← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 108

منتقى الألفاظ بتقريب علوم الحديث للحفاظ

الحارث بن علي الحسني

Полный текст (485 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولا يسلم من هذا كله إلّا "صحيح البخاري" و "صحيح مسلم". فأما ابن خزيمة فهو لا بأسَ به، وكتابه لم يكمل أو لم يصلنا كاملًا. وأما ابن حبان فقد توسع حتى أخرج منكرات. وأما الحاكم فإنه لم ينقح كتابه، ومات قبل تمامه. وأما الإسفراييني والإسماعيلي والبرقاني فكتبهم مستخرجات على الصحيحين. وأما كتاب النسائي فهو قريب من الصحيحين، على أحاديث فيه قليلة تخرج عن شرط الصحيح. وأما كتاب السكن فإنه جمع فيه الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي الصغرى، وهو مفقود، وكان ابن حجر ينقل منه أحكام ابن السكن في التصحيح والتضعيف. وأما الضياء فلم يتم كتابه، وفيه توسع لا يرتضى. وأما الألباني فإنَّ كتابه مبعثر جاء شيئًا فشيئًا، وأودع فيه أحاديث من الصحيحين أو أحدهما، وتوسع توسعًا غير مرضي حتى أودع فيه كمًا كبيرًا مما لم يستوف شرط الحسن فضلًا عن الصحيح، بل وأودع فيه مما ينتقد شيئًا ليس بالقليل. وأما الوادعي فكتابه حسن لا بأسَ به قد تعقب في مواضع منه لا تضر الكتاب، لكنه ليس كتابًا جامعًا وإنما هو زيادة على الصحيح. أصَحُّ كُتُبِ الحَدِيث: "موطأ مالك"، ثم، "صحيح البخاري" ثم "صحيح مسلم"، ثم "مسند الحميدي"، ثم "سنن النسائي"، ثم "منتقى ابن الجارود"، ثم "سنن البيهقي الصغرى" (١). عدة الأحاديث الصحيحة: اعلم أنَّ الحديث الصحيح لا يتجاوز الستة آلاف وشيء (٢). ولا يخرج حديث صحيح عن الكتب التسعة الأُمَّات، ومصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، والمسانيد الثمانية التي أفردها ابن حجر في المطالب العالية. فائدة: كل من صنف في الصحيح قد يخرج بعض الحديث في صحيحه؛ لبيان علته.

стр. 37

التصحيح والتضعيف والحكم على الأحاديث اعلم أنَّ ما قاله ابن الصلاح في مسألة التجاسر على الحكم بالصحة على الأحاديث: حق لم يفهمه من تعقبه، فإنه لم يرد غلق باب التصحيح والتضعيف، وإنّما أراد تقييده بمن يحسن هذا، وليس ممن جاء بعد الأئمة المتقدمين من يحسن هذا الأمر على طريقتهم المحضة في التحديث على أصول المحدثين، المنقاة من غبش غير أهل الحديث من الأصوليين والفقهاء إلا قلة ممن يعدون على الأصابع كالدارقطني، وابن عبد الهادي، والذهبي فيما حرره بأخرة، وابن رجب، وابن حجر فيما حرره بأخرة، ومن المعاصرين المعلمي اليماني، وأبي المعاطي النوري، وعبد الله السعد، وسليمان العلوان، والوادعي. فإنَّ الأمر غاية في الصعوبة وليس كل أحد يصلح للقيام به. وذلك أنَّ زمن الاستقلال بالحكم على الأحاديث قد انقضى بانقضاء عصر الرواية والتحديث، ولم يبق لأحد ممن بعدهم سوى أنْ يوافق إمامًا من الأئمة المتقدمين في حكم إذا مَا بلغَ مرتبة الاجتهاد على منهاجهم، وإلَّا فلا سبيل غير التقليد أو التوقف في الحكم على الأحاديث. وبهذا يتحرر لك: أنَّ المعتبر من الأئمة في قبول الحكم على الأحاديث هو السني [غير المبتدع] المؤهل المعتدل المتقدم، ومن هو على منهجهم ممن جاء بعدهم. فقد رأينا في مسيرة البحث الكم الهائل من الأحاديث الضعيف والمنكرة والمعلة والموضوعة والباطلة التي قبلها المتأخرون، وكان المتقدمون على ردها والتحذير منها. بل لقد تعبد الناسُ اللهَ بأحكام المتأخرين بعبادات ما أنزل الله بها من سلطان. وبهذا تعرف أنَّ كلّ حديث صححه المتأخرون وهو عند المتقدمين ضعيفٌ أو معلٌ فلا عبرة بتصحيح من صححه. وما علمت حديثًا صح على رسم المتأخرين ليس لهم فيه سلف من المتقدمين وهو معتبر. فإذا اختلف الحكم بين أهل العلم على الحديث صحةً وضعفًا ففي قبول الحكم تفصيل: أ - أن يكون الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين فالمصير إلى المتقدمين.

стр. 38

ب - أن يكون الخلاف بين المتقدمين أنفسهم: فمن كان من أهل النظر والترجيح فله الترجيح وفق الضوابط العلمية على منهج المتقدمين، وأما سواهم فهذا يسأل من يُحسِن هذا العلم ليعينه. ت - أن يكون الخلاف بين المتأخرين فالشأن فيه كالذي قبله. فائدة: اختلاف المحدثين في الحكم على الحديث الواحد لا يلزم منه الشك فيه، فإن أهل الصنعة من الأئمة المتقدمين مقدَّمون على غيرهم. مما تعلم به صحة الحديث عند الأئمة المتقدمين ١ - أن يصرح إمام بصحته، كأحمد، وابن المديني، والترمذي (١). ٢ - أن يخرجه مالك في الموطأ، خصوصًا ما كان متصلًا. ٣ - أن يخرجه البخاري أو مسلم ولم ينتقده عليهما إمام من الأئمة المتقدمين (٢). ٤ - أن يخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في "المستدرك" ولا يعرف، لإمام من المتقدمين فيه طعن، وأن يكون له أصل في المصنفات قبلهم. ٥ - أن يخرجه الحميدي في "مسنده" أو النسائي في "الصغرى"، أو ابن الجارود في "المنتقى"، أو البيهقي في "الصغرى" ولا يعرف لإمام من المتقدمين فيه طعن، ولا في ظاهر سنده ضعف. ٦ - أن يحتج به إمام من الأئمة المتقدمين، فإنَّ الأصل في احتجاج المحدث بحديث صحته عنده. فائدة: المتقدمون لا يفرقون بين قولهم: حديث صحيح، وحديث إسناده صحيح.

стр. 39

" موطأ الإمام مالك " قال الشافعي: "ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس": وقال ابن مهدي "ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢١). وقال ابن وهب: "من كتب موطأ مالك فلا عليه أن يكتب من الحلال والحرام شيئًا". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢٢). قَالَ مُغُلْطاي: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ مَالِكٌ. شرح الزرقاني (١/ ٦٣). والموطأ حوى المرفوع والموقوف والمقطوع، وبلاغات. ومرفوعات الموطأ ثلاثة أقسام: ١ - مسندة؛ فهذه صحيحة. وليس في الكتب المصنفة أصح منها لعلوها وانتقاء مالك. ٢ - مرسلة؛ فمنها موصول بإسناد صحيح ومنها لا. ٣ - بلاغات؛ والكلام فيها كالمرسلة. وقال السيوطي: وما من مرسل في الموطأ إلّا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن صحيح لا يستثنى منه شيء. "الموطأ". ولقد صنف ابن عبد البر كتابًا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله: بلغني، ومن قوله: عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد، وستون حديثًا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف. قال الشنقيطي في "إضاءة الحالك" قال الخطيب الحافظ في كتابه "جنى الجنتين" بعد أن تكلم على أحاديث مالك الأربعة التي لم يسندها ابن عبد البر وهي في "الموطأ" بما نصه: توهم بعض العلماء أن قول الحافظ أبي عمر بن عبد البر يدل على عدم صحتها، وليس كذلك إذ الانفراد لا يقتضي عدم الصحة، لا سيما من مثل مالك. وقد أفردت قديمًا جزءًا في إسناد هذه الأربعة الأحاديث. ثم بيّن أنَّ الحافظ ابن أبي الدُّنيا أسند اثنين منها في "إقليد التقليد" له". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢٣).

