← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10900

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (171 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الباب التاسع: في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ " أرواح الأنبياء " أما الأنبياء ﵈ فليس فيهم شك أن أرواحهم عند الله في أعلى عليين. وقد أثبت في الصحيح أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ عند موته: "اللهم الرفيق الأعلى" ١ وكررها حتى قبض. وقال رجل لابن مسعود: قبض رسول الله ﷺ فأين هو؟ قال: في الجنة.

стр. 107

محل أرواح الشهداء وأما الشهداء فأكثر العلماء على أنهم في الجنة وقد تكاثرت بذلك الأحاديث. ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود ن عن هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يارب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا".١ وخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد، قال: فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٢. وخرج عبد الله بن منده وغيره، حدثنا إسماعيل بن المختار عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة ثم يكون مأواها إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول لهم الرب : هل تعلمون كرامة أكرم من كرامة أكرمتوها؟ فيقولون: لا إنا وددنا أنك رددت أرواحنا في أجسادنا

стр. 108

حتى نقاتل مرة أخرى فنقتل في سبيلك". وخرج أبو الشيخ الأصبهاني وغيره من طريق عبد الله بن ميمون عن عمه مصعب بن سليم عن أنس أن النبي ﷺ قال: "يبعث الله الشهداء من حواصل طير بيض كانوا في قناديل معلقة بالعرش". وخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه من حديث عمرو بن دينار عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من شجر الجنة" ١ كذلك رواه عمرو عن الزهري ورواه سائر أصحاب الزهري عنه ولم يذكروا: الشهداء إنما ذكروا نسمة المؤمن وسيأتي حديثهم إن شاء الله. وقد ذكرنا فيم تقدم حديث عبادة بن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري عن عامر بن سعد عن إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن النبي ﷺ في شهداء أحد وهو منكر وأبو عبدة هذا: ضعيف جدا. وخرج ابن منده من طريق يحيى بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدوا ثم تروح إلى رياض الجنة تأتي ربها سبحانه كل يوم تسلم عليه وهذا أشبه. وكذا قال الضحاك وإبراهيم التميمي وغيرهما من السلف، في أرواح الشهداء وخرج بن منده من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن حبان بن أبي جبلة قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشهداء إذا استشهدوا أنزل الله جسدا كأحسن جسد ثم يقال لروحه: ادخلي فيه فينظر إلى جسده الأول ما يفعل به ويتكلم فيظن أنهم يسمعون كلامه وينظر فيظن أنهم يرونه حتى تأتيه أزواجه - يعني الحور العين - فيذهبن به". ويشهد لهذه النصوص أيضا ما في الصحيحين، عن جابر: قال رجل يوم أحد: أين أنا إن قتلت يا رسول الله؟ قال: " في الجنة" فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل

стр. 109

حتى قتل١. وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض" وذكر قصة عمير بن الحمام٢. وفي صحيح البخاري، عن المغيرة بن شعبة أنه قال: أخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل صار إلى الجنة٣. وفيه أيضا عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، أن عمر قال للنبي ﷺ يوم الحديبية: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ ٤ وفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: " إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" ٥. وفي صحيح البخاري، عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يكن في الجنة صبرت واحتسبت وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟ قال: "ويحك أو هبلت؟ جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس" ٦. وخرج الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "رأيت جعفر يطير مع الملائكة" ٧.

стр. 110

وخرج الإمام أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا من حديث ثابت عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا الحسنة، فكان فيما يقول: "هل رأى منكم رؤيا" فإذا رأى الرجل الذي لا يعرفه الرؤيا، سأل عنه فإن أخبر عنه بمعروف كان أعجب برؤيا قال فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت في المنام كأني خرجت فأدخلت الجنة فإذا أنا بفلان وفلان حتى عدت اثنى عشر رجلا، وبعث رسول الله صلى الله عليه والسلم سرية قبل ذلك فجئ بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقال: اذهبوا بهم إلى نهر البرزخ فغمسوا فيه ووجوههم كالقمر ليلة البدر وأتوا بكراسي من ذهب فأقعدوا عليها وجئ بصفحة من ذهب فيها بسر فأكلوا من بسره ما شاؤوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤوا وأكلت معهم قال: فجاء البشير من تلك السرية فقال: يا رسول الله! كان كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلا فقال: علي بالمرأة فقال: "قصي رؤياك على هذا" فقال الرجل: هو كما قالت أصيب فلان وفلان١. وروي ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة. وروي معمر عن قتادة قال: بلغنا أن أرواح الشهداء في صورة طير بيض تأكل من ثمار الجنة. وروى أبو عاصم عن ثور بن زيد عن خلد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح الشهداء في أجواف طير كأنها الزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة. وروى ابن المبارك عن زائدة حدثنا ميسرة الأشجعي، عن عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى: جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء. كذا رواه عطية عن ابن عباس قال: قلت لكعب: إني أسألك عن شيء فإن كان في كتاب الله فحدثني وإن لم يكن في كتاب الله فلا تحدثني فذكر مسائل، فقال

стр. 111

كعب: ما سألتني عن شيء إلا وهو في كتاب الله قال: وأما جنة المأوى فإنها جنة فيها أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل الجنة. وروى أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا عمرو بن عمر الأحموسي عن السفر بن نسير قال: سئل أبو الدرداء عن أرواح الشهداء قال: هي في طير حضر معلقة في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى قناديلها. وروي عن مجاهد أنه قال: ليس الشهداء في الجنة ولكنهم يرزقون منها. فروى آدم بن أبي إياس حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية قال: يقول: أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. وروي ابن مبارك عن جريج عن مجاهد قال: ليس هم في الجنة ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها. وقد يستدل لقوله بما روي ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على طريق بارق نهر الجنة، فيه قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيا". وخرجه ابن منده ولفظه: على بارق نهر في الجنة. وهذا يدل على أن النهر خارج من الجنة وابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث هنا ولعل هذا في عموم الشهداء والذين في القنادل التي تحت العرش خواصهم ولعل المراد بالشهداء هنا هو شهيد من غير قتل في سبيل الله كالمطعون والمبطون والغريق وغيرهم ممن ورد النص بأنه شهيد. فالأحاديث السابقة كلها فيمن قتل في سبيل الله وبعضها صريح في ذلك وفي بعضها أن الآية نزلت في ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً﴾ ، الآية نص في المقتول في سبيل الله. وقد يطلق الشهيد على من حقق الإيمان وشهد بصحته، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] .

стр. 112

قال: ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية يقول: يشهدون على أنفسهم بالأيمان بالله. وروى سفيان عن رجل عن مجاهد قال: كل مؤمن صديق وشهيد ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . وخرج ابن أبي حاتم من رواية رشدين بن سعد عن ابن عقيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: كلكم صديق وشهيد قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: إقرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . وخرج ابن جرير من طريق إسماعيل بن يحيى التميمي عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: "مؤمنوا أمتي شهداء"، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وإسماعيل هذا ضعيف جدا. ويعضد هذا ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] من شهادة هذه الأمة للأنبياء بتبليغ رسالاتهم. وبكل حال فالأحاديث المتقدمة كلها في الشهيد المقتول في سبيل الله لا يحتمل غير ذلك وإنما النظر في حديث ابن إسحاق هذا والله أعلم.

стр. 113

فصل: "محل أرواح المؤمنين سوى الشهداء " وأما بقية المؤمنين سوى الشهداء فيقسمون إلى: أهل تكليف وغير أهل تكليف فهذان قسمان. أحدهما: غير أهل التلكيف: كأطفال المؤمنين. فالجمهور على أنهم في الجنة وقد حكى الإمام أحمد على ذلك الإجماع. وقال في رواية جعفر بن محمد ليس فيهم اختلاف، يعني أنهم في الجنة. وقال في رواية الميموني: لا أحد يشك أنهم في الجنة.

