الباب العاشر: في ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنورها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة الموتى إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك
وقد تقدم في الباب الثاني أن القبر يقول: أنا بيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله.
قال ابن المبارك: وحدثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة واخذوا في دفنها قال أبو أمامة: أنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون منه الحسنات والسيئات توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا يشير إلى القبر بيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه إلى يوم القيامة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمة بن سعيد قال: كان هشام الدستوائي إذا ذكر الموت يقول: القبر وظلمة القبر ووحشة القبر: فلما مر بعض إخوانه إلى جنبات قبره قال: يا أبا بكر والله صرت إلى المحذور.
وروى بإسناده عن امرأة هشام الدستوائي قالت: كان هشام إذ طفىء المصباح غشيه من ذلك أمر عظيم فقلت له: إنه يغشاك أمر عظيم عند المصباح إذا طفىء قال: إني اذكر ظلمة القبر ثم قال: لو كان سبقني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا مت أن اجعل في ناحية من داري قال: فما مكثنا إلا يسيرا حتى مات قال: فمر بعض إخوانه به في قبره فقال: يا أبا بكر صرت إلى المحذور.
وقال الحسن بن البراء حدثني عند الوهاب بن غياض حدثني جمعة جارة لهشام الفردوسي قالت: كان هشام إذا رجع من جنازة لم يتعش تلك الليلة وكان لا ينام إلا في بيت فيه سراج قال: فطفىء سراجه ذات ليلة فخرج هاربا فقيل له: ما شأنك؟ قال: ذكرت ظلمة القبر.
وروينا حديث خالد بن خداش قال: كنت اقعد إلى أشيم البلخي عم قتيبة وكان أعمى وكان يحدث ويقول: أواه القبر وظلمته واللحد وضيقه وكيف اصنع؟ ثم
стр. 142
يغشى عليه ثم يعود فيحدث فيصنع مثل ذلك مرات حتى يقوم - وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن وهيب بن الورد قال: نظر ابن مطيع يوما إلى داره فأعجبه حسنها فبكى ثم قال: والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته.
وبإسناده عن الفيض بن إسحاق قال لي الفضيل بن عياض: أرأيت لو كانت لك الدنيا فقيل لك: تدعها ويوسع لك في قبرك ما كنت تفعل؟ قال: فقال فضيل: أليس تموت وتخرج من أهلك ومالك وتصير إلى القبر وضيقه وحدك ثم قال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ، ثم قال: إن كنت لا تعقل هذا فما في الأرض دابة أحمق منك.
قال: وأخبرنا محمد بن الحسين حدثني محمد بن حرب المكي قال: قدم علينا أبو عبد الرحمن العمري العابد فاجتمعنا إليه وأتاه وجوه أهل مكة قال: فرفع رأسه فنظر إلى القصور المحدقة بالكعبة فنادى بأعلى صوته: يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبر الموحشة يا أهل النعيم والتلذذ اذكروا الدود والصديد وبلي الأجساد في التراب قال: ثم غلبته عيناه فنام.
وقال: في كتاب العزلة: حدثنا حسن بن عبد الرحمن عن رجل قال: دخلت على رجل بالمصيصة في بيته فيه فرشة وقماشة فقلت: أما يضيق صدرك من هذا؟ فبكى وقال: إذا ذكرت القبر وظلمته وضيقه اتسع هذا عندي ولهيت عن غيره.
وذكر بإسناده له أن سعيد بن عبد العزيز دخل على سليمان الخواص فقال: ما لي أراك في الظلمة؟ قال: ظلمة القبر أشد.
قال أبو الحسن بن البراء: حدثنا أبو حمزة الأنصاري حدثني أبو المضرجي قال: خرجت غازيا فمررت ببعض حصون الشام ليلا فوجدت باب الحصن مغلقا ومقبرة على الباب فبت بجنب المقبرة بالقرب من قبر محفور فلما نمت إذا بهاتف من القبر وهو يقول شعرا:
أنعم الله بالخيالين عينا ... وبمسراك يا أميم إلينا
عجبا ما عجب من ثقل التراب ... ومن ظلمة القبور علينا
стр. 143
قال: فانتبهت فإذا بالباب قد فتح وإذا بجنازة يقدمها شيخ فقلت له: ما هذه الجنازة؟ قال: جنازة ابنتي قلت: ما اسمها؟ قال: أميمة قلت: القبر محفور لمن؟ قال: قبر ابن أخي وكان زرجها فتوفي فدفنته ثم توفيت بنتي فجئت أدفنها فأخبرته بما سمعت من الهاتف في القبر.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق مجالد عن الشعبي قال: كان صفوان بن أمية في بعض المقابر فإذا شعل نيران قد أقبلت ومعها جنازة فلما دنوا من القبر قال: انظروا قبر كذا وكذا قال: وسمع رجل صوتا من القبر حزينا موجعا يقول شعرا:
أنعم الله بالظعينة عينا ... وبمسراك يا منين إلينا
جزعا ما جزعت من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب منينا
فأخبر القوم بما سمع فلكوا حتى خضوا لحاهم ثم قالوا: هل تدري من منينة؟ قال: لا قالوا: صاحبة هذا السرير وهذه أختها ماتت عام أول.
وخرج ابن المندر الهروي المعروف بيشكر في كتاب العجائب له من طريق أبي حمزة اليماني قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبد الله بن عثمان بن معمر ف الجاهلية فقال: إني رأيت عجبا مررت بقبور فنمت فسمعت قائلا من القبر يقول الشعر:
أنعم الله بالظعينة عينا ... وبمسراك يا منين إلينا
نفسا ما نفست من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب منينا
فانتهت فإذا أنا بأهل جنازة فقمت إليهم فأخبرتهم فقالوا: هذه منين وهذه أختها فدللتهم على القبر فدفنوها إلى جانبها.
وبإسناده عن إسماعيل بن راشد قال: حجت امرأة فماتت في بعض المنازل فلما كان من العام القابل حجت أخت لها فماتت في ذلك المكان فجهزوها وأخرجوها ليدفنوها فبينما هم يطلبون قبر أختها ورجل قد سرى ليلة فأتى القبور فرمى بنفسه فنام فيها فاستيقظ فقال: ما تطلبون؟ قالوا: قبرا قال: هو تحتي قالوا: وما علمك؟ قال: سمعت قائلا يقول:
يا منينا يا منيتي يا منينا ... أنعم الله بالظعينة عينا
стр. 144
نفسا ما نفست من نفس ... القبر ومن مسك التراب منينا
لم نجد بعدكم منين رجاء ... أقبل الدهر بالغناء علينا
قال: فدفنت إلى جانبها.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أمينة بنت عمران بن يزيد قالت: رأيت أبي في منامي فقلت: يا أبت لا عهد لي بك منذ فاقتنا قال: يا بنية وكيف تعهدين من قد فارق الحياة إلى ضيق القبور وظلمتها؟ قال: فقلت: كيف حالك منذ فارقتنا؟ قال: خير حال يا بنية بوئنا المنازل ومهدت لنا المضاجع ونحن هنا يغدا علينا ويراح يرزقنا من الجنة قلت: فما الذي بلغكم هذا؟ قال: الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله .
