بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الإمام العالم أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن رجب رحمه الله تعالى:
الحمد الله الذي أسكن عباده هذه الدار وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار وجعل الدار الآخرة هي دار القرار وجعل بين الدنيا والآخرة برزخا يدل على فناء الدنيا باعتبار وهو في الحقيقة إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار ويرفق بعباده الأبرار في جميع الأقطار وسبق رحمته بعباده غضبه وهو الرحيم الغفار.
أحمده على نعمه الغزار وأشكره وفضله على من شكر مدرار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المختار الرسول المبعوث بالتبشير والإنذار ﷺ وعلى آله وصحبه صلاة تتجدد بركاتها بالعشي والأبكار.
أما بعد فإن الله خلق بني آدم للبقاء لا للفناء وإنما ينقلهم بعد خلقهم من دار إلى دار كما قال ذلك طائفة من السلف الأخيار منهم بلال بن سعد وعمر بن عبد العزيز ﵄ فأسكنهما في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملا ثم ينقلها إلى دار البرزخ فيحبسهم هنالك إلى أن يجمعهم يوم القيامة ويجزي كل عامل جزاء عمله مفصلا هذا مع أنهم في دار البرزخ بأعمالهم مدانون مكافؤون فمكرمون بإحسانهم وبإساءتهم مهانون قال الله : ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] قال مجاهد: البرزخ الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا وعنه قال هو ما بين الموت إلى البعث.
قال الحسن: هي هذه القبور التي بينكم وبين الآخرة.
وعنه قال أبو هريرة هي هذه القبور التي تركضون عليها لا يسمعون الصوت
стр. 2
وقال عطاء الخراساني: البرزخ مدة ما بين الدنيا والآخرة.
وصلى أبو أمامة على جنازة فلما وضعت في لحدها قال أبو أمامة هذا برزخ إلى يوم يبعثون.
وقيل للشعبي: مات فلان قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ وسمع رجلا يقول مات فلان أصبح من أهل الآخرة قال لا تقل من أهل الآخرة ولكن قل من أهل القبور.
وقد سألني بعض الإخوان الصالحين أن أجمع لهم ما ورد من أخبار البرزخ وأحوال الموتى الذاهبين فإن في سماع ذلك للقلوب عظه وهو يحدث لأهل الغفلة الأنتباه واليقظة فاستخرت الله تعالى في جمع ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة وأخبار سلف الأمة وما ورد في الاتعاظ بالقبور وكلام الحكماء من منظوم ومنثور كل ذلك على وجه الاختصار لأن استيعاب ذلك يوجب الملل للإطالة والإكثار.
والله المسؤول أن يجعلنا ممن يبادر الفوت ويراقب الموت ويتأهب للرحلة قبل الممات وينتفع بما سمع من العظات بمنه وكرمه.
وقد قسمته ثلاثة عشر بابا والله المسؤول أن يجعله عملا خالصا صوابا:
الباب الأول: في ذكر حال الميت عند نزوله قبره وسؤال الملائكة له وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه وما يرى من منزله في الجنة أو في النار.
الباب الثاني: في ذكر كلام القبر عند نزوله إليه.
الباب الثالث: في اجتماع الموتى إلى الميت عند موته وسؤالهم إياه.
الباب الرابع: في اجتماع أعمال الميت إليه من خير أو شر ومدافعتها عنه وكلامها له وما ورد من تحسر الموتى على انقطاع أعمالهم ومن أكرم منهم ببقاء عمله عليه.
الباب الخامس: في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيا.
الباب السادس: في ذكر عذاب القبر ونعيمه.
الباب السابع: فيما ورد من تلاقي أرواح الموتى في البرزخ وتزاورهم.
стр. 3
الباب الثامن: فيما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء ومعرفتهم بمن يسلم عليهم ويزورهم ومعرفتهم بحالهم بعد الموت وبحال أقاربهم في الدنيا.
الباب التاسع: في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ.
الباب العاشر: في ذكر القبور وظلمتها على أهلها وتنويرها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة الموتى إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك.
الباب الحادي عشر: في ذكر زيارة الموتى والاتعاظ بهم.
الباب الثاني عشر: في استحباب تذكر القبور والتفكر في أحوالهم وذكر أحوال السلف في ذلك.
الباب الثالث عشر: في ذكر كلمات منتخبة من كلام السلف الصالح في الاتعاظ بالقبور وما ورد عنهم في ذلك من منظور ومنثور.
وسميته كتاب "أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور".
والله المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه مقربا إليه نافعا في الدنيا والآخرة لجامعه ومن وقف عليه إنه أكرم المسؤولين وأعظم المأمولين.
стр. 4
الباب الأول: في ذكر حال الميت عند نزوله قبره وسؤال الملائكة له وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه وما يرى من منزله في الجنة أو النار
قال الله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وخرجا في الصحيحين١ من حديث البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ نزلت في عذاب القبر".
زاد مسلم: يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد فذلك قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ .
في رواية للبخاري قال: إذا أقعد العبد المؤمن في قبره أتي ثم شهد.
أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . وخرج الطبراني من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: "يقال للكافر من ربك فيقول لا أدري فهو تلك الساعة أصم أعمى أبكم فيضرب بمرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا فيسمعها كل شيء غير الثقلين".
قال: وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ .
وخرج أبو داود من حديث المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب: عن النبي ﷺ قال: "إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له من ربك؟ وما
стр. 5
دينك؟ ومن نبيك؟ " ١.
وفي رواية له قال: "ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان: ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولانك له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقولك هو رسول الله ﷺ فيقولان: له وما يدريك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت".
وفي رواية له: فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
قال: " فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة وألبسوه من الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره".
قال: وذكر الكافر قال: "وتعاد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: له من ربك فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار قال فيأتيه من حرها وسمومها".
قال: "ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".
وفي رواية له: "ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا قال فيضربه ضربه يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابا قال ثم تعاد فيه الروح".
وخرجه النسائي وابن ماجه مختصرا. وخرجه الإمام أحمد بسياق مطول والحاكم وقال: على شرط الشيخين.
وفي رواية للإمام أحمد: "ثم يقيض له أعمى أبكم أصم في يده مرزبة لو ضرب بها
стр. 6
جبل كان ترابا فيضربه ضربه فيصير ترابا، ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربه أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين".
قال البراء بن عازب: "ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار" كذا خرجه من رواية يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو.
وخرجه ابن منده من هذا الوجه أيضا وزاد في حديثه: "لو اجتمع عليها الثقلان ليقلبوها لم يستطيعوا فيضربه بها ضربة يصير ترابا وتعاد فيه الروح فيضربه بين عينيه ضربة فيسمعها من على الأرض ليس الثقلين فينادي مناد أن افرشوا له لوحين من نار وافتحوا له بابا إلى النار".
وخرجه أيضا من طريق عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ وقال فيه في حق المؤمن: "فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه".
وذكر في الكافر مثل ذلك وزاد فيه: أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف.
وقال: فيضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليهما ما بين الخافقين لم يقدروا على قلبها.
وخرجاه في الصحيحين١، من حديث قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه الملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله ﷺ فيقال له أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال فيراهما جميعا".
قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره مد بصرة ثم رجع إلى حديث أنس قال وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
стр. 7
وخرجه أبو داود١ بزيادات أخر منها: إن المؤمن يقال له: " ما كنت تعبد فإن الله هداه قال كنت أعبد الله فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول هو عبد الله ورسوله فما يسأل عن شيء غيرها".