стр. 114

وذكر الخلال من طريق حنبل عن أحمد قال: نحن نقر بأن الجنة قد خلقت ونؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان قال : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: ٤٦] ، لآل فرعون وقال: أرواح ذراري المسلمين في أجواف طير خضر تسرح في الجنة يكلفهم أبوهم إبراهيم فيدل هذا أنهما خلقنا. وكذلك نص الشافعي عن السلف على أن أطفال المسليمن في الجنة. وجاء صريحا عن السلف على أن أرواحهم في الجنة كما روى الليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاؤوا وإن أرواح أولاد المسلمين في أجواف عصافير تسرح بهم في الجنة حيث شاءت فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش. خرجه ابن أبي حاتم. ورواه الثوري والأعمش عن أبي قيس عن هذيل من قوله لم يذكر ابن مسعود. خرج البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس عن كعب نحوه. وخرج الخلال من طريق ليث عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير قال: إن في الجنة لشجرة لها ضروع كضروع البقر يغذى به ولدان أهل الجنة حتى إنهم ليسنون استنان البكارة. وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن خالد بن معدان قال: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم الساعة فيبعث ابن أربعين سنة. ويدل على صحة ذلك ما في صحيح مسلم قال: لما توفي إبراهيم، قال: النبي ﷺ : "إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له لضئرين يكملان وضاعه في الجنة" ١. وخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس.

стр. 115

وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث البراء بن عازب. وروى سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مكحول، أن رسول الله ﷺ قال: "إن ذرارى المؤمنين أرواحهم في عصافير في شجر، الجنة يكفلهم أبوهم إبراهيم ﵇" ١. كذا رواه على بن عثمان الأحنفي، عن حماد بن سلمة، عن ابن خثيم عن مكحول إلا أنه قال: عصافير خضر في الجنة، وهذا مرسل، ولفظه يشبه لفظ الحديث الذي احتج به الإمام على خلق الجنة، كم تقدم. وقد روى متصلا من وجه آخر من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ذراري المؤمنين يكلفهم إبراهيم في الجنة" ٢، خرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وخرج الإمام أحمد عن موسى بن داود عن ابن ثوبان إلا أنه شك أن موسى شك في رفعه ولكن رواه عن واحد عن ثوبان ولم يشك في رفعه. وروى من وجه آخر من رواية مؤمل عن سفيان عن ابن الأصبهاني عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أولاد المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة ﵉ فإذا كان يوم القيامة دفعوا إلى آبائهم". وكذا رواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع عن سفيان مرفوعا. ورواه ابن مهدي وأبو نعيم عن سفيان موقوفا قال الدراقطني: والموقوف أشبه ومما يستدل لهذا - أيضا - ما خرجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه رأى في منامه جبرائيل وميكائيل أتيا به فانطلقا به وذكر حديثا طويلا وفيه: "فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارا لم أر

стр. 116

قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب" وذكر الحديث وفيه: قالا: "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله فأولاد الناس" وفي رواية: "فكل مولود مات على الفطرة" وفي رواية: "ولد على الفطرة والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء" ١. وروى أبو خالد عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة وفي حديثه: قلت فالروضة؟ قال: أولئك الأطفال وكل بهم إبراهيم: يربيهم إلى يوم القيامة. وخرج الطبراني والحاكم من حديث سليم بن عامر عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم انطلق بي إلى جبل وعر" فذكر الحديث وفيه: "ثم انطلق بي حتى أشرفت على الغلمان يلعبون بين نهرين قلت: من هؤلاء؟ قال: ذراري المؤمنين يحضنهم أبوهم إبراهيم ﵇ ثم انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفر قلت: من هؤلاء؟ قال: إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وهم ينتظرونك". وذهبت طائفة إلى أنه يشهد لأطفال المؤمنين عموما أنهم في الجنة ولا يشهد لآحادهم وهو قول ابن راهويه نقله عنه إسحق بن منصور وحرب في مسائلهما ولعل هذا يرجع إلى الطفل المعين لا يشهد لأبيه بالإيمان فلا يشهد له حينئذ أنه من أطفال المؤمنين فيكون الوقف في آحادهم كالوقف في إيمان آبائهم. وحكى ابن عبد البر عن طائفة من السلف القول بالوقف في أطفال المؤمنين منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحق وهو بعيد جدا ولعله أخذ ذلك من عمومات كلام لهم وإن أرادوا بها أطفال المشتركين. وكذلك اختار القول بالوقف طائفة منهم: الأثرم والبيهقي وذكر أن ابن عباس رجع إليه والإمام أحمد ذكر أن ابن عباس إنما قال ذلك في أطفال المشركين وإنما أخذه البيهقي من عموم لفظ روي عنه كما أنه روى في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ سئل عن الأطفال فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ٢ ولكن الحفاظ

стр. 117

الثقات ذكروا أنه سئل عن أطفال المشركين١. واستدل القائل بالوقف بما أخرجه مسلم من حديث فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله ﷺ : "أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا" ٢. وخرجه مسلم أيضا، من طريق طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال: " أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" ٣. وقد ضعف أحمد هذا الحديث من أجل طلحة بن يحيى وقال: قد روى مناكير وذكر له الحديث وقال ابن معين فيه: ليس بالقوي. وأما رواية فضيل بن عمير له عن عائشة فقال أحمد: ما أراه سمعه إلا من طلحة بن يحيى يعني أنه أخذه عنه ودلسه حيث رواه عن عائشة بنت طلحة وذكر العقيلي أنه لا يحفظ إلا من حديث طلحة. ويعارض هذا ما خرجه مسلم من حديث أبي السليل، عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان فما أنت بمحدثي عن رسول الله ﷺ تطيب به أنفسنا عن موتانا قال: نعم صغارهم دعاميص أهل الجنة يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بثوبه أو قال بيده - كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا - فلا يتناهى أو قال: فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة"٤. وفي الصحيحين عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" ٥. ولهذا قال الإمام أحمد: هو يرجى لأبويه دخول الجنة

стр. 118

بسببه. ولعل النبي ﷺ نهى أولا عن الشهادة لأطفال المسلمين بالجنة قبل أن يطلع على ذلك لأن الشهادة على ذلك تحتاج إلى علم به ثم اطلع على ذلك فأخبر به والله أعلم. القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين سوى الشهداء وقد اختلف فيهم العلماء قديما وحديثا والمنصوص عن الإمام أحمد: أن أرواح المؤمنين في الجنة ذكره الخلال في كتاب السنة عن غير واحد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أرواح المؤمنين في الجنة وقال حنبل في موضع آخر: هي أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء. قال أبو عبد الله: ولا نقول هما يفنيان بل هما على علم الله باقيتان يبلغ الله فيهما عمله نسأل الله التثبيت وأن يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا. وقوله: ولا نقول: هما يفنيان يعني الجنة والنار فإن في أول الكلام عن حنبل أن إبا عبد الله حكى قصة ضرار وحكايته اختلاف العلماء في خلق الجنة والنار وأن القاضي أهدر دم ضرار ولذلك استخفى إلى أن مات وأن أبا عبد الله قال: هذا كفر يعني القول بأنهما يخلقان بعد. قال حنبل: وسألت أبا عبد الله عمن قال: إن كانتا خقلتا فإنهما إلى فناء ثم ذكر هذا الجواب من أحمد. ولا يصح أن يقال: إن أحمد إنما نفى الفناء عنهما معا فيصدق ذلك أن تكون الجنة وحدها لا تفنى لأن ما بعد هذا يبطل هذا التأويل وهو قوله: عما على علم الله باقيتان فإن هذا ينفي ذلك الاحتمال والتوهم ويثبت البقاء لهما معا وهذا كقولك: لا يعلم زيد وعمرو فهذا قد يحتمل أن يراد نفي العلم عنهما جميعا دون أحدهما فإذا قلت بعد ذلك بل هما جاهلان زال ذلك الاحتمال وأثبت الجهل لهما جميعا وأيضا فلا يقع استعمال نفي عن شيئين والمراد نفي اجتماعهما خاصة إلا مع ما يبين ذلك في سياق الكلام وعن لفظ يدل عليه فأما مع الإطلاق فلا يقع ذلك به لا يجوز استعماله مع الإبهام كما لا يعال: الآلة والنار لا يبقيان وكما لا يقال: الخالق الله،

