← Акыда

Акыда · id 10903

الوحي والإنسان - قراءة معرفية

محمد السيد الجليند

Полный текст (232 стр.). Показаны 211–232 · переход к 216.

стр. 211

القلب ويقينه، وهذان العاملان من أهم عوامل تحقيق السعادة للإنسان. ذلك أن النفس الإنسانية تتعدد رغائبها وتتنوع، وتختلف مراداتها وقد تتعارض، فهي لا تشبع أبدا من تحصيل الرغبات وتحقيق المرادات، وكلما حصلت على رغبة تخطّتها إلى غيرها وهكذا؛ لأن هذا من تمام كونها نفسا، حتى إن بعض العلماء عرف النفس بأنها الحركة سواء نطقت نَفْسا أو نَفَسا بالسكون أو بالفتح, وذلك باعتبار أن الحركة من لوازم النفس ومن خصائصها. فإذا ما تسلطت حركة النفس على صاحبها واستخدمته في تحقيق رغباتها التي لا تنتهي فإن حياته تنقلب إلى شقاء أبدي، فيسعى لاهثا في تحصيل مطالبها. وهي التي لا تشبع أبدا، ولكي تستقر حياة الإنسان ويتحقق لنفسه التوازن المطلوب ليشعر بالسعادة، لا بد له من كبح جماح هذه الرغبات, ليس بإماتتها أو محاربتها وقتلها, وإنما بترشيدها وترويض النفس على الاعتدال في مطالبها. وهذا لا يتحقق للمرء إلا بالسيطرة على نفسه وأن يملك زمامها، والمدخل الطبيعي إلى حسن قيادة النفس هو الاعتقاد بما جاء به الوحي، والإيمان به والعمل بمقتضاه, فتكون أوامر الشرع ونواهيه هي الغذاء الروحي والرياضة النفسية التي تضبط حركة النفس وتقوّم المعوج منها، هي الماء العذب الذي يطفئ حرارة الشهوة ويكبح جماحها، هي البرد الذي ينزل بالقلب فيبعث فيه الأمان والاطمئنان والهدوء والسكينة،

стр. 212

وكم لأرباب الرياضات في مثل هذه المواقف من تجارب وأهوال مع النفس وأسرارها، وكم سهروا الليالي في تهذيب رغائبها وترويض جموحها، ولم تصح لهم النفس من عللها ولم تستقم من اعوجاجها إلا بتعاليم الوحي. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ , ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ , ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ . وما زالت الدراسات قاصرة عن اكتشاف خصائص النفس وسبر غورها والوقوف على كل صفاتها الذاتية، وكلام علماء النفس حولها يدور كله حول ما ظهر لهم منها؛ حول مظاهرها السلوكية، حول أحوالها وعاداتها، أمراضها الظاهرة فقط، ولكن هناك مناطق مظلمة في النفس الإنسانية لا تستطيع اكتشافها ولا سبر أغوارها ولا يحسها إلا صاحبها فقط، وقد لا يحسن المرء التعبير عنها ولا إقامة الدليل على وجودها, رغم وجدانه لها وخضوعه لآثارها. ولعل من هنا كان اهتمام القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه المناطق المغلقة أمام العقل البشري في النفس الإنسانية, والتي سماها القرآن آيات وأشار إليها أكثر من مرة. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١] وفي النفس آيات أيضا. وقال أيضا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] . ونلاحظ في الآيتين أن النفس جاءت معطوفة على آيات

стр. 213

الأرض وآيات الآفاق؛ لتفيد معنى التسوية والمعادلة بين الآيات في الجانبين, فكأن آيات النفس تعادل في دقتها وعظمتها آيات الآفاق في كثرتها, وتنوعها كما تعادل آيات الأرض في نفعها وضررها. إن اكتشاف هذه المناطق المظلمة في النفس الإنسانية واستثارة كوامنها لا يتأتى إلا بعطاء الوحي, الذي يعلم خفاياها ويعرف أمراضها ودواءها. إنها العالم الأصغر الذي أقسم به القرآن في مواجهة العالم الأكبر, قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] . إن النفس الإنسانية بحاجة إلى الوحي لكي يأخذ بيدها إلى شاطئ النجاة مستعينة في ذلك بيقين الاعتقاد وسلامة الإرادة ونبل المقصد, وتستمد عونها من الله حتى لا تلعب بها عواصف الأهواء. وقال ﷺ : "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك" وقال بعض الحكماء: "نفسك إذا لم تجبرها على فعل الخير والطاعة جبرتك هي على فعل الشر والمعصية"؛ ولذلك كانت الاستعانة بالله على قهر النفس دعاء نتقرب به إلى الله في فاتحة الكتاب وفي الصلوات: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] . وينبغي أن نعلم أن النفس الإنسانية لا تنتمي في أصلها إلى عالم الشهادة حتى تستطيع أن تتعامل معها بمنطق العلم الحسي،