стр. 40

عدد أحاديث الموطأ يختلف باختلاف الروايات، وباختلاف طريقة العدّ، فإن بعض أهل العلم يجعل كل أثر من كلام الصحابة أو التابعين حديثًا مستقلًا، وبعضهم لا يعتبره ضمن العدد. جاء في بعض الطبعات المحققة للموطأ، وهي: رواية يحيى الليثي: وهي الرواية الأشهر، والمقصودة عند إطلاق الموطأ: فبلغت أحاديثها (١٩٤٢) حديثًا، بالمرفوع والموقوف. وأما رواية أبي مصعب الزهري: فبلغت أحاديثها (٣٠٦٩) حديثًا، بالمرفوع والموقوف والمقطوع، حتى أقوال الإمام مالك. أما عدة المرفوع المتصل منها فقد قال الغافقي في "مسند الموطأ" اشتمل كتابنا هذا على ستمائة حديث وستة وستين حديثًا، وهو الذي انتهى إلينا من مسند موطأ مالك. قال: "وذلك أني نظرت في "الموطأ" من ثنتي عشرة رواية رويت عن مالك. ثم عدها. موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ٩٧). عدة روايات الموطأ وذكر أصحها ذكر بعضهم أن رواة "الموطأ" عن مالك يصلون إلى واحد وعشرين راويًا. وبلغ بهم الأعظمي في تحقيقه للموطأ مائة راو. واختلف في أصحها على أقوال، مجملة في: رواية عبد الله بن مسلمة القعني، ورواية الشافعي، ورواية عبد الله بن يوسف التنيسي، ورواية ابن القاسم، ورواية معن بن عيسى، ورواية يحيى بن بكير، ورواية يحيى الليثي، ورواية ابن وهب، ورواية أبي مصعب الزهري.

стр. 41

الصحيحان "صحيح البخاري، وصحيح مسلم " قال ابن الصلاح: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصحيحَ المجرد محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، وتلاهُ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ النَّيْسابوريُّ. وكتاباهُما أصحُّ الكُتُبِ بعدَ كتابِ الله العزيزِ، و "الموطأ". عدة أحاديث الصحيحين اعلم أنهما لم يقصدا استيعاب كل الصحيح، وهذا قد صرحا به فيما نقل عنهما، وثبت صحة أحاديث خارج الصحيحين. وقد تتبعت عدة أحاديث البخاري فوجدتها بالمكرر (٧٥٦٣)، وتابعه عليها مسلم. وأما عدة أحاديث الصحيحين فبلغت دون المكرر (٤٥٠٠) حديثًا. اتفقا على نحو من ألفين حديثًا، وانفرد البخاري بنحو من ألف ومائة خمسين حديثا، وانفرد مسلم بالباقي. مهمات من منهج البخاري ومسلم في كتابيهما وليس للبخاري ومسلم شرط في الصحيح غير شرط الأئمة ممن كان قبلهم أو من في طبقتهم. وقد اشترطا أن يودعا في الأصول ما صح عندهما، مما هو على شرط أئمة الحديث في عصرهما ومن قبلهما. وكل ما فيهما مما هو في الأصول صحيح، وانتقدت عليهما أحاديث في الأصول وغيرها من طبقة من سبقهما أو طبقتهما أو ممن جاء بعدهما. وقد صنف صاحبا الصحيح كتابيهما لبني عصرهما ممن يحسن معرفة مرادهما، وقد أخطأ كثير ممن جاء بعدهما في فهم مرادهما.

стр. 42

ولم يفت البخاري ومسلمًا حديثٌ صحيحٌ مما يحتاج إليه في أحكام الحلال والحرام. وقل أن يعرض صاحبا الصحيح عن حديث في أبواب الأحكام إلا لعلة فيه. والصحيحان أصل في معرفة منهج الأئمة المتقدمين في التصحيح. وهما أصل في الأسانيد الصحيحة ومعرفة الحديث المعل. وهما حصن حصين وسد منيع، لا بدّ من بذل المهج في الذب عنهما. وإذا اتفقا على رواية حديث من وجه واحدة وعند أحدهما زيادة فلينتبه للزيادة، فإن منها ما فيه علة. وإذا روى أحدهما حديثًا وأعرض عنه الآخر فمن المهم تدبره. وليس لأحدهما مزية على الآخر في أحاديث الأحكام، فكلاهما لا يخرج فيها إلّا أصح وأحسن ما في الباب. ومن الخطأ اعتقاد تقديم أسانيد البخاري على أسانيد مسلم، في هذا الباب. ولكن في الفضائل والترغيب فأسانيد البخاري أصح وأحسن، يعلم هذا من تدبَّرَ وفَتَّشَ. وقد وافق مسلمٌ البخاريَّ حتى في عدة الأحاديث. وقد يخرجان الحديث ويوردان عقبه ألفاظًا يريدان بها إعلالها. وقد يخرجان السند المنتقد ويردان بيان أنه معل أو يريدان نفي التفرد عن الراوي الذي أخرجا له في الأصل. وربما أخرج البخاري في المكررات في غير الحديث الأصل ألفاظا شاذة. وقد يخرج مسلمٌ الحديثَ، وفيه لفظ شاذ. ومسلم أحيانًا يخرج الحديث في آخر الباب يريد به إعلاله. والبخاري يخرج المتابعة بعد الحديث لا يريد تقوية الحديث الأصل فإنَّ الحديث الأصل أصل، وإنما يريد نفي التفرد، وهذا ملمح فهمه الناس مقلوبًا فتنبه.

стр. 43

فانظر مثلًا الحديث (٣٣٦١) عن أبي هريرة قال عقبه: تَابَعَهُ أنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قلت: فهل أبو هريرة ضعيف؟ الإمام مسلم يروي لمن انتُقِدَ في الصحيح في غير الأصول، أو في الترغيب والترهيب. كرواية لمن لم يثبت لقاؤه عمن روى عنه كما روى عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة. أو روايته عمن اشتهر بالتدليس فيما لم يصرحوا فيه بالسماع عن شيوخهم، كرواية ابن جريج عن عطاء والأعمش عن مجاهد. وقد ينتقون للراوي صحيح حديثه؛ كرواية خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال، وكذا ما انتقاه من مرويات إسماعيل بن أبي أويس، ونحو هؤلاء من الرواة وهذه المرويات. وبه تعرف أن الأحاديث المروية عن الضعفاء إما انتقاء، أو مما توبعوا عليها، وإما أنهم يوردونها لبيان علتها. ولم يترجم مسلم لأبواب كتابه، وإنما ساق الأبواب مرتبة فحسب، فجاء من بعده من اعتنى بصحيح مسلم إما شرحًا وإما اختصارًا فترجموا أبوابه كالقرطبي والمنذري والإشبيلي والنووي. فائدة: كثير من الحكايات التي يذكرها أهل العلم عن الصحيحين، وصحة كل ما فيهما لا تصح. المنتقد على الصحيحين اعلم أنه قد وقع في الصحيحين أحاديث تكلم في قبولها أهل العلم، منهم من تكلم فيها قبل تصنيف الصحيح أصلًا، ومنه ما تكلم فيه من هو في طبقتهما ومنه ما تكلم فيه الحفاظ من بعدهما. قال ابن الصلاح: ومِنْ فوائدِها: القولُ بأنَّ ما انفردَ بهِ البخاريُّ أو مسلمٌ مندرجٌ في قبيلِ ما يُقْطَعُ بصِحَّتِهِ؛ لتَلَقِّي الأمَّةِ كلَّ واحدٍ من كتابَيْهما بالقبولِ على الوجهِ الذي فصَّلناهُ مِنْ حالهِما فيما سبقَ، سوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلَّمَ عليها بعضُ أهلِ النَّقْدِ مِنَ الحفَّاظِ كالدَّارقطنيِّ وغيرِهِ، وهي معروفةٌ عِندَ أهلِ هذا الشأْنِ، واللهُ أعلمُ. المقدمة (ص: ٩٧).

стр. 44

قال العراقي: فليست بيسيرة بل هي مواضع كثيرة وقد جمعتها في تصنيف مع الجواب عنها. التقييد والإيضاح (ص: ٤٢). قلت قد بلغت قريبًا من مئتين وخمسين حديثًا. وهي أقسام: منها ما وقع في الأصول: كحديث: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب .... الحديث. انفرد به البخاري. وحديث: إن خير التابعين رجل يقال له أويس .... الحديث. أنفرد به مسلم. ومنها ما كان في المتابعات والشواهد: كحديث: كل أمتي معافى .... أخرجاه. وحديث: عشر من الفطرة. انفرد به مسلم. ومنها ألفاظ وقعت في بعض الأحاديث لا كل الحديث: كلفظ: وإنه ينشئ للنار من يشاء ... انفرد به البخاري. ولفظ: أفلح وأبيه إن صدق .... انفرد به مسلم. ومنها ما يشير صاحب الصحيح نفسه إلى علته: كحديث يرويه مسندًا، ثم يشير إلى أنه يروى مرسلًا. أو يصرح بضعف بعض ألفاظه كما صنع البخاري في حديث عتق بريرة، وحديث أبي هريرة في قصة سليمان ﵇ في إتيان نسائه. ولا شك أن في المنتَقَد على الصحيحين أحاديث يُسَلَّم فيها للمنتقِدِ عليهما، ومنها ما يحتمل الوجهين، ومنها ما يرجح فيه حكم صاحب الصحيح. قواعد ضوابط في التعامل مع المنتقد على الصحيحين لا يجوز الكلام في المنتقد على الصحيح بين غير أهل العلم. لا يقبل المنتقد على الصحيح ممن جاء بعد الدارقطني. مظان المنتقد على الصحيح ليست قاصرة على الكتب المصنفة في المنتقد خاصة، فإنَّ كثيرًا من المنتقد عليهما منثور في أقوال وكتب من سبقهما ومن في طبقتهما.