стр. 119

المخلوق وحده يفنى ولا يقال: الدنيا والآخرة لا تفنيان ويراد بها أن الدنيا وحدها تفنى ولا: محمد ومسيلمة لا يصدقان ولا يكذبان والمراد به صدق محمد وحده وكذب مسيلمة وحده فإن هذا كله استعمال قبيح ممنوع ولا يعهد مثله في كلام أحد يعتد به. وقول أحمد بعد هذا: نسأل الله التثبيت أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا يدل على أن القول بخلاف ذلك عنده من الضلال والزيغ وقد خرج بهذا فيما نقله عنه حرب قال حرب في مسائل: هذا المذهب أئمة أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم ممن أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام فمن خالف شيئا من هذا المذهب فيها أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد وإسحق وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم فكان من قولهم: الإيمان قول وعمل وذكر العقيدة ومن جملها قال: لقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان لا يفنى ما فيهما أبدا فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، ونحوا هذا فقل له: كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقنا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا وذكر بقية العقيدة. فقوله في آخر كلامه: خلقنا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك يبطل من أول الكلام على أن المراد به لا يفنى مجموعهما. وقد نقل هذا الكلام الذي نقله حرب كله عن أحمد صريحا. نقله عنه أبو العباس أحمد بن جعفر الأصطخري أنه قال: مذهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء الحجاز وأهل الشام وغيرهم فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق فذكر العقيدة كلها وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله وخلق الخلق لهما فلا يفنيان ولا يفنى ما فيها أبدا فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله تعالى:

стр. 120

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، ونحو هذا من متشابه القرآن فقل له: كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا وذكر بقية العقيدة. وقد رويت هذا العقيدة عن الإمام أحمد من وجه آخر من طريق أحمد بن وهب القرشي عنه المقصود هنا قول أحمد: أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار. وقد حكى القاضي أبو يعلى في كتاب المعتمد ومن اتبعه من الأصحاب هذا الكلام عن عبد الله بن أحمد عن أبيه ولم ينقله عبد الله إنما نقله حنبل. وأما ما نقله عبد الله عن أبيه فقال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي أرواح الموتى أتكون في أفنية قبورهم أم في حواصل طير أم تموت كما تموت الأجساد؟ قال: روي عن النبي ﷺ قال: "نسمة المؤمن إذا مات طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده فيبعثه الله" ١. وقد روى عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر كازرازير ثم تعود يتعارفون فيها ويرزقون من ثمارها. وقال بعض: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل في الجنة معلقة بالعرش. انتهى. وهذا الكلام أيضا يدل على أن أرواح المؤمنين عند الله في الجنة إلا أنه ذكر في جوابه الأحاديث الدالة على ذلك المرفوعة والموقوفة ولم يذكر سوى ذلك ففي رواية حنبل جزم بأن أرواح المؤمنين في الجنة وفي رواية عبد الله ذكر الأدلة على ذلك. فأما الحديث المرفوع الذي ذكره فهو من رواية مالك عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن كعب أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده" ٢، كذ رواه مالك في الموطأ ورواه عن مالك جماعة منهم الشافعي ورواه الإمام أحمد في مسنده عن الشافعي وخرجه النسائي من طريق مالك

стр. 121

أيضا. وخرجه مالك من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري، بهذا الإسناد. وكذا رواه عن الزهري: يونس والزبيدي والأوراعي وإسحاق ورواه شعيب وابن أخي الزهري وصالح بن كيسان عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب وقال صالح في حديثه: أنه بلغه أن كعبا كان يحدث وقال شعيب في حديثه: إن كعبا كان يحدث فهو على رواية صالح ومن وافقه منقطع وذكر محمد بن يحيى الذهلي أن ذلك هو المحفوظ وخالفه ابن عبد البر في ذلك ورجح رواية مالك ومن وافقه، وقد روي - يعني حديث كعب - من وجوه متعددة. فروى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكر حديث القبر بطوله في حق المؤمن قال: "ويعاد الجسد إلى ما بدئ منه وتجعل روحه في نسيم طير يعلق في شجر الجنة"، خرجه الطبراني وغيره. وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق معتمر عن محمد بن عمرو به ولفظه: وتجعل نسمته في النسيم الطيب وهو طير يعلق في الجنة وقد سبق أن غيرهما رواه عن محمد بن عمرو فوفقه على أبي هريرة. وقد تقدم حديث أم هانئ الأنصارية، عن النبي ﷺ قال: " تكون النسم طائر تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها". وخرج ابن منده من رواية موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن يزيد عن أم كبشة بنت المعرور قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر ترعى في الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من مائها وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فيقولون: ربنا ألحق بنا إخواننا وآتنا ما وعدتنا وإن أرواح الكفار في حواصل طير سود تأكل من النار وتشرب من النار وتأوي إلى حجر من النار يقولون: ربنا لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا". وموسى بن عبيدة شيخ صالح شغلته العبادة عن حفظ الحديث فكثرت المناكير في حديثه. وخرج ابن منده أيضا، من رواية معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب، قال: سئل رسول الله ﷺ عن أرواح المؤمنين، فقال: "في طير خضر تسرح في الجنة حيث

стр. 122

شاءت"، قالوا: يا رسول الله! وأرواح الكفار؟ قال: "محبوسة في سجين"، وهذ مرسل. وخرج أيضا من رواية عيسى بن موسى عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "أرواح المؤمنين كالزرازير تأكل من ثمر الجنة"، ثم قال ابن مندة: رواه جماعة عن الثوري موقوفا يعني على عبد الله بن عمرو والصواب وقفه. وقد سبق أن الإمام ذكره في رواية ابنة عبد الله موقوفا وكذا رواه وكيع عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر كالزارزير يتعارفون فيها ويرزقون من ثمرها أخرجه الخلال. وخرج - أيضا - من حديث أبي هشام عن أبي إسحاق عن الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكر احتضار المؤمن وأن روحه تعاد إلى جسده عند سؤاله في القبر ثم ترفع روحه فتجعل في أعلى عليين ثم تلا عبد الله الآية: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ ، قال: السماء السابعة وأما الكفار فذكر الكلام وتلا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ قال: الأرض. وروى مثل هذا المعنى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وذكره ابن عبد البر. وروى سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عبد الله بن عمر وكان يقول: سجين هي الأرض السفلى فيها أرواح الكفار. وروى ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن منصور بن أبي منصور حدثه قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أرواح المسلمين حين يموتون قال: ما تقولون يا أهل العراق؟ قلت: لا أدري قال: فإنها صور طير بيض في ظل العرش وأرواح الكفار في الأرض السابعة. وروى أيضا عن كعب، من رواية الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: كنا جلوسا إلى كعب فجاء ابن عباس فقال: يا كعب كل ما في القرآن عرفت غير أربعة أشياء فأخبرني عنهن فسأله عن سجين وعليين فقال كعب: أما عليون فالسماء السابعة فيها أرواح المؤمنين وأما سجين فالأرض السابعة فيها أرواح الكفار

стр. 123

تحت خد إبليس. وقد ثبت في الأدلة أن الجنة فوق السماء السابعة وقد ذكرنا ذلك في كتاب صفة النار مستوفى. وروى أبو نعيم من طريق الحكم بن أبا قال: نزل بي ضيف من أهل صنعاء فقال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن لله في السماء السابعة دارا يقال لها: بيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته لأرواح فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم. وخرج ابن منده من طريق سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام لقي أحدهما صاحبه فقال: إن مت قبلي فحدثني بما لقيت وإن مت قبلك حدثتك بما لقيت قال: وكيف يكون ذلك؟ قال: أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت وخرجه ابن أبي الدنيا من طريق جرير بن يحيى. وخرج أيضا من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن منصور بن أبي منصور أنه سأل عبد الله بن عمرو عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا أين هي؟ قال: هي صور طير بيض في ظل العرش. وروى ابن أبي ليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها فذلك عرضها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ قال: هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة. خرجهما ابن أبي الدنيا. وخرج اللالكائي من رواية عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعري، قال: تخرج روح المؤمن وهي أطيب من المسك فتعرج به الملائكة حتى تأتي ربه وله برهان مثل الشمس وروح الكافر أنتن من الجيفة وهو بوادي حضرموت في أسفل الثرى من سبع أرضين. وقد يستدل للقول بأن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار من القرآن بأدلة منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة]

