التي تعم الحفظ والتحديث. أمِيْرُ المُؤْمِنِيْن فِي الحَدِيث: وهو أعلى طبقات الحفاظ. وهو لقب لم يحُزه إلّا نُّدْرة ممن بَلَغَ الغاية في التحديث. وهو لقب لم يَحُزْهُ إلّا أئمة هذا الشأن كمالك، وشعبة، والثوري، وأحمد والبخاري، والدارقطني من المتقدمين، والمزي، وابن حجر من المتأخرين. ولم يبلغ هذه المرتبة في عصرنا إلّا أفراد قلائل، ولعلَّ أجدرهم بها الشيخ المعلمي اليماني، وعبد الله السعد، والله أعلم. الشَّيْخ: أدنى رتبة من الحافظ الكبير. الطَّبَقَة: قوم متعاصرون تقاربوا في السن والإسناد أو في الإسناد فقط، يشتركون في الأوصاف والأحوال. كطبقة الصحابة، وطبقة التابعين. وتأتي بمعنى: الأقران، وهم: الرواة الذين يتعاصرون، ويتقاربون في السن. كقولهم: فلان من طبقة شيوخ سفيان. التَّقارُب فِي الإِسْنَاد: أن يكون شيوخ أحد الرواة هم شيوخ الآخر، أو يقاربونهم. طَبَقَاتُ الحُفَّاظ: هي درجاتهم حسب التسلسل الزمني أو النسبي. وقد تأتي بمعنى: مراتبهم في التحديث. الطبقة الأولى: الصحابة. الثانية: التابعون وهي مراتب؛ أولها كبار التابعين، وأعلاهم ثقات المخضرمين رواة الحديث، ثم كبار التابعين ممن ليس مخضرمًا، ثم الوسطى من التابعين، ثم صغار التابعين.

стр. 32

الثالثة: تبع التابعين. كمالك، وابن عُيَيْنَة. الرابعة: من بعدهم، كابن عُلَيَّة، ووَكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون. الخامسة: من بعدهم، كأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق الصَّنْعَانِي، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وعَفَّان بن مسلم. السادسة: من بعدهم، كعلي بن المَدِيْنِي، ويحيى بن مَعِين، وأحمد بن حنبل. السابعة: من بعدهم، كعبد بن حميد بن نصر، والبخاري، وأبي داود، ومسلم. الثامنة: من بعدهم، كابن ماجه، وأبي يعلى، والترمذي. التاسعة: من بعدهم، كالنسائي، والعُقَيْلي. العاشرة: من بعدهم، كالطبراني، وابن عدي، والدارقطني (١). اسْتِقَامَةُ المَتْنِ اسْتِقَامَةُ المتن: هي ألّا يكون في الحديث ما يخالف صحيح المنقول في الكتاب، أو السنة، أو صريح المعقول، أو حقائق التاريخ الثابتة. كحديث: أسماء بنت عميس ﵂: أنها حضرت زواج فاطمة ﵂، فبصر بها الرسول ﷺ فقال لها: جئتِ في زواج ابنة رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، فدعا لها ﷺ . أخرجه عبد الرزاق والحاكم. وهو منكر؛ لأنَّ فاطمة ﵂ تزوجت في السنة الثانية من الهجرة، وكانت أسماء حينئذٍ في الحبشة. فلا بد من ثبوت استقامة المتن في الحديث، ولا يكتفي بمجرد النظر في الإسناد.

стр. 33

واستقامة المتن يحكم بها الحافظ المعروف بتمام الاستقراء. كأحمد، وابن المديني، والبخاري، وأبي حاتم، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن عدي، والطبراني، والدارقطني، وأبي نعيم الأصبهاني. فُرُوعُ الصَّحِيحِ أصَحُّ الأسَانِيْد: هي ما كان رواتها أوثق الرواة ودارت عليهم الأسانيد، وزاد على ثبوت السماع بينهم طول الملازمة (١). كالزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر، وابن سِيرِين عن عَبِيْدَة السَّلماني عن علي، وإبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود (٢). ولا يحكم لسند بأنه أصح الأسانيد مطلقًا، بل لا بدّ من تقييد صحة الأسانيد بنسبة، إما إلى راو أو بلد، أو نحوه. فائدة: معرفة أصح الأسانيد، تمكن طالب الحديث من حفظ عدد كبير من الأحاديث الصحيحة، وتمكنه من معرفة العلل. الَّذِيْن دَارَت عَلَيْهِم الأسَانِيْد: الأئمة الثقات المكثرون، الذين أكثروا الأخذ عن الشيوخ، وكثر أخذ التلاميذ عنهم. فمن الصحابة: أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، ﵃. ومن التابعين: الزهري، وقتادة، ونافع، ﵏. ومن تابع التابعين: مالك، وابن عُلَيَّة، ﵏. ومن بعدهم: يزيد بن هارون، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق، ﵏. مَدَارُهُ عَلَى فُلَان: ما عادت طرق الحديث كلها إليه.