стр. 214

ولكنها تنتمي إلى عالم الغيب كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] . وقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] . ولما كانت النفس تنتمي إلى هذا العالم الغيبي كانت عللها وأمراضها غائبة عن كثير من ذوي العقول، خاصة أصحاب هذه العقول التي تعودت على المحسوسات ولم تتجاوزها إلى غيرها، وبالتالي فإن علاج هذه الأمراض النفسية قد غاب عنهم في معظم الأحيان؛ وذلك لغيابهم عن فهم حقيقة النفس الإنسانية، ودعك من الذين يعالجون الأعراض المرضية وظواهرها ثم يتوهمون أنهم بذلك قد عالجوا أمراض النفس. لا, إن هناك فارقا كبيرا بين علاج الأعراض وعلاج الأمراض ذاتها, إن النفس الإنسانية أحد مواطن التحدي والإعجاز في الكون كله. ولقد أقسم القرآن بها لأهميتها, ولما فيها من مواطن الإعجاز ودقة الصنعة. والسكينة والاطمئنان من علامات النفس الصحيحة السليمة من الأمراض. وذلك كله لا يتأتى لها إلا بالتعرف على عوامل الاطمئنان والسكينة من هدي الوحي ومن نور النبوة, وتستمد النفس علاجها

стр. 215

لأمراضها من هذا النور الذي هو في حقيقة الأمر شفاء لما في الصدور, كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] . وقال سبحانه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] , ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] . ودائما ما ينبه القرآن الكريم إلى الأخذ بمبدأ الوقاية من المرض قبل نزول العلة بالنفس, فيستحكم الداء ويستعصي الدواء. ومن أهم هذه الوسائل الواقية اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به والإنابة إليه وحسن التوكل عليه, فقد كان من دعائه ﷺ : "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين, ولا أقل من ذلك" كما كان ﷺ يستعيذ بالله من شرور النفس في قوله: "نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" لأن قوة الشهوة وغلبة الهوى لا يعين على التغلب عليها إلا الله، فهو المعين وحده على هوى النفس وقهرها وبذكره وحده تطمئن القلوب وتسكن النفوس، فتعرف النفوس أنه لا ملجأ لها إلا إليه, ولا عون لها إلا به. كما ينبغي أن تعلم أن المجتمع كله في حاجة ضرورية إلى الوحي ليقوده إلى التعرف على غاياته الكبرى ومقاصده السامية التي تتمثل في علاقة الإنسان بخالقه، علاقة المخلوق بالخالق، وهذا أمر

стр. 216

مقصود من الشارع، أن يتعرف الإنسان على أوامر الله ونواهيه ليستطيع أن يحقق بذلك عبوديته لله وحده؛ ليعرف كيف يتخلص من العبودية لغير الله، ليعرف أن كل بني آدم أمام الله سواء، تحقيقا لمعنى العبودية المطلقة للخالق، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ليعرف كيف يتحقق في سلوكه وعلاقاته مع الله, ومع الناس بمعاني التوحيد الخالص لله ربوبية وألوهية، فيستمد عزته من عزة خالقه، وسلطانه من قوة إيمانه بخالقه، فيتضاءل أمامه كل سلطان, وعلى قدر اعتصامه بهذه المعاني فإن الله يخلق هيبته في قلوب الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس وعلى قدر خشيته لله يخشاه الناس، وهذا هو حبل الله المتين الذي قصد الشارع الاعتصام به والالتفاف حوله, فتتّحد الأهواء وتتوحد المقاصد والغايات، ويكون هوى الناس تبعا لما جاء به الرسول، وهذا التوحد يعود نفعه على المجتمع بالدرجة الأولى حتى وإن بدا في ظاهره أنه من العبادات الدينية، فإنه ينعكس على سلوك الأفراد سكينة في النفس وأمانا في القلب ومودة وتراحما بين الناس.