وزاد فيه أيضا: "فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له: اسكن".
وذكر في الكافر: أنه يسأل عما كان يعبد ثم عن هذا الرجل.
وخرجا في الصحيحين٢ من حديث أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم كسفت الشمس: "ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له نم صالحا فقد علمنا إن كنت لمؤمنا، وأما المنافق والمرتاب فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته".
وخرجه الإمام أحمد٣ ولفظه: "ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم ويسأل الرجل ما كنت تقول وما كنت تعبد فإن قال: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ويصنعون شيئا فصنعته قيل له: أجل على شك عشت وعليه مت هذا مقعدك من النار وإن قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قيل له على اليقين عشت وعليه مت هذا مقعدك من الجنة".
وخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه٤ من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان المنكر والآخر النكير فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا ثم ينور له فيه ثم يقال له
стр. 8
نم فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال سمعت الناس يقولان شيئا فقلت مثله لا أدري فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه" ١.
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ قال: "إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ثم يقال له فيم كنت فيقول كنت في الإسلام فيقال له ما هذا الرجل فيقول محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه فيقال له هل رأيت الله فيقول ما ينبغي لأحد أن يرى الله فيفرج له فرجه قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له انظر إلى ما وقاك الله ثم يفرج له فرجه قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له هذا مقعدك ويقال له على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله تعالى ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشغوفا فيقال له فيم كنت فيقول لا أدري فيقال له ما هذا الرجل فيقول سمعت الناس يقولون قولا فقلته فيفرج له فرجه قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: أنظر إلا ما صرف الله عنك ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له هذا مقعدك على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله تعالى".
وخرج الطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ جنازة فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس قال نبي الله ﷺ : إنه الآن يسمع خفق نعالهم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر وأصواتهما مثل الرعد فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن كان نبيه فإن كان ممن يعبد الله قال كنت أعبد الله ونبيي محمد ﷺ جاءنا بالبينات والهدى فآمنا واتبعنا فذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ، الآية فيقال له: على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته وإن كان
стр. 9
من أهل الشك قال لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال له على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث ثم يفتح له باب النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئا تنهشه وتؤمر الأرض فتنضم حتى تختلف أضلاعه".
وخرج الإمام أحمد من حديث جابر١ عن النبي ﷺ قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه جاءه ملك شديد الانتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: إنه عبد الله ورسوله فيقول له الملك: أنظر إلى مقعدك من النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من الجنة فيراهما كليهما فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي فيقال له أسكن".
وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أصحابه وأهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل قال: لا أدري أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة أبدلك الله به مقعدك في النار.
قال جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه" ٢.
وأخرج ابن ماجه من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل الميت القبر مثلت الشمس عند غروبها فيجلس يمسح عينيه ويقول دعوني أصلي" ٣.
وخرج الإمام أحمد٤ أيضا من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشغوف ثم يقال له فيم كنت فيقول في الإسلام فيقال ما هذا الرجل الذي كان فيكم فيقول محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات والهدى من عند الله فصدقناه فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له: أنظر إلى ما وقاك الله منه،
стр. 10
ثم يفرج له فرجه قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال هذا مقعدك منها ويقال له على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله وإن كان الرجل السوء أجلس في قبره فزعا مشغوفا فيقال له فيم كنت فيقول لا أدري فيقال له ما هذا الرجل الذي كان فيكم فيقول سمعت الناس يقولون قولا فقلت كما قالوا فيفرج له فرجه إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له أنظر إلى ما صرف الله عنك ثم يفرج له فرجه قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ويقال له هذا مقعدك منها على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يعذب".
وخرج الإمام أحمد أيضا من حديث أبي سعيد الخدري١ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده قال ما تقول في هذا الرجل فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول له صدقت ثم يفتح له بابا إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت بربك فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول له أسكن ويفسح له قبره وإن كان كافرا أو منافقا فيقول له: ما تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذا كفرت به فإن الله أبدلك به هذا ويفتح له باب إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين" فقال بعض القوم: يا رسول الله ما أحد يقوم عليه ملك بيده مطراق إلا هيل عند ذلك فقال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
وخرج أبو بكر في كتاب "السنة" من حديث عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ أنه قال: "كيف أنت يا عمر إذا كنت من الأرض في أربعة أذرع في ذراعين فرأيت منكرا ونكيرا"؟ قلت: يا رسول الله وما منكر ونكير؟ قال: "فتانا القبر يبحثان الأرض بأنيابهما ويطآن في أشعارهما أصواتها كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف ومعهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقدروا على رفعها وهي أيسر من عصاي هذه" قال: قلت يا رسول الله وأنا على حالي هذه قال: "نعم" فقلت: إذا أكفيكهما.
стр. 11
وفي رواية أيضا "فامتحناك فإن التويت ضرباك ضربه صرت رمادا" وفي إسناده ضعف.
وخرجه الإسماعيلي من وجه آخر فيه ضعف أيضا عن عمر عن النبي ﷺ نحوه وزاد فيه: "يأتيان الرجل في صورة قبيحه يطآن على شعورهما ويحفران الأرض بأنيابهما وزاد فيه يقولان له: من ربك فإن كان مسلما يقول: ربي الله وإن كان فاجرا فيقول: لا أدري فيضربانه ضربه لو كان جبلا صار ترابا فيصيح صيحة ما يبقى شيء إلا سمعها إلا الثقلين الجن والإنس فذلك قوله : ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] .
وقد روى حديث عمر هذا من وجوه أخر مرسلة.
وخرج الإمام أحمد وابن حيان في صحيحه١، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ ذكر فتاني القبر فقال عمر: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "نعم كهيئتكم اليوم" فقال عمر: بفيه الحجر".
وخرج أبو داود عن عثمان بن عفان٢ ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل".
وفي حديث يونس عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه ذكر سؤال المؤمن في قبره وإن الملك ينتهره قال وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذكر قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الآية أخرجه الإمام أحمد٣.
وكذا رواه جرير عن الأعمش عن المنهال وفي حديثه: "إن المؤمن يقول ذلك ثلاث مرات ثم ينتهرانه انتهارة شديدة وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن".
стр. 12
ورواه أبو عوانة، عن الأعمش وفي حديثه: "ويأتيه ملكان شديدا الانتهار" وذلك في حق الكافر والمؤمن.
وقد روى عن مجاهد: أن الموتى كانوا يفتنون في قبورهم سبعا فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام.
وعن عبيد بن عمير قال: المؤمن يفتن سبعا والمنافق أربعين صباحا.
وقال الإمام أحمد: أخبرنا يزيد بن هارون عن المسعودي عن العلاء بن الشخير حدثنا بعض حفدة أبي موسى الأشعري أن أبا موسى الأشعري أوصاهم قال إذا حفرتم فأعمقوا قعره أما أني والله لأقول لكم ذلك وأني لأعلم إن كنت من أهل طاعة الله ليفسحن لي في قبري ولينور لي فيه ثم ليفتحن لي باب مساكني في الجنة فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني منها ثم ليأتيني من روحها وريحتها وريحانها ولئن كنت من أهل المنزلة الأخرى ليضيقن علي قبري وليهدمن من على الأرض وليفتحن الله إلي باب مساكني من النار فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني منها ثم ليأتيني من شرها وشرورها ودخانها.