стр. 45

اتفاق الأئمة على قبول كل ما في الصحيحين يجب أن يكون مقيدًا بما لم ينتقد عليهما أو على أحدهما من الأئمة المعتبرين المتقدمين. لا يلزم من انتقاد حديث في الصحيحين أو أحدهما أو لفظة ما توهيم البخاري ومسلم في إخراج ما انتقد عليهما. البخاري ومسلم ربما أخرجا الحديث وتكلما فيه أو في بعض ألفاظه، إما تصريحًا أو تلميحًا في كتابيهما الصحيح أو خارجه في كتبهما الأخرى، "كالتاريخ الكبير" للبخاري و "التمييز" لمسلم ومنهم ما يكون جوابًا لهما على مسائل أصحابهما. ومثله إنما قد يخرجان الحديث على سبيل الإعلال للتنبيه عليه، لا للإثبات والاحتجاج به. باب المنتقد على الصحيحين أغلق، لا سبيل لفتحه بانتقاد حديث لم ينتقد عليهما، فإن الأئمة المتقدمين لم يدخروا وسعًا في النظر وتتبع الأحاديث في الكتابين. المتكلمون في الصحيحين مراتب، فمن كان منهم من طبقة البخاري ومسلم أو أعلى منهما أو قريبًا من زمنهما فنقده قابل للنظر فيه، وأما من كان من المتأخرين وخصوصًا المعاصرين فلا، وذلك لقصور مداركهم عن بلوغ مقاصد البخاري ومسلم في تصنيفيهما الكتابين. مظان المنتقد على الصحيحين لا يقتصر على الكتب المصنفة في نقد الصحيحين خاصة؛ ككتب الدارقطني وأبي علي الجياني وابن عمار الشهيد وغيرهم. فكم من حديث أودعه صاحب الصحيح كتابه تجد الكلام عليه في كتب من سبقه أو عاصره. الأحاديث المنتقدة منها ما يقبل فيه قول المُنْتَقِد ويكون فيه الحق معه. التنبه لأجوبة المتأخرين على الأحاديث المنتقدة، فكثير منها لا ينهض في قبوله، وكله مبني على قاعدة: صحة كل ما في الصحيحين. لذا ترى التكلف في الإجابة. الأحاديث المنتقدة على الصحيحين أقسام منها: ما هو في باب العقائد. ومنها ما هو في باب الأحكام. ومنها ما هو في باب الفضائل والترغيب والترهيب.

стр. 46

وهذه لكل منها حيثية يعتبر فيها قبول أو رد النقد تأصيلًا أو تفصيلًا. من الجهل عد ذكر نقد إمام من الأئمة المتقدمين لحديث أخرجاه طعنا في الصحيحين. إنَّ من شر الناس من تكلم في أحاديث الصحيحين على سبيل الانتقاص والطعن، وهذا لا بد من تأديبه والتصدي له بما هو مشروع ومتاح. ليس لأحد أن يتكلم في الصحيحين وهو ينهج في التعامل مع علم الحديث طريقة المتأخرين، فمن هذه الفئة جاء البلاء سواء منهم من انتقد أو دافع. كتب الجمع بين الصحيحين قد جمع أقوام بين الصحيحين، وأشهرها: ١ - "الجمع بين الصحيحين": لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي (ت ٤٨٨ هـ). وهو مرتب على مسانيد الصحابة، مجرد من الأسانيد سوى مخرج الحديث عن الصحابي. وأضاف إلى أحاديث الصحيحين زيادات أخذها من المستخرجات وميزها في الغالب. وهو مطبوع. ٢ - "الجمع بين الصحيحين" مع حذف السند والمكرر من البين: لأبي حفص عمر بن بدر الموصلي. استله من كتاب "جامع الأصول" لابن الأثير الجزري، وتبعه في التبويب فجعله على حروف المعجم، له فيه أوهام، وربما أدرج بين أحاديث الصحيحين أحاديث من السنن ولم يميزها عن أحاديث الصحيحين، وهو مطبوع. ٣ - "الجمع بين الصحيحين": لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي. (ت ٥٨٢ هـ). وهو من أحسن كتب الجمع المطبوعة، اختصر أصلًا "صحيح مسلم" ثم زاد عليه أحاديث البخاري زيادات على الأصول أو أفرادًا، واعتمد فيه تبويب "صحيح مسلم" وترجم لأبوابه بتراجم من عنده. ٤ - "الجامع بين الصحيحين": لصالح أحمد الشامي (معاصر). وكأن جُلّ اعتماده على كتاب الموصلي قبله.

стр. 47

٥ - "الجمع بين الصحيحين": ليحيى بن عبد العزيز اليحيى (معاصر). وهو منتخب لم يستوعب أحاديث الصحيحين إنما جمع فيه خلاصة الكتابين. فائدة: حوى الصحيحان نحوًا من خمسة وثمانين بالمائة من صحيح الحديث النبوي، وبهذا يكون من يحفظ الجمع بين الصحيحين يحفظ القدر المذكور من السنة الصحيحة. المؤاخذات على الجموع بين الصحيحين: وتنحصر في ثلاثة أمور: الأول: حذف الأسانيد والاقتصار على الصحابي أو ذكر التابعي مع الصحابي إذا احتيج إليه، وهذا بالنسبة لمن حذف الأسانيد. الثاني: اعتبار كل ما في الصحيحين صحيحًا، ولهذا تجدهم يقولون بعد أن يسوق الرواية الأصل: وزاد في رواية: كذا .... وفي رواية للبخاري - مثلًا -: كذا .... الثالث: اعتبار الرواية الأعم: مع عدم دراسة أحاديث الصحيحين سندًا ومتنًا، فرب حديث زاد فيه أحدهما زيادة على الآخر وتكون الزيادة معلة، أو يختارون الرواية الأعم من بين الروايات وتكون هي معلة بلفظها وسندها. فإذا تبين هذا فليعلم طالب الحديث أنه ليس يصح لأحد أن يجمع بين الصحيحين دون أن يكون أحاط بعلوم الحديث أصلًا، فضلًا عن تمكنه من معرفة منهج البخاري ومسلم، مع مراعاة طريقتها في إخراج كتابيهما. وليس يصح لأحد أن يجمع بين الصحيحين دون أن يدرس أحاديثهما كل حديث دراسة تستوفي أسانيده حتى خارج الصحيحين وكذا متنه. وليس له أن يجمع بين الصحيحين دون أن يكون أحاط علما بما انتقد على البخاري ومسلم من أحاديث الصحيحين وأن يكون قادرًا على تمييز كلام المنتقد عليهما والمنافح عنهما، وهذا لا يكون إلا لأهل الحديث خاصة ممن نهج على طريقة المتقدمين.

стр. 48

مختصرات الصحيحين ذكر بعض أهل العلم ستة عشر مختصرًا للبخاري، وستة عشر مختصرًا لصحيح مسلم. وأشهر مختصرات صحيح البخاري: - "المختصر النصيح" للمهلب بن أبي صفرة الأندلسي. - مختصر القرطبي. - مختصر الزبيدي. - مختصر الألباني. - مختصر الشثري. - مختصر الحجوري. - ليس في مختصرات البخاري مختصر جيد إلّا المختصر النصيح للمهلب بن أبي صفرة الأندلسي. أشهر مختصرات صحيح مسلم: مختصر القرطبي. ومختصر المنذري. وثمة مختصر ليس بمشهور وقلَّ من تنبه له وهو اختصار الحافظ عبد الحق الإشبيلي، وهو مُضَمَّنٌ كتابه "الجمع بين الصحيحين"، فالجمع بين الصحيحين لعبد الحق الإشبيلي أصله اختصار صحيح مسلم له، ثم ضم من بعد إليه زوائد صحيح البخاري عليه. والرابع اختصار منسوب للإمام النووي وقد نفى المحققون نسبته إليه. فأمّا اختصار المنذري له فهو عند التدبر انتقاء وتلخيص أكثر منه اختصارًا، فقد ترك فيه أحاديث يحتاج إليها في الباب لم يوردها. واختصار الإشبيلي أجود منه، وقد اعتمد الإشبيلي في الأصل ترتيب مسلم بلها وتبويبه، فلم يتجاوزه، سوى أنه ترجم لأبوابه.