стр. 217

الوحي حاجة عقلية: لا ريب أن العقل قد وقف على كثير من المعارف المتعلقة بعالم الشهادة وكشف العلم عن كثير من أسرار هذا الكون وقوانينه, وأصبح عالم الشهادة أمام العقل أشبه بالصفحة المقروءة التي يتعامل معها العقل فيفهم منها على قدر استطاعته, ولكي يتكامل الموقف المعرفي أمام العقل فإن ذلك لا يتم له إلا إذا عرف العقل الإجابة اليقينية عن الأسئلة المطروحة عليه منذ الأزل, وهي كلها متعلقة بهذا الكون بدءا ونهاية: من أين, وإلى أين, ولماذا. وهذه المعرفة اليقينية لا سبيل للعلم إليها لأنها ليست داخلة في اختصاص العلم التجريبي كما أنه لا يملك الإجابة عليها وقد جرب العقل الإجابات المطروحة حول هذه الأسئلة خلال موقف المدارس الفلسفية المختلفة فلم يجد فيها أمنا ولا يقينا بل زادته حيرة وشكوكا، فمن قائل بالعبثية المطلقة في تفسيره للوجود بعامة. ومن قائل بالصدفة. ومن قائل بالطبيعة والدهر. وكلها إجابات لم تشف للعقل علة ولم ترو للسائل غلة.

стр. 218

فكلها تنفي الغاية والحكمة من وجود هذا العالم, ولا ترى فيه إلا العبثية المطلقة كما قال الشاعر الجاهلي قديما: رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ... ومن تخطئ يعمر فيهرم وقالوا: ما هي إلا أرحام تدفع، وقبور تبلع وما يهلكنا إلا الدهر. وكما عبر القرآن الكريم عن موقفهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] . ولقد ترتب على هذا الموقف الرافض للغاية والحكمة الإلهية من الوجود والقائل بالعبثية أن فتش هؤلاء فيما تحت أيديهم من أقوال فلم يجدوا للوجود معنى ولا للحياة قيمة، وانعكس هذا التفسير على سلوكهم رفضا للحياة بأكملها، وهربا من الوجود الذي لا معنى له، فكان الانتحار هو المخلص لهم من هذا الوجود العبثي. والعقل السليم يرفض هذا التفسير ويأباه، وليس ذلك من باب المصادرة على آراء الآخرين, وليس من باب وضع العربة أمام الحصان كما يسميها البعض، ولكن القضية أمامنا أشبه بالكتاب المفتوح، فمن أراد أن يقرأ بعقل واعٍ خالٍ من الشبهات فعليه أن يطالع صفحة الكون، وأن يتأمل في كل جزئية منه بدءا من نفسه هو ومن جسمه هو، ومن حبة القمح التي يزرعها ويأكلها، فإنه يجد لا محالة أن كل شيء في الكون موظف لأداء غاية مطلوبة ولحكمة

стр. 219

مقصودة للخالق سبحانه، وكل فرد من أفراد العالم يتناغم مع غيره في تناسق عجيب لأداء وظيفة كلية للكون بأسره، فالجماد بعناصره الأساسية موظف لخدمة النبات. والنبات بما يحتويه من مواد غذائية موظف لخدمة الحيوان. والحيوان موظف لخدمة الإنسان. وكل فرد من أفراد هذه العوالم المتنوعة, تجد كل جزئية فيه تتكامل مع غيرها لأداء وظيفته الخاصة به بحيث تجد أفراد العالم كلها تتعاون فيما بينها, وتتكامل لأداء وظيفة مقصودة وتحقيق غاية مطلوبة. وهذا التكامل ليس قاصرا على ما نشاهده في عالمنا الأرضي فقط، وإنما هو أشد ما يكون ظهورا في عالم الأفلاك، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ومن أراد شيئا من المعرفة بعلم الفلك وما يطالعنا به من آيات باهرة في دقة النظام الكوني, فليراجع ما اكتشفه العلماء من ذلك مما يبهر العقول١. علم ذلك من علمه وجهله من جهله والأمثلة الدالة على