стр. 34

حتى لو رُويَ الحديث عن غيره فإنه لا يصح الإسناد إلا إليه، وليس شرطًا فيمن دار عليه الإسناد أن يكون ثقة كمن دارت عليه الأسانيد (١). مَرَاتِبُ الأحَادِيث: وهي درجاتها من حيث الصحة والضعف. فالصحيح، ثم الحسن، ثم الضعيف، ثم المنكر، ثم الموضوع. مَرَاتِبُ الصَّحِيْح: وهي درجاتٌ من حيث توثيق الرواة والاتصال: ١ - ما كان بأصح الأسانيد. ٢ - ما اتفق على إخراجه أئمة عصر الرواية. ٣ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب التسعة (٢). ٤ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب السبعة. ٥ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب الستة. ٦ - ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم، ولم ينتقد. ٧ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب الخمسة، وخلا من الضعف والعلة. ٨ - ما اتفق على إخراجه أصحاب السنن الأربعة، وخلا من الضعف والعلة (٣). ٩ - ما انفرد به البخاري، ولم ينتقد. ١٠ - ما انفرد به مسلم، ولم ينتقد. فالأحاديث الصحيحة متفاوتة تبعًا لتمكنها من شروط الصحة. عَصرُ الرِّوَايَة: هو العصر الذي اعتني فيه بتدوين السنة جمعًا وتصنيفًا وحفظًا وصيانة، ومبدؤه رأس المائة الأولى حتى نهاية المائة الثالثة. أئِمَّةُ عَصْرِ الرِّوَايَة: هم المصنفون في الحديث من طبقة من بدأ التصنيف، إلى طبقة النسائي والشاشي.

стр. 35

أصَحُّ شَيْءٍ فِي البَابِ: هو أن يُروى في باب من أبواب العلم جملة أحاديث، يكون هو أصحها، وإن لم يكن صحيحًا. كحديث: هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أخْبَرَنِي أبِي، عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأ" سنن الترمذي (٨٢). قَالَ الترمذي قَالَ مُحَمَّدٌ: "أصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ" السنن (١/ ١٢٩). لا يلزم من قولهم أصح شيء في الباب؛ صحة الحديث. كحديث: بشر بن سلمَان الكُوفِي عن أبي السري عَن رجل مُرْسلًا: "أُغْزُوا قَزْوِينَ فإِنَّهُ مِنْ أعْلَى أبْوابِ الجَنَّةِ" أخرجه أبو حاتم والخليلي في فضائل قزوين. قال أبو زرْعَة: لَيْسَ فِي قزوين حديث أصح من هذا. الجامع الصغير للسيوطي (٢٩٠٩). المصنفات في الصحيح المصنفات في الصحيح: هي الكتب التي اشترط مصنفوها إخراج ما صح عندهم فيها بسند منهم إلى من انتهى إليه. وهي: "صحيح البخاري"، و "صحيح مسلم"، و "صحيح ابن خزيمة" و "صحيح "ابن حبان"، و "مستدرك الحاكم"، و "مستخرج أبي عوانة الإسفرائيني" ومستخرج أبي" "بكر الإسماعيلي" و "مستخرج أبي بكر البرقاني". ومنهم من عدّ "سنن النسائي الصغرى"، و "كتاب أبي علي بن السكن"، و "المختارة للضياء المقدسي". ومن المعاصرين صنف الألباني "سلسلته الصحيحة"، وصنف مقبل بن هادي الوادعي اليماني "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين". هكذا هي عند جميع من عدَّ مظان كتب الصحيح، على نزاع بينهم في بعضها، وفي هذا ما فيه من تعقب واستدراك.