стр. 49

أما المنذري فلم يعتمد التبويب وقدم أحاديث على أحاديث. وأما الاختصار المنسوب للنووي فليس فيه سوى سلخ أسانيد الكتاب. وكلاهما أعني - الإشبيلي والمنذري - حذف الإسناد، وما أدري ما قيمة الصحيحين أو أحدهما دون الأسانيد، وكذا لم يراعيا منهج الإمام مسلم في تخريج أحاديث كتابه، فأوردا ألفاظًا من صحيح مسلم لا تصح، وأعرضا عن روايات صحيحة للحديث بناءً على أن كل ما في صحيح مسلم صحيح. وهذا فيه من الوهم الشيء الكثير. وبالجملة فكلها لا تسلم من مقال، والمآخذ عليها نفس المآخذ على كتب الجمع بين الصحيحين. شروح الصحيحين ذكر بعض أهل العلم أن شروح صحيح البخاري بلغت نحوًا من ثلاثمائة شرح، وبلغت شروح صحيح مسلم نحوًا من خمسين شرحًا. أشهر شروح صحيح البخاري ١ - " أعلام السنن": لحَمدِ بن محمد الخطابي (ت: ٣٨٦ هـ). ٢ - "شرح صحيح البخاري": لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك - المشهور بـ: ابن: بطال - القرطبي المالكي (ت: ٤٤٩ هـ) ٣ - "التنقيح في شرح الجامع الصحيح": لمحمد بن بهادر الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ). ٤ - "فتح الباري شرح صحيح البخاري": لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ). ٥ - "التوضيح شرح الجامع الصحيح": لعمر بن علي بن الملقن (ت: ٨٠٥ هـ). ٦ - "الكوكب الساري": تأليف: علي بن الحسين بن عروة الحنبلي (ت: ٨٣٧ هـ). ٧ - "فتح الباري": لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، وهو أشهر تلك الشروح في عصرنا.

стр. 50

٨ - "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري": لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني المصري الشافعي (ت: ٩٢٣ هـ). وأحسنها "فتح الباري" لابن رجب بلغ فيه إلى كتاب الجنائز ومات عنه ﵀. أشهر شروح صحيح مسلم ١ - " المُعلِم": للمازري (ت: ٥٣٦ هـ). ٢ - "إكمال المعلم": للقاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ). ٣ - "المفهِم": لأبي العباس القرطبي (ت ٦٥٦: هـ). ٤ - "المنهاج": ليحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ). ٥ - "إكمال إكمال المعلِم": لمحمد بن خليفة الأُبِّي (١) (ت: ٧٢٧ هـ). ٦ - "فتح الملهِم": لشِبِّير بن أحمد العثماني (ت: ١٣٦٩ هـ). ٧ - "الكوكب الوهَّاج": لمحمد بن عبد الله الأرمي. (معاصر). وهذا الأخير أجمعها. وبمناسبة الكلام على "الموطأ" و "الصحيحين" ينبغي أن يذكر الكلام على مسند الإمام أحمد، وهو وإن كان ليس من شرط الصحيح لكن لا بدّ من التعرض له هنا لأهميته وفضله. " مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني " هو أعظم كتاب صنف في الإسلام وقرة عين الحفاظ وبهجة أنفس الموحدين. أعرض عنه الجهال، وصرفَ الله عنه الضلال فلم ينتفعوا به، ومن يرد الله به خيرًا من أهل الحديث يشغله بالمسند.

стр. 51

ليس يدانيه كتاب من المسانيد ولا الصحاح ولا السنن ولا المعاجم ولا غيرها. خصائص المسند. قال ابنُ الجزري: هو كتابٌ لم يُرْوَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه. المصعد الأحمد (ص ٢٩، ٣٠). وقال أبو بكر القطيعي: حضرتُ مجلس يوسف القاضي سنة خمس وثمانين ومائتين، أسْمَعُ منه كتاب "الوقوف"، فقال لي: مَنْ عنده "مسند" أحمد بن حنبل و "الفضائل" أيْش يعمَلُ هاهنا؟ وهذا حق لما امتاز به من خصائص: فإن مصنفه أكبر الحفاظ المصنفين. وليس في المصنفين أحفظ منه، مع تمكن من العلل والجرح والتعديل والفقه، وإمامة في السنة، بل هو إمام الدُّنيا بعد التابعين في السنة. وهو عالي الإسناد. فيه من الثلاثيات ثلاثمائة واثنان وثلاثون حديثًا. وهو جامع للأصول. حاول فيه جمع الأحاديث المشهورة التي يحتج بها أهل العلم، فقَلَّ أن تجد حديثًا خارج "المسند" له أصل عند المتقدمين، أو هو مما يحتاج إليه (١). قال أحمد: قَصَدْتُ في "المسند" الحديثَ المشهور، وتركتُ الناسَ تحت ستر الله تعالى، ولو أردتُ أن أقصِدَ ما صحَّ عندي، لم أروِ من هذا "المسند" إلا الشيءَ بَعْدَ الشيء، ولكنك يا بني تعرفُ طريقتي في الحديث، لستُ أُخالِفُ ما ضَعُفَ إذا لم يكن في الباب ما يَدفَعُه. خصائص المسند (٢٧). بلغت أحاديثه نحوًا من ثلاثين ألف حديث. قال أحمد لابنه عبد الله: "احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إمامًا" سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٢٧).

стр. 52

وقال أحمد شاكر: الذي فات المسند من الأحاديث شيء قليل، وأكثر ما يفوته من حديث صحابي معين يكون مرويًا عنده معناه من حديث صحابي آخر، فلو أنَّ قائلًا قال: إنَّ المسند قد جمع السنة وأوفى بهذا المعنى، لم يبعد عن الصواب والواقع. الباعث الحثيث (ص ٣٠). وضعه على مسانيد الصحابة فبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة. ويخرج الحديث في غير مسند صاحبه، ويريد به أمرًا يتعلق بالحديث قبله، إما حديثيًا أو فقهيًا، كأن يورد الحديث من مسند جابر بن عبد الله في مسند أبي هريرة، وقد أخطأ المتأخرون بظنهم أن هذا من أوهام النُّسَّاخ، أو أن أحمد ما تذكره إلّا في موضعه الذي أخرجه. وفي المسند الصحيح والضعيف. ووقع فيه بعض الضعيف الشديد الضعف، وذلك أنه وضع فيه ما اشتهر مما احتجوا به ممن سبقه، وفي عصره. وقال عبدُ الله: هذا "المسندُ" أخرجه أبي ﵀ من سبع مائة ألف حديث، وأخرج فيه أحاديث معلولةً، بعضُها ذَكَر علَلَها، وسائرها في كتاب "العلل" لئلا يخرَّج في الصحيح. (ص: ١٤٠) فهرسة ابن خير. قال ابن الجوزي: ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال، رأى أحاديث كثيرة كلها في "المسند"، وقد طعن فيها أحمد. صيد الخاطر (ص: ٣١٢). وفي كتاب "العلل" للإِمام أحمد عددٌ غيرُ قليلٍ من الأحاديث التي طَعَنَ هو بصحتها، وهي موجودةٌ في "المسند". كحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ "رد ابنته إلى أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد" العلل (٥٣٨). وحديث عمر بن بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "من باع الخمر فليشقص الخنازير" العلل (١٣٦٦). وحديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان .... " العلل (١٧٩٥). ووقع فيه بعض الأحاديث قال عنها بعض الحفاظ: موضوعة.

стр. 53

وقد قال بعضهم: ليس في المسند من رواية القطيعي حديثٌ موضوعٌ، وما قيل فيه من موضوع إنما هو من زيادات ابنه عبد الله. أهـ. قلت: وليس هذا بجيد. فمما قيل فيه موضوع وهو من رواية القطيعي ليس من الزيادات. حديث: "نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي يَا ابْنَ مَسْعُودٍ". وحديث: "إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ أرْبَعِينَ سَنَةً، آمَنَهُ اللهُ مِنْ أنْوَاعِ البَلَايَا". وحديث: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا مَنَّانٌ، وَلَا وَلَدُ زِنْيَةٍ". وحديث: "عَسْقَلَانُ أحَدُ العَرُوسَيْنِ". وحديث: "حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ". وقد تتبعت شرطه فيه فلم أجد له شرطًا سوى أنه وضع فيه ما احتجوا به. ولي أن أقول - بحمد الله - أنَّ المسند حوى الحديث المحتاج إليه، أصول صحيحه وعلله، وما كرر فيه حديثًا إلّا لفائدة، إما حفظ أصول طرقه أو بيان علة أو نكتة فقهية. ولي عليه بحمد الله اشتغال في اختصاره وتبويبه والتعليق على أسانيده ومتونه وبيان علله ومنهج الإمام أحمد فيه. والله أسأل أن يتمه قريبًا بفضله ومنه وتوفيقه وتأييده. مصنفات خدمت المسند رتبه على الأبواب علي بن الحسين بن عُروة الحنبلي في الكواكب الدراري، وضعها على أبواب صحيح البخاري. وبوبه كاملًا على أبواب العلم عبد الله بن إبراهيم القرعاوي، وأحسن في تبويبه. وبوبه أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، وسمي الترتيب "الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني".