وروى المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره فيقال له من ربك ما دينك من نبيك قال فيثبته الله تعالى فيقول ربي الله ديني الإسلام ونبي محمد ﷺ فيوسع له في قبره ويفرج له فيه ثم قرأ عبد الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن بحير حدثنا بعض أصحابنا قال مات أخ لي فرأيته في النوم فقلت له ما حالك حين وضعت في قبرك قال أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني.
فصل
وقد أطلع الله من شاء من عباده على كثير مما ورد في هذه الأحاديث حتى سمعوه وشاهدوه عيانا ونحن نذكر بعض ما بلغنا من ذلك.
روى شبابه بن سوار حدثنا المغيرة بن مسلم، عن حصين، عن عبد الله بن عبيد
стр. 13
الأنصاري، قال كنت ممن دفن ثابت بن قيس بن شماس وكان أصيب يوم اليمامة فلما أدخلناه القبر سمعناه يقول محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان الرحيم فنظرنا فإذا هو ميت.
خرجه أبو عبد الله بن مجلز عن محمد بن عبد الله الأصم عن شبابة بن سوار ابن محمد وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن خلف البزار عن خالد الطحان عن حصين به ولفظه إن رجلا من قتلى مسيلمة تكلم فقال محمد رسول الله أبو بكر الصديق عثمان اللين الرحيم.
وخرجه ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن طريف قال مات أخي فلما ألحدوه وانصرف الناس وضعت رأسي على قبره فسمعت صوتا ضعيفا أعرف أنه صوت أخي وهو يقول الله فقال له الآخر فما دينك قال الإسلام.
ومن طريق العلاء بن عبد الكريم قال: مات رجل وكان له أخ ضعيف البصر قال أخوه فدفناه فلما انصرف الناس وضعت رأسي على القبر فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول من ربك ومن نبيك فسمعت صوت أخي وهو يقول الله ربي ومحمد ﷺ نبي قال الآخر فما دينك قال الإسلام.
وخرجه في كتاب القبور بلفظ آخر وهو قال فإذا أنا بصوت داخل القبر يقول من ربك ومن نبيك فسمعت أخي وعرفته وعرفت صوته قال الله ربي ومحمد نبيي ثم ارتفع شبه سهم من داخل القبر إلى أذني فاقشعر جلدي وانصرفت.
وقال أبو الحسن بن البراء العبدي في كتاب "الروضة" حدثني الفضل بن سهل الأعرج قال أحمد بن نصر حدثني رجل رفعه إلى الضحاك قال توفي أخ لي فدفن قبل أن ألحق جنازته فأتيت قبره فاستمعت عليه فإذا هو يقول ربي الله والإسلام ديني.
وروينا من طريق مزداد بن جميل قال قال أبو المغيرة ما رأيت مثل المعافري بن عمران بعدما دفن فسمعته وهو يلقن في قبره وهو يقول لا إله إلا الله فيقول المعافى: لا إله إلا الله.
وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" من حديث مرثد بن حوشب قال كنت جالسا عند يوسف بن عمرو وإلى جانبه رجل كأن شق وجهه صفحة من حديد، فقال
стр. 14
له يوسف حدث مرثدا بما رأيت قال كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش فلما وقع الطاعون قلت أخرج إلى ثغر من هذه الثغور ثم رأيت أن أحفر القبور فإذا بي لليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت قبرا وأنا متكئ على تراب قبر آخر إذا أقبل بجنازة رجل حتى دفن في ذلك القبر وسوينا عليه التراب فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ثم أثاراه ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره قال فجئت فجلست على شفير القبر وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء قال فضرب بيده إلى حقوه فسمعته يقول ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصرين تسحبهما كبرا تمشي الخيلاء فقال أضعف من ذلك فضربه ضربه امتلأ القبر حتى فاض ماء أو دهنا قال ثم عاد فعاد عليه مثل القول الأول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول له ويذكر أن القبر يفيض ماء أو دهنا قال رفع رأسه فنظر إلى فقال أنظر أين هو جالس أبلسه الله قال ثم ضرب جانب وجهي فسقطت فمكثت ليلتي حتى أصبحت قال ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله وأذكر جلوسي وذكر نحو هذا أو شبهه وكذلك شواهد اتساع اللحد وانفراجه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المختصرين" بإسناده عن أبي غالب صاحب أبي أمامة أن فتى بالشام حضره الموت فقال لعمه أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي قال إذا والله تدخلك الجنة فقال والله لله أرحم بي من والدتي فقبض الفتى فجزع عليه عبد الملك بن مروان قال فدخلت القبر مع عمه فخطوا له خطا فلم يلحدوه قال فقلنا باللبن فسويناه عليه فسقطت لبنة فوثب عمه فتأخر قلت ما شأنك قال ملئ قبره نورا وفسح له مد بصره.
وبإسناده عن محمد بن أبان عن حميد قال كان لي ابن أخت فذكر شبها بهذه الحكاية إلا أنه قال فاطلعت في اللحد فإذا هو مد بصري قلت لصاحبي رأيت ما رأيت قال نعم فليهنك ذلك قال فظننت أنه بالكلمة التي قالها.
وروى في كتاب "ذكر الموت" بإسناده عن أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ قال كان شيخ من بني الحضرمي بالبصرة وكان شيخا صالحا وكان له ابن أخ يصحب الفتيان الفساق فكان يعظه فمات الفتى فلما أنزله عمه في قبره فسوى عليه اللبن شك في بعض أمره فنزع بعض اللبن فنظر فإذا قبره أوسع من جبانة البصرة وإذا هو في وسط منها فرد عليه اللبن وسأل امرأته عن عمله فقالت كان إذا سمع المؤذن
стр. 15
يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ يقول: وأنا أشهدت به وأكفيها من تولى عنها.
وقال أبو الحسن بن البراء حدثني عبد الرحمن بن أحمد الجعفي حدثني علي بن محمد حدثنا يزيد بن نوح النخعي قرابة لشريك بن عبد الله قال صليت في الكوفة على ميت ثم دخلت فبره حتى أصلحت عليه اللبن فبينا أنا أصلح عليه اللبن وقعت لبنة في القبر فإذا أنا بالكعبة والطواف قد مثلا لي في القبر فسويت عليه اللبن وصعدت.
قال ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت": حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا كثير بن يحيى بن كثير البصري حدثنا أبي حدثنا أبو مسعود الجويري حدثني شيخ في مسجد الأشياخ قال كان يحدثنا عن أبي هريرة قال بينا نحن حول مريض لنا إذ هدأ وسكن حتى ما يتحرك منه عرق فسجيناه وأغمضناه وأرسلنا إلى ثيابه وسدره وسريره فلما ذهبنا لنحمله لنغسله تحرك فقلنا سبحان الله سبحان الله ما كنا نراك إلا قد مت!
قال: فإني قد مت وذهب بي إلى قبري فإذا إنسان حسن الوجه طيب الريح قد وضعني في لحدي فطواه بالقراطيس إذ جاءت إنسانه سوداء منتنة الريح فقالت هذا صاحب كذا وكذا أشياء والله استحي منها كأنما اقلعت عنها ساعتي تيك.
قلت: أنشدتك الله أترد عني هذه.
قالت: انطلق نخاصمك.