стр. 124

إلى قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة] ، هو دخول النار مع إحرافها وإنضاجها فجعل هذا كله متعقبا للاحتضار والموت. وكذلك قوله تعالى في قصة المؤمنين في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس] ، وإنما قال هذا بعد ما قتلوه ورأى ما أعد الله له ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر] على تأويل من تأول ذلك عند الاحتضار. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٧، ٣٨] . ونظير هذه الآية قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] . ومما يستدل به أيضا لذلك، ما رواه مجالد، عن الشعبي، عن جابر، أن النبي ﷺ سئل عن خديجة، قال: "أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب" ١ خرجه البزار. وخرج الطبراني بإسناد منقطع عن فاطمة، قالت للنبي ﷺ : أين أمنا خديجة؟ قال: "في بيت قصب بين مريم وآسية امرأة فرعون" قالت: ممن هذا القصب؟ قال: "من القصب المنظوم بالدرر واللؤلؤ والياقوت" ٢. وخرج أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لما رجم الأسلمي

стр. 125

الذي اعترف عنده بالزنا قال: " والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" ١.

стр. 126

فصل: ما يمنع من دخول أرواح المؤمنين والشهداء الجنة وإنما تدخل أرواح المؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستوجب العقوبة أو حقوق آدميين حتى يبرأ منها. ففي الصحيحين، عن أبي هريرة أن مدعما قتل يوم خيبر قال الناس: هنيئا له الجنة فقال النبي ﷺ : "بلى، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا" ٢. وعن سمرة بن جندب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ قال: "ها هنا أحد من بني فلان؟ " ثلاثا فلم يجبه أحد ثم أجابه رجل فقال: "إن فلانا الذي توفي احتبس عن الجنة من أجل الدين الذي عليه فافتكوه أو فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله" ٣. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة. وخرج البزار، من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه، وفي حديثه قال: "إن صاحبكم محبوس على باب الجنة"، أحسبه قال: "بدين". وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث، دخل الجنة: من الكبر والغلول والدين" ٤. وخرج الطبراني، من حديث أنس قال: أتي النبي ﷺ برجل يصلي عليه فقال:

стр. 127

"على صاحبكم دين"؟ فقالوا: نعم قال: "فما ينفعكم أن أصلي على رجل مرتهن في قبره لا تصعد روحه إلى السماء ولو ضمن رجل دينة قمت فصليت عليه فإن صلاتي تنفعه". وفي المعنى أحاديث متعددة. وخرج ابن أبي الدنيا "من عاش بعد الموت"، من طريق سيار بن حسن قال: خرج أبي وعبد الواحد بن زيد يريدان الغزو فهجموا على ركية عميقة واسعة فأدلوا حبالهم بقدر فإذا القدر قد وقعت في الركية قال: فقرنوا حبال الرفقة بعضها ببعض ثم دخل أحدهما إلى الركي فلما صار ببعضها إذا هو بهمهمة في الركي فرجع فصعد فقال: أتسمع ما أسمع؟ قال: نعم فناولني العمود فأخذ العمود فدخل في الركية فإذا هو برجل جالس على ألواح وتحته الماء فقال: أجني؟ قال: بل إنسي قال: ما أنت؟ قال: أنا رجل من أهل أنطاكية وإني مت فحبسني ربي هنا بدين علي وإن ولدي بإنطاكية لا يذكروني ولا يقضون عني فخرج الذي كان في الركية فقال لصاحبه غزوة بعد غزوة فدع أصحابنا يذهبون فساروا إلى أنطاكية فسألوا عن الرجل وعن بنيه فقالوا: نعم إنه لأبونا وقد بعنا ضيعة لنا فامشوا معنا حتى نقضي عنه دينه قال: فذهبوا معهم حتى قضوا ذلك الدين ثم رجعوا من أنطاكية حتى أتوا موضع الركية ولا يشكون أنها ثم فلم يكن ركية ولا شيء فأمسوا فباتوا هناك فإذا الرجل قد أتاهم في منامهم وقال: جزاكم الله خيرا فإن الله حولني إلى مكان كذا وكذا من الجنة حيث قضي ديني. وروى في كتاب "المنامات" حدثني زكريا بن الحارث النضري قال: رئي محمد بن عباد في النوم فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: لولا ديني دخلت الجنة. وقال طائفة: الأرواح في الأرض ثم اختلفوا. فقالت فرقة منهم: الأرواح تستقر على أفنية القبور وهذا القول هو الذي ذكره عبد الله ابن الإمام أحمد في سؤاله المتقدم وحكى ابن حزم هذا القول عن عامة أصحاب الحديث. وقال ابن عبد البر: كان ابن وضاح يذهب إليه ويحتج بحديث النبي ﷺ حين خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين"١ فهذا يدل على أن الأرواح بأفنية القبور.

стр. 128

ورجح ابن عبد البر أن أرواح الشهداء في الجنة وأرواح غيرهم على أفنية القبور تسرح حيث شاءت. وذكر عن مالك أنه قال: بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت. وعن مجاهد قال: الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا يفارقه ذلك. واستدل هو وغيره بحديث ابن عمر عن النبي ﷺ : " إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار يقال: هذا مقعدك إلى يوم القيامة" ١. وهذا يدل على أن الأرواح ليست في الجنة وإنما تعرض عليها بكرة وعشيا وكذا ذكره ابن عطية وغيره. ولا حجة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون العرض بكرة وعشيا على الروح المتصل بالبدن والروح وحدها في الجنة فتكون البشارة والتخويف للجسد في هذين الوقتين باتصال الروح به وأما الروح أبدا في تنعم أو عذاب. والثاني: أن الذي يعرض بالغدواة والعشي هو مسكن ابن آدم الذي يستقر فيه في الجنة أو النار وليست الأرواح مستقرة فيه مدة البرزخ وإن كانت في الجنة أو النار. ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ : "إن المؤمن إذا فتح له في قبره باب إلى الجنة وقيل له: هذا منزلك قال: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي" ٢. وأما السلام على أهل القبور فلا يدل على استقرار أرواحهم على أفنية قبورهم فإنه يسلم على قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين ولكن مع ذلك لها اتصال سريع في الجسد ولا يعلم كنه ذلك وكيفيته على الحقيقة إلا الله . ويشهد لذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة، على أصحابه، ومنهم عبد الله بن عمرو

стр. 129

ابن العاص، في أن النائم يعرج بروحه إلى العرش مع تعليها ببدنه وسرعة عودها إليه عنه استيقاظه فأرواح الموتى المجردة عن أبدانهم أولى بعروجها إلى السماء وعودها إلى القبر مثل تلك السرعة والله أعلم. وخرج ابن منده من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن سليمان قال لعبد الله بن سلام: إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت وإن أرواح الكفار في سجين وعلي بن زيد ليس بالحافظ خالفه يحيى بن سعيد الأنصاري مع عظمته وجلالته وحفظه. فروى عن سعيد بن المسيب قال فيه: إن أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت كما سبق ذكره. وقد تقدم عن مالك: أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت وخرجه ابن أبي الدنيا عن خالد بن خداش قال: سمعت مالكا يقول ذلك. وخرج أيضا، عن حسين بن علي العجلي حدثنا أبو نعيم حدثنا شريك عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو قال روحه مثل رجل كان في سجن فإخرج منه فهو يتفسح في الأرض ويتقلب فيها. ومما استدل به على أن الأرواح في الأرض حديث البراء بن عازب الذي تقدم سياق بعضه وفيه صفة قبض روح المؤمن: "فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين ويقول الرب : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فترد إلى القبر" وذكر الحديث، وقال في روح الكافر: "فيصعد بها إلى السماء فتغلق دونه فيقول الرب : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى" وفي رواية: " ويقول الله ردوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني أردهم فيها" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] وهذا يدل على أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض ولا تعود إلى السماء بعد عرضها ونزولها إلى الأرض وهناك أرواح تبقى في الجنة لا سيما