وخرج أبو نعيم بإسناده له عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول في موعظة له طويلة يذكر فيها أهل القبور: أليسوا في مدلهمة ظلماء أليس الليل والنهار سواء؟.
قال أبو الحسن بن البراء: أنشدنا إسماعيل بن إدريس السمار لأبي العتاهية يبكي على نفسه في مرئية.
لأبكين على نفسي وحق ليه ... يا عين لا تبخلي عني بعبرتيه
لأبكين لفقدان الشباب فقد ... جد الرحيل عن الدنيا برحلتيه
يا نأي منتجعي يا هول مطلعي ... يا ضيق مضطجعي يا بعد شقنيه
المال ما كان قدامي لآخرتي ... ما لا أقدم من مالي فليس ليه
فصل
وقد روى ابن أبي الدنيا من طريق أبي غطفان المري قال: قال عمر: يا رسول الله! لو فزعتنا أحيانا لفزعنا فكيف بظلمة القبر وضيقه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما يبعث العبد على ما قبض عليه" ١، وهذا مرسل.
стр. 145
وبإسناده عن وهب بن منبه قال: كان عيسى ﵇ واقفا على قبر ومعه الحواريون وصاحبه يدلى فيه فذكروا القبر ووحشته وضيقة وظلمته قال عيسى ﵇: قد كنتم في أضيق منه أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع.
وبإسناده عن جعفر بن سليمان قال: شهد رجل يدلى في حفرته فقال: إن الذي يسهل على الجنين في بطن أمه قادر أن يسهل عليك قال: وقال بعضهم: شبيل بن غزوة هو المتكلم بهذا.
وخرج الإمام أحمد حديث: الأسود الذي كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلا فأتي رسول الله ﷺ فأخبر فقال: "انطلقوا إلى قبره فانطلقوا فقال: إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليها فأتى القبر فصلى عليه" ١.
وخرج مسلم نحوه٢، من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ولكن قد قيل: إن آخره مدرج في حديث أبي هريرة.
وروى محمد بن حميد الرازي حدثنا مهران بن أبي عمر حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ مر على قبر حديث عهد بدفن ومعه أبو بكر وعمر فقال: قبر من هذا؟ قال أبو بكر: هذه يا رسول الله أم محجن كانت مولعة بأن تلقظ الأذى من المسجد قال: ألا آذنتموني قالوا: قد كنت نائما فكرهنا أن نجهدك قال: فلا تفعلوا فإن صلاتي على موتاكم تنور لهم في قبورهم.
قال: فصف بأصحابه فصلى.
وقد ذكرنا فيما تقدم عن أبي قلابة أنه رأى ميتا في نومه فقال له: جزى الله أهل الدنيا خيرا أقراهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبل.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الله بن بحير حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت أخا في النوم بعد موته فقلت: أيصل إليكم دعاء الأحياء؟ قال: أي والله،
стр. 146
يترفرف مثل النور ثم نلبسها.
وروى بإسناده عن بشار بن غالب البحراني قال: رأيت رابعة العدوية في منامي وكنت كثير الدعاء لها فقالت لي: يا بشار بن غالب هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل الحرير قلت: وكيف ذلك؟ قالت: هكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فاستجب لهم جعل ذلك على أطباق النور وخمر بمناديل الحرير ثم أتي به إلى دعي له من الموتى فقيل: هذه هدية فلان إليك.
وبإسناده عن عمرو بن جريرن قال: إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه ملك في قبره فقال له: يا صاحب القبر الغريب هدية من أخ شفيق عليك.
وبإسناده عن بشر بن منصور قال: كان رجل يختلف إلى الجبان زمن الطاعون فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس الله وحشتكم ورحم الله غربتكم وتجارز عن سيئاتكم وقل الله حسناتكم لا يزيد على هذه الكلمات قال: فإذا أمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو قال: فبينما أنا نائم إذا أنا بخلق كثير قد جاؤوني فقلت لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر قلت: وما تريدون؟ قال: إنك كنت عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك قلت: وما هي؟ قال: الدعوات التي كنت تدعو بها قال: فقلت: إني أعود لذلك فما تركها بعد.
وبإسناده عن سفيان بن عيينة قال: كان يقال: الأموات أحوج إلى الدعاء من الأحياء إلى الطعام.
وبإسناده له عن بعض المتقدمين قال: مررت بالمقابر فترحمت عليهم فهتف هاتف: نعم فترحم عليهم فإن فيهم المهموم والمحزون.
وروى جعفر الخلدي عن العباس بن يعقوب بن صالح الأبياري سمعت أبي يقول: رأى بعض الصالحين أباه في النوم فقال: يا بني لم قطعتهم هديتكم عنا؟ قال: يا أبت وهل تعرف الأموات هدية الأحياء؟ قال: يا بني لولا الأحياء هلكت الأموات نسأل الله العفو والغفران.
стр. 147
الباب الحادي عشر: في ذكر زيارة الموتى والإتعاظ بهم
وخرج مسلم في صحيحه، من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" ١.
وخرج الإمام أحمد، بلفظ آخر: " فزوروها فإن في زيارتها عبرة وعظة" ٢.
وخرجه أيضا من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ وقال: "فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" ٣.
وخرج الإمام أحمد من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا: هجرا" ٤.
وخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي فزوروها فإنها تذكر الموت" ٥.
وخرج الحاكم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "من زار القبور تذكر بها الآخرة وغسل الموتى فان معالجة جسد الميت موعظة بليغة وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله تعالى يتعرض كل خير" ٦.
وخرج بن أبي الدنيا بإسناده عن ثابت البناني قال: بينما أنا امشي في المقابر إذ أنا بهاتف من واد: يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها قال: فالتفت فلم أجد أحدا.
стр. 148
وبإسناده عن بشر بن منصور قال: قال لي عطاء الأزرق: إذا حضرت المقابر فليكن قلبك فيمن أنت بين ظهرانيه فإني بينما أنا نائم ذات ليلة في المقابر تفكرت في شى فإذا أنا بصوت يقول: إليك يا غافل! إنما أنت بين ناعم في نعمته يتذلل او معذب في سكراته يتقلب.
وبإسناده عن صالح المري قال: دخلت المقابر يوما في شدة الحر فنظرت إلى القبور خامدة كأنهم قوم صموت فقلت: سبحان الله! من يجمع بين أرواحكم وأجسادكم بعد افتراقها يحييكم وينشركم من بعد طول البلى قال: فناداني مناد من بين تلك الحفر: يا صالح: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] ، قال: فسقطت والله لوجهي جزعا من ذلك الصوت.
وبإسناده له إن عمر بن عبد العزيز خرج مع جنازة فلما قال: دعوني حتى آتي قبور الأحبة قال: فاتاهم فجعل يدعو ويبكي إذ هتف به التراب: يا عمر لا تسالني عما فعلت بالأحبة قال: وما فعلت بهم؟ قال: مزقت الأكفان وأكلت اللحم شدخت المقلتين ونزعت الكفين من الساعدين والساعدين من العضدين والعضدين من النمكبين والمنكبين من الصلب والقدمين من الساقين والساقين من الفخذين والفخذين والفخذين من الورك والورك من الصلب قال: وعمر يبكي فلما أراد أن ينهض قال له التراب: يا عمر ألا أدلك على أكفان لا تبلى؟ قال: وما هي؟ قال: تقوى اله والعمل الصالح.