فانطلقت إلى دار فيحاء وسعة فيها كأنها فضة وفي ناحية منها مسجد ورجل قائم يصلي فقرأ سورة النحل فتردد في مكان منها ففتحت عليه فانفتل فقال السورة معك؟
قلت: نعم
قال: إما إنها سورة النعم، ورفع وسادة قريبة منه فأخرج منها صحيفة فنظر فيها فبدرته السوداء: فقالت: فعل كذا وفعل كذا.
стр. 16
قال: وجعل الحسن الوجه يقول وفعل كذا وفعل كذا وفعل كذا يذكر محاسني فقال الرجل عبد ظالم لنفسه ولكن الله تجاوز عنه لم يجئ أجل هذا بعد أجل هذا يوم الإثنين.
قال: فقال لهم انظروا فإن أنا مت يوم الإثنين فأرجو لي ما رأيت وإن لم أمت يوم الإثنين فإنما هو هذيان الوجع.
قال: فلما كان يوم الإثنين صح حتى بعد العصر ثم أتاه أجله فمات.
وفي الحديث: فلما خرجنا من عند الرجل قلت للرجل الحسن الوجه الطيب الريح ما أنت قال أنا عملك الصالح قلت فما الإنسانة السوداء المنتنة الريح قال وذلك عملك الخبيث أو كلام يشبه هذا.
وفي كتاب ابن أبي الدنيا خرج لأبي القاسم إسحاق بن إبراهيم بن سنين الختلي قال سمعت عبد الله بن محمد العنسي يقول حدثه عمرو بن مسلم عن رجل حفار للقبور قال حفرت قبرين وكنت في الثالث فاشتد علي الحر فألقيت كسائي على ما حفرت واستظليت فيه فبينا أنا كذلك إذا رأيت شخصين على فرسين أشهبين فوقفا على القبر الأول فقال أحدهما لصاحبه أكتب قال ما أكتب قال فرسخ في فرسخ ثم تحولا إلى الآخر فقال أكتب قال وما أكتب قال مد البصر ثم تحولا إلى الآخر الذي أنا فيه فقال أكتب قال وما أكتب قال فتر في فتر.
فقعدت أنظر الجنائز فجيء برجل معه نفر يسير فوقفوا على القبر قلت ما هذا الرجل قالوا إنسان قراب يعني سقاء ذو عيال ولم يكن له شيء فجمعنا له فقلت ردوا الدراهم على عياله ودفنته معهم ثم أتي بجنازة ليس معها إلا من يحملها فسألوه عن القبر الذي قال مد البصر قلت من ذا الرجل فقالوا إنسان غريب ما ت على مزبلة لم يكن معه شيء قال فلم آخذ منهم شيئا فصليت معهم وقعدت أنتظر الثالث فلم أزل أنتظر إلى العشاء فأتي بجنازة امرأة لبعض القواد فسألتهم الثمن فضربوا برأسي ودفنوها فيه.
стр. 17
الباب الثاني: في كلام القبر عند نزوله إليه
خرج الترمذي من حديث عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية، عن أبي سعيد قال دخل رسول الله ﷺ مصلاه فرأى أناسا كأنهم يكتشرون أو يضحكون فقال: أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لأشغلكم عما أرى: الموت فأكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يأت يوم على القبر إلا يتكلم فيه فيقول أنا بيت الغربة أنا بيت الوحدة أنا بيت التراب أنا بيت الدود فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر مرحبا وأهلا أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك فيتسع له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة وإذا دفن العبد الكافر أو الفاجر قال القبر لا أهلا ولا مرحبا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك".
قال: " فيلتئم عليه القبر حتى تلتقي وتختلف أضلاعه".
وقال رسول الله ﷺ بأصابعه، وأدخلها بعضها في جوف بعض.
قال: " ويقيض له سبعين تنينا لو أن واحدا منهم نفخ على الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه حتى يفضي به إلى الحساب".
قال: قال رسول الله ﷺ : "القبر إما روضه من رياض الجنة أو حفره من حفر النار" وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه١.
قلت الوصافي شيخ كوفي صالح أشغلته العبادة عن حفظ الحديث حتى وقعت المنكرات في حديثه وفي آخر حديثه هذا رويت عن أبي سعيد من وجه آخر موقوفة ومرفوعة وسنذكر فيما بعد إن شاء تعالى وباقي حديثه لا يعرف عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ولكن روي معناه من وجوه أخر.
стр. 18
روى بقية بن الوليد عن أبي بكير بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي عن عبد الرحمن بن عائد عن أبي الحجاج الثمالي قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم من غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود ما غرك بي إذا كنت تمر بي فدادا.
قال: فإن كان مصلحا أجاب عنه مجيب القبر فيقول أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال فيقول القبر إني إذا أعود عليه خضرا ويعود جسده نورا وتصعد روحه إلى الله تعالى١. خرجه ابن أبي الدنيا وأبو أحمد والحاكم في كتاب الكنى قال أبو الحجاج الثمالي واسمه عبد الله بن عبيد ويقال عبد الله بن عبد له صحبه.
وقد روى هذا الكلام معاوية بن صالح أخبرني مخبر عن عمرو بن عائد الأزدي عن غضيف بن الحارث الكندي سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إن العبد إذا وضع في قبره فذكره بنحوه خرجه أبو الحسن بن البراء عن علي بن المديني عن زيد بن الحباب عن معاوية وكذا رواه يحيى بن جابر الطائي عن ابن عائد الأزدي وهذا الموقف أصح.
وروى محمد بن أيوب الرملي عن أبيه عن الأوزاعي عن ابن المنكدر عن جابر رفعه قال إن للقبر لسانا ينطق به يقول يا ابن آدم كيف نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحشة وبيت الغربة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله أيوب بن سويد فيه ضعف وابنه محمد متروك.
قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه الحنبلي في كتاب الشافي في الفقه حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الشيرازي حدثنا محمد بن حماده قال قرئ على عبد الرزاق وأنا حاضر عن الثوري عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فوجد القبر لم يلحد فجلس وجلسنا حوله فقال رسول الله ﷺ "إذا وضع الميت في قبره ثم
стр. 19
سوي عليه كلمته الأرض فتقول أما علمت أني بيت الوحشة والغربة والدود فماذا أعددت لي؟ " غريب جدا وحديث البراء بن عازب معروف وقد سبق بعضه ولا نعرف هذا اللفظ فيه من غير هذا الوجه والشيرازي غير معروف.
وخرج ابن منده من طريق عروة بن مروان الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن حفيص عن مجاهد عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ فذكر الحديث بطوله وفيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وضع الميت في لحده تقول له الأرض إن كنت لحبيبا وأنت على ظهري فكيف إذا صرت اليوم إلي سأريك ما أصنع بك فيفسح له في قبره مد البصر".
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق داود بن فائد قال صعدت مع عبد الله بن عبيد بن عمير في جنازة فقال بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت يقعد وهو يسمع خطى مشيعيه فلا يكلمه شيء إلا قبره فيقول ويحك أي بني آدم أليس قد حذرتني وحذرت ضيقي وهولي ودودي فما أعددت لي؟ " ١.
ومن طريق عبد أبي بكر المكي حدثني عبيد بن عمير قال ليس من ميت يموت إلا نادته حفرته التي يدفن فيها أنا بيت الظلمة والوحدة والإنفراد فإن كنت في حياتك مطيعا كنت اليوم عليك رحمة وان كنت لربك عاصيا فأنا اليوم عليك نقمة أنا البيت الذي من دخلني مطيعا خرج مسرورا ومن دخلني عاصيا خرج مني مثبورا.