стр. 130

الشهداء. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة في صفة قبض روح المؤمن قال: ثم يصعد به إلى ربه فيقول: ردوه إلى آخر الأجلين وقال مثله في الكافر وقال فيه: رد النبي ﷺ ربطة على أنفه يعني لما ذكر نتن ريحه وهذا يشهد برفع الحديث كله. وخرج ابن أبي الدنيا من حديث قسامة بن زهير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين وتقول: أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية مرضيا عنك إلى رضوان الله وكرامته فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك وطويت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال: أيتها النفس الخبيثه اخرجي ساخطة ومسخوطا عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة فإن لها نشيشا يطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين". وخرجه النسائي وغيره من حديث قتادة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ولفظه مخالف لما قبله وذكر في روح المؤمن: حين ينتهون بها إلى السماء العليا، وقال في روح الكافر: حين ينتهون بها إلى الأرض السفلى. وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن مسعود: أن الروح بعد السؤال في القبر ترفع إلى عليين وتلا قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالت فرقة: تجتمع في موضع من الأرض كما روى همام بن يحيى المسعودي عن قتادة قال: حدثني رجل عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال: إن أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية وأما أرواح الكفار فتجتمع بسبخة بحضرموت يقال له: برهوت خرجه ابن منده. ورواه هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب من قوله لم يذكر عبد الله بن عمرو خرجه من طريق ابن أبي الدنيا وقد تبين أن قتادة لم يسمعه من سعيد إنما بلغه عنه ولم يدر عمن أخذه.

стр. 131

وخرج ابن منده من طريق فرات الفزاري عن أبي الطفيل عن علي قال: شر واد بئر في الأحقاف: برهوت بحضرموت ترده أرواح الكفار. قال: رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف عن ابن مهران عن ابن عباس عن علي قال: أبغض بقعة في الأرض واد بحضرموت يقال له: برهوت فيه أرواح الكفار وفيه بئر ماؤه في النار أسود كأنه قيح تأوي إليه الهوام. وروى بإسناده عن شهر بن حوشب أن كعبا رأى عبد الله بن عمرو وقد تكالب الناس عليه يسألونه فقال رجل لرجل: سله أين أرواح المؤمنين؟ قال: بالجابية وأرواح الكفار ببرهوت. وبإسناده عن سفيان عن أبان بن تغلب قال: قال رجل: بت فيه - يعني وادي برهوت - كأنما حشدت فيه أرواح الكفار وهم يقولون: يا دومة فحدثنا رجل من أهل الكتاب: هو الملك الذي على أرواح الكفار. قال سفيان: وسألنا الحضرميين فقالوا: لا يستطيع أن يبيت فيه أحد بالليل. وقال ابن قتيبة في كتابه غريب الحديث: ذكر الأصمعي عن رجل من أهل برهوت - يعني البلد الذي فيه هذا البئر - قال: تجد الرائحة المنتنة الفظيعة جدا ثم نمكث فيأتينا الخبر بأن عظيما من عظماء الكفار قد مات فنرى أن تلك الرائحة منه. قال: وقال ابن عيينة: أخبرني رجل أنه أمسى ببرهوت فكأن فيه أصوات الحاج قال: وسألت أهل حضرموت فقالوا: لا يستطيع أحدنا أن يمسي فيه. وقال ابن أبي الدنيا حدثنا الحسن بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن عمرو بن سليمان قال: مات رجل من اليهود وعنده وديعة لمسلم وكان لليهودي ابن مسلم فلم يعرف موضع الوديعة فأخبر شعيبا الجبائي فقال: أئت برهوت فإن دونه عين بتسقيب فإذا جئت في يوم السبت فامش عليها حتى تأتي عينا هناك فادع أباك فإنه يجيبك فاسأله عما تريد ففعل ذلك الرجل ومضى حتى أتى العين فدعا أباه مرتين أو ثلاثا فأجابه فقال: أين وديعة فلان؟ فقالت: تحت إسكفة الباب فادفعها إليه. وفي كتاب حكايات لأبي عمرو أحمد بن محمد النيسابوري حدثنا بكر بن

стр. 132

محمد بن عيسى الطرطوسي حدثنا حامد بن يحيى بن سليم قال: كان عندنا رجل بمكة من أهل خراسان يودع الودائع فيؤديها فأودعه رجل عشرة آلاف دينار وغاب وحضر الخراساني الوفاة فما ائتمن أحدا من أولاده فدفنها في بعض بيوته ومات فقدم الرجل وسأل بنيه فقالوا: ما لنا بها علم فاسأل العلماء الذين بمكة وهم يومئذ متوافرون فقالوا: ما نراه إلا من أهل الجنة وقد بلغنا أن أرواح أهل الجنة في زمزم فإذا مضى من الليل ثلثه أو نصفه فائت زمزم فقف على شفيرها ثم ناده فإنا نرجو أن يجيبك فإن أجابك فاسأله عن مالك فذهب كما قالوا فنادى أول ليلة وثانية وثالثة فلم يجب فرجع إليهم فقال: ناديت ثلاثا فلم أجب؟ فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون ما نرى صاحبك إلا من أهل النار فاخرج إلى اليمن فإن بها واديا يقال له: برهوت فيه أرواح أهل النار فقف على شفيرها فناده في الوقت الذي ناديت في زمزم فذهب كما قيل له في الليل فنادى يا فلان بن فلان فأجابه من أول صوت فقال له: ويحك ما أنزلك ها هنا وقد كنت صاحب خير؟ قال: كان لي أهل بخراسان فقطعتهم حتى مت فأخذني الله فأنزلني هذا المنزل وأما مالك فإني لم آمن عليه ولدي وقد دفنته في موضع كذا فرجع صاحب المال إلى مكة فوجد المال في المكان الذي أخبره. ورجحت طائفة من العلماء أن أرواح الكفار في بئر برهوت منهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتابه المعتمد وهو مخالف لنص أحمد: أن أرواح الكفار في النار. ولعل لبئر برهوت اتصالا في جهنم في قعرها كما روي في البحر أن تحته جهنم والله أعلم ويشهد لذلك ما سبق من قول أبي موسى الأشعري: روح الكافر بوادي حضرموت في أسفل الثرى من سبع أرضين. وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله اليماني هل لأنفس المؤمنين مجمع؟ فقال: يقال: إن الأرض التي يقول الله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ قال: هي الأرض التي تجتمع أرواح المؤمنين فيها حتى يكون البعث خرجه ابن منده وهذا غريب جدا وتفسير الآية بذلك ضعيف. وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت" من طريق عبد الملك بن قدامة عن عبد الله بن دينار عن أيوت اليماني عن رجل من قومه يقال له:

стр. 133

عبد الله إنه ونفرا من قومه ركبوا البحرن وإن البحر أظلم عليهم أياما ثم انجلت عنهم الظلمة وهم قرب قرية قال عبد الله: فخرجت ألتمس الماء فإذا أبواب المدينة مغلقة تجأجأ فيها الريح فهتفت بها فلم يجبني أحد فبينا أنا كذلك إذا طلع علي فارسان تحت كل واحد منهما قطيفة بيضاء فسألاني عن أمري فأخبرتهما بالذي أصابنا في البحر وإني خرجت أطلب الماء فقالا لي: يا عبد الله! أسلك في هذه السكة فإنك ستنتهي إلى بركة فيها ماء فاسق منها ولا يهولنك ما ترى فيها ن قال: فسألتهما عن تلك البيوت المغلقة التي تجأجأ فيها الريح فقالا: هذه بيوت فيها أرواح الموتى. قال: فخرجت حتى انتهيت إلى البركة فإذا فيه رجل معلق مصلوب على رأسه يريد أن يتناول الماء بيده وهو لا يناله فلما رآني هتف بي وقال: يا عبد الله اسقني وقال: فغرقت بالقدح لأناوله فقبض بيدي فقال: بل العمامة ثم ارم بالقدح لأونالك فقبضت يدي ثم بللت العمامة لأرمي بها إليك فقبضت يدي فأخبرني من أنت؟ فقال: أنا ابن آدم أنا أول من سفك دما في الأرض. وروى أبو نعيم بإسناده عن ابن وهب حدثنا عبد الرحمن بن زيد نب أسلم قال: بينما رجل في مركب في البحر إذا انكسر بهم مركبهم فتعلق بخشبه فطرحته في جزيرة فخرج يمشي فإذا هو بماء فتبعه فدخل في شعب فإذا برجل في رجليه سلسلة منوط فيها بينه وبين الماء شبر فقال: اسقني رحمك الله قال: فإخذت ملء كفى ماء فرفع بالسلسلة فذهب بالماء فلما ذهب الماء حط الرجل قال: ففعلت ذلك ثلاث مرات أو أربعا قال: فلما رأيت ذلك منه قلت له: ما لك ويحك؟ قال: أنا ابن آدم الذي قتل أخاه والله ما قتلت نفس ظلما منذ قتلت أخي إلا يعذبني الله بها لأني أول من سن القتل. وروى عاصم بن محمد الرازي في كتاب الرهبان حدثنا عصمه العباداني قال: كنت أجول في بعض الفلوات إذ نظرت ديرا وفيه صومعة وفيها راهب فناديته فأشرف علي فقلت له: من أين تأتيك الميرة؟ قال: من مسيرة شهر قلت: حدثني بأعجب ما رأيت في هذه المواضع قال: بينا أنا ذات يوم أدير بصري في هذه البرية