стр. 36

ولا يسلم من هذا كله إلّا "صحيح البخاري" و "صحيح مسلم". فأما ابن خزيمة فهو لا بأسَ به، وكتابه لم يكمل أو لم يصلنا كاملًا. وأما ابن حبان فقد توسع حتى أخرج منكرات. وأما الحاكم فإنه لم ينقح كتابه، ومات قبل تمامه. وأما الإسفراييني والإسماعيلي والبرقاني فكتبهم مستخرجات على الصحيحين. وأما كتاب النسائي فهو قريب من الصحيحين، على أحاديث فيه قليلة تخرج عن شرط الصحيح. وأما كتاب السكن فإنه جمع فيه الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي الصغرى، وهو مفقود، وكان ابن حجر ينقل منه أحكام ابن السكن في التصحيح والتضعيف. وأما الضياء فلم يتم كتابه، وفيه توسع لا يرتضى. وأما الألباني فإنَّ كتابه مبعثر جاء شيئًا فشيئًا، وأودع فيه أحاديث من الصحيحين أو أحدهما، وتوسع توسعًا غير مرضي حتى أودع فيه كمًا كبيرًا مما لم يستوف شرط الحسن فضلًا عن الصحيح، بل وأودع فيه مما ينتقد شيئًا ليس بالقليل. وأما الوادعي فكتابه حسن لا بأسَ به قد تعقب في مواضع منه لا تضر الكتاب، لكنه ليس كتابًا جامعًا وإنما هو زيادة على الصحيح. أصَحُّ كُتُبِ الحَدِيث: "موطأ مالك"، ثم، "صحيح البخاري" ثم "صحيح مسلم"، ثم "مسند الحميدي"، ثم "سنن النسائي"، ثم "منتقى ابن الجارود"، ثم "سنن البيهقي الصغرى" (١). عدة الأحاديث الصحيحة: اعلم أنَّ الحديث الصحيح لا يتجاوز الستة آلاف وشيء (٢). ولا يخرج حديث صحيح عن الكتب التسعة الأُمَّات، ومصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، والمسانيد الثمانية التي أفردها ابن حجر في المطالب العالية. فائدة: كل من صنف في الصحيح قد يخرج بعض الحديث في صحيحه؛ لبيان علته.

стр. 37

التصحيح والتضعيف والحكم على الأحاديث اعلم أنَّ ما قاله ابن الصلاح في مسألة التجاسر على الحكم بالصحة على الأحاديث: حق لم يفهمه من تعقبه، فإنه لم يرد غلق باب التصحيح والتضعيف، وإنّما أراد تقييده بمن يحسن هذا، وليس ممن جاء بعد الأئمة المتقدمين من يحسن هذا الأمر على طريقتهم المحضة في التحديث على أصول المحدثين، المنقاة من غبش غير أهل الحديث من الأصوليين والفقهاء إلا قلة ممن يعدون على الأصابع كالدارقطني، وابن عبد الهادي، والذهبي فيما حرره بأخرة، وابن رجب، وابن حجر فيما حرره بأخرة، ومن المعاصرين المعلمي اليماني، وأبي المعاطي النوري، وعبد الله السعد، وسليمان العلوان، والوادعي. فإنَّ الأمر غاية في الصعوبة وليس كل أحد يصلح للقيام به. وذلك أنَّ زمن الاستقلال بالحكم على الأحاديث قد انقضى بانقضاء عصر الرواية والتحديث، ولم يبق لأحد ممن بعدهم سوى أنْ يوافق إمامًا من الأئمة المتقدمين في حكم إذا مَا بلغَ مرتبة الاجتهاد على منهاجهم، وإلَّا فلا سبيل غير التقليد أو التوقف في الحكم على الأحاديث. وبهذا يتحرر لك: أنَّ المعتبر من الأئمة في قبول الحكم على الأحاديث هو السني [غير المبتدع] المؤهل المعتدل المتقدم، ومن هو على منهجهم ممن جاء بعدهم. فقد رأينا في مسيرة البحث الكم الهائل من الأحاديث الضعيف والمنكرة والمعلة والموضوعة والباطلة التي قبلها المتأخرون، وكان المتقدمون على ردها والتحذير منها. بل لقد تعبد الناسُ اللهَ بأحكام المتأخرين بعبادات ما أنزل الله بها من سلطان. وبهذا تعرف أنَّ كلّ حديث صححه المتأخرون وهو عند المتقدمين ضعيفٌ أو معلٌ فلا عبرة بتصحيح من صححه. وما علمت حديثًا صح على رسم المتأخرين ليس لهم فيه سلف من المتقدمين وهو معتبر. فإذا اختلف الحكم بين أهل العلم على الحديث صحةً وضعفًا ففي قبول الحكم تفصيل: أ - أن يكون الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين فالمصير إلى المتقدمين.