стр. 54

ورتبه على معجم الصحابة جمع منهم: أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة ٨٢٠ هـ. وهذبه ورتبه على الأبواب أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي الشهير بابن زُريق المتوفى (٨٤١ هـ)، وقد فُقِدت هذه النسخة. واختصره ابن الملقّن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤ هـ. وعمر بن أحمد الشّمَّاع الشافعي الحلبي المتوفى سنة ٩٣٦ هـ، إذ انتقى من "المسند" كتابًا سماه "الدر المنضَّد من مسند أحمد". وأحمد بن عبد الرحمن البَنّا الشهير بالساعاتي المتوفى نحو سنة ١٣٧١ هـ / ١٩٥١ م. وقد عَمَد فيه إلى السند فحذفه، ولم يُثبِتْه في المتن إلا في مواضع يسيرة حين تَمَسُّ الحاجةُ إلى ذكر اسم أحد رَواته، ثم إنه عَقَّب كُلَّ حديث بسنده في التعليق. وصالح أحمد الشامي. وحذف أسانيده فلم يحسن صنعًا. وصنع أطرافًا له ابن حجر العسقلاني سماه "إطراف المُسنِدِ المُعتَلي بأطراف المُسنَد الحنبلي". وشرحه علي بن الحسين بن عُروة الحنبلي في مئة وعشرين مجلدًا. وشرح غريب حديثه أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المعروف: بغُلام ثَعْلَب، المتوفى سنة (٣٤٥ هـ). ووضع عليه حاشيةً نفيسة أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ١١٣٩ هـ. تضمنت تعليقات لطيفة، اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إليه القارئ والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإعراب. وصنف في خصائصه أبو موسى المديني، المتوفى سنة (٥٨١ هـ). "خصائص المسند". وكذا صنف في خصائصه وفضائله ابن الجزري المتوفى سنة (٨٣٣ هـ) كتابًا سماه "المصعد الأحمد في ختم مسند الإِمام أحمد". ووضع له صهيب الكرمي مقدمة نفيسة جدًّا في أول طبعة دار عالم الكتب، تكلم فيها عن الكتاب وخصائصه ومنهج أحمد فيه.

стр. 55

وجرد ثلاثياته إسماعيل بن عمر المقدسي المتوفى سنة (٦١٣ هـ). وشرح هذه الثلاثيات محمد بن أحمد بن سالم السفاريني المتوفى ١١٨٨ هـ. وترجم لرواته محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحُسَيني الشافعي المتوفى سنة ٧٦٥ هـ، كتابًا سماه "الإكمال في تراجم من له رواية في مسند الإِمام أحمد ممن ليس لهم ذكر في تهذيب الكمال" للمزي. أفرد زوائده على الكتب الستة بأسانيدها، ورتبها على الأبواب، علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة (٨٠٧ هـ) في "غاية المُقْصَد في زوائد المُسند". وصنف في إعراب ما يُشكِل من ألفاظه، السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ كتابه المسمى "عقود الزَّبرجَد على مسند أحمد". وصنف في الذب عنه ابن حجر العسقلاني "القول المسدَّد في الذَّبِّ عن مسند الإِمام أحمد". دافع عن الأحاديث القليلة، التي حُكِم عليها بالوضع. وخرّج أحاديثه أحمد شاكر ولم يتمه وأتمه على منهاجه حمزة الزين. نهجا فيه طريقة المتأخرين. وكذا خرجها شعيب الأرناؤوط مع مجموعته في خمسين مجلدًا، وتخريجه في العشر مجلدات الأولى ليس بجيد وفي باقي الكتاب أحسن منه. وأشهر طبعاته: الطبعة الميمنية. وأحسن طبعاته طبعة دار عالم الكتب وهي بحق يمكن أن نقول فيها: لو رآها الإمام أحمد لفرح بها. تنبيه: طبعته دار المنهاج بطبعة اشتهرت بطبعة المكنز. ادعى القائمون عليها زورًا وتشبعًا بما لم يعطوا أنها عن أربعين نسخة خطية.

стр. 56

أشهر من عرف بالحكم على الأحاديث من المتأخرين النووي، والمنذري، وابن تيمية، وابن كثير، وابن عبد الهادي، والذهبي، وابن رجب، والزيلعي، وابن الملقن، والعراقي، والهيثمي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، والمناوي. فأما ابن عبد الهادي وابن رجب فهما على منهج الأئمة النقاد المتقدمين. وأما الذهبي فأحسن حالًا ممن سوى هذين الاثنين خصوصًا بأخرة. وأما من بقي فكلهم على منهج المتأخرين. على أنَّ ابن حجر حاله بأخرة خير منه مما سبق. أشهر من عُرف بالحكم على الأحاديث من المعاصرين المعلمي اليماني، وحبيب الرحمن الأعظمي، وحماد الأنصاري، وأحمد شاكر، ومحمد ناصر الألباني، وصبحي السامرائي، وبشير محمد عيون، وأحمد الغماري، وشعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، وحسين سليم أسد، ومحمد عوامة، ومقبل بن هادي الوادعي، وأبو إسحاق الحويني، وعبد الله السعد، وسليمان ناصر العلوان، ومصطفى العدوي. فأما المعلمي اليماني، ومقبل بن هادي الوادعي، وعبد الله السعد، وسليمان ناصر العلوان، ومصطفى العدوي. فهؤلاء كلهم على منهج المتقدمين. وأما الباقي فعلى منهج المتأخرين. الحَسَنُ الحَسَنُ لِذَاتِه: هو ما حَسُنَ لَفْظُه أو معناه واشتهاه المحدث، ولم يَصُحَ عنده (١). وهذا عند المتقدمين.

стр. 57

قال أُمَيَّة بن خالد: قُلت لشُعبة: ما لَك لا تُحَدِّث عن عَبد المَلك بن أبي سُليمان العَرزَميِّ؟ قال: تَرَكت حَديثهُ، قُلتُ: تُحَدِّث عن مُحَمد بن عُبَيد الله العَرزَميّ، وتَدَع عن عَبد المَلك بن أبي سُليمان، وكان حَسن الحَديث؟ قال: مِن حُسنِها فَرَرتُ. الضعفاء للعقيلي (٣/ ٤٩٧). وَقَالَ وكيع بن الجراح: "كل حديث حسن، عبد السلام بن حرب يرويه" الضعفاء للعُقيلي (٣/ ٧٠). وَقَالَ عَلِيٌّ بن المديني فِي حَدِيثِ عُمَرَ: أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنِّي مُمْسِكٌ بِحُجَزِكُمْ عَن النَّار ... قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ الإِسْنَادِ، وَحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ مَجْهُولٌ، لَا أعْلَمُ أحَدًا رَوَى عَنْهُ إِلَّا يَعْقُوبُ القُمِّيُّ، وَلَمْ نَجِدْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ أهْلُ الحِجَازِ مِنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. العلل لابن المديني (١٥٩). في حديث: الأعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أنَّهُ مَرَّ عَلَى قَارِئٍ مَنْ قَرَأ القُرْآنَ فَليَسْألِ اللهَ": يَقْرَأُ، ثُمَّ سَألَ فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أقْوَامٌ يَقْرَؤُوْنَ القُرْآنَ يَسْألُونَ بِهِ النَّاسَ". قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ. سنن الترمذي (٢٩١٧). وقد يطلقه المتقدمون أحيانًا على ما صح، وعلى ما خفَّ ضبط راويه، وعلى الضعيف المنجبر، وهو نادر في صنيعهم. وهذا هو الأصل في استعمالهم. وعند المتأخرين: هو ما اتصل سندُه بنقل عدول خَفَّ ضبطُ بعضهم من غير علة (١). كحديث: عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ مَاهَكٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ، الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ" أخرجه سعيد بن منصور وابن ماجه وأبو داود والترمذي.

стр. 58

وقد حسنه المتأخرون قاطبة. وهو عند المتقدمين لا يصح. ويقال له عندهم: الثابت، والمقبول، والجيد، والقوي، والصالح، والمُشَبَّه، ولا بأس به. فائدة: ليس تعريف للحديث الحسن في كتب المتأخرين يسلم من الاعتراض. فائدة: تحسين الترمذي للحديث على ثمانية أضرب دائرة بين أعلى درجات الصحة إلى أدنى درجات الضعف (١). وبكل حال فإنَّ المتقدمين يطلقون الحسن على الصحيح أحيانًا، وعلى ما خف ضبط راويه، وعلى الضعيف المنجبر، والضعيف بأنواعه بل حتى على المنكرات، أما المتأخرون فقصروا الحسن على المعنيين الاصطلاحِيَّيْن عندهم، وبهذا تعرف خطأهم في كثير من اعتراضاتهم، وانتقاداتهم على المتقدمين. الحَسَنُ لِغَيْرِه: ما كان في بعض رواته ضعفٌ محتمل، ويروى من وجه آخر مثله أو نحوه، وخلا من العلل. كحديث: حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ هُرْمُزَ الفَدَكِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ عُبَيْدٍ عَنْ أبِي حَاتِمٍ المُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهَ وَخُلُقَهُ فَأنْكِحُوهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" أخرجه: أبو داود في المراسيل والترمذي. فقد حسنه المتأخرون لغيره. واعلم أن الحسن لذاته على طريقة المتأخرين يكفي أن يكون من طريق واحدة، ويشترط في راويه الضبط، وإن كان فيه بعض الخفة. وأما الحسن لغيره: فيشترط فيه تعدد الطرق، من غير شدة في الضعف، ويكفي في بعض رواته أن يكون ضبطهم أدنى من ضبط رواة الحسن لذاته، ولو يصل لسوء الحفظ لكن ليس جدًّا.