وبإسناده أن أبا الدرداء مر بين القبور فقال: يا تراب ما أسكن ظواهرك وفي داخلك الدواهي.
وبإسناده له عن ميمون بن مهران قال: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقابر فلما نظر إلى القبور بكى ثم قال: يا أيوب هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشتهم أما تراهم صرعى فدخلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلاء وأصابت الهوام في أبدائهم مقيلا ثم بكى حتى غشي عليه ثم أفاق فقال: انطلق بنا فوالله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله .
وعن ثابت البناني أنه دخل المقابر فبكى فقال: بليت أجسامهم وبقيت أخبارهم فالعهد قريب واللقاء بعيد
وعن بعض الأعراب أنه وقف على قبر وأنشد
стр. 149
في المعنى:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
وما أن ترى دارا لحي قد أقفرت ... وقبر لميتة بالفناء جديد
فهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد
وعن بعضهم أنه مر في سفره بمقبرو لبعض المدن، فقال:
كفى حزنا أن لا ببلدة ... من الأرض إلا دون مدخلها قبر
وعن جعفر بن سليمان، قال: كنا نخرج مع مالك بن دينار زمان الحطمة فنجمع الموتى ونجهزهم فيخرج مالك على حمار قصير لجامه من ليف عليه عباءة مرتديها فيعظنا في الطريق حتى إذا أشرف على القبور قال بصوت له محزون: رحمة الله عليه نفعنا الله بأقرب الخلق إليه:
ألا حي القبور ومن بهنة ... وجوه في التراب أجبنهنه
ولو أن القبور أجبن حيا ... إذا لأجبتني إذا أنصتنه
ولكن القبور صمتن عني ... فأنت تحسره من عند هنه
قال: ثنا يحيى عن عبد الله بن جعفر بن سليمان أمير البصرة مر به رجل كان يعظ الناس فقال له عبد الله: عظني ببيت من الشعر فقال:
إذا ثوى في القبور ذو خطره ... فذره فيها ولا تنظر إلى خطره
فبكى عبد الله بن جعفر وكان ابن السماك يتمثل بهذا البيت ويزيد فيه بيتا آخر:
أبرزه الموت من مساكنه ... ومن مقاصيره ومن حجره
قال ابن أبي الدنيا: ثنا إسماعيل بن عبد الله العجلي قال: أنشدنا رجل ونحن بالمقابر:
ألا يا عسكر الأحياء ... هذا عسكر الموتى
أجابوا الدعوة الصغرى ... وهم ينتظرون الكبرى
يحثون على الزاد ... وما زاد سوى التقوى
стр. 150
يقولون لكم جدوا ... فهذا آخر الدنيا
قال: وحدثنا أبو الفضل بن جعفر ثنا غزوان بن عبد الرحمن بن غزوان قال: كنت جالسا مع أبي بالبصرة إذ قيل شيخ على حمار في عنقه حبل ليف بالتسليم به وقال: من أين أقبلت؟ قال: فكرت في أهل هذا العسكر ليلا فغدوت عليهم فقلت:
وعظتك أحداث صمت ... وبكل ساكنة حفت
وتكلمت عن أعظم ابتلاء ... وعن صور سهت
وأرتك قبرك في القبور ... وأنت حي لم تمت
ثم ولى غير بعيد ثم أقبل فقال:
ولربما انصرف الشمات ... فحل بالقوم الشمت
فقلت: هذا الشيخ هو أبو العتاهية، والأبيات معروفة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلام بن صالح قال: فقد الحسن ذات يوم فلما أمسى قال له أصحابه: أين كنت؟ قال: كنت اليوم عند إخوان لي إن نسبت ذكروني وإن غبت عنهم لم يغتابوني فقال له أصحابه: نعم الإخوان والله هؤلاء يا أبا سعيد دلنا عليهم قال: هؤلاء أهل القبور.
وبإسناده عن عبد الواحد بن زيد أن الحسن قال لأصحابه وهم في المقابر: هم أهل محلة قد كفي من جلس إليهم الكلام وله في الجلوس إليهم الموعظة والإعتبار.
وروى بإسناد منقعط أن علي بن أبي طالب قيل له: ما شأنك جاورت المقبرة؟ قال: إني أجدهم جيران صدق يكفون الألسن ويذكرون الآخرة.
وبإسناده عن عمارة المغربي قال: قال لي محمد بن واسع: ما أعجب إلي منزلك وما يعجبك من منزلي وهو عند القبور؟ ! قال: وما عليك يكفون الأذى ويذكرون الآخرة.
وبإسناده عن ميمون بن مهران قال: قال أبو الدرداء: إن لكم تعانينه الداريين لعبرة تزورورنهم ولا يزرونكم وتنتقلون إليهم ولا ينتقلون إليكم يوشك أن تستفرغ هذه ما في هذه.
стр. 151
وبإسناده عن الحسن بن عثمان بن أبي العاص كان في جنازة فرأى قبرا خاسفا فقال الرجل من أهل: يا فلان تعالى انظر إلى بيتك الذي هو بيتك قال: فقال: ما أرى في بيتي طعاما ولا شرابا ولا ثيابا قال: فإنه بيتك قال: صدقت قال: فرجع فقال: والله لأجعلن ما في بيتي هذا في بيتي ذاك قال الحسن: هو والله التشدد والهلكة والله لتصبرن أو لتهلكن.
وفي رواية قال: أراه ضيقا يابسا مظلما ليس فيه طعام ولا شراب ولا زرجة وقد نزلت بيتا فيه طعام وشراب وزوجة قال: قال: والله بيتك قال: وصدقت أما والله لو قد رجعت نقلت من ذلك إلى هذا.
وعن ابن شوذب قال: اطلعت امرأة إلى قبر فرأت اللحد فقالت لامرأة معها: ما هذا: يعني اللحد قالت: هذا كندوج العمل قال: وكانت تعطيها الشيء وتقول: اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل.
وعن الحسن أنه مر على مقبرة فقال: يا لهم من عسكر ما يسكتهم وكم فيهم من مكروب.
وعن الفضل الرقاشي أنه كان إذا ذكر زهد في الدنيا يقول: مررت بالمقابر فوقفت فناديت: يا أهل الشرف والغناء والتباهي يا أهل اللباس والنجدة والأمن والزجول يا أهل المسألة والحاجى والفاقة ويا أهل النسك والإخبات والإنابة والإجتهاد فما ردت علي فرقة منهم ولعمري إن لم يكونوا أجابوا جوابا لقد أجابوا اعتبارا.
وعن مالك بن دينار قال: خرجت أنا وحسان بن أبي سنان نزور المقابر فلما أشرف عليها سبقته عبرته ثم أقبل علي فقال: يا يحيى! هذه عساكر الموتى ينتظر بها من بقي من الأحياء ثم يصاح بهم صيحة فإذا هم قيام ينظرون فوضع مالك يده على رأسه وجعل يبكي.