стр. 134

القفر وأتفكر في عظمة الله وقدرته إذ رأيت طائرا أبيض مثل النعامة كبيرا وقد وقع على تلك الصخرة - وأومى بيده إلى صخرة بيضاء - فتقيأ رأسا ثم رجلا ثم ساقا وإذا هو كلما تقيأ عضوا التمت بعضها إلى بعض أسرع من البرق فإذا هم بالنهوض نقره الطائر فقطع أعضاءه ثم يرجع فيبتله فلم يزل على ذلك أياما فكثر تعجبي منه وازددت يقينا بعظمه الله وعلمت أن لهذه الأجساد حياتا بعد الموت وذكر أنه سأل عن ذلك الرجل يوما عن أمره فقال: أنا عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب أمر الله هذا الملك أن يعذبني إلى يوم القيامة قال: قال لي الملك: قد أتاني النبي ﷺ فأمرني أن أخرج بهذا الجسد إلى جزيرة من البحر الأسود التي تخرج منها هوام أهل النار فأعذبه إلى يوم القيامة. وقد رويت هذه الحكاية من وجه آخر خرجها ابن النجار في تاريخه من طريق السلفي بإسناد له إلى الحسن بن محمد بن عبيد اليشكري حدثنا إسماعيل بن أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن النجم، سنة عشر وثلاثمائة أنه حضر مع يوسف بن أبي التياح ببلاد سنباط حضر مجلسه وحدثنا عن راهب سماه فأحض يوسف الراهب فحدثه الراهب بعد الإمتناع أن ملكا نفاه إلى جزيرة على البحر منفردة قال: لرأيت يوما طائرا فذكر شبيها بالحكاية. ورويت من وجه آخر من طريق أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي صاحب السداميات المشهورة عن علي بن هارون عن محمود الوارق حدثنا أبو محمد بن عبد الرحمن بن عمر البزار سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن أبي الأصبغ قال: قدم علينا شيخ غريب فذكر أنه كان نصرانيا سنين وأنه تعبد في صومعة قال: فبينما هو ذات يوم جالسا إذ جاءه طائر كالنسر أو كالكركي فذكر شبيها بالحكاية مختصرا. وكل ما ورد من هذه الآثار فإنه محمول على أن الأرواح تنتقل من مكان إلى مكان ولا يدل على أنها تستقر في موضع من الأرض والله أعلم. ويشهد لهذا ما روي عن شهر بن حوشب قال: كتب عبد الله بن عمرو إلى أبي بن كعب يسأله أين تلتقي أرواح أهل الجنة وأهل النار فقال: أما أرواح أهل الجنة فبالبادية وأما أرواح الكفار فبحضرموت ذكره ابن منده تعليقا.

стр. 135

وقالت: طائفة من الصحابة: الأرواح عند الله وقد صح ذلك عن عمرو وقد سبق قوله. وكذلك روي عن حذيفة خرجه ابن منده من طريق داود الأودي عن الشعبي عن حذيقة قال: إن الأرواح موقوفة عند الرحمن تنتظر موعدها حتى ينفخ فيها وهذا إسناد ضعيف وهذا لا ينافي ما وردت به الإخبار من محل الأرواح على ما سبق. وقال طائفة: أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله وهذا يستدل له بما في الصحيحين عن أنس عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة"، فذكر الحديث وفيه: "فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والإبن الصالح قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسود الذي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى" ١. وذكر بقية الحديث. وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن أرواح الكفار في السماء وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] . وكذلك حديث البراء وأبي هريرة وغيرهما أن السماء لا تفتح لروح الكافر وأنها تطرح طرحا وأن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] . ولذا حمله بعضهم على أن هذه الأرواح التي عن يمين آدم وشماله هي أرواح بنيه التي لم تخلق أجسادهم بعد وهذا في غاية البعد مع منازعة بعضهم في خلق الأرواح قبل أجسادها. وقد ورد من حديث أبي هريرة ما يزيل هذا الإشكال كله من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره عن أبي هريرة فذكر حديث الإسراء بطوله إلى أن قال: ثم صعد به إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: قال:

стр. 136

نعم: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال: فدخل فإذا هو برجل تام الخلقة لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من الناس عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثه إذا نظر عن يمينه ضحك واستبشر وإذا نظر عن شماله بكى وحزن والباب الذي عن يمينه باب الجنة فإذا نظر من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر والباب الذي عن شماله جهنم فإذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى وذكر الحديث وقد خرجه بتمامه البزار في مسنده وأبو بكر الخلال وغير واحد وفيه التصريح بأن أرواح ذريته في الجنة والنار وأنه ينظر إلى أهل الجنة من باب عن يمينه وإلى أهل النار من باب عن شماله وهذا لا يقتضي أن تكون الجنة والنار في السماء الدنيا وإنما معناه أن آدم في السماء الدنيا يفتح له بابان في الجنة والنار ينظر منهما إلى أرواح ولده فيها وقد رأى النبي ﷺ الجنة والنار في صلاة الكسوف١، وهو في الأرض، وليست الجنة في الأرض وروي أنه رآهما ليلة الإسراء في السماء وليست النار في السماء٢. ويشهد لذلك أيضا ما في حديث أبي هارون العبدي - مع ضعفه - عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في حديث الإسراء الطويل إلى أن ذكر السماء الدنيا: "وإذا أنا برجل كهيئته يوم خلقه الله لم يتغير منه شيء وإذا تعرض عليه أرواح ذريته فإذا كان روح طيبة وريح طيبة إجعلوا كتابه في عليين وأن كانت روح كافر قال: روح خبيثة وريح خبيثة إجعلوا كتابه في سجين قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك آدم"، وذكر الحديث ففي هذا أنه تعرض عليه أرواح ذريته في السماء الدنيا وأنه يأمر بجعل الأرواح في مسقرها من عليين وسجين فدل على أن الأرواح ليس محل مستقرها في السماء الدنيا. وزعم ابن حزم أن الله خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعلها في برزخ وذلك البرزخ عند منقطع العناصر يعني حين لا ماء ولا هواء ولا نار وأنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح ثم يعيدها عند قبضها إلى ذلك البرزخ وهو الذي رآها رسول الله ﷺ في ليلة أسري به عند سماء الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم.