стр. 59

فائدة: الحسن لغيره لا يحتج به في العقائد إلا أن يتفق المتنان تمامًا؛ لأنَّ العقائد توقيفية لفظًا ومعنىً. حَسَنٌ صَحِيح: هو اصطلاح لجمع من الحفاظ كأحمد، والبخاري، وأبي حاتم، والترمذي، يعنون به: أنه دون الصحيح وإن كان ثابتًا عندهم. كحديث: إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً .... الحديث. أخرجه: الترمذي. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .... وَسَألتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحدِيثِ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَكَذَا قَالَ أحمد بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. سنن الترمذي (١/ ٢٢٥). وقد يعني به الترمذي: إفادة التأكيد لمعنى القبول والاحتجاج، وقد يعني به الجمع بين حكمي عالمين في الحديث، أحدهم قال: صحيح، والآخر قال: حسن، وقد يريد به أنه مروي بإسنادين، أحدهما: دون الصحيح ولم يبلغ الضعف، والآخر: صحيح، وقد يعني به الصحيح لذاته، وقد يعني به الحسن لذاته، وقد يريد به التمييز بين (الحَسَن) الذي هو صحيح و (الحَسَن) الذي هو دون الصحيح (١). حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيب: هو حديث مروي بإسناد حسن، وبإسناد صحيح غريب، وإنما يُستغربُ من الطريق الصحيحة. كحديث: هَمَّام قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ أبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِي الغَارِ: لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: "يَا أبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا". أخرجه: ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والبزار والترمذي وأبو يعلى. قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. إِنَّمَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ تَفَرَّدَ بِهِ". وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هَمَّامٍ، نَحْوَ هَذَا. سنن الترمذي (٥/ ٢٧٨).

стр. 60

حَسَنٌ غَرِيب: هو حديث قد رُوي من غير وجهٍ نحوه، وإنما يُستغربُ من الطريق التي أخرجها لتفرد راو بها. كحديث: مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ" فَرَأيْتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا. أخرجه: الترمذي.، قال الترمذي: وَفِي البَابِ عَنْ أبِي قَتَادَةَ، وَعَائِشَةَ، وَعَمَّارٍ. حَدِيثُ جَابِرٍ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أبِي قَتَادَةَ، أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ"، أخْبَرَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ قَالَ: أخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ أصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ؛ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ وَغَيْرُهُ. سنن الترمذي (١/ ١٥). وقد يعني الترمذي به: الحسن لذاته، ويعني به: الضعيف. أحْسَن شَيْءٍ فِي البَابِ: هو أن يروى في باب من أبواب العلم جملة أحاديث، يكون هو أحسنها، وإن لم يكن حسنًا. فإن كانت مقبولة فهو أعلاها مرتبة، وإن كانت ضعافًا فهو أخفها ضعفًا. قال الخلال: أخبرنا أبو داود - يعني السجستاني - قال: قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ قال: تخليل اللحية قد رويَ فيه أحاديث، ليس يثبت منها حديث، وأحسن شيء فيه حديث شقيق عن عثمان. شرح ابن عبد الهادي لعلل ابن أبي حاتم (ص/ ٤٧). عُرِفَ مَخْرَجُهُ: ما اتصل سنده، وعرف راويه بأخذ الحديث عن أهل بلده وروايته عنهم. كرواية: ابن جريج عن أهل مكة، والزهري عن أهل المدينة، والأوزاعي عن أهل الشام، وثور بن يزيد عن أهل الجزيرة، ومعمر عن أهل اليمن، وقتادة عن أهل البصرة، وأبي إسحاق

стр. 61

السبيعي عن أهل الكوفة، وأبو هاشم الرماني عن أهل واسط، ويزيد بن أبي حبيب عن أهل مصر، والحسين بن واقد عن أهل خراسان. مَخْرَجُ الحَدِيث: جزء السند من جهة الصحابي. الجَهَالَة والمَجْهُول الجَهَالَة: عدم معرفة عَيْنِ الراوي أو حاله، من جهة العدالة أو الضبط. المجْهُوْل: من جهلت عينه، أو حاله من جهة عدالته في دينه، أو ضبطه لحديثه، أو كلاهما معًا. والمجهول عند المتقدمين مجهول لا يتنوع، ولا تعرف مصطلحات "المستور" و"مجهول العين" "مجهول الحال" عندهم. والمجهول عند المتأخرين: ثلاثة: مجهول العَيْن، ومجهول الحال (المستور)، والمبهم. مجْهُوْلُ العَيْن: هو من ذُكِر اسمه، ولكن لم يَرْو عنه إلا راو واحد، ولم يوثقه مُعْتَبر. كإدريس بن صبيح الأودي، وبريد بن أصرم، وحاتم بن أبي نصر القنسريني، وقرة بن موسى الهجيمي، وأبي الهيثم البصري، ومحمد بن إبراهيم الباهلي البصري. مجْهُولُ الحَال: (المستور): هو من روى عنه اثنان فأكثر، ولم يُوَثَّق. كأنس بن حكيم الضبي البصري، وسليمان بن كنانة القرشي الأموي، وعبد الرحمن بن جرهد الأسلمي. وإنما يعرف المستور عند المتقدمين بمعنى: من لم يظهر منه ما يعاب عليه. وكلما تأخرت طبقة المجهول كان هذا أضعف لمروياته. مثال إسناد غالبه مجاهيل:

стр. 62

قال أبو محمدٍ عبدُ الرحمنِ: سألتُ أبي عن حديثٍ رواه حسَّانُ بنُ حسَّان عن إبراهيمَ بنِ بِشْرٍ عن يحيى بنِ معن (١) عن إبراهيمَ القرشيِّ عن سعيد بنِ شُرَحْبيلٍ عن زيد بن أبي أوْفَى، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ ؛ فقال: أين فلانُ بنُ فلانٍ بنِ فلانٍ، فما زال يتفقَّدهم، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه؛ فقال: إنِّي مُصْطَفٍ منكم ومؤاخٍ بينكم، قم يا أبا بكر! فآخى بينه وبين عمرَ .... فذكر حديثَ المؤاخاةِ، وفضائلِ كلِّ واحدٍ منهم. علل الحديثِ (٢٥٩٨) فسمعتُ أبي يقول: هذا حديثٌ منكر، وفي إسنادِهِ مجهولون. المجهولون في هذا الإِسنادِ: إبراهيم بنُ بِشْرٍ، ويحيى بنُ معن، وإبراهيمُ القرشيُّ، وسعيد بنُ شُرَحْبِيْلٍ. والجهالة ليست بجرح ولا تعديل، وكذا الشهرة؛ فبعض الرواة مشهورون ولكن بالكذب. مراتب المجهولين: أ - طبقة كبار التابعين أو أوساطهم، إذا روى ما لم يُسْتَنكر احتُمِلَ حديثه. ب - صغار التابعين، فيختلف باختلاف الرواة عنه. ت - أتباع التابعين فمن بعدهم، فهؤلاء أضعف لا سيما إذا تفردوا. ث - من روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة، فهذا أرفع لحديثه وأقوى لعدالته. ج - من روى عنه الموصوف بتدليس الشيوخ، فإن ذلك مما يضعفه. ح - من لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهؤلاء أضعف مراتب المجهول. ارتفاع الجهالة اعلم أنه ليس لارتفاع الجهالة عن الراوي عند المتقدمين قاعدة منضبطة. فلا عبرة عندهم بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات، كأن يروي عنه أهل العلم ممن لا يروي عن المجاهيل.

стр. 63

قال ابن رجب: قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب، وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين. اهـ. قال ابن رجب: وهذا تفصيل حسن. وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي، الذي تبعه عليه المتأخرون، أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه. قال: وابن المديني يشترط أكثر من ذلك: فإنه يقول فيمن يروي عنه يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم معًا: إنه مجهول. وكذا قال أبو حاتم الرازي في إسحاق بن أسيد الخراساني: ليس بالمشهور. مع أنه روى عنه جماعة من المصريين، لكنه لم يشتهر حديثه بين العلماء. وقال أحمد في عبد الرحمن بن وعلة: إنه مجهول. مع أنه روى عنه جماعة، لكن مراده أنه لم يشتهر حديثه ولم ينتشر بين العلماء. شرح علل الترمذي بتصرف (١/ ٣٧٧). من روى عنه واحد ولكنه معروف وقد صحح أحمد حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولًا. قال في خالد بن شمير: لا يُعْلَمُ روى عنه أحد سوى الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث. وقال مرة أخرى: حديثه عندي صحيح.