وعن عاصم الحيطي قال: كنت أمشي مع محمد بن واسع فأتينا المقابر فدمعت عيناه ثم قال: يا عاصم لا يغرنك ما ترى من خمودهم فكأنهم وقد وثبوا من هذه الأجداث فمن بين مسرور ومهموم.
стр. 152
وعن ابن السماك قال: لا يغرنك سكوت هذه القبور فما أكثر المغمومين فيها ولا يغرنك آسفوها فما أشك بقاهم فيها.
وعن أبي حازم الأعرج أنه شهد جنازة فوقف على شفير القبر فجعل ينظر إليه ثم رفع رأسه فقال لبعض أصابه: ما ترى؟ قال: أرى حفرة يابسة وأرى جنادل قال أبو حازم: أما والله لتحمدنه إلى نفسك أو لتكونن معيشتك فيه معيشة ضنكا فبكى بكاءا شديدا.
وعن حسين الجعفي قال: أتى رجل قبرا محفورا فاطلع في اللحد فبكى واشتد بكاؤه قال: أنت والله بيتي حقا والله إن استطعت لأعمرنك.
وعن عطاء السلمي أنه كان إذا جن عليه الليل خرج فوقف على القبور ثم قال: يا أهل القبور متم فواموتاه ثم بكى ثم قال: يا أهل القبور عاينتم ما علمتم فوا عملاه ثم يبكي فلا يزال كذلك حتى يصبح.
وعن علي بن أحمد قال: كان الأسود بن كلثوم يخرج إلى المقابر إذا هدأت العيون فيقول يا أهل الغربة والتربة يا أهل الوحدة والبلى ثم يبكي حتى يكان يطلع الفجر ثم يرجع إلى أهله.
وعن ثابت البناني قال: دخلت المقابر فقلت: يا أهل القبور فلم يجيبني أحد ثم قلت: يا أهل القبور فلم يجيبني أحد ثم أجاب عقلي: نحن مثلك كنا وأنت وكما نحن تكون.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا إبراهيم بن سيار قال: قيل لبعض حكماء العرب: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات ويروى نحو هذا الكلام عن عمر بإسناده ضعيف.
وكان العمري الزاهد يلازم المقابر ومعه كتاب لا يفارقه فقيل له في ذلك قال: ما شيء أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة.
وقال أبو محرز الطفاوي: كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن محمد بن صالح التمار قال: كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام فمر بي فاتبعته ذات يوم وقلت: والله لأنظرن ما يصنع.
стр. 153
قال: والله فرفع وجلس إلى قبر منها فلم يزل يبكي حتى رحمته قال: ظننت أنه قبر بعض أهله قال: فمر بي فاتبعته فقعد إلى جنب قبر غيره فقال مثل ذلك قال: فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر وقلت: إني ظننته أنه قبر بعض أهله وقال محمد: كلهم أهله وأخوانه إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة ثم جعل محمد بن المنكدر يمر بي فيأتي البقيع فسلمت عليه ذات يوم فقال: ما يقنعك موعظة صفوان؟.
قال: فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها.
وعن مطرف الهذلي قال: كانت عجوز متعبدة في عبد القيس فعوتبت في كثرة إتيانها فقالت: إن القلب القاسي إذا جفى لم يلينه إلا رسوم البلى وإني لآتي القبور وكأني أنظر إليهم قد خرجوا من بين أطباقها وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المعفرة وإلى تلك الأجسام البالية المقفرة وإلى تلك الأكفان الدلسة، فيا له من منظر.
ولأبي العتاهية:
إني سألت التراب: ما فعلت بعدي ... بجسد وقع فيه الدود متعفرة
فأجابني: صيرت ريحهم ... يؤذيك بعد روائح عطرة
وأكلت أجسادا منعمة ... كان النعيم يهزها نضرة
لم يبق غير جماجم عريت ... بيض تلوح أو أعظم نخرة
قال ابن أبي الدنيا: ثنا محمد بن الحسين قال: قال أبو إسحق: شهدت جنازة رجل من إخواني - منذ خمسين سنة - ن فلما دفن وسوي عليه التراب وتفر الناس جلست إلى بعض تلك القبور ففكرت فيما كانوا فيه من الدنيا وانقطاع ذلك كله عنهم فأنشدت أقول:
سلام على أهل القبور الدوارس ... كأنهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربة ... ولم يأكلوا من بين رطب ويابس
ألا خبروني: أين قبر ذليلكم ... وقبر العزيز الباذج المتمارس
وغلبني عيناي، فقمت وأنا محزون.
قال ابن أبي الدنيا: وأنشد الرياشي رحمة الله تعالى أبياتا خمسة، فقال:
стр. 154
تهيج منازل الأموات وجدا ... ويحدث عن رؤيتها اكتئاب
منازل لا تجيبك حين تدعو ... وعز عليك أنك لا تجاب
وكيف يجيب من تدعوه ميتا ... تضمنت الجنادل والتراب
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتنسى كما تبلى وأنت حبيب
وروى أبو نعيم بإسناد له أن داود الطائي اجتاز على مقبرة وامرأة عند قبر تقول هذين البيتين فسمعها فكان ذلك سبب توبته يعني سبب انقطاعه عن الدنيا وأسبابها وانشغاله بالآخرة والاستعداد لها.
وسمع بكر العابد امرأة عند قبر تقولك واعمراه ليت شعري بأي خديك بدأ البلى وأي عينيك سالت قبل الأخرى فخر بكر مغشيا عليه أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذكر الموت".
وروى في كتاب الخائفين عن محمد بن الحسين عن عبد الله بن موسى قال: كان الحسن بن صالح إذا صعد المنارة يعني ليؤذن أشرف على المقابر فإذا نظر إلى الشمس تمور على القبور صرخ حتى يسقط مغشيا عليه فيحمل وينزل به.
وشهد يوما جنازة فلما قرب الميت ليدفن نظر إلى اللحد فارتاع عرقا ثم مال فغشي عليه فحمل على سرير الميت فرد إلى منزله.
وذكر بإسناده عن عيسى بن يونس وذكر الحسين بن صالح فقال: قل ما كنت أجيء في وقت صلاة إلا رأيته مغشيا عليه ينظر إلى المقبرة فيصرخ ويغشى عليه.
وبإسناده عن عمر بن درهم القريعي دخل المقابر وهو معصوب العين وابنه يقوده فوطئ على قبره فقال: يا بني أين أنا.
وروى في الكتاب القبور بإسناد له أن امرأة بالمدينة كانت تزهو فدخلت يوما المقابر فرأت جمجمة فصرخت ثم رجعت منيبة فدخل عليها نساؤها فقلن: ما هذا؟ فقالك بكى قلبي لذكر الموت لما رأيت جماجم أموات القبور ثم قالت: اخرجن من عندي فلا تأتين منكن امرأة إلا امرأة ترغب في خدمة الله ثم أقبلت على العبادة حتى ماتت.
وبإسناده عن عيسى الخواص أن رجلا من الصدر الأول دخل المقابر فمر بجمجمة بادية من بعض القبور فحزن حزنا شديدا ثم واراها ثم التفت فلم ير إلا القبور،
стр. 155
فحدث نفسه فقال: لو كشفت عن بعضهم فسألته ما رأى قال: فأتي في منامه فقيل له: لا تغتر بتشييد القبور من فوقهم فإن القوم بليت خدودهم في التراب فمن بين مسرور ينتظر ثواب الله وبين مغموم آسفا على عقابه فإياك والغفلة عما رأيت فاجتهد الرجل بعد ذلك اجتهاد شديدا حتى مات.