стр. 220

ذلك تخرج عن الحصر: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الخالق فإن عين الإنسان لا تقع على شيء فيما حوله إلا هو ناطق بما لله فيه من حكمة مرعية وغاية مقصودة. ولقد عبر القدماء من مفكري الإسلام عن هذا الأمر الأهم في عبارات واضحة وأدلة برهانية، فلقد أشار إلى ذلك أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: وجعل جسم الإنسان نفسه آية دالة على ما لله من قصد وغاية في خلق أعضائه على هذا النحو الذي تتعاون فيه وتتكامل لأداء وظيفة الإنسان، فخلق العين في مقدمة الرأس وليس في المؤخرة، وخلق السمع والشم والذوق التي هي وسائل الإدراك على هذا النحو التكاملي, مما يدل على أن هناك فاعلا حكيما وأن له غاية وقصدا فيما خلق، مما ينفي القول بالعبث أو المصادفة، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١] . ولقد أشار ابن رشد إلى هذا المعنى وسماه دليل العناية, واستدل على ذلك بآيات الذكر الحكيم. ولا شك أن العناية بالمخلوق تتضمن القصد والحكمة للخالق مما ينتفي معه القول بالعبثية: إن العقل لم يجد في مذاهب الفلاسفة برد اليقين الذي أشار إليه أبو حامد الغزالي, بل زادته آراؤهم حيرة واضطرابا، هذا من جانب الفلسفة والفلاسفة.

стр. 221

أما في جانب العلم واكتشافات العلماء فلا شك أن الإنسان تتملكه الدهشة ويستولي عليه العجب لما قطعه العلم من أشواط ومسافات كبيرة في اكتشاف مجاهل هذا الكون. فكم من قوانين كونية اكتشفها العلماء, وكم من الظواهر الطبيعية أدرك العلماء أسبابها والعلاقات المتبادلة بينها وبين أسبابها. فعرفوا كيف يوظفون الكون ويسخرون هذه القوانين لصالح البشرية أحيانا، ولدمارها أحيانا أخرى، ولا شك أن ذلك كله في ميزان العلم والعلماء، وكلما ازداد العلماء اكتشافا لغوامض الكون ودقائقه يزداد علمهم بمدى الجهل والغموض الذي يحيط بهم في هذا الكون. ولا شك أن كل كشف علمي جديد يعتبر إضافة لرصيد المعرفة الإنسانية بالكون, وفي نفس الوقت يعتبر كشفا عما كان يجهله العقل. وهكذا تتوالى الكشوف العلمية التي تحمل معها مدى المساحة الشاسعة التي يجهلها العقل, ويعرف منها كل جديد. ومع كثرة هذه الكشوف وأهميتها بالنسبة لحياة الإنسان إلا أنها في مجموعها تتعلق بظواهر الكون وتفسير علاقات أفراده، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] . ومع كثرة هذه الكشوف إلا أنها لم تفسر لنا لغز الحياة ولا سر الوجود, وهذا ضلع المثلث الذي لا يكتمل الموقف المعرفي للعقل إلا به, والكشف عنه والاعتقاد فيه. إن العلم مع كثرة كشوفه لم يحمل لنا إجابة شافية للعقل من حيرته حول هذه الأسئلة:

стр. 222

من أين, إلى أين, لماذا؟ والذين اكتفوا بالموقف الفلسفي المادي في تفسيرهم للوجود ورفضوا الإصغاء لصوت الوحي لم يجدوا ما لهم بديلا عنه إلا القول بالعبثية. ودخلوا بذلك في نفق الإلحاد المظلم الذي كانت نهايته إما الانتحار وإما الارتماء في أودية الحيرة والضلال، وهم بذلك لم ينصروا حقا ولم ينصفوا عقلا. إن سر الوجود لم يكشف عنه العلم لأن ذلك ليس من وظيفة العلم ولا من مهمة العلماء؛ لأن مهمة العلم هي الكشف عن القوانين التي تحكم علاقة الظواهر الطبيعية, وكيف يفيد الإنسان منها، وكيف يسخرها لصالحه. إن مهمة العلم وصف الظواهر بحيث يبين لنا ما هي, وكيف حدثت الظاهرة, وإنه يبين لنا الإجابة عن السؤال: ما هذا؟ ولكن ليس لدى العلم إجابة عن السؤال لماذا.... لماذا كان هذا الوجود أصلا؟ ولماذا كان هذا الوجود على هذه الكيفية دون غيرها؟ إن العلم يضع أمام الإنسان مشاهدات للوقائع التي يتعامل معها في كشوفه العلمية، ولكنه لا يحمل الغاية منها، فالإنسان يأكل الطعام, ويعرف الطبيب كيف يتحول الطعام في جسم الإنسان إلى طاقة عن طريق الهضم والتمثيل الغذائي خلال الجهاز الهضمي ودوره المعروف للأطباء في هذه العملية، ولكن لا يعرف الطبيب لماذا تتحول هذه الطاقة في العين إلى قوة باصرة، ولا يعرف لماذا تتحول هذه الطاقة في الأذن إلى قوة سامعة، ولا لماذا تتحول هذه الطاقة في اليد إلى قوة باطشة،

стр. 223

ولا لماذا تتحول في الإنسان إلى قوة مدركة عاقلة، ولم يتساءل عنها الطبيب لأنها أصلا ليست من مهمة العلم، ولو سألت طبيبا لم تتوزع الأغذية في بدن الإنسان إلى طاقة تؤدي دائما إلى وظائف محددة في كل عضو من أعضاء الجسم, وإن هذه الوظائف لا تتخلف أبدا إلا لعلة طارئة؟ أو كيف تنظم هذه الطاقة وظيفتها في كل كائن حي حتى يطير بها الطير في السماء, ويسبح بها السمك في الماء، ويعيش بها الإنسان على وجه الأرض؟ لكانت إجابة الطبيب عن هذه الأسئلة: إن ذلك ليس داخلا في مهمة العلم، إن العلم يصف ما يحدث وليس من مهمة العالم أن يتكلم عن لماذا يحدث؟ إن معرفة العلل الغائية لهذا الوجود سر لا يكشف عنه إلا الوحي؛ لأن العلم كما قلنا يتكلم عما يحدث ولا يعنيه التحدث عن العلة الغائية التي هي إجابة عن السؤال: لماذا؟ ولا راحة للعقل إلا باكتمال الموقف المعرفي لديه، وإذا كان العلم قد كشف له عن كثير من دقائق هذا الكون وأسراره, فيأتي دور الوحي ليقول للعقل ما عجز عنه العلم، ويعرفه بأسباب هذا الوجود، ويكشف له عن غاياته وأهدافه؛ حتى لا يقع العقل في أودية الحيرة وضلال العبثية. وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] . ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] .

стр. 224

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩] . إن الوحي هو الذي يقدم للعقل تفسيرا مقنعا لعلة الوجود وغايته، والوحي هو الذي يقول للعقل: إن هناك حياة آخرة بعد الحياة الدنيا يكتمل بها حكمة الوجود الإنساني، يكتمل بها الموقف المعرفي للعقل، يكتمل بها منظومة الوجود كله في ضوء من العدل الإلهي الذي به يكون للوجود معنى وللأخلاق أثر في سلوك الإنسان. إن الوجود الإنساني لو كان قاصرا على هذه الحياة فقط لكان وجود الإنسان فيها هو البؤس بعينه, ولما كان للوجود معنى ولا للحياة قيمة، فحياة الإنسان تحيط به من كل جانب بما يدعو إلى الإشفاق، فما أكثر الآلام والأمراض، وما أكثر المظالم والطغيان، وما أكثر عوامل القهر والتسلط بين بني الإنسان، فالقوي متسلط على الضعيف، والغني متسلط على الفقير, والحاكم متسلط على المحكوم، وكم من مظاهر الفساد والإفساد, فإذا لم يكن هناك حياة آخرة يقتصّ فيها للمظلوم من الظالم وللضعيف من القوي وللشعوب من حكامها لكان الوجود كله عبثا, وهذا ما يرفضه العقل وينفيه النقل. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار﴾ [ص: ٢٨] .