وروى هناد بن السري عن حسين الجعفي عن مالك بن مغول عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال يجعل الله للقبر لسانا ينطق به فيقول ابن آدم كيف نسيتني أما علمت أني بيت الأكلة وبيت الدود وبيت الوحدة وبيت الوحشة؟.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عمر بن ذر قال إذا دخل الميت حفرته نادته الأرض أمطيع أم عاص فإن كان صالحا ناداها مناديه ناحية القبر عودي عليه خضراء كوني عليه رحمة فنعم العبد كان الله ونعم المورد إليك قال فتقول
стр. 20
الأرض: الآن استحق الكرامة.
وبإسناده عن محمد بن السماك الواعظ قال بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره فعذب أو أصابه بعض ما يكره ناداه جيرانه من الموتى أيها المخلف في الدنيا بعد إخوانه وجيرانه أما كان لك فينا معتبرا أما كان لك في تقدمك إيانا فكرة؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا في المهلة؟ فهلا استدركت ما فات إخوانك؟.
قال: فتناديه بقاع القبر أيها المغتر بظاهر الدنيا هلا اعتبرت بمن غيب عنك من أهلك في بطن الأرض غرته الدنيا قبلك ثم سبق له أجله إلى القبور وأنت تراه محمولا تهادى به أحبته إلى المنزل الذي لا بد منه.
стр. 21
الباب الثالث: في اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه
خرج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن: "فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم عليهم فيسألونه ما فعل فلان فيقولون دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا فإذا قال أتاكم قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية" ١.
روى معاوية بن يحيى وفيه ضعف عن عبد الرحمن بن سلامة أن أبا رهم السمعي حدثه أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا فيقولون أنظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد فيسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة وهل تزوجت فإذا سألوه عن رجل مات قبله قال مات قبلي قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية" خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.
وخرجه ابن المبارك، عن ثور بن يزيد عن أبي رهم عن أبي أيوب الأنصاري موقوفا وكذا رواه محمد بن سميع عن ثور ورواه سلام الطويل وهو ضعيف جدا عن خالد بن معدان ورواية ابن المبارك أصح.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن جعفر عن سعيد هو ابن جبير قال: "إذا مات الميت استقبله أهله كما يستقبل الغائب".
وبإسناده عن صالح المري قال بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أي الجسدين كنت في طيب أم خبيث قال ثم بكى حتى غلبه البكاء.
وبإسناده عن ثابت البناني قال بلغنا أن الميت إذا مات احتوشته أهله وأقاربه الذين
стр. 22
تقدموا من الموتى قال ولهو أفرح بهم وهم أفرح به من المسافر إذا قدم على أهله.
ومن طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال أهل القبور يتوكفون الأخبار فإذا أتاهم الميت قالوا ما فعل فلان فيقول صالح ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم أو ما قدم عليكم فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون سلك به غير سبيلنا.
وعن عبيد بن عمير أيضا قال إذا مات الميت تلقته الأرواح يستخبرونه كما كان يستخير الراكب ما فعل فلان فإذا قال توفي ولم يأتهم قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية.
وعنه قال وإن آيس من لقاء من مات من أهلي لألفاني قد مت كمدا.
وعن السري بن إسماعيل، قال سمعت الشعبي ذكر ابنه فقال رحمه الله تعالى يقال إن كان اللقاء لقريبا ثم حدثنا أن الميت إذا وضع في لحده أتاه أهله وولده فسألوه عمن خلف بعده وكيف فلان وما فعل فلان؟
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له ما فعل فلان ما فعل فلان فإذا قال مات قبلي قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية" ١.
وخرج الالكائي، من طريق مؤمل عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال إذا قبض روح المؤمن عرج به إلى السماء فتلقاه أرواح المؤمنين فيسألونه ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم فيقولون لا والله ولا مر بنا سلك به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق يونس عن الحسن قال إذا حضر المؤمن حضره خمسة ملائكة فيقبضون روحه فيعرجون به إلى السماء الدنيا فتلقاهم أرواح المؤمنين الماضية فيريدون أن يستخبره فتقول الملائكة أرفقوا به فإنه خرج من كرب
стр. 23
عظيم فيسأله الرجل عن أخيه وعن صاحبه فيقول كما عهدت حتى يستخبروه عن الرجل الذي مات قبله فيقول أما أتاكم فيقولون أو قد مات فيقول إي والله فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية.
وروى أبو نعيم بإسناده عن وهب بن منبه قال إذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم.
روى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن منصور بن أبي منصور سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إذا مات المؤمن مر به على المؤمنين وهم أندية فيسألونه عن بعض أصحابهم فإن قال مات قالوا استقبل وإن كان كافرا قالوا هوي به إلى الأرض السافلة فيسألونه عن الرجل فإن قال قد مات قالوا علينا به خرجه ابن أبي الدنيا.
стр. 24
الباب الرابع: في اجتماع أعمال الميت عليه من خير وشر ومدافعتها عنه وكلامها له وما ورد من تحسر الموتى على انقطاع أعمالهم ومن أكرم منهم تبقى إعماله عليه
روى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده إنه ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه.
فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ليس من قبلي مدخل فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة ليس من قبلي مدخل ثم يؤتى عن شماله فيقول الصوم ليس قبل مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات والإحسان إلى الناس ليس قبلي مدخل.
فيقال له: اجلس فيجلس وقد مثلت الشمس للغروب فيقولون له ما تقول في هذا الرجل كان بعث فيكم يعني النبي ﷺ فيقول أشهد أنه رسول الله جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقناه واتبعناه فيقال له صدقت وعلى هذا حييت وعلى هذا مت وعليه تبعث إن شاء الله فيفسح له في قبره مد بصره فذلك قوله سبحانه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] . فيقال: افتحوا له بابا إلى النار فيقال هذا منزلك لو عصيت الله فيزداد غبطه وسرورا ويقال افتحوا له بابا إلى الجنة فيفتح له فيقال هذا منزلك وما أعد الله لك فيزداد غبطة وسرور فيعاد الجسد إلى ما بدئ منه وتجعل روحه نسم طير معلق في شجر الجنة.
وأما الكافر فيؤتى في قبره من قبل رأسه فلا يوجد يعني شيئا فيجلس خائفا مرعوبا فيقال له ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به فلا يهتدي لاسمه فيقال محمد رسول الله ﷺ فيقول سمعت الناس يقولون شيئا فقلت كما قالوا فيقال له صدقت على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله
стр. 25
تعالى ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه: ١٢٣] فيقال افتحوا له بابا إلى الجنة فيفتح له باب إلى الجنة فيقال هذا منزلك وما أعد الله لك لو كنت أطعته فيزداد حسرة وثبورا ثم يقال: افتحوا له بابا إلى النار فيفتح له باب إليها فيقال له هذا منزلك وما أعد الله لك فيزداد حسرة وثبورا" ١.
قال أبو عمر الضرير قلت لحماد بن سلمة كان هذا من أهل القبلة قال نعم قال أبو عمر كأنه شهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قبله كأن يسمع الناس يقولون شيئا فيقول خرجه الطبراني.
وخرجه الخلال في كتاب السنة وزاد فيه بعد قوله: "وقد مثلت الشمس قد دنت للغروب فيقال هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه" ٢ وذكر الحديث.
وخرجه ابن حيان في صحيحه من طريق معتمر عن محمد بن عمرو به ورواه جماعة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفا وقد روي من حديث أبي حازم عن أبي هريرة نحوه أيضا مع الاختلاف في رفعه وقطعه.