وبإسناده عن جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: رأى رجل جمجمة إنسان فحدث نفسه بشيء فخر ساجدا نادما مما حدث به نفسه فقيل له: ارفع رأسك فأنت أنت وأنا أنا.
عن جعفر قال: سمعت أبا عمران الجواني يقول: نودي ارفع رأسك فإنك ابن آدم وأنا الله تتوب وأعود إليك فصل.
خرج ابن ماجه والترمذي من حديث هانئ مولى عثمان، قال: كان عثمان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي: وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" ١.
قال: وقال رسول الله ﷺ : "ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه".
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث البراء بن عازب قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ أمر بجماعة فقال علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه قال: فبدى بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر فجثى عليه قال: فاستقبلته من بيد يديه لأنظر ما يصنع فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم أقبل إلينا فقال: "أي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا" ٢.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: مات أخ لنا فلما وضع في القبر جاء صلة بن أشيم حتى أخذ بناحية الثوب ثم قال:
إن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناحية
стр. 156
وبإسناده، عن خالد بن هلالا الوزان قال: قال عبد الله بن رواحة:
لا يغرنك الحياة فقدم ... واحذر إن للقبر شأنا
إن فيه لما يحاذر ذو اللب ... وإن كان ذا نهى أو معانا
إنني موقن با بني عاجل ... قد لبثوا في الأكفانا
فإذا ما وضعت في ظلم إلى ... اللحد ووليت من مكاني مكانا
برجائي البشرة ونور إلا ... لقيتني في القبر سقوه هوانا
وبإسناده عن حجاج الأسود قال: رأيت في منامي كأني دخلت المقابر فإذا أنا بأهل القبور في قبورهم وقد انشقت الأرض عنهم منهم النائم على التراب ومنم النائم على الريحان ومنهم كهيئة المبتسم في نومه ومنهم من قد أشرق لونه ومنهم حائل اللون رب لو شئت سويت بينهم في الكرامة فناداني مناد من ناحية القبور: يا حجاج! هذه منازل الأعمال فاستيقظت من كلمته فزعا فبكيت لما رأيت ذلك في منامي.
وعن سلمة البصري قال: وقف رجل على قبر قد بني بناءا حسنا فجعل يتعجب من حسنه فلما كان في ليلة أتاه آت في منامه فوقف عليه وإذا رجل قد انحت آثار وجهه فقال شعرا:
أعجبك القبر وحسن البناء ... والجسم فيه قد حواه البلاء
فاسأل الأموات عن حالهم ... ينبأك عن ذاك ذهاب الجلاء
قال: ثم ولي فاتبعته فدخل الجبان فأتى ذلك القبر فانساب فيه.
وعن سلمة البصري قال: رأيت مربع بن مسرور العابد في منامي وكان كثير الذكر الله كثير الذكر للموت طويل الاجتهاد قال: كيف رأيت موضعك؟ فقال:
وليس يعلم ما في القبر داخله ... إلا الإله وساكن الأجداث
ثم ولى وتركني.
وبإسناده عن روح بن سلمة الوراق قال: رأيت إبراهيم المجملي في منامي فقلت: في أي الحالات أنت في الآخرة؟ قال: فبكى ثم قال: ما أطول غموم الموتى في
стр. 157
قبورهم قلت: فأنت كيف حالك؟ قال: خير حال سرت إلى رضا الله بفضله علي ومنته قال: وكان إبراهيم قد صام.
وبإسناده عن الرجل يقال له: وسيم قال: حدثتني امرأة من أهلي - عابدة - وكانت أصيبت بابن لها فما ترفأ لها دمعة قالت: فرأيته بعد الحول في منامي كأنه جالس في قبره في أكفانه وقد سقطت في حرفته فقلت: هذا ابني والله فدنوت منه كالفزعة من منظره فقلت: يا بني كيف ترى مكانك؟ فقطب وجهه ثم قال شعرا:
أعجبك القبر وحسن البناء ... والجسم فيه قد حواه البلاء
فاسأل الأموات عن حالهم ... ينبأك عن ذاك ذهاب الجلاء
ثم تمدد في قبره فنظرت إلى خط أسود لبس ثم انزوى ولا رسم، وتطابق القبر قال: فاستيقظت والله وأنا وجله مما رأيت.
وعن الفضل بن مهلهل - أخي الفضل وكان من العابدين - قال: كان جليس لنا حسن التخشع والعبادة يقال له: مجيب وكان من أجمل الرجال فصلى حتى انقطع عن القيام وصام حتى اسود ثم مرض فمات وكان محمدا في منامي بعد موت الحارثي له صديقا ومات محمد قبله قال: فرأيت محمدا في منامي بعد موت مجيب فقلت: ما فعل أخوك مجيب؟ قال: لحق بعمله قلت: فكيف وجهه ذاك الحسن؟ قال: أبلاه والله التراب قال: وقلت: كيف وأنت تقول لحق بعمله؟ قال:
يا أخي علمت أن الأجساد في القبور تبلى وأن الأعمال في الآخرة تحيا قلت: يبلون حتى لا يبقى منهم شيء ثم يجيئون يوم القيامة أي والله يا أخي يبلون حتى يصيرون رفاتا ثم يحييون عند الصيحة كأسرع من اللهم.