стр. 225

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢، ٣] . ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] . إن قيمة الحياة الإنسانية لا يكون لها معنى إلا في الاعتقاد باليوم الآخر كضرورة دينية وأخلاقية معا، عبر عنها القرآن الكريم في أكثر من آية. وهذا الأمر ليس من مهمة العلم الكشف عنه، وليس من اختصاص العلماء البحث فيه، وإنما هو نور الوحي وهداية الأنبياء؛ لكي يؤمن المرء بعدالة الخالق بين عباده، والتي عبر عنها كثير من الأحاديث الصحيحة حتى إن الله يقتص للشاة الظلفاء من الشاة القرناء. وإذا كان ميزان العدالة قد اهتزّ في يد البشر في حياتهم الدنيا, فإنه غير قابل للخلل في يد الخالق سبحانه، وكل هذه المعارف الدينية لا سبيل إليها إلا بطريق الوحي. فتسكن النفوس من حيرتها وتطمئن القلوب, حيث يجد المظلوم والضعيف والفقير ما وعدهم ربهم حقا في الآخرة كما آمن بمصداقية الوحي فيما أمر به, ونهى عنه في الدنيا.

стр. 226

الوحي حاجة إنسانية: من المفيد في هذه المرحلة من البحث أن نوضح هذه القضية التي تحوم حولها بعض الشبهات من الذين يرون أن العلم قد أغنانا عن الوحي, وأنه حل لنا المشكلات التي عانت منها البشرية قديما والتي جعلتها تفكر في الاستعانة بالوحي لحل هذه المشكلات، أما الآن وقد حمل لنا العلم حلول هذه المشكلات فلم تعد البشرية في حاجة إلى هذا اللون من الاعتقاد في الغيبيات, هكذا يقولون. وقد ينادي بعضهم في الاستدلال على صحة موقفه هذا فيحاول أن يخضع النصوص القرآنية لما يسميه بنقد النص أو تأويل النص أو إعادة قراءة النص قراءة عصرية أو إعادة التفسير في ضوء الواقع أو ... أو ... إلخ ما يقولون. ولو خاطبنا هؤلاء بلغتهم لقلنا لهم: إن العلم لا ينكر الوحي ولا يتضمن العلم نفيا للوحي ولا إنكارا للنبوة, بل على العكس قد فتح العلم بكشوفه الرائعة عن حقائق كانت في طيّ الغيب قربت للعقل إدراك ما كان يظنه مستحيلا أو غير مقبول في تصوره.

стр. 227

وقضية الوحي في أساسها لا يملك العقل برهانا على إنكارها، فهي في أصل ثبوتها ليست مما يحيله العقل ولكنها ليست مما جرت به العادة بين العقلاء، وهذا أمر لازم لها، فهي ليست من قبيل العادات ولا الأعراف التي تعوّد الناس على معايشتها حتى يتقبلوها بسهولة. ومن هنا كانت محل إنكار من الكافرين بقضية النبوة، والسبب الرئيسي في هذا الإنكار هو عدم التعود على مشاهدة هذه الحالة، وهناك فارق كبير بين المستحيل العقلي والمستحيل عادة. ومن الخطأ منهجيا أن يحمل الناس المستحيل العادي على المستحيل العقلي، وهذا يفسر لنا موقف المشركين من الرسل جميعا حين دعوهم إلى الإيمان بهذا الوحي, فقالوا للرسول: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] . وقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] . وقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٦، ٧] . وقال بعضهم لبعض: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] . وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] .

стр. 228

وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . وقالوا غير ذلك كثيرا، وعند تأملنا هذه الاعتراضات الواردة على الرسل نجد سببها هو مخالفة هذا الأمر لما تعودوه وتعارفوا عليه من ألوان المعرفة العادية، ولما كانت الكهانة والسحر من الأمور الشائعة بينهم, فقد نسبوا الوحي إلى هذه الظاهرة فقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ , ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . وفرعون -قديما- لم يجد عنده ما يعارض به نبي الله موسى إلا اتهامه بالسحر؛ ولذلك جمع له كبار قومه في فنون السحر. ولما وقفوا على حقيقة ما مع موسى ﵇ أدركوا أنه ليس من جنس بضاعتهم؛ ولهذا كانوا أول من آمن برب العالمين رب موسى وهارون، وقال فرعون لهم: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين﴾ [الشعراء: ٤٩] . إلى غير ذلك من وسائل التهديد بالعذاب والهلاك, فما كان جوابهم إلا أن قالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٢، ٧٣] . وعلى هذا النحو كانت قضية الرسل مع أقوامهم, فالنبوة أصلا أمر غير عادي.