стр. 64

وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت ابن عيينة يقول: إنا كنا نتبع آثار مالك بن أنس، وننظر إلى الشيخ إن كان مالك بن أنس كتب عنه وإلا تركناه. قال القاضي إسماعيل: إنما يُعتبر بمالك في أهل بلده (فأما الغرباء) فليس يُحْتَجُّ به فيهم، وبنحو هذا اعتذر غير واحد (عن مالك) في روايته عن عبد الكريم أبي أمية وغيره من الغرباء. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة، مما يقويه؟ . قال: إذا كان معروفًا (بالضعف)، لم تقوه روايته عنه، وإن كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه. قال: وسمعت أبي يقول: إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم أنه ثقة. إلا نفرًا بأعيانهم. وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن الرجل، مما يقوي حديثه؟ قال: إي لعمري. قلت: الكلبي روى عنه الثوري. قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتَكلَّمُ فيه. قلت: فما معنى رواية الثوري عنه، وهو غير ثقة عنده؟ قال: كان الثوري يذكر الرواية عن الرجل على الإنكار والتعجب، فيعلقون عنه روايته عنه. ولم تكن روايته عن الكلبي قبوله له. شرح علل الترمذي بتصرف (١/ ٣٨١) ارتفاع الجهالة عند المتأخرين وذكر ابن عبد البر في استذكاره أن من روي عنه ثلاثة فليس بمجهول. قال: وقيل: اثنان. شرح علل الترمذي (١/ ٣٨١)

стр. 65

قال الخطيب: وَأقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الجَهَالَةُ أنْ يَرْوِيَ عَنِ الرَّجُلِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ المَشْهُورِينَ بِالعِلمِ كَذَلِكَ. قال: إِلَّا أنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ العَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ. الكفاية في علم الرواية (ص: ٨٩). واعلم أن الأصل فيمن لا يعرف أنه ليس بحجة، لكن من كان من الرواة قد روى عنه جماعة ولم يأت بما يُنْكَرُ عليه، ووافقت أحاديثه حديث الثقات قُبِلَ حديثه. إِسْنَادٌ مُظْلِم: إسناد فيه راو مجهول أو أكثر. الرَّاوِي المُبْهَم: هو من لم يُصَرَّح باسمه في الإسناد أو المتن. ففي السند كقولهم: حدثنا رجل، وأما في المتن فكقولهم في أثناء حديث: فجاء رجل. وهذا الذي في المتن لا يضر إبهامه. الحَدِيث المُبْهَم: هو الحديث الذي في سنده من لم يُسَمَّ. كقول الراوي في السند: حدثني رجل، أو شيخ، أو من لا أتهم، أو الثقة. واعلم أن المبهم على التوثيق إذا روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة، أو وثقه على الابهام إمام معتمد في الجرح والتعديل. والمبهم إذا كان في المتن فلا يؤثر إلا أن يكون له تعلق بالسند، أو تعَلَّقَ به حكمٌ شرعي. البِدْعَةُ ورِوَايَةُ الْمُبْتَدِعِ البِدْعَة: تَعَبُّدُ الله بما لم يشرع. والمراد بالبدع عند المحدثين البدع الاعتقادية. والبدعة: عند المتقدمين: مُغلَّظة؛ كالجهمية والمعتزلة والرافضة، ومُتوسطة: كالقدرية، ومُخفَّفَة: كالإرجاء. وعند المتأخرين: بدعة مُكفِّرة، ومُفسِّقة. المُبْتَدِع: من فارق عقيدة أو منهج جماعة المسلمين من أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة.

стр. 66

مثال المبتدع: قتادة: مرجئ. هشام الدّسْتوائي: قدري. عمران بن حطان: خارجي. عَمْرو بن عُبَيْد: رأس المعتزلة الأوائل. بِشْرُ بن السرّي: جَهميّ. ثوير بن أبي فاختة: رافضي. الرواية عن أهل الأهواء والبدع وقد اختلف في الرواية عن أهل الأهواء والبدع. فمنعت طائفة من الرواية عنهم: كابن سيرين، والحسن، ومالك، وابن عيينة، والحميدي، وغيرهم. قال الحسن: لا تسمعوا من أهل الأهواء. أخرجه ابن أبي حاتم. ولهم مآخذ: أحدها: لكفر أهل الأهواء وفسقهم، وفيه خلاف مشهور. والثاني: الإهانة لهم والهجران. والثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب، لا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الراوي. وروى أبو عبد الرحمن المقري، عن ابن لهيعة، أنه سمع رجلًا من أهل البدع رجع عن بدعته وجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا جعلناه حديثًا. وقال علي بن حرب: من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن صاحب سنة، فإنهم يكذبون، كل صاحب هوى يكذب، ولا يبالي. ورخص طائفة في الرواية عنهم إذا لم يتهموا بالكذب:

стр. 67

منهم: يحيى بن سعيد، وعلي بن المديني. قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج. قال ابن المديني: لو تُرِكَت أهل البصرة للقدر، وتُرِكَت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب. وأما الرافضة فبالعكس. قال يزيد بن هارون: لا يكتب عن الرافضة فإنهم يكذبون. خرجه ابن أبي حاتم. ومنهم من فرق بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية. منهم: ابن المبارك، وابن المهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وقال المروزي: كان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعيًا. ومنهم من فرق بين من يغلو في هواه ومن لا يغلو. كما ترك ابن خزيمة حديث عباد بن يعقوب لغلوه. وسئل ابن الأخرم: لم ترك البخاري حديث أبي الطفيل؟ قال: لأنه كان يفرط في التشيع. ومنهم من فرق بين البدع المغلظة، والبدع المخففة ذات الشبه. فالمغلظة، كالتجهم والرفض، والمخففة ذات الشبه كالأرجاء. قال أحمد: احتملوا من المرجئة الحديث، ويكتب عن القدري إذا لم يكن داعية. وكلامه في الجهمي عام، أنه لا يروى عنه. فالمختار عندي: أن أهل البدع المغلظة كالرافضة والجهمية يُردُ حديثهم مطلقًا. وتقبل رواية غيرهم ممن رمي ببدعة من الثقات، سواء كان داعية إلى بدعته أو غير داعية، فلنا حديثه وعليه بدعته. ولا زال الحفاظ يروون عن أهل البدع الثقات وإن كانوا دعاة ويحتجون بمروياتهم.

стр. 68

التَّدْلِيسُ التَّدْلِيس: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره، حتى يقبل الحديث. وَالمتقدمون يطلقون في كثير من الأحيان على الإرسال تدليسًا، فيقولون: فلان يدلس، يعني: يرسل (١). وهو أقسام: تدليس الإسناد، والتسوية، والشيوخ، والعطف، والمتابعة، والقطع - أو السكوت -، وصيغ التحمل، والبلدان. تَدْلِيْسُ الإِسْنَاد: أن يَرْوِيَ الراوي عن شيخ سمع منه بالجملة شيئًا لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع. كرواية ابن عُيَيْنَة عن الزهري؛ فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. ويندرج تحت تدليس الإسناد؛ تدليس التسوية، والقطع أو السكوت، والعطف، والمتابعة، والصيغة. أ - تَدْليسُ التَّسْوِيَة: هو أن يسقط الراوي شيخ شيخه أو من هو فوقه، فيسوِّي رواية شيخه عن شيخ شيخه مباشرة (٢). وصورته أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه شيخه الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمَد المدلسُ فيسقطُ منه شيخَ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ يوهم السماع، فيصير الإسناد كله ثقات. كرواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع. فأسقط الوليدُ بنُ مسلم عبدَ الله بنَ عامرٍ الأسلمي. بين الأوزاعي ونافع، فجعله عن الأوزاعي عن نافع.

стр. 69

لا يشترط في مدلس التسوية التصريح بالسماع في جميع طبقات السند، وإنما يكفي أن يصرح بسماعه من شيخه وبسماع شيخه من شيخه. ب - تَدْليسُ القَطْع أو السكوت: هو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على اسم شيخه. كقول الراوي: "فلان عن فلان"، ولا يقول مثلًا حدثني، أو سمعت، أو عن فلان عن فلان. فيأتي الراوي بلفظ يفيد السماع ثم يسكت وينوي القطع، ثم يقول: فلان، فيذكر اسم شيخ من شيوخه، كهشام بن عروة مثلًا، وهو لم يسمع منه الحديث مع شيخ آخر سمع منه. كما نقل عن عمر بن علي المُقَدَّمِيّ (١): "سمعت" و "حدثنا"، ثم يسكت، ثم يقول: "هشام بن عروة"، "الأعمش"! يوهم أنه سمع منهما، وليس كذلك. ت - تَدْليسُ العَطْف: هو أن يصرح بالتحديث عن شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك الحديث من الثاني. كقول هُشَيْم: حدثنا حُصَيْن ومغيرة (٢). ث - تَدْليسُ المُتَابَعَة: هو أن يروي الراوي خبرًا عن شيخين له أو أكثر، ويكون بين من روى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد، فيحمل رواية أحدهما على الآخر ولا يبين. كحديث رواه ابن عُيَيْنَة عن ليث بن أبي سليم (٣) عن مجاهد عن أبي معمر عن علي ﵁. ورواه أيضًا عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد (٤) عن علي.