وأنشد بعضهم:
ما حال من سكن الثرى ما حاله ... أمسى وقد رثت هناك حباله
أمسى ولا روح الحياة تصيبه ... أبدا ولطف الحبيب يناله
أمسى وقد درست محاسن وجهه ... وتفرقت في قبره أوصاله
واستدلت منه المجالس عبرة ... وتقسمت من بعده أمواله
стр. 158
مازالت الأيام تلعب بالفتى ... والمال يذهب صفوه وحلاله
وروى البراء بإسناده عن الفضيل بن عياض قال: رأيت رجلا يبكي قلت: وما يبكيك؟ قال: أبكاني كلامه قلت: ما هو؟ كنا وقوفا في المقابر فأنشدوا:
أتيت القبور فسائلتها ... أين المعظم والمحتقر
وأين المذل بسلطانه ... وأين القوي إذا ما قدر
ففاتوا جميعا فما مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا ... أمالك فيما ترى معتبر؟
تروح وتغدوا وأبلاك الثرى ... فتمحوا محاسن تلك الصور
وقد روى عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال: أتيت القبور فناديتها فذكر الأبيات الثلاثة ثم قال: فهتف بي هاتف:
تفانوا هناك فما من مخبر ... وبادوا جميعا وباد الخبر
فذكر الأبيات الثلاثة أيضا:
وروى ابن البراء أيضا، بإسناده أن قبرا أصيبت عليه هذه الأبيات مكتوبة:
الموت أخرجني من دار مملكتي ... فالتراب مضجعي من بعد ترفي
لله عبد رأي قبري فأعبره ... وخاف من دهره ريب التصاريفي
أستغفر الله من جرمي ومن حنقي ... وأسأل الله فوزي يوم توفيقي
هكذا مصير بني الدنيا وإن نعموا فيها ... وغرهم طول التساويقي
وروى ابن الدنيا بإسناده له أنه قرأ على قبر بشيراز:
ذهب الأحبة بعد طول تودد ... ونأى المزار فأسلموك واتشعوا
خذلوك أفقر ما تكون بغربة ... لم يؤنسوك وكربك لم يدفعوا
قضى القضاء وصرت صاحب ... عند الأحبة عرضوا وتصدعوا
وبإسناده له قال: قرئ على قبر بمقابر البصرة مكتوب:
стр. 159
يا غافل القلب عند ذكر المنيات ... عما قليل ستثوي بين أموات
فاذكر محلك قبل الحلول به ... وتب إلى الله من لهو وملذات
إن الحمام له وقت إلى أحد ... فاذكر مصائب أيام وساعات
لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها ... قد حان للموت ياذا اللب أن يأتي
وقرئ على قبر آخر:
ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
وقرئ على قبر آخر بالأيلة:
إذا ما نقضت يوما من العيش ... فإن غناء الباكيات قليل
وقرئ على قبر آخر:
الموت بحر غالب موجه ... تضيق فيه حيلة السابح
نفسي إلى قال فاسمع ... مقالة من خير "ناصح"
ما صاحب الإنسان في قبره ... مثل التقى والعمل الصالح
وقرئ على قبر:
بادر شبابك قبل وقت رحيله ... واعمل ليومك يا أخا الأشراف
وقرئ عن قبر بالأيلة:
ليس للميت في قبره ... فطر ولا أضحى ولا عشر
وقرئ على قبره بالأيلة:
أنا البعيد القريب الدار ... منظره بين الجنادل والأحجار
وقرئ على قبر ببعض الفلوات:
رحم الله من بكى لغريب فقد ... غبر القبر فمحى الحسن والصفاء
وقرئ على قبر:
стр. 160
أنا في القبر وحيد قد تبرأ الأهل فقد ... أسلموني لذنوبي خفت إن لم يعف عني
وقرئ على حائط مقبرة:
يا أيها الواقف بالقبور ... بين أناس غيب حضور
قد سكنوا في خرب مغمورين بين الثرى ... وجندل الصخر ينظرون صيحة النشور
ولا تك عن مصيرنا في غفلة ... غدا إلى منزلنا تصير
وفي كتاب العجائب ليشكر الحافظ:
قرئ على قبر بطبرستان مكتوب:
أما ترون محلي غدا تصيرون ... على أبلى التراب شبابي
وكلكم سواء سبيلكم كسبي ... لي سبيل من كان قبلي
ووجد على قبر مكتوب:
وقفت على الأحبة حين صفت ... قبورهم كأفراس الرهان
فلما أن بكيت وفاض دمعي ... رأيت عيناي بينهم مكاني
وقرئ على قبر:
ولقد وقفت كما وقفت ... وقد نظرت فما اعتبرت
حصل لنفسك منزلا ... قبل الحصول كما حصلت
وأوصى بعض الوزراء أن يكتب على قبره:
أيها المغرور في الدنيا بعز يقينه ... وبأهل وبمال وبقصر تبتنيه
كم عليها قد سحبنا ذيل سلطان منيته ... يحسب الأقدار تجري بجلود ترتجيه
إذا طواك الموت طيا ... فاعتبرنا نحن فيه
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين حدثني أبو عمر الضمري حدثني عبد الله بن صدقة بن مرداسن البكري عن أبيه عن شيخ حدثه بقرية من بلاد أنطابلس قال: كان ثلاثة إخوة: أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجلوس وتاجر موسر
стр. 161
مطاع من ناحيته وزاهد قد تخلى لنفسه وتخلى لعباده ربه.
قال: فحضرت العابد الوفاة فاجتمع عنده أخواه فقال لهما: إذا مت فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري:
وكيف يلذ العيش من هو عالم ... بأن إله الخلق لا بد سائله
فيأخذ منه مظلمة لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله
فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني كل يوم لعلكما أن تتعظا.
قال: ففعلا ذلك فكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر فيقرأ ما عليه ويبكي فلما كان اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كان أن ينصدع لها قبله فانصرف مذعورا فزعا فلما كان من الليل رأى أخاه في منامه فقال له: أي أخي ما الذي سمعت من قبرك؟ قال: تلك هدة المقمعة قيل لي: رأيت مظلوما فلم تنصره فأصبح مهموما فدعى أخاه وخاصته وقال: ما أرى أراد بما أوصى أن يكتب على قبره غيري وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا.
قال: فترك الإمارة ولزم الكتابة وكتب إلى الملك بن مروان في ذلك فكتب أن خلوه وما أراد فحضرته الوفاة وهو جبل مع بعض الرعاة فبلغ أخاه فأتاه فقال له: إذا مت فادفني إلى جنب أخي واكتب على قبري:
وكيف يلذ من كان موقنا ... بأن المنايا بغتة ستعاجله
فتسلبه ملكا عظيما ... وتسكنه البيت الذي هو أهله
ثم تعاهدني ثلاثة بعد موتي وادع الله لي لعل الله أن يرحمني ومات ففعل به أخوه ذلك فلما كان في اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع وجبة في قبره كاد أن يذهل عقله فرجع حزينا قلقا فلما كان في الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه قال: قلت له: أي أخي أتيتنا زائرا قال: يا أخي هيهات بعد المزار فلا مزار وأطمأنت بنا الدار قلت: يا أخي كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير.
قال: فكيف أخي؟ قال: ذلك مع الأئمة الأبرار قلت: وما أمرنا وراءكم قال: من قدم شيئا وجده فاغتنم وجدك قبل موتك.
стр. 162
فأصبح أخوه معتزلا ففرق وقسمه وباعه وأقبل على طاعة ربه ونشأ له ابن كأهنا الشباب وجها وجمالا فأقبل على المكاسب والتجارة حتى بلغ منها الغاية وحضرت الوفاة أباه فقال له: إذا مت تذكر القبور والتفكر في أحوالهم.
واكتب على قبري:
وكيف يلذ العيش من هو صائر ... إلى جدث تبلي الشباب منازله
ويذهب حسن الوجه من بعد ... سريعا ويبلى جسمه ومفاصله
стр. 163
الباب الثاني عشر: في استحباب تذكر القبور والتفكر في أحوالهم وذكر أحوال السلف في ذلك
خرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "استحيوا من الله حق الحياء قالوا: إنا نستحي والحمد لله قال: ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن يحفظ الرأس وما وعى وأن تحفظ البطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" ١.
وخرج الطبراني نحوه من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال ذلك على المنبر والناس حوله وقال فيه: " وليذكر القبور والبلى" فما زال يردد ذلك عليهم حتى سمعهم يبكون حول المنبر.
وخرجه أيضا بنحوه، من حديث الحكم بن عمير عن النبي ﷺ ويروي نحوه من حديث الحسن مرسلا عن النبي ﷺ .
وخرج الترمذي والحاكم من حديث أسماء بنت عميس، عن النبي ﷺ قال: "بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعالي بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد عتى وطغى ونسي المبتدأ والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله وبئس العبد عبد رغب يذله" ٢.