стр. 229

والوحي كوسيلة معرفية غيبية أمر غير عادي، ودعوى الأنبياء أنهم يخاطبون بوحي من السماء أمر غير عادي، ودلائل صدق الأنبياء من الآيات والمعجزات أمر غير عادي، ولكن السؤال الضروري هنا: هل لأن هذه الأمور كلها فوق عادة البشر تكون بالضرورة مما يحكم العقل باستحالتها؟ الجواب هنا بالقطع لا؛ فإن العقل لا يحكم باستحالة هذه الأشياء. ومن يملك برهانا قاطعا على القول بأن هذه الأمور مستحيلة عقلا فليظهره. إن كل ما يدعيه الرافضون للوحي أنهم لا يعرفون دليلا عليه ولا يملكون برهانا على صحته. وقد يضيفون إلى ذلك دعواهم أن هذه القضية لا تخضع للتجربة الحسية؛ وبالتالي فهي ليست قابلة للصدق. وهذا أقصى ما ينبهون إليه من دعاوى الإنكار. ولكن من قال: إن عدم معرفتهم بدليل نزول الوحي يعتبر دليلا على عدم وجوده؟ من قال: إن عدم وجدان الدليل دليل على عدم وجود الدليل في نفسه؟ وهل إذا جهل بعض الناس دليل نسبة كتاب المنطق لأرسطو أو لم يعلم أصلا بوجود أرسطو كفيلسوف, هل عدم علمه بوجود أرسطو يلغي وجوده في نفسه, ويعتبر ذلك دليلا كافيا على صحة قوله؟

стр. 230

ثانيا: من الذي قال: إن التجربة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات صحة الرأي أو خطئه؛ إن هناك كثيرا من المعارف اليقينية لا تخضع في ذاتها للتجربة, ولا يملك أحد إنكارها. نعم, إن التجربة مسلك علمي صحيح لا يشك أحد في نتائجها إذا استوفت شروطها العلمية، لكن التجربة ذاتها لها عالمها الخاص الذي يخضع لها وتعمل في دائرته وحدوده، لكن التجربة لا تحمل معها دليلا على أن كل ما لم يجرب من المعارف لا يكون صحيحا، إنها لا تنفي وجود الأشياء التي لم نجربها كما لا تنفي قياس أشياء لم نشاهدها على أشياء شاهدناها تجريبيا, وهذا في حد ذاته كافٍ للحكم عليه بما شاهدناه في نظيره ومثيله. وهذا هو القياس العلمي وهو كالتجربة المباشرة تماما في إفادة اليقين، والتجربة لا تعتبر حقيقة علمية لمجرد أننا شاهدناها، والقياس عليها لا يعتبر باطلا لمجرد أنه قياس. وقد توصل العلم إلى اكتشاف كثير من الوسائل المعرفية التي قربت إلى الأذهان إمكان الوحي عقلا كوسيلة من وسائل المعرفة، ولعل ما أورده بعض العلماء المهتمين بهذه القضية من أمثلة الاختراعات الحديثة, والكشوف العلمية ما يبرهن على صحة هذه القضية١

стр. 231

فهرس: تقديم ٧ الوحي والإنسان "قراءة تاريخية" ١٠ المعرفة بين العقل والوحي ٤٦ مفهوم الوحي ٤٩ مفهوم العقل ٥٦ مدارك العقول "عالم الغيب وعالم الشهادة" ٦٨ وظيفة العقل في عالم الشهادة ٧٠ علاقة العقل بعالم الغيب ٨٠ مستويات الغيب ٨١ معرفة الغيب بين منهجين ٨٥ بين العقل والوحي ٩٧ الوحي والعلم "تحديد المفهوم" ١١٠ الوحي والكون "قراءة معرفية" ١٣٨ الكون موضوع المعرفة ١٥٤

стр. 232

الوحي والواقع ١٨٤ الوحي ضرورة اجتماعية ٢٠٤ الوحي حاجة نفسية ٢١٦ الوحي حاجة عقلية ٢٢٣ الوحي حاجة إنسانية ٢٣٢