وخرجه ابن منده من طريق محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: إذا وضع المؤمن في قبره أتاه شيطان من قبل رأسه فيحول بينه وبينه سجوده ثم يأتيه من قبل يديه فيحول بينه وبينه صومه ثم يأتيه من قبل رجليه فيحول بينه وبينه قيامه عليهما في الصلاة ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقول ربي بلغني منزلي فيقول إن لك إخوة وأخوات لم يلحقوا فنم قرير العين لا تفزع بعدها.
وخرجه أيضا من طريق محمد بن الصامت عن ابن عيينة عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي هريرة يرفعه: "يؤتى الرجل من قبل رأسه في قبره فإذا أتي دفعه تلاوة القرآن فإذا من قبل يديه دفعته الصدقة فإذا أتي من قبل رجليه دفعه مشيه
стр. 26
إلى المساجد" فذكر نحوه.
كذا في هذه الرواية السابقة إن الذي يأتيه في قبره شيطان.
وفي حديث الأعمش عن المنهال عن زاذان قال قلت للبراء أملك هو أم شيطان قال فغضب غضبا شديدا ثم قال كنا نحن أشد هيبة لرسول الله ﷺ أن نسأله أملك هو أم شيطان إنما نحدثكم ما سمعنا.
وخرج الإمام أحمد من حديث محمد بن المنكدر قال كانت أسماء تحدث عن النبي ﷺ قال: "إذا أدخل الإنسان في قبره فإن كان مؤمنا حف به عمله الصيام والصلاة قال فيأتيه الملك من نحو الصلاة فيرده ومن نحو الصيام فيرده فيناديه اجلس فيجلس فيقول ماذا تقول في هذا الرجل يعني النبي ﷺ قال: من؟ قال: محمد قال محمد ﷺ قال فيقال وما يدريك أدركته؟ قال يقول إنه رسول الله ﷺ قال يقول على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث.
قال إن كان فاجرا أو كافرا قال جاءه الملك ليس بينه وبينه شيئ يرده فأجلسه قال يقول اجلس ماذا تقول في هذا الرجل قال أي رجل قال محمد قال يقول والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته قال فيقول له الملك على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث.
قال: ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط بمرزبة جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه" ١.
قلت: قوله ويسلط عليه دابة إلى آخره قد روي من وجه آخر عن ابن المنكدر أنه بلغه ذلك فلعله مدرج في الحديث.
وفي حديث زاذان عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ وقد سبق ذكر بعضه قال في المؤمن: "ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الحسن فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي".
стр. 27
وقال في حق الكافر: "ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك فهذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة" خرجه الإمام أحمد وغيره.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي بكر بن عياش عن المقبري عن عائشة ﵄ قالت إذا خرج سرير المؤمن نادى أنشدكم الله لما أسرعتم بي فإذا أدخل قبره لحقه عمله فتجيء الصلاة فتكون على يمينه ويجيء الصوم فيكون عن يساره ويجيء عمله بالمعروف فيكون عند رجليه فتقول الصلاة: ليس لكم قبل مدخل كان يصلي فيأتون من قبل رأسه فيقول الصوم: إنه كان يصوم ويعطش فلا يجدون موضعا فيأتون رجليه فتخاصم عنه أعماله فلا تجد له مسلكا.
وبإسناد عن ثابت البناني قال إذا وضع الميت في قبره احتوشته إعماله الصالحة وجاء ملك العذاب فتقول له بعض إعماله إليك عنه فلو لم يكن إلا أنا لما وصلت إليه.
وعنه أيضا قال إذا مات العبد الصالح فوضع في قبره أتي بفراش من الجنة وقيل له نم هنيئا لك قرة العين فرضي الله عنك قال ويفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة فينظر إلى حسنها ويجد ريحها وتحتوشه أعماله الصالحة الصيام والصلاة والبر فتقول أنصبناك وأظمأناك وأسهرناك فنحن اليوم بحيث تحب نحن أنساؤك حتى تصير إلى منزلك من الجنة.
وبإسناده عن كعب قال إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة قال وتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة إليكم عنه فقد أطال القيام لله عليهما قال فيأتون من قبل رأسه فيقول الصيام لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه لله تعالى في الدنيا قال فيأتون من قبل جسده فيقول الحج والجهاد إليكم عنه فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه وحج وجاهد لله لا سبيل لكم عليه قال فيأتونه من قبل يديه فتقول الصدقة كفوا عن صاحبي فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه فيقال هنيئا طيبا حيا وميتا،
стр. 28
قال: ويأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشا من الجنة ودثارا من الجنة ويفسح له في قبره مد البصر ويؤتى بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره.
وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله فأنطقها الله تعالى فقالت أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا قال ثم يبكي ويقول طوبى لمن كان أنيسه صالحا طوبى لمن كان أنيسه صالحا والويل لمن كان أنيسه وبالا.
وبإسناده عن يزيد الرقاشي أيضا أنه كان يقول في كلامه أيها المنفرد في حفرته المخلى في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي إخوانك اغتبطت ثم يبكي حتى يبل عمامته ويقول استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط بإخوانه المتعاونين على طاعة الله.
وبإسناده عن الوليد بن عمرو بن الصباح قال بلغني أن أول شيء يجده الميت حوله عند رجليه فيقول ما أنت فيقول أنا عملك.
وقد ورد في شفاعة القرآن لقارئة ودفعه عنه عذاب القبر خصوصا سورت تبارك الذي بيده الملك.
وخرج النسائي في عمل اليوم والليلة بإسناده عن ابن مسعود قال من قرأ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة منعه الله بها من عذاب القبر وكنا في عهد رسول الله ﷺ نسميها المانعة١.
وخرجه خلف في فضائل القرآن ولفظه عن ابن مسعود أنه ذكر تبارك فقال هي المانعة تمنع من عذاب القبر توفي رجل فأتي من قبل رجليه فتقول رجلاه لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ سورة الملك ويؤتى من قبل بطنه فيقول بطنه لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ سورة الملك.
стр. 29
وأخرج أبو عبيد في كتاب "فضائل القرآن" بإسناده عن ابن مسعود قال إن الميت إذا مات أوقدت له نيران حوله فتأكل النار ما يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها وإن رجلا مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فتأتيه من قبل رأسه فقالت إنه كان يقرأ بي فتأتيه من قبل رجليه فقالت إنه يقوم بي فتأتيه من قبل فقالت إنه يقوم بي فتأتيه من قبل جوفه فقالت إنه كان وعائي قال فأنجته.
قال زر فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك،
وروى عبد بن حميد في مسنده عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال إقرأ تبارك الذي بيده الملك احفظها وعلمها أهلك وولدك وصبيان بيتك وجيرانك فإنهما المنجية والمجادلة تجادل وتخاصم عند الله لقارئها وتطلب أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في جوفه وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر.
وروى سوار بن مصعب وهو ضعيف جدا عن أبي إسحاق عن البراء يرفعه: من قرأ ألم السجدة و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ قبل النوم نجا من عذاب القبر ووقي فتاني القبر.