стр. 137

وأهل الشقاوة عن يساره وذلك عند منقطع العناصر وتجعل أرواح الأنبياء والشهداء في الجنة. قال: وذكر محمد بن نصر المروزي عن أسحاق بن راهوية أنه ذكر هذا الذي قلناه بعينه قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام غيره. فكيف يكون قول جميع أهل الإسلام وكلامه يقتضي أن الأرواح رآها النبي ﷺ ليلة الإسراء تحت السماء الدنيا والحديث يدل على أنه إنما رآها فوق السماء الدنيا وما حكاه عن محمد بن نصر عن إسحاق بن راهويه فلا يدل على ما قاله بوجه فإن محمد بن نصر حكى عن إسحاق بن راهويه إجماع أهل العلم أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه قبل خلق أجسادهم فاستنطقهم واستشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولم يذكر أكثر من هذا وهذا لا يدل على شيء مما قاله ابن حزم في مستقر الأرواح البتة بل ولا على أن الأرواح بقيت على حالها بل في بعض الأحاديث أه ردها إلى صلب آدم ولم يقل إسحاق ولا غيره من المسلمين: أن مستقر الأرواح حيث منقطع العناصر بل وليس هذا من جنس كلام المسلمين بل من جنس كلام المتفلسفة. وقد خرج ابن جرير الطبري في كتاب الأدب له من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب عن المغيرة بن عبد الرحمن قال: قال سلمان لعبد الله بن سلام: إن مت قبلي فأخبرني عمن تلقى وإن مت قبلك أخبرتك بما ألقى فقال له الناس: يا عبد الله كيف تخبرنا وقد مت؟ قال: ما من روح تقبض من جسد إلا كانت بين السماء والأرض حتى يرده في جسده الذي أخذ منه هذا لا يثبت وهو منقطع وأبو معشر: ضعيف وقد سبق رواية سعيد بن المسيب لهذه القصة بغير هذا اللفظ وهو الصحيح. وقد تقدم في سؤال عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه عن الأرواح هل تموت بموت الأجساد؟ وهذا يدل على أن هذا قد قيل أيضا وهو كذلك. وقد حكى عن طائفة من المتكلمين وذهب إليه جماعة من فقهاء الأندلس قديما منهم عبد الأعلى بن وهب بن محمد بن عمر بن لبابة ومن متأخريهم كالسهيلي وأبي بكر بن العربي وغيرهما قال أبو الوليد بن الفرضي في "تاريخ الأندلس": أخبرني

стр. 138

سليمان بن أيوب قال: سألت محمد بن عبد الملك بن أيمن عن الأرواح؟ فقال لي: كان محمد بن عمر بن لبابة يذهب إلى أنها تموت وسألته عن ذلك؟ فقال: كان يذهب عبد الأعلى بن وهب فيما قال ابن أيمن فقلت له: إن عبد الأعلى كان قد طالع كتب المعتزلة ونظر في كلام المتكليمن فقال: إنما قلدت عبد الأعلى ليس من هذا شيء انتهى. وقد استدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وقد حق كما أخبر الله به لا مرية فيه لكن الشأن في فهم معناه فإن النفس يراد بها مجموع الروح والبدن. كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس] . وقوله : ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] . وقول النبي ﷺ : "ما من نفس منفوسة إلا الله خالقها" ١. وقوله ﵇: "ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" ٢. وفي رواية: "لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" ٣. والمراد موت الأحياء الموجودين في يومه ذلك ومفارقة أرواحهم لأبدانهم قبل المائة سنة ليس المراد عدم أرواحهم واضمحلالها فكذلك قوله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، إنما ارماد كل مخلوق فيه حياة فإنه يذوق الموت وتفارق روحه بدنه فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق وقد اشتد نكير العلماء لهذه المقالة حتى قال سحنون بن سعيد

стр. 139

وغيره: هذا قول أهل البدع والنصوص الكثيرة الدالة على بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان ترد ذلك وتبطله ولكن تخيل بعض المتأخرين موت الأرواح عند النفخة الأولى مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ، ورد عليه آخرون وقالوا: إنما المراد به يموت من لم يكن مات قبل ذلك ولكن ورد عن طائفة من السلف في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن المستثنى هم الشهداء روي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في حديث الطور الطويل ومن وجه آخر بإسناد أجود من إسناد حديث الطور وهذا يدل على أن للشهداء حياة يشاركون فيها الأحياء وقد قيل في الأنبياء مثل ذلك أيضا. وعلى هذا حمل طائفة من العلماء منهم البيهقي وأبو العباس القرطبي قول النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ ، " فأكون أنا أول من يبعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أجوزي بصعقة الطور أم بعث قبلي" وفي رواية: "أو كان ممن استثنى الله" ١. ولأن حياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء بلا ريب فشملهم حكم الأحياء أيضا ويصعقون مع الأحياء حينئذ لكن صعقة غشي لا صعقة موت إلا موسى تردد فيه أصعق أم كان ممن استثنى الله، ﷺ لا محال، فكيف يتردد النبي ﷺ في ذلك كله؟!. والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين: أحدهما: أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساد أو هي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ. والثاني: أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ذلك فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة وروي يعلقون بفتح اللام وضمها فقيل: إنهما بمعنى وأن المراد الأكل من الشجر قال ابن عبد البر وقيل: رواية الضم معناها الأكل ورواية

стр. 140

الفتح معنا التعلق ذكره ابن الجوزي وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في الأكل والله أعلم. وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروح عرض لا تبقى بعد الموت وحملوا ما وردد من عذاب الأرواح ونعميها بعد الموت على أحد أمرين: ١- إما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن. ٢- أو على أن يخلق في بدن آخر. وهذا الثاني باطل قطعا لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت مع روح غير روحه فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه ولا ينعمان أيضا وهذا باطل قطعا والأول باطل أيضا بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له وهي كثيرة جدا وقد سبق ذكر بعضها. وقد احتج بعضهم على فناء الأرواح وموتها بما روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المقابر قال: "السلام عليكم أيتها الأرواح الفانية والأبدان البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بالله مؤمنة اللهم أدخل عليهم روحا منك وسلاما منا" وهذا الحديث خرجه ابن السني من حديث عبد الوهاب بن جابر التيمي حدثنا حبان بن علي عن الأعمش عن أبي رزين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ وهذا لا يثبت رفعه وعبد الوهاب لا يعرف وحبان ضعيف ولو صح، حمل على أنه أراد بفناء الأرواح ذهابها من الأجساد المشاهدة كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وبعض الأبدان باقية كأجساد الأنبياء وغيرهم وإنما تفارق أرواحها أجسادها. وذكر عن ابن عباس أنه سئل أين تكون الأرواح إذا فارقت الأجساد؟ فقال: أين يكون السراج إذا طفي والبصر إذا عمي ولحم المريض إذا مرض؟ فقالوا: إلى أين؟ قال: فكذا الأرواح وهذا لا يصح عن ابن عباس والله أعلم.

стр. 141

الباب العاشر: في ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنورها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة الموتى إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك وقد تقدم في الباب الثاني أن القبر يقول: أنا بيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله. قال ابن المبارك: وحدثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة واخذوا في دفنها قال أبو أمامة: أنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون منه الحسنات والسيئات توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا يشير إلى القبر بيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه إلى يوم القيامة. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمة بن سعيد قال: كان هشام الدستوائي إذا ذكر الموت يقول: القبر وظلمة القبر ووحشة القبر: فلما مر بعض إخوانه إلى جنبات قبره قال: يا أبا بكر والله صرت إلى المحذور. وروى بإسناده عن امرأة هشام الدستوائي قالت: كان هشام إذ طفىء المصباح غشيه من ذلك أمر عظيم فقلت له: إنه يغشاك أمر عظيم عند المصباح إذا طفىء قال: إني اذكر ظلمة القبر ثم قال: لو كان سبقني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا مت أن اجعل في ناحية من داري قال: فما مكثنا إلا يسيرا حتى مات قال: فمر بعض إخوانه به في قبره فقال: يا أبا بكر صرت إلى المحذور. وقال الحسن بن البراء حدثني عند الوهاب بن غياض حدثني جمعة جارة لهشام الفردوسي قالت: كان هشام إذا رجع من جنازة لم يتعش تلك الليلة وكان لا ينام إلا في بيت فيه سراج قال: فطفىء سراجه ذات ليلة فخرج هاربا فقيل له: ما شأنك؟ قال: ذكرت ظلمة القبر. وروينا حديث خالد بن خداش قال: كنت اقعد إلى أشيم البلخي عم قتيبة وكان أعمى وكان يحدث ويقول: أواه القبر وظلمته واللحد وضيقه وكيف اصنع؟ ثم