стр. 70

حديث القيام للجنازة. فأحيانًا يروي ابن عُيَيْنَة الحديث عنهما، فيعطف رواية ابن أبي نَجِيح على رواية الليث ولا يبين. فيضيع ضعف ابن أبي سليم بمتابعة ابن أبي نَجِيح، ويضيع كذلك الانقطاع - الذي في رواية ابن أبي نَجِيح - بين مجاهد وعلي. ج) تَدْليسُ الصِّيْغَة: هو أن يعبر الراوي بالتحديث أو الإخبار، في بعض أنواع التحمل التي تحتمل السماع وعدمه، موهمًا أنه سمع. كأن يقول في الإجازة أو غيرها: أخبرنا - تأولًا منه -. وأكثر ما يكون في الإجازة والمذاكرة. ومن تلك الصيغ المستعملة للإيهام (أخبرني) و (شافهني) و (كتب إليّ). ويسمى (تدليس صورة التحمل)، أو (تدليس كيفية التحمل). تَدْليسُ الشُّيُوْخ: هو أن يَرْوي الراوي عن شيخ فيذكره بغير ما يعرف، كي لا يهتدى إليه. كما فعل الرواة بمحمد بن سعيد الشامي المصلوب، فقد قيل أنهم قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى. ويندرج تحته تدليس البلاد. تَدْلِيْسُ البُلدَان: وهو أن يذكر الراوي لفظًا مشتركًا، يطلق في المشهور، على غير الموضع الذي أراده. وسماه البعض: تدليس المكان. وصورته: أن يقول الراوي البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر وأراد نهر دجلة، أو حدّثنا بقرطبة، ويقصد بها موضعًا في بغداد، وليست المدينة المعروفة في الأندلس. أو يقول الراوي المصري: حدثني فلان بزقاق حلب، وأراد موضعًا بالقاهرة.

стр. 71

فائدة: لا يُعلَم عن أحد من المتقدمين وصف الصحابة بالتدليس، وإنما كانوا يرسلون، وغالب مرسلاتهم عن صحابة مثلهم، وإذا أرسلوا عن تابعي بيَّنوا. حكم عنعنة المدلس اعلم أنَّ المتقدمين لا يعتبرون عنعنة المدلس في الغالب، عند حكمهم على الحديث. فالعنعنة غالبًا ما تكون ممن دون المدلس، أو الراوي عمومًا، كما أن التصريح بالتحديث أحيانًا قد يكون وهمًا ممن دون المدلس. وكثيرًا ما تجد الحفاظ يقولون: دخول التحديث في هذا الإسناد خطأ. عنعنة المدلس على الاتصال بشروط: ١ - أن لا يكون المدلس مقلًا من التدليس، وهو كثير الروايات المتصلة. ٢ - وأن يثبت لقاء المعنعن بمن روى عنه. ٣ - فإن كان مكثرًا زيد في الشرط: ٤ - أن يكون ممن أكثر من الرواية عن شيخه. ٥ - ولم يثبت في هذا كله أنه دلسه عن ضعيف. فائدة: من عرف بالتشديد في الأخذ ممن عرف بالتدليس، فالأصل فيما رواه عن شيوخه المدلسين بعنعنتهم الاتصال. كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان. مهمات في التدليس - التدليس ليس جرحًا. - إذا أطلق لفظ التدليس فالمراد تدليس الإسناد. - فعلُ الراوي نوعًا من أنواع التدليس لا يلزم منه فعل باقي أنواعه. - من نص النقاد على تدليسه فالأصل عدَّه مدلسًا.

стр. 72

- من ذكر في المدلسين فلا بد من التحقق من أمره، ولا بد من التحقق تعيين نوع تدليسه. - مما يعرف به التدليس: نصُّ النقاد على أنه مدلَّس. إقرار المدلس. جمع الطرق والأسانيد. التدليس والمتابعات حديث المدلس يصلح في المتابعات إذا علم أنَّ الراوي المسقط ليس شديد الضعف. فائدة: قد يروي المدلس الحديث عن شيخ، ويتابعه عن شيخه الذي روى عنه راو آخر، فقد يكون هذا المتابِع هو نفس الواسطة التي أسقطها المدلس عن شيخه. فتنبه لهذا فإن كثيرًا من المتأخرين خصوصًا المعاصرين توهموا في مثل هذا فعدوه متابعًا. مثال ذلك: كحديث: ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: طاف محمد - جده - مع أبيه عبد الله بن عمرو، فلما كان سبعهما، قال محمد لعبد الله حيث يتعوذون: استعذ؛ فقال عبد الله: أعوذ بالله من الشيطان؛ فلما استلم الركن تعوذ بين الركن والباب، وألصق جبهته وصدره بالبيت، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا. أخرجه عبد الرزاق. وتابع ابنَ جريج في روايته عن عمرو به: المثنى بنُ الصباح، أخرجه أبو داود. ورواه عبدُ الرزاق عن ابن جريج عن المثنى عن عمرو بن شعيب به. أخرجه عبدُ الرزاق في (المصنف). فتبين أن ابن جريج دلسه عن المثنى نفسه.

стр. 73

الاعْتِبَارُ والمُتَابَعَاتُ والشَّوَاهِدُ الاعْتِبَار: هو البحث عن طرق وشواهد حديث يُظن أنه فردٌ. وهو اصطلاح يندر عند المتقدمين. ويستعملونه بمعنى تقوية الحديث فيقال: فلان يُعْتَبرُ به ليتقوى الحديث. ففي حديث: إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث رجل من بني عذرة عن أبي هريرة عن أبي القاسم ﷺ قال فذكر حديث الخط. أخرجه أبو داود. قال سفيان: ولم نجد شيئًا يشد هذا الحديث ولم يجيء إلّا من هذا الوجه. قال سفيان: وكان إسماعيل إذا حدّث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟ قال الجوزجاني: ومنهم الضعيف في حديثه غير سائغ لذي دين أن يحتج بحديثه وحده، إلا أن يقوية من هو أقوى منه فحينئذ يعتبر به. أحوال الرجال (٣٣). المُتابَعَة: أن يشارك الراوي غيره في رواية الحديث. وهي نوعان: تامة، وقاصرة. التَّامَّة: هي أن تحصل المشاركة للراوي من شيخه إلى آخر السند وفي نفس المتن. كأن يروي راوٍ الحديث عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فيرويه راو آخر معه عن أبي الزِّناد بنفس السند. القَاصِرَة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي أثناء الإسناد. كأن يروي الشافعي حديثًا عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. فيروى الحديث من غير طريق مالك عن غير شيخ مالك، عن ابن عمر. أحاديث صححها المتقدمون لطرقها حديث: أفطر الحاجم والمحجوم.

стр. 74

وحديث: لا نكاح إلّا بولي. قال أحمد بن حنبل: يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها. البيهقي في الكبرى (٤/ ٢٦٧). وحديث: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ثم كل صلاة. أخرجه: الترمذي. وقال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه. الشَّاهِد: هو أن يروى الحديث بالمعنى من طريق عن غير الصحابي الذي رواه. كأن يروى الحديث عن حذيفة بلفظ، ويروى عن أبي الدرداء بمعنى يفيده. وَالمتقدمون ليس عندهم ما يسمى بالشاهد، ولا يتوسعون في هذا أبدًا. فلا يعضدون الحديث بمجيئه عن صحابي آخر. وغالب المتأخرين على التفريق بين المتابع والشاهد. والمتأخرون يجعلون من الآية وقول الصحابي أو فعله شاهدًا. واعلم أن المتقدمين وإن صححوا بالمتابعات فلا يكثرون من ذلك ويتحرزون أشد التحرز، إلا إذا قويت طرقها، ولم يكن في رواته كذابٌ ولا مُتهمٌ، ولم تعارض أصلًا، ولم يكن في العقائد والأحكام. فَقلَّ أن يَصِحَّ حديث بتعدد الطرق عند المتقدمين، والمتأخرون على عكسهم. أحاديث صححها المتأخرون لطرقها لم يعرف عن المتقدمين تصحيحها حديث: طلب العلم فريضة على كل مسلم. حديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله. حديث: الأذنان من الرأس. حديث: المسح على الجبيرة.

стр. 75

حديث: وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. شروط قبول الحديث بالمتابعات - أن لا يشتد ضعفه. - أن يصح السند للمُتابِع والمتابَع. - أن يكون المُتَابِع من طبقة المُتابَع. - أن تتقارب الألفاظ. - أن لا يكون أحد المتابعات مستنكرًا، أو يعارض أصلا. وقد حقق بعض إخوتنا ممن نهج منهج المتقدمين: أنَّ الشاهد الضعيف لا يتقوى بمثله بل لابد أن تكون المتابعة من نفس حديث الراوي (١). فائدة: لا يلزم من كثرة الطرق قبول الحديث، بل ربما تزيده كثرة الطرق وهنًا. كحديث: من حفظ عن أمتي أربعين حديثًا. وحديث: صلوا خلف كل من قال لا إله إلا الله. وحديث: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. حديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. تنبيه: كَثُرَ في صنيع المتأخرين خاصة المعاصرين معاضدة الحديث الضعيف ذي الألفاظ المتنوعة بأحاديث قصار، أو ببعض ألفاظ من أحاديث تضمنت شواهد لها، وهذا منهج فاسد يلزم منه أن لا يبقى حديث ضعيف في الدنيا، إذ ما من حديث إلّا وله شاهد من حديث غيره إلّا ما قل. كحديث: أحب للناس ما تحب لنفسك. أخرجه: ابن سعد وعبد بن حميد، والبخاري في "التاريخ الكبير". وحديث: إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه عقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون. أخرجه: ابن السني.
следующие страницы →