وسنذكر حديث عبادة في نزول القرآن مع الميت في قبره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وروى هشام بن عمار حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن جابر عن أبيه عن عطاء بن يسار قال إذا وضع الميت في لحده فأول شيء يأتيه عمله فيضرب فخذه الشمال فيقول أنا عملك فيقول فأين أهلي وولدي وعشيرتي ما خولني الله تعالى فيقول تركت أهلك وولدك وعشرتك وما خولك الله وراء ظهرك فلم يدخل قبرك معك غيري فيقول يا ليتني آثرتك على أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله تعالى إذا لم يدخل معي غيرك.
قال أحمد بن أبي الحواري حدثنا يحيى بن مليح عن أبي نجيح مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] ، قال في القبر.
قال أحمد: فحدثت به يحيى بن معين قال طوبى لمن كان له عمل صالح يكون وطأه في قبره.
стр. 30
ويشهد لهذا كله ما في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" ١.
وخرجه البزار والطبراني بسياق مطول من حديث أنس أيضا عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد إلا له ثلاثة أخلاء فأما خليل فيقول له ما أنفقت فلك وما أمسكت فليس لك فذلك ماله وأما خليله فيقول أنا معك فإذا أتيت باب الملك رجعت وتركتك فذلك أهله وحشمه وأما خليل فيقول أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت فذلك عمله فيقول إن كنت لأهون الثلاثة علي". وخرج البزار والحاكم من حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ معناه وقد اختلف في رفعه ووقفه.
وفي روى هذا من حديث عائشة عن النبي ﷺ بسياق مبسوط وأن عبد الله بن كرز قال في هذا المعنى شعرا وأنشده للنبي ﷺ ولكن إسناده ضعيف جدا.
وخرج البزار هذا المعنى أيضا من حديث أبي هريرة وسمرة بن جندب عن النبي ﷺ وخرجه الطبراني أيضا من حديث سمرة أيضا.
وروى إبراهيم بن بشار عن إبراهيم بن أدهم أنه كان ينشد شعرا:
ما أحد أكرم من مفرد ... أعماله في قبره تؤنسه
منعم الجسم وفي روضة ... زينها الله فهي مجلسه
وأما العارفون بالله المحبون له المنقطعون إليه في الدنيا والمستأنسون به دون خلقه فإن الله بكرمه وفضله لا يخذلهم في قبورهم بل يتولاهم ويؤنس وحشتهم فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
وقد جاء في بعض ألفاظ حديث يوم المزيد أنهم يقولون لربهم في ذلك اليوم أنت الذي أنست منا الوحشة في القبور.
وكتب محمد بن يوسف الإصبهاني العابد إلى أخيه إني محذرك متحولك من دار
стр. 31
مملكتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك وينتهرانك فإن يكن الله معك فلا بأس عليك ولا وحشه ولا فاقة وإن لم يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع وضيق مضجع.
ورئي ابن أبي عاصم في المنام فسئل عن حاله فقال يؤنسني الله وأما من كان في الدنيا مشغولا عن الله وكان يخاف غيره فإنه يعذل في القبر بذلك.
قال أحمد بن أبي الحواري حدثنا إبراهيم بن الفضل عن إبراهيم أبي المليح الرقي قال إذا أدخل ابن آدم قبره لم يبق شيء كان يخافه في الدنيا دون الله إلا تمثل له يفزعه في لحده لأنه في الدنيا يخافه دون الله تعالى.
وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا يوم نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] "١.
стр. 32
فصل: النهي عن تمني الموت والإجتهاد في الطاعة قبل مجيئة
خرج مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من علم نافع أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له" ١.
ومن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" ٢.
وروى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة أن ابن أخي عابس الغفاري قال له قد قال رسول الله ﷺ : " لا تمنوا الموت فإنه يقطع العمل ولا يرد الرجل فيستعتب" ٣.
وخرج الترمذي من حديث يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة عن، النبي ﷺ قال: "ما من أحد يموت إلا ندم قالوا وما ندامته يا رسول الله قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون إزداد وإن كان مسيئا ندم أن يكون نزع" ٤ يحيى هذا ضعفوه.
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هشام الرفاعي حدثنا حفص بن غياث عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال مر النبي ﷺ بقبر دفن حديثا فقال: "لركعتان خفيفتان مما تحقرون أو تنفلون يراهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم". غريب جدا.
стр. 33
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس أنه كان يمر على المقابر بدمشق بتهجير يوم الجمعة فسمع قائلا يقول هذا يونس بن حلبس قد هجر يحجون ويستمرون كل شهر ويصلون كل يوم خمس مرات أنتم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم قال فالتفت يونس فسلم يردون قالوا سمعنا كلامك وكلها حسنة وقد حيل بيننا وبين الحسنات والسيئات.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أن رجلا خرج في جنازة فانتهى إلى قبر قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه فربما سمعت أبا عثمان يقول فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر إليك ولا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون وإنا قوم نعلم ولا نعمل لأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا.
وبإسناده عن أبي قلابة قال أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت وصليت وكعتين بالليل ثم وضعت رأسي على قبر فتمت ثم انتهيت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول لقد آذيتني منذ الليلة ثم قال إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل إن الركعتين اللتين ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال جزى الله أهل الدنيا خيرا أقرئهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبال.
وبإسناده عن زيد بن وهب قال حدثني رجل قال رأيت أخا في فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال قلتها لئن أقدر أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال ألم تر حيث يدفنون فلانا فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر أن أصليها أحب إلأي من الدنيا وما فيها.
وبإسناده عن مطرف بن عبد الله الحرشي قال شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريبا فصليت ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما قلت قد كان ذلك قال تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها.
стр. 34
وبإسناده عن مفضل بن يونس قال كان ربيع بن راشد يخرج إلى الجبان فيقيم سائر نهاره ثم يرجع مكتئبا ثم يرجع فيقول أهله أين كنت فيقول كنت في المقابر نظرت إلى قوم منعوا ما نحن فيه ثم يبكي.
وبإسناده عن الحسن قال دخلت أنا وصفوان المقابر فقنع رأسه ثم لم يزل يذكر الله تعالى حتى خرجنا من المقابر فقلت له في ذلك فقال إني قد ذكرتهم وما حضر عليهم من ذلك ونحن في المهلة فأحببت أن أقدم لذلك شيئا من عمل قال الحسن أحب والله أن يكون لي في كل خير نصيب.
وبإسناده عن الفضل الرقاشي أنه كان يقول في كلامه إذا ذكر أهل القبور لا لها من وجوه حيل بينها وبين السجود لله لو يجدون إلى العمل مخلصا بعد المعرفة بحسن الثواب لكانوا إلى ذلك سراعا ثم يبكي ويقول يا إخوتاه فأنتم اليوم قد خلي بينكم وبين ما عليه ترجون إليه فكاك رقابكم ألا فبادروا الموت وانقطاع أعمالكم فإن أحدكم لا يدري متى يحترمه ليلا أو نهارا.
وبإسناده عن صفوان بن سليم أنه كان في جنازة في نفر من العباد فلما صلي عليها قال صفوان أما هذا قد انقطعت عنه أعماله واحتاج إلى دعاء من خلف بعده فأبكى القوم جميعا.
وقال أبو وهب محمد بن مزاحم قال قام رجل إلى ابن المبارك في جنازة فسأله عن شيء فقال له يا هذا سبح فإن صاحب السرير منع التسبيح.
"و" كان عمرو بن عيينة يخرج بالليل إلى المقابر ويقول يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأعمال ثم يصلي حتى يصبح ثم يرجع إلى أهله.