стр. 142

يغشى عليه ثم يعود فيحدث فيصنع مثل ذلك مرات حتى يقوم - وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن وهيب بن الورد قال: نظر ابن مطيع يوما إلى داره فأعجبه حسنها فبكى ثم قال: والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته. وبإسناده عن الفيض بن إسحاق قال لي الفضيل بن عياض: أرأيت لو كانت لك الدنيا فقيل لك: تدعها ويوسع لك في قبرك ما كنت تفعل؟ قال: فقال فضيل: أليس تموت وتخرج من أهلك ومالك وتصير إلى القبر وضيقه وحدك ثم قال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ، ثم قال: إن كنت لا تعقل هذا فما في الأرض دابة أحمق منك. قال: وأخبرنا محمد بن الحسين حدثني محمد بن حرب المكي قال: قدم علينا أبو عبد الرحمن العمري العابد فاجتمعنا إليه وأتاه وجوه أهل مكة قال: فرفع رأسه فنظر إلى القصور المحدقة بالكعبة فنادى بأعلى صوته: يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبر الموحشة يا أهل النعيم والتلذذ اذكروا الدود والصديد وبلي الأجساد في التراب قال: ثم غلبته عيناه فنام. وقال: في كتاب العزلة: حدثنا حسن بن عبد الرحمن عن رجل قال: دخلت على رجل بالمصيصة في بيته فيه فرشة وقماشة فقلت: أما يضيق صدرك من هذا؟ فبكى وقال: إذا ذكرت القبر وظلمته وضيقه اتسع هذا عندي ولهيت عن غيره. وذكر بإسناده له أن سعيد بن عبد العزيز دخل على سليمان الخواص فقال: ما لي أراك في الظلمة؟ قال: ظلمة القبر أشد. قال أبو الحسن بن البراء: حدثنا أبو حمزة الأنصاري حدثني أبو المضرجي قال: خرجت غازيا فمررت ببعض حصون الشام ليلا فوجدت باب الحصن مغلقا ومقبرة على الباب فبت بجنب المقبرة بالقرب من قبر محفور فلما نمت إذا بهاتف من القبر وهو يقول شعرا: أنعم الله بالخيالين عينا ... وبمسراك يا أميم إلينا عجبا ما عجب من ثقل التراب ... ومن ظلمة القبور علينا

стр. 143

قال: فانتبهت فإذا بالباب قد فتح وإذا بجنازة يقدمها شيخ فقلت له: ما هذه الجنازة؟ قال: جنازة ابنتي قلت: ما اسمها؟ قال: أميمة قلت: القبر محفور لمن؟ قال: قبر ابن أخي وكان زرجها فتوفي فدفنته ثم توفيت بنتي فجئت أدفنها فأخبرته بما سمعت من الهاتف في القبر. وخرج ابن أبي الدنيا من طريق مجالد عن الشعبي قال: كان صفوان بن أمية في بعض المقابر فإذا شعل نيران قد أقبلت ومعها جنازة فلما دنوا من القبر قال: انظروا قبر كذا وكذا قال: وسمع رجل صوتا من القبر حزينا موجعا يقول شعرا: أنعم الله بالظعينة عينا ... وبمسراك يا منين إلينا جزعا ما جزعت من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب منينا فأخبر القوم بما سمع فلكوا حتى خضوا لحاهم ثم قالوا: هل تدري من منينة؟ قال: لا قالوا: صاحبة هذا السرير وهذه أختها ماتت عام أول. وخرج ابن المندر الهروي المعروف بيشكر في كتاب العجائب له من طريق أبي حمزة اليماني قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبد الله بن عثمان بن معمر ف الجاهلية فقال: إني رأيت عجبا مررت بقبور فنمت فسمعت قائلا من القبر يقول الشعر: أنعم الله بالظعينة عينا ... وبمسراك يا منين إلينا نفسا ما نفست من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب منينا فانتهت فإذا أنا بأهل جنازة فقمت إليهم فأخبرتهم فقالوا: هذه منين وهذه أختها فدللتهم على القبر فدفنوها إلى جانبها. وبإسناده عن إسماعيل بن راشد قال: حجت امرأة فماتت في بعض المنازل فلما كان من العام القابل حجت أخت لها فماتت في ذلك المكان فجهزوها وأخرجوها ليدفنوها فبينما هم يطلبون قبر أختها ورجل قد سرى ليلة فأتى القبور فرمى بنفسه فنام فيها فاستيقظ فقال: ما تطلبون؟ قالوا: قبرا قال: هو تحتي قالوا: وما علمك؟ قال: سمعت قائلا يقول: يا منينا يا منيتي يا منينا ... أنعم الله بالظعينة عينا

стр. 144

نفسا ما نفست من نفس ... القبر ومن مسك التراب منينا لم نجد بعدكم منين رجاء ... أقبل الدهر بالغناء علينا قال: فدفنت إلى جانبها. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أمينة بنت عمران بن يزيد قالت: رأيت أبي في منامي فقلت: يا أبت لا عهد لي بك منذ فاقتنا قال: يا بنية وكيف تعهدين من قد فارق الحياة إلى ضيق القبور وظلمتها؟ قال: فقلت: كيف حالك منذ فارقتنا؟ قال: خير حال يا بنية بوئنا المنازل ومهدت لنا المضاجع ونحن هنا يغدا علينا ويراح يرزقنا من الجنة قلت: فما الذي بلغكم هذا؟ قال: الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله . وخرج أبو نعيم بإسناده له عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول في موعظة له طويلة يذكر فيها أهل القبور: أليسوا في مدلهمة ظلماء أليس الليل والنهار سواء؟. قال أبو الحسن بن البراء: أنشدنا إسماعيل بن إدريس السمار لأبي العتاهية يبكي على نفسه في مرئية. لأبكين على نفسي وحق ليه ... يا عين لا تبخلي عني بعبرتيه لأبكين لفقدان الشباب فقد ... جد الرحيل عن الدنيا برحلتيه يا نأي منتجعي يا هول مطلعي ... يا ضيق مضطجعي يا بعد شقنيه المال ما كان قدامي لآخرتي ... ما لا أقدم من مالي فليس ليه فصل وقد روى ابن أبي الدنيا من طريق أبي غطفان المري قال: قال عمر: يا رسول الله! لو فزعتنا أحيانا لفزعنا فكيف بظلمة القبر وضيقه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما يبعث العبد على ما قبض عليه" ١، وهذا مرسل.

стр. 145

وبإسناده عن وهب بن منبه قال: كان عيسى ﵇ واقفا على قبر ومعه الحواريون وصاحبه يدلى فيه فذكروا القبر ووحشته وضيقة وظلمته قال عيسى ﵇: قد كنتم في أضيق منه أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع. وبإسناده عن جعفر بن سليمان قال: شهد رجل يدلى في حفرته فقال: إن الذي يسهل على الجنين في بطن أمه قادر أن يسهل عليك قال: وقال بعضهم: شبيل بن غزوة هو المتكلم بهذا. وخرج الإمام أحمد حديث: الأسود الذي كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلا فأتي رسول الله ﷺ فأخبر فقال: "انطلقوا إلى قبره فانطلقوا فقال: إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليها فأتى القبر فصلى عليه" ١. وخرج مسلم نحوه٢، من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ولكن قد قيل: إن آخره مدرج في حديث أبي هريرة. وروى محمد بن حميد الرازي حدثنا مهران بن أبي عمر حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ مر على قبر حديث عهد بدفن ومعه أبو بكر وعمر فقال: قبر من هذا؟ قال أبو بكر: هذه يا رسول الله أم محجن كانت مولعة بأن تلقظ الأذى من المسجد قال: ألا آذنتموني قالوا: قد كنت نائما فكرهنا أن نجهدك قال: فلا تفعلوا فإن صلاتي على موتاكم تنور لهم في قبورهم. قال: فصف بأصحابه فصلى. وقد ذكرنا فيما تقدم عن أبي قلابة أنه رأى ميتا في نومه فقال له: جزى الله أهل الدنيا خيرا أقراهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبل. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الله بن بحير حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت أخا في النوم بعد موته فقلت: أيصل إليكم دعاء الأحياء؟ قال: أي والله،
следующие страницы →