وخرج الطبراني من حديث نعمي بن همار الغطفاني نحوه.
стр. 164
وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك قال: قال رجل: يا رسول الله من أزهد الناس؟ قال: "من لم ينس القبر والبلى وترك فضل الدنيا "الدنية" وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من أهل القبور".
وخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور" وخرجه البخاري أوله١.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سريج الشامي قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه: يا فلان قد أرقت الليل متفكرا قال: فيما يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنه لو رأيت الميت بيتا تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الرائحة وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الرائحة ونقاء الثوب قال: ثم شهق خر مغشيا.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: بعثت إلى عمر بن عبد العزيز فقدمت إليه فأدمت النظر إليه فقال: يا ابن كعب إنك لتنظر إلي نظرا ما كنت تنظره إلي بالمدينة قلت: أجل يا أمير المؤمنين يعجبني ما حال من لونك وما حال من جسمك قال: فيكيف بك يا ابن كعب لو رأيتني بعد ثالثة في القبر وقد ثبتت عيناي على وجنتي وخرج الصديد والدود من منخري لكنت لي أشد نكرة.
وعن وهب بن الورد قال: بلغنا أن رجلا فقيها دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: سبحان الله كأنه تعجب من أمره الذي هو عليه وقال له: تغيرت بعدنا! فقال له: وتبينت ذلك فعلا؟ فقال له: الأمر أعظم من ذلك فقال له: يا فلان فكيف لو رأيتني بعد ثلاث وقد أدخلت قبري وقد خرجت الحدقتان فسالت على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وانفتح الفم ونتأ البطن فعلا الصدر وخرج الصديد من الدبر.
وعن شيبة ابن أبي حمزة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض مدائن الشام: أما
стр. 165
بعد فكم للتراب في جسد ابن آدم من مأكل وكم للدود فيه من طريق مخترق وإني أحذركم ونفسي - أيها الناس - العرض على الله .
وروى أبو نعمي الحافظ بإسناده أن عمر بن عبد العزيز شيع مرة جنازة من أهل ثم أقبل على أصحابه ووعظهم فذكر الدنيا فذمها وذكر أهلها وتنعمهم فيه وما صاروا إليه بعدها من القبور فكان من كلامه أنه قال: إذا مررت بهم فنادهم إن كنت مناديا وادعهم أن كنت داعيا ومر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم سل غنيهم: ما بقي من غناه؟ وسل فقيرهم: ما بقي من فقره؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرنه وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الأكفان وأكلت اللحان وعفرت الوجوه ومحت المحاسن وكسرت الفقاره وبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء وأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ وكأنهم ما وطئوا فراشا ولا وضعوا هنا متكا ولا غرسوا شجرا ولا أنزلوهم من اللحد قرارا أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية وأجسادهم من أعناقهم بائنة أوصالهم ممزقة وقد سالت الحدق على الوجنات وامتلأت الأفواه دما وصديدا ودبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم ثم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى عادت العظام وميما فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم وتوزعت القرابات ديارهم وقراهم فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته يا ساكن القبر غدا ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك الينعة؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك ونحورك؟ وأين كسوتك لصيفك لشتائك؟ أما رأيته قد زل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلا وهو يرشح عرقا ويتلمظ عطشا يتقلب في سكرات الموت وغمراته جاء الأمر من السماء وجاء غالب القدر والقضاء هيهات: يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله يا مكفن الميت ويا مدخله في القبر وراجعا عنه ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محله الموت ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني بهمن رسالة ربي.
ثم انصرف فما عاس بعد ذلك إلا جمعة.
стр. 166
وقد روى عنه من جوهد متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها - رحمة اله عليه: ألا ترون أنكم في أسلاب الهاليكن ثم يرمها بعدكم الباقون كذلك حتى يرد إلى خير الوارثين وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا قد قضى نحبه فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير ممهد ولا موسد قد فارقه الأحباب وخلع الأسباب وسكن التراب وواجه الحساب غنيما عما خلف فقيرا إلى ما قدم.
وكان ينشد هذه الأبيات:
من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخالف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فكيف يسكن يوما راغما جدثا
في ظل مقبرة غبراء مظلم ... يطيل تحت الثرا في غمه اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
وروى ابن أبي الدنيا أن محمد بن واسع دخل على بلال بن أبي بردة فسأله عن القدر فقال له: جيرانك من أهل القبور فكر فيهم فإن فيهم شغلا عن القدر.
وعن مغيث الأسود الزاهد قال: زوروا القبور كل يوم تفكركم.
وقال النضر بن المنذر لإخوانه: زوروا الآخرة بقلوبكم وشاهدوا الموقف بتوهمكم وتوسدوا القبور بقلوبكم واعملوا أن ذلك كائن لا محالة فاختار لنفسه ما أحب من المنافع والضرر.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت مضر بن عيسى يقول: رحم الله قوما زاروا إخوانهم بقلوبهم في قبورهم وهم قيام في ديارهم يشيرون إلى زيارتهم بالفكر في أحوالهم.
وعن عبد الله بن المبارك: مر برجل راهب عند مقبرة ومزبلة فناداه فقال: يا راهب إن عبدك كنزين من كنوز الدنيا لك فيها معتبر: كنز الأموال وكنز الرجال.
وقال ابن أبي الدنيا ثنا محمد الصبغي قال: انتفض غنام بن علي يوما وهو مع أصحابه فقال له بعضهم: ما الذي أصابك؟ قال: ذكرت اللحد.
قال: وحدثنا محمد بن أحمد قال: قال هسام الدستوائي: ربما ذكرت الميت إذا
стр. 167
كفن في أكفانه فأعظ نفسي.
ومما يروى لابن المبارك:
إن الذي دفن الأباعد ... والأقربين صاعدا فصاعدا
عساك يوما تذكر الملاحدا ... يا من يرمي أن يكون خالدا
شربت فاعلمه حديدا باردا ... لا بد تلقى طيبا وزائدا
قال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
ليبك لأهوال القيامة من بكى ... ولا تنسين القبر يوما ولا البلى
كفى حزنا يوما ترى فيه مكرما ... كرامته أن يرتدوا جسمه الثرى
стр. 168
الباب الثالث عشر: في ذكر كلمات منتخبه من كلام السلف الصالح في الإتعاظ بالقبور وما ورد عنهم من ذلك من منظور ومنثور
قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: كان أبو بكر الصديق يقول في خطبته: أين الوضاءة الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم الذين كانوا لا يعطون الغلبة في مواطن الحرب أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان قد تضعضع بهم وصاروا في ظلمات القبور، الوحا الوحا، النجا النجا.
وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن أنه مر به شاب وعليه بردة له حسنة فقال: ابن آدم معجب بشبابه معجب بجماله كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك لاقيت عملك ويحك ذا وقلبك فإن حاجة الله إلى عبادة صلاح قلوبهم.