ورئي بعض الموتى في المنام فقال ما عندكم أكثر من الغفلة وما عندنا أكثر من الحسرة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن يزيد بن نعامة قال هلكت جارية في الطاعون فلقيها أبوها بعد موتها في المنام فقال لها يا بنية أخبرني عن الآخرة فقالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة في عملي أحب إلي من الدنيا وما فيها.
стр. 35
ومر بعض السلف بالمقابر فقال أصبح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون، وكان داود الطائي مع جنازة فقال في كلامه أعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور إنما يفرحون بما يقدمون ويندمون على ما يخلفون فما عليه أهل القبور ندموا عليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه تنافسون وعليه عند القضاة يتخاصمون.
стр. 36
فصل
بعض أهل البرزخ يكرمه الله بأعماله الصالحة عليه في البرزخ وإن لم يحصل له ثواب تلك الأعمال لانقطاع عمله بالموت لكن إنما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر الله وطاعته كم يتنعم بذلك الملائكة وأهل الجنة في الجنة وإن لم يكن لهم ثواب على ذلك لأن نفس الذكر والطاعة نعيما عند أهلها من نعيم جميع أهل الدنيا ولذاتها فما تنهم المتنعمون بمثل ذكر الله وطاعته.
وخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتي النبي ﷺ فقال يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك تبارك حتى ختمها فقال رسول الله ﷺ : "هي المانعة"، هي المنجية: تنجيه من عذاب القبر١.
خرج أبو عبد الله بن مندة بإسناده ضعيف من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فآويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها فجئت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: " ذلك عبد الله ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت وعلقها وسط الجنة فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم إلى مكانها التي كانت".
روى أبو نعيم بإسناده عن محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني إبراهيم بن الصمة المهلبي قال حدثني الذين كانوا يمرون بالحصن بالأسحار قالوا كنا إذا مررنا بجنبات ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن.
وبإسناده عن يسار بن حبيش عن أبيه قال أنا والذي لا إله إلا هو أدخلت ثابت البناني في لحده ومعي حميد ورجل غيره فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنه، فإذا به
стр. 37
يصلي في قبره فقلت للذي معي ألا تراه قال اسكت فلما سوينا عليه وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها ما كان عمل ثابت قال وما رأيتم فأخبرناها فقالت كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السحر قال في دعائه اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره فأعطينها فما كان الله ليرد ذلك الدعاء.
وقال أبو بكر الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن بشر حدثنا سليمة بن شبيب حدثنا حماد الحفار قال دخلت المقابر يوم الجمعة فما انتهيت إلى قبر إلا سمعت فيه قراءة القرآن.
وروى أبو الحسن في كتاب "الروضة" عن عبد الله به محمد عن منصور حدثني إبراهيم الحفار قال حفرت قبرا فبدت لبنة فشممت رائحة المسك حين انفتحت اللبنة فإذا شيخ جالس في قبره يقرأ القرآن.
وروى هبة الله الطبري اللالكائي الحافظ في كتاب "شرح السنة" بإسناده عن يحيى بن معين قال قال لي حفار مقابر أعجب ما رأيت من هذا المقابر أني سمعت في قبر أنينا كأنين المريض وسمعت من قبره المؤذن وهو يجيبه من القبر.
وروى الحافظ أبو بكر الخطيب بإسناده عن عيسى بن محمد الطوماري قال رأيت أبا بكر بن مجاهد المقرئ في النوم كأنه يقرأ وكأني أقول مت وتقرأ فكأنه يقول لي كنت أدعو الله في دبر كل صلاة وعند ختم القرآن أن يجعلني ممن يقرأ في قبره.
وحدثني المحدث أبو الحجاج يوسف السرمدي حدثنا شيخنا أبو الحسن علي بن الحسين السامري خطيب سامرا وكان رجلا صالحا وأراني موضعا من قبور سامرا فقال هذا الموضع لا يزال يسمع منه قراءة سورة تبارك.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت بإسناده فيه نظر عن الحسن أنه سئل عن الرجل يموت ولم يتعلم القرآن يبلغ درجة أهل القرآن فبكى الحسن وقال هيهات هيهات وأني له بذلك ثم قال بلغني أن المؤمن إذا ما ت ولم يأخذ من القرآن أمر حفظته أن يعلموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله،
وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال بلغني أن المؤمن إذا مات وقد بقي عليه شيء من القرآن لم يتعلمه بعث إليه ملائكة يحفظونه ما بقي عليه منه.
стр. 38
قال: وحدثنا صالح بن عبد الله الترمذي حدثنا الضبي بن الأشعث سمعت عطية بن زيد العوفي يقول بلغني أن العبد إذا لقي الله ولم يتعلم كتابه علمه في قبره حتى يثبته الله عليه.
وخرجه أبو القاسم الأزهري في كتاب "فضائل القرآن" من رواية عبد الكريم بن الهيثم حدثنا الحسن بن عبد الله بن حرب حدثنا الضبي بن الأشعث بن سالم حدثني عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن ولم يستظهره أتاه ملك فزجره في قبره فلقي الله وقد استظهره".
وهذا المرفوع لا يصح.
وخرج الخلال في كتاب "السنة" من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان وفيه ضعف عن أبيه عن عكرمة قال قال ابن عباس المؤمن يعطى مصحفا في قبره يقرأ فيه.
وخرجه ابن البراء في "الروضة" من طريق حفص بن عمر العدني وفيه ضعف أيضا عن الحكم بن أبان.
ورئي الحافظ أبو العلى الهمداني في النوم بعد موته وهو في مدينة جدرانها وحيطانها كلها كتب فسئل عن ذلك فقال سألت الله أن يشغلني بالعلم كما كنت أشتغل به فأنا أشتغل بالعلم في قبري أو كما قال.
ورئي الحافظ عبد القادر الرهاوي في النوم بعد موته وهو يسمع الحديث فقال أنا لا أزال أسمع الحديث إلى يوم القيامة أو كما قال.
стр. 39
الباب الخامس: في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيا
قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] قال قتادة في هذه الآية يقال لهم يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخا وصغارا ونقيصة.
وقال ابن سيرين: كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر، فيقول: عرجت ملائكة
стр. 40
وهبطت ملائكة وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعود بالله من النار. وقال شعبة عن يعلى بن عطاء سمعت ميمون بن ميسرة يقول كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار.
ورواه هشيم عن يعلى عن ميمون قال كان لأبي هريرة صيحتان كل يوم أول النهار يقول ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار وإذا كان العشي يقول ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استجار بالله من النار.
ويروى من حديث الليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود قال أرواح آل فرعون في أجواف طير سود فيعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال لهم هذه منازلكم فذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: ٤٦] ورواه غيره عن أبي قيس عن هذيل، من قوله.
لكن خرجه الإسماعيلي واللالكائي من طريق ابن عيينة عن مسروق عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود أيضا.
قال ابن أبي الدنيا. حدثنا حماد بن محمد الفزاري قال بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان عن الساحل فقال يا أبا عمر إنا نرى طيرا سودا تخرج من البحر فإذا كان العشي عاد مثلها بيضا قال وفطنتهم لذلك؟ قالوا: نعم. قال: فتلك طيور في حواصلها أرواح آل فرعون فتلفحها النار فيسود ريشها ثم يلقى ذلك الريش ثم تعود إلى أوكارها "يعرضون على النار" فتلفحها النار فذلك دأبها حتى تقوم الساعة فيقال ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار حتى يبعثه الله يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة" ١.