стр. 38

ب - أن يكون الخلاف بين المتقدمين أنفسهم: فمن كان من أهل النظر والترجيح فله الترجيح وفق الضوابط العلمية على منهج المتقدمين، وأما سواهم فهذا يسأل من يُحسِن هذا العلم ليعينه. ت - أن يكون الخلاف بين المتأخرين فالشأن فيه كالذي قبله. فائدة: اختلاف المحدثين في الحكم على الحديث الواحد لا يلزم منه الشك فيه، فإن أهل الصنعة من الأئمة المتقدمين مقدَّمون على غيرهم. مما تعلم به صحة الحديث عند الأئمة المتقدمين ١ - أن يصرح إمام بصحته، كأحمد، وابن المديني، والترمذي (١). ٢ - أن يخرجه مالك في الموطأ، خصوصًا ما كان متصلًا. ٣ - أن يخرجه البخاري أو مسلم ولم ينتقده عليهما إمام من الأئمة المتقدمين (٢). ٤ - أن يخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في "المستدرك" ولا يعرف، لإمام من المتقدمين فيه طعن، وأن يكون له أصل في المصنفات قبلهم. ٥ - أن يخرجه الحميدي في "مسنده" أو النسائي في "الصغرى"، أو ابن الجارود في "المنتقى"، أو البيهقي في "الصغرى" ولا يعرف لإمام من المتقدمين فيه طعن، ولا في ظاهر سنده ضعف. ٦ - أن يحتج به إمام من الأئمة المتقدمين، فإنَّ الأصل في احتجاج المحدث بحديث صحته عنده. فائدة: المتقدمون لا يفرقون بين قولهم: حديث صحيح، وحديث إسناده صحيح.

стр. 39

" موطأ الإمام مالك " قال الشافعي: "ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس": وقال ابن مهدي "ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢١). وقال ابن وهب: "من كتب موطأ مالك فلا عليه أن يكتب من الحلال والحرام شيئًا". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢٢). قَالَ مُغُلْطاي: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ مَالِكٌ. شرح الزرقاني (١/ ٦٣). والموطأ حوى المرفوع والموقوف والمقطوع، وبلاغات. ومرفوعات الموطأ ثلاثة أقسام: ١ - مسندة؛ فهذه صحيحة. وليس في الكتب المصنفة أصح منها لعلوها وانتقاء مالك. ٢ - مرسلة؛ فمنها موصول بإسناد صحيح ومنها لا. ٣ - بلاغات؛ والكلام فيها كالمرسلة. وقال السيوطي: وما من مرسل في الموطأ إلّا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن صحيح لا يستثنى منه شيء. "الموطأ". ولقد صنف ابن عبد البر كتابًا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله: بلغني، ومن قوله: عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد، وستون حديثًا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف. قال الشنقيطي في "إضاءة الحالك" قال الخطيب الحافظ في كتابه "جنى الجنتين" بعد أن تكلم على أحاديث مالك الأربعة التي لم يسندها ابن عبد البر وهي في "الموطأ" بما نصه: توهم بعض العلماء أن قول الحافظ أبي عمر بن عبد البر يدل على عدم صحتها، وليس كذلك إذ الانفراد لا يقتضي عدم الصحة، لا سيما من مثل مالك. وقد أفردت قديمًا جزءًا في إسناد هذه الأربعة الأحاديث. ثم بيّن أنَّ الحافظ ابن أبي الدُّنيا أسند اثنين منها في "إقليد التقليد" له". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢٣).

стр. 40

عدد أحاديث الموطأ يختلف باختلاف الروايات، وباختلاف طريقة العدّ، فإن بعض أهل العلم يجعل كل أثر من كلام الصحابة أو التابعين حديثًا مستقلًا، وبعضهم لا يعتبره ضمن العدد. جاء في بعض الطبعات المحققة للموطأ، وهي: رواية يحيى الليثي: وهي الرواية الأشهر، والمقصودة عند إطلاق الموطأ: فبلغت أحاديثها (١٩٤٢) حديثًا، بالمرفوع والموقوف. وأما رواية أبي مصعب الزهري: فبلغت أحاديثها (٣٠٦٩) حديثًا، بالمرفوع والموقوف والمقطوع، حتى أقوال الإمام مالك. أما عدة المرفوع المتصل منها فقد قال الغافقي في "مسند الموطأ" اشتمل كتابنا هذا على ستمائة حديث وستة وستين حديثًا، وهو الذي انتهى إلينا من مسند موطأ مالك. قال: "وذلك أني نظرت في "الموطأ" من ثنتي عشرة رواية رويت عن مالك. ثم عدها. موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ٩٧). عدة روايات الموطأ وذكر أصحها ذكر بعضهم أن رواة "الموطأ" عن مالك يصلون إلى واحد وعشرين راويًا. وبلغ بهم الأعظمي في تحقيقه للموطأ مائة راو. واختلف في أصحها على أقوال، مجملة في: رواية عبد الله بن مسلمة القعني، ورواية الشافعي، ورواية عبد الله بن يوسف التنيسي، ورواية ابن القاسم، ورواية معن بن عيسى، ورواية يحيى بن بكير، ورواية يحيى الليثي، ورواية ابن وهب، ورواية أبي مصعب الزهري.
следующие страницы →