وعن عبد الله بن العيزار قال: لابن آدم بيتان: بيت على ظهر الأرض وبيت في بطن الأرض فعمد للذي على ظهر الأرض فزخرفه وزينه وجعل فيه أبوابا للشمال: وأبوابا للجنوب وصنع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض فأخربه فأتى عليه آت فقال: أرأيت هذا الذي أراك قد أصلحته كم تقيم فيه؟ قال: لا أدري قال: فالذي قد أخربته كم تقيم فيه؟ قال: فيه مقامي قال: تقر بهذا على نفسك وأنت رجل يعقل!
وعن الحسن قال: يومان وليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهن قط:
ليلة تبيت مع أهل القبور ولم تبت ليلة قبله وليلة صبيحتها يوم القيامة ويوم يأتيك البشير من الله تعالى إما بالجنة أو النار ويوم تعطى كتابك إما بيمنك وإما بشمالك.
وعن عمر بن ذر أنه كان يقول في مواعظه: لو علم أهل العافية ما تضمنته القبور من الأجساد البالية لجدوا واجتهدوا في أيامهم الخالية خوفا من يوم تتقلب في القلوب
стр. 169
والأبصار.
وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: القبر منزل بين الدنيا والآخرة فمن نزله بزاد وارتحل به إلى الآخرة إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وعن الحسن قال: أوذنوا بالرحيل وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون وقال رجل لبعض السلف: أوصني قال: عسكر الموتى ينتظرونك.
وكان أبو عمران الجوني يقول: لا يغرنكم من ربكم طول النسية وحسن الطلب فإن أخذه أليم شديد حتى تبقى وجوه أولياء الله بين أطباق التراب إنما هم محبوسون لبقية آجالكم حتى يبعثهم الله إلى جنته وثوابه.
وعن محمد بن واسع قال: كل يوم ينتقل منا إلى المقابر ثلاثة وكأنك بهذا الأمر قد عم أحزانا حتى يلحق منا ولنا.
شهد الحسن جنازة فاجتمع عليه الناس فقال: اعملوا لمثل هذا اليوم - رحمكم الله - فإنما هم إخوانكم يقدمونكم وأنتم بالأثر أيها المخلف بعد أخيه إنك الميت غدا والباقي بعد والميت في أثرك أولا بأول حتى توافوا جميعا قد عمكم الموت واستويتم جميعا في كربة وعصصة ثم تخليتم إلى القبور ثم تنشرون جميعا ثم تعرضون على ربكم .
وقال صفوان بن عمرو: ذكروا النعيم فسموا أناسا فقال رجل: أنعم الناس أجسادا في التراب قد أميت وبقي ينتظر الثواب.
وقال مسروق: ما من بيت خير للمؤمن من لحده قد استراح من أمر الدنيا أو من عذاب الله.
وقال بشر بن الحارث: نعم المنزل القبر لمن أطاع الله.
وقال الفضل بن غسان: مر رجل بقبر محفور فقال: المقيل للمؤمن هذا.
وقال: ونظر رجل إلى القبر فقال: أصبح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون.
وعن عقبة البزار قال: رأى أعرابي جنازة فأقبل يقول: هنيئا يا صاحبها.
فقلت: علام تهنئه؟! قال: كيف لا أهنئ من يذهب له إلى حبس جواد كريم نزله
стр. 170
عظيم عفوه جسيم قال: كأني لم أسمع القول إلا تلك الساعة
قال ابن أبي الدنيا: ثنا أبو مالك البجلي عن أبي معاوية قال: ما لقيني مالك بن مغول إلا قال لي: لا تغرنك الحياة واحذر القبر إن للقبر شأنا.
قال: وحدثنا أحمد بن محمد الأزدي ثنا خالد بن أحمد بن أسد قال: أخذت بيدي علي بن جبلة يوما فأتينا أبا العتاهية فوجدناه في الحرم فانتظرناه فلم يلبث أن جاء فدخل عليه إبراهيم بن مقاتل بن سهل: - وكان جميلا فتأمله أبو العتاهية وقال متمثلا:
يا حسان الوجوه سوف تموتون ... وتبلى الوجوه تحت التراب
فأقبل علي بن جبله فقال:
اكتب يا مربي شبابه للتراب ... سوف يأكل البلى بعض الثياب
يا ذوي الوجوه الحسان المصونات ... وأجسامها الغضاض الرطاب
أكثروا من نعيمها أو أقلوا ... سوف تهدونها لعفر التراب
فقال أبو العتاهية: قل يا خالد قلت: معك ومع أبي الحسن قال: نعم فقلت:
يا مقيمين رحلوا للذهاب ... أشفير القبور وحطوا الركاب
نعموا الأوجه الحسان ... فما صونكموها إلا بعفر التراب
والبسوا ناعم الثياب ... ففي الحفر تعرون من جميع الثياب
قال: وحدثني محمد بن خلف، قال: سمعت أبي، قال رجعنا من بيت مع ابن السماك، فأنشأ ابن السماك يقول:
تمر أقاربي جنبات قبري ... كأن أقاربي لا يعرفوني
وذووا الأموال يقتسمون مالي ... ولا يألون إن جحدوا ديوني
قد أخذوا سهامهم وعاشوا ... فبالله ما أسرع ما نسوني
قال: وأنشدني أبو جعفر القرشي:
стр. 171
تناجيك أجداث وهن سكوت ... وساكنها تحت التراب خفوت
يا جامع الدنيا لغير بلاغه ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت؟
قال وأنشدني من قوله:
أما ترى الموت ما ينفك مختطفا ... من كل ناحية نفسا ينجو بها
قد بغضت أملا كانت تؤمله ... وقام في الحي ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم ... بعد النضرة ثم الله يحييها
وصار ما جمعوا فيها وما ادخروا ... بين الأقارب يحويه أدابيها
فاختر لنفسك من أيام مدتها ... واستغفر الله لما أسلفته فيها
ولما انصرف الناس من جنازة داود الطائي ﵀ أنشد ابن السماك ﵀:
انصرف الناس إلى دورهم ... وغودر الميت في رمسه
مرتهن النفس بأعماله ... لا يرتجي الإطلاق من حبسه
لنفسه صالح أعماله ... وما سواها فعلى نفسه
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درك ماذا تستر الحفر
ففيهم لك يا مغرور موعظة ... وفيهم لك يا مغتر معتبر
قال أبو العتاهية:
رويدك ياذا القصر في شرفاته ... فإنه عنه تستحب وتدعج
ولا بد من بيت انقطاع ووحشة ... وإن غرك البيت الأنيق المبهج
وقال بعضهم:
كم ببطن الأرض ثاو من وزير وأمير ... وصغير الشأن وعبد خامد الذكر حقير
شملت قبور القوم في يوم قصير ... ولم تعرف غنيا من فقير
وقال بعضهم:
تقدمين تزودا قريبا من فعالك ... إنما قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
إن كنت مشغولا بشيء فلا يكن ... بغير الذي يرضي الله تشتغل
ما صاحب الإنسان من بعد موته ... إلى قبره إلا الذي كان يعمل
إنما الإنسان ضيف لأهله ... يقيم قليلا عندهم ثم يرحل
تم الكتاب بحمد الله، وحسن توفيقه، في خامس عشر شهر ربيع الآخر، سنة أحدى وخمسين وثمان مائة، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى، أحمد بن محمد، الشهير بابن القطعة الحنفي، غفر الله له ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل.